Полный текст (511 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
قَالُوا: حَدِيثٌ تُكَذِّبُهُ حُجَّةُ الْعَقْلِ وَالنَّظَرِ
٤٠- هَلْ سُحِرَ النَّبِيُّ ﷺ ؟:
قَالُوا: "رُوِّيتُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُحِرَ، وَجُعِلَ سِحْرُهُ فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ١ وَأَنَّ عَلِيَّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ اسْتَخْرَجَهُ، وَكُلَّمَا حَلَّ مِنْهُ عُقْدَةً، وَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ خِفَّةً، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، كَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ"٢.
وَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، لِأَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ، وَعَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الشَّيْطَانِ فِيمَا يَذْكُرُونَ.
فَكَيْفَ يَصِلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، مَعَ حِيَاطَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، وَتَسْدِيدِهِ إِيَّاهُ بِمَلَائِكَتِهِ، وَصَوْنِهِ الْوَحْيَ عَنِ الشَّيْطَانِ؟ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ٣.
وَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَن الْبَاطِل هَهُنَا هُوَ الشَّيْطَانُ.
وَقَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ٤ أَيْ: يَجْعَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَلْفَهُ رَصَدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَحْفَظُونَهُ، وَيَصُونُونَ الْوَحْيَ، عَنْ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ الشَّيْطَانُ مَا لَيْسَ مِنْهُ.
стр. 247
وَذَهَبُوا فِي السِّحْرِ إِلَى أَنَّهُ حِيلَةٌ يُصْرَفُ بِهَا وَجْهُ الْمَرْءِ عَنْ أَخِيهِ، وَيُفَرَّقُ بِهَا بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ كَالتَّمَائِمِ١ وَالْكَذِبِ، وَقَالُوا: هَذِهِ رُقًى٢، وَمِنْهُ السُّمُّ يُسْقَاهُ الرَّجُلُ فَيَقْطَعُهُ عَنِ النِّسَاءِ، وَيُغَيِّرُ خُلُقَهُ، وَيَنْثُرُ شَعْرَهُ وَلِحْيَتَهُ.
وَإِلَى أَنَّ سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ خَيَّلُوا لِمُوسَى ﷺ ، مَا أَرَوْهُ.
قَالُوا: وَمِثْلُ ذَلِكَ؛ أَنَّا نَأْخُذُ الزِّئْبَقَ، فَنُفْرِغُهُ فِي وِعَاءٍ كَالْحَيَّةِ، ثُمَّ نُرْسِلُهُ فِي مَوْضِعٍ حَارٍّ، فَيَنْسَابُ انْسِيَابَ الْحَيَّةِ.
قَالُوا: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ٣، إِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ، وَلَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
وَقَالُوا: فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ ٤ هُوَ بِمَعْنَى النَّفْيِ.
أَيْ: لَمْ يَنْزِلْ ذَلِكَ.
وَقَالُوا: الْمَلِكَيْنِ، بِكَسْرِ اللَّامِ.
وَذَكَرُوا عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ، وَيَقُولُ: عِلْجَانِ مِنْ أَهْلِ بَابِلَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَى هَذَا، مُخَالِفٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَجَمِيعِ أَهْلِ الْكُتُبِ، وَمُخَالِفٌ لِلْأُمَمِ كُلِّهَا، الْهِنْدُ، وَهِيَ أَشَدُّهَا إِيمَانًا بِالرُّقَى، وَالرُّومُ وَالْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي الْإِسْلَامِ، وَمُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ مُعَانِدٌ لَهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ قَالَ لِرَسُولِهِ ﷺ : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ
стр. 248
وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ١ فأعلمنا أَنَّ السَّوَاحِرَ، يَنْفُثْنَ فِي عُقَدٍ يَعْقِدْنَهَا كَمَا يَتْفُلُ الرَّاقِي وَالْمُعَوِّذُ.
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ، تُسَمِّي السِّحْرَ الْعَضْهَ٢.
وَلَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَاضِهَةَ وَالْمُسْتَعْضِهَةَ.
يَعْنِي بِالْعَاضِهَةِ: السَّاحِرَةَ، وَبِالْمُسْتَعْضِهَةِ: الَّتِي تَسْأَلُهَا أَنْ تَسْحَرَ لَهَا، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
أعوذ بربي من النافثا ... ت فِي عَقْدِ الْعَاضِهِ الْمُعْضِهِ
يَعْنِي: السواحر. وَقد روى بن نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَهَذَا طَرِيقٌ مَرْضِيُّ صَحِيحٌ أَنَّهُ قَالَ -حِينَ سُحِرَ٣-: "جَاءَنِي رَجُلَانِ، فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ ٤ فَقَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ، قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمَشَّاطَةٍ، وَجُفِّ ٥ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ".
وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَجْتَرُّ٦ النَّاسُ بِهِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ نَفْعًا، وَلَا يَصْرِفُونَ عَنْهَا ضُرًّا، وَلَا يُكْسِبُونَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَنَاءً وَمَدْحًا، وَلَا حَمَلَةُ هَذَا الْحَدِيثِ كَذَا بَين، وَلَا مُتَّهَمِينَ، وَلَا مُعَادِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَمَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ لَبِيدُ بن الأعصم -هَذَا الْيَهُودِيّ- سحر
стр. 249
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ قَتَلَتِ الْيَهُودُ قَبْلَهُ، زَكَرِيَّا بْنَ آذَنَ فِي جَوْفِ شَجَرَةٍ، قَطَّعَتْهُ قِطَعًا بِالْمَنَاشِيرِ.
وَذَكَرَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَوْ غَيْرُهُ: أَنَّهُ ﵇، لَمَّا وَصَلَ الْمِنْشَارُ إِلَى أَضْلَاعِهِ أَنَّ؛ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: إِمَّا أَنْ تَكُفَّ عَنْ أَنِينِكَ، وَإِمَّا أَنْ أُهْلِكَ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.
وَقَتَلَتْ بَعْدَهُ ابْنَهُ يَحْيَى بِقَوْلِ بَغِيٍّ، وَاحْتِيَالِهَا فِي ذَلِكَ، وَادَّعَتْ "يَعْنِي الْيَهُودَ" أَنَّهَا قَتَلَتِ الْمَسِيحَ وَصَلَبَتْهُ.
وَلَوْ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ١ لَمْ نَعْلَمْ نَحْنُ، أَنَّ ذَلِكَ شَبَهُهُ لِأَنَّ الْيَهُودَ أَعْدَاؤُهُ، وَهُمْ يَدَّعُونَ ذَلِكَ، وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاؤُهُ وَهُمْ يُقِرُّونَ لَهُمْ بِهِ.
وَقَتَلَتِ الْأَنْبِيَاءَ، وَطَبَخَتْهُمْ٢، وَعَذَّبَتْهُمْ أَنْوَاعَ الْعَذَابِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ، لَعَصَمَهُمْ مِنْهُمْ.
وَقَدْ سُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذِرَاعِ شَاةٍ مَشْوِيَّةٍ، سَمَّتْهُ يَهُودِيَّةٌ، فَلَمْ يَزَلِ السُّمُّ يعاده حَتَّى مَاتَ.
وَقَالَ ﷺ : "مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَر تعادني، فَهَذَا أَوَان انْقِطَاع أَبْهَري" ٣
стр. 250
فَجعل اللَّهُ تَعَالَى لِلْيَهُودِيَّةِ عَلَيْهِ السَّبِيلَ، حَتَّى قَتَلَتْهُ.
وَمِنْ قَبْلِ ذَلِكَ، مَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ السَّبِيلَ عَلَى النَّبِيِّينَ.
وَالسِّحْرُ أَيْسَرُ خَطْبًا مِنَ الْقَتْلِ وَالطَّبْخِ وَالتَّعْذِيبِ.
فَإِنْ كَانُوا إِنَّمَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجْعَلُ لِلشَّيْطَانِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبِيلًا، وَلَا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فقد قرؤوا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ١.
يُرِيدُ: إِذَا تَلَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي تِلَاوَتِهِ -يُعَزِّيهِ، عَمَّا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ، حِينَ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ: "تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ تُرْتَجَى".
غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ، أَنْ يَزِيدَ فِيهِ، أَوْ يَنْقُصَ مِنْهُ.
أَمَا تَسْمَعُهُ يَقُولُ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ ٢.
أَيْ: يُبْطِلُ مَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ٣.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ٤. أَيْ: لَا يَقْدِرُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ أَوَّلًا، وَلَا آخِرًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
حَدَّثَنِي أَبُو الْخَطَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَانِي فَقَالَ: إِنْ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ يَكِيدُكَ، فَإِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تختم آيَة الْكُرْسِيّ"٥.
стр. 251
وَقَدْ حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَيُّوبَ ﷺ فَقَالَ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ ١.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي السِّحْرِ الَّذِي رَآهُ مُوسَى ﷺ : إِنَّهُ تَخْيِيلٌ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَمَا نُنْكِرُ هَذَا وَلَا نَدْفَعُهُ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ الْخَلَائِقَ كُلَّهَا، لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى خَلْقِ بَعُوضَةٍ، لَمَا اسْتَطَاعُوا؛ غَيْرَ أَنَّا لَا نَدْرِي، أَهُوَ بِالزِّئْبَقِ الَّذِي ادَّعَوْا أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ فِي سُلُوخِ الْحَيَّاتِ حَتَّى جَرَتْ، أَمْ بِغَيْرِهِ؟
وَلَا يَعْلَمُ هَذَا، إِلَّا مَنْ كَانَ سَاحِرًا، أَوْ مَنْ سَمِعَ فِيهِ شَيْئًا مِنَ السَّحَرَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ، فِي قَوْلِ اللَّهِ ﵎: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ٢، ثُمَّ قَالَ: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ ١ إِنَّ تَأْوِيلَهُ "وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ" فَلَيْسَ هَذَا بِمُنْكَرٍ مِنْ تَأْوِيلَاتِهِمُ الْمُسْتَحِيلَةِ الْمَنْكُوسَةِ.
فَإِذَا كَانَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ، هَارُوتَ، وَمَارُوتَ، صَارَ الْكَلَامُ فَضْلًا، لَا مَعْنًى لَهُ.
وَإِنَّمَا يَجُوزُ٣ بِأَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّ السِّحْرَ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، وَيَكُونُ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، أَوْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: "اتَّبِعُوا ذَلِكَ" وَلِمَ يَنْزِلُ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، كَمَا ذَكَرُوا.
وَمِثَالُ هَذَا؛ أَنْ يَقُولَ مُبْتَدِئًا: عَلَّمْتُ هَذَا الرَّجُلَ الْقُرْآنَ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى ﵇.
فَلَا يَتَوَهَّمُ سَامِعُ هَذَا، أَنَّكَ أَرَدْتَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَى مُوسَى ﵇، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ قَوْلُ أَحَدٍ: أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى ﵇، وَإِنَّمَا يَتَوَهَّمُ السَّامِعُ أَنَّكَ عَلمته الْقُرْآن والتوراة.
стр. 252
وَتَأْويل هَذَا، عندنَا، مُبين بِمَعْرِفَةِ الْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ.
وَجُمْلَتُهُ -على مَا ذكر بن عَبَّاسٍ- أَنَّ سُلَيْمَانَ ﷺ ، لَمَّا عُوقِبَ، وَخَلَفَهُ الشَّيْطَانُ فِي مُلْكِهِ، دَفَنَتِ الشَّيَاطِينُ فِي خِزَانَتِهِ، وَمَوْضِعِ مُصَلَّاهُ، سِحْرًا وأخذًا١ ونيرنجات٢.
فَمَا مَاتَ سُلَيْمَانُ ﷺ ، جَاءَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: أَلَا نَدُلُّكُمْ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي سُخِّرَتْ بِهِ لِسُلَيْمَانَ الرِّيحُ وَالْجِنُّ، وَدَانَتْ لَهُ بِهِ الْإِنْسُ؟ قَالُوا: بَلَى. فَأَتَوْا مُصَلَّاهُ، وَمَوْضِعَ كُرْسِيِّهِ، فَاسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ مِنْهُ.
فَقَالَ الْعُلَمَاءُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: "مَا هَذَا مِنْ دِينِ اللَّهِ، وَمَا كَانَ سُلَيْمَانُ سَاحِرًا".
وَقَالَ سَفَلَةُ النَّاسِ: "سُلَيْمَانُ كَانَ أَعْلَمَ مِنَّا، فَسَنَعْمَلُ بِهَذَا، كَمَا عَمِلَ".
فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ٣ أَيْ اتَّبَعَتِ الْيَهُودُ، مَا تَرْوِيهِ الشَّيَاطِينُ.
وَالتِّلَاوَةُ وَالرِّوَايَةُ شَيْءٌ وَاحِدٌ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ ٤ وَهُمَا مَلَكَانِ أُهْبِطَا إِلَى الْأَرْضِ، حِينَ عَمِلَ بَنُو آدَمَ بِالْمَعَاصِي لِيَقْضِيَا بَيْنَ النَّاسِ، وَأُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمَا شَهْوَةُ النِّسَاءِ، وَأُمِرَا أَنْ لَا يَزْنِيَا، وَلَا يَقْتُلَا، وَلَا يَشْرَبَا خَمْرًا فَجَاءَتْهُمَا الزُّهَرَةُ٥ تُخَاصِمُ إِلَيْهِمَا، فَأَعْجَبَتْهُمَا فَأَرَادَاهَا، فَأَبَتْ عَلَيْهِمَا حَتَّى يُعَلِّمَاهَا الِاسْمَ الَّذِي يَصْعَدَانِ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَعَلَّمَاهَا، ثُمَّ أَرَادَاهَا، فَأَبت حَتَّى يشربا الْخمر، فشرباها،
стр. 253
وقضيا حَاجَتَهُمَا، ثُمَّ خَرَجَا، فَرَأَيَا رَجُلًا، فَظَنَّا أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ١ عَلَيْهِمَا، فَقَتَلَاهُ.
وَتَكَلَّمَتِ الزُّهَرَةُ بِذَلِكَ الِاسْمِ، فَصَعِدَتْ، فَخَنَسَتْ٢ وَجَعَلَهَا اللَّهُ شِهَابًا.
وَغَضِبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمَلَكَيْنِ، فَسَمَّاهُمَا: هَارُوتَ، وَمَارُوتَ.
وَخَيَّرَهُمَا بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، فَاخْتَارَا عَذَابَ الدُّنْيَا.
فَهُمَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ، مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ٣.
وَالَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، فِيمَا يَرَى أَهْلُ النَّظَرِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- هُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ. الَّذِي صَعِدَتْ بِهِ الزُّهَرَةُ، وَكَانَا بِهِ -قَبْلَهَا وَقَبْلَ السُّخْطِ عَلَيْهِمَا- يَصْعَدَانِ إِلَى السَّمَاءِ. فَعَلِمَتْهُ الشَّيَاطِينُ، فَهِيَ٤ تُعَلِّمُهُ أَوْلِيَاءَهَا، وَتُعَلِّمُهُمُ السِّحْرَ.
وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ السَّاحِرَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ، فَيَطِيرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَيَطْفُو عَلَى الْمَاءِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطَّائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ، أَنَّ عَامِلَ عُمَانَ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁: "إِنَّا أَتَيْنَا بِسَاحِرَةٍ، فَأَلْقَيْنَاهَا فِي الْمَاءِ، فَطَفَتْ".
فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: "لَسْنَا مِنَ الْمَاءِ فِي شَيْءٍ، إِنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، وَإِلَّا فَخَلِّ٥ سَبِيلَهَا".
стр. 254
وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطَّائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَيْرَةُ بْنُ شُكَيْرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ بِالْبَحْرَيْنِ، فَأُتِيَ بِسَاحِرَةٍ، فَأَمَرَ بِهَا، فَأُلْقِيَتْ فِي الْمَاءِ فَطَفَتْ، فَأَمَرَ بِصَلْبِهَا فَنَحَتْنَا جِذْعًا.
فَجَاءَ زَوْجُهَا كَأَنَّهُ سَفُّودٌ١ مُحْتَرِقٌ فَقَالَ: "مُرْهَا فَلْتُطْلِقْ عَنِّي" فَقَالَ لَهَا: أَطْلِقِي عَنْهُ. فَقَالَتْ: نَعَمْ، ائْتُونِي بِبَابٍ وَغَزْلٍ. فَقَعَدَتْ عَلَى الْبَابِ، وَجَعَلَتْ تَرْقِي فِي الْغَزْلِ وَتَعْقِدُ، فارتفع الْبَاب، فأخذا يَمِينا وَشمَالًا، فَلم يقدر عَلَيْهَا.
وَحَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِيُّ٢ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ: "إِنَّ الشَّيَاطِينَ، لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّرَ خَلْقَهَا، وَلَكِنَّهَا تَسْحَرُهُ".
وَحَدَّثَنِي أَبُو حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: "إِنَّ الْغُولَ سَاحِرَةُ الُجِنِّ".
وَحَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَنْصُورًا، يَذْكُرُ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ خِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ، إِنَّ مَعَهُ نَارًا تَحْرِقُ، وَنَهْرَ مَاءٍ بَارِدٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ، فَلَا يَهْلِكَنَّ بِهِ وَلْيُغْمِضْ عَيْنَهُ، وَلْيَقَعْ فِي الَّتِي يَرَاهَا نَارًا، فَإِنَّهَا نَهْرُ مَاءٍ بَارِدٍ"٣.
وَحَدَّثَنِي أَبُو حَاتِمٍ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: "جَاءَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَفْتِي، فَوَجَدَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ تُوُفِّيَ، وَلَمْ تَجِدْ إِلَّا امْرَأَة من نِسَائِهِ يُقَال:
стр. 255
أَنَّهَا عَائِشَةُ ﵂، فَقَالَتْ لَهَا: "يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ لِيَ امْرَأَةٌ: "هَلْ لَكِ أَنْ أَعْمَلَ لَكِ شَيْئًا يَصْرِفُ وَجْهَ زَوْجِكِ إِلَيْكِ؟ "، وَأَظُنُّهُ قَالَ: فَأَتَتْ بِكَلْبَيْنِ، فَرَكِبَتْ وَاحِدًا، وَرَكِبْتُ الْآخَرَ، فَسِرْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ قَالَتْ: "أَتَدْرِينَ أَيْنَ أَنْتِ؟ إِنَّكِ بِبَابِلَ" وَدَخَلَتْ عَلَى رَجُلٍ، أَوْ قَالَتْ "رَجُلَيْنِ" فَقَالَا لَهَا: "بُولِي عَلَى ذَلِكَ الرَّمَادِ" قَالَتْ: "فَذَهَبْتُ فَلَمْ أَبُلْ، وَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا" فَقَالَا لِي: "مَا رَأَيْتِ؟ " قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ شَيْئًا".
قَالَا: "أَنْتِ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكِ".
قَالَتْ: فَرَجَعْتُ فَتَشَدَّدْتُ، ثُمَّ بُلْتُ، فَخَرَجَ مِنِّي مِثْلُ الْفَارِسِ الْمُقَنَّعِ، فَصَعِدَ فِي السَّمَاءِ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا، فَقَالَا لِي: "مَا رَأَيْتِ؟ " فَأَخْبَرْتُهُمَا.
فَقَالَا: "ذَلِكَ إِيمَانُكِ قَدْ فَارَقَكِ".
فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَرْأَةِ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا عَلَّمَانِي شَيْئًا، وَلَا قَالَا لِي كَيْفَ أَصْنَعُ.
قَالَتْ: فَمَا رَأَيْتِ؟ قَلَتُ: كَذَا، قَالَتْ: أَنْتِ أَسْحَرُ الْعَرَبِ، عَمَلي وَتَمَنَّيْ.
قَالَتْ: فَقَطَعْتُ جَدَاوِلَ، وَقَالَتْ: احْقُلْ١؛ فَإِذَا هُوَ زَرَعٌ يَهْتَزُّ.
فَقَالَتِ: افْرُكْ٢ فَإِذَا هُوَ قَدْ يَبِسَ قَالَتْ: فَأَخَذْتُهُ، فَفَرَكْتُهُ، وَأَعْطَتْنِيهِ فَقَالَتْ: جُشِّي٣ هَذَا، وَاجْعَلِيهِ سَوِيقًا، وَاسْقِيهِ زَوْجَكِ فَلَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَانْتَهَى الشَّأْنُ إِلَى هَذَا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟
قَالَتْ: وَرَأَتْ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ كَانَ يَسْكُنُ أَمَجَ٤ فَقَالَتْ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا أَشْبَهُ النَّاسِ بهاروت وماروت.
стр. 256
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَقَدْ رَوَى هَذَا، بن جريج، عَن بن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ نُؤْمِنْ بِهِ، مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ حُجَّةِ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا آمَنَّا بِهِ مِنْ جِهَةِ الْكُتُبِ وَأَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ، وَتَوَاطُؤِ الْأُمَمِ فِي كُلِّ زَمَانٍ عَلَيْهِ، خَلَا هَذِهِ الْعِصَابَةَ، الَّتِي لَا تُؤْمِنُ إِلَّا بِمَا أَوْجَبَهُ النَّظَرُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ، فِيمَا شَاهَدُوا، وَرَأَوْا.
وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ: إِنَّهُمَا عِلْجَانِ مِنْ أَهْلِ بَابِلَ، وَقِرَاءَتُهُ "الْمَلِكَيْنِ" بِالْكَسْرِ، فَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَلَا الْمُتَأَوِّلِينَ فِيمَا أَعْلَمُ، وَهُوَ أَشَدُّ اسْتِكْرَاهًا، وَأَبْعَدُ مَخْرَجًا.
وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى عِلْجَيْنِ شَيْءٌ، يُفَرِّقَانِ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وزوجه؟!!
стр. 257
قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَدَافِعَانِ مُتَنَاقِضَانِ
٤١- خَاتَمُ النَّبِيِّينَ:
قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي، فَالْحَلَالُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ ﵎ عَلَى لِسَانِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " ١.
ثُمَّ رُوِّيتُمْ: "أَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ يَنْزِلُ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَزِيدُ فِي الْحَلَالِ"٢.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: "قُولُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،
стр. 258
خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا تَقُولُوا لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ"١ وَهَذَا تَنَاقُضٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا تَنَاقُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ، لِأَنَّ الْمَسِيحَ ﷺ نَبِيٌّ مُتَقَدِّمٌ، رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ يُنْزِلُهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، عِلْمًا لِلسَّاعَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ ٢ وَقَرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ .
وَإِذَا نَزَلَ الْمَسِيحُ ﵇، لَمْ يَنْسَخْ شَيْئًا مِمَّا أَتَى بِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَتَقَدَّمِ الْإِمَامَ مِنْ أُمَّتِهِ، بَلْ يُقَدِّمُهُ، وَيُصَلِّي خَلْفَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: "وَيَزِيدُ فِي الْحَلَالِ" فَإِنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: "مَا يَزِيدُ فِي الْحَلَالِ٣ إِلَّا النِّسَاءُ" فَقَالَ: "وَذَاكَ"٤؛ ثُمَّ ضَحِكَ أَبُو هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَلَيْسَ قَوْلُهُ "يَزِيدُ الْحَلَّالَ" أَنَّهُ يُحِلُّ لِلرَّجُلِ، أَنْ يَتَزَوَّجَ خَمْسًا، وَلَا سِتًّا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ لَمْ يَنْكِحِ النِّسَاءَ، حَتَّى رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ، فَإِذَا أَهْبَطَهُ، تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَزَادَ فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ، أَيِ ازْدَادَ مِنْهُ.
فَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، إِلَّا عَلِمَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَأَيْقَنَ أَنَّهُ بَشَرٌ.
وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂: "قُولُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا تَقُولُوا لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ"؛ فَإِنَّهَا تَذْهَبُ إِلَى نُزُولِ عِيسَى ﵇، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَوْلِهَا، نَاقِضًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا نَبِيَّ بَعْدِي" لِأَنَّهُ أَرَادَ: لَا نَبِيَّ بَعْدِي، يَنْسَخُ مَا جِئْتُ بِهِ، كَمَا كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ تَبْعَثُ بِالنُّسَخِ، وَأَرَادَتْ هِيَ: "لَا تَقُولُوا إِنَّ الْمَسِيح لَا ينزل بعده".
стр. 259
قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَدَافِعَانِ مُتَنَاقِضَانِ
٤٢- مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ:
قَالُوا: رُوِّيتُمْ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ لَا يُصَلِّي عَلَى الْمَدِينِ، إِذَا لَمَّ يَتْرُكْ وَفَاءً لدينِهِ" ١.
ثُمَّ رُوِّيتُمْ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ" ٢.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ "مَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ" ٣.
يَعْنِي: عِيَالًا فُقَرَاءَ، وَأَطْفَالًا لَا كَافِلَ لَهُمْ.
فَكَيْفَ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ، عَلَى مَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ قَضَاءَ الدَّيْنِ عَنْهُ، وَالْقِيَامَ بِأَمْرِ وَلَدِهِ وَعِيَالِهِ بَعْدَهُ؟ وَهَذَا تَنَاقُضٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا -بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى- تَنَاقُضٌ، لِأَنَّ تَرْكَهُ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَدِينِ، إِذَا لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً بِدَيْنِهِ، كَانَ ذَلِكَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، قَبْلَ أَنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِ الْفُتُوحُ، وَيَأْتِيَهِ الْمَالُ.
وَأَرَادَ أَنْ لَا يَسْتَخِفَّ النَّاسُ بِالدّينِ، وَلَا يَأْخُذُوا مَالا يَقْدِرُونَ عَلَى قَضَائِهِ.
فَلَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَفَتَحَ لَهُ الْفُتُوحَ، وَأَتَتْهُ الْأَمْوَالُ، جَعَلَ لِلْفُقَرَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ نَصِيبًا فِي الْفَيْءِ، وَقضى مِنْهُ دين الْمُسلم.
стр. 260
قَالُوا: حديثان مُتَنَاقِضَانِ
٤٣- تَكْرَارُ الِاعْتِرَافِ بِالزِّنَا:
قَالُوا: رَوَيْتُمْ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، لَمْ يَرْجُمْ مَاعِزًا، حَتَّى أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ ثُمَّ رَجَمَهُ فِي الرَّابِعَةِ" ١.
فَأَخَذَ بِهَذَا قَوْمٌ مِنْ فُقَهَائِكُمْ، وَقَالُوا: لَا نَرْجُمُ حَتَّى يَكُونَ إِقْرَارُهُ فِي عَدَدِ الشُّهُودِ عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ كَانَ يَقُولُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁.
ثُمَّ رُوِّيتُمْ: أَنَّ رَجُلَيْنِ تَقَدَّمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا٢ عَلَى هَذَا وَأَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ.
ثُمَّ إِنَّا سَأَلْنَا رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَالُوا: عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، الْمِائَةُ شَاةٍ وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمُ ".
فَقَضَى بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ وَقَالَ: "اغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فارجمها" ٣.
стр. 261
فَاعْترفت، فَرَجَمَهَا.
وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إِنَّهُ قَالَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسٍ، وَلَا فِي مَجَالِسَ.
وَهَذَا مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ مَاعِزٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنحن نقُول: إِنَّه لَيْسَ هَهُنَا -بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى- اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَاقُضٌ، لِأَنَّ إِعْرَاضَ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنْ مَاعِزٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، إِنَّمَا كَانَ كَرَاهِيَةً مِنْهُ لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا، وَهَتْكِهِ سِتْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، لَا لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقِرَّ عِنْدَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
وَأَرَادَ أَيْضًا أَنْ يَسْتَبْرِئَ أَمْرَهُ، وَيَعْلَمَ: أَصَحِيحٌ هُوَ؟ أَمْ بِهِ جِنَّةٌ؟
فَوَافَقَ مَا أَرَادَ مِنَ اسْتِبْرَائِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
وَلَوْ وَافَقَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا أَوْ سِتًّا، مَا كَانَ فِيهِ بَيِّنَةٌ تَلْزَمُ.
وَيَدُلُّ عَلَى كَرَاهَتِهِ لِإِقْرَارِ الزَّانِي عِنْدَهُ بِالزِّنَا، رِوَايَةُ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي رَجُلٍ اعْتَرَفَ بِالزِّنَا، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، ثُمَّ قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ، نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ " ١.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِرَافَ، قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنَ الْأَرْبَعِ وَأَقَلَّ -إِذَا زَالَتِ الشُّبْهَةُ فِي أَمْرِ الْمُقِرِّ- حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ زِنًا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ.
فَدَعَا النَّبِيَّ ﷺ وَلِيَّهَا، فَأَمَرَهُ أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهَا، فَإِذا وضعت حملهَا،
стр. 262
أَتَاهُ بِهَا، فَأَتَاهُ بِهَا وَقَدْ وَضَعَتْ، فَأَمَرَهَا أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهَا، فَإِذَا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ، فَفَعَلَتْ، فَأَتَاهُ بِهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَشُقَّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ رُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا١.
وَلَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا اعْتَرَفَتْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. وَهَذَا شَاهِدٌ لِلْحَدِيثِ، الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ: "اغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا".
وَمِنَ الدَّلِيلِ أَيْضًا، أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، لَمَّا رُجِمَ جَزِعَ، فَفَرَّ فَرَجَمُوهُ، وَأَعْلَمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَزَعَهُ، فَقَالَ: "هَلَّا رَدَدْتُمُوهُ، حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ".
وَلَوْ كَانَ إِقْرَارُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، هُوَ الَّذِي أَلْزَمَهُ الْحَدَّ، لَمَا كَانَ لِقَوْلِ النَّبِيَّ ﷺ : "هَلَّا رَدَدْتُمُوهُ" مَعْنًى، لِأَنَّهُ قَدْ أَمْضَى فِيهِ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَا يَجُوزُ -بَعْدَ إِقْرَارِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ- أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ رُجُوعَهُ.
إِنْ رَجَعَ وَإِذَا كَانَ الْإِقْرَارُ بِغَيْرِ تَوْقِيتٍ، جَازَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ، مَتَى شَاءَ، وَأَنْ يَقْبَلَ ذَلِك مِنْهُ.
стр. 263
قَالُوا: أَحْكَامٌ قَدْ أُجْمِعَ عَلَيْهَا، يُبْطِلُهَا الْقُرْآنُ، وَيَحْتَجُّ بِهَا الْخَوَارِجُ:
١- حُكْمٌ فِي الرَّجْمِ، يَدْفَعُهُ الْكِتَابُ:
قَالُوا: رَوَيْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، رَجَمَ وَرَجَمَتِ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي الْإِمَاءِ: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ١.
وَالرَّجْمُ إِتْلَافٌ لِلنَّفْسِ لَا يَتَبَعَّضُ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَى الْإِمَاءِ نِصْفُهُ؟
وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ: ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ قَالُوا: وَفِي هَذَا، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَنَةَ حَدُّهَا الْجَلْدُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ الْمُحْصَنَاتِ لَوْ كُنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، ذَوَاتَ الْأَزْوَاجِ، لَكَانَ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ صَحِيحًا، وَلَزِمَتْ بِهِ هَذِهِ الْحجَّة -وَلَيْسَ الْمُحْصنَات- هَهُنَا إِلَّا الْحَرَائِرُ.
وَسُمِّينَ مُحْصَنَاتٍ، وَإِنْ كُنَّ أَبْكَارًا، لِأَنَّ الْإِحْصَانَ يَكُونُ لَهُنَّ وَبِهِنَّ، وَلَا يَكُونُ بِالْإِمَاءِ.
فَكَأَنَّهُ قَالَ: "فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْحَرَائِرِ مِنَ الْعَذَابِ" يَعْنِي: الْأَبْكَارَ.
وَقَدْ تُسَمِّي الْعَرَبُ الْبَقَرَةَ "الْمُثِيرَةَ" وَهِيَ لَمْ تُثِرْ مِنَ الأَرْض شَيْئا.
стр. 264
لِأَنَّ إِثَارَةَ الْأَرْضِ تَكُونُ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَنْعَامِ.
وَتُسَمِّي الْإِبِلَ فِي مَرَاعِيهَا "هَدْيًا" لِأَنَّ الْهَدْيَ إِلَى الْكَعْبَةِ يَكُونُ مِنْهَا فَتُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ وَإِنْ لَمْ تُهْدَ.
وَمِمَّا يَشْهَدُ لِهَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ فِي الْمُحْصَنَاتِ، وَأَنَّهُنَّ -فِي هَذَا الْمَوْضِعِ- الْحَرَائِرُ الْأَبْكَارُ، قَوْلُهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ١ وَالْمُحصنَات -هَهُنَا- الْحَرَائِرُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُنَّ ذَوَاتَ الْأَزْوَاجِ لِأَنَّ ذَوَاتَ الْأَزْوَاجِ لَا ينكحن.
стр. 265
٢- حُكْمٌ فِي الْوَصِيَّةِ يَدْفَعُهُ الْكِتَابُ:
قَالُوا: رَوَيْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" ١.
وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ٢.
وَالْوَالِدَانِ وَارِثَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لَا يَحْجُبُهُمَا أَحَدٌ عَنِ الْمِيرَاثِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ، خِلَافُ كِتَابِ اللَّهِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ.
فَإِنْ قَالَ: وَمَا فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ مِنْ نَسْخِهَا، فَإِنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى الْأَبَوَانِ حَظَّهُمَا مِنَ الْمِيرَاثِ، وَيُعْطَيَا أَيْضًا الْوَصِيَّةَ الَّتِي يُوصَى بِهَا لَهُمَا.
قُلْنَا لَهُ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ حَظَّهُمَا مِنْ ذَلِكَ الْمِيرَاثِ، الْمِقْدَارَ الَّذِي نَالَهُمَا بِالْوِرَاثَةِ.
وَقَالَ : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٣.
стр. 266
فَوَعَدَ عَلَى طَاعَتِهِ -فِيمَا حَدَّ مِنَ الْمَوَارِيثِ- أَعْظَمَ الثَّوَابِ، وَأَوْعَدَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ -فِيمَا حَدَّ مِنَ الْمَوَارِيثِ- بِأَشَدِّ الْعِقَابِ.
فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَن يُوصل إِلَى وَارِثٍ مِنَ الْمَالِ، أَكْثَرَ مِمَّا حَدَّ اللَّهُ تَعَالَى وَفَرَضَ.
وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ".
وَسَنُبَيِّنُ نَسْخَ السُّنَّةِ لِلْقُرْآنِ كَيْفَ يَكُونُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
стр. 267
٣- حُكْمٌ فِي النِّكَاحِ يَدْفَعُهُ الْكِتَابُ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا
قَالُوا: رَوَيْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا"١ وَأَنَّهُ قَالَ: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ، مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" ٢.
وَاللَّهُ يَقُولُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ ٣ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا -وَلَمْ يُحَرِّمْ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا الْأُمَّ الْمُرْضِعَةَ، وَالْأُخْتَ بِالرَّضَاعِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٣ فَدخلت الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا، وَكُلِّ رَضَاعٍ، سِوَى الْأُمِّ وَالْأُخْتِ فِيمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِالْفَرَائِضِ، لِيَعْلَمَ كَيْفَ طَاعَتُهُمْ أَوْ مَعْصِيَتُهُمْ، وَلِيُجَازِيَ الْمُحْسِنَ وَالْمُسِيءَ مِنْهُمْ، مَنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيمَا أَحَلَّهُ أَوْ حَرَّمَهُ عِلَّةٌ تُوجِبُ التَّحْلِيلَ أَوِ التَّحْرِيمَ.
وَإِنَّمَا يَقْبُحُ كُلُّ قَبِيحٍ، بِنَهْيِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ، وَيَحْسُنُ الْحَسَنُ بِأَمْرِ اللَّهِ بِهِ، خَلَا أَشْيَاءَ جَعَلَ اللَّهُ فِي الْفِطَرِ اسْتِقْبَاحَهَا، كَالْكَذِبِ، وَالسِّعَايَةِ، وَالْغِيبَةِ، وَالْبُخْلِ، وَالظُّلْمِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِك.
стр. 268
فَإِذَا جَازَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا بِشَرِيعَةٍ، فَتُسْتَعْمَلُ حِقَبًا مِنَ الدَّهْرِ، وَيَكُونُ الْمُسْتَعْمِلُونَ لَهَا مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ يَبْعَثُ رَسُولًا ثَانِيًا بِشَرِيعَةٍ ثَانِيَةٍ، تَنْسَخُ تِلْكَ الْأُولَى وَيَكُونُ الْمُسْتَعْمِلُونَ لَهَا مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعَالَى، كَبَعْثِهِ مُوسَى ﵇ بِالسَّبْتِ، وَنُسِخَ السَّبْتُ بِالْمَسِيحِ ﵇، وَبَعْثِهِ إِيَّاهُ بِالْخِتَانِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ، وَنُسِخَ ذَلِكَ أَيْضًا بِالْمَسِيحِ ﵇ جَازَ أَيْضًا أَنْ يَفْرِضَ شَيْئًا عَلَى عِبَادِهِ فِي وَقْتٍ، ثُمَّ يَنْسَخُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ وَالرَّسُولُ وَاحِدٌ.
وَقَدْ قَالَ : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ١ يُرِيدُ، بِخَيْرٍ مِنْهَا أَسْهَلَ مِنْهَا.
وَإِذَا جَازَ أَنْ يُنْسَخَ الْكِتَابُ بِالْكِتَابِ، جَازَ أَنْ يُنْسَخَ الْكِتَابُ بِالسُّنَّةِ، لِأَنَّ السُّنَّةَ يَأْتِيهِ بِهَا جِبْرِيلُ ﵇، عَنِ اللَّهِ ﵎، فَيَكُونُ الْمَنْسُوخُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ قُرْآنٌ، بِنَاسِخٍ مِنْ وَحْيِ اللَّهِ ، الَّذِي لَيْسَ بِقُرْآنٍ.
وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ" ٢.
يُرِيدُ أَنَّهُ أُوتِيَ الْكِتَابَ وَمِثْلَ الْكِتَابِ مِنَ السُّنَّةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣.
وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّا نَقْبَلُ مِنْهُ مَا بَلَغَنَا عَنْهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَنْسَخُ بَعْضَ الْقُرْآنِ بِالْوَحْيِ إِلَيْهِ.
فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ، قَدَحَ فِي بَعْضِ الْقُلُوبِ، وَأَثَّرَ فِي بَعْضِ الْبَصَائِرِ فَقَالَ لَنَا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ أَيْ: مَا آتَاكُمْ بِهِ الرَّسُولُ، مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، أَوْ مِمَّا ينْسَخ الْقُرْآن، فاقبلوه.
стр. 269
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَالسُّنَنُ -عِنْدَنَا- ثَلَاثٌ: "الْأُولَى" سُنَّةٌ أَتَاهُ بِهَا جِبْرِيلُ ﵇ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، كَقَوْلِهِ: "لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ على عَمَّتهَا وخالتها" ١، و "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ، مَا يَحْرُمُ من النّسَب" ٢.
و"لَا تحرم المصة وَلَا المصتان" ٣، و"الدِّيَة عَلَى الْعَاقِلَةِ" ٤ وَأَشْبَاهُ هَذِهِ مِنَ الْأُصُول.
و"السّنة الثَّانِيَةُ" سُنَّةٌ أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَسُنَّهَا، وَأَمَرَهُ بِاسْتِعْمَالِ رَأْيِهِ فِيهَا فَلَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ فِيهَا لِمَنْ شَاءَ، عَلَى حَسَبِ الْعِلَّةِ وَالْعُذْرِ، كَتَحْرِيمِهِ الْحَرِيرَ عَلَى الرِّجَالِ، وَإِذْنِهِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِيهِ، لِعِلَّةٍ كَانَتْ بِهِ.
وَكَقَوْلِهِ فِي مَكَّةَ: "لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا"٥.
فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا الْإِذْخِرَ٦ فَإِنَّهُ لِقُيُونِنَا٧ فَقَالَ: "إِلَّا الْإِذْخِرَ".
وَلَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ جَمِيعَ شَجَرِهَا، لَمْ يَكُنْ يُتَابَعُ الْعَبَّاسُ عَلَى مَا أَرَادَ، مِنْ إِطْلَاقِ الْإِذْخِرِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَهُ أَنْ يُطْلِقَ مِنْ ذَلِكَ مَا رَآهُ صَلَاحًا، فَأَطْلَقَ الْإِذْخِرَ لِمَنَافِعِهِمْ.
стр. 270
وَنَادَى مُنَادِيهِ ﷺ : "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ"١ ثُمَّ أَتَاهُ الْعَبَّاسُ شَفِيعًا، فِي أَخِي مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ، لِيَجْعَلَهُ مُهَاجِرًا بَعْدَ الْفَتْحِ فَقَالَ: "أُشَفِّعُ عَمِّي وَلَا هِجْرَةَ"٢.
وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ نَزَلَ لَمْ تَجُزْ فِيهِ الشَّفَاعَاتُ وَقَالَ: "عَادِيُّ الْأَرْضِ، لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي، فَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ لَهُ"٣.
وَقَالَ فِي الْعُمْرَةِ: "وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لأهللت بِعُمْرَة" ٤.
стр. 271
وَقَالَ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَجَعَلْتُ وَقْتَ هَذِهِ الصَّلَاةِ، هَذَا الْحِينَ" ١.
"وَنَهَى عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَعَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، وَعَنِ النَّبِيذِ فِي الظُّرُوفِ"٢.
ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنَّ النَّاسَ يُتْحِفُونَ ضَيْفَهُمْ، وَيَحْتَبِسُونَ لِغَائِبِهِمْ فَكُلُوا وَأَمْسِكُوا مَا شِئْتُم" ٣.
وَقَالَ: "وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا فَإِنَّهُ بَدَا لِي أَنَّهُ يُرِقُّ الْقُلُوبَ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ فِي الظُّرُوفِ فَاشْرَبُوا ولَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا" ٤.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمِمَّا يَزِيدُ فِي وُضُوحِ هَذَا، حَدِيثٌ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ مُدْرِكِ بْنِ عُمَارَةَ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَائِطَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَرَأَى رَجُلًا مَعَهُ نَبِيذٌ فِي نَقِيرٍ، فَقَالَ: أَهْرِقْهُ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: أَو تَأذن لِي أَنْ أَشْرَبَهُ ثُمَّ لَا أَعُودُ؟
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اشْرَبْهُ وَلَا تَعُدْ" ٥.
стр. 272
فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ تَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ ، أَطْلَقَ لَهُ ﷺ إِنَّ يَحْظُرَ وَأَنْ يُطْلِقَ بَعْدَ أَنْ حَظَرَ، لِمَنْ شَاءَ.
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ، لَتَوَقَّفَ عَنْهَا، كَمَا تَوَقَّفَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْكَلَالَةِ، وَقَالَ لِلسَّائِلِ "هَذَا مَا أُوتِيتُ، وَلَسْتُ أَزِيدُكَ حَتَّى أُزَادَ"١.
وَكَمَا تَوَقَّفَ حِينَ أَتَتْهُ الْمُجَادِلَةُ٢ فِي زَوْجِهَا، تَسْأَلُهُ عَنِ الظِّهَارِ، فَلَمْ يُرْجِعْ إِلَيْهَا قَوْلًا، وَقَالَ: "يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ".
وَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، وَبِهِ أَثَرُ طِيبٍ فَاسْتَفْتَاهُ، فَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ قَوْلًا، حَتَّى تَغَشَّى ثَوْبَهُ وَغَطَّ غَطِيطَ الْفَحْلِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَأَفْتَاهُ،
"وَالسُّنَّةُ الثَّالِثَةُ" مَا سَنَّهُ لَنَا تَأْدِيبًا، فَإِنْ نَحْنُ فَعَلْنَاهُ، كَانَتِ الْفَضِيلَةُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ نَحْنُ تَرَكْنَاهُ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ كَأَمْرِهِ فِي الْعِمَّةِ بِالتَّلَحِّي، وَكَنَهْيِهِ عَنْ لُحُومِ الْجَلَالَةِ، وَكَسْبِ الْحَجَّامِ٣.
وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي تَحْرِيمِهِ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، مَعَ قَوْلِ اللَّهِ عز: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ٤.
стр. 273
أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ فِي وَقْتِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فِي التَّحْرِيمِ.
ثُمَّ نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ، وَنَزَلَ فِيهَا تَحْرِيمُ الْمُنْخَنِقَةِ، وَالْمَوْقُوذَةِ، وَالْمُتَرَدِّيَةِ، وَالنَّطِيحَةِ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ.
فَزَادَنَا اللَّهُ تَعَالَى، فِيمَا حَرُمَ بِالْكِتَابِ، وَزَادَنَا فِي ذَلِكَ -عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْرِيمَ سِبَاعِ الْوَحْشِ وَالطَّيْرِ وَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.
وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي الْأَمْنِ، مَعَ قَوْلِ اللَّهِ ﵎: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ١.
أَعْلَمَنَا أَنَّهُ لَا جُنَاحَ عَلَيْنَا فِي قَصْرِنَا مَعَ الْخَوْفِ.
وَأَعْلَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْقَصْرِ فِي الْأَمْنِ أَيْضًا عَنِ اللَّهِ .
وَكَذَلِكَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ ٢.
وَقَدْ رَوَى عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ، وَلَيْسَ الْكِتَابُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ.
أَرَادَ: أَنَّهَا مُبَيِّنَةٌ لِلْكِتَابِ، مُنْبِئَةٌ عَمَّا أَرَادَ الله تَعَالَى فِيهِ.
стр. 274
٤- حُكْمٌ فِي الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُخْتَلِفٌ:
قَالُوا: رُوِّيتُمْ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلِيمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ" ١.
ثُمَّ رُوِّيتُمْ عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ" ٢.
قَالُوا: وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ قَوْلُهُ ﷺ : "غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ" لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ فَرْضٌ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَوْجَبَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، كَمَا يَجِبُ غُسْلُ الْعِيدَيْنِ، عَلَى الْفَضِيلَةِ وَالِاخْتِيَارِ، لِيَشْهَدُوا الْمَجْمَعَ بِأَبْدَانٍ نَقِيَّةٍ مِنَ الدَّرَنِ٣ سَلِيمَةً مِنَ التَّفْلِ٤.
وَقَدْ أَمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِالتَّطَيُّبِ، وَتَنْظِيفِ الثَّوْبِ، وَأَنْ يَلْبَسْ ثَوْبَيْنِ لَجُمْعَتِهِ سوى ثوبي مهنته.
стр. 275
وَهَذَا كُلُّهُ اخْتِيَارٌ مِنْهُ، وَإِيجَابٌ عَلَى الْفَضِيلَةِ، لَا عَلَى جِهَةِ الْفَرْضِ.
ثُمَّ عَلِمَ ﵇ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي النَّاسِ الْعَلِيلُ وَالْمَشْغُولُ، وَيَكُونُ فِي الْبَلَدِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ فِيهِ الْغُسْلُ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ، فَقَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ" أَيْ فَجَائِزٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ -بَعْدَ ذَلِكَ- أَنَّ الْغُسْلَ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ.
كَمَا نَهَى عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ قَالَ: "بَدَا لِي أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُتْحِفُونَ ضَيْفَهُمْ، وَيُخَبِّئُونَ لِغَائِبِهِمْ، فَكُلُوا وَأَمْسِكُوا مَا شِئْتُمْ"١.
وَنَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، ثُمَّ قَالَ: "بدالي أَنَّ ذَلِكَ يُرِقُّ الْقُلُوبَ، فَزُورُوهَا وَلَا تَقولُوا هجرًا"٢.
стр. 276
٥- قَالُوا: حَدِيثٌ يُكَذِّبُهُ الْعِيَانُ احْتِرَاقُ وَرَقِ الْمُصْحَفِ:
قَالُوا: رُوِّيتُمْ عَنِ بن لُهَيْعَةَ١ عَنْ مِشْرَحِ بْنِ عَاهَانَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ٢ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، مَا احْتَرَقَ" ٣.
قَالُوا: وَهَذَا خَبَرٌ لَا نَشُكُّ فِي بُطْلَانِهِ، لِأَنَّا قَدْ نَرَى الْمَصَاحِفَ تَحْتَرِقُ، وَيَنَالُهَا مَا يَنَالُ غَيْرَهَا مِنَ الْعُرُوضِ وَالْكُتُبِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ لِهَذَا تَأْوِيلًا، ذَهَبَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وَأَنَا مُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَمْرٍو٤ قَالَ: سَأَلَتُ الْأَصْمَعِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: يَعْنِي لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ فِي إِنْسَانٍ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّار، مَا احْتَرَقَ.
стр. 277
وَأَرَادَ الْأَصْمَعِيُّ، أَنَّ مِنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْقُرْآنَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَحَفَّظَهُ إِيَّاهُ، لَمْ تَحْرِقْهُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنْ أُلْقِيَ فِيهَا بِالذُّنُوبِ كَمَا قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: "احْفَظُوا الْقُرْآن، أَو اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، وَلَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ الْمَصَاحِفُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ قَلْبًا وَعَى الْقُرْآنَ" وَجَعَلَ الْجِسْمَ ظَرْفًا لِلْقُرْآنِ كَالْإِهَابِ.
وَالْإِهَابُ: الْجِلْدُ الَّذِي لَمْ يُدْبَغْ.
وَلَوْ كَانَ الْإِهَابُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَدْبُوغًا، مَا جَازَ أَنْ يَجْعَلَهُ كِنَايَةً عَنِ الْجِسْمِ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ -حِينَ خَطَبَتْ وَوَصَفَتْ أَبَاهَا فَقَالَتْ: "قَرَّرَ الرُّءُوس عَلَى كَوَاهِلِهَا، وَحَقَنَ الدِّمَاءَ فِي أُهُبِهَا" تَعْنِي: فِي الْأَجْسَادِ.
وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ هَذَا فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَمًا لِلنُّبُوَّةِ، وَدَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ عِنْدِهِ نَزَلَ، أَبَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي وَقْتٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ، وَعِنْدَ طَعْنِ الْمُشْرِكِينَ فِيهِ ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، كَمَا تَكُونُ الْآيَاتُ فِي عُصُورِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مِنْ مَيِّتٍ يَحْيَا، وَذِئْبٍ يَتَكَلَّمُ، وَبَعِيرٍ يَشْكُو، وَمَقْبُورٍ تَلْفِظُهُ الْأَرْضُ، ثُمَّ يُعْدَمُ ذَلِكَ بَعْدَهُمْ.
وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يُرَدَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: "مَا احْتَرَقَ" إِلَى الْقُرْآنِ لَا إِلَى الْإِهَابِ.
يُرِيدُ: أَنَّهُ إِنْ كُتِبَ الْقُرْآنُ فِي جِلْدٍ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، احْتَرَقَ الْجِلْدُ وَالْمِدَادُ، وَلَمْ يَحْتَرِقِ الْقُرْآنُ، كَأَنَّ اللَّهَ يَرْفَعُهُ مِنْهُ، وَيَصُونُهُ عَنِ النَّارِ. وَلَسْنَا نَشُكُّ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ فِي الْمَصَاحِفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، لَا عَلَى الْمَجَازِ، كَمَا يَقُولُ أَصْحَابُ الْكَلَامِ: "إِنَّ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ، دَلِيلٌ عَلَى الْقُرْآن وَلَيْسَ بِهِ".
стр. 278
وَاللَّهُ ﵎ يَقُولُ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ١.
النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو" ٢ يُرِيد الْمُصحف.
стр. 279
٦- قَالُوا: حَدِيثٌ يَنْقُضُهُ الْقُرْآنُ: هَلْ تَزِيدُ صِلَةُ الرَّحِمِ فِي الْأَجَلِ:
قَالُوا: رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ" ١.
وَاللَّهُ ﵎ يَقُولُ: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ٢.
قَالُوا: فَكَيْفَ تَزِيدُ صِلَةُ الرَّحِمِ فِي أَجَلٍ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ وَلَا يَتَقَدَّمُ؟!!
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْعُمْرِ، تَكُونُ بِمَعْنَيَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: السَّعَةُ وَالزِّيَادَةُ فِي الرِّزْقِ، وَعَافِيَةِ الْبَدَنِ، وَقَدْ قِيلَ: الْفَقْرُ هُوَ الْمَوْتُ الْأَكْبَرُ.
وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمَ مُوسَى ﷺ أَنَّهُ يُمِيتُ عَدُوَّهُ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدُ يَسَفُّ الْخُوصَ٣.
فَقَالَ: يَا رَبِّ، وَعَدْتَنِي أَنْ تُمِيتَهُ.
قَالَ: "قَدْ فَعَلْتُ، قَدْ أَفْقَرْتُهُ" وَقَالَ الشَّاعِرُ:
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيِّتٍ ... إِنَّمَا الْمَيِّتُ مَيِّتُ الْأَحْيَاء
يَعْنِي الْفَقِير.
стр. 280
فَلَمَّا جَازَ أَنْ يُسَمَّى الْفَقْرُ مَوْتًا، وَيُجْعَلَ نَقْصًا مِنَ الْحَيَاةِ، جَازَ أَنْ يُسَمَّى الْغِنَى حَيَاةً، وَيُجْعَلَ زِيَادَةً فِي الْعُمْرِ.
وَالْمَعْنَى الْآخَرُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَكْتُبُ أَجَلَ عَبْدِهِ عِنْدَهُ مِائَةَ سَنَةٍ، وَيَجْعَلُ بِنْيَتَهُ وَتَرْكِيبَهُ وَهَيْئَتَهُ، لِتَعْمِيرِ ثَمَانِينَ سَنَةً، فَإِذَا وَصَلَ رَحِمَهُ، زَادَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ التَّرْكِيبِ وَفِي تِلْكَ الْبِنْيَةِ، وَوَصَلَ ذَلِكَ النَّقْصُ، فَعَاشَ عِشْرِينَ أُخْرَى حَتَّى يَبْلُغَ الْمِائَةَ، وَهِيَ الْأَجَلُ الَّذِي لَا مُسْتَأْخَرَ عَنْهُ وَلَا مُتَقَدم.
стр. 281
٧- قَالُوا حَدِيثٌ يُبْطِلُهُ الْقُرْآنُ وَالْإِجْمَاعُ: الصَّدَقَةُ وَالْقَضَاءُ الْمُبْرَمُ:
قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ الْقَضَاءَ الْمُبْرَمَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١.
وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ٢.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ: إِنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَسْتَحِقُّ بِالذُّنُوبِ قَضَاءً مِنَ الْعُقُوبَةِ، فَإِذَا هُوَ تَصَدَّقَ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَا قَدِ اسْتَحَقَّ مِنْ ذَلِكَ.
يَدُلُّكَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ"٣ أَفَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ تَعَرَّضَ لِعِقَابِهِ، فَإِذَا أَزَالَ ذَلِكَ الْغَضَبَ بِصَدَقَتِهِ، أَزَالَ الْعِقَابَ.
وَمَثْلُ هَذَا، رَجُلٌ أَجْرَمْتُ٤ عَلَيْهِ جُرْمًا عَظِيمًا، فَخِفْتُ بَوَائِقَهُ وَعَاجِلَ جَزَائِهِ، فَأَهْدَيْتُ لَهُ هَدِيَّةً كَفَفْتُهُ بِهَا، وَقُلْتُ الْهَدِيَّةُ تدفع الْعقَاب الْمُسْتَحق.
стр. 282
٨- قَالُوا حَدِيثٌ يُبْطِلُ أَوَّلُهُ آخِرَهُ- طَاعَةُ الْأَئِمَّةِ:
قَالُوا: "رُوِّيتُمْ أَنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أَئِمَّةٌ، إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ غَوَيْتُمْ، وَإِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ ضَلَلْتُمْ"١.
وَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَعْقُولِ، وَكَيْفَ يَكُونُونَ بِمَعْصِيَتِهِمْ ضَالِّينَ، وَبِطَاعَتِهِمْ غَاوِينَ؟!!
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَنَاقُضٌ مَعَ التَّأْوِيلِ.
وَمَعْنَاهُ فِيمَا يَرَى: أَنَّهُمْ إِنْ أُطِيعُوا فِي الَّذِي يأرون بِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَظُلْمِ الرَّعِيَّةِ؛ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا، غَوَى مُطِيعُهُمْ،
وَإِنْ عُصُوا، فَخُرِجَ عَلَيْهِمْ، وَشُقَّتْ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، كَمَا فَعَلَ الْخَوَارِجُ، ضَلَّ عَاصِيهِمْ.
وَالَّذِي يَؤُولُ إِلَيْهِ مَعْنَى الْحَدِيثِ، أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ لَهُمْ، وَلَا يُخْرَجُ عَلَيْهِمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ، أَرَادَ مَا يَأْمُرُونَ بِهِ عَلَى الْمَنَابِرِ مِنَ الْخَيْرِ، إِنْ عُصُوا فِيهِ ضَلَّ عَاصِيهِمْ وَمَا يَأْمُرُونَ بِهِ مِنَ الْمَعَاصِي فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَقَامِ، إِنْ أُطِيعُوا فِيهِ غوى مطيعهم.
стр. 283
٩- قَالُوا حَدِيثٌ يُكَذِّبُهُ الْقُرْآنُ وَحُجَّةُ الْعَقْلِ- رُؤْيَةُ الرَّبِّ ﵎:
قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ" ١.
وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ ٢ وَيَقُولُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٣.
قَالُوا: وَلَيْسَ يَجُوزُ فِي حُجَّةِ الْعَقْلِ، أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ يُشْبِهُ الْمَخْلُوقَ، فِي شَيْءٍ مِنَ الصِّفَاتِ، وَقَدْ قَالَ مُوسَى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ ٤.
قَالُوا: فَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحًا، فَالرُّؤْيَةُ فِيهِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ ٥ وَقَالَ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٦.
стр. 284
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ صَحِيحٌ، لَا يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهِ الْكَذِبُ، لِتَتَابُعِ الرِّوَايَاتِ عَنِ الثِّقَاتِ بِهِ، مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
وَلَوْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ كَذِبًا، جَازَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِ دِينِنَا فِي التَّشَهُّدِ -الَّذِي لَمْ نَعْلَمْهُ إِلَّا بِالْخَبَرِ، وَفِي صَدَقَةِ النَّعَمِ، وَزَكَاةِ النَّاضِّ١ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعِتَاقِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي وَصَلَ إِلَيْنَا عِلْمُهَا بِالْخَبَرِ، وَلَمْ يَأْتِ لَهَا بَيَانٌ فِي الْكِتَابِ -بَاطِلًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ وَقَوْلُ مُوسَى ﵇: "رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي" فَلَيْسَ نَاقِضًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" لِأَنَّهُ أَرَادَ -جَلَّ وَعَزَّ- بِقَوْلِهِ: "لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ" فِي الدُّنْيَا.
وَقَالَ لِمُوسَى ﵇: "لَنْ تَرَانِي" يُرِيدُ: فِي الدُّنْيَا، لِأَنَّهُ -جَلَّ وَعَزَّ- احْتَجَبَ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَوْمَ الْحِسَابِ، وَيَوْمَ الْجَزَاءِ وَالْقِصَاصِ، فَيَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ كَمَا يَرَوْنَ الْقَمَرَ فِي لَيْلَةِ الْبَدْرِ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، كَمَا لَا يَخْتَلِفُونَ فِي الْقَمَرِ.
وَلَمْ يَقَعِ التَّشْبِيهُ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالَاتِ الْقَمَرِ، فِي التَّدْوِيرِ، وَالْمَسِيرِ وَالْحُدُودِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّشْبِيهُ بِهَا، عَلَى أَنَّا نَنْظُرُ إِلَيْهِ كَمَا نَنْظُرُ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يُخْتَلَفُ فِي ذَلِكَ، كَمَا لَا يُخْتَلَفُ فِي الْقَمَرِ.
وَالْعَرَبُ تَضْرِبُ الْمَثَلَ بِالْقَمَرِ فِي الشُّهْرَةِ وَالظُّهُورِ، فَيَقُولُونَ: هَذَا أَبْيَنُ مِنَ الشَّمْسِ، وَمِنْ فَلَقِ الصُّبْحِ، وَأَشْهَرُ مِنَ الْقَمَرِ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
وَقَدْ بَهَرْتَ فَمَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ ... إِلَّا عَلَى أَحَدٍ لَا يَعْرِفُ الْقَمَرَا
وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: "لَا تُضَامُّونَ ٢ فِي رُؤْيَتِهِ" دَلِيلٌ؛ لِأَن التضام من
стр. 285
النَّاس يَكُونُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ -عِنْدَ طَلَبِهِمُ الْهِلَالَ- فَيَجْتَمِعُونَ، وَيَقُولُ وَاحِدٌ: "هُوَ ذَاكَ هُوَ ذَاكَ" وَيَقُولُ آخَرُ: "لَيْسَ بِهِ وَلَيْسَ الْقَمَرُ كَذَلِكَ" لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَرَاهُ بِمَكَانِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَنْضَمَّ إِلَى غَيْرِهِ لِطَلَبِهِ.
وَحَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَاضٍ عَلَى الْكِتَابِ، وَمُبَيِّنٌ لَهُ.
فَلَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ، وَجَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّحِيحِ مِنَ الْخَبَرِ: تَرَوْنَ١ رَبَّكُمْ تَعَالَى فِي الْقِيَامَةِ؛ لَمْ يَخْفَ عَلَى ذِي فَهْمٍ وَنَظَرٍ وَلُبٍّ وَتَمْيِيزٍ، أَنَّهُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ.
وَفِي قَوْلِ مُوسَى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أَبْيَنُ الدِّلَالَةِ٢ عَلَى أَنَّهُ يُرَى فِي الْقِيَامَةِ.
وَلَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يُرَى فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ. لَكَانَ مُوسَى ﵇ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ مِنْ وَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى مَا عَلِمُوهُ.
وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْرَكُ بِالْبَصَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَدْ حَدَّهُ عِنْدَهُمْ، وَمَنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَهُ مَحْدُودًا، فَقَدْ شَبَّهَهُ بِالْمَخْلُوقِينَ، وَمَنْ شَبَّهَهُ عِنْدَهُمْ بِالْخَلْقِ فَقَدْ كَفَرَ.
فَمَا يَقُولُونَ فِي مُوسَى ﵇ فِيمَا بَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَبَّأَهُ، وَكَلَّمَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ لَهُ فِيهِ: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أَيَقْضُونَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَانَ مُشَبِّهًا لِلَّهِ مُحَدِّدًا؟
لَا، لَعَمْرُ اللَّهِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْهَلَ مُوسَى ﵇، مِنَ اللَّهِ مِثْلَ هَذَا، لَو كَانَ على تقديرهم.
следующие страницы →