← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7292

تأويل مختلف الحديث

ابن قتيبة

Полный текст (511 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَالْجَزَاءُ عَلَيْهَا يَقَعُ بِمِثْلِهَا وَبِأَضْعَافِهَا. وَإِنَّمَا يُخَلِّدُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنِيَّتِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ نَاوِيًا، أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ تَعَالَى أَبَدًا لَوْ أَبْقَاهُ أَبَدًا فَلَمَّا اخْتَرَمَهُ١ دُونَ نِيَّتِهِ جَزَاهُ عَلَيْهَا. وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ نِيَّتُهُ شَرٌّ مِنْ عَمَلِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ نَاوِيا أَن يُقيم على كفره، لَوْ أَبْقَاهُ أَبَدًا، فَلَمَّا اخْتَرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى دُونَ نِيَّتِهِ، جَزَاهُ عَلَيْهَا.

стр. 212

قَالُوا: حَدِيثٌ يُكَذِّبُهُ الْكِتَابُ وَالنَّظَرُ ٢٩- سَمَاعُ الْمَوْتَى: قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَفَ عَلَى قَلِيبِ١ بَدْرٍ، فَقَالَ: "يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا فُلَانُ، وَيَا فُلَانُ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَقَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا"٢ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ كَمَا تَسْمَعُونَ" وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ؛ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٣وَيَقُولُ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ٤. ثُمَّ رُوِّيتُمْ: أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ -يَوْمَ الْأَحْزَابِ-: "اللَّهُمَّ رَبَّ الْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ وَالْأَرْوَاحِ الْفَانِيَةِ ". وَأَن بن عَبَّاسٍ، سُئِلَ عَنِ الْأَرْوَاحِ: أَيْنَ تَكُونُ إِذَا فَارَقَتِ الْأَجْسَادَ؟ وَأَيْنَ تَذْهَبُ الْأَجْسَادُ إِذَا بَلِيَتْ؟ فَقَالَ: أَيْنَ يَذْهَبُ السِّرَاجُ إِذَا طُفِئَ، وَأَيْنَ يَذْهَبُ الْبَصَرُ إِذَا عَمِيَ، وَأَيْنَ يَذْهَبُ لَحْمُ الصَّحِيحِ إِذَا مَرِضَ؟ قَالَ: لَا أَيْنَ، قَالَ: فَكَذَلِكَ الْأَرْوَاحُ، إِذَا فَارَقَتِ الْأَجْسَادَ. وَهَذَا لَا يُشْبِهُ قَوْلَهُ ﷺ : "إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ كَمَا تَسْمَعُونَ" وَمَا تروونه٥ فِي عَذَاب الْقَبْر.

стр. 213

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ إِذَا جَازَ فِي الْمَعْقُولِ، وَصَحَّ فِي النَّظَرِ، وَبِالْكِتَابِ وَالْخَبَرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، بَعْدَ أَنْ تَكُونَ الْأَجْسَادُ قَدْ بَلِيَتْ، وَالْعِظَامُ قَدْ رَمَّتْ١، جَازَ أَيْضًا فِي الْمَعْقُولِ، وَصَحَّ فِي النَّظَرِ، وَبِالْكِتَابِ وَالْخَبَرِ، أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ بَعْدَ الْمَمَاتِ فِي الْبَرْزَخِ. فَأَمَّا الْكِتَابُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٢. فَهُمْ يُعْرَضُونَ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ عَلَى النَّارِ، غُدُوًّا وَعَشِيًّا، قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْخُلُونَ أَشَدَّ الْعَذَابِ. وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٣. وَهَذَا شَيْءٌ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ شُهَدَاءَ بَدْرٍ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَدْ أُخْرِجُوا عِنْدَ حَفْرِ الْقَنَاةِ رِطَابًا يَتَثَنَّوْنَ، حَتَّى قَالَ قَائِلٌ: لَا نُنْكِرُ٤ بَعْدَ هَذَا شَيْئًا. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُجْرِيَ الْعَيْنَ الَّتِي حَفَرَهَا -قَالَ سَفِينٌ: تُسَمَّى عَيْنُ أَبِي زِيَادٍ بِالْمَدِينَةِ- نَادَوْا بِالْمَدِينَةِ: مَنْ كَانَ لَهُ قَتِيلٌ، فَلْيَأْتِ قَتِيلَهُ. قَالَ جَابِرٌ: فَأَتَيْنَاهُمْ فَأَخْرَجْنَاهُمْ رِطَابًا يَتَثَنَّوْنَ، وَأَصَابَتِ الْمِسْحَاةُ رِجْلَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فانفطرت دَمًا. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: لَا يُنْكِرُ بَعْدَهَا مُنْكِرٌ أَبَدًا. وَرَأَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ أَبَاهَا فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ٥ حَوِّلِينِي مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، فقد أضرّ بِي الندى.

стр. 214

فَأَخْرَجَتْهُ بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوِهَا، فَحَوَّلَتْهُ مِنْ ذَلِكَ النَّزِّ١ وَهُوَ طَرِيٌّ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَدُفِنَ بِالْهَجَرِيِّينَ٢ بِالْبَصْرَةِ. وَتَوَلَّى إِخْرَاجَهُ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَامَةَ التَّيْمِيُّ. وَهَذِهِ أَشْيَاءُ مَشْهُورَةٌ، كَأَنَّهَا عِيَانٌ فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الشُّهَدَاءُ، أَحْيَاءً عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَجَازَ أَنْ يَكُونُوا فَرِحِينَ وَمُسْتَبْشِرِينَ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْدَاؤُهُمُ الَّذِينَ حَارَبُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ، أَحْيَاءً فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ؟ وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونُوا أَحْيَاءً، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا يَسْمَعُونَ؟ وَقَدْ أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ؟ وَأَمَّا الْخَبَرُ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ٣ "إِنَّهُ يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْجَنَّةِ" ٤ وَتَسْمِيَتُهُ لَهُ ذَا الْجَنَاحَيْنِ، وَكَثْرَةُ الْأَخْبَارِ عَنْهُ فِي مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، وَفِي عَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِي دُعَائِهِ: "أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ" ٥. وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ صِحَاحٌ، لَا يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهَا التَّوَاطُؤُ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ مِثْلُهَا، لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ دِينِنَا، وَلَا شَيْءَ أَصَحُّ مِنْ أَخْبَارِ نَبِيِّنَا ﷺ . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي

стр. 215

الْقُبُورِ﴾ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ، لِأَنَّهُ أَرَادَ بالموتى هَهُنَا الْجُهَّالَ، وَهُمْ أَيْضًا أَهْلُ الْقُبُورِ. يُرِيدُ: إِنَّكَ لَا تَقْدِرُ عَلَى إِفْهَامِ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى جَاهِلًا، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى إِسْمَاعِ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَصَمَّ عَنِ الْهُدَى. وَفِي صَدْرِ هَذِهِ الْآيَاتِ، دَلِيلٌ عَلَى مَا نَقُولُ، لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ٢ يُرِيدُ بِالْأَعْمَى: الْكَافِرَ، وَبِالْبَصِيرِ: الْمُؤْمِنَ. ﴿وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّور﴾ ٣ يَعْنِي بِالظُّلُمَاتِ: الْكُفْرَ، وَبِالنُّورِ: الْإِيمَانَ. ﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُور﴾ ٤ يَعْنِي بِالظِّلِّ: الْجَنَّةَ، وَبِالْحَرُورِ: النَّارَ. ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ﴾ ٤ يَعْنِي بِالْأَحْيَاءِ: الْعُقَلَاءَ، وَبِالْأَمْوَاتِ: الْجُهَلَاءَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٥ يَعْنِي: أَنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْجُهَلَاءَ، الَّذِينَ كَأَنَّهُمْ مَوْتَى فِي الْقُبُورِ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ. وَلَمْ يُرِدْ بِالْمَوْتَى، الَّذِينَ ضَرَبَهُمْ مَثَلًا للجهلاء شَهدا بَدْرٍ٦، فَيُحْتَجَّ بِهِمْ عَلَيْنَا أُولَئِكَ عِنْدَهُ أَحْيَاءٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ: "اللَّهُمَّ رَبَّ الْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ، وَالْأَرْوَاحِ الْفَانِيَةِ" فَإِنَّهُ قَالَه

стр. 216

على مَا يَعْرِفُ النَّاسُ، وَعَلَى مَا شَاهَدُوا، لِأَنَّهُمْ يَفْقِدُونَ الشَّيْءَ فَيَكُونُ مُبْطَلًا عِنْدَهُمْ وَفَانِيًا، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ مَعْلُومٌ، وَغَيْرُ فَانٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ السَّمِينَ الضَّخْمَ الْعَظِيمَ الصَّحِيحَ، يَعْتَلُّ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، فَيَذْهَبُ مِنْ جِسْمِهِ نِصْفُهُ، أَوْ ثُلُثَاهُ، وَلَا نَعْلَمُ أَيْنَ ذَهَبَ ذَلِكَ، فَهُوَ عِنْدَنَا فَانٍ مُبْطَلٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ أَيْنَ ذَهَبَ، وَفِي أَيِّ شَيْءٍ صَارَ. وَأَنَّ الْإِنَاءَ الْعَظِيمَ مِنَ الزُّجَاجِ يَكُونُ فِيهِ الْمَاءُ أَيَّامًا؛ فَيَذْهَبُ بِالْحَرِّ بَعْضُهُ. وَإِنْ تَطَاوَلَتْ بِهِ الْمُدَّةُ، ذَهَبَ كُلُّهُ، وَالزُّجَاجُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّشَفُ١ وَلَا الرَّشْحُ، وَلَا نَدْرِي أَيْنَ ذَهَبَ مَا فِيهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُهُ. وَأَنَّا نُطْفِئُ بِالنَّفْخَةِ نَارَ الْمِصْبَاحِ، فَتَذْهَبُ وَتَكُونُ عِنْدَنَا فَانِيَةً، وَلَا نَدْرِي أَيْنَ ذَهَبَتْ وَاللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ كَيْفَ ذَهَبَتْ، وَأَيْنَ حَلَّتْ. كَذَلِكَ الْأَرْوَاحُ -عِنْدَنَا- فَانِيَةٌ وَهِيَ -بِقَولِ الرَّسُولِ ﷺ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ، وَفِي عِلِّيِّينَ، وَفِي سِجِّينٍ، وَتُشَامُّ٢ فِي الْهَوَاء، وَأَشْبَاه ذَلِك.

стр. 217

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ٣٠- الْإِمَامَةُ فِي الصَّلَاةِ: قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لِيَؤُمَّكُمْ خِيَارُكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَصَلَاتُكُمْ قُرْبَانُكُمْ، وَلَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ إِلَّا خِيَارَكُمْ" ١. ثُمَّ رُوِّيتُمْ: "صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ إِمَامٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ"٢. وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنحن نقُول: إِنَّه لَيْسَ هَهُنَا -بِنِعْمَةِ اللَّهِ- اخْتِلَافٌ. وَلِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مَوْضِعٌ، وَلِلثَّانِي مَوْضِعٌ. وَإِذَا وُضِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَوْضِعَهُ، زَالَ الِاخْتِلَافُ. أَمَّا قَوْلُهُ: "لِيَؤُمَّكُمْ خِيَارُكُمْ فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَلَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ إِلَّا خِيَارَكُمْ" فَإِنَّهُ أَرَادَ أَئِمَّةَ الْمَسَاجِدِ فِي الْقَبَائِلِ وَالْمَحَالِّ، وَأَنْ لَا تُقَدِّمُوا٣ مِنْهُمْ إِلَّا الْخَيِّرَ التَّقِيَّ الْقَارِئَ، وَلَا تقدمُوا الْفَاجِر الْأُمِّي.

стр. 218

وَأَمَّا قَوْلُهُ: صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ إِمَامٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ" فَإِنَّهُ يُرِيدُ السُّلْطَانَ، الَّذِي يَجْمَعُ النَّاسَ وَيَؤُمُّهُمْ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ يُرِيدُ: لَا تَخْرُجُوا عَلَيْهِ، وَلَا تَشُقُّوا الْعَصَا، وَلَا تُفَارِقُوا جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ سُلْطَانُكُمْ١ فَاجِرًا، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِمَامٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، وَلَا يَصْلُحُ النَّاسُ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَنْتَظِمُ أَمْرُهُمْ. وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الْحَسَنِ: "لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ وَزَعَةٍ"٢ يُرِيدُ سُلْطَانًا يَزَعُهُمْ عَنِ التَّظَالُمِ وَالْبَاطِلِ، وَسَفْكِ الدِّمَاءِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ بِغَيْر حق.

стр. 219

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ٣١- قِتَالُ الْمُسْلِمِ: قَالُوا: رَوَيْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" ١. ثُمَّ رُوِّيتُمْ "كُنْ حِلْسَ بَيْتِكَ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَيْكَ، فَادْخُلْ مَخْدَعَكَ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَيْكَ، فَقُلْ: بُؤْ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، وَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَرَبَ لَكُمْ -يَا بَنِي آدَمَ- مَثَلًا، فَخُذُوا خَيْرَهُمَا، وَدَعُوا شَرَّهُمَا" ٢. قَالُوا: وَهَذَا خِلَافُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ لِكُلِّ حَدِيثٍ مَوْضِعًا، غَيْرَ مَوْضِعِ الْآخَرِ، فَإِذَا وُضِعَا بِمَوْضِعَيْهِمَا، زَالَ الِاخْتِلَافُ. لِأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" مَنْ قَاتَلَ اللُّصُوصَ عَنْ مَالِهِ، حَتَّى يُقْتَلَ فِي مَنْزِلِهِ، وَفِي أَسْفَاره.

стр. 220

وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: "إِذَا رَأَيْتَ سَوَادًا فِي مَنْزِلِكَ، فَلَا تَكُنْ أَجْبَنَ السَّوَادَيْنِ ". يُرِيدُ: تَقَدَّمْ عَلَيْهِ بِالسِّلَاحِ، فَهَذَا مَوْضِعُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: "كُنْ حِلْسَ بَيْتِكَ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَيْكَ، فَادْخُلْ مَخْدَعَكَ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَيْكَ، فَقُلْ: بُؤْ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، وَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ" أَيِ: افْعَلْ هَذَا فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ، وَاخْتِلَافِ النَّاسِ عَلَى التَّأْوِيلِ، وَتَنَازُعِ سُلْطَانَيْنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَطْلُبُ الْأَمْرَ، وَيَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ بِحُجَّةٍ، يَقُولُ: فَكُنْ حِلْسَ بَيْتِكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَلَا تَسُلَّ سَيْفًا، وَلَا تَقْتُلْ أَحَدًا، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَنِ الْمُحِقُّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَمَنِ الْمُبْطِلُ، وَاجْعَلْ دَمَكَ دُونَ دِينِكَ. وَفِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ قَالَ: "الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ ". فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ١ فَإِنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ الْجَمِيعَ مِنَّا، بَعْدَ الْإِصْلَاحِ، وَبَعْدَ الْبَغْيِ -وَأَمَرَ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، إِذَا لم يجْتَمع ماؤنا عَلَى الْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا، أَنْ نَلْزَمَ مَنَازِلَنَا، وَنَقِيَ أَدْيَانَنَا بِأَمْوَالِنَا، وَأَنْفُسِنَا.

стр. 221

قَالُوا: حَدِيثٌ يُكَذِّبُهُ النَّظَرُ وَالْخَبَرُ ٣٢- دُعَاءُ النَّبِيِّ ﵊ لِعَلِيٍّ: قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّ الْأَعْمَشَ رَوَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ: "بَعَثَنِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ لِأَقْضِيَ بَيْنَهُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ لَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ صَدْرِي وَقَالَ: "اللَّهُمَّ اهْدِ قَلْبَهُ، وَثَبِّتْ لِسَانَهُ" ١ فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ، حَتَّى جَلَسْتُ مَجْلِسِي هَذَا. ثُمَّ رُوِّيتُمْ: أَنَّهُ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَقَالَ بِشَيْءٍ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. وَقَضَى فِي الْجَدِّ بِقَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ، مَعَ قَوْلِهِ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَقَحَّمَ ٢ جَرَاثِيمَ جَهَنَّمَ، فَلْيَقُلْ فِي الْجَدِّ". وَنَدِمَ عَلَى إِحْرَاقِ الْمُرْتَدِّينَ، بَعْدَ الَّذِي بَلَغَهُ مِنْ فُتْيَا ابْنِ عَبَّاسٍ. وَجَلَدَ رَجُلًا فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ، فَمَاتَ، فواده٣ وَقَالَ: "وَدَيْتُهُ، لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ جَعَلْنَاهُ بَيْنَنَا". وَهُوَ كَانَ أَشَارَ عَلَى عُمَرَ ﵁ بِجَلْدِ ثَمَانِينَ فِي الْخَمْرِ. وَرَأَى الرَّجْمَ عَلَى مَوْلَاةِ حَاطِبٍ، فَلَمَّا سَمِعَ قَوْلَ عُثْمَانَ ﵁

стр. 222

"إِنَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يَعْرِفُهُ" وَهَذِهِ لَا تَعْرِفُهُ، وَكَانَتْ أَعْجَمِيَّةً، تَابَعَهُ. وَنَازَعَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الْمُكَاتِبِ، فَأَفْحَمَهُ. وَقَالَ فِي أَمْرِ الْحَكَمَيْنِ" لَقَدْ عَثَرْتُ عَثْرَةً لَا أَجْتَبِرْ ... سَوْفَ أَكِيسُ بَعْدَهَا وَأَسْتَمِرْ وَأَجْمَعُ الرَّأْيَ الشَّتِيتَ الْمُنْتَشِرْ قَالَ: وَذَكَرَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁، رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ فِي الْحَرَامِ "إِنَّهَا ثَلَاثٌ" وَقَطَعَ الْيَدَ مِنْ أُصُولِ الْأَصَابِع، وحك أَصَابِعَ الصِّبْيَانِ فِي السَّرَقِ، وَقَبِلَ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ١ وَقَالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ٢. وَجَهَرَ فِي قُنُوتِ الْغَدَاةِ بِأَسْمَاءِ رِجَالٍ، وَأَخَذَ نِصْفَ دِيَةِ الرَّجُلِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ. وَأَخَذَ نِصْفَ دِيَةِ الْعَيْنِ مِنَ الْمُقْتَصِّ مِنَ الْأَعْوَرِ. وَخَلَّفَ رَجُلًا يُصَلِّي الْعِيدَ بِالضُّعَفَاءِ، فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ إِلَى الْمُصَلَّى. وَقَالُوا: هَذِهِ الْأَشْيَاءُ، خِلَافٌ٣ عَلَى جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ وَالْقُضَاةِ، وَجَمِيعِ الْأُمَرَاءِ مِنْ نُظَرَائِهِ. وَلَا يُشْبِهُ هَذَا قَوْلَهُ: مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ، حَتَّى جَلَسْتُ مَجْلِسِي هَذَا. وَلَا يُشْبِهُ دُعَاءَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، أَنْ يُثَبِّتَ اللَّهُ لِسَانَهُ وَقَلْبَهُ، بَلْ يُشْبِهُ دُعَاءَهُ عَلَيْهِ، بِضِدِّ مَا قَالَ.

стр. 223

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ دَعَا لَهُ بِتَثْبِيتِ اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ، لَمْ يُرِدْ أَنْ لَا يَزَلَّ أَبَدًا، وَلَا يَسْهُوَ، وَلَا يَنْسَى، وَلَا يَغْلَطَ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ، لَا تَكُونُ لِمَخْلُوقٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ صِفَاتِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ جَلَّ وَعَزَّ. وَالنَّبِيُّ ﷺ أَعْلَمُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَبِمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَبِمَا لَا يَجُوزُ مِنْ١ أَنْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ بِأَنْ لَا يَمُوتَ، وَقَدْ قَضَى اللَّهُ تَعَالَى الْمَوْتَ عَلَى خَلْقِهِ وَبِأَنْ لَا يَهْرَمَ إِذَا عَمَّرَهُ، وَقَدْ جَعَلَ الْهَرَمَ فِي تَرْكِيبِهِ، وَفِي أَصْلِ جِبِلَّتِهِ. وَكَيْفَ يَدْعُو لَهُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، فَيَنَالُهَا بِدُعَائِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ نَفْسُهُ رُبَّمَا سَهَا وَكَانَ يَنْسَى الشَّيْءَ مِنَ الْقُرْآنِ، حَتَّى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ ٢ وَقَبِلَ الْفِدْيَةَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ، فَنَزَلَ: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣ وَقَالَ: "لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ مَا نَجَا إِلَّا عُمَرُ" وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَشَارَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ، وَتَرْكِ أَخْذِ الْفِدَاءِ. وَأَرَادَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ أَنْ يَتَّقِيَ الْمُشْرِكِينَ بِبَعْضِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ، حَتَّى قَالَ لَهُ بَعْضُ الْأَنْصَارِ مَا قَالَ. وَكَادَ يُجِيبُ الْمُشْرِكِينَ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا أَرَادُوهُ، يَتَأَلَّفُهُمْ بِذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ ٤. وَهَكَذَا الْأَنْبِيَاءُ الْمُتَقَدِّمُونَ ﵈، فِي السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ. وَتَعْدَادُ هَذَا يَطُولُ، وَيَكْثُرُ وَلَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ. وَإِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ ﷺ لَهُ، بِأَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ أَغْلَبَ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ بِالْحَقِّ فِي الْقَضَاء أَكثر مِنْهُ.

стр. 224

وَمثل هَذَا، دُعَاؤُهُ لِابْنَ عَبَّاسٍ بِأَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ التَّأْوِيلَ، وَيُفَقِّهَهُ فِي الدَّين. وَكَانَ بن عَبَّاسٍ -مَعَ دُعَائِهِ- لَا يَعْرِفُ كُلَّ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: لَا أَعْرِفُ "حَنَانًا" وَلَا "الْأَوَّاهُ" وَلَا "الْغِسْلِينَ" وَلَا "الرَّقِيمَ". وَلَهُ أَقَاوِيلُ فِي الْفِقْهِ مَنْبُوذَةٌ، مَرْغُوبٌ عَنْهَا، كَقَوْلِهِ فِي الْمُتْعَةِ، وَقَوْلِهِ فِي الصَّرْفِ، وَقَوْلِهِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْأَمَتَيْنِ. وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا دَعَا بِهِ الْأَنْبِيَاءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ وَسَأَلُوهُ، أَعْطوهُ أجِيبُوا إِلَيْهِ. فَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَدْعُو لِأَبِي طَالِبٍ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ، حَتَّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ، ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ١. وَكَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢. وَبَعْدُ، فَإِنَّ أَقَاوِيلَ عَلِيٍّ ﵁ هَذِهِ كُلُّهَا، لَيْسَتْ مَنْبُوذَةً، يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْخَطَأِ فِيهَا. وَمِنْ أَغْلَظِهَا، بَيْعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَقَدْ كُنَّ يُبَعْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَفِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي الدَّيْنِ، وَعَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ. حَتَّى نَهَى عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ ﵁ مِنْ أَجْلِ أَوْلَادِهِنَّ، وَلِئَلَّا تَلْحَقَهُمُ السُّبَّةُ، وَيَرْجِعَ عَلَيْهِمُ الشَّيْنُ بِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ، من الْأُمَّهَات جِهَة إِذا ملكن.

стр. 225

وَالنَّاسُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ لَا تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ سَيِّدِهَا إِلَّا بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ أَوْ عِتْقٍ. وَأُمُّ الْوَلَدِ لَمْ يَنَلْهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَحْكَامُ الْإِمَاءِ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ يَمُوتَ سَيِّدُهَا. فَبِأَيِّ مَعْنًى يُزِيلُ الْوَلَدُ عَنْهَا الْبَيْعَ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ، اسْتَحْسَنَهُ عُمَرُ ﵁ بِمَا١ أَرَادَ النَّظَرِ لِلْأَوْلَادِ. وَلَسْنَا نَذْهَبُ إِلَى هَذَا وَلَا نَعْتَقِدُهُ، وَلَكِنَّا أَرَدْنَا بِهِ التَّنْبِيهَ، عَلَى حُجَّةِ عَلِيٍّ ﵁ فِيهِ، وَحُجَّةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ، فِي إِطْلَاقِ ذَلِكَ، وَتَرْكِ النَّهْيِ عَنْهُ. فَأَيْنَ هَؤُلَاءِ عَنْ قَضَايَا عَلِيٍّ ﵁ اللَّطِيفَةِ، الَّتِي تَغْمُضُ وَتَدِقُّ، وَتَعْجَزُ عَنْ أَمْثَالِهَا جُلَّةُ الصَّحَابَةِ، كَقَضَائِهِ فِي الْعَيْنِ إِذَا لُطِمَتْ، أَوْ بُخِصَتْ٢ أَوْ أَصَابَهَا مُصِيبٌ، بِمَا يَضْعُفُ مَعَهُ الْبَصَرُ٣ بِالْخُطُوطِ عَلَى الْبَيْضَةِ. وَكَقَضَائِهِ فِي اللِّسَانِ إِذَا قُطِعَ، فَنَقَصَ مِنَ الْكَلَامِ شَيْءٌ، فَحَكَمَ فِيهِ بِالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ. وَكَقَضَائِهِ فِي الْقَارِصَةِ وَالْقَامِصَةِ وَالْوَاقِصَةِ، وَهُنَّ ثَلَاثُ جَوَارٍ، كُنَّ يَلْعَبْنَ، فَرَكِبَتْ إِحْدَاهُنَّ صَاحِبَتَهَا، فَقَرْصَتْهَا الثَّالِثَةُ، فَقَمَصَتِ٤ الْمَرْكُوبَةُ، فَوَقَعَتِ الرَّاكِبَةُ، فَوُقِصَتْ٥ عُنُقُهَا. فَقَضَى عَلِيٌّ ﵁ بِالدِّيَةِ أَثْلَاثًا، وَأَسْقَطَ حِصَّةَ الرَّاكِبَةِ لِأَنَّهَا أَعَانَتْ عَلَى نَفْسِهَا.

стр. 226

وَكَقَضَائِهِ فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ فِي ابْنِ امْرَأَةٍ وَقَعَا عَلَيْهَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَادَّعَيَاهُ جَمِيعًا أَنَّهُ ابْنُهُمَا جَمِيعًا، يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ، وَهُوَ لِلْبَاقِي١ مِنْهُمَا. وَقَدْ رَوَى حَمَّادٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ قَضَى بِمِثْلِ ذَلِكَ، مُوَافِقًا لَهُ عَلَيْهِ. وَكَانَ عُمَرُ ﵁، يَنْزِلُ الْقُرْآنُ بِحُكْمِهِ، وَيَفْرَقُ٢ الشَّيْطَانُ مِنْ حِسِّهِ، وَالسَّكِينَةُ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِ. وَذَكَرَتْهُ عَائِشَةُ ﵂، فَقَالَتْ: "كَانَ -وَاللَّهِ- أَحْوَذِيَّا٣، نَسِيجَ وَحْدِهِ٤ قَدْ أَعَدَّ لِلْأُمُورِ أَقْرَانَهَا" تُرِيدُ حَسَنَ السياسة. وَذكر الْمُغِيرَةُ فَقَالَ: كَانَ -وَاللَّهِ- أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَخْدَعَ، وَأَعْقَلَ مِنْ أَنْ يُخْدَعَ. وَقَالَ فِيهِ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ" "وَاللَّهِ، لَهْوَ بِمَا يَكُونُ، أَعْلَمُ مِنَّا بِمَا كَانَ". يُرِيدُ أَنَّهُ يُصِيبُ بِظَنِّهِ، فَلَا يُخْطِئُ. وَقَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مُحَدَّثِينَ ٥ أَوْ مُرَوَّعِينَ ٦ فَإِنْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أحد مِنْهُم، فَهُوَ عمر "٧.

стр. 227

وَقَالَ لِسَارِيَةَ بْنِ زُنَيْمٍ الدُّؤَلِيِّ: "يَا سَارِيَةَ، الْجَبَلَ الْجَبَلَ". وَسَارِيَةُ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ سَارِيَةَ مَا قَالَ، فَاسْتَنَدَ إِلَى الْجَبَلِ، فَقَاتَلَ الْعَدُوَّ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ. وَعُمَرُ مَعَ هَذَا يَقُولُ فِي قَضِيَّةٍ١ نَبَّهَهُ عَلِيٌّ ﵁ عَلَيْهَا: "لَوْلَا قَوْلُ عَلِيٍّ، لَهَلَكَ عُمَرُ". وَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ كُلِّ مُعْضِلَةٍ، لَيْسَ لَهَا أَبُو حَسَنٍ. حَدَّثَنَا الزِّيَادِيُّ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ وَقَدْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَهَمَّ بِهَا. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: قَدْ يَكُونُ هَذَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ ٢ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ ٣.

стр. 228

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ٣٣- كَرَاهَةُ أَنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ: قَالُوا: رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "فِي الْمُسَافِرِ وَحْدَهُ شَيْطَانٌ، وَفِي الِاثْنَيْنِ شَيْطَانَانِ، وَفِي الثَّلَاثَةِ رَكْبٌ" ١. ثُمَّ رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُبْرِدُ الْبَرِيدَ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ خَرَجَ وَأَبُو بَكْرٍ، مُهَاجِرَيْنِ. قَالُوا: كَيفَ يكون الْوَاحِد شَيْطَان إِذَا سَافَرَ؟ وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْطَانِ، أَوْ يَتَحَوَّلَ شَيْطَانًا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: "الْمُسَافِرُ وَحْدَهُ شَيْطَانٌ" مَعْنَى الْوَحْشَةِ بِالِانْفِرَادِ وَبِالْوَحْدَةِ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَطْمَعُ فِيهِ، كَمَا يَطْمَعُ فِيهِ اللُّصُوصُ، وَيَطْمَعُ فِيهِ السَّبُعُ. فَإِذَا خَرَجَ وَحْدَهُ، فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلشَّيْطَانِ، وَتَعَرَّضَ لِكُلِّ عَادٍ عَلَيْهِ مِنَ السِّبَاعِ أَوِ اللُّصُوصِ، كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ. ثُمَّ قَالَ: "وَالِاثْنَانِ شيطانان" لِأَن كل واح مِنْهُمَا مُتَعَرِّضٌ لِذَلِكَ، فَهُمَا شَيْطَانَانِ، فَإِذا تناموا ثَلَاثَةً، زَالَتِ الْوَحْشَةُ، وَوَقَعَ الْأُنْسُ، وَانْقَطَعَ طَمَعُ كُلِّ طَامِعٍ فِيهِمْ، وَكَلَامُ الْعَرَبِ إِيمَاءٌ وَإِشَارَةٌ وَتَشْبِيهٌ. يَقُولُونَ: "فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ" وَالنِّجَادُ: حمائل السَّيْف، وَهُوَ لم

стр. 229

يتقلد سَيْفًا قَطُّ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ: أَنَّهُ طَوِيلُ الْقَامَةِ، فَيَدُلُّونَ بِطُولِ نِجَادِهِ عَلَى طُولِهِ، لِأَنَّ النِّجَادَ الْقَصِيرُ لَا يَصْلُحُ عَلَى الرَّجُلِ الطَّوِيلِ. وَيَقُولُونَ: "فُلَانٌ عَظِيمُ الرَّمَادِ" وَلَا رَمَادَ فِي بَيْتِهِ وَلَا عَلَى بَابِهِ؛ وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنَّهُ كَثِيرُ الضِّيَافَةِ، فَنَارُهُ وَارِيَةٌ أَبَدًا، وَإِذَا كَثُرَ وَقُودُ النَّارِ كَثُرَ الرَّمَادُ. وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ ٢. فَدَلَّنَا بِأَكْلِهِمَا الطَّعَامَ، عَلَى مَعْنَى الْحَدَثِ لِأَنَّ مَنْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُحْدِثَ. وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْمُشْرِكِينَ، فِي النَّبِيِّ ﷺ : ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ٢. فَكَنَّى بِمَشْيِهِ فِي الْأَسْوَاقِ، عَنِ الْحَوَائِجِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلنَّاسِ، فَيَدْخُلُونَ لَهَا الْأَسْوَاقَ. كَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَغْنَاهُ عَنِ النَّاسِ، وَعَنِ الْحَوَائِجِ إِلَيْهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: "كَانَ يُبْرِدُ الْبَرِيدَ وَحْدَهُ" وَالْبَرِيدُ الرَّسُولُ، يَبْعَثُ بِهِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَيَكْتُبُ مَعَهُ، وَهُوَ الْفَيْجُ٣ فَإِنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ بِهِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَحْدَهُ وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَنْضَمَّ فِي الطَّرِيقِ، إِلَى الرَّفِيقِ يَكُونُ مَعَهُمْ، وَيَأْنَسُ بِهِمْ. وَهَذَا شَيْءٌ يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي كُلِّ زَمَانٍ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا، وَيُنْفِذَهُ مَعَ رَسُولٍ إِلَى بَلَدٍ شَاسِعٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتَرِيَ ثَلَاثَةً؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الْوَاحِدُ شَيْطَانٌ، وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَة ركب" ٤.

стр. 230

وَإِنَّمَا يَجِبُ هَذَا عَلَى الرَّسُولِ -إِذَا هُوَ خَرَجَ- أَنْ يَلْتَمِسَ الصُّحْبَةَ، وَيَتَوَقَّى الْوِحْدَةَ. وَأَمَّا خُرُوجُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، حِينَ هَاجَرَ، فَإِنَّهُمَا كَانَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ خَائِفَيْنِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَجِدَا بُدًّا مِنَ الْخُرُوجِ. وَلَعَلَّهُمَا أَمَلَا أَنْ يُوَافِقَا رَكْبًا، كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ وَحْدَهُ، عَلَى تَأْمِيلِ وِجْدَانِ الصَّحَابَةِ فِي الطَّرِيقِ. فَلَمَّا أَمْكَنَهُمَا أَنْ يستزيدًا فِي الطَّرِيق عددا، اسْتَأْجَرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ هَادِيًا، مِنْ بَنِي الدِّيلِ، وَاسْتَصْحَبَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلَاهُ، فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَهُمْ أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَة.

стр. 231

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ٣٤- حَدُّ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ: قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ" ١. وَرُوِّيتُمْ أَنَّهُ قَالَ: "لَا قَطْعَ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ" ٢. هَذَا، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حُجَّةٌ لِلْخَوَارِجِ، لِأَنَّهَا تَقُولُ: إِنَّ الْقَطْعَ عَلَى السَّارِقِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ ، لَمَّا أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ ٣ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ" عَلَى ظَاهِرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَمَا فَوْقَهُ. وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْلَمُ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ . وَلَا كَانَ اللَّهُ ﵎ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ جُمْلَةً، بَلْ يُنَزِّلُهُ شَيْئًا بعد شَيْء.

стр. 232

ويأتيه جِبْرِيلُ ﵇ بِالسُّنَنِ، كَمَا كَانَ يَأْتِيهِ بِالْقُرْآنِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: "أُوتِيتُ الْكِتَابَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ" يَعْنِي مِنَ السُّنَنِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ -فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ- قَطَعَ أَيْدِيَ الْعُرَنِيِّينَ١ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ٢ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ بِالْحَرَّةِ، حَتَّى مَاتُوا -ثُمَّ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الْمُثْلَةِ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ، فَاقْتَصَّ مِنْهُمْ بِأَشَدِّ الْقِصَاصِ لِغَدْرِهِمْ، وَسُوءِ مُكَافَأَتِهِمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَقَتْلِهِمْ رِعَاءَهُ وَسَوْقِهِمُ الْإِبِلَ، ثُمَّ نَزَلَتِ الْحُدُودُ، وَنُهِيَ عَنِ الْمُثْلَةِ. وَمِنَ الْفُقَهَاءِ، مَنْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْبَيْضَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، بَيْضَةُ الْحَدِيدِ، الَّتِي تَغْفِرُ الرَّأْسَ فِي الْحَرْبِ، وَأَنَّ الْحَبْلَ مِنْ حِبَالِ السُّفُنِ. قَالَ: وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنَ، يَبْلُغُ دَنَانِيرَ كَثِيرَةً. وَهَذَا التَّأْوِيلُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ اللُّغَةَ، وَمَخَارِجَ كَلَامِ الْعَرَبِ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مَوْضِعَ تَكْثِيرٍ لِمَا يَسْرِقُ السَّارِقُ، فَيُصْرَفُ إِلَى بَيْضَةٍ تُسَاوِي دَنَانِيرَ، وَحَبْلٍ عَظِيمٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِهِ السَّارِقُ. وَلَا مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، أَنْ يَقُولُوا: قَبَّحَ اللَّهُ فَلَانًا، فَإِنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلضَّرْبِ فِي عِقْدِ جَوْهَرٍ، وَتَعَرَّضَ٣ لِعُقُوبَةِ الْغُلُولِ فِي جِرَابِ مِسْكٍ. وَإِنَّمَا الْعَادَةُ فِي مِثْلِ هَذَا، أَنْ يُقَالَ: لَعَنَهُ اللَّهُ، تَعَرَّضَ لِقَطْعِ الْيَدِ فِي حَبْلٍ رَثٍّ، أَوْ كُبَّةِ شَعْرٍ، أَوْ إداوة٤ خلق، وَكلما كَانَ من هَذَا أَحْقَر، كَانَ أبلغ.

стр. 233

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ٣٥- التَّعَوُّذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفَقْرِ: قَالُوا: رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنَ الْفَقْرِ١، وَقَالَ: "أَسْأَلُكَ غِنَايَ، وَغِنَى مَوْلَايَ"٢. ثُمَّ رُوِّيتُمْ أَنَّهُ قَالَ: " اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ" ٣. وَقَالَ: "الْفَقْرُ بِالْمُؤْمِنِ، أَحْسَنُ مِنَ الْعِذَارِ الْحَسَنِ، عَلَى خَدِّ الْفَرَسِ"٤. وَقَالُوا: وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنحن نقُول: إِنَّه لَيْسَ هَهُنَا اخْتِلَافٌ -بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى-. وَقَدْ غَلَطُوا فِي التَّأْوِيلِ، وَظَلَمُوا فِي الْمُعَارَضَةِ، لِأَنَّهُمْ عَارَضُوا الْفَقْرَ بِالْمَسْكَنَةِ، وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَلَوْ كَانَ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَحْيِنِي فَقِيرًا، وَأَمِتْنِي فَقِيرًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْفُقَرَاءِ" كَانَ ذَلِكَ تَنَاقُضًا، كَمَا ذَكَرُوا. وَمَعْنَى الْمَسْكَنَةِ فِي قَوْلِهِ: "احْشُرْنِي مِسْكِينًا" التَّوَاضُع والإخبات.

стр. 234

كَأَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى، أَنْ لَا يَجْعَلَهُ مِنَ الْجَبَّارِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ، وَلَا يَحْشُرَهُ فِي زُمْرَتِهِمْ. وَالْمَسْكَنَةُ، حَرْفٌ مَأْخُودٌ مِنَ "السُّكُونِ" يُقَالُ: "تَمَسْكَنَ الرِّجْلُ" إِذَا لَانَ وَتَوَاضَعَ، وَخَشَعَ، وَخَضَعَ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُصَلِّي: "تبأس وَتَمَسْكَنْ وَتُقَنِّعْ رَأْسَكَ" ١. يُرِيدُ: تَخَشَّعْ، وَتَوَاضَعْ لِلَّهِ . وَالْعَرَبُ تَقُولُ: بِي الْمِسْكِينَ٢ نَزَلَ الْأَمْرُ، لَا يُرِيدُونَ مَعْنَى الْفَقْرِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ مَعْنَى الذِّلَّةِ وَالضَّعْفِ. وَكَذَلِكَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِقَيْلَةَ: "يَا مِسْكِينَةُ " لَمْ يُرِدْ: يَا فَقِيرَةُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ، مَعْنَى الضَّعْفِ. وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا أَقُولُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، لَوْ كَانَ سَأَلَ اللَّهَ الْمَسْكَنَةَ، الَّتِي هِيَ الْفَقْرُ، لَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ مَنَعَهُ مَا سَأَلَهُ، لِأَنَّهُ قَبَضَهُ غَنِيًّا مُوسِرًا، بِمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَضَعْ دِرْهَمًا عَلَى دِرْهَمٍ. وَلَا يُقَالُ لِمَنْ تَرَكَ مِثْلَ بَسَاتِينِهِ بِالْمَدِينَةِ، وأمواله، وَمثل فدك: إِنَّه

стр. 235

مَاتَ فَقِيرًا، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ ١. وَالْعَائِلُ: الْفَقِيرُ كَانَ لَهُ عِيَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ -وَالْمُعيِلُ: ذُو الْعِيَالِ، كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. فَحَالُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ مَبْعَثِهِ وَحَالُهُ عِنْدَ مَمَاتِهِ؛ يَدُلَّانِ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّهُ بُعِثَ فَقِيرًا، وَقُبِضَ غَنِيًّا. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسْكَنَةَ الَّتِي كَانَ يَسْأَلُهَا رَبَّهُ ، لَيْسَتْ بِالْفَقْرِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "إِنَّ الْفَقْرُ بِالْمُؤْمِنِ أَحْسَنُ مِنَ الْعِذَارِ الْحَسَنِ عَلَى خَدِّ الْفَرَسِ" فَإِنَّ الْفَقْرَ مُصِيبَةٌ مِنْ مَصَائِبِ الدُّنْيَا عَظِيمَةٌ وَآفَةٌ مِنْ آفَاتِهَا أَلِيمَةٌ٢، فَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمُصِيبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَرَضِيَ بِقَسْمِهِ٣ زَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْظَمَ لَهُ الثَّوَابَ فِي الْآخِرَةِ. وَإِنَّمَا مَثَلُ الْفَقْرِ وَالْغِنَى، مَثَلُ السُّقْمِ وَالْعَافِيَةِ. فَمَنِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالسُّقْمِ فَصَبَرَ، كَانَ كَمَنِ ابْتُلِيَ بِالْفَقْرِ فَصَبَرَ. وَلَيْسَ مَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ بِمَانِعِنَا مِنْ أَنْ نَسْأَلَ اللَّهَ الْعَافِيَةَ، وَنَرْغَبَ إِلَيْهِ فِي السَّلَامَةِ. وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ يُفَضِّلُونَ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى، إِلَى أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ فَقْرِ النَّفْسِ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّاسِ: "فُلَانٌ فَقِيرُ النَّفْسِ" وَإِنْ كَانَ حسن الْحَال و"غَنِي النَّفْسِ" وَإِنْ كَانَ سَيِّءَ الْحَالِ، وَهَذَا غَلَطٌ. وَلَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا مِنْ صحابتهم، وَلَا الْعباد، وَلَا

стр. 236

الْمُجْتَهدين، كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَفْقِرَنِي، وَلَا أَزْمِنِّي"١ وَلَا بِذَلِكَ اسْتَعْبَدَهُمُ اللَّهُ ، بَلِ اسْتَعْبَدَهُمْ بِأَنْ يَقُولُوا: "اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، اللَّهُمَّ٢ عَافِنِي". وَكَانُوا يَقُولُونَ: "اللَّهُمَّ لَا تَبْلُنَا إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ". يُرِيدُونَ: لَا تَخْتَبِرْنَا إِلَّا بِالْخَيْرِ، وَلَا تَخْتَبِرْنَا بِالشَّرِّ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِهِمَا، لِيَعْلَمَ كَيْفَ شكرهم وصبرهم. وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ ٣ أَيِ: اخْتِبَارًا. وَكَانَ مُطَرِّفٌ يَقُولُ: لَأَنْ أُعَافَى فَأَشْكُرَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُبْتَلَى فَأَصْبِرَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ ذَكَرْتُ هَذَا فِي كِتَابِ "غَرِيبِ الْحَدِيثِ" بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ وَلَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنْ إِيدَاعِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَيْضًا، لِيَكُونَ جَامِعًا، لِلْفَنِّ الَّذِي قصدنا لَهُ.

стр. 237

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ٣٦- هَلْ يَجْتَمِعُ إِيمَان مَعَ ارْتِكَاب الْكَبَائِر؟: قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ" ١. ثُمَّ رُوِّيتُمْ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَهُوَ فِي الْجَنَّةَ، وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ" ٢. وَفِي هَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ هَهُنَا -بِنِعْمَةِ اللَّهِ- تَنَاقُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ فِي اللُّغَةِ: التَّصْدِيقُ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ٣ أَيْ بِمُصَدِّقٍ لَنَا. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّاسِ: "مَا أُومِنُ بِشَيْءٍ مِمَّا تَقُولُ" أَيْ: مَا أُصَدِّقُ بِهِ. وَالْمَوْصُوفُونَ بِالْإِيمَانِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ. ١- رَجُلٌ صَدَّقَ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ، كَالْمُنَافِقِينَ، فَيَقُول: قد آمن؛ كَمَا

стр. 238

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ ١، وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى﴾ ٢. ثُمَّ قَالَ: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ٣ لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَلَوْ كَانَ أَرَادَ بِالَّذِينِ آمنُوا -هَهُنَا- الْمُسلمُونَ، لم يقل: "من آمن بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ" لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى. وَلَا نَقُولُ لَهُ مُؤْمِنٌ؛ كَمَا أَنَّا لَا نَقُولُ لِلْمُنَافِقِينَ: مُؤْمِنُونَ، وَإِنْ قُلْنَا: قَدْ آمَنُوا، لِأَنَّ إِيمَانَهُمْ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَقْدٍ وَلَا نِيَّةٍ. وَكَذَلِكَ نَقُولُ لِعَاصِي الْأَنْبِيَاءِ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "عَصَى وَغَوَى" وَلَا نَقُولُ: "عَاصٍ وَلَا غَاوٍ"؛ لِأَنَّ ذَنْبَهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ إِرْهَاصٍ وَلَا عَقْدٍ، كَذُنُوبِ أَعْدَاءِ اللَّهِ . ٢- وَرَجُلٌ صَدَّقَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ، مَعَ تَدَنُّسٍ بِالذُّنُوبِ، وَتَقْصِيرٍ فِي الطَّاعَاتِ مِنْ غَيْرِ إِصْرَارٍ فَنَقُولُ: "قَدْ آمَنَ" وَهُوَ مُؤْمِنٌ مَا تَنَاهَى عَنِ الْكَبَائِرِ، فَإِذَا لَابَسَهَا لَمْ يَكُنْ فِي حَالِ الملابسة مؤمنصا؛ "يُرِيدُ" مُسْتَكْمِلَ الْإِيمَانِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ" يُرِيدُ فِي وقته ذَلِك؛ لِأَنَّهُ قيل ذَلِكَ الْوَقْتِ غَيْرُ مُصِرٍّ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَبَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ غَيْرُ مُصِرٍّ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ تَائِبٌ. وَمِمَّا يَزِيدُ فِي وُضُوحِ هَذَا، الْحَدِيثُ الْآخَرُ: "إِذَا زَنَى الزَّانِي، سُلِبَ الْإِيمَان، فَإِن تَابَ ألبسهُ" ٤.

стр. 239

وَرَجُلٌ صَدَّقَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ، وَأَدَّى الْفَرَائِضَ، وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ، فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ حَقًّا، الْمُسْتَكْمِلُ شَرَائِطَ الْإِيمَانِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمْ يُؤْمِنْ، مَنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ" ١ يُرِيدُ: لَيْسَ بِمُسْتَكْمِلِ الْإِيمَانِ. وَقَالَ: "لَمْ يُؤْمِنْ، مَنْ لَمْ يَأْمَنِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ" ٢ أَيْ لَيْسَ بِمُسْتَكْمِلِ الْإِيمَانِ. وَقَالَ: "لَمْ يُؤْمِنْ، مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ، وَبَاتَ جَارُهُ طَاوِيًا" ٣ أَيْ: لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ. وَهَذَا شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ: "لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ" ٤. يُرِيدُ: لَا كَمَالَ وُضُوءٍ، وَلَا فَضِيلَةَ وُضُوءٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ ﵁: "لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ"؛ يُرِيدُ: لَا كَمَالَ إِيمَانٍ. وَالنَّاسُ يَقُولُونَ: "فُلَانٌ لَا عَقْلَ لَهُ"؛ يُرِيدُونَ: لَيْسَ هُوَ مُسْتَكْمِلَ الْعَقْلِ. و"لَا دِينَ لَهُ" أَيْ: لَيْسَ بِمُسْتَكْمَلِ الدِّينِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : "مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةَ، وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ" فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ:

стр. 240

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَالَهُ عَلَى الْعَاقِبَةِ؛ يُرِيدُ: أَنَّ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ عُذِّبَ بِالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ. وَالْآخَرُ أَنْ تَلْحَقَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَشَفَاعَةُ رَسُولِهِ ﷺ ، فَيَصِيرُ إِلَى الْجَنَّةِ، بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ لَا اللَّهُ. حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثَمَنُ الْجَنَّةِ". وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقُطَعِيُّ، قَالَ: أَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مُوسَى بْنِ الْمُسَيَّبِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ، يُحَدِّثُ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوِيدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ١، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " يَقُول ربكُم: بن آدَمَ إِنَّكَ إِنْ تَأْتِنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً، بَعْدَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، جَعَلْتُ لَكَ قُرَابَهَا مَغْفِرَةً، وَلَا أُبَالِي" ٢. وَحَدَّثَنِي أَبُو مَسْعُودٍ الدَّارِمِيُّ، هُوَ مِنْ وَلَدِ خِرَاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خُيِّرْتُ بَيْنَ الشَّفَاعَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ شَطْرُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ، لِأَنَّهَا أَعَمُّ وَأَكْثَرُ، لَعَلَّكُمْ تَرَوْنَ أَنَّ شَفَاعَتِي لِلْمُتَّقِينَ لَا، وَلَكِنَّهَا لِلْمُتَلَطِّخِينَ بِالذُّنُوبِ" ٣.

стр. 241

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ٣٧- فَرْكُ الْمَنِيِّ وَغَسْلُهُ: قَالُوا: رُوِّيتُمْ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: "كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيُصَلِّي فِيهِ"١. فَاسْتَجَازَ بِرِوَايَتِكُمْ هَذِهِ قَوْمٌ فَرْكَ الْمَنِيِّ مِنَ الثَّوْبِ، وَالصَّلَاةَ فِيهِ، وَجَعَلُوهُ سُنَّةً. ثُمَّ رُوِّيتُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةُ ﵂ تَقُولُ: "إِنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ أَثَرَ الْمَنِيِّ، مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا"٢. فَأَبَى قَوْمٌ فَرْكَ الْمَنِيِّ، بِرِوَايَتِكُمْ هَذِهِ، وَلَمْ يَسْتَجِيزُوا إِلَّا غَسْلَهُ مِنَ الثَّوْبِ إِذَا أَرَادُوا الصَّلَاةَ فِيهِ وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ هَهُنَا تَنَاقُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ، لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذَا كَانَ يَابِسًا، وَالْفَرْكُ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى يَابِسٍ، وَكَانَ رُبَّمَا بَقِيَ فِي شِعَارِهِ حَتَّى يَيْبَسَ وَهُوَ يَيْبَسُ، فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ لَا سِيَّمَا فِي الصَّيْفِ. وَكَانَتْ تَغْسِلُهُ إِذَا رَأَتْهُ رَطْبًا، وَالرَّطْبُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرَكَ، وَلَا بَأْسَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ إِلَى أَنْ يَجِفَّ، ثُمَّ فَرَكَهُ. أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ؛ أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ بِفَرْكِ الْمَنِيِّ.

стр. 242

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ٣٨- جِلْدُ الْمَيْتَةِ: قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ" ١. وَأَنَّهُ مَرَّ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ فَقَالَ: "أَلَا انْتَفِعُوا بِإِهَابِهَا" ٢ فَأَخَذَ قَوْمٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِذَلِكَ، وَأَفْتَوْا بِهِ. ثُمَّ رُوِّيتُمْ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ"٣. فَأَخَذَ قَوْمٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِهَذَا وَأَفْتَوْا بِهِ. وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّه لَيْسَ هَهُنَا -بِحَمْدِ اللَّهِ- تَنَاقُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ، لِأَنَّ الْإِهَابَ فِي اللُّغَةِ: الْجِلْدُ الَّذِي لَمْ يُدْبَغْ، فَإِذَا دُبِغَ، زَالَ عَنهُ هَذَا الِاسْم.

стр. 243

وَفِي الْحَدِيثِ: "أَنَّ عُمَرَ ﵁ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ أُهُبٌ عَطِنَةٌ"١ يُرِيدُ: جُلُودٌ مُنْتِنَةٌ لَمْ تُدْبَغْ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ فِي أَبِيهَا ﵁: "قَرَّرَ الرُّءُوس عَلَى كَوَاهِلِهَا، وَحَقَنَ الدِّمَاءَ فِي أُهُبِهَا" يَعْنِي فِي الْأَجْسَادِ. فَكَنَّتْ عَنِ الْجَسَدِ بِالْإِهَابِ، وَلَوْ كَانَ الْإِهَابُ مَدْبُوغًا، لَمْ يَجُزْ أَنْ تُكَنِّيَ بِهِ عَنِ الْجَسَدِ. وَقَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ يَذْكُرُ بَقَرَةً وَحْشِيَّةً، أَكَلَ الذِّئْبُ وَلَدَهَا، وَهِيَ غَائِبَةٌ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَتْهُ: فَلَاقَتْ بَيَانًا عِنْدَ أَوَّلِ مَعْهَدٍ ... إِهَابًا وَمَعْبُوطًا٢ مِنَ الْجَوْفِ أَحْمَرَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ ". ثُمَّ مَرَّ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: "أَلَا انْتَفَعَ أَهْلُهَا بِإِهَابِهَا"؟ يُرِيدُ أَلَا دَبَغُوهُ، فَانْتَفَعُوا بِهِ؟ ثُمَّ كَتَبَ٣: "لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ ". يُرِيدُ لَا تَنْتَفِعُوا بِهِ وَهُوَ إِهَابٌ، حَتَّى يُدْبَغَ. وَيَدُلَّكَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَلَا عَصَبٍ" لِأَنَّ الْعَصَبَ لَا يَقْبَلُ الدِّبَاغَ، فَقَرَنَهُ بِالْإِهَابِ قَبْلَ أَنْ يُدْبَغَ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا مُبَيَّنًا فِي الْحَدِيثِ. رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ بن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ لِمَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ، فَقَالَ: "أَلَا أَخَذُوا إهابها، فدبغوه، وانتفوا بِهِ" ٤.

стр. 244

قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ ٣٩- صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الشِّعَارِ: قَالُوا: رُوِّيتُمْ عَنِ الْأَشْعَثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ١، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَا يُصَلِّي فِي شُعُرِنَا، أَوْ لُحُفِنَا"٢. ثُمَّ رُوِّيتُمْ عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، وَأَنَا إِلَى جَانِبِهِ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَعَلَيَّ مِرْطٌ لِي وَعَلَيْهِ٣ بَعْضُهُ". وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَاقُضٌ، لِأَنَّهُ قِيلَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ كَانَ لَا يُصَلِّي فِي شُعُرِنَا، وَهُوَ جَمْعُ "شِعَارٍ" وَالشِّعَارُ مَا وَلِيَ الْجَسَدَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلَا يُسَمَّى شِعَارًا، حَتَّى يَلِيَ الْجَسَدَ. وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ، قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ للْأَنْصَار: "أَنْتُم لي شعار،

стр. 245

وَالنَّاسُ دِثَارٌ" ١؛ يُرِيدُ: أَنَّكُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيَّ، كَالشِّعَارِ الَّذِي يَلِي الْجَسَدَ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، أَيْ: أَبْعَدُ مِنْكُمْ، كَمَا أَنَّ الدِّثَارَ فَوْقَ الشِّعَارِ، وَالشِّعَارُ يُصِيبُهُ الْمَنِيُّ وَالْعَرَقُ وَالنَّدَى، إِذَا كَانَ بِالْمَرْءِ قَاطِرُ بَوْلٍ، أَوْ بَدَرَتْ مِنْهُ بَادِرَةٌ، فَكَانَ لَا يُصَلِّي فِي شُعُرِ نِسَائِهِ، لِمَا لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَنَالَهَا، إِذَا هُوَ جَامَعَ، أَوْ إِذَا اسْتَثْقَلَتِ الْمَرْأَةُ، أَوْ إِذَا حَاضَتْ مِنَ الدَّمِ. وَقِيلَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، وَأَنَا إِلَى جَانِبِهِ، وَعَلَيَّ مِرْطٌ لِي، وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ؛ وَالْمِرْطُ لَا يَكُونُ شِعَارًا، كَمَا يَكُونُ الْإِزَارُ شِعَارًا، لِأَنَّهُ كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ شَعْرٍ، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ خَزٍّ، وَإِنَّمَا يُلْقَى فَوْقَ الْإِزَارِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمِمَّا يُوَضِّحُ لَكَ هَذَا حَدِيثٌ حَدَّثَنِيهِ عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، خَرَجَ ذَاتَ غَدَاةٍ، وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ"٢. وَالْمُرَحَّلُ: الْمُوَشَّى، وَيُقَالُ لِذَلِكَ الْعَمَلِ: التَّرْحِيلُ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ، وَذَكَرَ امْرَأَتَهُ: فَقُمْتُ بِهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَا ... عَلَى أَثَرَيْنَا ذَيْلُ٣ مِرْطٍ مُرَحَّلِ وَمِمَّا يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّ الْمِرْطَ لَمْ يَكُنْ شِعَارًا لِعَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ يُصَلِّي، وَعَلَيْهِ بَعْضُ الْمِرْطِ، وَعَلَيْهَا بَعْضُهُ"٤. وَلَوْ كَانَ شِعَارًا، لَانْكَشَفَتْ مِنْهُ لِأَنَّ الشِّعَارَ لَطِيفٌ، لَا يَصْلُحُ لِأَنْ يُصَلَّى فِيهِ، وَتَكُونُ هِيَ مَسْتُورَةً بِهِ.

стр. 246

قَالُوا: حَدِيثٌ تُكَذِّبُهُ حُجَّةُ الْعَقْلِ وَالنَّظَرِ ٤٠- هَلْ سُحِرَ النَّبِيُّ ﷺ ؟: قَالُوا: "رُوِّيتُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُحِرَ، وَجُعِلَ سِحْرُهُ فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ١ وَأَنَّ عَلِيَّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ اسْتَخْرَجَهُ، وَكُلَّمَا حَلَّ مِنْهُ عُقْدَةً، وَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ خِفَّةً، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، كَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ"٢. وَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، لِأَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ، وَعَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الشَّيْطَانِ فِيمَا يَذْكُرُونَ. فَكَيْفَ يَصِلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، مَعَ حِيَاطَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، وَتَسْدِيدِهِ إِيَّاهُ بِمَلَائِكَتِهِ، وَصَوْنِهِ الْوَحْيَ عَنِ الشَّيْطَانِ؟ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ٣. وَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَن الْبَاطِل هَهُنَا هُوَ الشَّيْطَانُ. وَقَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ٤ أَيْ: يَجْعَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَلْفَهُ رَصَدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَحْفَظُونَهُ، وَيَصُونُونَ الْوَحْيَ، عَنْ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ الشَّيْطَانُ مَا لَيْسَ مِنْهُ.

стр. 247

وَذَهَبُوا فِي السِّحْرِ إِلَى أَنَّهُ حِيلَةٌ يُصْرَفُ بِهَا وَجْهُ الْمَرْءِ عَنْ أَخِيهِ، وَيُفَرَّقُ بِهَا بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ كَالتَّمَائِمِ١ وَالْكَذِبِ، وَقَالُوا: هَذِهِ رُقًى٢، وَمِنْهُ السُّمُّ يُسْقَاهُ الرَّجُلُ فَيَقْطَعُهُ عَنِ النِّسَاءِ، وَيُغَيِّرُ خُلُقَهُ، وَيَنْثُرُ شَعْرَهُ وَلِحْيَتَهُ. وَإِلَى أَنَّ سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ خَيَّلُوا لِمُوسَى ﷺ ، مَا أَرَوْهُ. قَالُوا: وَمِثْلُ ذَلِكَ؛ أَنَّا نَأْخُذُ الزِّئْبَقَ، فَنُفْرِغُهُ فِي وِعَاءٍ كَالْحَيَّةِ، ثُمَّ نُرْسِلُهُ فِي مَوْضِعٍ حَارٍّ، فَيَنْسَابُ انْسِيَابَ الْحَيَّةِ. قَالُوا: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ٣، إِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ، وَلَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَقَالُوا: فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ ٤ هُوَ بِمَعْنَى النَّفْيِ. أَيْ: لَمْ يَنْزِلْ ذَلِكَ. وَقَالُوا: الْمَلِكَيْنِ، بِكَسْرِ اللَّامِ. وَذَكَرُوا عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ، وَيَقُولُ: عِلْجَانِ مِنْ أَهْلِ بَابِلَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَى هَذَا، مُخَالِفٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَجَمِيعِ أَهْلِ الْكُتُبِ، وَمُخَالِفٌ لِلْأُمَمِ كُلِّهَا، الْهِنْدُ، وَهِيَ أَشَدُّهَا إِيمَانًا بِالرُّقَى، وَالرُّومُ وَالْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي الْإِسْلَامِ، وَمُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ مُعَانِدٌ لَهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ قَالَ لِرَسُولِهِ ﷺ : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ

стр. 248

وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ١ فأعلمنا أَنَّ السَّوَاحِرَ، يَنْفُثْنَ فِي عُقَدٍ يَعْقِدْنَهَا كَمَا يَتْفُلُ الرَّاقِي وَالْمُعَوِّذُ. وَكَانَتْ قُرَيْشٌ، تُسَمِّي السِّحْرَ الْعَضْهَ٢. وَلَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَاضِهَةَ وَالْمُسْتَعْضِهَةَ. يَعْنِي بِالْعَاضِهَةِ: السَّاحِرَةَ، وَبِالْمُسْتَعْضِهَةِ: الَّتِي تَسْأَلُهَا أَنْ تَسْحَرَ لَهَا، وَقَالَ الشَّاعِرُ: أعوذ بربي من النافثا ... ت فِي عَقْدِ الْعَاضِهِ الْمُعْضِهِ يَعْنِي: السواحر. وَقد روى بن نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَهَذَا طَرِيقٌ مَرْضِيُّ صَحِيحٌ أَنَّهُ قَالَ -حِينَ سُحِرَ٣-: "جَاءَنِي رَجُلَانِ، فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ ٤ فَقَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ، قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمَشَّاطَةٍ، وَجُفِّ ٥ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ". وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَجْتَرُّ٦ النَّاسُ بِهِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ نَفْعًا، وَلَا يَصْرِفُونَ عَنْهَا ضُرًّا، وَلَا يُكْسِبُونَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَنَاءً وَمَدْحًا، وَلَا حَمَلَةُ هَذَا الْحَدِيثِ كَذَا بَين، وَلَا مُتَّهَمِينَ، وَلَا مُعَادِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَمَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ لَبِيدُ بن الأعصم -هَذَا الْيَهُودِيّ- سحر

стр. 249

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ قَتَلَتِ الْيَهُودُ قَبْلَهُ، زَكَرِيَّا بْنَ آذَنَ فِي جَوْفِ شَجَرَةٍ، قَطَّعَتْهُ قِطَعًا بِالْمَنَاشِيرِ. وَذَكَرَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَوْ غَيْرُهُ: أَنَّهُ ﵇، لَمَّا وَصَلَ الْمِنْشَارُ إِلَى أَضْلَاعِهِ أَنَّ؛ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: إِمَّا أَنْ تَكُفَّ عَنْ أَنِينِكَ، وَإِمَّا أَنْ أُهْلِكَ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا. وَقَتَلَتْ بَعْدَهُ ابْنَهُ يَحْيَى بِقَوْلِ بَغِيٍّ، وَاحْتِيَالِهَا فِي ذَلِكَ، وَادَّعَتْ "يَعْنِي الْيَهُودَ" أَنَّهَا قَتَلَتِ الْمَسِيحَ وَصَلَبَتْهُ. وَلَوْ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ١ لَمْ نَعْلَمْ نَحْنُ، أَنَّ ذَلِكَ شَبَهُهُ لِأَنَّ الْيَهُودَ أَعْدَاؤُهُ، وَهُمْ يَدَّعُونَ ذَلِكَ، وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاؤُهُ وَهُمْ يُقِرُّونَ لَهُمْ بِهِ. وَقَتَلَتِ الْأَنْبِيَاءَ، وَطَبَخَتْهُمْ٢، وَعَذَّبَتْهُمْ أَنْوَاعَ الْعَذَابِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ، لَعَصَمَهُمْ مِنْهُمْ. وَقَدْ سُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذِرَاعِ شَاةٍ مَشْوِيَّةٍ، سَمَّتْهُ يَهُودِيَّةٌ، فَلَمْ يَزَلِ السُّمُّ يعاده حَتَّى مَاتَ. وَقَالَ ﷺ : "مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَر تعادني، فَهَذَا أَوَان انْقِطَاع أَبْهَري" ٣

стр. 250

فَجعل اللَّهُ تَعَالَى لِلْيَهُودِيَّةِ عَلَيْهِ السَّبِيلَ، حَتَّى قَتَلَتْهُ. وَمِنْ قَبْلِ ذَلِكَ، مَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ السَّبِيلَ عَلَى النَّبِيِّينَ. وَالسِّحْرُ أَيْسَرُ خَطْبًا مِنَ الْقَتْلِ وَالطَّبْخِ وَالتَّعْذِيبِ. فَإِنْ كَانُوا إِنَّمَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجْعَلُ لِلشَّيْطَانِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبِيلًا، وَلَا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فقد قرؤوا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ١. يُرِيدُ: إِذَا تَلَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي تِلَاوَتِهِ -يُعَزِّيهِ، عَمَّا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ، حِينَ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ: "تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ تُرْتَجَى". غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ، أَنْ يَزِيدَ فِيهِ، أَوْ يَنْقُصَ مِنْهُ. أَمَا تَسْمَعُهُ يَقُولُ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ ٢. أَيْ: يُبْطِلُ مَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ٣. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ٤. أَيْ: لَا يَقْدِرُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ أَوَّلًا، وَلَا آخِرًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنِي أَبُو الْخَطَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَانِي فَقَالَ: إِنْ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ يَكِيدُكَ، فَإِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تختم آيَة الْكُرْسِيّ"٥.
следующие страницы →