← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أورد فيه نصوصًا زعم أنها ترجمات لنصوص المسند، عثر عليها في القبور عند الأجداث. وأورد بعضها شعرًا، زعم أنه مما وجد في تلك القبور، كالذي ذكره عند حديثه عن قبر "مرشد بن شدّاد١، وعن قبرين جاهليين عُثر عليهما ب"الجند" وقد نصّ على أن الشعر المذكور كان مكتوبًا بالمسند وقد دوّنه٢. وهو وكل الأشعار الأخرى ومنها المرائي منظوم بعربية القرآن، وأما النثر، فإنه بهذه العربية أيضًا، وهو في الزهد والموعظة والندم والحث على ترك الدنيا؛ فكأن أصحاب القبور، من الوعاظ المتصوفين الزهاد، ماتوا ليعظوا الأحياء من خلال القبور، ولم يكونوا من الجاهليين من عبدة الأصنام والأوثان. وهو قسم بارد سخيف، يدل على ضعف أحلام رواته، وعلى ضعف ملكة النقد عند "الهمداني" وعلى نزوله إلى مستوى القصاص والسمّار والأخباريين الذين يروون الأخبار ويثبتونها وإن كانت مخالفة للعقل؛ إذ أنه لا يختلف عنهم هنا بأي شيء كان. ومجمل رأيي في "الهمداني" أنه قد أفادنا ولا شك بوصفة للعاديات التي رآها بنصه على ذكر أسمائها، وأفادنا أيضًا في إيراده ألفاظًا يمانية كانت مستعملة في أيامه استعمال الجاهليين لها: وقد وردت في نصوص المسند، فترجمها علماء العربيات الجنوبية ترجمة غير صحيحة؛ فمن الممكن تصحيحها الآن على ضوء استعمالها في مؤلفات الهمداني وفي مؤلفات غيره من علماء اليمن. أما من حيث علمه بتأريخ اليمن القديم؛ فإنه وإن عرف بعض الأسماء إلّا أنه خلط فيها في الغالب، فجعل اسم الرجل الواحد اسمين، وصير الأماكن آباءً وأجدادًا، وجعل أسماء القبائل أسماء رجال، ثم هو لا يختلف عن غيره في جهله بتأريخ اليمن القديم؛ فملأ الفراغ بإيراده الأساطير والخرافات والمبالغات، وأما علمه بالمسند فقد ذكرت أنه ربما قرأ الكلمات، ولكنه لم يكن يفقه المعاني، ولم يكن ملمًّا بقواعد اللهجات اليمانية القديمة، وقد حاولت العثور على ترجمة واحدة تشير إلى أنها ترجمة صحيحة لنصٍّ من نصوص المسند؛ فلم أتمكن من ذلك ويا للأسف.

стр. 107

وعلم "الهمداني" بجغرافية اليمن والعربية الجنوبية، يفوق كثيرًا علمه بتأريخ هذه الأرضين القديم؛ فقد خبّر أكثرها بنفسه وسافر فيها، فاكتسب علمه بالتجربة. أما علمه بجغرافية الأقسام الشمالية من جزيرة العرب، فإنه دوّن هذا العلم١. وأفادت "القصيدة الحميرية"، لصاحبها "نشوان بن سعيد الحميري" فائدة لا بأس بها في تدوين تأريخ اليمن٢. ولهذا المؤلف معجم سمّاه "شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم"٣، ضمنه ألفاظًا خاصة بعرب الجنوب٤. وينطبق ما قلته في الهمداني على نشوان أيضًا. فإذا قرأت كتبه، تشعر أنه لم يكن يفهم النصوص الحميرية ولا غيرها، وإن كان يحسن قراءة المسند. وما ذكره في كتابه "شمس العلوم" -وإن دل على حرص على جمع المعلومات، وعلى تتبع يحمد عليه للبحث عن تأريخ اليمن ولغاتها القديمة- يدل على أنه لم يكن يفهم نصوص المسند، وليس له علم بتأريخها وبتواريخ أصحابها، وأنه لا يمتاز بشيء عن الهمداني أو سائر علماء اليمن الذين كانوا يدعون العلم بأخبار الماضيين، وأكثر الذي ذكره في كتابه على أنه من اللهجات الحميرية والعربية الجنوبية هو من مفردات معجمات اللغة، ومن لهجات العربية الفصحى؛ خلا ذلك الذي كان يستعمله أهل اليمن، وهو قليل إذا قيس إلى سواه، وقد فسر معانيه على نحو ما كان يقصده الناس في أيامه. ومع هذا، فهذا النوع من الكلمات هو الذي نطمع فيه؛ لأنه من بقايا اللهجات البائدة، ويفيدنا فائدة عظيمة في فهم معاني النصوص وفي قراءتها وشرحها وتفسيرها، ولعلّه لم يكثر منها؛ لأنها كانت من كلام العوام فأشفق على نفسه من البحث في لغة العوام.

стр. 108

ولم يزد "نشوان" في شروحه لأسماء الأعيان والأجذام والقبائل والعمائر والأمكنة على ما أورده الهمداني أو سائر علماء التأريخ وأهل الأنساب، فعدّ أسماء القبائل مثل همدان، أسماء أشخاص لهم أنساب وأولاد وأقرباء، وأخطأ في الأغلاط نفسها التي وقع فيها الهمداني؛ فذكر جملًا مسجوعة على أنها من وصايا التبابعة، وعبارات متكلفة على أنها قراءات لنصوص حميرية مكتوبة بالمسند١. ومحمد بن نشوان بن سعيد الحميري نفسه هو ممن اعتمد على علم الهمداني، كما نصّ على ذلك في فاتحة الجزء الأول من الإكليل. فهذا الجزء الذي طبع حديثًا هو برواية محمد بن نشوان، رواه لمن سأله أن يوضح شيئًا من أنساب حمير وأخبارها وما حفظ من سيرها وآثارها، فما كان منه إلا أن أخذ الإكليل فكتب له، لم يغير فيه سوى ما قاله: "غير أني اختصرت شيئًا ذكره في النسب، ليس هو من جملته بمحتسب. بل هو مما ذكره من الاختلاف في التأريخ ونحوه، من غير أن أنسب الكدر إلى صفوه"٢. وفي مقدمته لهذا الجزء ثناء عاطر على الهمداني، وتقدير كبير لعلمه في أخبار اليمن. هذا هو كل ما أريد أن أقوله هنا عن مصادر التأريخ الجاهلي، وهو قليل من كثير، ولكن التوسع في هذا الموضوع يخرجنا حتمًا عن حدود بحثنا المرسوم، ويخرجنا إلى التحدث في شيء آخر لا علاقة له بالجاهلية، وإنما يعود إلى البحث في التأريخ، وفي نقده ودروبه عند المؤرخين. على أني أراني قد توسعت مع ذلك في هذا الباب، وذلك للحاجة التي رأيتها في ضرورة توضيح بعض الأمور الخاصة بتلك الموارد.

стр. 109

الفصل الثالث: إهمال التأريخ الجاهلي وإعادة تدوينه مدخل ... الفصل الثالث: إهمال التأريخ الجاهلي وإعادة تدوينه من الأمور التي تثير الأسف، تهاون المؤرخين في تدوين التأريخ الجاهلي، ولا سيما القسم القديم منه، الذي يبعد عن الإسلام قرنًا فأكثر، فإن هذا القسم منه ضعيف هزيل، لا يصح أن نسميه تأريخًا، بعيد في طبعه وفي مادته عن طبع التواريخ ومادتها. لقد وفق المؤرخون العرب في كتابة تأريخ الإسلام توفيقًا كبيرًا، من حيث العناية بجمع الروايات والأخبار واستقصائها، وفي رغبتهم في التمحيص. أما التأريخ الجاهلي، فلم يظهروا مقدرة في تدوينه، بل قصروا فيه تقصيرًا ظاهرًا. فاقتصر علمهم فيه على الأمور القريبة من الإسلام، على أنهم حتى في هذه الحقبة لم يجيدوا فيها إجادة كافية، ولم يُظهروا فيها براعة ومهارة، ولم يطرقوا كل الأبواب أو الموضوعات التي تخص الجاهلية. فتركوا لنا فجوات وثُغرًا لم نتمكن من سدّها وردمها حتى الآن ولا سيما في تأريخ جزيرة العرب؛ حيث نجد فراغًا واسعًا، وهو أمر يدعو إلى التساؤل عن الأسباب التي دعت إلى حدوثه: هل كان الإسلام قد تعمّد طمس أخبار الجاهلية؟ أو أن العرب عند ظهور الإسلام لم تكن لديهم كتب مدوّنة في تأريخهم ولا علم بأحوال أسلافهم، وكانت الأسباب قد تقطعت بينهم وبين من تقدمهم؛ فلم يكن لديهم ما يقولونه عن ماضيهم غير هذا الذي وعوه فتحدثوا به إلى الإسلاميين، فوجد سبيله إلى الكتب؟ أو أن العرب لم يكونوا يميلون إلى تدوين تواريخهم؛ فلم يكونوا مثل

стр. 110

الروم أو الفرس يجمعون أخبارهم وأخبار من تقدم منهم وسلف؛ فلما كان الإسلام، وجاء زمن التدوين، لم يجد أهل الأخبار أمامهم شيئًا غير هذا الذي رووه وذكروه، وكان من بقايا ما ترسب في ذاكرة المعمرين من أخبار. لقد عزا بعض الباحثين هذا التقصير إلى الإسلام، فزعم أن رغبة الإسلام كانت قد اتجهت إلى استئصال كل ما يمت إلى أيام الوثنية في الجزيرة العربية بصلة، مستدلًا بحديث: "الإسلام يهدم ما قبله"١؛ فدعا ذلك إلى تثبيط همم العلماء عن متابعة الدراسات المتصلة بالجاهلية، وإلى محو آثار كل شيء يتفرع عن النظام القديم، لم يميزوا بين ما يتعلق منه الوثنية والأنصاب والأصنام، وبين ما يتعلق بالحالة العامة كالثقافة والأدب والتأريخ، فعلوا ذلك كما فعل النصارى في أوروبة في أوائل القرن السادس للميلاد؛ فكان من نتائجه ذهاب أخبار الجاهلية، ونسيانها، وابتدأ التأريخ لدى المسلمين بعام الفيل٢. ولهذا "كان المؤرخون أو الأخباريون، الذين يترتب عليهم تدوين أخبار الماضي وحفظ مفاخره، من الذين ينظر إليهم شزرًا في المجتمع الإسلامي، وخاصة في العهد الإسلامي الأول. أما مؤرخو العرب العظام، فلم ينبغوا إلا بعد تلك الفترة، وحتى هؤلاء فإنهم صرفوا عنايتهم إلى التأريخ الإسلامي، ولم يدققوا فيما يخص الجاهلية، وبالإضافة إلى ما سبق، أصبح لكلمة مؤرخ "أخباري" معنى سيِّئ بل أصبحت صفة تفيد نوعًا من الازدراء. وقد ألصقت هذه الصفة بابن الكلبي، كما ألصقت بكل عالم تجرأ على البحث في تأريخ العرب قبل عام الفيل؛ لكن لم يهاجم أحد من المؤرخين بعنف كما هوجم ابن الكلبي. والراجح أن السبب في ذلك هو انصرافه لدراسة الأشياء التي قرر الإسلام طمسها، أعني بذلك الديانات والطقوس الوثنية في بلاد العرب"٣.

стр. 111

ثم سبب آخر، هو أن الإسلام ثورة على مجتمع قائم ثابت، وعلى مثل تمسك بها أهل الجاهلية، وعلى قوم كانوا قد تسطلوا وتحكموا وتجبروا بحكم العرف والعادات، وككل ثورة تقع وكما يقع حتى الآن، وسم الإسلام الجاهلية، بكل منقصة ومثلبة، وحاول طمس كل أثر لها وكل ما كان فيها، حتى ظهرت تلك الأيام على الصورة التي انتهت إلينا عن "الجاهلية" وكأن الناس فيها جهلة لم يكن عندهم شيء من علم في هذه الحياة يومئذ، وكأن عهدهم في هذا العالم لم يبدأ إلا ببدء الإسلام. وجاءوا بدليل آخر في إثبات أن الإسلام كان له دخل في طمس معالم تأريخ الجاهلية؛ إذ ذكروا أن الخليفة "عمر" سأل بعض الناس "أن يرووا بعض التجارب الجاهلية، أو ينشدوا بعض الأشعار الجاهلية؛ فكان جوابهم: لقد جب الله ذلك بالإسلام، فلِمَ الرجوع"١. فوجدوا في امتناعهم عن رواية الشعر الجاهلي أو أخبار الجاهلية، دلالة على كره الإسلام لرواية تأريخ الجاهلية وانتهاء ذلك إلى طمس معالم ذلك التأريخ. أما حديث "الإسلام يهدم ما قبله"؛ فهو حديث لا علاقة له البتة بتأريخ الجاهلية ولا بهدم الجاهلية، وقد استل من حديث طويل ورد في صحيح مسلم في "باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج"، وبعد "باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية"، وقد ورد جوابًا عن أسئلة الصحابة عن أعمال منافية للإسلام ارتكبوها في الجاهلية، هل يغفرها الله لهم، أو تكتب عليهم سيئات يحاسبون عليها؟ فقالوا: "يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ "٢. وقد ورد في صحيح مسلم بعد هذا الباب باب آخر بهذا المعنى، هو "باب بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده". ولإعطاء رأي صحيح عن هذا الحديث، أنقل إلى القارئ نصه كما جاء في صحيح مسلم قال: "حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة المهري، قال: حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياقة الموت يبكي طويلًا، وحول

стр. 112

وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشّرك رسول الله، ﷺ ، بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه، فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إني قد كنت على أطباق ثلاث، لقد رأيتني وما أحد أشد بغضًا لرسول الله، ﷺ ، مني، ولا أحب إليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو متّ على تلك الحال لكنت من أهل النار؛ فلما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي، ﷺ ، فقلت: أبسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه. قال: فقبضت يدي، قال مالك يا عمرو؟ قال: قلت أردت أن أشترط. قال: تشترط بماذا؟ قلت: أن يغفر لي. قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ وما كان أحد أحب إليّ من رسول الله، ﷺ ، ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له. ولو مت على تلك الحال؛ لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء ما أدري من حالي فيها، فإذا أنا متّ، فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني، فشنوا عليّ التراب شنًّا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وانظر ماذا أراجع به رسل ربي١. وبعد فأيّة علاقة إذن بين هذا الحديث وبين الحث على تهديم الجاهلية وإهمال التأريخ الجاهلي يا ترى؟ وأما اتخاذهم نهي بعض الصحابة عن رواية الشعر الجاهلي أو أخبار الأيام دليلًا على كره الإسلام لإحياء ذكرى الجاهلية ومحاولته طمس معالمها وتأريخها، وحكمهم من ثم عليه بمساهمته في طمس تأريخ الجاهلية وإطفائه له؛ فإنه دليل بارد ليس في محله، فإن الذين نهوا عن رواية الشعرالجاهلي أو رواية الأيام، أو امتنعوا هم أنفسهم عن روايتهما، لم ينهوا ولم يمتنعوا عن روايتهما مطلقًا، أي عن رواية جميع أنواع الشعر الجاهلي أو أخبار كل الأيام التي وقعت في الجاهلية، بل نهوا أو امتنعوا عن رواية بعض أبواب الشعر، وبعض أخبار تلك الأيام، لما كان يحدثه هذا النوع من الشعر أو يوقعه هذا الباب من رواية

стр. 113

الأخبار من شرّ في النفوس ومن فتن قد تجدد تلك العصبيات الخبيثة التي حاربها الإسلام، لتمزيقها الشمل، وتفريقها الصفوف. "ومن ثم نهى الفاروق، ﵁، الناس بديأ أن ينشدوا شيئًا من مناقضة الأنصار ومشركي قريش وقال: في ذلك شتم الحي بالميت، وتجديد الضغائن، وقد هدم الله أمر الجاهلية بما جاء من الإسلام، ومرّ عمر بحسان يومًا، وهو ينشد الشعر في مسجد رسول الله، فأخذ بأُذنه، وقال: أرغاء كرغاء البعير؟ فقال حسان: دعنا عنك يا عمر؛ فوالله لتعلم أني كنت أنشد في هذا المسجد مَنْ خير منك، فقال عمر: صدقت، وانطلق"١. ولم يأخذ عمر على حسّان رواية ذلك الشعر في مسجد رسول الله إلا لأنه كان من ذلك الشعر المثير للنفوس المهيج للعواطف، وإنشاده في نظره يعيد الناس إلى ما كانوا عليه من قتال قبل الإسلام. فللمصلحة العامة نهى بعض الصحابة عنه. ومع ذلك، تساهل عمر مع حسان، وتركه ينشد شعره، بعد أن حاجَّه حسان بما رأيت. وهناك رواية أخرى تشرح لنا الأسباب التي حملت عمر على النهي عن رواية بعض الشعر الجاهلي، وهي أنه "قدم المدينة، في خلافة الفاروق، عبد الله بن الزبعرى وضرار بن الخطاب -وكانا شاعري قريش في الشرك- فنزلا على أبي أحمد بن جحش، وقالا له: نحبّ أن ترسل إلى حسان بن ثابت حتى يأتيك فتنشده وينشدنا مما قلنا له وقال لنا؛ فأرسل إليه، فجاءه. فقال له: يا أبا الوليد: هذان أخواك ابن الزبعرى وضرار قد جاءا أن يسمعاك وتسمعهما ما قالوا لك وقلت لهما. فقال ابن الزبعرى وضرار: نعم يا أبا الوليد، إن شعرك كان يحتمل في الإسلام ولا يحتمل شعرنا، وقد أحببنا أن نسمعك وتسمعنا. فقال حسان: أفتبدآن، أم أبدأ؟ قالا: نبدأ نحن، قال: ابتدئا. فأنشداه حتى فار فصار كالمرجل غضبًا، ثم استويا على راحلتيهما يريدان مكة، فخرج حسان حتى دخل على عمر، فقص عليه قصتهما وقصته. فقال له عمر: لن يذهبا عنك بشيء إن شاء الله، وأرسل من يردّهما، وقال له عمر: لو لم تدركهما إلا بمكة، فارددهما عليّ ... فلما كان بالروحاء، قال ضرار لصاحبه:

стр. 114

يا ابن الزبعرى، أنا أعرف عمر وذبّه عن الإسلام وأهله، وأعرف حسان وقلة صبره على ما فعلنا به، وكأني به قد جاء وشكا إليه ما فعلنا؛ فأرسل في آثارنا، وقال لرسوله: إن لم تلحقهما إلا بمكة، فارددهما عليّ.. فأربح بنا ترك العناء، وأقم بنا مكاننا، فإن كان الذي ظننت فالرجوع من الروحاء أسهل منه من أبعد منها. وإن أخطأ ظني؛ فذلك الذي نحب. فقال ابن الزبعري: نعم ما رأيت. فأقاما بالروحاء، فما كان إلا كمرّ الطائر حتى وافاهما رسول عمر، فردّهما إليه. فدعا لهما بحسان وعمر في جماعة من أصحاب رسول الله. فقال لحسان: أنشدهما مما قلت لهما فأنشدهما، حتى فرغ مما قال لهما، فوقف. فقال له عمر: أفرغت؟ قال: نعم. فقال له: أنشداك في الخلا، وأنشدتهما في الملأ.. وقال لهما عمر: إن شئتما فأقيما، وإن شئتما فانصرفا. وقال لمن حضره: إني كنت نهيتكم أن تذكروا مما كان بين المسلمين والمشركين شيئا، دفاعًا للتضاغن عنكم وبث القبيح فيما بينكم؛ فأما إذ أبوا، فأكتبوه، واحتفظوا به. قال الراوي: فدونوا ذلك عندهم. قال: ولقد أدركته والله وإن الأنصار لتجدده عندها إذا خافت بلاده.."١. بل كان الرسول كما رأينا في خبر "حسان"، وكما ذكر في أخبار أخرى يجلس وأصحابه يتناشدون الأشعار، ويتذاكرون أشياء من أمور الجاهلية، وهو يسمع ويساهم معهم في الحديث، وينشدهم شيئًا مما حفظه٢. ولم ينهَ عن رواية شعرٍ ما إلا ما كان فيه فحش، أو إساءة أو إثارة فتنة. أما ما شابه ذلك، لما كان يحدثه ذلك الشعر من أثر سيِّئ في النفوس. لقد تمثل بشعر "أميّة بن أبي الصّلت" مع أنه كان من خصومه اللدّ"، وسمع الناس ينشدون شعره، ولم يكره منه إلا ما كان منه في تحريض قريش بعد وقعة "بدر" على المسلمين ورثائه من قتل منهم٣. وقد كان "أبو بكر"، وهو الخليفة الأول، من خفظة الشعر الجاهلي

стр. 115

الرّاوين له، المتشهدين به١. وكان "عمر" من العالمين بذلك الشعر الحافظين له البصيرين به٢. وكذلك كان شأن كثير من الصحابة. لم يذكر أحد أنهم تحرجوا من روايته وإنشاده، وأنهم تهيبوا منه؛ إلا ما ذكرته من إحجامهم عن رواية بعض منه، وهو قليل جدًّا، لأسباب ذكرتها، وقد رووه مع ذلك ودوّنوه. لقد حرم الإسلام أشياء من الجاهلية وأقرّ أشياء أخرى نصّ عليها في الكتاب والسنة٣، ولم يرد أنه حرم أقلام الجاهلية أو الشعر الجاهلي أو النثر الجاهلي أو أي أدب أو علم جاهلي، ولم يصل إلى علمنا أنه أمر بهدم المباني الجاهلية وطمس معالمها، حتى محجات الأصنام بقيت على حالها، خلا الأصنام والأوثان وما يتعلق بها من أمور مما كان من صميم الوثنية أو كانت له علاقة بإعادتها إلى الذهن مثل التصوير. ولم نسمع أنه أمر بإتلاف كتابات الجاهلية، أو أنه نهى عن قراءتها والاستفادة منها، أو أنه منع استعمال اللهجات الأخرى، التي كان يستعملها الجاهليون، أو أن علماء الإسلام منعوا رواية أخبار الجاهلية، بل الذي نسمعه ونراه أن "ابن عباس" كان يستشهد بالشعر الجاهلي في تفسير القرآن، وبقية الصحابة يروونه ويحفظونه، وأن خلفاء بني أمية كانوا يدفعون الهدايا والجوائز لمن يروي لهم الشعر الجاهلي، ونرى أنهم كانوا يقضون لياليهم برواية أخبار الجاهلية وحالتهم فيها، وما وقع لهم في تلك الأيام من نادر وطريف، وقد سجل ما بقي منه في الذهن في كتب الأخبار والأدب، يوم شرع الناس في التدوين. وأما أنهم كانوا ينظرون إلى "الأخباري" نطرة سيئة، فيها شيء من ازدراء وعدم التقدير، فما كان ذلك لروايته أخبار الجاهلية واشتغاله بجمع تأريخها والتحدث عنها، وما كانوا يريدون بلفظة "أخباري" راوي أخبار الجاهلية وحدها في أي يوم من أيام التأريخ الإسلامي؛ وإنما كان ذلك لإغراب الأخباريين في رواية الأخبار ومبالغتهم فيها مبالغة تجافي العقل، وسردهم الإسرائيليات والنصرانيات والشعبيات وغير ذلك من القصص المدونة في الكتب، وكذب بعضهم كذبًا يخالف

стр. 116

أبسط قواعد المنطق، وما رُمي "ابن الكلبي" بالكذب أو نظر إليه نظرة ازدراء لكونه من رواة أخبار الجاهلية؛ بل وثق في هذه الناحية وأخذ عنه دون ردّ أو اعتراض، كما يتبين ذلك من اعتماد العلماء عليه في هذا الباب وإشارتهم إليه؛ وإنما ضعف في أمور أخرى هي أمور إسلامية لا علاقة لها بالجاهلية ولا صلة لها بها البتة، مدوّنة في كتب التفسير والحديث. ولو كان الإسلام قد حثّ على طمس أخبار الجاهلية أو إطفاء ذكر الأصنام والأوثان، لما كان في وسع "ابن الكلبي" ولا غيره التحدث عنها والإشارة إليها، ولما أخذ العلماء عنه ورووا كتبه وتوارثوا كتاب "الأصنام"، بل القرآن نفسه حجّة في ردّ هذا الزعم؛ ففيه ذكر لرءوس أصنام العرب، وفيه مفصل حياة أهل الجاهلية ومثلهم ما كانوا يقومون به، ولو شرًّا وباطلًا، وروت كتب التفسير وكتب الحديث والسير والأخبار أوصاف بعض أصنام العرب وهيأتها وشكل محجاتها وأوقات الحج، كما ذكرت ما أقر الإسلام من أمور كانت قائمة في الجاهلية وما حرم منها، ولو كان الإسلام قد تعمد طمس الجاهلية والقضاء على معالمها؛ لتحرج القرآن وتحرج المسلمون من الإشارة إليها ومن إحياء أسمائها وبعثها في ذاكرة الناشئين في الإسلام. وقد تحدث "ابن النديم" في كتابه "الفهرست"، في المقالة الثالثة التي خصصها "في أخبار الأخباريين والنسّابين وأصحاب الأحداث"، عن "ابن الكلبي" وعن أبيه، كما تحدث عن غيره من مشاهير العلماء من أمثال "عوانة ابن الحكم" و "ابن إسحاق" صاحب السيرة، و "أبي مخنف" و "الواقدي" و "الهيثم بن عدي" و "أبي البختري" و "المدائني" و "محمد بن حبيب" وغيرهم ممن ألف في أمور وقعت قبل الإسلام في أمور وأحداث إسلامية محضة، وقد ضعف بعضهم، مع أنهم لم يؤلفوا في أمور تخص الجاهلية ولا في أحداث وقعت قبل عام الفيل أو قبل الإسلام، وأطلقت عليهم لفظة "أخباري" أو "وكان أخباريًّا"؛ مع أنهم لم يكتبوا إلا في أخبار قريبة من الإسلام أو في أحداث إسلامية بحتة، فلفظة "أخباري" إذن لم تكن قد عُلمت بالشخص الذي تخصص برواية أخبار الجاهلية الواقعة قبل عام الفيل فقط، بل قصد بها هؤلاء وكل من اشتغل برواية الأخبار مهما كانت صفتها وعادتها وطبيعتها، روى تاريخ ما قبل الفيل أو ما بعد الفيل إلى الإسلام، أو أخبار الإسلام.

стр. 117

والأخباري في عرف ذلك اليوم وقبل أن ينتشر التأليف وتتصنف المعارف، هو من يروي الأخبار، تمييزًا له عن الآخرين الذين اشتغلوا بالنسب؛ فعُرف أحدهم بـ "النسابة"، وقيل عن أحدهم "أحد النسابين" أو "وكان ناسبًا"١. أو بالتفسير أو برواية الشعر وما شاكل ذلك من معارف؛ فهو مؤرخ ذلك الزمن إذن، ولهذا نرى لفظة "أخبار" بمعنى تأريخ، ورد في "الفهرست" في أثناء الحديث عن عبيد بن شَرْيَة الجرهمي ومعاوية: فسأله "أي معاوية عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم"٢، وورد عن "ابن دأب" وكان "عالمًا بأخبار العرب وأشعارها"٣ وذكر عن "عوانة بن الحكم" أنه كان "راوية للأخبار عالمًا بالشعر والنسب"٤. وورد عن "أبي اليقظان النسابة" أنه كان "عالمًا بالأخبار والأنساب والمآثر والمثالب"٥. وورد مثل ذلك عن أشخاص آخرين هم في أوائل من اشتغل بالتأريخ عند المسلمين، يخرجنا ذكرهم هنا عن حدود هذا الموضوع٦. ويظهر من دراسة "الفهرست" لابن النديم والمؤلفات الأخرى أن العرب في صدر الإسلام لم يكونوا يطلقون لفظة "المؤرخ" على من يشتغل بالتأريخ؛ ذلك لأن التأريخ نفسه في ذلك العهد لم يكن قد تطور وبلغ الشكل الذي بلغه في أواخر أيام الأمويين وفي الدولة العباسية؛ بل كانوا يطلقون على المؤرخ "الأخباري" كما ذكرت، لاشتغاله بالأخبار كائنة ما كانت أخبار ما قبل الإسلام أو أخبار الإسلام، وكانوا يطلقون على الموضوع نفسه "الأخبار"؛ ولهذا نرى أن أكثرية المشتغلين بها، أطلقوا على كتبهم: "الأخبار المتقدمة" و"أخبار الماضين" و "أخبار النبي"و "أخبار العرب" و "كتّاب السير في الأخبار والأحداث" وأمثال ذلك، ولم يقولوا: "تأريخ المتقدمة" أو "تأريخ الماضين" أو "تأريخ العرب" أو "تأريخ الرسول"، ويستعملون لفظة "سيرة" و "السير" في سير الأشخاص، ولا سيما "سيرة الرسول". وأما لفظة "تأريخ"؛ فقد

стр. 118

استعملت في عنونة بعض الكتب المؤلفة في التأريخ؛ فقد كان ل "عوانة بن الحكم" المتوفى سنة "١٤٧هـ" كتاب اسمه "كتاب التأريخ" كما كان له كتاب اسمه "كتاب سيرة معاوية وبني أمية"١. وكان للهيثم بن عدي المتوفى سنة "٢٠٧هـ" كتاب يدعى "كتاب تأريخ العجم وبني أمية" و "كتاب تأريخ الأشراف"، و "كتاب التأريخ على السنين"٢، وكان للمدائني المتوفى سنة "٢٢٥" للهجرة كتاب عنوانه: "تأريخ أعمار الخلفاء" وآخر اسمه "كتاب تأريخ الخلفاء" وثالث اسمه "أخبار الخلفاء الكبير"٣، لا أستبعد أن يكون هو هذا الكتاب. إلا أن هذا الإطلاق لم يكن واسعًا كثير الاستعمال، وفي استطاعتنا ذكر هذه الكتب وعدّها، وما دامت الحال على هذا المنوال؛ فليس من المعقول إطلاق لفظة "مؤرخ" و "المؤرخ" و "تأريخ" بصورة واسعة في هذا العهد، وفي جملة العهد الذي عاش فيه "ابن الكلبي"، ما دام العرف فيه إطلاق لفظة "أخبار" بمعنى "تأريخ"؛ وإنما طغت لفظة "تأريخ" و "مؤرخ" في الأيام التي تلت هذا العهد، ولا سيما أواخر القرن الثالث للهجرة فما بعده. هذا من حيث استعمال لفظة "أخباري". وأما من حيث إهمال التأريخ الجاهلي وصلة الإسلام به؛ فقد ذكرت أنه لا علاقة للحديث المذكور بهدم الجاهلية أو بإهمال تأريخها؛ وإنما الإهمال هو إهمال قديم، يعود إلى زمان طويل قبل الإسلام، فعادة قلع المباني القديمة لاستخدام أنقاضها في مبانٍ جديدة، والاعتداء على الأطلال والآثار والقبور بحثا عن الذهب والأحجار الكريمة والأشياء النفيسة الأخرى، هي عادة قديمة جدًا، ربما رافقت الإنسان منذ يوم وجوده. وهي عادة لا تزال معروفة في كثير من بلدان الشرق الأوسط حتى اليوم، بالرغم من وجود قوانين تحرم هذا الاعتداء وتمنع هذا التطاول. وقد كان من نتائجها تلف كثير من الآثار، وذهاب معالمها، فصارت نسيًا منسيًّا. فتكبدت الآثار الجاهلية من أهل الجاهلية، أي في الأيام السابقة للإسلام مثل ما تكبدته وتتكبده الآثار الجاهلية والإسلامية معًا في أيام الإسلاميين حتى اليوم٤.

стр. 119

وأما موضوع إهمال الآثار وعدم توجيه عناية الحكومات نحوها؛ لرعايتها وللمحافظة عليها من التعرض للسقوط والتلف والأضرار ونحو ذلك؛ فإنه موضوع لم يدرك الناس أهميته إلّا أخيرًا، ولم تشعر الحكومات بأنه واجب مهم من واجباتها إلّا حديثًا، ولذلك لا نستطيع أن نوجّه اللّوم إلى القدامى لإهمالهم الآثار ولعدم اعتنائهم بالمحافظة عليها. وكان من آثار هذا الجهل بأهمية الآثار أن أُزيلت معالم أبنية وقصور، وحطمت تماثيل وكتابات، لغرض استعمالها في البناء، وقد كان على مقربة من "سدوس"، أبنية قديمة يظن أنها من آثار حمير وأبنية التبابعة، وأن من جملتها شاخص كالمنارة، وعليها كتابات كثيرة منحوتة في الحجر ومنقوشة في جدرانها، فهدمها أهل سدوس؛ لاختلاف بعض السياح من الإفرنج إليها ملاحظة التدخل معهم١. ومثل ذلك حدث في اليمن وفي مواضع أخرى من أمكنة الآثار. وقد هدمت قرى ومدن في الجاهلية وفي الإسلام من أجل استعمال أنقاضها في بناء أبنية جديدة. ذكر "الهمداني" حصن "ذي مرمر"، وهو من المواضع الجاهلية المهمة، وكذلك "شبام سخيم" "يسخم"، وبقيا معروفين زمنًا طويلًا بعده، ثم جاء أحد الأتراك واسمه "حسن باشا" فهدم حصن "ذي مرمر" لينشئ في أسفله مدينة جديدة، أخذ معظم مواد بنائها من "شبام سخيم"٢. وذكر أن حكومة اليمن قامت بعد سنة "١٩٤٥م" ببناء ثكنة لجنودها في المنطقة الشرقية من اليمن في "مأرب" على نمط الثكنة التي بناها الأتراك في صنعاء، فهدموا أبنية جاهلية كانت لا تزال ظاهرة قائمة، واستعملوا الحجارة الضخمة التي كانت مترامية على سطح الأرض، وأزالوا بعض الجدر والأسوار وحيطان البيوت عند بناء تلك الثكنة، فطمسوا بذلك بعض معالم تأريخ اليمن القديم٣، وأساءوا بجهلهم هذا إلى قيم الآثار إساءة لا تقدر في نظر عشاق التأريخ والباحثين في تأريخ العرب قبل الإسلام. ويضاف إلى ما تقدم عامل آخر، هَدَمَ الآثار وقضى عليها بالجملة،

стр. 120

وأعني به الحروب. وسوف نرى حروبًا متوالية اكتسحت جميع مناطق العربية الجنوبية، وأتت على مدنها؛ إذ استعمل القادة سياسة حرق المدن والمواقع والمزارع، وقتل السكان بالجملة فأدى ذلك إلى اندثار الآثار وتشريد الناس وهربهم إلى البوادي وتحول الأرضين الخصبة إلى أرضين جُرد، حتى ضاعت بذلك معالم الحضارة القديمة، فخسرنا من جرّاء ذلك علمًا كثيرًا، وا أسفاه. وهناك تقصير آخر لا يمكن أن ينسب إلى الإسلاميين، بل يجب عزوه إلى الجاهليين فالظاهر من رجوع الصحابة إلى ذاكرتهم وإلى ذاكرة الشَّيَبة الذي أدركوا الجاهلية في تذكر أيامها وما كانوا عليه قبل الإسلام، ومن جلب "معاوية بن أبي سفيان" المولع بسماع الأخبار لـ "عبيد بن شَرْيَة" ليقص عليه "الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وسبب تبليل الألسنة، وأمر افتراق الناس في البلاد"١، ومن رجوع أهل الأخبار إلى الأعراب لأخذ أخبار قبائلهم وأيامهم وأنسابهم وشعرهم وغير ذلك، أن غالبية أهل الجاهلية لم تكن لهم كتب مدونة في تأريخهم، ولم تكن عندهم عادة تدوين الحوادث وتسجيل ما يقع لهم في كتب وسجلات؛ بل كانوا يتذاكرون أيامهم وأحداثهم وما يقع لهم، ويحفظون المهم من أمورهم مثل الشعر حفظًا. ولما كانت الذاكرة محدودة الطاقة، لا تستطيع أن تحمل كل ما تحمل، ضاع الكثير من الأخبار، بتباعد الزمن، وبوفاة شهود الحوادث، ولم يبقَ بتوالي الأيام غير القليل منها. ومن هنا كان تعليل علماء العربية ضياع أكثر الشعر الجاهلي؛ فقالوا: "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه؛ فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته؛ فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح واطمأن العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يئلوا إلى ديوان مدوّن، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عنهم كثير"٢. وإذا كان هذا ما وقع للشعر مع مكانته عندهم وسهولة بقائه في الذاكرة بالقياس إلى النثر، وتعصب القبائل لشعر شعرائها؛ فهل في استطاعتنا استثناء الأخبار من هذا الذي يحدث للشعر؟

стр. 121

بل ما لنا وللجاهلية، ولنراجع تأريخ الإسلام نفسه، خذ تأريخ آباء الرسول وطفولة الرسول إلى يوم مبعثه؛ بل حتى بعد مبعثه، ثم خذ سير الصحابة وما وقع في صدر الإسلام من أحداث، ترَى أن ما ورد من سيرة آباء الرسول وسيرة الرسول إلى الهجرة، مقتضبًا بعض الاقتضاب، وأن ما ذكر هو من الأمور التي تحفظها الذاكرة عادة، وما فيما عدا ذلك مما وقع للرسول؛ فغير موجود، وترى اقتضابًا مخلًا في سيرة الصحابة، واضطرابًا في تواريخ الحوادث، واختلافًا بين الصحابة في ذلك. أما سبب ذلك فهو عدم تعود الناس إذ ذاك تسجيل أخبار الحوادث وما يقع لهم، وعدم وجود مسجلين مع السريا والغزوات والفتوح يكون واجبهم تسجيل أخبارهم وتدوين وقائعها، حتى ما سجل من أمر ديوان الجند والأنساب وأمثال ذلك، لم يكن في نسخ عديدة؛ فضاع أكثره، ولم يصل إلى الأخباريين لذلك يوم شرعوا في التدوين. وإذا كان هذا حال أخبار الإسلام، وهي أمور على جانب خطير من الأهمية بالقياس إلى المسلمين، فهل يعقل بقاء أخبار الجاهلية كاملة إلى زمن شروع الناس في التدوين في الإسلام، وقد ضاعت قبل الإسلام بزمان؟ لقد قلت فيما سلف إن الهَمْداني وغيره ممن عنوا بأخبار اليمن، لم يعرفوا من تأريخ اليمن القديم إلّا القليل، ولم يعرفوا من أخبار دول اليمن القديمة شيئًا، ولم يحفظوا من أسماء ملوكها إلا بعض الأسماء، وقد حرف حتى هذا البعض، أما معارفهم من معبودات أهل اليمن القديمة، فصفر؛ فلسنا نجد في كتبهم إشارة ما إلى عبادة "عشتر" ولا إلى عبادة "أنبى" و "ذات صنتم" و "نكرح" و "سين" و "حوكم" "حكم" و "هوبس" ولا إلى بقية المعبودات. نعم، أشار "الهمداني" إلى اسم إله من آلهة "همدان" هوم "تالب"، وكانت محجته في "ريم" "ريام"، يقصدها الناس في ذلك الزمن للزيارة والتبرك؛ ولكنه لم يعرف أنه كان إلهًا، بل ظن أنه ملك من ملوك همدان، فدعاه باسم "تالب"، وزعم أنه ابن "شهوان"١. وجعل "المقه"، وهو إله سبأ العظيم، المقدم عندهم على جميع الأصنام، اسم بناء من أبنية جنّ سليمان. وقد بُني على ما

стр. 122

زعمه بأمر سليمان١. وتحدث عن "رئام" فقال: "أما رئام، فإنه بيت كان متنسك، تنسك عنده ويحج إليه. وهو في رأس جبل أقوى من بلد همدان"، ونسبة إلى "رئام بن نهفان بن تبع بن زيد بن عمرو بن همدان"٢. وقد ذكره "ابن إسحاق" و "ابن الكلبي" و "السهيلي" و "ياقوت الحموي" وغيرهم أيضًا٣ وفي كل الذي ذكروه دلالة على أن ما رووه لم يكن عن مصدر مدوّن؛ وإنما هو رويّ عن أفواه الرجال. وأن تلك الأفواه قد نسيت كثيرًا من الأصل، فحاولت سدّ الثُغر بالقصص المذكور. بل خذ ما ذكره رجال هم أقدم من "ابن الكلبي" ومن "الهمداني" في الزمان، وألصق منهما عهدًا بالجاهلية مثل "ابن عباس" و "عبيد بن شَرْيَة" وغيرهما، ترَى أن ما ذكراه عنها لا يدل على أنهما أخذا أخبارهما من مورد مكتوب ومن كتب كانت موجودة، ولا أعتقد أن "معاوية بن أبي سفيان"، وهو نفسه، من أدرك الجاهلية، كانت به حاجة إلى "عبيد" وأمثال "عبيد" من قوّال الأساطير، وإلى الاستماع إلى أخبارهم، لو كان عنده شيء مدوّن عن أمر الجاهلية، ثم إنه لو كانت عند "ابن عباس" و "عبيد" وطلاب الشعر الجاهلي والأخبار مدوّنات، لما لجأوا إلى الذاكرة وإلى الرواة والأعراب يلتمسون منهم الأخبار والأشعار وأمور القبائل! إن جهل أهل الأخبار بأصنام أهل اليمن القديمة التي ترد أسماؤهم في كتابات المسند، وذكرهم أسماء أصنام جديدة زعموا أنها كانت معبودة عند أهل اليمن لم يرد لها ذكر في كتابات المسند، أشار "ابن الكلبي" وغيره إلى بعضها، وإشاراتهم إلى دخول اليهودية والنصرانية إلى اليمن، وإلى تهود "تبّع" وهو في "يثرب" في طريقه إلى اليمن، وأخذه حبرين من أحبار يهود معه، وأمره بتهديم معبد "رئام"، بناء على إشارة الحبرين٤، ثم ظهو جمل وألفاظ في كتابات المسند تدل على التوحيد وعلى وقوع تغيّر وتطور في ديانات أهل اليمن، مثل عبادة "الرحمن" وعبادة "ذو سموي"، أي "ذو السماء" أو "صاحب

стр. 123

السماء"١: إن كل هذه الأمور وأمثالها، هي دلائل على حدوث تغير وتطور في عقليات أهل اليمن، أثرت في معتقداتهم فجعلتهم ينسون آلهتهم القديمة، بل يتنكرون لها، ويبتعدون بذلك عن ثقافتهم الوثنية القديمة، ومثل هذا التطور والتغير لا بد أن يؤدي طبعًا إلى نسيان الماضي وإلى الالتهاء عنه بالتطور الجديد، وقد وقع هذا قبل الإسلام بزمان. كان لدخول اليهودية والنصرانية في اليمن وفي أنحاء أخرى من جزيرة العرب، دخلٌ من غير شك في إعراض القوم عن ديانتهم الوثنية وعن ثقافتهم وآدابهم. أما اليهود فقد سعوا بعد دخولهم في اليمن لتهويد ملوك اليمن وأقيالها ونشر اليهودية فيها للهيمنة على هذه الأرضين، وأخذوا ينشرون قواعد دينهم وأمور شريعتهم بينهم، ويذيعون قصص التوراة، وأعاجيب سليمان وجنّ سليمان، وتمكنوا من إقناع بعض حكّام اليمن بالتهود، على نحو ما سنراه فيما بعد. ووجدت النصرانية سبيلها إلى اليمن كذلك من البحر والبر، وسعت كاليهودية لتثبيت أقدامها هناك وفي سائر أنحاء جزيرة العرب، ووجدت من سمع دعوتها هنا وهناك؛ فتنصرت قبائل وشايعتها بعض المقاطعات والمدن، وتعرضت الوثنية للنقد من رجال الديانتين، واقتبس من دخل في اليهودية الثقافة اليهودية، ومن دخل في النصرانية الثقافة النصرانية، وأعرض عن ثقافته القديمة، وفي جملتها الخط المسند، خط الوثنية والوثنيين، وصار عدد قرّائه يتضاءل بمرور الأيام. ومن يدري؟ فلعلّ رجال الدين الجدد، صاروا يعلّمون الناس الكتابة بقلمهم الذي كانوا يكتبون به، وهو قلم أسهل في الكتابة من المسند، وخاصة على الورق والجلود والقراطيس. وقد يكون هذا سببًا من جملة أسباب تضاؤل عدد الكتابات المدونة في المسند، في حقبة سأتحدث عنها فيما بعد. وآية ذلك عثور المنقبين والسياح في مواضع من نجد وفي العروض، وهي مواضع بعيدة عن اليمن، على كتابات سبئية يعود تأريخ بعضها إلى ما قبل الميلاد وتأريخ بعضها إلى ما بعده٢، ثم اختفاء آثار كتابات المسند من هذه

стр. 124

المواضع في العهود المتأخرة من الجاهلية القريبة من الإسلام؛ مما يبعث على الظن أن أهل الجزيرة كانوا قد استبدلوا بذلك القلم قبيل الإسلام قلمًا جديدًا مشتقًا من الأقلام الإرمية الشمالية، وذلك بانتشاره بينهم على أيدي المبشرين وبالاتجار مع عرب العراق، ولا سيما سكان الحيرة والأنبار، وهو القلم الذي كان يكتب به أهل مكة وأهل يثرب عند ظهور الإسلام. وبذلك شارك هذا القلم الجديد في موت القلم المسند واختفائه من هذه المواضع، وبموته انقطعت صلات القوم بالثقافة العربية الجنوبية، ثقافة القلم المسند. ولا أستبعد أن يكون من بين رجال الدين من الديانتين أناس كانوا على قدر العلم والفهم بأمور التوراة والإنجيل وبالقصص الإسرائيلي والنصراني وعلى شيء من الإلمام بالتأريخ؛ فقد كان من بينهم أناس هم من أصل رومي أو سرياني أو عبراني؛ فليس من المستبعد أن يكون لهم حظ من العلم بالأمور المذكورة أخذوه من كتبهم المكتوبة بلغاتهم ومن دراساتهم لأمور الدين. ومثل هؤلاء لا بد أن يستشهدوا في مواعظهم في "مدراثهم" أو "كنائسهم" في الأماكن التي نزلوا بها من جزيرة العرب، بشيء من قصص التوراة والكتب اليهودية والأناجيل، ودليل ذلك أن معظم القصص الواردة عن الرسل والأنبياء وعن انتشار اليهودية والنصرانية في جزيرة العرب، مصدره أناس من أهل الكتاب، هم من أهل يثرب، أي من يهود المدينة، ومن أهل اليمن، وهو قصص على دلالته على جهل فاضح بأمور اليهودية أو النصرانية، يدل عمومًا على أنه أخذ من أصل يرجع إلى أهل الكتاب، وقد غُطّي بقصص وأساطير ساذجة. وهو على بساطته وسذاجته يصلح إن صحت نسبته إلى من نسب إليهم، أن يكون موضوعًا لدراسة مهمة، هي دراسة مقدار علم يهود جزيرة العرب ونصاراها في الجاهلية بأمور دينهم ومقدار جهلهم بأحكام اليهودية أو النصرانية في تلك الأرضين. ونحن لا نجد في بقية جزيرة العرب تدوينًا للتأريخ، لعدم وجود حكومات منظمة كبيرة فيها، ولسيادة النظام القبلي في أكثر أنحائها؛ وإنما نجد فيها رواة يروون أخبار قبيلتهم وأمورها وعلاقتها بالقبائل الأخرى، وحوادثها وأيامها، ورواة تخصّصوا برواية الأنساب، لما للنسب من أهمية في المجتمع القبلي، ونجد جماعات تحفظ الشعر وما شاكل ذلك من أمور تخص القبيلة والنظام القبلي، وكل ذلك رواية، أي مشافهة، لا كتابة. ومثل هذا النوع من التوريخ الشفوي

стр. 125

معرض كما قلت سابقًا لآفات عديدة، أهمها تحكم العواطف القبلية على الرواة وتعرض الخبر للنسيان كلما تقدم العهد به في الذاكرة، وكلما ابتعد به الزمن؛ إذ تقل حماسة الناس له، ويضعف تأثيره في العواطف، وتفتر عندئذ همم الرواة عن حفظه وبذلك يتعرض للموت والاندثار، ومن هنا اندثرت وضاعت أخبار الجاهلية البعيدة عن الإسلام. أما الجاهلية القريبة من الإسلام؛ فقد بقي منها ما يشبه ذكريات الطفولة، خلا الأمور التي عاصرت ظهوره، فقد أدركها الصحابة؛ فكان في إمكانهم تذكرها وروايتها، وانتقلت منهم إلى من جاء بعدهم حتى وصلت إلى المدونين. ما ذكرته هو أهم أسباب إهمال التأريخ الجاهلي، فجاء ذلك التأريخ لذلك ناقصًا فجًّا على نحو ما نقرؤه في المؤلفات العربية القديمة. أما تدوينه مجدّدًا، وإعادة كتابته وتنظيمه وتنسيقه وسدّ الفجوات الواسعة فيه؛ فقد تم على هذا النحو:

стр. 126

تدوين التأريخ الجاهلي: للمستشرقين مجهود يقدر في تدوين التأريخ الجاهلي وفي كتابته بأسلوب حديث، يعتمد على المقابلات والمطابقات ونقد الروايات والاستفادة من الموارد العربية والأعجمية. وقد أفادوا مما جاء عن العرب في التوراة وفي التلمود وفي الكتب اليهودية، كما أفادوا مما جاء عن جزيرة العرب وسكانها في الكتابات الأشورية والبابلية ومن الموارد "الكلاسيكية" والمؤلفات النصرانية سريانية ويونانية ولاتينية؛ فأضافوا كل ما تمكّنوا الحصول عليه في هذا الباب إلى ما ورد في الموارد الإسلامية عن الجاهليين، فصحّحوا وقوّموا، وسدّوا بهذه المواد بعض الثلم في التأريخ الجاهلي. وعملهم في بعث الكتابات الجاهلية ونشرها، مشكور مقدر؛ فقد أعادوا إلى الخط الذي كتبت به الحياة، وجعلوه مقروءًا معروفًا، وترجموا كثيرًا من هذه النصوص إلى لغاتهم، وهي وثائق من الدرجة الأولى، وعملوا على نشر النصوص بالمسند وبالحروف اللاتينية أو العبرانية أو العربية في بعض الأحيان، وعلى استخلاص ما جاء فيها من أمور متنوعة عن التأريخ العربي قبل الإسلام.

стр. 127

وقد أمكننا بفضل هذا المجهود المضني الحصول على أخبار دول وأقوام عربية لم يرد لها ذكر في الموارد الإسلامية؛ لأن أخبار تلك الدول وأولئك الأقوام كانت قد انقطعت وطمست قبل الإسلام؛ فلم تبلغ أهل الأخبار. وقد ساعدهم في شرح الكتابات الجاهلية وتفسيرها علمهم بلغات عديدة، مثل اللغة العبرانية والسريانية والبابلية، فإن في هذه اللغات ألفاظًا ترد في تلك الكتابات بحكم تقاربها واشتراكها في هذه الثقافة المتقاربة التي نسميها "الرابطة السامية"، كما أن فيها أفكارًا وآراء ترد عند المتكلمين بهذه اللغات، ولهذا صار في الإمكان فهم ما ورد في الكتابات الجاهلية بالاستعانة بتلك الأفكار والآراء. وقد كان للسياح الذين جابوا مواضع متعددة من جزيرة العرب، ولا سيما المنطقة الغربية والجنوبية منها، فضل كبير في بعث الحياة في الكتابات الجاهلية. فقد أخذ أولئك السياح بعض كتابات، كما أخذوا صور بعض آخر، ويفضل تعاونهم مع العلماء المبحرين باللغات الشرقية أمكن حلّ رموزها وبعث الحياة فيها بعد موت طويل. وقد كان أسفار أولئك السياح مغامرات ومجازفات؛ إذ تعرضت حياة أكثرهم للخطر، بسبب عدم استقرار الأمن إذ ذاك، وبسبب سوء الأوضاع الصحية، ولعدم وجود أماكن مريحة تناسب حياتهم التي تعوّدوها؛ إلا أنهم لم يبالوا ذلك ولم يحفلوا به، وتحايلوا بمختلف الحيل للتغلب على تلك الصعوبات ولكسب ودّ رؤساء القبائل والحكّام لتسهيل مهمتهم. وقد قضى نفر منهم نحبه في أسفاره هذه. وقد كانت أكثر أسفار هؤلاء الروّاد أسفارا فردية قام بها أفراد من العلماء ومن الضباط والمغامرين. والأسفار الفردية، مهما كانت، لا تأتي بالنتائج التي تنجم عن دراسات البعثات المتخصصة بمختلف الشئون؛ لذلك نتطلع إلى اليوم الذي تتمكن فيه البعثات العلمية الكبيرة من اختراق آفاق بلاد العرب، وتقديم نتائج بحوثها إلى العلماء لتدوين تأريخ مرتب لجزيرة العرب قبل الإسلام، ولا سيما إلى البعثات العلمية العصرية التي تتألف من متخصصين من الناطقين بلغة هذه البلاد؛ لأن هؤلاء أقدر من غيرهم على فهم اللهجات القديمة ومحتوياتها وروح ذلك التأريخ. ونستطيع أن نعدّ السائح الدانماركي"كارستن نيبور" carsten niebuhr الذي

стр. 128

قام في سنة ١٧٦١ للميلاد برحلة إلى جزيرة العرب، أوّل رائد من روّاد الغرب ظهر في القرون الحديثة، وصف بلاد العرب، ولفت أنظار العلماء إلى المسند والرقم العربية١. وقد أثارت رحلته هذه همم العلماء والسياح؛ فرحل من بعده عدد منهم لا يتسع المقام لذكرهم جميعًا رحلات إلى مختلف أنحاء جزيرة العرب عادت على التأريخ العربي بفوائد جزيلة. فزار الدكتور "سيتزن" dr. seetzen جنوبي بلاد العرب، وتمكن من نقش صور نصوص عربية جنوبية أرسلها إلى أوروبة عام ١٨١٠م وهذه النصوص على قصرها وغلطها، أفادت في تدوين تأريخ العرب قبل الإسلام إفادة غير مباشرة؛ لأنها لفتت أنظار المستشرقين إليها وإلى دراسة التأريخ العربي القديم، حتى آل الأمر إلى حل رموز تلك الكتابة ومعرفة حروفها٢. وتمكن الرّحّالة السويسري "ليدويك بركهارد" johann Ludwig burckhard من القيام برحلة إلى الحجاز، فتزيا بزي مسلم اسمه "إبراهيم بن عبد الله" يريد الحج وزيارة مسجد الرسول وقبره. وقد صحب الحجاج في حجهم، ووصف موسم الحج وصفًا دقيقًا، وكتب عن مكة والمدينة كتابة علميّة. وقد زار آثار الأنباط وعاصمتهم "البتراء"٣.

стр. 129

وتمكن ضابط إنكليزي يُدعى james r. wellsted من زيارة الأنحاء الجنوبية من جزيرة العرب، ومن الظفر بصورة نصوص عربية قديمة قصيرة، ومن استنساخ كتابة حصن "غراب" التي يرجع تأريخها إلى سنة "٦٤٠" من تأريخ أهل اليمن، وتوافق سنة ٥٢٥ للميلاد. وبفضل هذا الضابط عرف المستشرقون هذا النص١. وأضاف الرّحّالة "هوتن" t. g. hutton عددًا آخر من الكتابات الجاهلية سنة ١٨٣٥ إلى ما كان قد عرف سابقًا. وجاء "كروتندن" cruthenden سنة ١٨٣٨م بنقوش أخرى جديدة. وكذلك "الدكتور مكل" dr. mackell الذي عاد بخمسة نصوص سبئية؛ فتوسعت بذلك دوائر البحث قليلًا، وتمكن العلماء بفضل هذه النقوش من حلّ رموز المسند٢. وقد قام الصيدلي الفرنسي "توماس يوسف أرنو" "Thomas joseph arnaud" برحلة إلى اليمن، كانت موفقة جدًّا؛ إذ تمكن بفضل علمه بالعقاقير، من اكتساب صداقة المشايخ والزعماء. وبهذه الصداقة استطاع أن يتجول في بعض أنحاء اليمن ومدنها، ولم يكن ذلك أمرًا ميسورًا للغرباء، فزار الجوف ووقف على خرائب "مأرب"، ومكث في مدينة "صنعاء" أمدًا، وزار "صرواح" المدينة الأثرية القديمة، واستنسخ ستة وخمسين نصًّا كتابيًّا قديمًا٣. وكتب التوفيق لسائح أوروبي آخر، هو الضابط الإنكليزي "coghlan" فحصل في سنة ١٨٦٠م على عشرين لوحًا برنزيًا سليما عثر عليها في أنقاض مدينة "عمران"٤. وقد أرشدت هذه الألواح المعدنية المستشرقين إلى ناحية مهمة

стр. 130

من نواحي الفن العربي القديم١. وتواصل العلماء، بعد جهود، إلى حلّ رموز هذه الكتابة العربية، فعرفوا منها -وكان أغلبها قصيرًا- إنها تبحث في موضوعات متشابهة، وإنها مؤلفة من حروف أطلقوا عليها اسم "الكتابة الحميرية" أو "الحروف الحميرية". وكان الرأي السائد بادئ بدء أنها كذلك، حتى تبيّن لهم أن هذه النصوص والنصوص التي جيئ بها أخيرًا لم تكن جميعها نصوصًا حميرية؛ بل كان بعضها من النصوص المعينية، وبعضها كتابات سبئية ترجع إلى عهد دولة سبأ، وبعضها بلهجات أخرى، تختلف عن الحميرية بعض الاختلاف. وهذه الكتابة، هي الكتابة المسماة بـ "خط المسند" وبـ "القلم المسند: وبـ "المسند" في الموارد العربية. عالج بعض العلماء ممن أولعوا بدراسة النقوش، تلك النصوص، وأعملوا رأيهم فيها حتى تمكّن بعضهم من التوصل إلى حل رموز بعضها، مثل العالم "وليم كسنيوس" "wilhelm gisenuis" والعالم "رودكر" "e. rodiger" والعالم "هاينرش إيوالد" "heinrich ewald" والعالم "فريسنل" "f. fresnel" الذي نشر النصوص التي جاء بها، وعددها ستة وخمسون نصًّا بحروف عربية وحميرية، في الجريدة الآسيوية "journal asiatique" سنة ١٨٤٥م إلا أن نشره لم يكن متقنًا إتقانًا تامًا. وجاء القسيس "أرنست أوسيندر" "ernest osiander"؛ فأتم ما كان قد بدئ به٢. ولم يتمكن العلماء الذين عالجوا مشكلة الكتابة العربية الجنوبية من معرفة الحروف كلها؛ ولذلك لم يستطيعوا قراءة أكثر النصوص التي جئ بها إلى أوروبة وفهم معناها، كما أن النصوص المقروءة لم تكن مضبوطة ضبطًا تامًا؛ فاستطاع هذا العالم بجهوده العظيمة قراءة كل النصوص التي جاء بها السياح والعلماء، وتعيين أشكال الحروف، ووضع أسس متينة لدراسة عرفت بعد ذلك باسم "الدراسة العربية الجنوبية" وقد استعان العلماء على فهم هذه الكتابات بالدراسات اللغوية السّامية مثل العبرانية، وباللغة العربية التي نزل با القرآن الكريم، وباللهجات اليمانية، وبالمعلومات الجغرافية المدوّنة في الكتب

стр. 131

العربية، وبأسماء الملوك والأشخاص الذين وردت أسماؤهم في المؤلفات العربية١. وترسم المستشرق "ليفي" "m. a. levy" أثر "أوسيندر"، وتتبع أسلوبه في البحث، وحاول استخراج مادة تأريخية من هذه النصوص التي ترجمت وعرفت. وقد تمكن من نشر ما تركه "أسيندر" من نصوص عاجلته المنيّة قبل أن يوفق لإخراجها إلى الناس، فتمكّن "ليفي" من تنسيقها وتهذيبها، وطبعها وعرضها على العلماء٢. وفاق "يوسف هاليفي" "joseph halevy"، وهو يهودي فرنسي، كل من تقدمه بكثرة ما جاء به إلى أوروبة من نقوش، وبسعة علمه في تأريخ اليمن، وبدراسة الكتابات العربية الجنوبية. دخل هذا الفرنسي اليمن في هيئة يهودي متسوّل من أهل القدس؛ ليتجنب بذلك ما يتعرض له الغرباء وأهل البلاد المسلمون على السواء من أخطار رجال القبائل وقطّاع الطرق الذين لا يمسّون أهل الذمة بسوء. وقد استطاع، بهذه الطريقة، التطواف في أرجاء اليمن، حتى بلغ أعاليها مثل "نجران"، وأعالي الجوف وهي المنطقة التي كان فيها "المعينيون". ووصل في تطوافه إلى حدود "مأرب" عاصمة سبأ وإلى "صرواح"، وهو بهذا أول أوروبي زار "نجران"٣. ولمّا عاد إلى أوروبة، أحضر معه "٦٨٦" نقشًا جمعها من مواضع مختلفة من اليمن. وفي سنة ١٨٧٢- ١٨٧٤م نشر هذا العالم في الجريدة الآسيوية "journal asiatique" ما كتبه في وصف رحلته إلى بلاد اليمن، وقد ضمن كتاباته وصفًًا للأماكن التي حلّ بها والطرق التي اجتازها، وترجمة ل"٦٨٦ نصًّا، وهي النصوص التي كان قد جاء بها أو استنسخها من أصولها، ونشر بحثًا علميًّا وانتقادًا قيِّمًا للأبحاث اللغوية والتراجم والنصوص التي سبق أن نشرها العلماء من قبله٤.

стр. 132

وكان ممن ذهب إلى اليمن شاب نمساوي اسمه "سيكفريد لنكر" "siegfrid langer"، وقد استطاع تصوير بعض النقوش واستنساخ قسم من الكتابات في عام ١٨٨٢م؛ غير أن القدر عاجله إذ قتل هناك، فَفَقَد البحث في تأريخ اليمن بوفاته عضوًا نشيطًا. غير أن نمساويًّا آخر عوّض عن خسارة ذلك الشاب، وهو العالم "إدورد كلاسر" "eduard glaser". وقد قام بأربع رحلات إلى اليمن، ورجع بعدد كبير من النصوص والنقوش وبمادة غزيرة من المعلومات١. بدأ الرحلة الأولى "في أكتوبر من سنة ١٨٨٢م"، وختمها في شهر آذار "مارس" من سنة ١٨٨٤م، وكانت الحالة السياسية في ذلك الزمن مضطربة، والأوضاع غير مساعدة، والفوضى عامة في بلاد اليمن، ولم يكن للحكومة على القبائل من سلطان. ومع ذلك تمكّن من الحصول على "٢٥٠" نقشًا رجع بها إلى أوروبة. أما الرحلة الثانية، فكانت في نيسان سنة ١٨٨٥م ودامت حتى فبراير سنة ١٨٨٦، وقد زار في أثنائها المناطق الجنوبية الشرقية والمنطقة الجنوبية الممتدة من جنوب "صنعاء" حتى" مدينة "عدن". وقد تمكن من جمع معلومات مهمة عن طبغرافية البلاد وأماكنها الأثرية، وعاد بنصوص معينة مهمة دخلت في ممتلكات المتحف البريطاني٢. وقام بالرحلة الثالثة في سنة ١٨٨٧م، ومكث في اليمن إلى سنة ١٨٨٨م، وكانت رحلته هذه موفَّقة جدًّا؛ إذ حصل على آثار ونقوش كتابية كانت على جانب عظيم من الأهمية، منها أربعمائة نصّ أخذها من مدينة "مأرب" عاصمة "سبأ"، ومن هذه النصوص نصّان عن تصدع سدّ مأرب يرجع عهدهما إلى زمن قريب من ميلاد الرسول، ونصوص أخرى من مدينة "صرواح" يرجع عهدها إلى العصر السبئي، وهي ذات أهمية كبيرة في تدوين تأريخ بلاد العرب الجنوبية٣. وكانت رحلته الرابعة، وهي الأخيرة، في سنة ١٨٩٢م، وكانت موفقة

стр. 133

جدًّا كذلك. اتبع فيها أسلوبًا جديدًا في الحصول على صور النصوص؛ إذ استعان بالأعراب الذين فرقهم في مختلف الجهات التي لم يسبقه أحد من الأوروبيين إلى زيارتها، بعد أن علمهم مختلف الطرق في الحصول على تلك النصوص بطريق الورق الذي يتأثر بالضوء وبطريقة القوالب الجبسية وبطرق أخرى. وقد تمكن بهذا الأسلوب الجديد من الظفر بصوة مضبوطة بعض الضبط للكتابات القديمة التي لم يكن بوسعه الذهاب إلى أماكنها واستنساخها بنفسه، وبها أيضًا تمكن من تصحيح أغلاط الصور التي أخذها "هاليفي" عن النقوش الأصلية، ومن الحصول على زهاء مائة نصّ قتباني أخذها من منطقة خرائب "مأرب". وفي متحف "فينا" قسم من الأحجار المكتوبة التي كان هذا العالم قد جلبها معه في المرة الأخيرة إلى أوروبة١. وقد زار المستشرق "جورج أغسطس والين george augustus wallin" سنة ١٨٤٥م نجدًا ودوّن رحلته إليها٢. وزار الحجاز المستشرق الهولندي الشهير "سنوك هرغونية snouk hurgtonje"؛ فكتب في أحوال مكة ووصف الحياة في الحجاز وموسم الحج. وكان قد ذهب إليه سنة ١٨٨٥-١٨٨٦م وهو من العلماء المدققين٣. وقد زار الحجاز "السير ريشارد برتن" "sir Richard burton" متنكّرًا بزيّ مسلم سمّى نفسه "عبد الله" زار الحرمين وكتب وصف رحلته هذه٤. وتوغلت "حنة بلنت" "anne blunt" سنة ١٨٧٩م في شمال بلاد العرب حتى بلغت أرض نجد، وكانت مولعة بدراسة أحوال الخيول العربية٥. واختراق الرّحّالة الإنكليزي "تشرالس دوتي" "charlis m. doughty" الصحاري العربية وشمال بلاد العرب، ووضع كتابًا مهمًّا وصف فيه أسفاره في بلاد العرب

стр. 134

الصحراوية١. وقد اهتم خاصة بدراسة النواحي "الجيولوجية" والجغرافية للبلاد العربية، ودوّن ملاحظاته عن الظواهر الجوّية وتغيرات الجو ولم يغفل عن دراسة طبائع البدو وحياتهم الاجتماعية وطرق تفكيرهم وعقائدهم. وقد طبع كتابه، في سنة ١٨٨٨، وترجم إلى بعض اللغات الأوروبية لأهميته٢. ويعد هذا الرّحّالة من المتعصبين على الإسلام، وقد يكون لهذا التعصب سبب؛ فقد لاقى من الأعراب وأهل المدن شيئًا كثيرًا أثّر في نفسه، فصار يتحامل على المسلمين ويقسو في حكمه على الرسول؛ إلا أنه لم يتمكن مع ذلك من الغضّ من قيمة المبادئ الأخلاقية التي يتحلى بها. ومما لاحظه على البدو، عدم اهتامهم بعبادتهم كالصلوات الخمس والصوم، كما لاحظ من جهة أخرى أن الخوف من وجود إله يكاد يكون أعمق أثرًا في نفوس هؤلاء من الحضر. ولاحظ أيضًا أن جذور الوثنية القديمة لا تزال راسخة حتى الآن في نفوس الأعراب وأكثر سكان القرى والمدن، وقد أظهر هذا الرّحّالة ميلًا عظيمًا لدراسة حياة البدو وطرق معيشتهم، وهو يتشوق إلى الصحراء ويحنّ إليها حنين البدو، ويتجلى ذلك العطف في رحلته التي تعد من روائع الأدب الإنكليزي٣. ورحل "ثيودور بنت" "Theodore bent" وزوجته إلى البحرين وجنوب الجزيرة العربية فزارا الأماكن الأثرية، وتحدثا عن بعض الخرائب الجاهلية والكتابات. وكانت زيارتهما للبحرين سنة ١٨٨٩م. أما زيارتهما لمسقط وعمان وحضرموت، فكانت في هذه السنة ثم في سنين بعدها٤. وتزيّا الرّحّالة الألماني "هاينرش فون مالتزن" "heinrich von maltzen" بزيّ حاجّ مغربي، وكان قد زار المغرب وتعلّم لهجة سكانه، وذهب إلى الحجاز وتظاهر هناك بأنه منهم، وبعد عودته من الحج وضع رحلته٥.

стр. 135

ومن الجوابين العلماء "يوليوس أويتنك Julius euting"، وقد اهتم خاصة بدراسة أحوال البدو، وكتب في الوهابيين والحركة الوهابية١. ومنهم الرّحّالة الجيكوسلوفاكي الأصل "ألويس موسل" "alois musil"، زار "العربية الحجرية" وكتب عدة كتب في وصف شمال الحجاز وبادية الشام ومنطقة الفرات الأوسط وتدمر ونجد، ووضع في نهاية كل كتاب من كتبه فصولًا علمية قيّمة فيها تحقيق تأريخي جليل٢. وثمة جوّابون آخرون لا بد من ذكرهم مثل "جوسن" "antonine jausen"٣ و "برونوف" "r. e. brtunnow" و "تشارلس هوبر" "charles huber" و "وبرترام توماس" الشاب الإنكليزي المستشرق الذي استطاع في شباط سنة ١٩٢٩م أن يخترق لأول مرة "الربع الخالي" فكشف بذلك بقعة من أكبر البقاع المجهولة في بلاد العرب٦. ويضارعه في مخاطراته هذه "فلبي" الذي أسلم فأطلق على نفسه "الحاج عبد الله فلبي". وقد ألف هذا الإنكليزي المستعرب عدة كتب بالإنكليزية وصف فيها أسفاره في بلاد العرب، وقد تهيأ له من الفرص ما لم يتهيّأ لأوروبي آخر؛ إذ كان من الملازمين للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود والمقربين إليه. وقد مكث الرّحّالة الألماني "راتجن" "c. rathjens" بضع سنين في اليمن وكتب عنها، وجلب معه عدة كتابات يمانية قديمة إلى ألمانيا وضعت في "متحف الشعوب" في مدينة "هامبرغ"٧.

стр. 136

وقامت بعثة أمريكية عرفت بـ "المؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان" "the American foundation for the study of man" برئاسة "وندل فيلبس" "wendell Phillips"، وضمت بعض العلماء الواقفين على تأريخ اليمن القديم مثل "إلبرايت" "dr. w. f. Albright" أستاذ الآثار في جامعة "جون هوبكنس" بالولايات المتحدة، وآخرين في مختلف الموضوعات؛ وذلك ما بين سنتي ١٩٥٠-١٩٥٢م بأعمال الحفر في منطقة "عدن" واليمن. وبالرغم من النهاية المحزنة التي انتهت أعمال البعثة إليها؛ فقد تمكنت من الحصول على نتائج حسنة جديدة لم تكن معروفة عن تأريخ مملكة قتبان وسبأ، وعادت ببعض الآثار١. وكانت في جملة ما درسته هذه البعثة نظم الري في مملكة "قتبان". ودراسة موضع "هجر بن حميد"؛ حيث عثرت على فخار ومواد أخرى يعود عهدها، كما يرى خبراء البعثة إلى ألفي سنة. ودراسة أخرى لمدينة "تمنه" عاصمة "قتبان" ولمعبدها الشهير ولبقايا مقبرتها، وعثرت على كتابات جديدة، وقدّرت سقوط تلك العاصمة وخرابها بسنة "٢٥" قبل الميلاد٢. وقامت هذه البعثة في سنة "١٩٥٢" و "١٩٥٣" للميلاد بأعمال الحفر في "ظفار" بعمان. ثم عادت فنقبت في هذه المنطقة في ابتداء سنة "١٩٦٠"م؛ حيث كشفت عن بعض الخفايا من تأريخ هذه المنطقة التابعة لسلطنة عمان٣. وقامت في سنة "١٩٦٢"م بعثة أمريكية من المستشرقين الأميركان، لا علاقة لها بالبعثة المتقدمة بزيارة مواضع من المملكة العربية السعودية؛ فزارت "سكاكة" "سككه" والجوف وتيماء ومدائن صالح والعلا وتبوك، وظفرت بنماذج من فخار قديم، ونقلت صورًا لكتابات ثمودية ونبطية، أهمها الكتابات التي وجدتها في قمة "جبل غنيم" الذي يقع على مسافة ثمانية أميال من جنوب "تيماء".

стр. 137

وهي، كما تقول البعثة، من أقدم الكتابات التي عثر عليها حتى الآن في العربية الشمالية. وكان "فلبي" قد استنسخها بيده، وتبيّن بعد مقارنة ما استنسخه فلبي بالصور "الفوتوغرافية" التي أخذتها البعثة أن في نقل "فلبي" أوهامًا عديدة. وفي جملة ما عثرت عليه البعثة صور نحتت على أحجار تمثل آلهة عربية قديمة١. وهناك طائفة أخرى من المستشرقين خدمت التأريخ العربي قبل الإسلام خدمة جليلة مهمة، هي طائفة أساتذة الجامعات وأصحاب التتبع والبحوث، استفادت من بحوث السياح ومن الموارد المذكورة التي تحدثت عنها عن مصادر التأريخ الجاهلي، ثم غربلتها ونقدتها وألفت منها مادة جديدة لتأريخ الجاهلية. ومن هؤلاء المستشرق: "بركر" "berger" مؤلف كتاب "جزيرة العرب قبل محمد في الآثار"، (L'Arabie Avant Mahomet d'apres les Inscriptions) , Paris ١٨٨٥. والمستشرق "كوسان دي برسفال" العلامة الفرنسي صاحب كتاب "تأريخ العربي قبل الإسلام"٢ (Essai sur I'Histoire des Arabes Avant l'ISIamisme) وهو من الكتب المفيدة. وقد جاء صاحبه بنتائج مهمة وبآراء صائبة في بعض الموضوعات؛ غير أن الكتاب أصبح قديمًا، وفيه نواقص كثيرة، وهو لا يتفق اليوم مع أساليب البحث الحديثة. وقد اعتمد مؤلفه على المصادر العربية ولا سيما كتاب "الأغاني" وعلى مصادر أخرى كانت معروفة في ذلك الوقت؛ غير أنه لم يتمكن من الوصول إلى مصادر كثيرة أخرى مهمة؛ لأنها لم تكن في متناول يده في ذلك العهد. وللمستشرق الإيطالي "كيتاني" "l. caetani" بحث جيّد في تأريخ العرب قبل الإسلام، جعله مقدمة لتأريخ الإسلام٣. وهو على جهده في محاولة التعمق في فهم تأريخ الجاهلية والإسلام، لا يخلو من هفوات ومن تغلب العاطفة عليه، ولا سيما في القسم الخاص بتأريخ الإسلام. وممن كتب في حياة العرب قبل الإسلام المستشرق "أوليري delacy o'leary"،

стр. 138

صاحب كتاب "البلاد العربية قبل محمد"١. وقد تحدث فيه عن صلات العرب بالمصريين فالأشوريين إلى زمن ظهور الإسلام، وهو لا يخلو أيضًا من هفوات. وقد صار قديمًا. والمستشرق "تشارلس فورستر" "charles forster"، وله كتاب مفيد "وإن أصبح قديمًا جدًّا" في تأريخ بلاد العرب القديمة وجغرافيتها ويستند في أكثر أبحاثه كأغلب معاصريه إلى نظريات التوراة٢. وقد كتب المستشرق الألماني "أوتو ويبر" "otto weber" رسالة صغيرة في حالة العرب قبل الإسلام٣. وقد كتب المستشرقون الذين عنوا بالسيرة النبوية وبالتأريخ الإسلامي عامة فصولًا تمهيدية في حالة العرب قبل الإسلام، تعرضوا فيها لمختلف النواحي التأريخية، وهي مفيدة للاطّلاع على أحوال الجاهلية. وهناك من كتب في موضوع خاص من التأريخ الجاهلي كالمستشرق "رينه دوسو"؛ فقد وضع كتابًا في "العرب في الشام قبل الإسلام"٤. والمستشرق الألماني "ثيودور نولدكه"، وله كتاب في "تأريخ الفرس والعرب في عهد الساسانيين"٥، وكتاب آخر في "أمراء غسان"٦. وللمستشرق "روتشتاين" "Rothstein" كتاب "تأريخ أسرة اللخميين في الحميرة"٧، وهو من الكتب المهمة التي جمعت شيئًا كثيرًا من أخبار هذه الأسرة. وقد استعان مؤلفه بالمصادر العربية والسريانية واليونانية، ولا يخلو على كل حال من الضعف في بعض مواضعه. ويضاف إلى كل ذلك ما كتبه بعض المستشرقين في الحالة الدينية عند العرب قبل الإسلام، وأهمها كتاب "بركمن" "bergmann" في أديان العرب في الجاهلية٨، والفصل الذي كتبه المستشرق "أرنست أسيندر" "Ernst osiander"

стр. 139

في ديانة العرب قبل الإسلام، في مجلة الجمعية الآسيوية الألمانية١. وقد بحث هذا المستشرق في ديانة العرب قبل الإسلام بحثًا عميقًا، وهو أول مستشرق درس هذا الموضوع بعد "بوكوك" "pococke" الذي كان أقدم مَن درس الوثنية عند العرب دراسة تفصيلية مستقلة في كتاب المطبوع سنة ١٦٤٩ للميلاد٢. وقد تطرق "أسيندر" لعبادة النجوم عند العرب وعبادة الأصنام والأماكن المقدسة في جنوبي بلاد العرب وعبادة الأصنام في الحجاز ونجد، وتوصل إلى أن العرب عبدوا النجوم في بادئ الأمر، ثم تطورت الفكرة الدينية عندهم، وبالرغم من ذلك ظلّت عقدة عبادة النجوم راسخة في أدمغتهم. وجاء المستشرق "لودولف كريل" "ludolf krehl"؛ فأحيا هذه الدراسة مرة ثانية بكتابه "بحث عن ديانة العرب قبل الإسلام"٣، وطرق موضوعات لم يتمكن من سبقه من البحث فيها. وقد ذهب إلى أن العرب القدماء كانوا من الموحدين في الأصل؛ غير أنهم تركوا التوحيد بعدئذ، وعمدوا إلى عبادة النجوم والأصنام فالأحجار والأشجار، وبذلك انحطت الحالة الدينية عندهم، وفي القرن السادس تأثروا بالديانة اليهودية والنصرانية في الأماكن التي حدث فيها اتصال بهاتين الديانتين. وأهم ما ألف في الوثنية عند العرب قبل الإسلام، كتاب المستشرق الألماني "ولهوزن" الذي سماه: "بقايا الوثنية العربية"٤. وقد بحث في نواحٍ مختلفة من نواحي الحياة الدينية عند عرب الجاهلية وفي الأصنام؛ فجمع ما لم يتمكن من جمعه في هذا الباب أحد من المستشرقين قبله، واتبع أسلوب المقابلة والنقد في البحث. هذا ولا بد من الإشارة إلى مجهود عدد من العلماء تخصصوا بالعربيات وعالجوا نواحي عديدة من دراسات الجاهلية، ومنهم "فرتز هومل" "fritz hommel" صاحب المؤلفات والبحوث الكثيرة، والدراسات القيّمة في تأريخ اليمن والعرب

стр. 140

الجنوبيين، وفي ترجمة الكتابات المعينية والسبئية والحضرموتية والقتبانية والحميرية، وفي الدراسات اللغوية. وهو في مقدمة من وضع أسس الدراسات العربية الجنوبية ومهد الجادة لمن جاء بعده من المستشرقين. و"رودوكناكس"١ "mikolaus rhodokanakis"، وهو صاحب جملة مؤلفات في شرح وحلّ النصوص العربية الجنوبية، و"دتلف نيلسن" "detlief Nielsen" الدانماركي من الباحثين في الكتابات العربية الجنوبية وفي الحضارة العربية، والتأريخ العربي قبل الإسلام٢. كذلك خصص "موردتمن" "j. h. mordtmann" و "داؤو هاندش ميلر" "d.h. Mueller"، و "ميتوخ" "eugen mittwoch"، و "فون فزمن" "von wissmann"، و "بيستن" "c.f.l. beeston"، و "كونتي روسيني" "c.conti Rossini"، و "فنت" "f.v. winnett"، و "ركمنس" "c.ryckmanns"، و"كروهمن" "A. grohmann"، و "ملاكر" "k. mlaker"، و "أغناطيوس كويدي" و"هربرت كريمه" "herbert grimme" و "أنوليتمن" و "إلبرايت"، وغيرهم قسطًًا من بحوثهم في العربيات الجنوبية، فساعدوا بذلك على تقديم مادة غنية للمؤرخين والباحثين، وعلى تحسين معارفنا في اللهجات العربية وقواعدها وفي تأريخ الجاهلية٣. هذا، ولا بد لي أيضًا من الإشارة إلى جهود مستشرقين محدثين قصروا عملهم على البحوث العربية الجنوبية، وصرفوا وقتهم في دراستها، وألّفوا وكتبوا فيها، ونشروا بحوثهم في المجلات، ونشروا نشرًا جديدًا نصوصًا سبق أن نشرت، وبعثوا الحياة في نصوص لم تكن معروفة فعرفت. ومن هؤلاء: "فون وزمن" "h.von wissmann". و "ريكمنس" "j.ryckmans"، وهو صاحب

стр. 141

بحوث وتحقيقات في نشر الكتابات والتعليق عليها وعلى أيام الملوك. و "إلبريت" "w.f.albright" العالم الآثاري الأمريكي الذي ذكرته قبل قليل. و "الأب جامة" "a. jamme" الذي رافق البعثة الأمريكية لدراسة الإنسان، والخبير بقراءة النصوص وبعيين زمان كتابتها، وناشر جملة كتابات عثرت عليها البعثة المذكورة. و"مارية هوفنر" "m,hofner"و "بيرين" "j. pirenne" و "بيستن" "a. f. l. beeston" وغيرهم، ممن جاءوا ببحوث قيمة جديدة وما زالوا يبحثون في التأريخ الجاهلي١. هذا، وسوف يكون لدراسة علماء الآثار للآثار التي عثر وسيعثر عليها من ناحية علم الآثار، وكذلك تطور الخطوط ومقارنة الكتابات بعضها ببعض لمعرفة زمانها وتحليل الآثار ودراستها بالمختبرات وبطرق "الفحص" الكاربوني" وبما شاكل ذلك من طرق تعد اليوم حديثة، شأن كبير في الكشف عن التأريخ الجاهلي، وتقريبه من الواقع، وتضييق شقق الخلاف التي نراها بين العلماء في عمر الدول وفي حكم الملوك وأمثال ذلك من أمور هي اليوم في موضع اهتمام الباحثين في تأريخ الجاهلية. هذا وأودّ أن أشير هنا إلى أمر يتعلق بالكتابات الجاهلية، هو أن غالبية من عالجها وترجمها اعتمد في الغالب على العبرانية وعلى السريانية في الترجمة، ولهذا لم يوفّقوا في ترجمتهم توفيقًا كبيرًا، وأعتقد أن دراسة اللهجات العربية لقبائل اليمن وبقية العربية الجنوبية وجمع معاني مفرداتها، تفيد كثيرًا في تفسير كتابات المسند وشرحها مثلًا؛ لأن كثيرًا من هذه المفردات ما زال مستعملًا استعمال القدماء له؛ ولكن مثل هذه الدراسات لم تتم بشكل علمي منظم منسق حتى الآن ويا للأسف. ورجائي أن يأتي يوم يقوم فيه المتخصصون من العرب بدراسة تلك اللهجات وتثبيتها بصورة علمية ووضع معجمات بألفاظها، فإن في هذا العمل خدمة كبيرة للتراث العربي القديم. وقد قام المستشرقون بنصيبهم في كتابة تأريخ الجاهلية، فهم يستحقون على عملهم هذا كل شكر وثناء، مهما وقع في دراستهم من قوة وضعف، وغرض ونيّة، فهم قد قاموا بعمل، وقد أفادونا في عملهم هذا ولو بعض الفائدة،

стр. 142

فعلينا ألّا ننكر فضل الناس، وإذا كان هناك شيء من خطأ أو نيّة سيئة؛ فعلينا يقع واجب تصحيحه وبيان مواطن سوء النيّة، فهم غرباء، ونحن حملة هذا التأريخ وأصحابه. وعلينا وحدنا يقع واجب تدوينه وانتزاعه من باطن الأرض، والبحث في كل زاوية ومكان لإيجاد مورد جديد نضيفه إلى الموارد الموجودة. وعلى الحكومات العربية واجب إتمام العمل، وتيسير الوسائل التي توصل الباحثين إلى الأماكن التي يقصدها العلماء وحمايتهم ورعايتهم، وواجب إعداد طائفة من المنقبين العرب للقيام بهذه المهمة والإنفاق عليهم بسخاء، وإنشاء متاحف تحفظ فيها العاديات، ومنع الناس من التجاوز والتطاول على الأماكن الآثارية، ومن أحق بالمحافظة على تراث البلاد من أبنائها؟.

стр. 143

الفصل الرابع: جزيرة العرب مدخل ... الفصل الرابع: جزيرة العرب ليس بين أشباه الجزر شبه جزيرة تنيف على شبه جزيرة العرب في المساحة؛ فهي أكبر شبه جزيرة في العالم. ويطلق العلماء العرب عليها تجوّزًا اسم "جزيرة العرب"١. تحيط بها المياه من أطرافها الثلاثة، ومع ذلك لم يستطع الجو البحري أن يخفف من حدة الحرارة فيها، ويتغلب على جفافها، والأبخرة المتصاعدة من البحر لا تتمكن أن تصل إلى أواسط بلاد العرب؛ لإنزال رحمتها عليها. فإن الرياح السمائهم، وهي ذات الحر الشديد النافذ في المسام، تتلقى الرطوبة التي تنبعث من البحار بوجه كالح عبوس، ومقاومة تسلبها قوتها، وتنتزع الرطوبة منها، وتمنعها في الغالب من الوصول إلى أواسط الجزيرة. يحدّ جزيرة العرب من الشرق الخليج العربي المعروف عند اليونان باسم "الخليج الفارسي" "sinus persicus"، وما زال يعرف بهذه التسمية المأخوذة عن اليونانية في المؤلفات المعاصرة. أما قدماء أهل العراق؛ فقد عرف عندهم ب"البحر الجنوبي" و "البحر الأسفل" و "البحر التحتاني" "lower sea"٢، وبـ "البحر الذي تشرق منه الشمس" و" بحر الشروق" "sea of the rising sun"

стр. 144

وب "البحر المر" و "البحر المالح" و "نار مرتو" "nar marrtu" في الأشورية١. ويحدها من الجنوب المحيط الهندي، وقد أطلق بعض الكتبة اليونان واللاتين على القسم المتصل منه بسواحل جزيرة العرب الجنوبية والملاصق لسواحل إفريقية الشرقية المقابلة لهذه السواحل اسم "البحر الأريتري" "mare erythraeum". أما "بطلميوس" فقد أطلق على الماء المحصور بين عمان وحضرموت اسم "خليج سخاليته" "sinus sachalites"، وأطلق على القسم الغربي الباقي اسم "بحر ربرم"٢ "mare rubrum" "rubri maris"أي البحر الأحمر. وقد قصد الإغريق واللاتين بـ "mare rubrum" في الغالب البحر الأحمر الحالي والبحر العربي والخليج العربي؛ بل حتى المحيط الهندي، فهم يتوسعون في هذا الإطلاق كثيرًا٣. أما حدّها الغربي، فهو البحر الأحمر كما يسمى في الخارطات الحديثة المعروف باسم "الخليج العربي" "sinus arabicus" في الخارطات اليونانية واللاتينية، وبـ "بحر القلزم" في الكتب العربية٤. أما العبرانيون، فقد أطلقوا عليه "هـ - يام" "هايم" "أليم"، ومعناه اللغوي "البحر" من "يم" "يام" بمعنى "بحر" و "ها" أداة التعريف التي هي في مقام "ال" في العبرانية، وذلك بصورة عامة، و "يام سوف yam suph" بصورة خاصة، وبـ "سوف" و "سوفة" أحيانًا٥. وقد فسّر "البيضاوي" لفظة "الميم"، الواردة في القرآن الكريم بهذا البحر، أي البحر الأحمر٦. وقد أريد بـ "mare erythraeum" وبـ "mare rubrum" أيضاً٧. وشكل البحر الأحمر، شكل يلفت النظر، يظهر وكأنه خسط منظم ممتد من الشمال نحو الجنوب على هيئة ثعبان منتصب ذي قرنين. أما باقي جسمه؛ فإنه

стр. 145

البحر العربي. أما هذا الثعبان؛ فقد كان أرضًا في الأصل، خسفت على هذه الصورة في الزمن الثالث من الأزمنة الجيلوجية١، فابتعدت بذلك بلاد العرب عن إفريقية، إلا من ناحية الشمال، حتى لا تكون هناك قطيعة تامة، وارتفعت بذلك السواحل الغربية؛ نتيجة انخساف الأرض، فسالت إلى الأرض المنخسفة مياه البحر العربي، ولو تم الخسف، وامتدّ إلى "طور سيناء" فشطرها، لما كانت هناك حاجة إلى قيام الإنسان فيما بعد بإتمام العمل الذي لم تكمله الطبيعة، وهو إيصال البحر الأحمر إلى البحر الأبيض بقناة السويس. وهناك من يرى أن البحر الأحمر كان بحيرة في الأصل، وكانت إفريقية والعربية الجنوبية قطعة واحدة عند جنوب هذه البحيرة، أي عند ما يسمى بـ "مضيق باب المندب" في الزمن الحاضر؛ ولكن خسفًا وقع، أدى إلى انفصال إفريقية عن العربية الجنوبية الغربية؛ فاتصل المحيط الهندي بالبحيرة، وتكوّن البحر الأحمر. وقد كان الناس قبل وقوع هذا الانفصال يتنقلون برًّا وكأن إفريقية وجزيرة العرب قطعة أرض واحدة، ومن هنا كانت الهجرات. أما خليج العقبة؛ فقد عُرف بـ "خليج أيلة" وبـ "خليج الأيلانيين"، "sinus aelanites" "sinus aelaniticus" في الكتب الكلاسيكية، نسبة إلى مدينة "أيلة" المسماة "إيلات" "elath" و "أيلوت" eloth عند العبرانيين. وهي مدينة مهمة من مدن "أدوم" "الأدوميين"١. وأما "خليج السويس" فقد عرف بـ "sinus heroopolites" "sinus heroopoliticus" عند اليونان واللاتين٢. ويحصن مناطق واسعة من ساحل جزيرة العرب على البحر الأحمر صخور مرجانية تفتك بالسفن التي تتجاسر فتقترب منها، نبتت في تلك المواضع لتحمي الساحل من وصول الأجانب إليه. ولكنها أضرت سكانه من ناحية أخرى؛ إذ جعلت الملاحة صعبة في هذه الأماكن، فقللت بذلك الاستفادة من الاتجار بالبحر، وقللت أيضا من عدد الموانئ الصالحة لرسو السفن على هذا الساحل. وهناك جزر متفرقة تقابل الساحل، أكثرها مهجور، وبعضها قليل السكان، ومعظمهم خليط
следующие страницы →