← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7292

تأويل مختلف الحديث

ابن قتيبة

Полный текст (511 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَقَالَ آخَرُ: يَثْبُتُ بِاثْنَيْ عَشَرَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ ١. وَقَالَ آخَرُ: يَثْبُتُ بِعِشْرِينَ رَجُلًا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ٢. وَقَالَ آخَرُ: يَثْبُتُ بِسَبْعِينَ رَجُلًا، لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ ٣. فَجَعَلُوا كُلَّ عَدَدٍ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ، حُجَّةً فِي صِحَّةِ الْخَبَرِ. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْخَبَرَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِثَمَانِيَةٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَهُمُ الْحُجَّةُ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ٤ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا ثَمَانِيَةً، حَتَّى يَكُونَ الْكَلْبُ ثَامِنَهُمْ أَوْ قَالَ: لَا يَثْبُتُ الْخَبَرُ إِلَّا بِتِسْعَةَ عَشَرَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فِي خَزَنَةِ جَهَنَّمَ -حِينَ ذَكَرَهَا- فَقَالَ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَر﴾ ٥ لَكَانَ أَيْضًا قَوْلًا وَعَدَدًا مُسْتَخْرَجًا مِنَ الْقُرْآنِ. وَهَذِهِ الْاخْتِيَارَاتُ، إِنَّمَا اخْتَلَفَتْ هَذَا الِاخْتِلَافَ، لِاخْتِلَافِ عُقُولِ النَّاسِ، وَكُلٌّ يَخْتَارُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِهِ. وَلَوْ رَجَعُوا إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَرْسَلَ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً رَسُولًا وَاحِدًا وَأَمَرَهُمْ بِاتِّبَاعِهِ وَقَبُولِ قَوْلِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اثْنَيْنِ وَلَا أَرْبَعَةً، وَلَا عِشْرِينَ وَلَا سَبْعِينَ، فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، لَدَلَّهُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصَّادِقَ الْعَدْلَ، صَادِقُ الْخَبَرِ، كَمَا أَنَّ الرَّسُولَ الْوَاحِدَ الْمُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى صَادِقُ الْخَبَرِ، وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُنَا لِهَذَا الْبَابِ، فَنُطِيلُ فِيهِ.

стр. 107

تَفْسِيرُهُمُ الْقُرْآنَ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَفَسَّرُوا الْقُرْآنَ بِأَعْجَبِ تَفْسِيرٍ، يُرِيدُونَ أَنْ يَرُدُّوهُ إِلَى مَذَاهِبِهِمْ، وَيَحْمِلُوا التَّأْوِيلَ عَلَى نِحَلِهِمْ. فَقَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ١ أَيْ عِلْمُهُ، وَجَاءُوا عَلَى ذَلِكَ بِشَاهِدٍ لَا يُعْرَفُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّاعِرِ. وَلَا يُكَرْسِئُ عِلْمَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ كَأَنَّهُ عِنْدَهُمْ، وَلَا يَعْلَمُ عِلْمَ اللَّهِ مَخْلُوق. والكرسي غير مَهْمُوز، و"يكرسئ" مَهْمُوزٌ، يَسْتَوْحِشُونَ أَنْ يَجْعَلُوا لِلَّهِ تَعَالَى كُرْسِيًّا، أَوْ سَرِيرًا، وَيَجْعَلُونَ الْعَرْشَ شَيْئًا آخَرَ. وَالْعَرَبُ لَا تَعْرِفُ الْعَرْشَ إِلَّا السَّرِيرَ، وَمَا عُرِشَ مِنَ السُّقُوفِ وَالْآبَارِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢ أَيْ: عَلَى السَّرِيرِ. وَأُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ٣ يَقُولُ: مَجِّدُوا اللَّهَ وَهُوَ لِلْمَجْدِ أَهْلٌ ... رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ أَمْسَى كَبِيرًا بِالْبِنَاءِ الْأَعْلَى الَّذِي سَبَقَ النَّاسَ ... وَسَوَّى فَوْقَ السَّمَاءِ سَرِيرًا شَرْجَعًا٤ مَا يَنَالُهُ بَصَرُ الْعَيْنِ ... تَرَى دُونَهُ الْمَلَائِكَ صُوَرًا٥ وَقَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ ٦، إِنَّهَا هَمَّتْ بِالْفَاحِشَةِ، وَهَمَّ هُوَ بِالْفِرَارِ مِنْهَا أَوِ الضَّرْبِ لَهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى

стр. 108

يَقُول: ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ١ أَفَتُرَاهُ أَرَادَ الْفِرَارَ مِنْهَا أَوِ الضَّرْبَ لَهَا، فَلَمَّا رَأَى الْبُرْهَانَ أَقَامَ عِنْدَهَا!. وَلَيْسَ يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ أَنْ تَقُولَ: "هَمَمْتُ بِفُلَانٍ، وَهَمَّ بِي" وَأَنْتَ تُرِيدُ اخْتِلَافَ الْهَمَّيْنِ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ تَهُمُّ بِإِهَانَتِهِ، وَيَهُمُّ هُوَ بِإِكْرَامِكَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ هَذَا الْكَلَامُ إِذَا اتَّفَقَ الْهَمَّانِ. وَقَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ؛ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ٢ إِنَّهُ أُتْخِمَ مِنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ. فَذَهَبُوا إِلَى قَوْلِ الْعَرَبِ: "غَوَى الْفَصِيلُ يغوَى غَوًى" إِذَا أَكْثَرَ مِنْ شُرْبِ اللَّبَنِ، حَتَّى يَبْشَمَ، وَذَلِكَ "غَوَى يَغْوِي غَيًّا". وَهُوَ مِنَ الْبَشَمِ "غَوِيَ يغوَى غَوًى". وَقَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ؛ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ﴾ ٣ أَيْ أَلْقَيْنَا فِيهَا. يَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ النَّاسِ "ذَرَتْهُ الرِّيحُ". وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَرَأْنَا مِنْ "ذَرَتْهُ الرِّيحُ" لِأَنَّ "ذَرَأْنَا" مَهْمُوز، و"ذرته الرِّيحُ تَذْرُوهُ" غَيْرُ مَهْمُوزٍ. وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ نَجْعَلَهُ مِنْ "أَذْرَتْهُ الدَّابَّةُ عَنْ ظَهْرِهَا" أَيْ "أَلْقَتْهُ" لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ "ذَرَأَتْ" تَقْدِيرُ "فَعَلَتْ" بِالْهَمْزِ، وَهَذَا مِنْ "أَذْرَيْتُ" تَقْدِيرُ "أَفْعَلْتُ" بِلَا هَمْزٍ. وَاحْتج بقول المثقب٤ الْعَبْدي:

стр. 109

تَقولُ إِذا دَرَأتُ لَها وَضيني١ ... أَهَذا دِينُهُ٢ أَبَداً وَديني وَهَذَا تَصْحِيفٌ، لِأَنَّهُ قَالَ: تَقُولُ: "إِذَا دَرَأْتُ" أَيْ "دَفَعْتُ" بِالدَّالِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ ٣ أَنَّهُ٤ ذَهَبَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ اسْتِيحَاشًا مِنْ أَنْ يَجْعَلُوهُ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ، مَعَ عِصْمَةِ اللَّهِ لَهُ. فَجَعَلُوهُ خَرَجَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ، حِينَ آمَنُوا، فَفَرُّوا إِلَى مِثْلِ مَا اسْتَقْبَحُوا. وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَغْضَبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَوْمِهِ حِينَ آمَنُوا؟ وَبِذَلِكَ بُعِثَ، وَبِهِ أُمِرَ؟! وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّ اللَّهِ، إِنْ كَانَ يَغْضَبُ مِنْ إِيْمَانِ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، وَلَمْ يَخْرُجْ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ، وَلَا لِقَوْمِهِ؟ وَهَذَا مُبَيَّنٌ فِي كِتَابِي الْمُؤَلَّفِ فِي "مُشْكَلِ الْقُرْآنِ". وَلَمْ يَكُنْ قَصْدِي فِي هَذَا الْكِتَابِ، الْإِخْبَارُ عَنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَأَشْبَاهِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ الْقَصْدُ بِهِ الْإِخْبَارَ عَنْ جَهْلِهِمْ وَجُرْأَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، بِصَرْفِ الْكِتَابِ إِلَى مَا يَسْتَحْسِنُونَ، وَحَمْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى مَا يَنْتَحِلُونَ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ٥ أَيْ فَقِيرًا إِلَى رَحْمَتِهِ. وَجَعَلُوا مِنَ "الْخَلَّةِ" بِفَتْحِ الْخَاءِ، اسْتِيحَاشًا مِنْ أَنْ يكون الله تَعَالَى

стр. 110

خَلِيلًا لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ زُهَيْرٍ١. وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْأَلَةٍ ... يَقُولُ لَا غَائِبٌ مَالِي وَلَا حَرِمَ أَيْ إِنْ أَتَاهُ فَقِيرٌ؛ فَأَيَّةُ فَضِيلَةٍ فِي هَذَا الْقَوْلِ، لِإِبْرَاهِيمَ ﷺ ؟ أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ النَّاسَ جَمِيعًا، فُقَرَاءٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ وَهَلْ إِبْرَاهِيمُ فِي "خَلِيلِ اللَّهِ" إِلَّا كَمَا قِيلَ "مُوسَى كِلِيمُ الله". و"عِيسَى رَوْحُ اللَّهِ "؟ وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ٢ إِن الْيَد، هَهُنَا النِّعْمَةُ؛ لِقَوْلِ الْعَرَبِ "لِي عِنْدَ فُلَانٍ يَدٌ" أَيْ نِعْمَةٌ وَمَعْرُوفٌ. وَلَيْسَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْيَدُ، هَهُنَا النِّعْمَةَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ٣ مُعَارَضَةً عَمَّا قَالُوهُ فِيهَا٤ ثُمَّ قَالَ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٥. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ "غُلَّتْ نِعَمُهُمْ، بَلْ نِعْمَتَاهُ مَبْسُوطَتَانِ" لِأَنَّ النِّعَمَ لَا تُغَلُّ، وَلِأَنَّ الْمَعْرُوفَ لَا يُكَنَّى عَنْهُ بِالْيَدَيْنِ، كَمَا يُكَنَّى عَنْهُ بِالْيَدِ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ جِنْسَيْنِ مِنَ الْمَعْرُوفِ، فَيَقُولَ: لِي عِنْدَهُ يَدَانِ. وَنِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحَاطَ بِهَا. تَفْسِيرُ الرَّوَافِضِ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ تَفْسِيرُ الرَّوَافِضِ لِلْقُرْآنِ، وَمَا

стр. 111

يَدعُونَهُ مِنْ عِلْمِ بَاطِنِهِ بِمَا وَقَعَ إِلَيْهِمْ١ مِنَ الْجَفْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ هَارُونُ٢ بْنُ سَعْدٍ الْعِجْلِيُّ وَكَانَ رَأْسَ الزَّيْدِيَّةِ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الرَّافِضِينَ تَفَرَّقُوا ... فَكُلُّهُمْ فِي جَعْفَرٍ قَالَ مُنْكَرًا فَطَائِفَةٌ قَالُوا إِمَامٌ وَمِنْهُمْ ... طَوَائِفُ سَمَّتْهُ النَّبِيَّ الْمُطَهَّرَا وَمِنْ عَجَبٍ لَمْ أَقْضِهِ جِلْدُ جَفْرِهِمْ ... بَرِئْتُ إِلَى الرَّحْمَنِ مِمَّنْ تَجَفَّرَا بَرِئْتُ إِلَى الرَّحْمَنِ مِنْ كُلِّ رَافِضٍ ... بَصِيرٍ بِبَابِ الْكُفْرِ فِي الدِّينِ أَعَوَرَا إِذَا كَفَّ أَهْلُ الْحَقِّ عَنْ بِدْعَةٍ مَضَى ... عَلَيْهَا وَإِنْ يَمْضُوا عَلَى الْحَقِّ قَصَّرَا وَلَوْ قَالَ إِنَّ الْفِيلَ ضَبٌّ لَصَدَّقُوا ... وَلَوْ قَالَ زِنْجِيٌّ تَحَوَّلَ أَحَمَرَا وَأَخْلَفَ مِنْ بَوْلِ الْبَعِيرِ فَإِنَّهُ ... إِذَا هُوَ لِلْإِقْبَالِ وُجِّهَ أَدْبَرَا فَقُبِّحَ أَقْوَامٌ رَمَوْهُ بِفِرْيَةٍ ... كَمَا قَالَ فِي عِيسَى الْفِرَى مَنْ تَنَصَّرَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ جِلْدُ جَفْرٍ، ادَّعُوا أَنَّهُ كَتَبَ فِيهِ لَهُمُ الْإِمَامُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَى عِلْمِهِ، وَكُلَّ مَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ ٣ أَنَّهُ الْإِمَامُ، وَوَرِثَ النَّبِيُّ ﷺ عِلْمَهُ. وَقَوْلُهُمْ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ٤ أَنَّهَا عَائِشَةُ ﵂. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ ٥ أَنه طَلْحَة وَالزُّبَيْر.

стр. 112

وَقَوْلهمْ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ: إِنَّهُمَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، ﵄. وَالْجِبْتُ وَالطَّاغُوتُ: إِنَّهُمَا مُعَاوِيَةُ١ وَعَمْرُو٢ بْنُ الْعَاصِ، مَعَ عَجَائِبَ أَرْغَبُ٣ عَنْ ذِكْرِهَا، وَيَرْغَبُ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابُنَا هَذَا عَنِ اسْتِمَاعِهِ. وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ يَقُولُ: مَا أَشْبَهُ تَفْسِيرِ الرَّافِضَةِ لِلْقُرْآنِ إِلَّا بِتَأْوِيلِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لِلشِّعْرِ، فَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: مَا سَمِعْتُ بِأَكْذَبَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، زَعَمُوا أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: بَيْتُ زُرَارَةَ مُحْتَبٍ بِفِنَائِهِ ... وَمُجَاشِعٌ وَأَبُو الْفَوَارِسِ نَهْشَلُ أَنَّهُ فِي رِجَالٍ مِنْهُمْ، قِيلَ لَهُ: فَمَا تَقُولُ أَنْتَ فِيهِمْ٤! قَالَ: الْبَيْتُ بَيْتُ اللَّهِ، وَزُرَارَةُ: الْحَجَرُ. قِيلَ: فَمُجَاشِعُ؟ قَالَ: زَمْزَمُ، جَشِعَتْ بِالْمَاءِ. قِيلَ: فَأَبُو الْفَوَارِسِ؟ قَالَ: أَبُو قُبَيْسٍ. قِيلَ لَهُ: فَنَهْشَلُ؟ قَالَ: نَهْشَلُ أَشَدُّهُ، وَفَكَّرَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: نَهْشَلُ مِصْبَاحُ الْكَعْبَةِ، لِأَنَّهُ طَوِيلٌ أَسْوَدُ، فَذَلِكَ نَهْشَلُ. وَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْبِدَعِ افْتِرَاقًا وَنِحَلًا. بَعْضُ تَفَاسِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ: فَمِنْهُمْ قَوْمٌ يُقَالُ لَهُمُ "الْبَيَانِيَّةُ" يُنْسَبُونَ إِلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ "بَيَانٌ" قَالَ لَهُمْ: إِلَيَّ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إِذْ قَالَ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٥ وَهُمْ أول من قَالَ بِخلق الْقُرْآن.

стр. 113

وَمِنْهُم الْمَنْصُورِيَّةُ ١ أَصْحَابُ أَبِي مَنْصُورٍ الْكِسَفِ وَكَانَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: فيَّ نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ ٢. وَمِنْهُمُ الْخَنَّاقُونَ وَالشَّدَاخُونَ: وَمِنْهُمُ الْغُرَابِيَّةُ: وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرُوا أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ. فَغَلِطَ جِبْرِيلُ ﵇، حِينَ بُعِثَ إِلَى عَلِيٍّ لِشَبَهِهِ بِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا نَعْلَمُ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ أَحَدًا ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ لِبِشْرٍ غَيْرَهُمْ. فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَبَأٍ٣ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ لَعَلِيٍّ، فَأَحْرَقَ عَلِيٌّ أَصْحَابَهُ بِالنَّارِ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ: لَمَّا رَأَيْتُ الْأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرًا أَجَجْتُ نَارِي وَدَعَوْتُ فَنْبَرَا وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا ادَّعَى النُّبُوَّةَ لِنَفْسِهِ غَيْرَهُمْ. فَإِن الْمُخْتَار٤ ابْن أَبِي عُبَيْدٍ، ادَّعَى النُّبُوَّةَ لِنَفْسِهِ وَقَالَ: إِن جِبْرِيل٥

стр. 114

وَمِيكَائِيل يَأْتِيَانِ إِلَى جِهَتِهِ، فَصَدَّقَهُ قَوْمٌ واتبعوه، وهم الكيسانية١.

стр. 115

ذكر أَصْحَاب الحَدِيث: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَأَمَّا أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمُ الْتَمَسُوا الْحَقَّ مِنْ وِجْهَتِهِ، وَتَتَبَّعُوهُ مِنْ مَظَانِّهِ، وَتَقَرَّبُوا إِلَى١ اللَّهِ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِمْ سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَطَلَبِهِمْ لِآثَارِهِ وَأَخْبَارِهِ، بَرًّا وَبَحْرًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا. يَرْحَلُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ رَاجِلًا مُقَوِّيًا٢ فِي طَلَبِ الْخَبَرِ الْوَاحِدِ، أَوِ السُّنَّةِ الْوَاحِدَةِ، حَتَّى يَأْخُذَهَا مِنَ النَّاقِلِ لَهَا مُشَافَهَةً. ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا فِي التَّنْقِيرِ عَنِ الْأَخْبَارِ وَالْبَحْثِ لَهَا، حَتَّى فَهِمُوا صَحِيحَهَا وَسَقِيمَهَا، وَنَاسِخَهَا وَمَنْسُوخَهَا، وَعَرَفُوا مَنْ خَالَفَهَا مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى الرَّأْيِ. فَنَبَهُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى نَجَمَ٣ الْحَقُّ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَافِيًا، وَبَسَقَ٤ بَعْدَ أَنْ كَانَ دَارِسًا٥، وَاجْتَمَعَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَفَرِّقًا، وَانْقَادَ لِلسُّنَنِ مَنْ كَانَ عَنْهَا مُعْرِضًا، وَتَنَبَّهَ عَلَيْهَا٦ مَنْ كَانَ عَنْهَا غَافِلًا، وَحُكِمَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُحْكَمُ بِقَوْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَإِنْ٧ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

стр. 116

تَمْيِيزُ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ لِلتَّحْذِيرِ فِيهَا: وَقَدْ يَعِيبُهُمُ الطَّاعِنُونَ بِحَمْلِهِمُ الضَّعِيفَ، وَطَلَبِهِمُ الْغَرَائِبَ، وَفِي الْغَرِيبِ الدَّاءُ. وَلَمْ يَحْمِلُوا الضَّعِيفَ وَالْغَرِيبَ، لِأَنَّهُمْ رَأَوْهُمَا حَقًّا، بَلْ جَمَعُوا الْغَثَّ وَالسَّمِينَ وَالصَّحِيحَ وَالسَّقِيمَ، لِيُمَيِّزُوا بَيْنَهُمَا، وَيَدُلُّوا عَلَيْهِمَا، وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَالُوا فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: "شُرْبُ الْمَاءِ عَلَى الرِّيقِ، يَعْقِدُ الشَّحْمَ"١ هُوَ مَوْضُوعٌ، وَضَعَهُ عَاصِمٌ الْكُوزِيُّ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّهُ كَانَ يَبْصُقُ فِي الدَّوَاةِ، وَيَكْتُبُ مِنْهَا". مَوْضُوعٌ، وَضَعَهُ عَاصِمٌ الْكُوزِيُّ. قَالُوا: وَحَدِيثُ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "لَمْ يُجِزْ طَلَاقَ الْمَرِيضِ" مَوْضُوعٌ وَضَعَهُ سَهْلٌ السَّرَّاجُ. قَالُوا: وَسَهْلٌ كَانَ٢ يُرْوَى أَنَّهُ رَأَى الْحَسَنَ يُصَلِّي بَيْنَ سُطُورِ٣ الْقُبُورِ. وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْحَسَنَ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْقُبُورِ"٤. قَالُوا: وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ الرَّجُلُ رَاكِبًا مَا دَامَ مُنْتَعِلًا" بَاطِلٌ، وَضَعَهُ أَيُّوبُ بْنُ خُوطٍ. وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُشَارُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْعِيدِ بِالْحِرَابِ" هُوَ بَاطِلٌ وَضَعَهُ الْمُنْذِرُ بْنُ زِيَادٍ.

стр. 117

وَحَدِيث بن أَبِي أَوْفَى "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمَسُّ لِحْيَتَهُ فِي الصَّلَاةِ" وَضَعَهُ الْمُنْذِرُ بْنُ زِيَادٍ. وَحَدِيثُ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، "نَهَى عَنِ عَشْرِ كُنًى" مَوْضُوعٌ وَضَعَهُ أَبُو عِصْمَةَ، قَاضِي مَرْوَ. وَقَالُوا فِي أَحَادِيثَ مَوْجُودَةٍ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ: لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ. مِنْهَا: "مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ، خِفَّةُ عَارِضَيْهِ". وَمِنْهَا: "سَمُّوهُمْ بِأَحَبِّ الْأَسْمَاءِ إِلَيْهِمْ" وَكَنُّوهُمْ بِأَحَبِّ الْكُنَى إِلَيْهِمْ". وَمِنْهَا: "خَيْرُ تجاراتكم١ الْبَزُّ، وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمُ الْخَرْزُ". وَمِنْهَا: "لَوْ صَدَقَ السَّائِلُ، مَا أَفْلَحَ مَنْ رَدَّهُ". وَمِنْهَا: "النَّاسُ أَكْفَاءٌ إِلَّا حَائِكًا، أَوْ حَجَّامًا" مَعَ حَدِيثٍ كَثِيرٍ، لَا يُحَاطُ بِهِ٢، قَدْ رَوُوهُ، وَأَبْطَلُوهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي أَحَادِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ كَذَا، فَلَهُ كَذَا، وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ كَذَا فَلَهُ كَذَا" أَظُنُّ الزَّنَادِقَةَ، وَضَعَتْهُ. وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي يُشَنَّعُ بِهَا عَلَيْهِمْ مِنْ عَرَقِ الْخَيْلِ، وَزَغَبِ الصَّدْرِ، وَقَفَصِ الذَّهَبِ، وَعِيَادَةِ الْمَلَائِكَةِ، هِيَ كُلُّهَا بَاطِلٌ، لَا طُرُقَ لَهَا، وَلَا رُوَاةَ، وَلَا نَشُكُّ فِي وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ لَهَا. تَأْوِيلُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُشْكِلَةِ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ، مِثْلَ: "قَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن"٣.

стр. 118

و"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ"١ وَ"كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين" "وَيحمل٢ اللَّهُ الْأَرْضَ عَلَى أُصْبُعٍ وَيَجْعَلُ كَذَا عَلَى أُصْبُعٍ"٣. وَ"لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِنَّهَا مِنْ نفَس الرَّحْمَنِ"٤، وَ"كَثَافَةُ جِلْدِ الْكَافِرِ فِي النَّارِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، بِذِرَاعِ الْجَبَّارِ"٥. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَخَارِجُ، سَنُخْبِرُ بِهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَرُبَّمَا نَسِيَ الرَّجُلُ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ قَدْ حَدَّثَ بِهِ، وَحُفِظَ عَنْهُ وَيُذَاكَرُ بِهِ، فَلَا يَعَرِفُهُ، وَيُخْبَرُ بِأَنَّهُ قَدْ حَدَّثَ بِهِ، فَيَرْوِيهِ عَمَّنْ سَمِعَهُ مِنْهُ، ضَنًا بِالْحَدِيثِ الْجَيِّدِ، وَرَغْبَةً فِي السُّنَّةِ، كَرِوَايَةِ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ"٦. قَالَ رَبِيعَةُ: ثُمَّ ذَاكَرْتُ سُهَيْلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَلَمْ يَحْفَظْهُ، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، يَرْوِيهِ عَنْ نَفْسِهِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَكَرِوَايَةِ وَكِيعٍ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدِيثَيْنِ: أَحدهمَا: عَن بن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حدّثنَاهُ مُحَمَّد بن٧ هَارُون

стр. 119

قَالَ: نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: نَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة، عَن بن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا، وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ ١ قَالَ: تَدُورُ دَوْرًا. وَعَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ ٢ قَالَ: الْحُصُونُ. فَسُئِلَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْهُمَا، فَلَمْ يَعْرِفْهُمَا، وَحَدَّثَ ابْنُ عُيَيْنَةَ بِهِمَا عَنْهُمَا، عَنْ نَفْسِهِ, وَرَوَى ابْنُ٣ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ٤ دِينَارٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى طَلَاقَ الْمُكْرَهِ شَيْئًا فَسَأَلَ عَنْهُ ابْنَ عُيَيْنَةَ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ، ثُمَّ حَدَّثَ بِهِ بَعْدُ عَن بن عُلَيَّةَ عَنْ نَفْسِهِ. التَّنْبِيهُ إِلَى الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكَانَ مُعْتَمِرُ بْنُ٥ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُنْقِذٌ عَنِّي، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: "وَيْحُ" كَلِمَةُ رَحْمَةٍ. وَقَدْ نَبَّهُوا عَلَى الطُّرُقِ الضِّعَافِ، كَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ٦ سَعِيدٍ، عَن

стр. 120

أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ عِنْدَهُمْ مِنْ كِتَابٍ. وَكَانَ مُغِيرَةُ، لَا يَعْبَأُ بِحَدِيثِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، وَلَا بِحَدِيثِ خِلَاسٍ، وَلَا بِصَحِيفَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو١. وَقَالَ مُغِيرَةُ: كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو صَحِيفَةٌ، تُسَمَّى الصَّادِقَةَ مَا تَسُرُّنِي أَنَّهَا لِي بِفِلْسَيْنِ. وَقَالَ: حَدِيثُ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَلِيٍّ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ عَنْهُ. وَقَالَ شُعْبَةُ: لأنْ أَزْنِي كَذَا وَكَذَا زَنْيَةً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ أَبَانَ بْنِ أبي عَيَّاش٢.

стр. 121

ضعفهم بِاللُّغَةِ وَالْمَعْرِفَةِ: وَأَمَّا طَعْنُهُمْ عَلَيْهِمْ بِقِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ لِمَا يَحْمِلُونَ، وَكَثْرَةِ اللَّحْنِ وَالتَّصْحِيفِ، فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَتَسَاوُونَ جَمِيعًا فِي الْمَعْرِفَةِ وَالْفَضْلِ، وَلَيْسَ صِنْفٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَلَهُ حَشْوٌ وَشَوْبٌ. فَأَيْنَ هَذَا العائب لَهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَعْلَمِ النَّاسِ بِكُلِّ فَنٍّ، وَحَمَّادِ بْنِ١ سَلَمَةَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَابْنِ عَوْنٍ، وَأَيُّوبَ، وَيُونُسَ بْنِ٢ عُبَيْدٍ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ٣ سَعِيدٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ٤، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَشُعْبَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ مِنَ الْمُتْقِنِينَ؟ الْمُنْفَرِدُ بِفَنٍّ لَا يُعَابُ بِالزَّلَلِ فِي غَيْرِهِ: عَلَى أَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِفَنٍّ مِنَ الْفُنُونِ، لَا يُعَابُ بِالزَّلَلِ فِي غَيْرِهِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُحَدِّثِ عَيْبٌ أَنْ يَزِلَّ فِي الْإِعْرَابِ، وَلَا عَلَى الْفَقِيهِ أَنْ يَزِلَّ فِي الشِّعْرِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ ذِي عِلْمٍ أَنْ يُتْقِنَ فَنَّهُ، إِذَا احْتَاجَ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهِ، وَانْعَقَدَتْ لَهُ الرِّئَاسَةُ بِهِ. وَقَدْ يَجْتَمِعُ لِلْوَاحِدِ عُلُومٌ كَثِيرَةٌ، وَاللَّهُ يُؤْتِي الْفضل من يَشَاء.

стр. 122

وَقَدْ قِيلَ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَكَانَ فِي الْفُتْيَا وَلُطْفِ النَّظَرِ وَاحِدُ زَمَانِهِ١، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ تَنَاوَلَ صَخْرَةً فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ رَجُلٍ فَقَتَلَهُ، أَتَقِيدُهُ بِهِ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَوْ رَمَاهُ بِأَبَا٢ قُبَيْسٍ. وَكَانَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: قَضَى اللَّهُ لَكُمُ الْحَوَائِجَ، عَلَى أَحْسَنِ الْأُمُورِ، وَأَهْنَؤُهَا٣. فَنَظَرَ قَاسِمٌ التَّمَّارُ قَوْمًا يَضْحَكُونَ، مِنْ قَوْلِ بِشْرٍ٤. فَقَالَ: هَذَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: إِنَّ سُلَيْمَى وَاللَّهِ يَكْلَؤُهَا ... ضَنَّتْ بِشَيْءٍ مَا كَانَ يَرْزَؤُهَا وَبِشْرٌ رَأْسٌ فِي الرَّأْيِ، وَقَاسِمٌ التَّمَّارُ مُتَقَدِّمٌ فِي أَصْحَابِ الْكَلَامِ وَاحْتِجَاجُهُ لِبِشْرٍ أَعْجَبُ مِنْ لَحْنِ بِشْرٍ. وَقَالَ بِلَالٌ لِشَبِيبِ بْنِ٥ شَيْبَةَ، وَهُوَ يَسْتَعْدِي٦ عَلَى عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ: أَحْضِرْنِيهِ فَقَالَ: قَدْ دَعَوْتُهُ، فكلَّ ذَلِكَ يَأْبَى عَلَي، قَالَ بِلَال: فالذنب لكل٧.

стр. 123

وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ إِلَّا وَقَدْ أَسْقَطَ١ فِي عِلْمِهِ كَالْأَصْمَعِيِّ، وَأَبِي زَيْدٍ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَسِيبَوَيْهِ٢، وَالْأَخْفَشِ٣، وَالْكِسَائِيِّ٤، وَالْفَرَّاءِ٥، وَأَبِي٦ عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، وَكَالْأَئِمَّةِ مِنْ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَالْأَئِمَّةِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَدْ أَخَذَ النَّاسُ عَلَى الشُّعَرَاءِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ الْخَطَأَ فِي الْمَعَانِي وَفِي الْإِعْرَابِ، وَهُمْ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَبِهِمْ يَقَعُ الْاحْتِجَاجُ. فَهَلْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فِي سَقَطِهِمْ إِلَّا كَصِنْفٍ مِنَ النَّاسِ؟ عَلَى أَنَّا لَا نُخَلِّي أَكْثَرَهُمْ مِنَ الْعَذْلِ٧ فِي كُتُبِنَا، فِي تَرْكِهِمُ الْاشْتِغَالَ بِعِلْمِ مَا قَدْ كَتَبُوا، وَالتَّفَقُّهَ بِمَا جَمَعُوا وَتَهَافُتِهِمْ عَلَى طَلَبِ الْحَدِيثِ مِنْ عَشْرَةِ أَوْجُهٍ، أوعشرين وَجْهًا. وَقَدْ كَانَ فِي الْوَجْهِ الْوَاحِدِ الصَّحِيحِ، وَالْوَجْهَيْنِ مَقْنَعٌ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهَ بِعِلْمِهِ، حَتَّى تَنْقَضِيَ أَعْمَارُهُمْ، وَلَمْ يَحِلُّوا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِأَسْفَارٍ٨ أَتْعَبَتِ الطَّالِب، وَلم تَنْفَع الْوَارِث.

стр. 124

فَمَنْ كَانَ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ، فَهُوَ عِنْدَنَا مُضَيِّعٌ لِحَظِّهِ، مُقْبِلٌ عَلَى مَا كَانَ غَيْرُهُ أَنْفَعَ لَهُ مِنْهُ. وَقَدْ لَقَّبُوهُمْ بِالْحَشْوِيَّةِ، وَالنَّابِتَةِ، وَالْمُجَبِّرَةِ، وَرُبَّمَا قَالُوا: الْجَبْرِيَّةَ. وَسَمَّوْهُمُ الْغُثَاءَ١ وَالْغُثْرَ٢. عُيُوبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ بَسِيطَةٌ لَا تُقَارَنُ بِغَيْرِهِمْ: وَهَذِهِ كُلُّهَا أَنْبَازٌ٣ لَمْ يَأْتِ بِهَا خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَمَا أَتَى عَنْهُ فِي الْقَدَرِيَّةِ: "أَنَّهُمْ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ" ٤. وَفِي الرَّافِضَةِ: بِرِوَايَةِ مَيْمُون بن مهْرَان عَن بن عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " يَكُونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، يُسَمَّوْنَ الرَّافِضَةَ، يَرْفُضُونَ الْإِسْلَامَ وَيَلْفِظُونَهُ، فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ مُشْرِكُونَ" ٥. وَفِي الْمُرْجِئَةِ: "صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي، لَا تَنَالُهُمْ شَفَاعَتِي، لُعِنُوا عَلَى لِسَانِ سَبْعِينَ نَبِيًّا: الْمُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ"٦. وَفِي الْخَوَارِجِ: "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمْيَةِ، وَهُمْ كِلَابُ أهل النَّار" ٧.

стр. 125

فَهَذِهِ أَسْمَاءٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتِلْكَ أَسْمَاءٌ مَصْنُوعَةٌ. وَقَدْ يَحْمِلُ بَعْضَهُمُ الْحَمِيَّةُ عَلَى أَنْ يَقُولَ: الْجَبْرِيَّةُ، هُمُ الْقَدَرِيَّةُ. وَلَوْ كَانَ هَذَا الْاسْمُ يَلْزَمُهُمْ، لَاسْتَغْنَوْا بِهِ عَنِ الْجَبْرِيَّةِ. وَلَوْ سَاغَ هَذَا لِأَهْلِ الْقَدَرِ، لَسَاغَ مِثْلُهُ لِلرَّافِضَةِ، وَالْخَوَارِجِ، وَالْمُرْجِئَةِ، وَقَالَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ مِثْلَ الَّذِي قَالَتْهُ الْقَدَرِيَّةُ. وَالْأَسْمَاءُ لَا تَقَعُ غَيْرَ مَوَاقِعِهَا، وَلَا تَلْزَمُ إِلَّا أَهْلَهَا. وَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ الصَّيَاقِلَةُ هُمُ الْأَسَاكِفَةُ، وَالنَّجَّارُ هُوَ الْحَدَّادُ. وَالْفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرَ الناسُ عَلَيْهَا، وَالنَّظَرُ، يُبْطِلُ مَا قَذَفُوهُمْ بِهِ١. أَمَّا الْفِطَرُ، فَإِنَّ رَجُلًا لَوْ دَخَلَ الْمِصَرَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ فِيهِ، أَوِ الْمُرْجِئَةِ، لَدَلَّهَ الصَّبِيُّ وَالْكَبِيرُ، وَالْمَرْأَةُ وَالْعَجُوزُ، وَالْعَامِّيُّ وَالْخَاصِّيُّ، وَالْحَشْوَةُ وَالرَّعَاعُ، عَلَى الْمُسَمِّينَ بِهَذَا الْاسْمِ، وَلَوِ اسْتَدَلَّ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، لَدَلُّوهُ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَلَوْ مَرَّتْ جَمَاعَةٌ فِيهِمُ الْقَدَرِيُّ، وَالسُّنِّيُّ، وَالرَّافِضِيُّ، وَالْمُرْجِئُ، وَالْخَارِجِيُّ، فَقَذَفَ رَجُلٌ الْقَدَرِيَّةَ، أَوْ لَعَنَهُمْ، لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ بِالشَّتْمِ أَوِ اللَّعْنِ عِنْدَهُمْ، أَصْحَابَ الْحَدِيثِ. هَذَا أَمْرٌ، لَا يَدْفَعُهُ دَافِعٌ، وَلَا يُنْكِرُهُ مُنْكِرٌ. وَأَمَّا النَّظَرُ، فَإِنَّهُمْ أَضَافُوا الْقَدَرَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، وَغَيْرُهُمْ يَجْعَلُهُ لِلَّهِ تَعَالَى، دُونَ نَفْسِهِ. وَمُدَّعِي الشَّيْءَ لِنَفْسِهِ، أَوْلَى بِأَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ، مِمَّنْ جَعَلَهُ لِغَيْرِهِ. وَلِأَنَّ الْحَدِيثَ جَاءَنَا: "بِأَنَّهُمْ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ"٢ وهم أشبه قوم

стр. 126

بالمجوس، لِأَنَّ الْمَجُوسَ تَقُولُ بِإِلَهَيْنِ، وَإِيَّاهُمْ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١. هَفَوَاتُ الْقَدَرِيَّةِ وَضَلَالُهُمْ: وَقَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ: نَحْنُ نَفْعَلُ مَا لَا يُرِيدُ اللَّهُ تَعَالَى، وَنَقْدِرُ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ. وَبَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ الْكَلَامِ، قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ: "أَلَّا تُسْلِمُ يَا فُلَانُ"؟ فَقَالَ: حَتَّى يُرِيدَ اللَّهُ تَعَالَى. فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَرَادَ اللَّهُ، وَلَكِنَّ إِبْلِيسَ لَا يَدَعُكَ. فَقَالَ لَهُ الذِّمِّيُّ: فَأَنَا مَعَ أَقْوَاهُمَا. وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ: يُؤْتَى بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأُقَامُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَيَقُولُ لِي: لِمَ قُلْتَ: إِنَّ الْقَاتِلَ فِي النَّارِ؟ فَأَقُولُ: أَنْتَ قُلْتَهُ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ ٢. قُلْتُ لَهُ -وَمَا فِي الْبَيْتِ أَصْغَرُ مِنِّي: أَرَأَيْتَ إِنْ قَالَ لَكَ قَدْ قَلْتُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣ مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ أَنِّي لَا أَشَاءُ أَنْ أَغْفِرَ؟ قَالَ: فَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَرُدَّ عليَّ شَيْئًا. حَدَّثَنِي أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ: نَا دَاوُدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمفضل٤

стр. 127

عَن مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ جَامِعٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ أَطُوفُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِالْبَيْتِ، فَأَتَى الْمُلْتَزِمُ، بَيْنَ الْبَابِ وَالْحِجْرِ، فَأَلْصَقَ بِهِ بَطْنَهُ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَضَيْتَهُ عليَّ، وَلَا تَغْفِرُ لِي مَا لَمْ تَقِضْهِ عليَّ". وَحَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: نَا الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ١، قَالَ: سَمِعَ الْفَضْلُ الرَّقَاشِيُّ٢ رَجُلًا يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مُسْلِمًا". فَقَالَ: هَذَا مُحَالٌ، فَقَالَ الرَّجُلُ: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ٣. وَحَدَّثَنِي سَهْلٌ قَالَ: نَا الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ الْمَدَنِيِّ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: "الْعِبَادُ أَذَلُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي مُلْكِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ هُوَ كَارِهٌ أَنْ يَكُونَ". وَحَدَّثَنِي سَهْلٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو: أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَلِلَّهِ عَلَيْنَا الْحُجَّةُ، وَمَنْ قَالَ: تَعَالَ أُخَاصِمَكَ، قُلْتُ لَهُ: أَعِزْ عَنَّا نَفْسَكَ. وَحَدَّثَنِي أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ: نَا أَبُو دَاوُدَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: سَمِعت الْحجَّاج يخْطب، وَهُوَ بـ "وَاسِط"، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَرِنِي الْهُدَى هُدًى فَأَتْبَعُهُ، وَأَرِنِي الضَّلَالَةَ ضَلَالَةً فَأَجْتَنِبُهَا، وَلَا تُلُبِسْ عليَّ هُدَايَ فأضلَّ ضلالا بَعيدا.

стр. 128

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ١. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الْقَيْسِيُّ -وَكَانَ مِنَ الْبَكَّائِينَ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهُ- سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ يَقُولُ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ هِيَ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ قَوْلِ مُوسَى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ ٢. فَقُلْتُ لَهُ: فَالْقُرْآنُ يَشْتَدُّ عَلَيْكَ، وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ كَلِمَةً أَبَدًا، فَمَا كَلَّمْتُهُ٣ حَتَّى مَاتَ. طَعْنُ الْقَدَرِيَّةِ بِالثِّقَاتِ: وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّهِيدِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ النَّضْرِ قَالَ: مَرَرْتُ بِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَذَكَرَ شَيْئًا، فَقُلْتُ: مَا هَكَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا. قَالَ: وَمَنْ أَصْحَابُكَ؟ قُلْتُ: أَيُّوبُ، وَابْنُ عَوْنٍ، وَيُونُسُ، وَالتَّيْمِيُّ. فَقَالَ: أُولَئِكَ أَرْجَاسٌ أَنْجَاسٌ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ، غُرَّةُ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، فِي الْعِلْمِ، وَالْفِقْهِ، وَالْاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ، وَطِيبِ الْمَطْعَمِ، وَقَدْ دَرَجُوا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُولَئِكَ أَيْضًا عِنْدَهُ أَرْجَاسٌ أَنْجَاسٌ. فَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّ الَّذِينَ دَرَجُوا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ، لَمْ يَكُونُوا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِمثل مقالتهم فِي الْقدر.

стр. 129

قُلْنَا لَهُمْ: فَلِمَ تَعَلَّقْتُمْ بِالْحَسَنِ، وَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وَغَيْلَانَ؟ أَلَا تَعَلَّقْتُمْ بـ "عليّ" وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَمُعَاذٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَشْبَاهِ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَعْظَمَ فِي الْقُدْوَةِ، وَأَثْبَتَ فِي الْحُجَّةِ، مِنْ قَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ الْحَدِيثَ عَنْ رجال من مخالفيهم، كـ "قَتَادَة"، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ١ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَيَمْتَنِعُونَ عَنِ الْكِتَابَةِ عَنْ مِثْلِهِمْ، مِثْلَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وَعَمْرِو٢ بْنِ فَائِدٍ، وَمَعْبَدٍ٣ الْجُهَنِيِّ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَتَبُوا عَنْهُمْ، أَهْلُ عِلْمٍ وَأَهْلُ صِدْقٍ فِي الرِّوَايَةِ. وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، فَلَا بَأْسَ بِالْكِتَابَةِ عَنْهُ، وَالْعَمَلِ بِرِوَايَتِهِ، إِلَّا فِيمَا اعْتَقَدَهُ مِنَ الْهَوَى، فَإِنَّهُ لَا يَكْتُبُ عَنْهُ، وَلَا يَعْمَلُ بِهِ. كَمَا أَنَّ الثِّقَةَ الْعَدْلَ، تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ، وَلَا لِابْنِهِ، وَلَا لِأَبِيهِ، وَلَا فِيمَا جرَّ إِلَيْهِ نَفَعًا، أَوْ دَفَعَ عَنْهُ ضَرَرًا. وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ قَبُولِ قَوْلِ الصَّادِقِ، فِيمَا وَافَقَ نِحْلَتَهُ، وَشَاكَلَ هَوَاهُ، لِأَنَّ نَفْسَهُ تُرِيهِ أَنَّ الْحَقَّ فِيمَا اعتقده، وَأَن الْقرب إِلَى اللَّهِ فِي تَثْبِيتِهِ بِكُلِّ وَجْهٍ، وَلَا يُؤْمَنُ مَعَ ذَلِكَ، التَّحْرِيفُ، وَالزِّيَادَةُ، وَالنُّقْصَانُ. فَإِنْ قَالُوا: فَإِنَّ أَهْلَ الْمَقَالَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، يَرَى كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أَنَّ الْحَقَّ فِيمَا اعْتَقَدَهُ وَأَنَّ مُخَالِفَهُ عَلَى ضَلَالٍ وَهَوًى، وَكَذَلِكَ أَصْحَاب الحَدِيث، فِيمَا انتحلوا.

стр. 130

فَمِنْ أَيْنَ عَلِمُوا عِلْمًا يَقِينًا، أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ؟ قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ أَهْلَ الْمَقَالَاتِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا، وَرَأَى كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ أَنَّ الْحَقَّ فِيمَا دَعَا إِلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ مُجْمِعُونَ١ لَا يَخْتَلِفُونَ عَلَى أَنَّ مَنِ اعْتَصَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَتَمَسَّكَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدِ اسْتَضَاءَ بِالنُّورِ وَاسْتَفْتَحَ بَابَ الرُّشْدِ، وَطَلَبَ الْحَقَّ مِنْ مَظَانِّهِ. وَلَيْسَ يَدْفَعُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا ظَالِمٌ، لِأَنَّهُمْ لَا يَرُدُّونَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، إِلَى اسْتِحْسَانٍ، وَلَا إِلَى قِيَاسٍ وَنَظَرٍ، وَلَا إِلَى كُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَلَا إِلَى أَصْحَابِ الْكَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ. فَإِنِ ادَّعَوْا عَلَيْهِمُ الْخَطَأَ بِحَمْلِهِمُ الْكَذِبَ وَالْمُتَنَاقِضَ، قِيلَ لَهُمْ: أَمَّا الْكَذِبُ وَالْغَلَطُ وَالضَّعِيفُ، فَقَدْ نُبِّهُوا عَلَيْهِ، عَلَى مَا أَعْلَمْتُكَ. وَأَمَّا الْمُتَنَاقِضُ، فَنَحْنُ مُخْبِرُوكَ بِالْمَخَارِجِ مِنْهُ، وَمُنَبِّهُوكَ عَلَى مَا تَأَخَّرَ عَنْهُ عِلْمُكَ، وَقَصُرَ عَنْهُ نَظَرُكَ، وَبِاللَّهِ الثِّقَة، وَهُوَ الْمُسْتَعَان.

стр. 131

ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ادَّعَوْا عَلَيْهَا التَّنَاقُض: قَالُوا: حَدِيثٌ يُخَالِفُ آيَةً ١- أَخْذُ الْعَهْدِ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ: فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثٌ، ذَكَرُوا أَنَّهُ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالُوا: رَوَيْتُمْ: "أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَسَحَ عَلَى ظَهْرِ آدَمَ ﵇ ١، وَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَمْثَالَ الذَّرِّ، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ". وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ٢ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يُخْبِرُ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ وَالْكِتَابُ يُخْبِرُ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ ظُهُورِ بَنِي آدَمَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَمَا تَوَهَّمُوا، بَلِ الْمَعْنَيَانِ مُتَّفِقَانِ، بِحَمْدِ اللَّهِ ومنِّه، صَحِيحَانِ لِأَنَّ الْكِتَابَ يَأْتِي بِجُمَلٍ، يَكْشِفُهَا الْحَدِيثُ، واختصارٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ السُّنَّةُ. أَلَّا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَ مَسَحَ ظَهَرَ آدَمَ ﵇، عَلَى مَا جَاءَ

стр. 132

فِي الْحَدِيثِ فَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ أَمْثَالَ الذَّرِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَنَّ فِي تِلْكَ الذُّرِّيَّةِ الْأَبْنَاءَ، وَأَبْنَاءَ الْأَبْنَاءِ، وَأَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَإِذَا أَخَذَ مِنْ جَمِيعِ أُولَئِكَ الْعَهْدَ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَقَدْ أَخَذَ مِنْ بَنِي آدَمَ جَمِيعًا، مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ١ فَجَعَلَ قَوْلَهُ لِلْمَلَائِكَةِ: "اسجدوا لآدَم" بعد "خَلَقْنَاكُمْ" و"صورناكم". وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى "خَلَقْنَاكُمْ" وَ"صَوَّرْنَاكُمْ" خَلَقْنَا آدَمَ، وَصَوَّرْنَاهُ، ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ. وَجَازَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ حِينَ خَلَقَ آدَمَ، خَلَقَنَا فِي صُلْبِهِ، وَهَيَّأَنَا كَيْفَ شَاءَ. فَجَعَلَ خَلْقَهُ لِآدَمَ، خَلْقَهُ لَنَا، إِذْ كُنَّا مِنْهُ. وَمِثْلُ هَذَا، مِثْلُ رَجُلٍ أَعْطَيْتَهُ مِنَ الشَّاءِ، ذَكَرًا وَأُنْثَى، وقلتَ لَهُ: قَدْ وَهَبْتُ لَكَ شَاءً كَثِيرًا -تُرِيدُ أَنِّي وَهَبْتُ لَكَ بِهِبَتِي هَذَيْنِ الِاثْنَيْنِ، مِنَ النِّتَاجِ، شَاءً كَثِيرًا. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهَبَ لِدُكَيْنٍ الرَّاجِزِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَاشْتَرَى بِهِ دُكَيْنٌ عِدَّةً مِنَ الْإِبِلِ، فَرَمَى اللَّهُ تَعَالَى فِي أَذْنَابِهَا بِالْبَرَكَةِ، فَنَمَتْ وَكَثُرَتْ. فَكَانَ دُكَيْنٌ يَقُولُ: هَذِهِ مَنَائِحُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَلَمْ تَكُنْ كُلُّهَا عَطَاءَهُ، وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ، فَنَسَبَهَا إِلَيْهِ؛ إِذْ كَانَتْ نَتَائِجَ مَا وَهَبَ لَهُ. وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا، قَوْلُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مِن قَبلِها طِبتَ فِي الظِلالِ وَفي ... مُستَودَعٍ حَيثُ يُخصَفُ الوَرَقُ

стр. 133

يُرِيد: طِبْتَ فِي ظِلَالِ الْجَنَّةِ، وَفِي مُسْتَوْدَعٍ، يَعْنِي: الْمَوْضِعَ الَّذِي اسْتُودِعَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، حَيْثُ يُخْصَفُ الْوَرَقُ، أَيْ: حَيْثُ خَصَفَ آدَمُ وَحَوَّاءُ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ. وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ كَانَ إِذْ ذَاكَ، طَيِّبًا فِي صُلْبِ آدَمَ، ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ هَبَطْتَ البِلادَ لَا بَشَرٌ ... أَنتَ وَلا نُطفَةٌ وَلا عَلَقُ يُرِيدُ أَنَّ آدَمَ هَبَطَ الْبِلَادَ، فَهَبَطْتَ فِي صُلْبِهِ، وَأَنْتَ إِذْ ذَاكَ، لَا بَشَرٌ وَلَا مُضْغَةٌ، وَلَا دَمٌ. ثُمَّ قَالَ: بَلْ نُطْفَةٌ تَركَبُ السَفينَ وَقَد ... أَلجَمَ نَسْرًا١ وَأَهلَهُ الغَرَقُ يُرِيدُ أَنَّكَ نُطْفَةٌ فِي صُلْبِ نُوحٍ ﷺ ، حِينَ رَكِبَ الْفُلْكَ ثُمَّ قَالَ: تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إِلى رَحِم ... إِذَا مَضى عَلَمٌ بَدا طَبَقُ يُرِيدُ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ فِي الْأَصْلَابِ وَالْأَرْحَامِ: فَجَعَلَهُ طَيِّبًا وَهَابِطًا لِلْبِلَادِ، وَرَاكِبًا لِلسُّفُنِ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخْلَقَ. وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ آبَاءَهُ، الَّذِينَ اشْتَمَلَتْ أَصْلَابُهُمْ عَلَيْهِ.

стр. 134

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ٢- اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ: قَالُوا: رَوَيْتُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ" ١. وَرَوَيْتُمْ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحِذَّاءِ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: "ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ قَوْمًا يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِخَلَائِهِ، فَاسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ" ٢. قَالُوا: وَهَذَا خِلَافُ ذَاكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ، يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّسْخُ، لِأَنَّهُ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَكَيْفَ لَمْ يَذْهَبُوا إِلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ، وَالْآخَرَ مَنْسُوخٌ؟ إِذْ كَانَ قَدْ ذَهَبَ عَلَيْهِمُ الْمَعْنَى فِيهِمَا. وَلَيْسَا عِنْدَنَا مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَلَكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْضِعٌ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ. فَالْمَوْضِعُ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةُ فِيهِ بِالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، هِيَ الصَّحَارِي والبراحات٣.

стр. 135

وَكَانُوا إِذَا نَزَلُوا فِي أَسْفَارِهِمْ لِهَيْئَةِ الصَّلَاةِ، اسْتَقْبَلَ بَعْضُهُمُ الْقِبْلَةَ بِالصَّلَاةِ، وَاسْتَقْبَلَهَا بَعْضُهُمْ بِالْغَائِطِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ إِكْرَامًا لِلْقِبْلَةِ، وَتَنْزِيهًا لِلصَّلَاةِ. فَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا أَيْضًا، يُكْرَهُ فِي الْبُيُوتِ وَالْكُنُفِ الْمُحْتَفَرَةِ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِخَلَائِهِ، فَاسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ. يُرِيدُ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْبُيُوتِ، وَالْآبَارِ الْمُحْتَفَرَةِ، الَّتِي تَسْتُرُ الْحَدَثَ، وَفِي الْخَلَوَاتِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يجوز فِيهَا الصَّلَاة.

стр. 136

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ٣- الْمَشْيُ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ: قَالُوا: رَوَيْتُمْ عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَة" ١. ورويتم عَن منْدَل، عَن اللَّيْث، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "رُبَّمَا انْقَطَعَ شِسْعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَشَى فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ، حَتَّى يُصْلِحَ الْأُخْرَى" ٢. قَالُوا: وَهَذَا خِلَافُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّد: وَنحن نقُول: لَيْسَ هَهُنَا خِلَافٌ، بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَنْقَطِعُ شِسْعُ نَعْلِهِ، فَيَنْبِذُهَا، أَوْ يُعَلِّقُهَا بِيَدِهِ، وَيَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، إِلَى أَنْ يَجِدَ شِسْعًا. وَهَذَا يَفْحُشُ وَيَقْبُحُ فِي النَّعْلَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ، وَكُلِّ زَوْجَيْنِ مِنَ اللِّبَاسِ يُسْتَعْمَلُ فِي اثْنَيْنِ، فَيُسْتَعْمَلُ فِي وَاحِدٍ وَيُتْرَكُ الْآخَرُ. وَكَذَلِكَ الرِّدَاءُ، يُلْقَى عَلَى أَحَدِ الْمَنْكِبَيْنِ، وَيُتْرَكُ الْآخَرُ. فَأَمَّا أَنْ يَنْقَطِعَ شِسْعُ الرَّجُلِ، فَيَمْشِي خُطْوَةً أَو خطوتين أَو ثَلَاثًا، إِلَى

стр. 137

أَن يُصْلِحَ الْآخَرَ١ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُنْكِرٍ وَلَا قَبِيحٍ. وَحُكْمُ الْقَلِيلِ يُخَالِفُ حُكْمَ الْكَثِيرِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَمْشِيَ خُطْوَةً، وَخُطْوَتَيْنِ، وَخُطُوَاتٍ، وَهُوَ رَاكِعٌ إِلَى الصَّفِّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ؟ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْشِيَ -وَهُوَ رَاكِعٌ- مِائَةَ ذِرَاعٍ، وَمِائَتَيْ ذِرَاعٍ؟ وَيجوز لَهُ أَن يردئ الرِّدَاءَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، إِذَا سَقَطَ عَنْهُ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطْوِيَ ثَوْبَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا يَتَطَاوَلُ. وَيَبْتَسِمُ فَلَا تَنْقَطِعُ صَلَاتُهُ، وَيُقَهْقِهُ فَتَنْقَطِعُ؟

стр. 138

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ٤- الْبَوْلُ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ: قَالُوا: رَوَيْتُمْ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: "مَا بَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا قَطُّ"١. ثُمَّ رَوَيْتُمْ عَنْ حُذَيْفَةَ "أَنَّهُ بَالَ قَائِمًا" وَهَذَا خِلَافُ ذَاكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّد: وَنحن نقُول: لَيْسَ هَهُنَا -بِحَمْدِ اللَّهِ- اخْتِلَافٌ، وَلَمْ يَبْلُ قَائِمًا قَطُّ فِي مَنْزِلِهِ وَالْمَوْضِعِ٣ الَّذِي كَانَتْ تَحْضُرُهُ فِيهِ عَائِشَةُ ﵂. وَبَالَ قَائِمًا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَطْمَئِنَّ فِيهَا، إِمَّا لِلَثَقٍ٤ فِي الْأَرْضِ وَطِينٍ، أَوْ قَذِرٍ. وَكَذَلِكَ الْمَوْضِعُ الَّذِي رَأَى فِيهِ حُذَيْفَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَبُولُ قَائِمًا، كَانَ مَزْبَلَةً لِقَوْمٍ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْقُعُودُ فِيهِ، وَلَا الطُّمَأْنِينَةُ. وَحُكْمُ الضَّرُورَةِ خلاف حكم الِاخْتِيَار.

стр. 139

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الزِّيَادَيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى عَنْ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا، فَذَهَبْتُ أَتَنَحَّى. فَقَالَ: "ادْنُ مِنِّي" فَدَنَوْتُ مِنْهُ، حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. وَالسُّبَاطَةُ: المزبلة، وَكَذَلِكَ الكساحة، وَالْقُمَامَة.

стр. 140

قَالُوا: حَدِيثٌ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى ٥- رَجْمُ الزَّانِي: قَالُوا: رَوَيْتُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ١ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ٢، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ٣ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ٤ خَالِدٍ، وَشِبْلٍ أَنَّ رَجُلًا قَامَ إِلَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ، إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَامَ خَصْمُهُ، وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ، فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَائْذَنْ لِي. فَقَالَ: قُلْ. قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بامرأته فَأخْبرت أَن على ابْني الرَّجْم، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ، ثمَّ سَأَلت رجَالًا من أهل

стр. 141

الْعلم، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الْمِائَةُ شَاةٍ، وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" ١. فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَكَذَا حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالُوا: وَهَذَا خِلَافُ كِتَابِ اللَّهِ ، لِأَنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ لَهُ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ ". ثُمَّ قَضَى بِالرَّجْمِ وَالتَّغْرِيبِ، وَلَيْسَ لِلرَّجْمِ وَالتَّغْرِيبِ ذِكْرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَيْسَ يَخْلُو هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا، أَوْ يَكُونَ حَقًّا. وَقَدْ نَقَصَ مِنْ كِتَابِ تَعَالَى، ذِكْرُ الرَّجْمِ وَالتَّغْرِيبِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: "لَأَقْضِيَنَّ بَيْنكُمَا بِكِتَاب الله" هَهُنَا، الْقُرْآنَ وَإِنَّمَا أَرَادَ: "لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى" وَالْكِتَابُ يُتَصَرَّفُ على وُجُوه. مِنْهَا للْحكم، وَالْفَرْضُ، كَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٢ أَيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ. وَقَالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ ٣ أَي: فرض عَلَيْكُم.

стр. 142

وَقَالَ: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ ١ أَيْ: فَرَضْتَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٢ أَيْ: حَكَمْنَا، وَفَرَضْنَا. وَقَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ: وَمَالَ الْوَلَاءُ بِالْبَلَاءُ فَمِلْتُمْ ... وَمَا ذَاكَ قَالَ الْلَّه إِذْ هُوَ يَكْتُبُ أَرَادَ: مَالَتِ الْقَرَابَةُ بِأَحْسَابِنَا إِلَيْكُمْ، وَمَا ذَاكَ أَوْجَبَ اللَّهُ إِذْ هُوَ يحكم.

стр. 143

قَالُوا: حَدِيثٌ يُبْطِلُهُ الْإِجْمَاعُ ٦- لَا قطع على الْمُسْتَعِير: الوا: رَوَيْتُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ حُلِيًّا مِنْ أَقْوَامٍ، فَتَبِيعُهُ فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ ، بِذَلِكَ فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهَا"١. قَالُوا: وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ٢ عَلَى أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ.

стр. 144

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ صَحِيحٌ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ حُكْمًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ: إِنَّهُ قَطَعَهَا، وَإِنَّمَا قِيلَ أَمَرَ بِقَطْعِهَا. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ وَلَا يَفْعَلَ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّحْذِيرِ وَالتَّرْهِيبِ، وَلَا يُرَادُ بِهِ إِيقَاعُ الْفِعْلِ. وَمِثْلُهُ: الْحَدِيثُ الَّذِي يَرْوِيهِ الْحَسَنُ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ١ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمن تجدع عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ"٢. وَالنَّاسُ جَمِيعًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ رَجُلٌ بِعَبْدِهِ، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ لِعَبْدِهِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي عَبْدِ غَيْرِهِ. وَأَرَادَ ﷺ ، تَرْهِيبَ السَّيِّدِ وَتَحْذِيرَهُ، أَنْ يَقْتُلَ عَبْدَهُ، أَوْ يُمَثِّلَ بِهِ، وَلَمْ يُرِدْ إِيقَاعَ الْفِعْلِ. وَكَانَ الْحُكْمُ، يَجِبُ بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا بِعَبْدِهِ، أَوِ اقْتَصَّ مِنْهُ لِعَبْدِهِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: مَنْ فَعَلَ فَعَلْنَا بِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ تَحْذِيرٌ وَتَرْهِيبٌ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْتُلُوهُ" ٣ إِنَّمَا هُوَ تَرْهِيبٌ، لِئَلَّا يُعَاوِدَهُ. وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ، أَنَّهُ أُتِيَ بِهِ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ، فَجَلَدَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ. وَهَكَذَا نَقُولُ فِي الْوَعِيدِ كُلِّهِ: أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَقَعَ وَأَنْ لَا يَقَعَ، عَلَى حَدِيثِ٤ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَى عَمَلٍ ثَوَابًا، فَهُوَ مُنْجِزُهُ لَهُ، وَمَنْ أَوْعَدَهُ عِقَابًا فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ"٥.

стр. 145

قَالُوا: الطعْن بالأنبياء ٧- حَدِيثٌ يَدْفَعُهُ النَّظَرُ وَحُجَّةُ الْعَقْلِ: قَالُوا: رَوَيْتُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَنَا أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَرَحِمَ اللَّهُ لُوطًا، إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ دُعِيتُ إِلَى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ" ١. قَالُوا: وَهَذَا طَعْنٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَطَعْنٌ عَلَى لُوطٍ، وَطَعْنٌ عَلَى نَفْسِهِ٢ ﵈. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوا، بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَنِعْمَتِهِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: "أَنَا أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَإِنَّهُ لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ٣ قَالَ قَوْمٌ سَمِعُوا الْآيَةَ: شَكَّ إِبْرَاهِيمُ ﷺ ، وَلَمْ يَشُكُّ نَبِيُّنَا ﷺ ".
следующие страницы →