← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7292

تأويل مختلف الحديث

ابن قتيبة

Полный текст (511 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الْعلم، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الْمِائَةُ شَاةٍ، وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" ١. فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَكَذَا حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالُوا: وَهَذَا خِلَافُ كِتَابِ اللَّهِ ، لِأَنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ لَهُ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ ". ثُمَّ قَضَى بِالرَّجْمِ وَالتَّغْرِيبِ، وَلَيْسَ لِلرَّجْمِ وَالتَّغْرِيبِ ذِكْرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَيْسَ يَخْلُو هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا، أَوْ يَكُونَ حَقًّا. وَقَدْ نَقَصَ مِنْ كِتَابِ تَعَالَى، ذِكْرُ الرَّجْمِ وَالتَّغْرِيبِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: "لَأَقْضِيَنَّ بَيْنكُمَا بِكِتَاب الله" هَهُنَا، الْقُرْآنَ وَإِنَّمَا أَرَادَ: "لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى" وَالْكِتَابُ يُتَصَرَّفُ على وُجُوه. مِنْهَا للْحكم، وَالْفَرْضُ، كَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٢ أَيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ. وَقَالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ ٣ أَي: فرض عَلَيْكُم.

стр. 142

وَقَالَ: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ ١ أَيْ: فَرَضْتَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٢ أَيْ: حَكَمْنَا، وَفَرَضْنَا. وَقَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ: وَمَالَ الْوَلَاءُ بِالْبَلَاءُ فَمِلْتُمْ ... وَمَا ذَاكَ قَالَ الْلَّه إِذْ هُوَ يَكْتُبُ أَرَادَ: مَالَتِ الْقَرَابَةُ بِأَحْسَابِنَا إِلَيْكُمْ، وَمَا ذَاكَ أَوْجَبَ اللَّهُ إِذْ هُوَ يحكم.

стр. 143

قَالُوا: حَدِيثٌ يُبْطِلُهُ الْإِجْمَاعُ ٦- لَا قطع على الْمُسْتَعِير: الوا: رَوَيْتُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ حُلِيًّا مِنْ أَقْوَامٍ، فَتَبِيعُهُ فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ ، بِذَلِكَ فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهَا"١. قَالُوا: وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ٢ عَلَى أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ.

стр. 144

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ صَحِيحٌ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ حُكْمًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ: إِنَّهُ قَطَعَهَا، وَإِنَّمَا قِيلَ أَمَرَ بِقَطْعِهَا. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ وَلَا يَفْعَلَ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّحْذِيرِ وَالتَّرْهِيبِ، وَلَا يُرَادُ بِهِ إِيقَاعُ الْفِعْلِ. وَمِثْلُهُ: الْحَدِيثُ الَّذِي يَرْوِيهِ الْحَسَنُ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ١ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمن تجدع عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ"٢. وَالنَّاسُ جَمِيعًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ رَجُلٌ بِعَبْدِهِ، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ لِعَبْدِهِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي عَبْدِ غَيْرِهِ. وَأَرَادَ ﷺ ، تَرْهِيبَ السَّيِّدِ وَتَحْذِيرَهُ، أَنْ يَقْتُلَ عَبْدَهُ، أَوْ يُمَثِّلَ بِهِ، وَلَمْ يُرِدْ إِيقَاعَ الْفِعْلِ. وَكَانَ الْحُكْمُ، يَجِبُ بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا بِعَبْدِهِ، أَوِ اقْتَصَّ مِنْهُ لِعَبْدِهِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: مَنْ فَعَلَ فَعَلْنَا بِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ تَحْذِيرٌ وَتَرْهِيبٌ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْتُلُوهُ" ٣ إِنَّمَا هُوَ تَرْهِيبٌ، لِئَلَّا يُعَاوِدَهُ. وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ، أَنَّهُ أُتِيَ بِهِ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ، فَجَلَدَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ. وَهَكَذَا نَقُولُ فِي الْوَعِيدِ كُلِّهِ: أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَقَعَ وَأَنْ لَا يَقَعَ، عَلَى حَدِيثِ٤ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَى عَمَلٍ ثَوَابًا، فَهُوَ مُنْجِزُهُ لَهُ، وَمَنْ أَوْعَدَهُ عِقَابًا فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ"٥.

стр. 145

قَالُوا: الطعْن بالأنبياء ٧- حَدِيثٌ يَدْفَعُهُ النَّظَرُ وَحُجَّةُ الْعَقْلِ: قَالُوا: رَوَيْتُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَنَا أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَرَحِمَ اللَّهُ لُوطًا، إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ دُعِيتُ إِلَى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ" ١. قَالُوا: وَهَذَا طَعْنٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَطَعْنٌ عَلَى لُوطٍ، وَطَعْنٌ عَلَى نَفْسِهِ٢ ﵈. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوا، بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَنِعْمَتِهِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: "أَنَا أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَإِنَّهُ لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ٣ قَالَ قَوْمٌ سَمِعُوا الْآيَةَ: شَكَّ إِبْرَاهِيمُ ﷺ ، وَلَمْ يَشُكُّ نَبِيُّنَا ﷺ ".

стр. 146

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنَا أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ﵇ " تَوَاضُعًا مِنْهُ، وَتَقْدِيمًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَى نَفْسِهِ. يُرِيدُ: أَنَّا لَمْ نَشُكُّ، وَنَحْنُ دُونَهُ، فَكَيْفَ يَشُكُّ هُوَ؟ وَتَأْوِيلُ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ . أَيْ: يَطْمَئِنَّ بِيَقِينِ النَّظَرِ -وَالْيَقِينُ جِنْسَانِ: أَحَدُهُمَا: يَقِينُ السَّمْعِ، وَالْآخَرُ يَقِينُ الْبَصَرِ. وَيَقِينُ الْبَصَرِ أَعْلَى الْيَقِينَيْنِ، وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ المخبَر كَالْمُعَايِنِ" ١ حِينَ ذَكَرَ قَوْمَ مُوسَى وَعُكُوفَهُمْ عَلَى الْعِجْلِ. قَالَ: أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ قَوْمَهُ عَبَدُوا الْعِجْلَ، فَلَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ، فَلَمَّا عَايَنَهُمْ عَاكِفِينَ، غَضِبَ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ، حَتَّى انْكَسَرَتْ. وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ بِالْقِيَامَةِ، وَالْبَعْثِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، مُسْتَيْقِنُونَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حَقٌّ، وَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ -عِنْدَ النَّظَرِ وَالْعَيَانِ- أَعْلَى يَقِينًا. فَأَرَادَ إِبْرَاهِيمُ، ﵇، أَنْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِالنَّظَرِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى الْيَقِينَيْنِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "رَحِمَ اللَّهُ لُوطًا إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ" فَإِنَّهُ أَرَادَ قَوْلَهُ لِقَوْمِهِ ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ٢ يُرِيدُ: سَهْوَهُ٣ فِي هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي ضَاقَ فِيهِ صَدْرُهُ، وَاشْتَدَّ جَزَعُهُ، بِمَا دَهَمَهُ مِنْ قَوْمِهِ، حَتَّى قَالَ: ﴿أَوْ آوِِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ وَهُوَ يَأْوِي إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَشَدِّ الْأَركان.

стр. 147

قَالُوا١: فَمَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَ لُوطٍ، إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ٢ مِنْ قَوْمِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "لَوْ دُعِيتُ إِلَى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ"، يَعْنِي حِينَ دُعِيَ لِلْإِطْلَاقِ مِنَ الْحَبْسِ، بَعْدَ الْغَمِّ الطَّوِيلِ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ٣ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْحَبْسِ فِي وَقْتِهِ يَصِفُهُ بِالْأَنَاةِ وَالصَّبْرِ. وَقَالَ: "لَوْ كُنْتُ مَكَانَهُ، ثُمَّ دُعِيتُ إِلَى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْحَبْسِ، لَأَجَبْتُ، وَلَمْ أَتَلَبَّثُ ". وَهَذَا أَيْضًا جِنْسٌ مِنْ تَوَاضُعِهِ، لَا أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ، لَوْ كَانَ مَكَانَ يُوسُفَ فَبَادَرَ وَخَرَجَ، أَوْ عَلَى يُوسُفَ لَوْ خَرَجَ مِنَ الْحَبْسِ مَعَ الرَّسُولِ، نَقْصٌ وَلَا إِثْمٌ. وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَثْقِلُ مِحْنَةَ اللَّهِ لَهُ فَيُبَادِرُ وَيَتَعَجَّلُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ صَابِرًا محتسبًا.

стр. 148

قَالُوا: حَدِيثٌ يُكَذِّبُهُ الْعَيَانُ ٨- لَا تَبْقَى نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ: قَالُوا: رَوَيْتُمْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ١ الْخُدْرِيِّ، وَجَابِرِ٢ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَسِ٣ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ، وَذَكَرَ سَنَةَ مِائَةٍ: "إِنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَى ظهرهَا يَوْمئِذٍ، نفس منفوسة" ٤.

стр. 149

قَالُوا: وَهَذَا بَاطِلٌ، بَيِّنٌ لِلْعَيَانِ، وَنَحْنُ طَاعِنُونَ فِي سِنِيِّ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانُوا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ هَذَا حَدِيثٌ قَدْ أَسْقَطَ الرُّوَاةُ مِنْهُ حَرْفًا. إِمَّا لِأَنَّهُمْ نَسَوْهُ، أَوْ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْفَاهُ، فَلَمْ يَسْمَعُوهُ. وَنَرَاهُ -بَلْ لَا نَشُكُّ- أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَبْقَى عَلَى الْأَرْضِ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ ". يَعْنِي، مِمَّنْ حَضَرَهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، أَوْ يَعْنِي الصَّحَابَةَ فَأَسْقَطَ الرَّاوِي "مِنْكُم". وَهَذَا مثل قَول بن مَسْعُودٍ فِي لَيْلَةِ الْجِنِّ "مَا شَهِدَهَا أَحَدٌ مِنَّا غَيْرِي"١ فَأَسْقَطَ الرَّاوِي "غَيْرِي".

стр. 150

وَمِمَّا يَشْهَدُ عَلَى مَا أَقُولُ: أَنَّ أَبَا كُدَيْنَةَ، رَوَى عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ لِأَبِي مَسْعُودٍ: إِنَّكَ تُفْتِي النَّاسَ؟ قَالَ: أَجَلْ وَأُخْبِرُهُمْ أَنَّ الْآخَرَ شَرٌّ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي، هَلْ سَمِعَتْ مِنْهُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "لَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَةُ مِائَةٍ، وَعَلَى الْأَرْضِ عَيْنٌ تطْرِف ". فَقَالَ عليٌّ: أخطأتْ أُسْتُكَ الحفرةَ، إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ لِمَنْ حَضَرَهُ، وَهَلِ الرَّجَا١ إِلَّا بَعْدَ الْمِائَةِ. ونحوٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ، حَدِيثٌ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ صَخْرِ بْنِ قُدَامَةَ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُولَدُ بَعْدَ سَنَةِ مِائَةٍ مَوْلُودٌ، لِلَّهِ فِيهِ حَاجَةٌ"٢. قَالَ أَيُّوبُ: فَلَقِيتُ صَخْرَ بْنَ قُدَامَةَ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْحَدِيثِ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ٣. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا هُوَ ذَاكَ الْحَدِيثُ وَقَعَ فِيهِ الْغَلَط، وَاخْتلفت فِيهِ الرِّوَايَات.

стр. 151

قَالُوا: حَدِيثٌ يَدْفَعُهُ النَّظَرُ وَحُجَّةُ النّظر ٩- الشَّمْس وَالْقَمَر ثوران: الوا: رَوَيْتُمْ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ١ قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فِي مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ. وَجَاءَ الْحَسَنُ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَحَدَّثَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثَوْرَانِ مُكَوَّرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ٢. فَقَالَ الْحَسَنُ: وَمَا ذَنْبُهُمَا؟ قَالَ: إِنِّي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَكَتَ. قَالُوا: قَدْ صَدَقَ الْحَسَنُ "مَا ذَنْبُهُمَا". وَهَذَا مِنْ قَوْلِ الْحَسَنِ رَدٌّ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لم يعذبا بالنَّار حِين

стр. 152

أدخلاها، فَيُقَالُ مَا ذَنْبُهُمَا، وَلَكِنَّهُمَا خُلِقَا مِنْهَا، ثُمَّ رُدَّا إِلَيْهَا. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الشَّمْسِ -حِينَ غَرَبَتْ فِي نَارِ اللَّهِ الْحَامِيَةِ: "لَوْلَا مَا يَزَعُها مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَأَهْلَكَتْ مَا عَلَى الْأَرْضِ" ١. وَقَالَ: "مَا تَرْتَفِعُ فِي السَّمَاءِ قَصْمَةً ٢ إِلَّا فُتِحَ لَهَا بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّارِ، فَإِذَا قَامَتِ الظَّهِيرَةَ، فُتِحَتِ الْأَبْوَابُ كُلُّهَا ". وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ شِدَّةَ حَرِّهَا مِنْ فَوْحِ جَهَنَّمَ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﵊: "أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَوْحِ جَهَنَّمَ" ٣. فَمَا كَانَ مِنَ النَّارِ، ثُمَّ رُدَّ إِلَى النَّارِ لَمْ يُقَلْ: إِنَّهُ يُعَذَّبُ. وَمَا كَانَ مِنَ الْمُسَخَّرِ الْمَقْصُورِ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ، كَالنَّارِ، وَالْفُلْكِ الْمُسَخَّرِ الدَّوَّارِ٤، وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، لَا يَقَعُ بِهِ تعذيبٌ، وَلَا يَكُونُ لَهُ ثوابٌ. وَمَا مِثْلُ هَذَا إِلَّا مِثْلُ رَجُلٍ سَمِعَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ٥ فَقَالَ: مَا ذَنْب الْحِجَارَة؟.

стр. 153

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ١٠- الْعَدْوَى وَالطِّيَرَةُ: الوا: رَوَيْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ" ١. وَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّ النُّقْبَةَ٢ تَقَعُ بِمِشَفَرِ الْبَعِيرِ، فَتَجْرَبُ لِذَلِكَ الْإِبِلُ. فَقَالَ: "فَمَا أَعْدَى الْأَوَّلَ؟ قَالَ: هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ. ثُمَّ رَوَيْتُمْ فِي خِلَافِ ذَلِكَ: "لَا يُورِدَنَّ ذُو عاهة على مصحّ" ٣. "وفر مِنَ الْمَجْذُومِ، فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ" ٤. وَأَتَاهُ رَجُلٌ مَجْذُومٌ لِيُبَايِعَهُ بَيْعَةَ الْإِسْلَامِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِالْبَيْعَةِ، وَأَمَرَهُ بِالْانْصِرَافِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ: "الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ، وَالدَّابَّةِ" ٥. قَالُوا: وَهَذَا كُلُّهُ مُخْتَلِفٌ، لَا يشبه بعضه بَعْضًا.

стр. 154

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ، وَلِكُلِّ مَعْنًى مِنْهَا وَقْتٌ وَمَوْضِعٌ، فَإِذَا وُضِعَ بِمَوْضِعِهِ زَالَ الْاخْتِلَافُ. وَالْعَدْوَى جِنْسَانِ: أَحَدُهُمَا: عَدْوَى الْجُذَامِ، فَإِنَّ الْمَجْذُومَ، تَشْتَدُّ رَائِحَتُهُ حَتَّى يُسْقِمَ مَنْ أَطَالَ مُجَالَسَتَهُ وَمُؤَاكَلَتَهُ. وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ، تَكُونُ تَحْتَ الْمَجْذُومِ، فَتُضَاجِعُهُ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ، فَيُوَصِّلُ إِلَيْهَا الْأَذَى، وَرُبَّمَا جُذِمَتْ. وَكَذَلِكَ وَلَدُهُ ينزِعُون -فِي الْكَثِيرِ١- إِلَيْهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ بِهِ سُلٌّ٢ وَدَقٌّ، ونَقْب. وَالْأَطِبَّاءُ تَأْمُرُ بِأَنْ لَا يُجَالَسَ الْمَسْلُولُ ُولا الْمَجْذُومُ. لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ مَعْنَى الْعَدْوَى، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ تَغَيُّرَ الرَّائِحَةِ، وَأَنَّهَا قَدْ تُسْقِمُ مَنْ أطالَ اشْتِمَامَهَا. وَالْأَطِبَّاءُ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ الْإِيْمَانِ بِيُمْنٍ أَوْ شُؤْمٍ. وَكَذَلِكَ النُّقْبَةُ، تَكُونُ بِالْبَعِيرِ، وَهِيَ جربٌ رَطْبٌ، فَإِذَا خَالَطَهَا الْإِبِلُ، وَحَاكَهَا، وَأَوَى فِي مُبَارِكِهَا، أَوْصَلَ إِلَيْهَا، بِالْمَاءِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ وَالنُّطَفُ نَحْوًا مِمَّا بِهِ. وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُورِدَنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ". كَرِهَ أَنْ يُخَالِطَ الْمَعْيُوهُ٣ الصَّحِيحَ، فَيَنَالُهُ مِنْ نَطفه وحِكَّته، نَحْو مِمَّا بِهِ.

стр. 155

وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يُظَنَّ أَنَّ الَّذِي نَالَ إِبِلَهُ مِنْ ذَوَاتِ الْعَاهَةِ، فَيَأْثَمَ. قَالَ: وَلَيْسَ لِهَذَا -عِنْدِي- وَجْهٌ، لِأَنَّا نَجِدُ الَّذِي أَخْبَرْتُكَ بِهِ عَيَانًا. وَأَمَّا الْجِنْسُ الْآخَرُ مِنَ الْعَدْوَى: فَهُوَ الطَّاعُونُ، يَنْزِلُ بِبَلَدٍ، فَيُخْرَجُ مِنْهُ، خَوْفًا مِنَ الْعَدْوَى. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ١ هَرَبَ مِنَ الطَّاعُونِ، فَرَكِبَ حِمَارًا، وَمَضَى بِأَهْلِهِ نَحْوَ سفوان٢ فَسمع حَادِيًا يَحْدُو خَلْفَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: لَنْ يُسْبَقَ اللَّهُ عَلَى حِمَارِ ... وَلَا عَلَى ذِي مَيْعَةٍ٣ مُطَارِ أَوْ يَأْتِيَ الْحَتْفُ عَلَى مِقْدَارِ ... قَدْ يُصْبِحُ اللَّهُ أَمَامَ السَّارِي وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ بِالْبَلَدِ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ، فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهُ" ٤. وَقَالَ أَيْضًا: "إِذَا كَانَ بِبَلَدٍ، فَلَا تُدْخُلُوهُ". يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: لَا تَخْرُجُوا مِنَ الْبَلَدِ إِذَا كَانَ فِيهِ كَأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ الْفِرَارَ مَنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى، يُنْجِيكُمْ مِنَ اللَّهِ. وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ: "وَإِذَا كَانَ بِبَلَدٍ فَلَا تَدْخُلُوهُ" أَنَّ مُقَامَكُمْ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي لَا طَاعُونَ فِيهِ، أَسْكَنُ لِأَنْفُسِكُمْ، وَأَطْيَبُ لِعَيْشِكُمْ. وَمِنْ ذَلِكَ تُعْرَفُ الْمَرْأَةُ بِالشُّؤْمِ، أَوِ الدَّارُ، فَيَنَالُ الرَّجُلَ مَكْرُوهٌ، أَوْ جَائِحَةٌ، فَيَقُولُ: "أَعْدَتْنِي بِشُؤْمِهَا" فَهَذَا هُوَ الْعَدْوَى، الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا عَدْوَى ".

стр. 156

وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ" ١. فَإِنَّ هَذَا حَدِيثٌ، يُتَوَهَّمُ فِيهِ الْغَلَطُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَّهُ سَمِعَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَعِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقُطَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ: أَنَّ رَجُلَيْنِ دَخَلَا عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَا إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّمَا الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ، وَالدَّابَّةِ، وَالدَّارِ". فَطَارَتْ شَفَقًا- ثُمَّ قَالَتْ: "كَذِبَ -وَالَّذِي أَنْزَلَ الْقُرْآنَ- عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ، مَنْ حَدَّثَ بِهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ الطِّيَرَةَ فِي الدَّابَّةِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ" ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ ٢. وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ النَّهْدَيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَن إِسْحَاق عَن بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَّا إِلَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَزَلْنَا دَارًا، فَكَثُرَ فِيهَا عَدَدُنَا وَكَثُرَتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا، ثُمَّ تَحَوَّلْنَا عَنْهَا إِلَى أُخْرَى، فَقَلَّتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا، وَقَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا. فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "ارْحَلُوا عَنْهَا، وَذَرُوهَا، وَهِيَ ذَمِيمَةٌ" ٣، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ هَذَا ينْقض للْحَدِيث الْأَوَّلُ بِنَقْضٍ لِهَذَا. وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ مِنْهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ فِيهَا على استثقال

стр. 157

لظلها، وَاسْتِيحَاشٍ بِمَا نَالَهُمْ فِيهَا، فَأَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَرَائِزِ النَّاسِ وَتَرْكِيبِهِمُ، اسْتِثْقَالَ مَا نَالَهُمُ السُّوءُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا سَبَبَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَحُبَّ مَنْ جَرَى عَلَى يَدِهِ الْخَيْرُ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُمْ بِهِ، وَبُغْضَ مَنْ جَرَى عَلَى يَدِهِ الشَّرُّ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُمْ بِهِ. وَكَيْفَ يَتَطَيَّرُ ﷺ ، وَالطِّيَرَةُ مِنَ الْجِبْتِ. وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَرَوْنَهَا شَيْئًا، وَيَمْدَحُونَ مَنْ كَذَّبَ بِهَا. قَالَ الشَّاعِرُ١ يَمْدَحُ رَجُلًا: وليسَ بهيَّابٍ إِذَا شّدَّ رحلَه ... يقولُ عَدَانِي اليومَ واقٌ وحاتِمُ وَلَكِنَّهُ يَمْضِي عَلَى ذَاكَ مُقْدِما ... إِذَا صَدَّ عَنْ تِلْكَ الهَناتِ الخُثارِمُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْخُثَارِمُ، هُوَ الَّذِي يَتَطَيَّرُ، وَالَوَاقُ الصَّرْدُ، وَالْحَاتِمُ: الْغُرَابُ. وَقَالَ الْمُرَقِّشُ٢: وَلَقدْ غدوتُ وكنتُ لَا ... أغدُو عَلَى واقٍ وحاتمْ فَإِذا الأشائمُ كالأيا ... مِنِ والأيامنُ كالأشائمْ وَكَذَاكَ لَا خيرٌ وَلَا ... شرٌّ عَلَى أحدٍ بدائمْ وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثلاثةٌ لَا يَسلمُ مِنْهُنَّ أحدٌ، الطِّيَرَةُ، وَالظَّنُّ، وَالْحَسَدُ"٣.

стр. 158

قِيلَ: فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهُنَّ؟ قَالَ: "إِذَا تَطَيَّرْتَ فَلَا تَرْجِعُ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقُ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ" هَذِهِ الْأَلْفَاظُ١ أَوْ نَحْوُهَا. وَحَدَّثَنِي أَبُو حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَعْجَبُ، مِمَّنْ يُصَدِّقُ بِالطِّيَرَةِ، وَيَعِيبُهَا أَشَدَّ الْعَيْبِ. وَقَالَ: فَرَقَتْ٢ لَنَا نَاقَةٌ: وَأَنَا بِالطَّفِّ، فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهَا، فَلَقِيَنِي هَانِئُ بْنُ عُبَيْدٍ مِنْ بَنِي وَائِلٍ، وَهُوَ مُسْرِعٌ يَقُولُ: وَالشَّرُّ يُلْفَى٣ مطالعَ الْأَكَمْ ثُمَّ لَقِيَنِي رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْحَيِّ فَقَالَ: وَلَئِنْ بغيتَ لَنَا٤ بُغَاةً ... مَا البغاةُ بِوَاجِدِينَا٥ ثُمَّ دَفَعْنَا إِلَى غُلَامٍ قَدْ وَقَعَ فِي صِغَرِهِ فِي نَارٍ، فَأَحْرَقَتْهُ، فَقَبُحَ وَجْهُهُ، وَفَسَدَ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ ذَكَرْتَ مِنْ نَاقَةٍ فَارِقٍ؟ قَالَ: هَهُنَا أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْأَعْرَابِ، فَانْظُرْ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هِيَ عِنْدَهُمْ وَقَدْ أَنْتَجَتْ، فَأَخَذْتُهَا وَوَلَدَهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْفَارِقُ: الَّتِي قَدْ حَمَلَتْ، فَفَارَقَتْ صَوَاحِبَهَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَمَرَّ طَائِرٌ يَصِيحُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: "خَيْرٌ خَيْرٌ". فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا خَيْرَ وَلَا شَرَّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَسْتَحِبُّ الْاسْمَ الْحَسَنَ والفأل الصَّالح.

стр. 159

وَحَدَّثَنِي الرِّيَاشَيُّ١ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ: قَالَ سَأَلت بن عَوْنٍ عَنِ الْفَأْلِ فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا، فَيُسْمَعَ "يَا سَالِمُ" أَوْ يَكُونَ بَاغِيًا٢ فَيُسْمَعُ "يَا وَاجِدُ". قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا أَيْضًا، مِمَّا جُعِلَ فِي غرائز النَّاس تستحبه وتأنس بِهِ، كَمَا جُعِلَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مِنَ التَّحِيَّةِ بِالسَّلَامِ، وَالْمَدِّ فِي الْأُمْنِيَةِ، وَالتَّبْشِيرِ بِالْخَيْرِ. وَكَمَا يُقَالُ: "انْعَمْ وَاسْلَمْ" وَ"انْعَمْ صَبَاحًا" وَكَمَا تَقُولُ الْفُرْسُ: "عِشْ أَلْفَ نوروز". وَالسَّامِعُ لِهَذَا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ وَلَا يُؤَخِّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَلَكِنْ جُعِلَ فِي الطِّبَاعِ مَحَبَّةُ الْخَيْرِ وَالْارْتِيَاحُ لِلْبُشْرَى، وَالْمَنْظَرِ الْأَنِيقِ، وَالْوَجْهِ الْحَسَنِ، وَالْاسْمِ الْخَفِيفِ. وَقَدْ يَمُرُّ الرَّجُلُ بِالرَّوْضَةِ الْمُنَوِّرَةِ٣ فَتَسُرُّهُ، وَهِيَ لَا تَنْفَعُهُ، وَبِالْمَاءِ الصَّافِي فَيُعْجَبُ بِهِ٤ وَهُوَ لَا يَشْرَبُهُ وَلَا يُورِدُهُ٥. وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "كَانَ يُعْجَبُ بِالْأُتْرُجِّ، وَيُعْجِبُهُ الْحَمَامُ الْأَحْمَرُ"٦. "وَتُعْجِبُهُ الْفَاغِيَةُ"٧ وَهِيَ نَوْرُ الْحِنَّاءِ. وَهَذَا مِثْلُ إِعْجَابِهِ بِالْاسْمِ الْحَسَنِ، وَالْفَأْلِ الْحَسَنِ. وَعَلَى مِثْلِ هَذَا، كَانَتْ كَرَاهَتُهُ لِلْاسْمِ الْقَبِيحِ، كَـ"بَنِي النَّارِ" وَ"بَنِي حِرَاقٍ" وَ"بَنِي زِنْيَةٍ" وَ"بَنِي حزن" وَأَشْبَاه هَذَا.

стр. 160

قَالُوا: حديثان متناقضان ١١- الْإِيرَاد فِي الصَّلَاةِ: قَالُوا: رَوَيْتُمْ أَنَّ خَبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ قَالَ: "شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرَّمْضَاءَ، فَلَمْ يُشْكِنَا"١. يَعْنِي أَنَّهُمْ شَكَوْا إِلَيْهِ شِدَّةَ الْحَرِّ وَمَا يَنَالُهُمْ مِنَ الرَّمْضَاءِ وَسَأَلُوهُ الْإِبْرَادَ بِالصَّلَاةِ، فَلَمْ يُشْكِهِمْ، أَيْ "لَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى تَأْخِيرِهَا". ثُمَّ رَوَيْتُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَوْحِ جَهَنَّمَ" ٢. قَالُوا: وَهَذَا اخْتِلَافٌ، لَا خَفَاءَ بِهِ، وَتَنَاقُضٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّه لَيْسَ هَهُنَا -بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى- اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَاقُضٌ. لِأَنَّ أَوَّلَ الْأَوْقَاتِ، رِضْوَانُ اللَّهِ. وَآخِرَ الْأَوْقَاتِ، عَفْوُ اللَّهِ، وَالْعَفْوُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ تَقْصِيرٍ. فَأَوَّلُ الْأَوْقَاتِ أَوْكَدُ أَمْرًا، وَآخِرُهَا رُخْصَةٌ. وَلَيْسَ يَجُوزُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ فِي نَفْسِهِ إِلَّا بِأَعْلَى الْأُمُورِ وَأَقْرَبُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 161

وَإِنَّمَا يَعْمَلُ فِي نَفْسِهِ بِالرُّخْصَةِ، مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، لِيَدُلَّ بِذَلِكَ النَّاسَ عَلَى جَوَازِهَا. فَأَمَّا أَنْ يَدُومَ عَلَى الْأَمْرِ الْأَخَسِّ، وَيَتْرُكَ الْأَوْكَدَ وَالْأَفْضَلَ، فَذَلِكَ مَا لَا يَجُوزُ. فَلَمَّا شَكَا إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ الرَّمْضَاءَ، وَأَرَادُوا مِنْهُ التَّأْخِيرَ إِلَى أَنْ يَسْكُنَ الْحُرُّ، لَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، إِذْ كَانُوا مَعَهُ. ثُمَّ أَمَرَ بِالْإِبْرَادِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهُ، تَوْسِعَةً عَلَى أُمَّتِهِ، وَتَسْهِيلًا عَلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ تَغْلِيسُهُ بِالْفَجْرِ، وَقَوْلُهُ: "أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ" ١. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ لِلزَّوَالِ، وَلَا يُؤَخِّرُهَا، حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عُلَيَّةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْأُولَى، حِينَ تَدْحَضُ٢ الشَّمْسُ" يَعْنِي: حِين تَزُول.

стр. 162

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ١٢- هَلْ كَانَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ قَبْلَ الْبِعْثَةِ؟ قَالُوا: رَوَيْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا كَفَرَ بِاللَّهِ نَبِيٌّ قَطُّ، وَأَنَّهُ بُعِثَ إِلَيْهِ مَلَكَانِ، فَاسْتَخْرَجَا مِنْ قَلْبِهِ -وَهُوَ صَغِيرٌ- عَلَقَةً ثُمَّ غَسَلَا قَلْبَهُ، ثُمَّ رَدَّاهُ إِلَى مَكَانِهِ" ١. ثُمَّ رَوَيْتُمْ، أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَأَنَّهُ زَوَّجَ ابْنَتَيْهِ: عُتْبَةَ بْنَ أَبِي لَهَبٍ، وَأَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، وَهُمَا كَافِرَانِ. قَالُوا: وَفِي هَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ، وَتَنَقُّصٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ، بِنِعْمَةِ اللَّهِ، مُتَعَلَّقٌ وَلَا مَقَالٌ، إِذَا عَرَفَ مَعْنَاهُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ جَمِيعًا، مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵉، خَلَا الْيَمَنَ. وَلَمْ يَزَالُوا عَلَى بَقَايَا مِنْ دَيْنِ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ ﷺ . وَمِنْ ذَلِكَ حَجُّ الْبَيْتِ وَزِيَارَتُهُ، وَالْخِتَانُ، وَالنِّكَاحُ، وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ، إِذَا كَانَ ثَلَاثًا، وَلِلزَّوْجِ الرَّجْعَةُ فِي الْوَاحِدَةِ وَالْاثْنَتَيْنِ، وَدِيَةُ النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ٢، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَاتِّبَاعُ الْحُكْمِ فِي الْمُبَالِ فِي الْخُنْثَى، وَتَحْرِيمُ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ بِالْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِ وَالنَّسَبِ -وَهَذِهِ أُمُور مَشْهُورَة عَنْهُم.

стр. 163

وَكَانُوا -مَعَ ذَلِكَ- يُؤْمِنُونَ بِالْمَلَكَيْنِ الْكَاتِبَيْنِ. قَالَ الْأَعْشَى١ وَهُوَ جَاهِلِيٌّ: فَلَا تَحْسَبَنِّي كَافِرًا لَكَ نِعْمَةً ... عَلَى شَاهِدِي يَا شَاهِدَ اللَّهِ فَاشْهَدِ يُرِيدُ: عَلَى لِسَانِي، يَا مَلَكَ اللَّهِ،، فَاشْهَدْ بِمَا أَقُولُ. وَيُؤْمِنُ بَعْضُهُمْ بِالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ. -قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى٢، وَهُوَ جَاهِلِيٌّ لَمْ يَلْحَقِ الْإِسْلَامَ- فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ، الَّتِي تُعَدُّ مِنَ السَّبْعِ: يُؤَخَّرْ فَيُوضَعْ فِي كِتَابٍ فَيُدَّخَرْ ... لِيَوْمِ الْحِسَابِ أَوْ يُعَجَّلْ فَيُنْقَمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ فِي الْبَلِيَّةِ -وَهِيَ النَّاقَةُ تُعْقَلُ عِنْدَ قَبْرِ صَاحِبِهَا، فَلَا تُعْلَفُ وَلَا تُسْقَى حَتَّى تَمُوتَ-: "إِنَّ صَاحِبَهَا يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَاكِبَهَا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَوْلِيَاؤُهُ ذَلِكَ بَعْدَهُ، جَاءَ حَافِيًا رَاجِلًا". وَقَدْ ذَكَرَهَا أَبُو زُبَيْدٍ فَقَالَ: كَالْبَلَايَا رُءُوسُهُا فِي الولايا ... مانحات السُّمُومِ حَرَّ الْخُدُودِ وَالْوَلَايَا: الْبَرَاذِعُ. وَكَانُوا يُقَوِّرُونَ الْبَرْذعَةَ، وَيُدْخِلُونَهَا فِي عُنُقِ تِلْكَ النَّاقَةِ، فَقَالَ النَّابِغَةُ: مَحَلَّتُهُمْ ذَاتُ الْإِلَهِ وَدِينُهُمْ ... قَوِيمٌ فَمَا يَرْجُونَ غَيْرَ الْعَوَاقِبِ يُرِيدُ الْجَزَاء بأعمالهم، ومحلتهم الشَّام٣.

стр. 164

وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ؛ يُرَادُ: عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْإِيْمَانِ بِاللَّهِ، وَالْعَمَلِ بِشَرَائِعِهِمْ: فِي الْخِتَانِ، وَالْغُسْلِ، وَالْحَجِّ، وَالْمَعْرِفَةِ بِالْبَعْثِ، وَالْقِيَامَةِ وَالْجَزَاءِ وَكَانَ -مَعَ هَذَا- لَا يقرب الْأَوْثَان، ويعيبها، وَقَالَ: "بُغِّضَتْ إِلَيَّ" غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْرِفُ فَرَائِضَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالشَّرَائِعَ الَّتِي شَرَعَهَا لِعِبَادِهِ، عَلَى لِسَانِهِ حَتَّى أُوحِيَ إِلَيْهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ ١. يُرِيدُ: ضَالًّا عَنْ تَفَاصِيلِ الْإِيْمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ، فَهَدَاكَ اللَّهُ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ﴾ ٢ يُرِيدُ مَا كُنْتَ تَدْرِي، مَا الْقُرْآنُ، وَلَا شَرَائِعُ الْإِيْمَانِ. وَلَمْ يُرِدِ الْإِيْمَانَ الَّذِي هُوَ الْإِقْرَارُ، لِأَنَّ آبَاءَهُ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، كَانُوا يَعْرِفُونَ اللَّهَ تَعَالَى، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَحُجُّونَ لَهُ، وَيَتَّخِذُونَ آلِهَةً مِنْ دُونِهِ، يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَيْهِ تَعَالَى وتقربه فِيمَا ذَكَرُوا مِنْهُ، ويَتَوَقّوْنَ الظُّلْمَ، وَيَحْذَرُونَ عَوَاقِبَهُ، وَيَتَحَالَفُونَ عَلَى أَنْ لَا يُبغى عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يُظْلَمَ. وَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ٣ لِمَلِكِ الْحَبَشَةِ، حِينَ سَأَلَهُ حَاجَتَهُ فَقَالَ: "إِبِلٌ ذَهَبَتْ لِي". فَعَجِبَ مِنْهُ، كَيْفَ لَمْ يَسْأَلْهُ الْانْصِرَافَ عَنِ الْبَيْتِ. فَقَالَ: "إِنَّ لِهَذَا الْبَيْتِ مَنْ يَمْنَعُ مِنْهُ" أَوْ كَمَا قَالَ.

стр. 165

فَهَؤُلَاءِ كَانُوا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ الطَّيِّبُ الطَّاهِرُ الْمُطَهَّرُ يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ الْوَحْيِ؟! وَهَذَا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْهِ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ﴾ أَنَّ الْإِيْمَانَ، شَرَائِعُ الْإِيْمَانِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉. وَقَوْمِهِ هَؤُلَاءِ، لَا أَبُو جَهْلٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْكُفَّارِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. وَقَالَ لِنُوحٍ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ ٢ يَعْنِي: ابْنَهُ، لَمَّا كَانَ عَلَى غَيْرِ دِينِهِ. وَأَمَّا تَزْوِيجُهُ ابْنَتَيْهِ كَافِرَيْنَ، فَهَذَا أَيْضًا مِنَ الشَّرَائِعِ الَّتِي كَانَ لَا يَعْلَمُهَا. وَإِنَّمَا تَقْبُحُ الْأَشْيَاءُ بِالتَّحْرِيمِ، وَتَحْسُنُ بِالْإِطْلَاقِ وَالتَّحْلِيلِ. وَلَيْسَ فِي تَزْوِيجِهِمَا كَافِرَيْنَ، قَبْلَ أَنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ إنكاح الْكَافرين، وَقيل أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، مَا يُلْحِقُ بِهِ كُفْرًا بِاللَّهِ تَعَالَى.

стр. 166

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ١٣- خَيْرُ الْقُرُونِ: قَالُوا: رَوَيْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ أُمَّتِي، مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ، أَمْ آخِرُهُ"١. ثُمَّ رَوَيْتُمْ "إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا" ٢. وَأَنَّهُ قَالَ: "خَيْرُ أُمَّتِي، الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِ" ٣. قَالُوا: وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ تَنَاقُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ، لِأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: "إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا" أَنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ حِينَ بَدَأَ قَلِيلٌ، وَهُمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَلِيلٌ إِلَّا أَنَّهُمْ خِيَارٌ. وَمِمَّا يَشْهَدُ لِهَذَا، مَا رَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى، أَو عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خِيَارُ أُمَّتِي أَوَّلُهُا وَآخِرُهَا"، وَبَيْنَ ذَلِكَ ثَبَجٌ أَعْوَجُ، لَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ"٤ وَالثَّبَجُ: الْوَسَطُ.

стр. 167

وَقَدْ جَاءَتْ فِي هَذَا آثَارٌ. مِنْهَا: أَنَّهُ ذَكَرَ آخِرَ الزَّمَانِ، فَقَالَ: "الْمُتَمَسِّكُ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ بِدِينِهِ، كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ" ١. وَمِنْهَا حَدِيثٌ آخَرُ، ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الشَّهِيدَ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، كَشَهِيدِ بَدْرٍ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْغُرَبَاءِ، فَقَالَ: "الَّذِينَ يُحْيُونَ مَا أَمَاتَ النَّاسُ مِنْ سُنَّتِي" ٢. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "خَيْرُ أُمَّتِي، الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِ" ٣ فَلَسْنَا نَشُكُّ فِي أَنَّ صَحَابَتَهُ خَيْرٌ مِمَّنْ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، مِثْلُ الْفَضْلِ الَّذِي أُوتُوهُ. وَإِنَّمَا قَالَ: "مَثَلُ أُمَّتِي، مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" ٤ عَلَى التَّقْرِيبِ لَهُمْ مِنْ صَحَابَتِهِ كَمَا يُقَالُ: مَا أَدْرِي، أَوَجْهُ هَذَا الثَّوْبِ أَحْسَنُ أَمْ مُؤَخَّرُهُ. وَوَجْهُهُ أَفْضَلُ إِلَّا أَنَّكَ أَرَدْتَ التَّقْرِيبَ مِنْهُ. وَكَمَا تَقُولُ: مَا أَدْرِي، أَوَجْهُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ أَحْسَنُ، أَمْ قَفَاهَا. وَوَجْهُهَا أَحْسَنُ إِلَّا أَنَّكَ أَرَدْتَ تَقْرِيبَ مَا بَيْنَهُمَا فِي الْحُسْنِ. وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ فِي تِهَامَةَ: إِنَّهَا كَبَدِيعِ الْعَسَلِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ، وَالْبَدِيعُ: الزِّقُّ. وَإِذَا كَانَ الْعَسَلُ فِي زِقٍّ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ اخْتِلَافَ اللَّبَنِ فِي الْوَطْبِ٥ فَيَكُونُ أَوَّلُهُ خَيْرًا مِنْ آخِرِهِ، وَلَكِنَّهُ يَتَقَارَبُ فَلَا يَكُونُ لِأَوَّلِهِ كَبِيرُ فضل، على آخِره.

стр. 168

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ١٤- تَفْضِيلُ النَّبِيِّ: قَالُوا: رَوَيْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى، وَلَا تُخَايِرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ" ١. ثُمَّ رُوِّيتُمْ أَنَّهُ قَالَ: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَلَا فَخْرَ" ٢. قَالُوا: وَهَذَا، اخْتِلَافٌ وَتَنَاقُضٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ هَهُنَا اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَاقُضٌ. وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّهُ الشَّافِعُ يَوْمَئِذٍ، وَالشَّهِيدُ، وَلَهُ لِوَاءُ الْحَمْدِ وَالْحَوْضُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ. وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: "لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُس" طَرِيقِ التَّوَاضُعِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁: "وُلِّيتُكُمْ، وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ". وَخَصَّ يُونُسَ لِأَنَّهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، مِثْلُ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَعِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ أَجْمَعِينَ. يُرِيدُ فَإِذَا كُنْتُ لَا أُحِبُّ أَنْ أُفَضَّلَ عَلَى يُونُسَ، فَكَيْفَ غَيْرُهُ، مِمَّنْ هُوَ فَوْقه

стр. 169

وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ ١ أَرَادَ أَنَّ يُونُسَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ صَبْرٌ كَصَبْرِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ، مَا دَلَّكَ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لَهُ: لَا تَكُنْ مِثْلَهُ. وَذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: "لَا تُفَضِّلُونِي عَلَيْهِ" طَرِيقَ التَّوَاضُعِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ: لَا تُفَضِّلُونِي عَلَيْهِ فِي الْعَمَلِ، فَلَعَلَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا مِنِّي، وَلَا فِي الْبَلْوَى وَالِامْتِحَانِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ مِنِّي مِحْنَةً. وَلَيْسَ مَا أَعْطَى اللَّهُ تَعَالَى نَبِيُّنَا ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ السُّؤْدُدِ، وَالْفَضْلِ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ بِعَمَلِهِ، بَلْ بِتَفْضِيلِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ، وَاخْتِصَاصِهِ لَهُ، وَكَذَلِكَ أُمَّتُهُ أَسْهَلُ الْأُمَمِ مِحْنَةً. بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ٢، وَوَضَعَ عَنْهَا الْإِصْرَ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي فَرَائِضِهِمْ. وَهِيَ -مَعَ هَذَا- خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاس، بِفضل الله تَعَالَى.

стр. 170

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ١٥- دُخُولُ الْجَنَّةِ وَدُخُولُ النَّارِ: قَالُوا: رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ" ١. ثُمَّ رُوِّيتُمْ: "مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ" ٢. وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةُ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ. قَالُوا: وَهَذَا اخْتِلَافٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنحن نقُول: إِنَّه لَيْسَ هَهُنَا اخْتِلَافٌ وَهَذَا الْكَلَامُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْحُكْمِ. يُرِيدُ: لَيْسَ حُكْمَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ؛ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، لِأَنَّ الْكِبْرِيَاءَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَكُونُ لِغَيْرِهِ. فَإِذَا نَازَعَهَا اللَّهَ تَعَالَى، لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ.

стр. 171

وَمِثْلُ هَذَا مِنَ الْكَلَامِ، قَوْلُكَ -فِي دَارٍ رَأَيْتَهَا صَغِيرَةً- لَا يَنْزِلُ فِي هَذَا الدَّارِ أَمِيرٌ. تُرِيدُ: حُكْمَهَا وَحُكْمَ أَمْثَالِهَا أَنْ لَا يَنْزِلَهَا الْأُمَرَاءُ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلُوهَا. وَقَوْلُكَ: هَذَا بَلَدٌ لَا يَنْزِلُهُ حُرٌّ؛ تُرِيدُ لَيْسَ حُكْمُهُ أَنْ يَنْزِلَهُ الْأَحْرَارُ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلُوهُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ" ١ لِأَنَّهُ رَغِبَ عَنْ هَدِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَدَقَتِهِ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِرُخْصَتِهِ وَيُسْرِهِ. وَالرَّاغِبُ عَنِ الرُّخْصَةِ، كَالرَّاغِبِ عَنِ الْعَزْمِ، وَكِلَاهُمَا مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ، إِنْ عَاقَبَهُ اللَّهُ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ٢. أَيْ: حُكْمُهُ أَنْ يَجْزِيَهُ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَهُوَ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عَمَلٍ ثَوَابًا فَهُوَ مُنْجِزُهُ لَهُ، وَمَنْ أَوْعَدَهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَابًا فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ"٣. وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّهِيدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ: يُؤْتَى بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأُقَامُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ، فَيَقُولُ لِي: لِمَ قُلْتَ: إِنَّ الْقَاتِلَ فِي النَّارِ؟ فَأَقُولُ: أَنْتَ قُلْتَهُ يَا رَبِّ. ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ . فَقُلْتُ لَهُ -وَمَا فِي الْبَيْتِ أَصْغَرُ مِنِّي- أَرَأَيْتَ إِنْ قَالَ لَكَ: فَإِنِّي قَدْ قَلْتُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٤ مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ أَنِّي لَا أَشَاءُ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ؟ قَالَ: فَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا.

стр. 172

قَالُوا: حَدِيثٌ يُبْطِلُهُ الْقُرْآنُ ١٦- الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ: قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِبَنِيهِ: " إِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الْيَمِّ، لَعَلِّي أُضِلُّ اللهَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَجَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ -أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ- عَلَى مَا فعلتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ" ١. قَالُوا: وَهَذَا كَافِرٌ، وَاللَّهُ لَا يَغْفِرُ لِلْكَافِرِ، وَبِذَلِكَ جَاءَ الْقُرْآنُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ فِي: "أُضِلُّ اللَّهَ"٢ إِنَّهُ بِمَعْنَى "أَفُوتُ اللَّهَ" تَقُولُ: ضَلَلْتُ كَذَا وَكَذَا وَأَضْلَلْتُهُ. -وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ ٣ أَيْ لَا يَفُوتُ رَبِّي. وَهَذَا رجل مُؤمن بِاللَّه، مقربه، خَائِفٌ لَهُ، إِلَّا أَنَّهُ جَهِلَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ، فَظَنَّ أَنَّهُ إِذْ أحرق وذري الرِّيحِ أَنَّهُ يَفُوتُ اللَّهَ تَعَالَى، فَغَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِمَعْرِفَتِهِ مَا بِنِيَّتِهِ وَبِمَخَافَتِهِ مِنْ عَذَابِهِ جَهْلَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ صِفَاتِهِ. وَقَدْ يَغْلَطُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِالنَّارِ، بَلْ تُرْجَأُ أُمُورُهُمْ إِلَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بهم وبنياتهم.

стр. 173

قَالُوا: حَدِيثٌ يُبْطِلُهُ الْقُرْآنُ ١٧- مَفْهُومُ الْكُفْرِ: قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّهُ قَالَ ﵇: "مَنْ تَرَكَ قَتْلَ الْحَيَّاتِ مَخَافَةَ الثَّأْرِ فَقَدْ كَفَرَ" ١. وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ٢. وَهَذَا إِنْ كَانَ ذَنْبًا، فَهُوَ مِنَ الصَّغَائِرِ، فَكَيْفَ نُكَفِّرُهُ٣؟ وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ مَنْ زَنَى، وَمَنْ سَرَقَ إِذَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ"٤ ثُمَّ تَكْفُرُونَ بِتَرْكِ قَتْلِ الْحَيَّاتِ؟ وَفِي هَذَا اخْتِلَافٌ وَتَنَاقُضٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنحن نقُول: إِنَّه لَيْسَ هَهُنَا اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَاقُضٌ. وَلَمْ يَكُنِ الْقَصْدُ لِتَرْكِ قَتْلِ الْحَيَّاتِ وَلَا أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عَظِيمًا مِنَ الذُّنُوبِ، يَخْرُجُ بِهِ الرَّجُلُ إِلَى الْكُفْرِ. وَإِنَّمَا الْعَظِيمُ، أَنْ يَتْرُكَهَا خَشْيَةَ الثَّأْرِ. وَكَانَ هَذَا أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَكَانُوا يَقُولُونَ إِن الْجِنّ تطلب بثأر الجان إِذا قتل.

стр. 174

فَرُبَّمَا قَتَلَتْ قَاتِلَهُ، وَرُبَّمَا أَصَابَتْهُ بِخَبَلٍ، وَرُبَّمَا قَتَلَتْ وَلَدَهُ. فَأَعْلَمَهُمْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ، وَقَالَ: "مَنْ صَدَّقَ بِهَذَا فَقَدْ كَفَرَ" يُرِيدُ بِمَا أَتَيْنَا بِهِ١ مِنْ بُطْلَانِهِ. وَالْكُفْرُ عِنْدَنَا صِنْفَانِ: أَحَدُهُمَا: الْكُفْرُ بِالْأَصْلِ كَالْكُفْرِ بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِرُسُلِهِ، أَوْ مَلَائِكَتِهِ أَوْ كُتُبِهِ، أَوْ بِالْبَعْثِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي مَنْ كَفَرَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ مَاتَ، لَمْ يَرِثْهُ ذُو قَرَابَتِهِ الْمُسْلِمُ٢ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ. وَالْآخَرُ: الْكُفْرُ بِفَرْعٍ مِنَ الْفُرُوعِ، عَلَى تَأْوِيلِ: الْكُفْرِ بِالْقَدَرِ، وَالْإِنْكَارِ لِلْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَتَرْكِ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَأَشْبَاهِ هَذَا. وَهَذَا لَا يُخْرَجُ بِهِ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ كَفَرَ بِشَيْءٍ مِنْهُ: كَافِرٌ. كَمَا أَنَّهُ يُقَالُ لِلْمُنَافِقِ آمِنٌ، وَلَا يُقَالُ مُؤمن.

стр. 175

قَالُوا: حَدِيثٌ يُكَذِّبُهُ النَّظَرُ وَالْعِيَانُ، وَالْخَبَرُ وَالْقُرْآنُ ١٨- مَوْضِعُ الْجَنَّةِ: قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مِنْبَرِي هَذَا، عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ" ١ " وَمَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي، رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ" ٢. وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ ٣. وَيَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٤. وَرُوِّيتُمْ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ: "أَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ" ٥. قَالُوا: وَهَذَا، اخْتِلَافٌ وَتَنَاقُضٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نقُول: إِنَّه لَيْسَ هَهُنَا اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَاقُضٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِقَوْلِهِ: "مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ" أَنَّ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ رَوْضَةٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَالذِّكْرَ فِيهِ، يُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ، فَهُوَ قِطْعَةٌ مِنْهَا، وَمِنْبَرِي هَذَا هُوَ عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ ترع الْجنَّة، والترعة بَاب المشرعة إِلَى الْمَاءِ، أَيْ: إِنَّمَا هُوَ بَاب إِلَى الْجنَّة.

стр. 176

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَحَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى غُفْرَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "ارْتَعُوا فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ" قَالُوا: وَأَيْنَ رِيَاضُ الْجَنَّةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَجَالِسُ الذِّكْرِ" ١. وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: "عَائِدُ الْمَرِيضِ، عَلَى مَخَارِفِ الْجَنَّةِ" ٢ وَالْمَخَارِفُ: الطُّرُقُ، وَأَحَدُهَا: مَخْرَفَةٌ. وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: "تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ مَخْرَفَةِ النَّعَمِ" أَيْ طَرِيقِهَا. وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ تُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ، فَكَأَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَيْهَا. وَكَذَلِكَ مَجَالِسُ الذِّكْرِ، تُؤَدِّي إِلَى رِيَاضِ الْجَنَّةِ، فَهِيَ مِنْهَا. وَكَذَلِكَ قَوْلُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ٣: "الْجَنَّةُ تَحْتَ الْبَارِقَةِ" -يَعْنِي السُّيُوفَ، وَ "الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ" ٤. يُرِيدُ أَنَّ الْجِهَادَ يُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ، فَكَأَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَهُ. وَقَدْ يَذْهَبُ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَا بَيْنَ قَبْرِهِ وَمِنْبَرِهِ، حِذَاءَ رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ مِنْبَرَهُ حِذَاءَ تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ، فَجَعَلَهُمَا مِنَ الْجنَّة، إِذْ كَانَا فِي الْأَرْضِ، حِذَاءَ ذَيْنِكَ فِي السَّمَاءِ. وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ -عِنْدِي- وَالله أعلم.

стр. 177

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ١٩- الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ: قَالُوا: رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" ١ وَرُوِّيتُمْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ احْتَجَّ بِذَلِكَ عَلَى الْأَنْصَارِ، يَوْمَ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ. ثُمَّ رُوِّيتُمْ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: "لَوْ كَانَ سَالِمٌ، مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ حَيًّا، مَا تَخَالَجَنِي فِيهِ الشَّكُّ". وَسَالِمٌ لَيْسَ مَوْلًى لِأَبِي حُذَيْفَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَهِيَ أَعْتَقَتْهُ وَرَبَّتْهُ٢ وَنُسِبَ إِلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بِحِلْفٍ. فَجَعَلْتُمُ الْإِمَامَةَ٣، تَصْلُحُ لِمَوَالِي الْأَنْصَارِ، وَلَوْ كَانَ مَوْلًى لِقُرَيْشٍ، لَأَمْكَنَ أَنْ تَحْتَجُّوا بِأَنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ. قَالُوا: وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْقَوْلِ تَنَاقُضٌ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ٤ تَنَاقُضًا، لَوْ قَالَ عُمَرُ: "لَوْ كَانَ سَالِمٌ حَيًّا مَا تَخَالَجَنِي الشَّكُّ فِي تَوْلِيَتِهِ عَلَيْكُمْ، أَوْ فِي تَأْمِيرِهِ". فَأَمَّا قَوْلُهُ: "مَا تَخَالَجَنِي الشَّكُّ فِيهِ" فَقَدْ يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ.

стр. 178

وَكَيْفَ يُظَنُّ بِعُمَرَ ﵁ أَنَّهُ يَقِفُ فِي خِيَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَالَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ، فَلَا يَخْتَارُ مِنْهُمْ، وَيَجْعَلُ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَهُمْ، وَلَا يَتَخَالَجُهُ الشَّكُّ فِي تَوْلِيَتِهِ سَالِمًا عَلَيْهِمْ ﵁؟ هَذَا خَطَأٌ مِنَ الْقَوْلِ، وَضَعْفٌ فِي الرَّأْيِ. وَلَكِنَّ عُمَرَ لَمَّا جَعَلَ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ هَؤُلَاءِ، ارْتَادَ لِلصَّلَاةِ مَنْ يَقُومُ بِهَا أَنْ يَخْتَارُوا الْإِمَامَ مِنْهُمْ وَأَجَّلَهُمْ فِي الِاخْتِيَارِ ثَلَاثًا، وَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ١ ابْنَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَلِكَ، فَذَكَرَ سَالِمًا فَقَالَ: لَوْ كَانَ حَيًّا، مَا تَخَالَجَنِي فِيهِ الشَّكُّ. وَذَكَرَ الْجَارُودَ الْعَبْدِيَّ فَقَالَ: "لَوْ كَانَ أُعَيْمِشُ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ حَيًّا، لَقَدَّمْتُهُ". وَقَوْلُهُ: "لَقَدَّمْتُهُ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ فِي سَالِمٍ مِثْلَ ذَلِكَ، مِنْ تَقْدِيمِهِ لِلصَّلَاةِ بِهِمْ. ثُمَّ أَجْمَعَ عَلَى صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ فَأَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ، إِلَى أَنْ يَتَّفِقَ الْقَوْمُ، على اخْتِيَار رجل مِنْهُم٢.

стр. 179

قَالُوا: حَدِيثٌ يُكَذِّبُهُ النَّظَرُ وَالْخَبَرُ ٢٠- الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ: قَالُوا: رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِنْ بَيْنِ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، فَلَا تُصَلُّوا لِطُلُوعِهَا"١. قَالُوا: فَجَعَلْتُمْ لِلشَّيْطَانِ قُرُونًا تَبْلُغُ السَّمَاءَ، وَجَعَلْتُمُ الشَّمْسَ الَّتِي هِيَ مِثْلُ الْأَرْضِ مَرَّاتٍ، تَجْرِي بَيْنَ قَرْنَيْهِ. وَأَنْتُمْ -مَعَ هَذَا- تَزْعُمُونَ أَنَّ: "الشَّيْطَان يجْرِي من بن آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ" ٢ فَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالِ، أَلْطَفُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَجَعَلْتُمْ عِلَّةَ تَرْكِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، طُلُوعَهَا مِنْ بَيْنِ قَرْنَيْهِ. وَمَا عَلَى الْمُصَلِّي لِلَّهِ تَعَالَى إِذَا جَرَتِ الشَّمْسُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ؟ وَمَا فِي هَذَا، مِمَّا يَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ لِلَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ إِنْكَارَهُمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ، إِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِخَلْقِ الشَّيَاطِينِ وَالْجِنِّ، وَبِأَن الله تَعَالَى جعل فِي

стр. 180

تركيبها أَنْ تَتَحَوَّلَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، فَتَتَمَثَّلَ مَرَّةً فِي صُورَةِ شَيْخٍ، وَمَرَّةً فِي صُورَةِ شَابٍّ، وَمَرَّةً فِي مِثَالِ نَارٍ، وَمَرَّةً فِي مِثَالِ كَلْبٍ، وَمَرَّةً فِي مِثَالِ جَانٍّ، وَمَرَّةً تَصِلُ إِلَى السَّمَاءِ وَمَرَّةً تَصِلُ إِلَى الْقَلْبِ، وَمَرَّةً تَجْرِي مَجْرَى الدَّمِ. فَهَؤُلَاءِ مُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ، وَبِمَا تَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَكُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَنَا فِي كِتَابِهِ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَقْعُدُونَ مِنَ السَّمَاءِ مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ، وَأَنَّهُمْ يُرْمَون بِالنُّجُومِ. وَأَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الشَّيْطَانِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ١ وَهُوَ لَا يَظْهَرُ لَنَا. فَكَيْفَ يَأْمُرُنَا بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، لَوْلَا أَنَّهُ يَصِلُ إِلَى الْقُلُوبِ، بِالسُّلْطَانِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، فَيُوَسْوِسُ بِذَلِكَ وَيُزَيِّنُ وَيُمَنِّي، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ؟ وَكَمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُ رُئِيَ مَرَّةً، فِي صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ، وَمَرَّةً فِي صُورَةِ ضُفْدَعٍ، وَمَرَّةً فِي صُورَةِ جَانٍّ. وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْجِنَّ رِجَالًا، كَمَا سَمَّانَا رِجَالًا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ ٢. وَقَالَ فِي الْحُورِ الْعِينِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ ٣. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ تَطْمِثُ كَمَا يَطْمِثُ الْإِنْس. والطمث: الْوَطْء بالتدمية٤.
следующие страницы →