بحوث وتحقيقات في نشر الكتابات والتعليق عليها وعلى أيام الملوك. و "إلبريت" "w.f.albright" العالم الآثاري الأمريكي الذي ذكرته قبل قليل. و "الأب جامة" "a. jamme" الذي رافق البعثة الأمريكية لدراسة الإنسان، والخبير بقراءة النصوص وبعيين زمان كتابتها، وناشر جملة كتابات عثرت عليها البعثة المذكورة. و"مارية هوفنر" "m,hofner"و "بيرين" "j. pirenne" و "بيستن" "a. f. l. beeston" وغيرهم، ممن جاءوا ببحوث قيمة جديدة وما زالوا يبحثون في التأريخ الجاهلي١.
هذا، وسوف يكون لدراسة علماء الآثار للآثار التي عثر وسيعثر عليها من ناحية علم الآثار، وكذلك تطور الخطوط ومقارنة الكتابات بعضها ببعض لمعرفة زمانها وتحليل الآثار ودراستها بالمختبرات وبطرق "الفحص" الكاربوني" وبما شاكل ذلك من طرق تعد اليوم حديثة، شأن كبير في الكشف عن التأريخ الجاهلي، وتقريبه من الواقع، وتضييق شقق الخلاف التي نراها بين العلماء في عمر الدول وفي حكم الملوك وأمثال ذلك من أمور هي اليوم في موضع اهتمام الباحثين في تأريخ الجاهلية.
هذا وأودّ أن أشير هنا إلى أمر يتعلق بالكتابات الجاهلية، هو أن غالبية من عالجها وترجمها اعتمد في الغالب على العبرانية وعلى السريانية في الترجمة، ولهذا لم يوفّقوا في ترجمتهم توفيقًا كبيرًا، وأعتقد أن دراسة اللهجات العربية لقبائل اليمن وبقية العربية الجنوبية وجمع معاني مفرداتها، تفيد كثيرًا في تفسير كتابات المسند وشرحها مثلًا؛ لأن كثيرًا من هذه المفردات ما زال مستعملًا استعمال القدماء له؛ ولكن مثل هذه الدراسات لم تتم بشكل علمي منظم منسق حتى الآن ويا للأسف. ورجائي أن يأتي يوم يقوم فيه المتخصصون من العرب بدراسة تلك اللهجات وتثبيتها بصورة علمية ووضع معجمات بألفاظها، فإن في هذا العمل خدمة كبيرة للتراث العربي القديم.
وقد قام المستشرقون بنصيبهم في كتابة تأريخ الجاهلية، فهم يستحقون على عملهم هذا كل شكر وثناء، مهما وقع في دراستهم من قوة وضعف، وغرض ونيّة، فهم قد قاموا بعمل، وقد أفادونا في عملهم هذا ولو بعض الفائدة،
стр. 142
فعلينا ألّا ننكر فضل الناس، وإذا كان هناك شيء من خطأ أو نيّة سيئة؛ فعلينا يقع واجب تصحيحه وبيان مواطن سوء النيّة، فهم غرباء، ونحن حملة هذا التأريخ وأصحابه. وعلينا وحدنا يقع واجب تدوينه وانتزاعه من باطن الأرض، والبحث في كل زاوية ومكان لإيجاد مورد جديد نضيفه إلى الموارد الموجودة. وعلى الحكومات العربية واجب إتمام العمل، وتيسير الوسائل التي توصل الباحثين إلى الأماكن التي يقصدها العلماء وحمايتهم ورعايتهم، وواجب إعداد طائفة من المنقبين العرب للقيام بهذه المهمة والإنفاق عليهم بسخاء، وإنشاء متاحف تحفظ فيها العاديات، ومنع الناس من التجاوز والتطاول على الأماكن الآثارية، ومن أحق بالمحافظة على تراث البلاد من أبنائها؟.
стр. 143
الفصل الرابع: جزيرة العرب
مدخل
...
الفصل الرابع: جزيرة العرب
ليس بين أشباه الجزر شبه جزيرة تنيف على شبه جزيرة العرب في المساحة؛ فهي أكبر شبه جزيرة في العالم. ويطلق العلماء العرب عليها تجوّزًا اسم "جزيرة العرب"١. تحيط بها المياه من أطرافها الثلاثة، ومع ذلك لم يستطع الجو البحري أن يخفف من حدة الحرارة فيها، ويتغلب على جفافها، والأبخرة المتصاعدة من البحر لا تتمكن أن تصل إلى أواسط بلاد العرب؛ لإنزال رحمتها عليها. فإن الرياح السمائهم، وهي ذات الحر الشديد النافذ في المسام، تتلقى الرطوبة التي تنبعث من البحار بوجه كالح عبوس، ومقاومة تسلبها قوتها، وتنتزع الرطوبة منها، وتمنعها في الغالب من الوصول إلى أواسط الجزيرة.
يحدّ جزيرة العرب من الشرق الخليج العربي المعروف عند اليونان باسم "الخليج الفارسي" "sinus persicus"، وما زال يعرف بهذه التسمية المأخوذة عن اليونانية في المؤلفات المعاصرة. أما قدماء أهل العراق؛ فقد عرف عندهم ب"البحر الجنوبي" و "البحر الأسفل" و "البحر التحتاني" "lower sea"٢، وبـ "البحر الذي تشرق منه الشمس" و" بحر الشروق" "sea of the rising sun"
стр. 144
وب "البحر المر" و "البحر المالح" و "نار مرتو" "nar marrtu" في الأشورية١. ويحدها من الجنوب المحيط الهندي، وقد أطلق بعض الكتبة اليونان واللاتين على القسم المتصل منه بسواحل جزيرة العرب الجنوبية والملاصق لسواحل إفريقية الشرقية المقابلة لهذه السواحل اسم "البحر الأريتري" "mare erythraeum". أما "بطلميوس" فقد أطلق على الماء المحصور بين عمان وحضرموت اسم "خليج سخاليته" "sinus sachalites"، وأطلق على القسم الغربي الباقي اسم "بحر ربرم"٢ "mare rubrum" "rubri maris"أي البحر الأحمر. وقد قصد الإغريق واللاتين بـ "mare rubrum" في الغالب البحر الأحمر الحالي والبحر العربي والخليج العربي؛ بل حتى المحيط الهندي، فهم يتوسعون في هذا الإطلاق كثيرًا٣.
أما حدّها الغربي، فهو البحر الأحمر كما يسمى في الخارطات الحديثة المعروف باسم "الخليج العربي" "sinus arabicus" في الخارطات اليونانية واللاتينية، وبـ "بحر القلزم" في الكتب العربية٤. أما العبرانيون، فقد أطلقوا عليه "هـ - يام" "هايم" "أليم"، ومعناه اللغوي "البحر" من "يم" "يام" بمعنى "بحر" و "ها" أداة التعريف التي هي في مقام "ال" في العبرانية، وذلك بصورة عامة، و "يام سوف yam suph" بصورة خاصة، وبـ "سوف" و "سوفة" أحيانًا٥. وقد فسّر "البيضاوي" لفظة "الميم"، الواردة في القرآن الكريم بهذا البحر، أي البحر الأحمر٦. وقد أريد بـ "mare erythraeum" وبـ "mare rubrum" أيضاً٧.
وشكل البحر الأحمر، شكل يلفت النظر، يظهر وكأنه خسط منظم ممتد من الشمال نحو الجنوب على هيئة ثعبان منتصب ذي قرنين. أما باقي جسمه؛ فإنه
стр. 145
البحر العربي. أما هذا الثعبان؛ فقد كان أرضًا في الأصل، خسفت على هذه الصورة في الزمن الثالث من الأزمنة الجيلوجية١، فابتعدت بذلك بلاد العرب عن إفريقية، إلا من ناحية الشمال، حتى لا تكون هناك قطيعة تامة، وارتفعت بذلك السواحل الغربية؛ نتيجة انخساف الأرض، فسالت إلى الأرض المنخسفة مياه البحر العربي، ولو تم الخسف، وامتدّ إلى "طور سيناء" فشطرها، لما كانت هناك حاجة إلى قيام الإنسان فيما بعد بإتمام العمل الذي لم تكمله الطبيعة، وهو إيصال البحر الأحمر إلى البحر الأبيض بقناة السويس.
وهناك من يرى أن البحر الأحمر كان بحيرة في الأصل، وكانت إفريقية والعربية الجنوبية قطعة واحدة عند جنوب هذه البحيرة، أي عند ما يسمى بـ "مضيق باب المندب" في الزمن الحاضر؛ ولكن خسفًا وقع، أدى إلى انفصال إفريقية عن العربية الجنوبية الغربية؛ فاتصل المحيط الهندي بالبحيرة، وتكوّن البحر الأحمر. وقد كان الناس قبل وقوع هذا الانفصال يتنقلون برًّا وكأن إفريقية وجزيرة العرب قطعة أرض واحدة، ومن هنا كانت الهجرات.
أما خليج العقبة؛ فقد عُرف بـ "خليج أيلة" وبـ "خليج الأيلانيين"، "sinus aelanites" "sinus aelaniticus" في الكتب الكلاسيكية، نسبة إلى مدينة "أيلة" المسماة "إيلات" "elath" و "أيلوت" eloth عند العبرانيين. وهي مدينة مهمة من مدن "أدوم" "الأدوميين"١. وأما "خليج السويس" فقد عرف بـ "sinus heroopolites" "sinus heroopoliticus" عند اليونان واللاتين٢.
ويحصن مناطق واسعة من ساحل جزيرة العرب على البحر الأحمر صخور مرجانية تفتك بالسفن التي تتجاسر فتقترب منها، نبتت في تلك المواضع لتحمي الساحل من وصول الأجانب إليه. ولكنها أضرت سكانه من ناحية أخرى؛ إذ جعلت الملاحة صعبة في هذه الأماكن، فقللت بذلك الاستفادة من الاتجار بالبحر، وقللت أيضا من عدد الموانئ الصالحة لرسو السفن على هذا الساحل. وهناك جزر متفرقة تقابل الساحل، أكثرها مهجور، وبعضها قليل السكان، ومعظمهم خليط
стр. 146
من دم إفريقي أسود ومن عرب، عاشوا في الجاهلية وفي الإسلام على التعرض للسفن بالغزو وعلى الصيد.
ويرى بعض الباحثين أن البحر الأحمر لم يكن وحده نتيجة خسف أصاب بلاد العرب ففصلها عن إفريقية إلا من جهة "طور سيناء"؛ بل إن سواحل بلاد العرب الأخرى، أي السواحل الجنوبية والسواحل الشرقية، تعرضت هي أيضًا لهزّات عديدة، فخسفت في مواضع عديدة مثل "عدن"؛ حيث تكوّن خليج عدن، ومثل الخليج العربي، وكانت هذه الهزات والتصدعات استجابة لتصدع واهتزازات حدثت في الشمال على مقربة من حدود بلاد الشام؛ فامتدت إلى وادي الأردن والبحر الميت فوادي عربة إلى خليج العقبة. وهكذا تعرضت جزيرة العرب في عصور سحيقة في القدم قبل الميلاد لهزات وتحركات أرضية، حتى جعلتها على الشكل الذي نراه عليه الآن١.
وحدّها الشمالي خط وهمي يمتد في اصطلاح العلماء العرب من خليج العقبة حتى مصبّ شط العرب في الخليج العربي؛ فيكون النفود الشمالي من الحدود التي تفصل الهلال الخصيب عن جزيرة العرب. أما من الناحية "الجيلوجية"، فإن باطن الهلال وحدة لا يستطاع فصلها عن تربة الجزيرة، وجزء لا يختلف من حيث طبيعته الصحراوية وخواصه عن سائر أنحاء بلاد العرب. وأما من الناحية التأريخية، فإن هذا الخط الوهمي المتصور، هو وهم وخطأ، فقد سكن العرب في شمال هذا الخط قبل الميلاد بمئات السنين. سكنوا في العراق من ضفة نهر الفرات الغربية، وامتدوا في البادية حتى بلغوا أطراف الشام. وسكنوا في فلسطين وطور سيناء، حتى بلغوا ضفاف النيل الشرقية. وهي أرضون أدخلها الكتبة القدامى من يونان ولاتين وعبرانيين وسريان في جملة مساكن العرب ودعوها بـ "العربية" وبـ "بلاد العرب"؛ لأن أغلب سكانها كانوا من العرب٢، حتى ذهب بعض علماء "التوراة"، إلى أن "بلاد العرب" في التوراة، هي مواطن "الإسماعيليين ishmaelite" و "القطوريين keturaean"، أي البوادي التي نزلت بها القبائل المنتسبة إلى "إسماعيل" و "قطورة". وهي
стр. 147
قبائل بدوية، كانت على اتصال بالعبرانيين، وهي بوادٍ تقع شمال جزيرة العرب وفي الأقسام الشمالية منها١.
أما "أريي"، أي "العربية" في النصوص الأشورية، و"ماتو أريي" "matu a-ra-bi"، أي "أرض العرب" و "بلاد العرب" في النصوص البابلية، و "أربايا" "arabaya" "arpaya" في النصوص الفارسية، "بيث عرباية" "beth' arabaya" في الإرمية؛ فإنها كلها تعني البادية الواسعة التي تفصل العراق عن بلاد الشام. أما حدودها الجنوبية، فلم تحددها النصوص المذكورة٢. ولكننا نستطيع أن نقول أن امتدادها كان يتوقف على مبلغ علم تلك الشعوب بالعرب، وعلى المدى الذي وصل إليه تعاملهم في بلاد العرب.
فبلاد العرب أو "أرض العرب" "مت أربي" "mat arabi" "mat aribi" هي بادية الشأم أيضًا، وهي كل الأرضين التي تحدها جبال "الأمانوس" "amanus" في الشمال، أي الأرضين التي تقع في جنوبها وكل شبه جزيرة سيناء عند "بلينيوس"٣ "plinius". فهن إذن أوسع جدًا مما تصوره علماء الجغرافيا المسلمون لجزيرة العرب.
وإذا نظرنا نظرة عامة إلى خارطة جزيرة العرب، تيسطر على السواحل الضيقة، وتكوّن سلاسل من المرتفعات متصلًا بعضها ببعض، تمتد من بلاد الشأم إلى اليمن، ويقال لهذه المرتفعات جبال "السّراة"٤. وهي توازي ساحل البحر الأحمر، وتقترب منه في مواضع عديدة ويبلغ متوسط ارتفاعها زهاء خمسة آلاف قدم. أما أقصى ارتفاع لها، فيبلغ زهاء ١٢.٣٢٦ قدمًا، وهو في اليمن٥.
وأما الأرضون المحصورة بين هذه السلسة وساحل البحر؛ فإنها ضيقة، تسيطر عليها هذه المرتفعات، وتنحدر إليها انحدرًا شديدًا قصيرًا. وسواحلها
стр. 148
المهيمنة على البحر، صخرية في أغلب الأحيان، يصعب رسو السفن فيها١. وطالما تحطمت عليها السفن المنكوبة، فتكون طعامًا للبحر، وللأعراب الساكنين على السواحل؛ فيكون من ينجو بنفسه من أصحاب تلك السفن وما يتبقّى من حطامها ملكًا لأولئك الساكنين بحسب عرف أهل ذلك الزمان وعاداتهم.
أما الانحدار إلى البحر العربي والخليج العربي، فإنه يكون تدريجيًا وطويلًا ولذلك تكون الأقسام الغربية من جزيرة العرب أعلى من الأقسام الشرقية. وتتألف الأرضون الوسطى من هضبة تُدعى "نجدًا"، يبلغ متوسط ارتفاعها زهاء ٢٥٠٠ قدم. وتمتد في الأقسام الجنوبية من الجزيرة سلاسل من الجبال، يتفاوت ارتفاعها، تسيطر على المنخفضات الساحلية، وعلى ما يليها من أرضين من جهة البرّ، وتتصل هذه بسلسلة جبال اليمن، وتكثر فيها الأودية التي تفصل بين السلاسل، وتأخذ مختلف الاتجاهات من الشمال الشرقي أو من الشمال الغربي إلى سواحل البحر؛ حيث تمثل اتجاهات المياه والسيول٢. ويكون أعلى ارتفاع لسلسلة الجبال الجنوبية في أقصى الجنوب الشرقي من الجزيرة، أي في عمان؛ حيث يبلغ ارتفاع الجبل الأخضر زهاء عشرة آلاف قدم٣.
وتتكون أغلب الأرضين في جزيرة العرب من بوادٍ وسهول، تغلبت عليها الطبيعة الصحراوية؛ لكن قسمًا كبيرًا منها يمكن إصلاحه إذا ما تعهدته يد الإنسان، واستخدمت في إصلاحه الوسائل العلمية الحديثة. وأما الأرضون الصالحة للزراعة، فإنها تزرع فعلًا لوجود المياه فيها. أما الأرضون التي تعدّ اليوم من المجموعة الصحراوية، فهي:
стр. 149
١- الحِرار، أو الأرضون البركانية:
وقد تكوّنت بفعل البراكين، ويشاهد منها نوعان: نوع يتألف من فجوات البراكينن نفسها، ونوع تكوّن من حممها "اللابة" lava التي كانت تقذفها، فتسيل إلى الأطراف ثم تبرد وتتفتت بفعل التقلبات الجوية، فتكون ركامًا من الحجارة البركانية يغطي الأرض بطبقات، قد تكون سميكة، وقد تكون رقيقة، تتبعثر فيظهر من خلال فجواتها وجه الأرض الأصلية.
стр. 150
وفي مثل هذه الأرضين يصعب السير؛ لانتشار الحجارة ذات الرءوس الحادة فيها، وتقل الاستفادة منها، فتتحول شيئًا فشيئًا إلى مناطق صحراوية، والسائر اليوم في منطقة "اللجاة" في جنوب شرقي دمشق، يلاحظ الطريق الذي سلكته الحمم المقذوفة١.
وقد وصف العلماء العرب الحِرار، فقالوا٢: الحَرَّة أرض ذات حجارة سُود نخرة، كأنها أحرقت بالنار، ويكون ما تحتها أرضًا غليظة، من قاع ليس بأسود، وإنما سوّدها كثرة حجارتها، وتدانيها. وتكون الحرة مستديرة، فإذا فيها شيء مستطيل ليس بواسع، فذلك الكراع، واللّابة واللوبة ما اشتد سواده وغلظ وانقاد على وجه الأرض٣. فيظهر من هذا أن "الحرار" هي أفواه البراكين؛ ولذلك تكون مستديرة. وأما اللّابة أو اللوبة، فإنها المناطق التي غطتها حمم البراكين، وسالت فوقها، ثم جفت. وأما الكراع، فإنها أعناق الحرار٤.
стр. 151
وتكثر الحرار في الأقسام الغربية من جزيرة العرب، وتمتد حتى تتصل بالحرار التي في بلاد الشام، في منطقة حوران، ولا سيما في الصفاة١، وتوجد في المناطق الوسطى، وفي المناطق الشرقية الجنوبية من نجد حيث تتجه نحو الشرق، وفي المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية؛ حيث تلاحظ الحجارة البركانية على مقربة من باب المندب وعند عدن٢. وقد ذكر علماء العرب أسماء عدد منها٣، كما أضاف إليها السياح أسماء عدد آخر عثروا عليها في مناطق نائية٤.
وقد وردت في الشعر الجاهلي إشارات إليها. وكانت إحدى الحرار، وهي "حرة النار" في عهد الخليفة عمر لا تزال ثائرة تخرج النار منها٥. وقد ذكر أن سحب الدخان كانت تخرج في عهد الخليفة عثمان من بعض الجبال القريبة من المدينة٦. وهذا يدل على أن فعل البراكين في جزيرة العرب، لم يكن قد انقطع انقطاعًا تامًا، وأن باطن الأرض، كان ما زال قلقًا، لم يهدأ.
وكان آخر حدث بركاني في الحجاز في سنة ٦٥٤ للهجرة "١٢٥٦م"؛ إذ ثارت إحدى الحرّات في شرقي المدينة، واستمر هيجانها بضعة أسابيع، وقد وصل ما سال من حممها إلى مسافة بضعة كيلومترات فقط من المدينة التي كان نجاتها من الأعاجيب٧. وكان أواخر القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر الميلاديين عهد زلازل وثوران براكين في مناطق آسية الغربية٨. ومنذ القرن الثالث عشر الميلادي، لم يبقَ أثر لفعل البراكين في مختلف أنحاء بلاد العرب٩.
وقد تركت الأصوات المزعجة، و "الصيحات" المرعبة، والنيران التي كانت ترى من مسافات بعيدة، وسحب الدخان التي كانت ترتفع من أجواف
стр. 152
الأرض، و "البريق" الذي كان يظهر من الحرار، مثل حرّة "القوس" التي قيل أنها كانت ترى كأنها حريق مشعل١، و "حرة لبن" التي كان يخرج منها ما يشبه البرق، ويسمع منها أصوات كأنها صياح٢، هذه كلها تركت صورًا مرعبة في نفوس الجاهليين، تتجلى في القصص المروية عنها، وفي عقائدهم بتلك النيران.
ولعل قوة نيران "حرة ضَرْوان" وشدة قذفها للحمم وارتفاع لهيبها، هي التي دفعت أهل اليمن إلى التعبد لها والتحاكم إليها؛ فقد كانوا يذهبون إليها ليتحاكموا عندها فيما يحدث عندهم من خلاف، والرأي عندهم أن النار تخرج فتأكل الظالم وتنصف المظلوم. وقد كانت حرة نشطة عاشت أمدًا طويلًا كما يظهر من وصف "الهمداني" وغيرها لها، وصلت حممها إلى مسافات بعيدة عن الحرة٣.
وقد تسببت أكثر هذه الحرار في هلاك كثير ممن كان يسكن في جوارها وفي هجرة الناس من الأرضين التي ظهرت بها، فتحولت إلى مناطق خاوية خالية. وقد وجد السياح أرضين شاسعة واسعة أصيبت بالحرار، وتأثرت بفعل "اللابة": التي سالت عليها. وللناس الحق كل الحق في إرجاع أسباب هلاك أصحابها إلى العذاب الذي نزل بهم بانفجار الأرض وبخروج النيران منها تلتهم الساكنين عندها. وقد جهلوا أن هذه النيران المتقدة الصاعدة والروائح الكريهة المنبعثة عنها، هي من فعل العوامل الأرضية الداخلية التي تعمل سرا في بطن الأرض.
وكثرة الحرار في جزيرة العرب، وانتشارها في مواضع متعددة منها؛ دليل على أن باطنها كان قد تعرض لامتحانات عسيرة قاسية، ولتقلبات كثيرة ولضغط شديد في المناطق الشمالية والغربية والجنوبية، وقد ظهر أثر ذلك الضغط في وجهها فبان اليوم وكأنه حب الجُدَرِيّ، ويتحدث عن ذلك المرض القديم.
стр. 153
وقد اشتهرت بعض مناطق الحرار بالخصب والنماء وبكثرة المياه فيها، ولا سيما حرار الحجاز التي استُغلت استغلالًا جيّدًا، ومنها "خيبر"، التي مُيّزت على سائر القرى، فقيل عنها إنها "خير قرى عربية"١؛ غير أن ظهور العيون فيها بكثرة، جعلها موطناً من مواطن الحمّى، اشتهر أمرها في الحجاز حتى قيل: "حمى خيبر"٢. واستفاد الجاهليون من الحرار باستخراج الأحجار منها، كأحجار الرحى والمعادن، فكانت موطنًا من مواطن التعدين القديمة فيها٣.
ويدرس علماء طبقات الأرض بعناية بلاغة توزيع الحرار في جزيرة العرب، وتقصي أنواع الحجارة التي يكثر وجودها مثل الحجارة الكلسية والغرانيتية والرملية وتوزّعها، والينابيع الحارة في الأحساء٤، لما في هذه الدراسات من أهمية بالنسبة إلى اكتشاف الموارد الطبيعية، والثروات الكامنة في الأرض.
ويظن أن فعل البراكين كان له أثر خطير في العصور ال "أيوسينية" "eocene"؛ إذ ثارت براكين عديدة في جزيرة العرب وفي الحبشة وفي السواحل الإفريقية المقابلة لجزيرة العرب. وقد أثرت هذه البراكين بالطبع في شكل الأرضين التي ثارت فيها وفي شكل الأرضين القريبة منها، وقد ظهرت براكين فعّالة نشيطة في العصور "البليوسينية" "pliocene" أيضًا، أثرت كذلك في شكل سطح الأرض، بأن أحدثت فيها تضاريس، لا تزال آثارها تشاهد حتى الآن٥.
وفي جزيرة العرب عيون وينابيع، تخرج منها مياه حارة؛ ففي عسير وفي الحجاز وفي اليمن وفي حضرموت وعمان والأحساء والهفوف وفي مواضع أخرى
стр. 154
غيرها، مواضع تخرج منها مياه حارة كبريتية في الأكثر، ويستشفي بمياهها الناس بالاستحمام. وانتشارها على هذه الصورة وبهذه الكثرة يلفت النظر، وهي من آثار التقلبات الجوفية التي حدثت في جزيرة العرب منذ القدم١.
стр. 155
٢- الدهناء:
وهي مساحات من الأرضين تعلوها رمال حمر في الغالب، تمتد من النفود في الشمال إلى حضرموت ومهرة في الجنوب، واليمن في الغرب، وعمان في الشرق١. وفيها سلاسل من التلال الرملية ذات ارتفاعات مختلفة، تنتقل في الغالب مع الرياح، وتغطي مساحات واسعة من الأرض٢. ويمكن العثور على المياه في قيعانها إذا حفرت فيها الآبار٣.
وقد أشير إلى الدهناء في بيت شعر للأعشى هذا نصه:
يمرون بالدهناء خفافًا عيابهم ... ويرجعن من دارين بُجر الحقائب٤
وقد تصل الأمطار الموسمية إلى بعض أجزاء "الدهناء" فتنبت فيها الأعشاب؛ ولكن عمرها فيها قصير؛ إذ سرعان ما تجف وتموت. وقد هجر الناس السكنى في أكثر أقسام الدهناء، لجفاف أكثر أقسام هذه المنطقة الصحراوية الواسعة، وخلوها من الماء والمراعي، ولكثرة هبوب العواصف الرملية فيها، ولشدة حرارتها التي يصعب احتمالها في أثناء النهار، وأقاموا في الأمكنة المرتفعة منها، التي تتوافر فيها المياه، وتتساقط عليها الأمطار، فتنبت الأعشاب، وينتجعها الأعراب. أما الأقسام الجنوبية من الدهناء فيسميها الجغرافيون المحدثون
стр. 156
"الربع الخالي"١ "the empty quarter"، لخلوها من الناس، وكانت تعرف بـ "مفازة صيهد"٢.
وقد تمكن السائح الإنكليزي "برترام توماس bertram thomas" من اجتيازها في "٥٨" يومًا، وهو عمل مجهد شاق؛ فكان أول أوروبي جَرُؤ على اجتياز هذه الأرض٣.
ويطلق على القسم الغربي من الدهناء اسم "الأحقاف" وهو منطقة واسعة من الرمال بها كثبان اقترن اسمها باسم "عاد". ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ ٤.
وكشف "برترام توماس" في الربع الخالي بحيرة من المياه الملحة، وبقايا حيوانات مبعثرة، وتبين لدى العلماء أن هذه البحيرة كانت من متفرعات الخليج العربي، وأن من المحتمل أن هذه الأرضين التي تكثر فيها رواسب قيعان البحر، قد كانت في عهدها من المناطق البحرية التي تغمرها مياه المحيط، كما عثر فيه على آثار جاهلية لم يعرف من أمرها شيء حتى الآن٥، يظهر أنها لأقوام كانت تستوطن هذه المناطق أيام كانت ذات مياه صالحة للإنبات والخصب. وما زالت حتى اليوم تعد أرضًا مجهولة، وإن تحسنت معارفنا عنها كثيرًا، بفضل بعض موظفي شركات البترول والباحثين عن المعادن في مختلف أنحاء الجزيرة. وستأتي الاكتشافات الجديدة لها بمعارف قيمة عن تأريخ العرب قبل الإسلام من غير شك.
وتكو "وبار" قسمًا من الدهناء، وكانت من الأرضين المشهورة بالخصب والنماء، وهي اليوم من المناطق الصحراوية، وبها آثار القرى القديمة التي كانت كثيرة قبل الإسلام. والظاهر أنها كانت مواطن الرباريين، وهم الذين دعاهم
стр. 157
"بطلميوس" "jobaritai" الذين سأتحدث عنهم١. وفي الجهة الشمالية الشرقية من وبار، رمال "يبرين"، وكانت من المناطق المأهولة كذلك، ثم دخلها الخراب٢.
стр. 158
٣- النفود:
أما النفود، وهو اسم لم يكن يعرفه العرب١؛ فهي صحراء واسعة ذات رمال بيض أو حمر تذروها الرياح فتكون كثبانًا مرتفعة، وسلاسل رملية متموجة، تبتدئ من واحة "تيماء"، وتمتد إلى مسافة ٤٥٠ كيلومترًا تقريبًا نحو الشرق، ويبلغ امتدادها من الجوف إلى جبل شمر زهاء ٢٥٠ كيلومترًا تقريبًا. وقد عرفت أيضًا بـ "الدهناء" وبـ "رملة عالج"، ثم تغلب عليها اسم "النفود" وصارت تعرف به٢.
وتعد النفود من الأماكن المائلة أو المنحدرة، ويظهر من القباسات "وإن كانت قليلة جدًا"، إن المنطقة الشرقية من النفود أوطأ من مستوى المنطقة الغربية عند خط طول "٢٧" درجة و "٣٠" دقيقة، بما يزيد على ١٥٠ مترًا، أي أن هذه البادية مرتفعة في الغرب، آخذة في الانخفاض والميل في الشرق٣.
وقد نتج عن هذا الميل والانحدار المتوالي أن الرمال التي كانت الرياح الشمالية أو الشمالية الغربية تحملها، تراكمت في المنخفض؛ فأصبحت الحدود الغربية والشرقية لهذه المنطقة مرتفعة بالنسبة إليها؛ بحيث صار "الحماد" يشرف عليها إشرافًا تامًا٤.
ويغطي وجه "النفود"، كثبان من الرمال متموجة يبلغ ارتفاع بعضها
стр. 159
زهاء "١٥٠" مترًا، ولذلك لا يعد سطح بادية النفود سطحًا مستويًا منبسطًا. وتأخذ هذه المرتفعات مختلف الأشكال، فتكون في أغلب الأحيان على شكل نعل الفرس، ويكون اتجاهها من الغرب نحو الشرق، وتكون أبعادها وأعماقها مختلفة، وتسمى "القعور". وقد تركت أثرًا عميقًا في مخيلة المسافرين ورجال القوافل١.
وبعد الأشتية الممطرة تتحول هذه المنطقة الرملية الموحشة إلى جنة حقيقية فتظهر الرمال وكأنها قد فرشت ببسط خضر، ويزينها الزهر والشقائق ومختلف الأعشاب الصحراوية، وينتجعها الأعراب للرعي. وقد تنمو فيها النباتات المرتفعة ذات السيقان القوية كبعض أنواع "الغَضَي"؛ فتكون أدغالًا يحتطب منها البدو، وقد يحرقونها لاستخراج الفحم منها٢. وهذه الأعشاب والنباتات، لا تظهر إلا في المنطقة ذات الرمال الحمر "نفود سمرًا". أما النفود البيضاء المؤلفة من رمال نشأت من تفتت أحجار" الكوارتز" فإنها في أكثر الأماكن غير منبتة٣.
ولكن هذه الجنة الأرضية جنة قصيرة العمر، لا يدوم عمرها إلا أسابيع قليلة، ثم يحلّ بها الجفاف، وتهب السمائم، فتقضي على كل ما نبت في هذه البادية، فتبدو كالحة عابسة مزعجة منفّرة، وكأن إنسانًا كنس وجهها كنسًا أزال عنه كل أثر لذلك الجمال. وتهب في شهر نيسان رياح حارة من الشرق والجنوب، ورياح في شهور الصيف تحرق البادية حرقًا، حتى تغدو وكأنها جحيم٤.
وفي العربية ألفاظ عديدة لها صلة بالبوادي، كثرت وتعددت لاتصال حياة العرب بها، منها ما لها علاقة بشكل البادية وظاهر وجهها، ومنها ما لها علاقة بطبيعتها وبتركيبها، إلى غير ذلك من مصطلحات، نشأ بعضها من تعدد لهجات العرب ولغاتها؛ إذ تسمى قبيلة البادية باسم ربما لا تعرفه قبيلة أخرى، وهكذا تنوعت التسميات.
стр. 160
خاصة، وصيرت معظم أهلها بدوًا بالرغم منهم، فأقول لك: إن الرأي المنتشر أن هذه الصحاري تكوّنت من تفتت الأحجار الرملية بتأثير الرياح والجفاف فيها١. ويؤيد وجود مثل هذه الأحجار في الشمال الغربي من بلاد العرب هذا الرأي كثيرًا، ويظهر أنه رأي علمي ينطبق على بعض الصحاري انطباقًا كبيرًا، غير أنه لا يحل مشكلة مصدر الرمل الأحمر المتكوّن من أحجار غير رملية الذي يغطي مساحات واسعة من صحراء النفود، بينما الرمل الناشيء من الأحجار الرملية لا يغطي إلّا مساحات ضيقة بالنسبة إلى المناطق الأخرى. وهذا يدل دلالة صريحة على أن رمال "النفود" لم تتكون من تفتت الأحجار الرملية حسب، بل من عوامل أخرى كالتقلبات الجوية وتأثيرها في قشرة الأرض٢.
يكون ظاهر التربة الأجرد معرضًا لحرارة الشمس والتغيرات الجوية مباشرة؛ إذ لا أشجار تحميه، ولا أعشاب تحافظ على تماسك ذراته وحفظها من تلك التغيرات. فإذا انقطعت الأمطار، جفت التربة، فتفتتت تدريجيًّا، وتستطيع الرياح أن تعبث فيها بكل سهولة، وتتمكن الرياح التي سرعتها ١٨ كيلومتر في الساعة من إثارة الطبقات الرملية الخفيفة والأتربة الباقية المبعثرة على سطح الأرض.
وإذا هبت الرياح بسرعة ٣٣ كيلومترًا في الساعة، امتلأ الجو بالغبار، فإذا ازدادت السرعة، استحالت إلى عواصف تؤثر تأثيرًا كبيرًا في سطح الأرض فتحمل ما عليه من أتربة، وتعرض الطبقات السفلى التي كانت تحت هذه الأتربة لفعل الجو المباشر؛ ليحدث لها ما حدث في الطبقة التي كانت فوقها، وهكذا تتحول هذه المناطق إلى صحاري، وتتكون الرمال حينئذ من التربة المتفتتة لا من تهشم الأحجار الرملية أو الكلسية وحدها٣.
وتهب مثل هذه الرياح في الشمال الغربي من جزيرة العرب من نهاية شهر "آذار" مارس حتى نهاية شهر "أيار" مايس، وتهب في أغلب الأحيان هبوبًا فجائيًّا، وتستمر يومين أو ثلاثة أيام، وتنتهي في بعض الأحيان برعد
стр. 161
وبرق. وعند حدوث هذه الزوابع يغبر الأفق ويكفهر وجه السماء، ثم تهب بعد لحظات عواصف شديدة وأعاصير، تضفي على الجو لونًا قاتمًا، وأحيانًا مائلًا إلى الصفرة أو الحمرة بحسب لون الرمال التي تحملها الرياح، وتختفي الشمس، وتؤثر هذه "العجاجة" في النبات والأشجار تأثيرًا كبيرًا. وإذا استمرت مدة طويلة، سببت تلف قسم كبير من المزروعات في الأماكن المزروعة١.
وقد أشار الكتّاب اليونان والرومان إلى البادية كما عرفها العبرانيون. ولكلمة "حويلة havilah"، ومن معانيها الأرض الرملية٢، أي تخم بني إسماعيل -وأولادهم وهم البدو- ولهذا المدلول علاقة كبيرة بمعنى صحراء٣. وقد ذهب بعض علماء التوراة إلى أنها تعني النفود٤.
وتفصل العراق عن بلاد الشام بادية واسعة، تُعرف بـ "بادية الشام" أو "البادية"، أو "خساف"، ويقال للقسم الجنوبي منها -وهو القسم الذي بين الكوفة والسماوة من جهة، وبينها وبين الشام من جهة أخرى- "بادية السماوة"٥، ويسميها العامة "الحماد" أو "حماد"٦.
стр. 162
مصدر الصحاري:
وإذا سألتني عن مصدر هذه الصحاري المزعجة التي وسمت جزيرة العرب بسمة
стр. 163
الدارات:
وفي بلاد العرب "الدارات"، والدارة: كل جوبة بين جبال في حزن كان ذلك أو سهل أو رمل مستدير، في وسطه فجوة, وهي الدورة، وتجمع الدارة على دارات١. فهي أرض سهلة ليّنة بيض في أكثر الأحيان، وتنبت فيها
стр. 164
الأعشاب والصليان والنباتات الصحراوية١، ويبلغ عددها زهاء عشر دارات ومائة٢. ولبعض هذه الدارات شهرة؛ إذ وردت أسماؤهم في الشعر الجاهلي والإسلامي، مثل "دارة جلجل"، التي ورد ذكرها في شعر امرئ القيس الكندي٣. و"دارة الآرام" وكانت مملوءة من شقائق النعمان، كما جاء ذلك في شعر برج بن خنزير المازني الذي كلفه الحجاج بن يوسف حرب الخوارج٤.
стр. 165
الجبال:
تكون سلسلة جبال السَّرات العمود الفقري لجزيرة العرب، وتتصل فقراته بسلسلة جبال بلاد الشام المشرفة على البادية، المتحكمة فيها تحكم الجنود في القلاع. وبعض قمم هذه السلسلة مرتفعة، وقد تتساقط الثلوج عليها كجبل دباغ الذي يرتفع "٢.٢٠٠" متر عن سطح البحر١، وجبل وثر وجبل شيبان. وتنخفض هذه السلسلة عند دنوها من مكة، فتكون القمم في أوطأ ارتفاع، ثم تعود بعد ذلك إلى العلو حيث تصل إلى مستوى عالٍ في اليمن حيث تتساقط الثلوج على قمم بعض الجبال٢.
وتمتد في محاذاة السواحل الجنوبية سلاسل جبلية تتفرع من جبال اليمن، ثم تتجه نحو الشرق إلى أرض عمان؛ حيث ترتفع قمم الجبل الأخضر ارتفاعًا يتراوح من تسعة آلاف قدم إلى عشرة آلاف قدم٣. وتتخلل هذه السلاسل الجنوبية أودية تمثل اتجاه مسايل الأمطار إلى البحر.
وتفصل بين البحر والسلاسل الجبلية سهول ساحلية ضيقة في الغالب، ربما لا تتجاوز خمسة عشر ميلًا عن سواحل البحر الأحمر٤. وتكون هذه السواحل
стр. 166
حارة رطبة في الغالب، يتضايق منها الإنسان، وتكون غير صحية في بعض الأماكن. ويطلق على بعض أقسام التهائم "الغو" و "السافلة"؛ لانخفاض بقاعها. وقد ذهب بعض العلماء إلى إطلاق تهامة على طول الأغوار الساحلية الممتدة من شبه جزيرة سيناء وبحرالقلزم إلى الجنوب١. وسأتحدث عنها فيما بعد.
وتكون هذه السلاسل مانعًا -للأبخرة المتصاعدة من البحر الأحمر والبحر العربي- من وقوع الأمطار في أواسط بلاد العرب وفيما وراء السفوح الشرقية للسّراة والسفوح الشمالية للسلاسل الجبلية الجنوبية، لذلك كثرت الأودية القصيرة التي تسيل فيها المياه في هذه المناطق، وزادت فيها إمكانيات الخصب والزراعة عن البقاع التي وراء السَّراة حتى الخليج.
وفي نجد، وهي هضبة يبلغ ارتفاعها زهاء ٢٥٠٠قدم، ومنطقة جبلية تتكون من "الغرانيت"، يقال لها جبل "شمر"، وهي من مواضع "طيء" التي اشتهر أمرها قبل الإسلام اشتهارًا كبيرًا، وقد عرفت قديمًا بجبلَيْ طيء.
وتتألف من سلسلتين، يقال لإحداهما أجأ، وللأخرى سلمى٢. وهناك منابع عديدة للمياه في شعاب هذه السلسلة وفي السهل الكبير المنبسط بينهما. ويمكن الحصول على المياه فيها بوفرة تحت طبقات الرمال والصخور٣. وأما جبل "طويق" فهو مرتفعات تقع في الوسط الشرقي من نجد وفي جنوب شرقي الرياض، وتتألف من الحجارة الرملية وتحيط بها الصخور والحجارة الكلسية، وتدل البحوث على أن من الصخور والموارد البركانية ما قذفته البراكين إلى هذه الجهات٤.
стр. 167
الأنهار والأودية:
ليس في جزيرة العرب أنهار كبيرة بالمعنى المعروف من لفظة نهر مثل نهر دجلة أو الفرات أو النيل؛ بل فيها أنهار صغيرة أو جعافر. وهي لذلك تعد في جملة الأرضين التي تقل فيها الأنهار والبحيرات، وفي جملة البلاد التي يتغلب
стр. 168
عليها الجفاف. ويقل فيها سقوط الأمطار، ولذلك أصبحت أكثر بقاعها صحراوية قليلة السكان؛ غير أنها كثيرة الأودية، تطغى عليها السيول عند سقوط الأمطار، فتصير وكأنها طاغية مزبدة. وهي في الغالب طويلة، تسير في اتجاه ميل الأرض. أما الأودية التي تصب في البحر الأحمر أو في البحر العربي، فإنها قصيرة بعض الشيء، وذات مجرى أعمق، وانحدار أشد، والمياه تسيل فيها بسرعة فتجرف ما يعترضها من عوائق، وتنحدر هذه السيول إلى البحر فتضيع فيه، ومن الممكن الاستفادة منها في الأغراض الزراعية والصناعية. وقد تكون السيول خطرًا يهدد القوافل والمدن والأملاك، ويأتي على الناس بأفدح الخسائر١.
وفي كتب المؤلفين الإسلاميين إشارات إلى سيول عارمة جارفة، أضرت بالمدن والقرى والمزارع وبالقوافل والناس؛ إذ كانت قوية مكنتها من جرف الأبنية والناس، ومن إغراقهم حتى ذكر أن خراب عاصمة اليمامة القديمة كان بفعل السيل، وأن كثيرًا من المزارع والأموال هلكت وتلفت بفعل لعب السيول بها لعبًا لم تتحمله؛ فهلكت من هذا المزاح الثقيل٢.
وليس في استطاعة أحد التحدث عن ملاحة بالمعنى المفهوم من الملاحة في نهيرات حزيرة العرب، وذلك لأن هذه النهيرات إما قصيرة سريعة الجريان منحدرة انحدارًا شديدًا، وإما ضحلة تجف مياها في بعض المواسم فلا تصلح في كلتا الحالتين للملاحة. وهي أيضًا شحيحة بالثروة الحيوانية، وليس فيها إلا مقادير قليلة من الأسماك.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن كثيرًا من أودية جزيرة العرب كانت أنهارًا في يوم من الأيام. واستدلوا على ذلك بوجود ترسبات في هذه الأودية، هي من نوع الترسبات التي تكون في العادة في قيعان الأنهار، ومن عثور السياح على عاديات وآثار سكن على حافات الأودية. ومن نصّ بعض الكتبة "الكلاسيكيين" على وجود أنهار في جزيرة العرب؛ فقد ذكر "هيرودوتس" نهرًا سماه "كورس" زعم أنه نهر كبير عظيم، يصب في "البحر الأريتوي"، ويقصد به البحر الأحمر، وزعم أن العرب يذكرون أن ملكهم كان قد علم ثلاثة أنابيب صنعها
стр. 169
من جلود الثيران وغيرها من الحيوانات، امتدت من هذا النهر إلى البادية مسيرة اثني عشر يومًا، حملت الماء من النهر إلى مواضع منقورة، نقرت لخزن المياه الآتية من ذلك النهر فيها١.
وهناك موضع على مقربة من ساحل البحر الأحمر اسمه "قرح"٢ على مسافة ٤٣ كيلومترًا من "الحجر" في مكان يمر به خط الحديد الحجازي في منطقة صحراوية، وكان في الأزمنة السابقة من المحلات المزروعة، وبه بساتين عدة تعرف بـ "بساتين قرح"، وعلى مقربة منها "سقيا يزيد" أو "قصر عنتر" "إسطبل عنتر"، كما تعرف به في الزمن الحاضر على بعد ٩٨ كيلومترًا من المدينة. وإلى شماله "وادي الحمض" الذي يرى بعض العلماء أنه المكان الذي أراده "هيرودوتس"٣.
وذكر "بطلميوس" نهرًا عظيمًا سماه "لار" lar، زعم أنه ينبع من منطقة "نجران"، أي من الجانب الشرقي من السلسلة الجبلية، ثم يسير نحو الجهة الشمالية الشرقية مخترقًا بلاد العرب حيث يصب في الخليج العربي٤. ولا يعرف من أمر هذا النهر شيء في الزمن الحاضر. ولعله كان واديًا من الأودية التي كانت تسيل فيها المياه في بعض المواسم، أو كان بقايا نهر، أثرت في مياهه عوامل الجفاف. ويرى "موريتس" أن هذا النهر الذي أشار إليه "بطلميوس"، هو وادي الدواسر، الذي يمس حافة الربع الخالي عند نقطة تبعد زهاء خمسين ميلًا من جنوب السليل، وتمده بعض الأودية المتجهة من سلاسل جبال اليمن بمياه السيول٥، وتغيض مياهه في الرمال في مواضع عديدة، فتكون بعض الواحات التي يستقى منها، ويزرع عليها. ويلاحظ وجود مياه غزيرة في واديه، في مواضع لا تبعد كثيرًا عن القشرة. وهذا مما
стр. 170
يحمل على الاعتقاد بوجود مجاري أرضية تحت سطح الوادي، وأنه كان في يوم ما نهرًا من الأنهار؛ غير أننا لا نستطيع أن نتكهّن في أمر هذا الوادي أكان نهرًا جاريًا في زمن بطلميوس كما أشار إلى ذلك، أو كان واديًا رطب القيعان لم تكن عوامل الجفاف قد أثرت فيه أثرها في الزمن الحاضر. لذلك كانت تمكث فيه السيول والأمطار المتساقطة على السفوح الشرقية لجبال اليمن مدة أطول مما هي عليه الآن١. والرأي عندي أن هذه الأنهار وأمثالها التي يشير إليها المؤلفون اليونان والرومان، لم تكن في الواقع وبالنسبة إلى ذلك الزمن إلّا سيولًا عارمة جارفة سمعوا بأخبارها من تجارهم ومن بعض رجالهم الذين كُتب لهم الذهاب إلى بلاد العرب أو اتصلوا بالعرب، فظنوا أنها أنهار عظيمة على نحو ما ذكروه. فلا يعقل وجود الأنهار الكبيرة في ذلك الزمن؛ إذ كان الجفاف قد أثر تأثيره في إقليم جزيرة العرب قبل ذلك بأمد طويل، فلا مجال لبقاء أنهار على النحو الذي يذكره أولئك الكتّاب.
وينطبق هذا الاحتمال على الأودية الأخرى، وهي كما قلت كثيرة، ومنها وادي الرمة ووادي الحمض، ويعد هذان الواديان من الأودية الجافة، إلا في مواسم الأمطار الشديدة حيث تصب السيول فيهما، غير أن لها مجاري أرضية، تشير إلى تلك الحقيقة، ويمكن الحصول على المياه فيهما بحفر الآبار على أعماق ليست بعيدة عن السطح. وقد تظهر على سطح الأرض في بعض المحال، وربما كانا قبل آلاف السنين أنهارًا تجري فيها المياه، فتروي ما عليها من أرضين٢.
يتكون "وادي الرمة" عند "حرة خيبر" أو "حرة فدك"٣ من التقاء بضعة أودية ممتدة من الشمال على ارتفاع ستة آلاف قدم، ثم تتجه بعد ذلك نحو الشرق ثم تأخذ اتجاهًا جنوبيًّا شرقيًّا حيث تتصل بـ "الجرير" أو "الجريب" كما كان يعرف سابقًا٤، وهو من أوسع فروع وادي الرمة. ويتجه هذا الوادي
стр. 171
نحو الشرق حيث يصل إلى "بريدة"، ثم ينعطف نحو الشمال الشرقي فالشرق إلى "القصيم" حيث يسمى بعد ذلك "الباطن" "البطن" ثم يتفرع إلى فرعين يخترقان منطقة صحراوية، ويسير أحدهما في "النفود" حيث يتصل بالدهناء إلى أن يبلغ موضعًا قرب البصرة١. ويبلغ طول هذا الوادي زهاء ٩٥٠ كيلومترًا أو أكثر٢.
وأما مبدأ وادي الحمض أو وادي إضم كما كان يسمى قديمًا، فمن جنوب حرّة خيبر، ثم يتجه نحو الجنوب الغربي إلى أن يصل إلى يثرب حيث تتصل به أودية فرعية أخرى، منها "وادي العقيق"، ويتصل به كذلك "وداي القرى"، ويستمد مياهه من السيول التي تنحدر إليه من الجبال من العيون التي عند خيبر حيث يصب في البحر الأحمر في جنوب قرية الوجه. وعند هذا المصب بقايا قرية يونانية قديمة، وبقايا معبد يعرف عند الأهلين "كصر كريم"٣،
وهو من مخلفات المستعمرات اليونانية القديمة التي كان الملاحون والتجار اليونانيون قد أقاموها عند ساحل البحر الأحمر لحماية سفنهم من القرصان. وللاتجار مع الأعراب، ولتموين رجال القوافل البحرية بما يحتاجون إليه من ماء وزاد. ويعتقد "موريتس" أن هذا الموضع هو محل مدينة "لويكه كومة" "leuke kome" المشهورة التي وصل إليها "أوليوس كالوس" لما همَّ بفتح اليمن٤، على حين يرى آخرون أن هذه المدينة هي في المحل المعروفة باسم "الحوراء". ويبلغ طول وادي الحمض زهاء ٩٠٠ كيلومتر٥.
стр. 172
وهناك "وادي حنيفة"، وهو الأودية المهمة كذلك، يبتدئ من غرب "جبل طويق" ثم يتجه نحو الشرق نحو الخليج العربي. وهو مهم، ويمكن الحصول على المياه فيه بطريقة حفر الآبار؛ لأن الماء غير بعيد عن قاعه. وأما عند هُطول الأمطار، فإن المياه تجري إليه من السفوح فتسيل فيه١.
ولقلة المياه في بلاد العرب، انحصرت الزراعة فيها في الأماكن التي حبتها الطبيعة بمواسم تتساقط فيها الأمطار مثل العربية الجنوبية، وفي الأماكن التي ظهرت فيها عيون وينابيع، مثل وادي القرى في الحجاز، والأحساء على الخليج العربي. وفي الأودية والأماكان التي تكثر فيها المياه الجوفية؛ حيث استنبطت المياه منها بحفر الآبار. والزراعة في هذه الأماكن -باستثناء العربية الجنوبية- هي زراعة محدودة، حدودها ضيقة، وآفاقها غير بعيدة، وناتجها قليل لا يكفي لإعاشة كل السكان.
وقد لزمت سكان الأرضين التي تغيث السماء أرضهم، بإنزال الغيث عليها، الاستفادة من الأمطار المنهمرة، بحصرها وتوجيهها إلى مخازن تخزنها لوقت الحاجة، وذلك بإنشاء السدود وإقامة خزانات ذوات أبواب تفتح وتغلق لتوجيه المياه الوجهة التي يريدها الإنسان. وقد أقيمت هذه السدود في مواضع متناثرة من جزيرة العرب، خاصة في الأماكن التي يركبها المطر مثل العربية الجنوبية والعربية الغربية. وتشاهد اليوم آثار سدود جاهلية استعملها الجاهليون للاستفادة من مياه الأمطار.
ولما كانت الأمطار رحمة ونعمة كبرى، إذا انحبست نفقت إبل العرب ومواشيهم، صار انحباسها نقمة وهلاكًا، وعدّوا انحباسها عنهم غضبًا من الآلهة ينزل بهم، ولهذا كان الجاهليون يتضرعون على آلهتهم ويتقربون إليها، أن تنزل عليهم الغيث، ولهم في ذلك صلوات وأدعية للاستسقاء سيأتي الحديث عنها في باب الدين عند الجاهلين.
وعلى خلاف العيون الحارة التي هي من آثار التفاعلات البركانية والتفاعلات الباطنية الكيمياوية، فإن في بلاد العرب عيون وينابيع وواحات، صارت موطنًا للزراع والزرع. وبعض هذه العيون، تتدفق من الجبال والهضاب وبعد مجرى قصير تعود فندخل باطن الأرض كما هو الحال في أرض "مَدْيَن". وهنالك
стр. 173
عيون تتوقف حياتها على المطر. وقد استفاد الجاهليون من بعض العيون والينابيع فربطوها بكهاريز وبقنوات تجري فيها المياه تحت سطح الأرض إلى بيوتهم ومزارعهم دون أن تتعرض للتبخر الزائد؛ فتفقد كميات كبيرة من المياه تذهب هباء. وقد عثر على شبكات منها في عُمان وفي وادي فاطمة بالحجاز وفي اليمن١
стр. 174
أقسام بلاد العرب
مدخل
...
أقسام بلاد العرب:
قسّم اليونان واللاتين جزيرة العرب إلى أقسام ثلاثة:
١- العربية السعيدة arabia felix.
٢- العربية الصخرية، وترجمت بالعربية الحجرية كذلك "arabia petreae".
٣- العربية الصحراوية arabia deserta".
وهو تقسيم يتفق مع الناحية السياسية التي كانت عليها البلاد العربية في القرن الأول للميلاد. فالقسم الأول مستقل، والقسم الثاني قريب من الرومان ثم أصبح تحت نفوذهم، وأما القسم الثالث فهو البادية إلى نهر الفرات١.
وقد أشير إلى العربية السعيدة والعربية الصحراوية في الموارد "الكلاسيكية" القديمة مثل جغفرافية "سترابون"٢. ويرى بعض العلماء أن القسم الآخر وهو "العربية الصخرية" arabia petreae" هو من إضافة "بطلميوس" العالم الجغرافي الشهير، وقد قصد به برية شبه جزيرة سيناء وما يتصل بها من فلسطين إلى الأردن٣. فهو في رأي هؤلاء أحدث عهدًا في التسمية من التسميتين الأخريين.
ولم يأخذ الجغرافيون العرب بالتقسيم "الكلاسيكي"، مع أنهم وقفوا على بعض مؤلفاتهم، كجغرافية بطلميوس٤. إلا أن جزيرة العرب عندهم، هي "العربية السعيدة" في اصطلاح أكثر الكتبة اليونان واللاتين.
стр. 175
العربية السعيدة: arabia felix
أما العربية السعيدة، ويقال لها "arabia beata" و "arabia eudaimon" في اليونانية؛ فهي أكبر الأقسام الثلاثة رقعة، وتشمل كل المناطق التي يقال لها جزيرة العرب في الكتب العربية كما يفهم من بعض المؤلفات، وليست لها حدود شمالية ثابته؛ لأنها كانت تتبدل وتتغير على حسب الأوضاع السياسية.
ولكن يمكن القول إنها تبدأ في رأي أكثر الكتّاب اليونان والرومان من مدينة "هيروبوليس" "heropolis" على مقربة من مدينة السويس الحالية، ثم تساير حدود العربية الحجرية الجنوبية، ثم تخترق الصحراء حتى تتصل بمناطق الأهوار "أهوار كلدبا" عند موضع "thapsacus". وقد أدخل بعض الكتاب هذه الأهوار في جملة العربية السعيدة، وجعلها بعضهم خارجة عنها بحيث يمر خط الحدود في جنوبها إلى أن تتصل بمصب شط العرب في الخليج١.
وعرفت البادية الواسعة التي هي جزء من النفود والتي تمر بها حدود العربية السعيدة الشمالية، باسم "eremos" عند اليونان، وهي امتداد لبادية الشام٢.
стр. 176
العربية الصحراوية:
ويقال لها في اليونانية١ "arabia eremos". أما حدودها؛ فلم يعينها الكتّاب اليونان واللاتين تعيينًا دقيقًا. ويفهم من مؤلفاتهم أنهم يقصدون بها البادية الواسعة الفاصلة بين العراق والشام، أي البادية المعروفة عندنا ب"بادية الشام". ويكون نهر الفرات الحدود الشرقية لها إلى ملتقى الحدود بالعربية السعيدة. وأما الحدود الشمالية، فغير ثابتة، بل كانت تتبدل بحسب الأوضاع السياسية. وأما الحدود الغربية، فكانت تتبدل وتتغير كذلك، ويمكن أن يقال بصورة عامة إن حدودها هي المناطق الصحراوية التي تصاقب الأرضين الزراعية لبلاد الشام. فما كان بعيدًا عن إمكانيات الرومان واليونان ومتناول جيوشهم، عد من العربية الصحراوية٢.
стр. 177
ويفهم من العربية الصحراوية أحيانًا "بادية السماوة"١، وقد يجعلون حدودها على مقربة من بحيرة النجف، أي في حدود الحيرة القديمة؛ حيث تبدأ "بطائح كلدية" التي كانت تشغل إذ ذاك مساحة واسعة من جنوب العراق. وعرفت عند بطلميوس باسم "amardocaea" وهي تمتد حتى تتصل ببطائح "maisanios kolpos" أو "خليج مسنيوس" "خيلج ميسان"، الذي يكون امتداد الخليج العربي "persikos kopos". وكل ما وقع جنوب ذلك الخط الوهمي، عدّ في العربية السعيدة٢.
وقد فهم "ديودورس" من "العربية الصحراوية" المناطق الصحراوية التي تسكنها القبائل المتبدية، وتقع في شمالها وفي شمالها الشرقي في نظره أرض مملكة "تدمر". وأما حدّها الشمالي الغربي والغربي حتى ملتقاها بالعربية الحجرية، فتدخل في جملة بلاد الشام. وأما حدودها الشرقية، فتضرب في البادية إلى الفرات. فأراد بها البادية إذن. وقد جعل من سكانها الإرميين والنبط٣.
وتقابل العربية الصحراوية، ما يقال له "أربي" عند الأشوريين، و "ماتو أربي" عند البابليين، و "أرباية" عند السريان والفرس.
كانت البادية، بادية الشام، أو "العربية الصحراوية"، مأهولة بالقبائل العربية، سكنتها قبل الميلاد بمئات السنين. وليست لدينا مع الأسف، نصوص كتابية قديمة أقدم من النصوص الأشورية التي كانت أول نصوص أشارت إلى العرب في هذه المنطقة، وذكرت أنه كانت لديهم حكومات يحكمها ملوك. وأقدم هذه النصوص هو النص الذي يعود تأريخه إلى سنة ٨٥٤ ق. م٤. وقد ورد فيه اسم العرب في جملة من كان يعارض السياسة الآشورية، ولما كان هذا النص يشير إلى وجود مشيخة أو مملكة عربية، يحكمها ملك فلا يعقل أن يكون العرب قد نزلوا في هذا العهد في هذه البادية، بل تشير كل الدلائل إلى أن وجودهم فيها كان قبل هذا العهد بأمد، وربما كان قبل الألف الثاني قبل الميلاد. وقد كانت هذه القبائل تهاجم أرض ما بين النهرين وبلاد الشام، وتكون مصدر
стр. 178
رعب للحكومات المسيطرة على الهلال الخصيب، وكانت تنتقل في هذه البادية الواسعة، لا تعترف بفواصل ولا بحدود، فتقيم حيث الكلأ والماء والمحل الذي يلائم طبعها١.
أما الروايات العربية، وهي لا تستند إلى وثائق أو نصوص جاهلية، فقد رجحت وجود العرب في هذه الأرضين إلى ما بعد الميلاد في الغالب، ولم يتجاوز بعض من تجاوز الميلاد أيام "بخت نصر" وهو بالطبع حديث مغلوط فيه.
стр. 179
العربية الحجرية، العربية الصخرية:
وأما العربية الحجرية، فتشمل الأرضين التي كان يسكن فيها الأنباط، وخضعت لنفوذ الرومان والبيزنطيين. ويطلق ذلك الاسم، أي العربية الحجرية، على شبه جزيرة سيناء، وعلى المملكة النبطية، وعاصمتها "بطرا" "بترا" "البتراء"١. وكانت حدود هذه المنطقة تتوسع وتتقلص بحسب الظروف السياسية وبحسب مقدرة العرب؛ ففي عهد الحارث الرابع ملك الأنباط "من سنة ٩ ق. م إلى سنة ٤٠ ب. م" اتسعت حدودها حتى بلغت نهايتها الشمالية مدينة دمشق٢. ولما ضعف أمر النبط، استولى الإمبراطور "تراجان" عام "١٠٦م" على هذه المقاطعة وضمها إلى المقاطعة التي كونها الرومان وأطلقوا عليها اسم "المقاطعة العربية" "provincia arabia". ويظهر من وصف "ديودورس" لهذه المنطقة أنها في شرق مصر وفي جنوب البحر الميت، وجنوبه الغربي وفي شمال العربية السعيدة وغربها٣. وأن الأنباط يقيمون في الأرضين الجبلية وفي المرتفعات المتصلة بها التي في شرق البحر الميت، وفي شرق وادي العربة، وفي جنوب اليهودية حتى الخليج العربي، "خيلج العقبة"٤. وأما الأقسام الباقية، فكانت تسكنها قبائل عربية قيل لها "سبئية"، وهي تسمية كانت تطلق عند الكتبة اليونان والرومان على أكثر القبائل المجهولة أسماؤها، التي تقطن وراء مناطق نفوذ الأنباط والرومان، ويعنون بذلك قبائل جنوبية في الغالب.
стр. 180
التقسيم العربي
مدخل
...
التقسيم العربي:
ويؤسفنا أننا لا نستطيع أن نتحدث عن وجهة نظر أحد من الجاهليين في أقسام بلاد العرب، لعدم ورود شيء من ذلك في النصوص أو في الروايات التي يرويها عنهم أهل الأخبار، وكلهم مسلمون.
أما الإسلاميون، فقد اكتفوا بجزيرة العرب، فأخرجوا بذلك البادية الواسعة منها، وأخرجوا القسم الأكبر مما دعاه الكلاسيكيون بالعربية الحجرية منها كذلك. وجزيرة العرب وحدها، هي "العربية السعيدة" عند اليونان والرومان، وما يقال له أيضًا بـ "arabia proper" في الإنكليزية١.
وقد قسّموا جزيرة العرب إلى خمسة أقسام: الحجاز، وتهامة، واليمن، والعروض، ونجد٢. ويُرجع الرواة أقدم روايتهم في هذا التقسيم إلى عبد الله بن عباس٣.
أما الحجاز، فتمتد رقعته في رأي أكثر علماء الجغرافية المسلمين، من تخوم الشام عند العقبة إلى "الليث"٤، وهو وادٍ بأسفل السراة يدفع في البحر، فتبدأ عندئذ أرض تهامة٥. وقد عدّ قسم من العلماء "تبوك" وفلسطين من أرض الحجاز٦. ويقال للقسم الشمالي من الحجاز أرض مدين وحسمى، نسبة إلى السلسلة الجبلية المسماة بهذا الاسم، التي تتجه من الشمال نحو الجنوب٧، وتتخللها