المجلد الأول
مقدمة
...
مقدمة:
هذا كتاب في تاريخ العرب قبل الإسلام، وهو في الواقع كتاب جديد، يختلف عن كتابي السابق الذي ظهرت منه ثمانية أجزاء، يختلف عنه في إنشائه، وفي تبوبيه وترتيبه، وفي كثير من مادته أيضًا؛ فقد ضمّنته مادة جديدة، خلا منها الكتاب السابق، تهيأت لي من قراءاتي لكتابات جاهلية عُثر عليها بعد نشر ما نشرت منه، ومن صور كتابات أو ترجماتها أو نصوصها لم تكن قد نشرت من قبل، ومن مراجعاتي لموارد نادرة لم يسبق للحظ أن سعد بالظفر بها أو الوقوف عليها، ومن كتب ظهرت حديثًا بعد نشر هذه الأجزاء، فرأيت إضافتها كلها إلى معارفي السابقة التي جسّدتها في ذلك الكتاب.
وقد رأى أستاذي العالم الفاضل السيد محمد بهجت الأثري تسميته: "المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، لما فيه من تفصيل لم يرد في الكتاب السابق؛ فوجدت في اقتراحه رأيًا صائبًا ينطبق كل الانطباق على ما جاء فيه، فسميته بما سمّاه به، مُقَدِّمًا إليه شكري الجزيل على هذا التوجيه الجميل.
وكتاباي هذان، هما عمل فردٍ عليه جمع المادة بنفسه، والسهر في تحريرها وتحبيرها، وعليه الإنفاق من ماله الخاص على شراء موارد غير متيسّرة في بلاده، أو ليس في استطاعته مراجعتها بسبب القيود المفروضة على إعارة الكتب، أو لاعتبارات أخرى، ثم عليه البحث عن ناشر يوافق على نشر الكتاب، ثم عليه تصحيح المسودات بنفسه بعد نجاحه في الحصول على ناشر، إلى غير ذلك من أمور تسلبه راحته وتستبد به وتضنيه، ولولا الولع الذي يتحكم في المؤلفين في هذه البلاد، لما أقدم إنسان على تأليف كتاب.
стр. 2
وإن عملًا يتم بهذا الأسلوب وبهذه الطريقة، لا يمكن أن يرضي المؤلف أو يسعده؛ لأنه عمل يعتقد أنه مهما اتفق فيه من جهد وطاقة واجتهاد؛ فلن يكون على الشكل الذي يتوخّاه أو يريده، والصورة التي رسمها في فكره وتصوّرها له. ولولا طمع المؤلف في كرم القراء بتبرّعهم في تقويم عوجه وإصلاح أغلاطه وإرشاده إلى خير السبل المؤدية إلى التقويم والإصلاح، ولولا اعتقاده أن في التردد أو الإحجام سلبية لا تنفع، بل إن فيها ضررًا، وإن كتابًا يؤلَّف وينشر على ما يجمع من عيوب ونقائص خير من لا شيء. أقول: لولا هذه الاعتبارات لما تجرأت، فأخرجت كتابًا وعددتني مؤلفًا من المؤلفين.
وأنا إذ أقول هذا القول وأثبته، لا أريد أن أكون مرائيًا لابسًا ثوب التواضع لأتظاهر به على شاكلة كثير من المرائين. وإنما أقول ذلك حقًا وصدقًا؛ فأنا رجل أعتقد أن الإنسان مهما حاول أن يتعلم، فإنه يبقى إلى خاتمة حياته جاهلًا، كل ما يصل إليه من العلم هو نقطة من بحر لا ساحل له. ثم إني ما زلت أشعر أني طالب علم، كلما ظننت أني انتهيت من موضوع، وفرحت بانتهائي منه، أدرك بعد قليل أن هناك علمًا كثيرًا فاتني، وموارد جمّة لم أتمكن من الظفر بها، فأتذكر الحكمة القديمة "العجلة من الشيطان".
وقد رأيت في هذا الكتاب شأني في الكتاب السابق، ألّا أنصِّب نفسي حاكمًا تكون وظيفته إصدار أحاكم قاطعة، وإبداء آراء في حوادث تاريخية مضى زمن طويل عليها؛ بل أكتفي بوصف الحادث وتحليله كما يبدو لي. وقد لا تُعجب طريقتي هذه كثيرًا من القراء، وعذري أني لا أكتب لإرضاء الناس، ولا أدوّن لشراء العواطف؛ وإنما أكتب ما أعتقده وأراه بحسب علمي وتحقيقي، والرأي عندي أن التأريخ تحليل ووصف لما وقع ويقع، وعلى المؤرخ أن يجهد نفسه كل الإجهاد للإحاطة به، بالتفتيش عن كل ما ورد عنه، ومناقشة ذلك مناقشة تمحيص ونقد عميقين، ثم تدوين ما يتوصل إليه بجدّه واجتهاده تدوينًا صادقًا على نحو ما ظهر له وما شعر به، متجنبًا إبداء الأحكام والآراء الشخصية القاطعة على قدر الاستطاعة.
لقد قلت في مقدمة الجزء الأول من كتابي السابق: "والكتاب بحث، أردت جهد طاقتي أن يكون تفصيليًّا، وقد يعاب عليّ ذلك، وعذري في هذا
стр. 3
التفصيل أنني أريد تمهيد الجادة لمن يأتي بعدي فيرغب في التأليف في هذا الموضوع، وأنني أكتب للمتتبِّعين والمتخصصين، ومن حق هؤلاء المطالبة بالمزيد. وقد فعلت في هذا الكتاب ما فعلته في الأجزاء الثمانية من الكتاب السابق من تقصّي كل ما يرد عن موضوع من الموضوعات في الكتابات وفي الموارد الأخرى، وتسجيله وتدوينه؛ ليقدم للقارئ أشمل بحث وأجمع مادة في موضوع يطلبه؛ لأن غايتي من هذا الكتاب أن يكون "موسوعة" في الجاهلية والجاهليين، لا أدعِ شيئًا عنها أو عنهم إلا ذكرته في محله؛ ليكون تحت متناول يد القارئ، فكتابي هذا وذاك هما للمتخصصين وللباحثين الذين يطمعون في الوقوف على حياة الجاهلية بصورة تفصيلية، ولم يكتبا للذين يريدون الإلمام بأشياء مجملة عن تلك الحياة.
والكتاب لذلك سيخرج في أجزاء، لا أستطيع تحديد عددها الآن ولكني أقول بكل تأكيد أنها ستزيد على العشرة، وأنها ستتناول كل نواحي الحياة عند الجاهليين: من سياسية، واجتماعية، ودينية، وعلمية، وأدبية، وفنية، وتشريعية.
لقد أشار عليّ بعض الأصدقاء أن أُدخل في العرب كل الساميّين، وأن أتحدث عنهم في كتابي هذا كما أتحدث عن العرب؛ لأن وطن الساميين الأول هو جزيرة العرب، ومنه هاجروا إلى الأماكن المعروفة التي استقروا فيها؛ فهم في ذلك مثل القبائل العربية التي تركت بلاد العرب، واستقرت في العراق وفي بادية الشام وبلاد الشام، لا يختلفون عنهم في شيء، ثم قالوا: فإذا كنت قد تحدثت عن تلك القبائل المهاجرة على أنها قبائل عربية، فلِمَ تسكت عن أولئك الساميين، ولم تجعلهم من العرب؟
وجوابي أن القبائل العربية المهاجرة هي قبائل معروفة الأصل وقد نصّت الكتابات والموارد الأخرى على عروبتها، ونسبت نفسها إلى جزيرة العرب، ولهجاتها لهجات عربية، لا ريب في ذلك ولا نزاع، وثقافتها عربية. أما الشعوب السامية؛ فليس بين العلماء -كما سنرى- اتفاق على وطنها الأول، وليس بينها شعب واحد نسب نفسه إلى العرب، وليس في الموارد التأريخية الواصلة إلينا مورد واحد يشير إلى أنها عربية؛ ولهجاتها وإن اشتركت كلها في أمور،
стр. 4
فإنها تختلف أيضًا في أمور كثيرة، هي أكثر من مواطن الاشتراك والالتقاء، ففرق كبير إذن بين هذه الشعوب وبين القبائل العربية من حيث العروبة. ثم إن العروبة في نظري ليس بها حاجة إلى ضم هذه الشعوب إليها، لإثبات أنها ذات أصل تئول إليه؛ فقد أعطى الله تلك الشعوب تأريخًا ثم محاه عنهم، وأعطى العرب تأريخًا أينع في القديم واستمر حتى اليوم، ثم إن لهم من الحضارة الإسلامية ما يغنيهم عن التفتيش عن مجد غيرهم وعن تركاتهم، لإضافتها إليهم؛ فليس في العرب مركب نقص حتى نضيف إليهم من لم يثبُت أنهم منهم، لمجرد أنهم كانوا أصحاب حضارة وثقافة، وأن جماعة من العلماء ترى أنهم كانوا من جزيرة العرب، والرأي عندي أن العرب لو نبشوا تربة اليمن وبقيّة الترب لما احتاجوا إلى دعوة من يدعو إلى هذا الترقيع؛ فأنا من أجل هذا لا أستطيع أن أضم أحدًا من هؤلاء إلى الأسرة العربية بالمعنى الاصطلاحي المعروف المفهوم، من لفظة العرب عندنا؛ إلا إذا توافرت الأدلة، وثبت بالنص أنهم من العرب حقًا، وأنهم كانوا في جزيرة العرب حقًا.
نعم، لقد قلت إن مصطلح الشعوب العربية هو أصدق اصطلاح يمكن إطلاقه على تلك الشعوب، وإن الزمان قد حان لاستبدال مصطلح "عربي" و"عربية" بـ"سامي" و"سامية"، وقلت أشياء أخرى شرحتها في الجزء الثاني من الكتاب السابق في تعليل ترجيح هذه التسمية١. ولكن لم أقصد ولن أقصد أن تلك الشعوب هي قبائل عربية مثل الشعوب والقبائل العربية المعروفة. فالسامية وحدة ثقافية، اصطلح عليها اصطلاحًا، والعروبة وحدة ثقافية وجنسية وروابط دموية وتأريخية، وبين المفهومين فرق كبير.
إن مما يثير الأسف -والله- في النفوس أن نرى الغربيين يعنون بتأريخ الجاهلية ويجدّون في البحث عنه والكشف عن مخلفاته وتركاته في باطن الأرض، ونشره بلغاتهم، ولا نرى حكوماتنا العربية ولا سيما حكومات حزيرة العرب، إلا منصرفة عنه، لا تعنى بالآثار العناية اللازمة لها، ولا تسأل الخبراء رسميًا وباسمها البحث عن العاديات والتنقيب في الخرائب الجاهلية لاستخراج ما فيها من كنوز، وجمعها في دار للمحافظة عليها ولاطلاع الناس عليها. وقد يكون عذر هذه الحكومات
стр. 5
أن الناس هناك ينظرون إلى التماثيل نظرتهم إلى الأصنام والأوثان، وإلى استخراج الآثار والتنقيب عن العاديات نظرتهم إلى بعث الوثنية وإحياء معالم الشرك، وهي من أجل هذا تخشى الرأي العام، وإني على كل حال أرجو أن تزول هذه الأحوال في المستقبل القريب، وأن يدرك عرب الجزيرة أهمية الآثار في الكشف عن تأريخ هذه الأمة العربية القديمة.
كذلك أرجو أن تنتبه حكومات جزيرة العرب لأهمية موضوع التخصص بتأريخ العرب القديم، وأن تكلف شبانها دراسة علم الآثار ودراسة لهجات العرب قبل الإسلام والأقلام العربية الجاهلية، ليقوموا هم أنفسهم بالبحث والتنقيب في مواطن العاديات المنبثة في مواطن كثيرة من الجزيرة.
ورجاء آخر أتمنى على جامعة الدول العربية والدول العربية أن يحققوه، وهو إرسال بعثات من المتخصصين بالآثار وباللهجات والأقلام العربية القديمة إلى مواطن الآثار في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية والمواضع الأخرى من جزيرة العرب للتنقيب عن الآثار، والكشف عن تأريخ الجزيرة المطمور تحت الأتربة والرمال، ونشره نشرًا علميًا، بدلًا من أن يكون اعتمادنا في ذلك على الغربيين. أفلا يكون من العار علينا أن نكون عالة عليهم في كل أمر. حتى في الكشف عن تأريخنا القديم!
وأضيف إلى هذا الرجاء رجاء آخر هو أن تقوم أيضا بتدوين معجم في اللهجات العربية الجاهلية، تستخرجه من الكتابات التي عُثر عليها، وبتأليف كتب في نحوها وصرفها، وترجمة الكتب الأمهات التي وضعها المؤلفون الأجانب في تأريخ الجاهلية، ترجمة دقيقة تنأى عن المسخ الذي وقع في ترجمة بعض تلك المؤلفات فأشاع الغلط ونشر التخريف.
لقد راجعت بعض المستشرقين الباحثين في تأريخ العرب القديم، وسألت بعض من ساح في جزيرة العرب في هذه الأيام، وبعض الشركات العاملة فيها، في آخر ما توصلوا إليه من بحوث، وعثروا عليه من عاديات؛ فوجدت منهم كل معونة، وأرسلوا وما برحوا يرسلون أجوبتهم إليّ بكل ترحاب ولطف، وكتبت إلى بعض حكومات جزيرة العرب وإلى بعض المسئولين من أصحاب المكانة فيها والنفوذ مرارًا، وأسألها وأسألهم عن العاديات وعن الآثار التي عثر عليها
стр. 6
حديثًًا في بلادهم؛ فلم أسمع من الاثنين جوابًا، وإني إذ أكتب هذه الملاحظة المرّة المؤسفة؛ إنما أرمي بها إلى التنبيه ولفت أنظار أولي الأمر أصحاب الحكم والسلطان؛ فمن واجب المسئول إجابة السائل، ولا سيما أن القضية قضية تخص البلاد المذكورة بالذات والعرب عمومًا، وقبيح أن ينبري الغريب، فيساعد طالب بحث عن تأريخ أمته وإخوته، ويستنكف المسئولون من أبناء هذه الأمة عن تنفيذ طلب لا يكلفهم شيئًا، وهو خطير يتعلق بتأريخ هذه الأمة قبل الإسلام وإذاعته أولًا، وهو واجب من واجباتهم التي نصبوا من أجلها ثانيًا.
لقد تمكن الباحثون في التأريخ الجاهلي، من سياح وعلماء، من الارتقاء بتأريخ الجاهلية بمئات من السنين قبل الميلاد، وذلك على وجه صحيح لا مجال للشك فيه، مع أن بحوثهم هذه لم تنزل سوى أمتار في باطن الآثار وفي أماكن محدودة معينة، وسوف يرتفع مدى هذه التأريخ إلى مئات أخرى، وربما يتجاوز الألفي سنة أو أكثر قبل الميلاد إذا أتيحت الفرص للعلماء في الحفر في مواضع الآثار حفرًا علميًا بالمعنى الحديث المفهوم من "الحفر". وأنا لا أستبعد بلوغ هذا التأريخ الجاهلي في يوم من الأيام التأريخ الذي وصل إليه العلماء في مصر وفي العراق، أو في أماكن أخرى عرفت بقدم تأريخها، بل لا أستبعد أيضًا أن يتقدم هذا التأريخ تأريخ بعض الأماكن المذكورة.
وبعد هذا، لا بد لي هنا من الاعتراف بفضل رجل، له على هذا الكتاب وعلى الكتاب الأول يد ومنّة، وله كذلك على مؤلفهما فضل سابق، يسبق زمن تأليف كتابيه بأمد طويل، هو فضل الإرشاد والتوجيه والتعليم. وأريد به الأستاذ العلامة الفاضل السيد محمد بهجت الأثري، العضو العامل في مجمع اللغة العربية بالقاهرة وعضو المجمع العلمي العربي بدمشق، وعضو المجلس الأعلى الاستشاري للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة؛ فلقد كان لي ولأمثالي من الدارسين والباحثين -ولا يزال- مرشدًا وموجهًا ومشوقًا لدراسة التراث العربي والتراث الإسلامي والتأليف وفي ذلك، مذ كنت تلميذه في الإعدادية المركزية ببغداد أتلقى عنه في جملة من كانوا يتلقون عنه الأدب العربي؛ فكان يشوّقنا بأسلوبه الجذاب، وبتأثيره القوي المعروف، إلى التوسع في دراسة الأدب العربي وتأريخ الأمة العربية، وهو ما برح يحثّني على الإسراع في إتمام هذا الكتاب وإخراجه للناس، قارئًا مسوداته، ومبديًا آراءه، وإرشاداته وملاحظاته القيمة، التي أفادتني -والحق
стр. 7
أقول- كثيرًا. وهما فضلان لن ينساهما تلميذ يقدّر الفضل لأستاذ كريم يفني نفسه في تربية الأجيال ونشر الأدب والعلم.
وبعد؛ فهذا الكتاب هو جمعي وترتيبي، فأنا المسئول عنه وحدي، وليس لأحد محاسبة غيري عليه، اجتهدت ألا أضمّنه إلا الحق والصواب من العلم على قدر طاقتي واجتهادي، فإن أكن قد وفقت فيما قصدت إليه وأردته؛ فذلك حسبي وكفى، لا أريد حمدًا ولا شكرًا؛ لأني قمت بواجب، وعملت عن شوق ورغبة وولع قديم بهذا الموضوع يرجع إلى أيام دارستي الأولى؛ فليس لي فضل ولا منّة، وإن كان فيه حسنًا فهو للعلماء الذين اعتمدت عليهم وأخذت منهم، وليس لي فيه غير الجمع والتأليف. وإن أخفقت فيه فذلك مبلغ علمي واجتهادي، أديته بعد تعب، لا أملك أكبر منه، وبغيتي حسن التوجيه والإرشاد وتقويم الأود، وتصحيح الأغلاط؛ فالنقد العلمي الحق إنشاء وبناء، والمدح والإطراء في نظري إبعاد لطالبي العلم من أمثالي عن العمل والتقدم، وسبب يؤدي إلى الخيلاء والضلال، وفوق كل ذي علم عليم.
جواد علي
стр. 8
الفصل الأول: تحديد لفظة العرب
نطلق لفظة "العرب" اليوم على سكّان بلاد واسعة، يكتبون ويؤلفون وينشرون ويخاطبون بالإذاعة والتلفزيون" بلغة واحدة، نقول لها: لغة العرب أو لغة الضاد أو لغة القرآن الكريم. وإن تكلموا وتفاهموا وتعاملوا فيما بينهم وفي حياتهم اليومية أدّوا ذلك بلهجات محلية متباينة؛ ذلك لأن تلك اللهجات إذا أًرجعت رجعت إلى أصل واحد هو اللسان العربي المذكور، وإلى ألسنة قبائل عربية قديمة، وإلى ألفاظ أعجمية دخلت تلك اللهجات بعوامل عديدة لا يدخل البحث في بيان أسبابها في نطاق هذا البحث.
ونحن إذْ نطلق لفظة "عرب" و"العرب" على سكان البلاد العربية؛ فإنما نطلقها إطلاقًًا عامًا على البدو وعلى الحضر، لا نفرق بين طائفة من الطائفتين، ولا بين بلد وبلد. نطلقها بمعنى جنسية وقومية وعلم على رسٍّ له خصائص وسمات وعلامات وتفكير يربط الحاضرين بالماضين كما يربط الماضي بالحاضر.
واللفظة بهذا المعنى وبهذا الشكل، مصطلح يرجع إلى ما قبل الإسلام؛ ولكنه لا يرتقي تأريخيًّا إلى ما قبل الميلاد، بل لا يرتقي عن الإسلام إلى عهد جدّ بعيد؛ فأنت إذا رجعت إلى القرآن الكريم، وإلى حديث رسول الله، وجدت للفظة مدلولًا يختلف عن مدلولها في النصوص الجاهلية التي عُثر عليها حتى الآن أو في التوراة والإنجيل والتلمود وبقية كتب اليهود والنصارى وما بقي من مؤلفات
стр. 9
يونانية ولاتينية تعود إلى ما قبل الإسلام. فهي في هذه أعراب أهل وبر، أي طائفة خاصة من العرب. أما في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي، وفي الشعر المعاصر للرسول؛ فإنها علم على الطائفتين واسم للسان الذي نزل به القرآن الكريم، لسان أهل الحضر ولسان أهل الوبر على حد سواء. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ١، ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ٢.
وإذا ما سألتني عن معنى لفظة "عرب" عند علماء العربية؛ فإني أقول لك: إن لعلماء العربية آراء في المعنى، تجدها مسطورة في كتب اللغة وفي المعجمات؛ ولكنها كلها من نوع البحوث المألوفة المبنية على أقوال وآراء لا تعتمد على نصوص جاهلية ولا على دراسات عميقة مقارنة، وُضعت على الحدس والتخمين، وبعد حيرة شديدة في إيجاد تعليل مقبول فقالوا ما قالوه مما هو مذكور في الموارد اللغوية المعروفة، وفي طليعتها المعجمات وكتب الأدب، وكل آرائهم تفسير اللفظة وفي محاولة إيجاد أصلها ومعانيها، هو إسلامي، دوّن في الإسلام.
وترى علماء العربية حَيَارى في تعيين أول من نطق بالعربية؛ فبينما يذهبون إلى أن "يعرب" كان أول من أعرب في لسانه وتكلم بهذا اللسان العربي، ثم يقولون: ولذلك عرف هذا اللسان باللسان العربي، وتراهم يجعلون العربية لسان أهل الجنة ولسان آدم، أي: أنهم يرجعون عهده إلى مبدأ الخليقة، وقد كانت الخليقة قبل خَلْق "يعرب" بالطبع بزمان طويل، ثم تراهم يقولون: أول من تكلم بالعربية ونسي لسان أبيه إسماعيلُ، أُلْهِم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهامًا، وكان أول من فُتِق لسانه بالعربية المبينة، وهو ابن أربع عشرة سنة٣. وإسماعيل هو جدّ العرب المستعربة على حد قولهم.
والقائلون إن "يعرب" هو أول من أعرب في لسانه، وإنه أول من نطق
стр. 10
بالعربية، وإن العربية إنما سميت به؛ فأخذت من اسمه، إنما هم القحطانيون، وهم يأتون بمختلف الروايات والأقوال لإثبات أن القحطانيين هم أصل العرب، وأن لسانهم هو لسان العرب الأول، ومنهم تعلّم العدنانيون العربية، ويأتون بشاهد من شعر "حسان بن ثابت" على إثبات ذلك، يقولون: إنه قاله، وإن قوله هذا هو برهان على أن منشأ اللغة العربية هو من اليمن. يقولون إنه قال:
تعلمتم من منطق الشيخ يعرب ... أبينا؛ فصرتم معربين ذوي نفر
وكنتم قديمًا ما بكم غير عجمة ... كلام، وكنتم كالبهائم في القفر١
ولم يكن يخطر ببال هؤلاء أن سكان اليمن قبل الإسلام كانوا ينطقون بلهجات تختلف عن لهجة القرآن الكريم، وأن من سيأتي سيكتشف سرّ "المسنَد"، ويتمكن بذلك من قراءة نصوصه والتعرف على لغته، وأن عربيته هي عربية تختلف عن هذه العربية التي ندوّن بها، حتى ذهب الأمر بعلماء العربية في الإسلام بالطبع إلى إخراج الحميرية واللهجات العربية الجنوبية الأخرى من العربية، وقصر العربية على العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وعلى ما تفرع منها من لهجات كما سأتحدث عن ذلك فيما بعد. وهو رأي يمثل رأي العدنانيين خصوم القحطانيين.
والقائلون إن يعرب هو جدّ العربية وموجدها، عاجزون عن التوفيق بين رأيهم هذا ورأيهم في أن العربية قديمة قدم العالم، وأنها لغة آدم في الجنة، ثم هم عاجزون أيضًا عن بيان كيف كان لسان أجداد "يعرب" وكيف اهتدى "يعرب" إلى استنباطه لهذه اللغة العربية، وكيف تمكن من إيجاده وحده لها من غير مؤازرة ولا معين؟ إلى غير ذلك من أسئلة لم يكن يفطن لها أهل الأخبار في ذلك الزمن، وللإخباريين بعد كلام في هذا الموضوع طويل، الأشهر منه القولان المذكوران ووفق البعض بينهما بأن قالوا: إن "يعرب" أول من نطق
стр. 11
بمنطق العربية، وإسماعيل هو أول من نطق بالعربية الخالصة الحجازية التي أنزل عليها القرآن١.
أما المستشرقون وعلماء التوراة المحدثون؛ فقد تتبعوا تأريخ الكلمة، وتتبعوا معناها في اللغات السامية، وبحثوا عنها في الكتابات الجاهلية وفي كتابات الآشوريين فيه لفظة "عرب" هو نصّ آشوري من أيام الملك "شلمنصر الثالث" "الثاني؟ " ملك آشور٢. وقد تبين لهم أن لفظة "عرب" لم تكن تعني عند الآشوريين ما تعنيه عندنا من معنى، بل كانوا يقصدون بها بداوة وإمارة "مشيخة" كانت تحكم في البادية المتاخمة للحدود الآشورية، كان حكمها يتوسع ويتقلص في البادية تبعًا للظروف السياسية ولقوة شخصية الأمير، وكان يحكمها أمير يلقب نفسه بلقب "ملك" يقال له "جنديبو" أي "جندب" وكانت صلاته سئية بالآشوريين. ولما كانت الكتابة الآشورية لا تحرك المقاطع، صعُب على العلماء ضبط الكلمة؛ فاختلفوا في كيفية المنطق بها، فقرئت: "aribi" و "arubu" و "aribu" و "arub" و "arabi" و "urbi" و "arbi" إلى غير ذلك من قراءات٣. والظاهر أن صيغة "urbi" كانت من الصيغ القليلة الاستعمال، ويغلب على الظن أنها استعملت في زمن متأخر٤، وأنها كانت بمعنى "أعراب" على نحو ما يقصد من كلمي "عُربي" و"أعرابي" في لهجة أهل العراق لهذا العهد. وهي تقابل كلمة "عرب" التي هي من الكلمات المتأخرة كذلك على رأي بعض المستشرقين. وعلى كل حال فإن الآشوريين كانوا يقصدون بكلمة "عربي" على اختلاف أشكالها بداوة ومشيخة كانت تحكم في أيامهم البادية تمييزًا لها عن قبائل أخرى كانت مستقرة في تخوم البادية٥".
стр. 12
ووردت في الكتابات البابلية جملة "ماتواربي" "matu a-ra-bi"، "Matu arabaai"، ومعنى "ماتو" "متو" أرض، فيكون المعنى "أرض عربي"، أي "أرض العرب"، أو "بلاد العرب"، أو "العربية"، أو "بلاد الأعراب" بتعبير أصدق وأصح؛ إذ قصد بها البادية، وكانت تحفل بالأعراب١. وجاءت في كتابة "بهستون" بيستون"٢ "behistun" لدار الكبير "داريوس"٣ لفظة "أرباية" "عرباية"٤ "arabaya"، وذلك في النص الفارسي المكتوب باللغة "الأخمينية"، ولفظة "arpaya"" "m ar payah" في النص المكتوب بلهجة أهل السوس "susian" "susiana" وهي اللهجة
стр. 13
العيلامية لغة عيلام١.
ومراد البابليين أو الآشوريين أو الفرس من "العربية" أو "بلاد العرب". البادية التي في غرب نهر الفرات الممتدة إلى تخوم بلاد الشام.
وقد ذكرت "العربية" بعد آشور وبابل وقبل مصر في نصّ "دارا" المذكور٢. فحمل ذلك بعض العلماء على إدخال طور سيناء في جملة هذه الأرضين٣. وقد عاشت قبائل عربية عديدة في منطقة سيناء قبل الميلاد.
وبهذا المعنى أي معنى البداوة والأعرابية والجفاف والقفر، وردت اللفظة في العبرانية وفي لغات سامية أخرى، ويدل ذلك على أن لفظة "عرب" في تلك اللغات المتقاربة هو البداوة وحياة البادية، أي بمعنى "أعراب". وإذا راجعنا المواضع التي وردت فيها كلمة "عربي" و "عرب" في التوراة، تجدها بهذا المعنى تمامًا؛ ففي كل المواضع التي وردت فيها في سفر "أشعياء" "Isaiah" مثلًا نرى أنها استعملت بمعنى بداوة وأعرابية، كالذي جاء فيه: "ولا يخيم هناك أعرابي٤". فقصد بلفظة "عرب" في هذه الآية الأخيرة البادية موطن العزلة والوحشة والخطر، ولم يقصد بها قومية وعلمية لمجلس معين بالمعنى المعروف المفهوم.
ولم يقصد بجملة "بلاد العرب" في الآية المذكورة والتي هي ترجمة "مسا
стр. 14
هـ- عراب" "MASSA HA-arab، المعنى المفهوم من "بلاد العرب" في الزمن الحاضر أو في صدر الإسلام؛ وإنما المراد بها البادية، التي بين بلاد الشام والعراق وهي موطن الأعراب١.
وبهذا المعنى أيضًا وردت في "أرميا"، ففي الآية "وكل ملوك العرب" الواردة في الإصحاح الخامس والعشرين٢، تعني لفظة "العرب" الأعرابي"، أي "عرب البادية" والمراد من "وكل ملوك العرب" و "كل رؤساء العرب" و" مشايخهم"، رؤساء قبائل ومشايخ. لا ملوك مدن وحكومات. وأما الآية: "في الطرقات جلست لهم كأعرابي في البرية"٣، فإنها واضحة، وهي من الآيات الواردة في "أرميا". والمراد بها أعرابي من البادية، لا حضري من أهل الحاضرة. فالمفهوم إذن من لفظة "عرب" في إصحاحات "أرميا" إنما هو البداوة والبادية والأعرابية ليس غير.
ومما يؤيد هذا الرأي ورود "ها عرابة ha 'arabah" في العبرانية، ويراد بها ما يقال له: "وادي العربة"، أي الوادي الممتد من البحر الميت أو من بحر الجليل إلى خليج العقبة٤. وتعني لفظة "عرابة" في العبرانية الجفاف وحافة الصحراء وأرض محروفة، أي معاني ذات صلة بالبداوة والبادية، وقد أقامت في هذا الوادي قبائل بدوية شملتها لفظة "عرب". وفي تقارب لفظة "عرب" و "عرابة"، وتقارب معناها، دلالة على الأصل المشترك للفظتين. ويعدّ وادي "العربة" وكذلك "طور سيناء" في بلاد العرب. وقصد بـ "العربية" برية سورية في "رسالة القديس بوليس إلى أهل غلاطية"٥.
стр. 15
وقد عرف علماء العربية هذه الصلة بين كلمة "عرب" و"عرابة" أو "عربة"؛ فقالوا: "إنهم سمّوا عربًا باسم بلدهم العربات، وقال إسحاق بن الفرج: عربة باحة العرب، وباحة دار أبي الفصاحة إسماعيل بن إبراهيم ﵉"١. وقالوا: "وأقامت قريش بعربة فتنخت بها، وانتشر سائر العرب في جزيرتها؛ فنسبوا كلهم إلى عربة؛ لأن أباهم إسماعيل، ﷺ ، نشأ وربّى أولاده فيها فكثروا. فلما لم تحتملهم البلاد، انتشروا، وأقامت قريش بها٢، وقد هب بعضهم إلى أن عربة من تهامة٣، وهذا لا ينفي على كل حال وجود الصلة بين الكلمتين.
ورواية هؤلاء العلماء، مأخوذة من التوراة، أخذوها من أهل الكتاب، ولا سيما من اليهود وذلك باتصال المسلمين بهم، واستفسارهم منهم عن أمور عديدة وردت في التوراة، ولا سيما في الأمور التي وردت مجملًا في القرآن الكريم والأمور التي تخص تأريخ العرب وصلاتهم بأهل الكتاب.
ويرى بعض علماء التوراة أن كلمة "عرب" إنما شاعت وانتشرت عند العبرانيين بعد ضعف "الإشماعيليين" "الإسماعيليين" وتدهورهم وتغلب الأعراب عليهم حتى صارت اللفظة مرادفة عندهم لكلمة "إشماعيليين". ثم تغلبت عليهم؛ فصارت تشملهم، مع أن "الإشماعيليين" كانوا أعرابًا كذلك، أي قبائل بدوية تتنقل من مكان إلى مكان، طلبًا للمرعى وللماء. وكانت تسكن أيضًا في المناطق التي سكنها الأعراب، أي أهل البادية. ويرى أولئك العلماء أن كلمة "عرب" لفظة متأخرة، اقتبسها العبرانيون من الآشوريين والبابليين، بدليل ورودها في النصوص الآشورية والبابلية، وهي نصوص يعود عهدها إلى ما قبل التوراة. ولشيوعها بعد لفظة "إشماعيليين"، ولأدائها المعنى ذاته المراد من اللفظة، ربط بينهما وبين لفظة "إشماعيليين"، ولأدائها المعنى ذاته المراد من اللفظة، ربط بينها وبين لفظة "إشماعيليين"، وصارت نسبًا، فصُير جد هؤلاء العرب "إشماعيل"، وعدوًّا من أبناء إسماعيل٤.
стр. 16
هذا ما يخص التوراة، أما "التمود"؛ فقد قصدت بلفظة "عرب" و "عريم" "arbim" "عربئيم" "arbi'im" الأعراب كذلك، أي المعنى نفسه الذي ورد في الأسفار القديمة، وجعلت لفظة "عربي" مرادفة لكلمة "إسماعيل" في بعض المواضع١.
وقبل أن أنتقل من البحث في مدلول لفظه "عرب" عند العبرانيين إلى البحث في مدلولها عند اليونان، أود أن أشير إلى أن العبرانيين كانوا إذا تحدثوا عن أهل المدر، أي الحضر ذكروهم بأسمائهم. وفي سلاسل النسب الواردة في التوراة، أمثلة كثيرة لهذا النوع، سوف أتحدث عنها.
وأول من ذكر العرب من اليونان هو "أسكيلوس، أسخيلوس" "أشيلس" "أخيلوس" "Aeschylus"، "٥٢٥- ٤٥٦ قبل الميلاد" من أهل الأخبار منهم، ذكرهم في كلامه على جيش "أحشويرش" "xerxes"، وقال: إنه كان في جيشه ضابط عربي من الرؤساء مشهور٢. ثم تلاه "هيرودوتس" شيخ المؤرخين "نحو ٤٨٤- ٤٢٥ قبل الميلاد،؛ فتحدث في مواضيع من تأريخه عن العرب حديثًا يظهر منه أنه كان على شيء من العلم بهم. وقد أطلق لفظة "arabae" على بلاد العرب، البادية وجزيرة العرب والأرضين الواقعة إلى الشرق من نهر النيل٣؛ فأدخل "طور سيناء" وما بعدها إلى ضفاف النيل في بلاد العرب.
فلفظة "العربية" "arabae" عند اليونان والرومان، هي في معنى "بلاد العرب". وقد شملت جزيرة العرب وبادية الشام. وسكانها هم عرب على اختلاف لغاتهم ولهجاتهم، على سبيل التغليب؛ لاعتقادهم أن البداوة كانت هي الغالبة على هذه الأرضين؛ فأطلقوها من ثم على الأرضين المذكورة.
وتدل المعلومات الواردة في كتب اليونان واللاتين المؤلفة بعد "هيرودوتس" على تحسن وتقدم في معارفهم عن بلاد العرب، وعلى أن حدودها قد توسعت في مداركهم فشملت البادية وجزيرة العرب وطور سيناء في أغلب الأحيان؛ فصارت لفظة "arabae" عندهم علمًا على الأرضين المأهولة بالعرب والتي تتغلب عليها
стр. 17
الطبيعة الصحراوية، وصارت كلمة "عربي" عندهم علمًا للشخص المقيم في تلك الأرضين، من بدو ومن حضر؛ إلا أن فكرتهم عن حضر بلاد العرب لم تكن ترتفع عن فكرتهم عن البدوي، بمعنى أنهم كانوا يتصوّرون أن العرب هم أعراب.
ووردت في جغرافية "سترابون" كلمة "أرمي" "erembi"، ومعناها اللغوي الدخول في الأرض أو السكنى في حفر الأرض وكهوفها، وقد أشار إلى غموض هذه الكلمة وما يقصد بها، أيقصد بها أهل "طرغلوديته" "troglodytea" أي "سكان الكهوف" أم العرب؟ ولكنه ذكر أن هناك من كان يريد بها العرب، وأنها كانت تعني هذا المعنى عند بعضهم في الأيام المتقدمة، ومن الجائز أن تكون تحريفًا لكلمة "arabi" فأصبحت بهذا الشكل١.
أما الإرميون؛ فلم يختلفوا عن الآشوريين والبابليين في مفهوم "بلاد العرب". أي ما يسمى بـ"بادية الشام" وبادية السماوة. وهي البادية الواسعة الممتدة من نهر الفرات إلى تخوم الشام. وقد أطلقوا على القسم الشرقي من هذه البادية، وهو القسم الخاضع لنفوذ الفرس، اسم "بيت عرباية" "beth' arb'aya" و "باعرباية" "ba'arabaya"، ومعناها "أرض العرب". وقد استعملت هذه التسمية في المؤلفات اليونانية المتأخرة٢. وفي هذا الاستعمال أيضًا معنى الأعرابية والسكنى في البادية.
ووردت لفظة "عرب" في عدد من كتابات "الحضر". وردت مثلًا في النص الذي وسم ب"٧٩" حيث جاء في السطرين التاسع والعاشر "وبجندا دعرب"، أي: "وبجنود العرب". وفي السطر الرابع عشر: "وبحطر وعرب"، أي "وبالحضر وبالعرب"٣. ووردت في النص: "١٩٣": "ملكادي عرب"، أي "ملك العرب" وفي النص "١٩٤" وفي نصوص أخرى٤. وقد وردت اللفظة في كل هذه النصوص بمعنى "أعراب"، ولم ترد علمًا على قوم وجنس، أي بالمعنى المفهوم من اللفظة في الوقت الحاضر٥.
стр. 18
هذا، وليست لدينا كتابات جاهلية من النوع الذي يقول له المستشرقون "كتابات عربية شمالية"، فيها اسم "العرب"، غير نصّ واحد، هو النص الذي يعود إلى "امرئ القيس بن عمرو". وقد ورد فيه: "مر القيس بر عمرو، ملك العرب كله، ذو إسرالتج وملك الأسدين ونزروا وملوكهم وهرب مذحجو ... "١. ولورد لفظة "العرب" في هذا النص الذي يعود عهده إلى سنة "٣٢٨م" شأن كبير؛ "غير أننا لا نستطيع أن نقول: إن لفظة "العرب" هنا، يراد بها العرب بدوًا وحضرًا، أي: يراد بها العلم على قومية، بل يظهر من النص بوضوح وجلاء أنه قصد "الأعراب"، أي القبائل التي كانت تقطن البادية في تلك الأيام.
أما النصوص العربية الجنوبية؛ فقد وردت فيها لفظة "أعرب" بمعنى "أعراب"، ولم يقصد بها قومية، أي علم لهذا الجنس المعروف، الذي يشمل كل سكان بلاد العرب من بدو ومن حضر، فورد: "وأعرب ملك حضرموت"، أي "وأعراب ملك حضرموت"٢، وورد: "وأعرب ملك سبأ"، أي "وأعراب ملك سبأ"٣. وكالذي ورد في نصّ "أبرهة"، نائب ملك الحبشة على اليمن٤؛ ففي كل هذه المواضع ومواضع أخرى، وردت بمعنى أعراب"٥.
أما أهل المدن والمتحضرون، فكانوا يعرفون بمدنهم أو بقبائلهم، وكانت مستقر في الغالب. ولهذا قيل "سبأ"و "هَمْدَان" و"حِمْيَر" وقبائل أخرى، بمعنى أنها قبائل مستقرة متحضرة، تمتاز عن القبائل المتنقلة المسماة "أعرب" في النصوص العربية الجنوبية؛ مما يدل على أن لفظة "عرب" و "العرب" لم
стр. 19
تكن تؤدي معنى الجنس والتقومية ذلك في الكتابات العربية الجنوبية المدونة والواصلة إلينا إلى قُبيل الإسلام بقليل "٤٤٩م" "٥٤٢م"١. والرأي عندي أن العرب الجنوبيين لم يفهموا هذا المعنى من اللفظة إلا بعد دخولهم في الإسلام، ووقوفهم على القرآن الكريم، وتكلمهم باللغة التي نزل بها، وذلك بفضل الإسلام بالطبع. وقد وردت لفظة "عرب" في النصوص علمًا لأشخاص٢.
وقد عرف البدو، أي سكان البادية، بالأعراب في عربية القرآن الكريم. وقد ذكروا في مواضع من كتاب الله، وقد نعتوا فيه بنعوت سيئة٣، تدل على أثر خلق البادية فيهم. وقد ذكر بعض العلماء أن الأعراب بادية العرب، وأنهم سكان البادية٤.
والنص الوحيد الوحيد الذي وردت فيه لفظة "العرب" علمًا على العرب جميعًا من حضر وأعراب، ونعت فيه لسانهم باللسان العربي، هو القرآن الكريم. وقد ذهب "د. هـ. ملر" إلى أن القرآن الكريم هو الذي خصص الكلمة وجعلها علمًا لقومية تشمل كل العرب. وهو يشك في صحة ورود كلمة "عرب" علمًا لقومية في الشعر الجاهلي، كالذي ورد في شعر لامرئ القيس، وفي الأخبار المدونة في كتب الأدب على ألسنة بعض الجاهليين٥. ورأي "ملر" هذا رأي ضعيف لا يستند إلى دليل؛ إذ كيف تعقل مخاطبة القرآن قومًا بهذا المعنى لو لم يكن لهم علم سابق به؟ وفي الآيات دلالة واضحة على أن القوم كان لهم إدراك لهذا المعنى قبل الإسلام، وأنهم كانوا ينعتون لسانهم باللسان العربي، وأنهم كانوا يقولون للألسنة الأخرى ألسنة أعجمية: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ ٦. ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا
стр. 20
عَرَبِيّاً﴾ ١. ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ٢. ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ٣؛ ففي هذه الآيات وآيات أخرى غيرها دلالة على أن الجاهلين كانوا يطلقون على لسانهم لسانًا عربيًا، وفي ذلك دليل على وجود الحس بالقومية قبيل الإسلام٤.
ونحن لا نزال نميز الأعراب عن الحضر، ونعتدّهم طبقة خاصة تختلف عن الحضر، فنطلق عليهم لفظة: "عرب" في معنى بدو وأعراب، أي بالمعنى الأصلي القديم، ونرى أن عشيرة "الرولة" وعشائر أخرى تقسم سكان الجزيرة إلى قسمين: حضر و"عرب". وتقصد بالعرب أصحاب الخيام أي المتنقّلين، وتقسم العرب، أي البدو إلى "عرب القبيلة"، وهو "عرب الديرة"، وهم العرب المقيمون على حافات البوادي والأرياف، أي في معنى "عرب الضاحية" و "عرب الضواحي" في اصطلاح القدامى.
ثم تقسم الحضر وتسميهم أيضًا بـ"أهل الطين" إلى "قارين"، والواحد "قروني"، وهم المستقرون الذين لهم أماكن ثابتة ينزلونها أبدًا، وإلى "راعية" والمفرد راع، وهم أصحاب أغنام وشبه حضر، ويقال لهم" شوّاية" وو"شيّان" و "شاوية" و "رحم الديرة" بحسب لغات القبائل٥.
وأشبه مصطلح من المصطلحات القديمة بمصطلح "شوّاية" و "شاوية"، هو "الأرحاء"، وهي القبائل التي لا تنتجع ولا تبرح مكانها؛ إلا أن ينتجع بعضها في البرحاء وعام الجدب٦.
وخلاصة ما تقدم أن لفظة "ع ر ب"، "عرب" هي بمعنى التبدي والأعرابية في كل اللغات السامية، ولم تكن تفهم إلا بهذا المعنى في أقدم
стр. 21
النصوص التاريخية التي وصلت إلينا، وهي النصوص الآشورية، وقد عنت بها البدو عامة، مهما كان سيدهم أو رئيسهم. وبهذا المعنى استعملت عند غيرهم. ولما توسعت مدارك الأعاجم وزاد اتصالهم واحتكاكهم بالعرب وبجزيرة العرب، توسعوا في استعمال اللفظة؛ حتى صارت تشمل أكثر العرب على اعتبار أنهم أهل بادية وأن حياتهم حياة أعراب. ومن هنا غلبت عليهم وعلى بلادهم، فصارت علَمية عند أولئك الأعاجم على بلاد العرب وعلى سكانها، وأطلق لذلك كتبة اللاتين واليونان على بلاد العرب لفظة "arabae" "Arabia" أي "العربية" بمعنى بلاد العرب.
لقد أوقعنا هذا الاستعمال في جهل بأحوال كثير من الشعوب والقبائل، ذكرت بأسمائها دون أن يشار إلى جنسها. فحرنا في أمرها، ولم نتمكن من إدخالها في جملة العرب؛ لأن الموارد التي تملكها اليوم لم تنص على أصلها؛ فلم تكن من عادتها، ولم يكن في مصطلح ذلك اليوم كما قلت إطلاق لفظة "عرب" إلا على الأعراب عامة، وذلك عند جهل اسم القبيلة، وكانت تلك القبيلة بادية غير مستقرة، وقد رأينا أن العرب أنفسهم لم يكونوا يسمون أنفسهم قبل الميلاد، إلا بأسمائهم، ولولا وجودهم في جزيرة العرب ولولا عثورنا على كتابات أو موارد أشارت إليهم، لكان حالهم حال من ذكرنا، أي لما تمكّنّا من إدخالهم في العرب، ونحن لا نستطيع أن نفعل شيئًا تجاه القبائل المذكورة، وليس لنا إلا الانتظار؛ فلعل الزمن يبعث نصًّا يكشف عن حقيقة بعض تلك القبائل.
هذا ويُلاجظ أن عددًا من القبائل العربية الضاربة في الشمال والساكنة في العراق وفي بلاد الشام، تأثرت بلغة بين إرم، فكتبت بها، كما فعل غيرهم من الناس الساكنين في هذه الأرضين، مع أنهم لم يكونوا من بني إرم. ولهذا حسبوا على بني إرم، مع أن أصلهم من جنس آخر. وفي ضمن هؤلاء قبائل عربية عديدة، ضاع أصلها؛ لأنها تثقفت بثقافة بني إرم، فظن لذلك أنها منهم.
الآن وقد انتهت من تحديد معنى "عرب" وتطورها إلى قبيل الإسلام، أرى لزامًا عليّ أن أتحدث عن ألفاظ أخرى استعملت بمعنى "عرب" في عهد من العهود، وعند بعض الشعوب؛ فقد استعمل اليونان كلمة "saraceni"
стр. 22
و "saracenes"، واستعملها اللاتين على هذه الصورة "saracenus"، وذلك في معنى "العرب"١ وأطلقوها على قبائل عربية كانت تقيم في بادية الشأم٢ وفي طور سيناء٣، وفي الصحراء بأدوم٤، وقد توسع مدلولها بعد الميلاد، ولا سيما في القرن الرابع والخامس والسادس؛ فأطلقت على العرب عامة، حتى إن كتبة الكنيسة ومؤرخي هذا العصر قلما استعملوا كلمة "عرب" في كتبهم، مستعيضين عنها بكلمة٥ "saraceni"، وأقدم من ذكرها هو "ديوسقوريدس dioscurides of anazarbos" الذي عاش في القرن الأول للميلاد٦، وشاع استعمالها في القرون الوسطى حيث أطلقها النصارى على جميع العرب، وأحيانًا على جميع المسلمين٧. ونجد الناس يستعملونها في الإنكليزية في موضع "عرب" ومسلمين حتى اليوم.
وقد أطلق بعض المؤرخين من أمثال "يوسبيوس" "أويسبيوس" "eusebius" و"هيرونيموس""Hieronymus هذه اللفظة على "الإشماعيليين" الذين كانوا يعيشون في البراري في "قادش" في برية "فاران"، أو مدين حيث جيل "حوريب"٨. وقد عرفت أيضًا ب"الهاجريين" "hagerene ثم دعيت بـ٩saracenes.
لم يتحدث أحد من الكتبة اليونان والرومان والسريان عن أصل لفظة "saraceni" "sarakenoi". ولم يلتفت العلماء إلى البحث في أصل التسمية إلا بعد النهضة العلمية الأخيرة؛ ولذلك اختلفت آراؤهم في التعليل، فزعم بعضهم أنه مركب من "سارة" زوج إبراهيم، ولفظ آخر ربما هو "قين"،
стр. 23
فيكون المعنى "عبيد سارة"١، وقال آخرون: إنه مشتق من "سرق"، فيكون المراد من كلمة "saraceni" "سراكين" "السراقين" أو "السارقين" إشراة إلى غزوهم وكثرة سطوهم٢. أو من "saraka بمعنى "sherk" أي "شرق"٣، ويراد بذلك الأرض التي تقع إلى شرق النبط. وقال "ونكلر" إنه من لفظة "شرقوا"، وتعني "سكان الصحراء" أو "أولاد الصحراء". استنتج رأيه هذا من ورود اللفظة في نصّ من أيام "سرجون"٤. ويرى آخرون أنه تصحيف "شرقيين"، أو "شارق"٥ على نحو ما يفهم من كلمة "قدموني" "qadmoni" في التوراة٦، بمعنى شرق، أو أبناء الشرق٧ "bene kedem" "bene qedhem"، وكانت تطلق خاصة على القبائل التي رجع النسابون العبرانيون نسبها إلى "قطورة"٨.
وقد مال إلى هذا الرأي الأخير أكثر من بحث في هذه التسمية من المستشرقين؛ فعندهم أن "سرسين" أو "سركين" أو "sarakenoi" من "شرق"، وإن "bene kedem و "qadmoni" العبرانيتين هما ترجمتان للفظة٩ "saraceni". ولهذا يرجحون هذا الرأي ويأخذون به.
стр. 24
والقاتلون إن "سارقين" من أصل لفظتين "سارة"، زوج إبراهيم، ومن "قين" بمعنى "عبد" وأن المعنى هو "عبيد سارة"، متأثرون برواية التوراة عن سارة وبالشروح الواردة عنها١، وليست لأصحاب هذا الرأي أية أدلة أخرى غير هذا التشابه اللفظي الذي نلاحظه بين "سرسين" وبين "سارقين"، وهو من قبيل المصادفة والتلاعب بالألفاظ ولا شك، وغير هذه القصة الواردة في التوراة: قصة "سارة" التي لا علاقة لها بالسرسين.
هذا وما زال أهل العراق يطلقون لفظة "شروك" و "شروكية" على جماعة من العرب هم من سكان "لواء العمارة" والأهوار في الغالب، وينظرون إليهم نظرة خاصة، ولا شك عندي أن لهذه التسمية علاقة بتلك التسمية القديمة.
ويستعمل أهل العراق في الوقت الحاضر لفظة أخرى، وهي "الشرجية"، أي "الشرقية"، ويقصدون بها جهة المشرق. وتقابل لفظة "بني قديم" في العبرانية، وهي من بقايا المصطلحات العراقية القديمة التي تعبر عن مصطلح "شركوني" و "بني قديم".
هذا وقد عرف العرب أن الروم يسمونهم "ساراقينوس"؛ فقد ذكر "المسعودي" أن الروم إلى هذا الوقت "أي إلى وقته" تسمي العرب "ساراقينوس". وذكر خبرًا طريفًا عن ملك الروم "نقفور" المعاصر ل"هارون الرشيد". فقد زعم أنه "أنكر على الروم تسميتهم العرب ساراقينوس. تفسير ذلك عبيد سارة، طعنًا منهم على هاجر وابنها إسماعيل، وأنها كانت أمةً لسارة، وقال: تسميتهم عبيد سارة، كذب٢.
وقد كانت منازل "القدمونيين"، "هقدمني"، "هاقدموني" "kadmonites"، في المناطق الشرقية لفلسطين، أي في بادية الشام، ولما كان "قيدما" "kedemeh" هو أحد أبناء إسماعيل في اصطلاح "التوراة"، فيكون أبناء "قيدما" من العرب الإسماعيليين٣. وقد ذكر في موضع من التوراة أنهم كانوا يقطنون المناطق الشرقية لفلسطين قرب "البحر الميت" المعروف في
стр. 25
العبرانية ب"هايم هقدموني"، أي: "البحر القدموني" "البحر الشرقي"١.
وقد كان "القدمونيون" أي "بنو قديم" أعرابًا يقطنون في بادية الشام. وأشباه أعراب، أي رعاة وأشباه حضريين، واللفظة لا تعني قبيلة واحدة معينة، أي علمية، ولا تعني قبائل معينة؛ وإنما هي لفظة عامة أطلقت على الساكنين في الأماكن الشرقية بالنسبة إلى العبرانيين٢.
ونجد في الكتب اليونانية لفظة لها علاقة بطائفة من العرب. هي "skenitae" "scenitae"، وقد أطلقت خاصة على أعراب بادية الشام. وقصد بها الأعراب سكان الخيام، أي "أهل الوبر" في اصطلاح العرب. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنها من "الخيمة" التي هي منزل الأعرابي؛ لأن الخيمة هي "skene" "skynai" في اليونانية؛ فالمعنى إذن "سكان الخيام"٣.
وقد ذكر "سترابون" أن ال "senitae" كانوا نازلين على حدود "سورية" الشرقية، كما ذكر أن منهم من كان ينزل شمال "العربية السعيدة" وهم سكان خيام٤. وقد فرق "سترابون" بينهم وبين البدو تفريقًا ظاهرًا، وميزهم عن غيرهم من الأعراب بسكناهم في الخيام. وقال عنهم في موضع آخر: أنهم يمثلون بصورة عامة "بدو" العراق٥. وأنهم يعتنون بتربية الإبل. وقد ذكرهم أيضا في أثناء كلامه على ساحل "maranitae" فقال: إنه مأهول بالفلاحين وبال "scenitae" وأراد بهم الأعراب الذين لا يسكنون إلا الخيام ويعيشون على تربية الإبل، وقد ذكر أنهم كانوا قبائل ومشيخات٦.
وقد ذكرهم "بلينيوس" كذلك، فدعاهم ب٧"scenitae". وقد كانوا يقيمون في البادية. وقد حاربهم "سبتيموس سفيروس"، وسأتحدث
стр. 26
عن ذلك فيما بعد، كما أشار غيره إليهم. والظاهر أن لفظة "nomas" "nomadas" التي تعني "البدو" لا تؤدي معنى "scenitae" أي سكان الخيام؛ إذ فرَّق الكتبة اليونان في مؤلفاتهم بين اللفظتين. وأغلب ظني أن المراد بسكان الخيام الأعراب المستقرون بعض الاستقرار، أي الذين عاشوا في مضارب عيشة شِبْه مستقرة، لهم خيامهم وإبلهم وحيواناتهم على مَقْربة من الريف والحضارة. أما الـ"نومادس" "nomades" "nomadas"؛ فقد كانوا قبائل رحلًا يعيشون في البوادي لا يستقرون في مكان واحد، متى وجدوا فرصة اغتنموها فأغاروا على من يجدونهم أمامهم، للعيش على ما يقع في أيديهم. ولذلك كانت ظروف ضعف الحكومات أم انشغالها بالحروب من أحسن الفرص المناسبة لهم. ومن هنا فرّق الكتبة اليونان وغيرهم بين الجماعتين١.
إننا لا نستطيع أن نحدد الزمان الذي ظهر فيه مصطلح "سكينيته" بين اليونان واللاتين. وقد يكون ترجمة للفظة أخذوها من الفرس أو الآشوريين أو غيرهم من الشعوب. ومصطلح "أهل الوبر" هو مصطلح يقابل جملة "سكان الخيام" في نظري. أما مصطلح "أهل بادية" أو "أعراب بادية" أو "سكان البوادي"؛ فإنه تعبير يقابل "nomadas" عند اليونان.
وعرف العرب عند الفرس وعند بني إرم بتسمية أخرى، هي: "tayayo" و"taiy". أما علماء عهد التلمود من العبرانيين، فأطلقوا عليهم لفظة "ط ي ي ع ا" "طيعا" و"طيايا" "طياية"٢ وأصل الكلمتين واحد على ما يظهر، أخذ من لفظة "طيء" اسم القبيلة العربية الشهيرة على رأي أكثر العلماء٣. وكان تنزل في البادية في الأرضين المتاخمة لحدود إمبراطورية الفرس، وكانت من أقوى القبائل العربية في تلك الأيام، ولهذا صار اسمها مرادفًًا للفظة "العرب" "عرب". وقد ذكر "برديصان" اسم "tayaye" "tayoye" مع٤ "sarakoye"
стр. 27
وقد شاعت هذه التسمية قرب الميلاد، وانتشرت في القرون الأولى للميلاد، كما يتبين ذلك من الموارد السريانية والموارد اليهودية١.
واستعملت النصوص "الفهلوية" "pahlawi" لفظة "تاجك" "tahdgik" "tachik" "tashik" في مقابل "عرب". كما استعملت الفارسية لفظة "تازي" بهذا المعنى أيضًا، واستعمل الأرمن كلمة "تجك" "tachik" في معنى عرب ومسلمين، واستعمل الصينيون لفظة "تشي" tashi" لهذه التسمية. وقد عُرف سكان آسية الوسطى الذين دخلوا في الإسلام بهذه التسمية، كما أطلق الأتراك على الإيرانيين لفظة "تجك" من تلك التسمية، حتى صارت لفظة "تجك" تعني "الإيراني" في لغة التركية٢.
ويرى بعض العلماء أن "تاجك" و "تجك" , و "تازك"، هي من الأصل المتقدم. من أصل لفظة "طيء"٣. ولكلمة "تازي" في الفارسية معنى "صحراوي"، من "تاز" "taz"، بمعنى الأرض المقفرة الخالية، ولذلك نسب بعض الباحثين كلمة "تازي" إلى هذا المعنى، فقالوا: إنها أطلقت على العرب لما اشتهر عنهم أنهم صحراويون٤.
وقد زعم "حمزة الأصفهاني" أن الفرس أطلقوا على العرب لفظة "تاجيان"، نسبة إلى "تاج بن فروان بن سيامك بن مشى بن كيومرث"، وهو جد العرب٥.
وبعض هذه التسميات المذكورة، لا يزال حيًا مستعملًا، ولكنه لم يبلغ مبلغ لفظة "عرب" و"العرب" في الشهرة والانتشار؛ فقد صارت لفظة "عرب"، علمًا على قومية وجنس معلوم، له موطن معلوم، وله لسان
стр. 28
خاص به يميزه عن سائر الألسنة، من بعد الميلاد حتى اليوم. وقد وسع الإسلام رقعة بلاد العرب، كما وسع مجال اللغة العربية، حتى صارت بفضله لغة عالمية خالدة ذات رسالة كبيرة. غمرت بفضل الإسلام بعض اللغات مثل الفارسية والتركية والأردية ولغات أخرى، فزودتها بمادة غزيرة من الألفاظ، دخلت فيها حتى صارت جزءًا من تلك اللغات، يظن الجاهل أنها منها لاستعماله لها، ولكنها في الواقع من أصل عربي.
وربّ سائل يقول: لقد كان للعرب قبل الإسلام لغات، مثل المعينية والسبئية والحميرية والصفوية والثمودية واللحيانية وأمثالها، اختلفت عن عربية القرآن الكريم اختلافًًا كبيرًا؛ حتى إن أحدنا إذا قرأ نصًّا مدوّنًا بلغة من تلك اللغات عجز عن فهمه، وظن إذا لم يكن له علم بلغات العرب الجاهليين أنه لغة من لغات البرابرة أو الأعاجم، فماذا سيكون موقفنا من أصحاب هذه اللغات، وهل نعدّهم عربًا؟
والجواب أن هؤلاء، وإن اختلفت لغتهم عن لغتنا وباينت ألسنتهم ألسنتنا؛ فإنهم عرب لحمًا ودمًا، ولدوا ونشأوا في بلاد العرب، لم يردّوا إليها من الخارج، ولم يكونوا طارئين عليها من أمة غريبة. فهم إذن عرب مثل غيرهم، وكل لغات العرب هي لغات عربية، وإن اختلفت وتباينت، وما اللغة التي نزل بها القرآن الكريم إلّا لغة واحدة من تلك اللغات، ميّزت من غيرها، واكتسبت شرف التقدم والتصدر بفضل الإسلام، وبفضل نزول الكتاب بها، فصارت "اللغة العربية الفصحى" ولغة العرب أجمعين.
وحكمنا هذا ينطبق على النبط أيضًا وعلى من كان على شاكلتهم، وإن عدهم علماء النسب والتاريخ واللغة والأخبار من غير العرب، وأبعدوهم عن العرب والعربية؛ فقد كان أولئك وهؤلاء عربًا أيضًا، مثل عرب اليمن المذكورين ومثل ثمود والصفويين واللحيانيين، لهم لهجاتهم الخاصة؛ وإن تأثروا بالإرمية وكتبوا بها، فقد تكلم اليهود بالإرمية ونسي كثير منهم العبرانية، ولكن نسيان أولئك اليهود العبرانية، لم يخرجهم مع ذلك عن العبرانيين.
وسترد في بحثنا عن تاريخ الجاهلية أسماء قبائل عربية كثيرة عديدة لا عهد للإسلاميين بها، ولا علم لهم عنها، ذُُكروا في التوراة وفي كتب اليهود الأخرى
стр. 29
وفي الموارد اللاتينية، واليونانية والكتابات الجاهلية. وإذا جاز لأحد الشك في أصل بعض القبائل المذكورة في كتب اليهود أو في مؤلفات الكتبة "الكلاسيكيين" على اعتبار أنها أخطأت في إدخالها في جماعة العرب، فإن هذا الجواز يسقط حتما بالنسبة إلى القبائل المذكورة في الكتابات الجاهلية، وبالنسبة إلى القبائل التي دوّنت تلك الكتابات. فهي كتابات عربية، وإن اختلفت عن عربيتنا وباينت لغتها لغتنا؛ لأنها لهجة قوم عاشوا في بلاد العرب ونبتوا فيها، وقد كان لسانهم هذا اللسان العربي المكتوب.
فسبيلنا في هذا الكتاب إذن، هو البحث في كل العرب: العرب الذين تعارف العلماء الإسلاميون على اعتبارهم عربًا. فمنحوهم شهادة العروبة، بحسب طريقتهم في تقسيمهم إلى طبقات، وفي وضعهم في أشجار نسب ومخططات، والعرب المجهولين الذين لم يمنحوا هذه الشهادة بل حرموا منها، ونصّ على إخراجهم من العرب كالنبط على ما ذكرت، والعرب المجهولين كل الجهل الذين لم يكن للمسلمين علم ما بهم، ولم يكن لهم علم حتى بأسمائهم. سنتحدث عن هؤلاء جميعًا، على اعتبار أنهم عرب، جهلهم العرب، لأنهم بادوا قبل الإسلام، أو لأنهم عاشوا في بقاع معزولة نائية، فلم يصل خبرهم إلى الإسلاميين؛ فلما شرع المسلمون في التدوين، لم يعرفوا عنهم شيئًا، فأُهملوا، ونسوا مع كثير غيرهم من المنسيين.
سئل أحد علماء العربية عن لسان حمير، فقال: ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا"١؛ ولكن علماء العربية لم يتنصلوا من عروبة حمير، ولا من عروبة غيرهم ممن كان يتكلم بلسان آخر مخالف للساننا، بل عدّوهم من صميم العرب ومن لبّها، ونحن هنا لا نستطيع أن ننكر على الأقوام العربية المنسية عروبتها، لمجرد اختلاف لسانها عن لساننا، ووصول كتابات منها مكتوبة بلغة لا نفهمها، فلغتها هي لغة عربية، ما في ذلك شك ولا شبهة، وإن اختلفت عن لسان يعرب أو أي جدّ آخر يزعم أهل الأخبار أنه كان أول من أعرب في لسانه؛ فتكلم بهذه العربية التي أخذت تسميتها من
стр. 30
ذلك الإعراب.
وبعد أن عرفنا معنى لفظة العرب والألفاظ المرادفة لها، أقول إن بلاد العرب أو "العربية"، هي البوادي والفلوات التي أطلق الأشوريون ومن جاء بعدهم على أهلها لفظة "الأعراب"، وعلى باديتهم "arabeae" و "arabae" وما شاكل ذلك. وهي جزيرة العرب وامتدادها الذي يكون بادية الشام حتى نهايتها عند اقتراب الفرات من أرض بلاد الشام؛ فالفرات هو حدها الشرقي. أما حدها الغربي: فأرض الحضر في بلاد الشام. وتدخل في العربية بادية فلسطين و"طور سيناء" إلى شواطئ النيل. وقد أطلق بعض الكتاب اليونان على الأرضين الواقعة شرق ال "araxe"، أي الخابور اسم١ "Arabia"، كما أدخل "هيرودوتس" أرض طور سيناء إلى شواطئ نهر النيل في "العربية" "Arabia" أي بلاد العرب٢.
أما الآن وقد عرفنا لفظة عرب، وكيف تحددت، وتطورت، أرى لزامًا علينا الدخول في صلب موضوعنا وهو تاريخ العرب، مبتدئين بمقدمة عن الجاهلية وعن الموارد التي استقينا منها أخبارها، ثم بمقدمات عن جزيرة العرب وعن طبيعتها وعن الساميين وعقليتهم وعن العقلية العربية، تليها بحوث في أنساب العرب، ثم ندخل بعد ذلك في التاريخ السياسي للعرب، ثم بقية أقسام تاريخ العرب من حضارة ومدنية ودينية واجتماعية ولغوية.
ولما كان الإسلام أعظم حادث نجم على الإطلاق في تاريخ العرب، أخرجهم من بلادهم إلى بلاد أخرى واسعة فسيحة، وميّزهم أمة تؤثر تأثيرًا خطيرًا في حياة الناس.. صار ظهوره نهاية لدور ومبدأ لتاريخ دور، ونهاية أيام عرفت ب"الجاهلية" وبداية عهد عرف ب"الإسلام" ما زال قائمًا مستمرًا، وسيستمر إلى ما شاء الله، به أُرخ تاريخ العرب، فما وقع قبل الإسلام، عرف بتاريخ العرب قبل الإسلام، وما وقع بعده قيل له: تاريخ العرب بعد الإسلام.
وسيكون بحثنا هنا، أعني في هذه الأجزاء المتتالية في القسم الأول من
стр. 31
تاريخ العرب، وهو قسم تاريخ العرب قبل الإسلام، أما القسم الثاني، وهو تاريخ العرب في الإسلام، فستأتي أجزاؤه بالتتالي أيضًا بعد الانتهاء من هذا القسم.
وبعد هذه المقدمة؛ فلننظر صفحات هذا الفصل، ولننتقل إلى فصل جديد، هو الفصل الثاني من هذه الفصول، فصل: الجاهلية ومصادر التاريخ الجاهلي.
стр. 32
الفصل الثاني: الجاهلية ومصادر التاريخ الجاهلي
مدخل
...
الفصل الثاني: الجاهلية ومصادر التاريخ الجاهلي
اعتاد الناس أن يسموا تأريخ العرب قبل الإسلام "التأريخ الجاهلي"، أو "تأريخ الجاهلية"، وأن يذهبوا إلى أن العرب كانت تغلب عليهم البداوة، وأنهم كانوا قد تخلفوا عمن حولهم في الحضارة؛ فعاش أكثرهم عيشة قبائل رحّل، في جهل وغفلة، لم تكن لهم صلات بالعالم الخارجي، ولم يكن للعالم الخارجي اتصال بهم أميّون عبدة أصنام، ليس لهم تاريخ حافل، لذلك عرفت تلك الحقبة التي سبقت الإسلام عندهم ب"الجاهلية".
و"الجاهلية" اصطلاح مستحدث، ظهر بظهور الإسلام، وقد أطلق على حال قبل الإسلام تمييزًا وتفريقًا لها عن الحالة التي صار عليها العرب بظهور الرسالة، على النحو الذي يحدث عندنا وعند غيرنا من الأمم من إطلاق تسميات جديدة للعهود القائمة، والكيانات الموجودة بعد ظهور أحداث تزلزلها وتتمكن منها، وذلك لتمييزها وتفريقها عن العهود التي قد تسميها أيضًا بتسميات جديدة١. وفي التسميات التي تطلق على العهود السابقة، ما يدل ضمنا على شيء من الازدراء والاستهجان للأوضاع السابقة في غالب الأحيان.
وقد سبق للنصارى أن أطلقوا على العصور التي سبقت المسيح والنصرانية
стр. 33
"الجاهلية"، أي "أيام الجاهلية"، أو "زمان الجاهلية"، استهجانًا لأمر تلك الأيام، وازدراءً بجهل أصحابها لحالة الوثنية التي كانوا عليها، ولجاهلة الناس؛ إذ ذاك وارتكابهم الخطايا التي أبعدتهم، في نظر النصرانية، عن العلم، وعن ملكوت الله. "وقد أغضى الله عن أزمنة هذا الجهل فيبشر الآن جميع الناس في كل مكان إلى أن يتوبوا"١.
وقد وردت لفظة "الجاهلية"، في القرآن الكريم، وردت في السور المدنية"٢. دون السور المكية؛ فدل ذلك على أن ظهورها كان بعد هجرة الرسول إلى المدينة، وأن إطلاقها بهذا المعنى كان بعد الهجرة، وأن المسلمين استعملوها منذ هذا العهد فما بعده.
وقد فهم جمهور من الناس أن الجاهلية من الجهل الذي هو ضد العلم أو عدم اتباع العلم، ومن الجهل بالقراءة والكتابة، ولهذا ترجمت اللفظة في الإنكليزية بـ "the time of tgnorance"، وفي الألمانية ب٣"zeit der unwissenheit" وفهمها آخرون أنها من الجهل بالله وبرسوله وبشرائع الدين وباتباع الوثنية والتعبد لغير الله، وذهب آخرون إلى أنها من المفاخرة بالأنساب والتباهي بالأحساب والكبر والتجبر وغيرذلك من الخلال التي كانت من أبرز صفات الجاهليين٤.
ويرى المستشرق "كولدتزهير" goldziher" أن المقصود الأول من الكلمة
стр. 34
"السفه" الذي هو الحلم، والأنفة والخفة والغضب وماإلى ذلك من معان، وهي أمور كانت جد واضحة في حياة الجاهليين، ويقابلها الإسلام، الذي هو مصطلح مستحدث أيضًا ظهر بظهور الإسلام، وعمادة الخضوع لله والانقياد له١ ونبذ التفاخر بالأحساب والأنساب والكبر وما إلى ذلك من صفات نهى عنها القرآن الكريم والحديث.
وقد وردت الكلمة في القرآن الكريم في مواضع منه٢، منها آية سورة الفرقان: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ ٣، وآية سورة البقرة: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٤، وآية سورة الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٥، وآية هود: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٦. وفي كل هذه المواضع ما ينم على أخلاق الجاهلية. وقد ورد في الحديث: "إذا كان أحدكم صائمًا، فلا يرفث ولا يجهل" ٧، وورد أيضًا: "إنك امرؤ فيك جاهلية" ٨ وبهذا المعنى تقريبًا وردت الكلمة في قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق الجاهلينا٩
أي: لا يسفه أحد علينا، فنسفه عليهم فوق سفههم، أي نجازيهم جزاء يربي عليه.
стр. 35
واستعمال هذا اللفظ بهذا المعنى كثير١.
وجاء في سورة المائدة: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٢ أي أحكام الملة الجاهلية وما كانوا عليه من الضلال والجور في الأحكام والتفريق بين الناس في المنزلة والمعاملة٣.
وأطلقوا على "الجاهلية الجهلاء"، والجهلاء صفة للأولى يراد بها التوكيد، وتعني "الجاهلية القديمة"٤. وكانوا إذا عابوا شيئًا واستبشعوه، قالوا: "كان ذلك في الجاهلية الجهلاء".٥ و"الجاهلية الجهلاء" هي الوثنية التي حاربها الإسلام. وقد أنب القرآن المشركين على حميتهم الوثنية؛ فقال: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ٦.
والرأي عندي أن الجاهلية من السفه والحمق والأنفة والخفة والغضب وعدم الانقياد لحكم وشريعة وإرادة إلهية وما إلى ذلك من حالات انتقصها الإسلام؛ فهي في معنى "اذهب يا جاهل" نقولها في العراق لمن يتسفه ويتحمق وينطق بكلام لا يليق صدوره من رجل، فلا يبالي أدبًا ولا يراعي عرفًا، و "رجل جاهل" نطلقه على من لا يهتم بمجتمع ودين، ولا يتورع من النطق بأفحش الكلام. ولا يشترط بالطبع أن يكون ذلك الرجل جاهلًا أميا، أي ليس له علم، وليس بقارئ كاتب.
وقد اختلف المفسرون في المراد من الجاهلية الأولى في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ ٧، فقيل: "الجاهلية الأولى التي
стр. 36
ولد فيها إبراهيم، والجاهلية الأخرى التي ولد فيها محمد"١. وقيل "الجاهلية الأولى بين عيسى ومحمد"٢، وقد أدى اختلافهم في مفهوم هذه الآية إلى تصور وجود جاهليتين جاهلية قديمة، وجاهلية أخرى هي التي كانت عند ولادة الرسول٣.
واختلف العلماء في تحديد مبدأ الجاهلية، أو العصر الجاهلي؛ فذهب بعضهم إلى أن الجاهلية كانت فيما بين نوح وإدريس٤. وذهب آخرون إلى أنها كانت بين آدم ونوح، أو أنها بين موسى وعيسى، أو الفترة التي كانت ما بين عيسى ومحمد٥. وأما منتهاها، فظهور الرسول ونزول الوحي عند الأكثرين، أو فتح مكة عند جماعة٦. وذهب ابن خالوية إلى أن هذه اللفظة أطلقت في الإسلام على الزمن الذي كان قبل البعثة٧.
والذي يفهم خاصة من كتب الحديث أن أصحاب الرسول كانوا يعنون بـ "الجاهلية" الزمان الذي عاشوا فيه قبل الإسلام، وقبل نزول الوحي؛ فكانوا يسألون الرسول عن أحكامها، وعن موقفهم منها بعد إسلامهم، وعن العهود التي قطعوها على أنفسهم في ذلك العهد، وقد أقر الرسول بعضها، ونهى عن بعض آخر٨، وذلك يدل على أن هذا المعنى كان قد تخصص منذ ذلك الحين،
стр. 37
وأصبح للفظة "الجاهلية" مدلول خاص في عهد الرسول.
وأطلق بعض العلماء على الذين عاشوا بين الميلاد ورسالة الرسول "أهل الفترة" وهم في نظهر جماعة من أهل التوحيد ممن يقر بالبعث، ذكروا منهم: "حنظلة بن صفوان" نبي "أصحاب الرّس" وأصحاب الأخدود، وخالد بن سنان العبسي، و"وثاب السني" وأسعد أبا كرب الحميري، وقس بن ساعدة الإيادي وأمية بن أبي الصّلت، وورقة بن نوفل، وعداس مولى عتبة بن أبي ربيعة، وأبا قيس صربة بن أبي أنس من الأنصار، وأبا عامر الأوسي، وعبد الله بن جحش وآخرين١. فهم إذن طبقة خاصة من الجاهليين، ميزوا عن غيرهم بهذه السمة؛ لأنهم لم يكونوا على ملة أهل الجاهلية من عبادة الأصنام والأوثان.
فلفظة "الجاهلية" إذن نعت إسلامي من نوع النعوت التي تطلق في العهود السابقة على حركة ما أو انقلاب أطلقه المسلمون على ذلك العهد، كما نطلق اليوم نعوتًا وأسماء على العهود الماضية التي يثور الناس عليها، من مثل مصطلح "العهد المباد" الذي أطلق في العراق على العهد الملكي منذ ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨، ومثل المصطلحات الأخرى الشائعة في الأقطار العربية الأخرى، والتي اطلقت على العهود السابقة للثورات والانقلابات.
стр. 38
موارد التاريخ الجاهلي
مدخل
...
موارد التاريخ الجاهلي:
تاريخ الجاهلية هو أضعف قسم كتبه المؤرخون العرب في تاريخ العرب، يعوزه التحقيق والتدقيق والغربلة. وأكثر ما ذكروه على أنه تاريخ هذه الحقبة، هو أساطير وقصص شعبي، وأخبار أخذت عن أهل الكتاب ولا سيما اليهود، وأشياء وضعها الوضاعون في الإسلام، لمأرب اقتضتها العواطف والمؤثرات الخاصة.
وقد تداول العلماء وغير أصحاب العلم هذه الأخبار على أنها تاريخ الجاهلية حتى القرن التاسع عشر؛ فلما انتهت إلى المستشرقين، شكّوا في أكثرها فتناولوها بالنقد؛ استنادًا إلى طرق البحث الحديثة التي دخلت على العلوم النظرية، وتفتحت بذلك آفاق واسعة في عالم التاريخ الجاهلي لم تكن معروفة، ووضعوا الأسس للجادات التي ستوصل عشاق التاريخ إلى البحث في تاريخ جزيرة العرب.
стр. 39
وكان أهم عمل رائع قام به المستشرقون هو البحث عن الكتابات العربية التي دوّنها العرب قبل الإسلام، وتعليم الناس قراءتها بعد أن جهلوها مدة تنيف على ألف عام، وقد فتحت هذه النصوص باب تاريخ الجاهلية، ومن هذا الباب يجب أن نصل إلى التاريخ الجاهلي الصحيح.
لقد كلف البحث عن هذه الكتابات العلماء والسياح، ثمنا غاليًا كلفهم حياتهم في بعض الأحيان، ولم يكن من السهل تجول هؤلاء الأوروبيين بأزياء مختلفة في أماكن تغلب عليها الطبيعة الصحراوية للحصول على معلومات عن الخرائب والعاديات والحصول على ما يمكن الحصول عليه من نقوش وكتابات.
والتاريخ الجاهلي مع ذلك في أول مرحلة من مراحله وفي الدرجات الأولى من سلم طويل متعب. ولا يُنتظر التقدم أكثر من ذلك؛ إلا إذا سهّل للعلماء التجوال في بلاد العرب، لدراستها من جميع الوجوه، وللبحث عن العاديات، ويسرت لهم سبل البحث، ووضعت أمامهم كل المساعدات الممكنة التي تأخذ بأيديهم إلى الكشف عن مواطن ذلك التاريخ والبحث عن مدافن كنوز الآثار تحت الأتربة واستخراجها وحلّ رموزها، لجعلها تنطق بأحوالها في تلك الأيام. وتلك مسئولية لن تُفهم إلّا إذا فهم العرب وعلى رأسهم الحاكمون منهم أن من واجبهم المحافظة على تأريخ العرب القديم بصيانة موطن الآثار ومنع الاعتداء عليها، بإنزال أشدّ العقوبات فيمن يحطم تمثالًا؛ لاعتقاده بإنه صنم، أو يهدم أثرًا للاستفادة من حجره، أو ما شابه ذلك من هدم وتخريب.
لم يطمئن المستشرقون إلى هذا المرويّ في الكتب العربية عن التاريخ الجاهلي ولم يكتفوا به، بل رجعوا إلى مصادر وموارد ساعدتهم في تدوين هذا الذي نعرفه عن تاريخ الجاهلية، وهو شيء قليل في الواقع؛ ولكنه مع ذلك خير من هذا القديم المتعارف وأقرب منه إلى التأريخ، وقد تجمعت مادته من هذه الموارد:
١ النقوش والكتابات.
٢ التوراة والتلمود والكتب العبرانية الأخرى.
٣ الكتب اليونانية واللاتينية والسريانية ونحوها.
٤ المصادر العربية الإسلامية.
стр. 40
١- النقوش والكتابات:
تعد النقوش والكتابات في طليعة المصادر التي تكوّن التاريخ الجاهلي، وهي وثائق ذات شأن؛ لأنها الشاهد الناطق الحي الوحيد الباقي من تلك الأيام، وأريد أن أقسمها إلى قسمين: نقوش وكتابات غير عربية تطرقت إلى ذكر العرب كبعض النصوص الأشورية أو البابلية، ونصوص وكتابات عربية كتبت بلهجات مختلفة، منها ما عثر عليها في العربية الجنوبية، ويدخل ضمنها تلك التي وجدت في مصر أو في بعض جزر اليونان أو في الحبشة، وهي من كتابات المعينيين والسبئيين، ومنها ما عثر عليها في مواضع أخرى من جزيرة العرب، مثل أعالي الحجاز وبلاد الشام والعربية السعودية والكويت ومواضع أخرى، وكل ما عثر أو سيعثر عليه من نصوص في جزيرة العرب مدونًا بلهجة من اللهجات التي تعارف علماء العرب أو المستشرقون على اعتدادها من لغات العرب.
وأغلب الكتابات الجاهلية التي عثر عليها هي، ويا للأسف، في أمور شخصية، ولذلك انحصرت فوائدها في نواحٍ معينة، في مثل الدراسات اللغوية، وأقلها النصوص التي تتعرض لحالة العرب الساسية، أو الأحوال الاجتماعية أو العلمية أو الدينية أو النواحي الثقافية والحضارية الأخرى، ولهذا بقيت معارفنا في هذه النواحي ضحلة غير عميقة. وكل أملنا هو في المستقبل؛ فلعله سيكون سخيًا كريمًا، فيمدنا بفيض من مدونات لها صلة وعلاقة بهذه الأبواب، وينقذنا بذلك من هذا الجهل الفاضح الذي نحن فيه، بتاريخ العرب قبل الإسلام.
بل حتى النصوص العربية الجنوبية التي عثر عليها حتى الآن هي في أمور شخصية في الغالب، من مثل إنشاء بيت، أو بناء معبد، أو بناء سور، أو شفاء من مرض، ولكنها أفادتنا، مع ذلك، فائدة كبيرة في تدوين تاريخ العرب الجنوبيين؛ فقد أمدتنا بأسماء عدد من الملوك، ولولاها لما عرفنا عنهم شيئًا. ونظرًا إلى ما نجده في بعض النصوص من إشارات إلى حروب١، ومن صلات بين ملوك الدول العربية الجنوبية، ونظرًا إلى كون بعض الكتابات أوامر ملكية وقوانين في تنظيم الضرائب وتعيين حقوق الغرباء وفي أمور عامة أخرى لها