الفصل السادس والعشرون: أسر وقبائل
مدخل
...
الفصل السادس والعشرون: أسر وقبائل
تحدثت عن ملوك سبأ، وعليَّ الآن أن أتحدث عن الأسر وعن القبائل التي كانت لها أعمال بارزة ملحوظة في هذا العهد؛ إذ كانت من القوى الموجهة، ولتوجيهها أثر مهم في سياسة زمانها.
وأول من يجب أن أبدأ بهم، "فيشن" "فيشان"؛ فمنهم كان مكربو سبأ، ومنهم كان الملوك. ولا بد أن يكون الفيشانيون من القبائل القوية الكثيرة العدد، وإلا لم تخضع لها القبائل الأخرى ولم تسلم لها بالقيادة والسيادة.
وكانت "صرواح" عاصمة المكربين، من أهم مواطن الفيشانيين. وقد ورد في الكتابة الموسومة بـGlaser ٩٢٦ أنهم كانوا أصحاب "عهرو"١، أي: نادٍ يشبه "المزود"، أو "دار ندوة" قريش٢، يجتمع فيه ساداتهم للتشاور في الأمور، وللتحدث عما يحدث لهم.
وقد أضاف المكرب والملك "كرب إيل وتر" إلى أسرته وإلى قبيلته "فيشن" "فيشان" أملاكًا واسعة كما ذكر ذلك هو نفسه في كتابته: "كتابة صرواح". وقد أخذ تلك الأملاك من القبائل التي عارضته وحاربته، فتوسعت رقعة منازلها بفضل هذه الأملاك.
стр. 1122
وجاءت في بعض النصوص، جملة هي: "سبأ وفيشان"١، فعطفت "فيشان" على سبأ، مما يدل على أن "فيشان" لم تكن في عداد سبأ في نظر القوم إذ ذاك.
وقد جاء في النص: Jamme ٥٥٨ أن: "يدع إيل" وهو ابن "كرب إيل بين" "ملك سبأ" وكذلك "الشرح", وهو ابن "سمه على ذرح"، كانا من عشيرة "شعبهمو" "شعب" "فيشن"، أي: "فيشان"٢. ففيشان إذن من الأسر القديمة المعروفة في اليمن، ومنها كان أقدم حكام سبأ٣.
وقد ولدت قبيلة أخرى عددًا من الملوك، جلسوا على عرش سبأ وحكموا السبئيين وغيره, وهذه القبيلة هي قبيلة "مرثد" وهي من "بكل" "بكيل". وكانت تتعبد للإله "المقه" إله السبئيين الأول, وقد أقامت له معابد عديدة, منها معبده المسمى بـ"المقه ذهرن"، أي: معبد "المقه" في "ذي هرن" "ذي هران"٤, و"هران" من المواضع التي ذكرها "الهمداني"٥.
ومن ملوك سبأ الذين تبوءوا العرش، وهم من "مرثد", الملك "أنمار يهأمن بن وهب إيل" الذي سبق أن تحدثت عنه، وأكثر الكتابات التي ترجع إلى عهده، عثر عليها في مدينة "حاز" في جنوب "عمران"٦.
ومن ملوك سبأ الذين أصلهم إلى "مرثد"، الملك "الشرح يحضب" وأبناؤه, وقد دون اسم "الشرح" في جملة كتابات عثر عليها في "شبام سخيم".
وكانت لمرثد أرضون غنية واسعة في الجزء الغربي من "بلد همدان"، وهي جزء من أرض "بكل" "بَكِيل"٧، تستغلها قبائل "بكيل" وبطونها لقاء جُعْل تدفعه لسادات القبائل والملوك، يتفق على مقداره، ويقال لعقد هذه الاتفاقيات: "وتف" "وتفن". وتشرف معابد "المقه" على أوقاف واسعة
стр. 1123
لها، تؤجرها أحيانا لسادات القبائل بمبالغ يتفق عليها الطرفان.
وقد وصلت إلينا جملة عقود "وتف" عقدت بين كُهَّان معابد "المقه" وسادات "مرثد"، منها الاتفاقية المعروفة١ بـGlaser ١٣١. وقد تعهدت "مرثد" فيها لمعبد "المقه بعل أوم" بالوفاء له بما اتفق عليه، تدفعه له في وقته في كل سنة، كما تعاقدت عليه في الشروط المدونة في "الوتف"، على أن يهبها الإله "المقه" غلة وافرة ومحصولًا جيدًا. ويظهر أنها لم تفِ للمعبد بما اتفق عليه، ولم تسلم له حصته كما ينبغي، وصادف جدب أنزل أضرارًا بمرثد، ففسر الكهان ذلك بغضب إلهي أرسله "المقه" على "مرثد" لعدم وفائهم بالعهد، فارتأى سادتهم أن يكفروا عما بدر منهم، والوفاء في الموسم المقبل، فجددوا العهد، وكتبوه مجددًا تأكيدًا على أنفسهم أمام الإله "المقه" الذي وافق على ذلك ورضي به٢. ويعني ذلك بالطبع رضاء الكهان وموافقتهم على تجديد العقد.
وتحكمت "مرثد"، بما لها من سلطان واتساع أرضين، في عشائر أخرى دانت لها بحق "الجوار"، وعدت سادة "مرثد" سادتها كذلك. وقد اختارت كل عشيرة منها من شاءت من سادة مرثد، فكان ممن ساد منهم عشيرة "عرن" "عران" سيد من "مرثد" اسمه "ريبم" أي "ريب". وقد ورد اسمه في نص كتبه في سنة "خرف" "خريف" "عم كرب بن سمه كرب بن حزفرم" وذلك حمدًا وثناء على الإله "المقه" رب معبد "ذ هرن" "ذي هران"٣؛ لمننه ونعمائه، وتعبيرًا عن حمده وشكره، قدم له نذرًا أهداه إلى ذلك المعبد٤.
وكان "بنو أرفط" "بن أرفط" من القبائل التي دانت بسيادة "بني مرثد" عليهم، كما يتبين من كتاباتهم. فقد عبروا عنهم بـ"أمرائهم بني مرثد"٥، وعبروا عن سيادة "بني مرثد" عليهم بجملة "آدم بن مرثدم"، أي: "خول
стр. 1124
بني مرثد"١، وفي هذا التعبير دلالة واضحة على أنهم كانوا أتباعًا لبني مرثد، خاضعين لهم؛ فإن لفظة "أدم" لا تقال إلا تعبيرًا عن التبعية والخضوع.
وعرفنا من الكتابات اسم قبيلة أخرى كانت تعد نفسها في جوار "بني مرثد" وولائهم, وهي قبيلة "نبشم" "نبش" "نابش"، وقد قدم أحد أبنائها نذرًا إلى "المقه ذي هران"، وذكر أن ذلك كان في أيام سيده وأميره "يثعم" أي: "يثع" من مرثد٢.
ويعد "بن أخرف" "بنو أخرف"، وهم على ما يظن "بنو الخارف" من أتباع "مرثد" أيضًا. وقد ورد في النص: CIH ٧٩ اسم أحد رؤسائهم من "مرثد"، وهو "يفرعم" "يفرع". وقد ذكر "نشوان بن سعيد الحميري" أن "الخارف بطن من همدان من حاشد"، وذكر نسبهم وبطونهم في الجزء العاشر من "الإكليل"٣.
وكان "بنو وهرن" "بنو وهران"، من أتباع "مرثد" كذلك، وقد صرح بذلك أحدهم في كتابة قدمها إلى "المقه ذي هران"٤.
ومن القبائل التي اعترفت بسيادة "مرثد" عليها، "بنو كنبم" "بنو كنب"٥, و"بنو عبدم ذي روثن" أي: "بنو عبد" أصحاب "روثان"٦، و"بنو أرفث"٧, و"بنو ضنبم"٨، أي: "بنو ضب", و"بنو أسدم"، أي: "بنو أسد" الذين تعبدوا لألمقه بمعبده في موضع "صوفن" "صوفان"٩، و"بنو يهفرع"١٠, و"بنو أشيب"١١، و"بنو قرين" "قورين"١٢، و"بنو حيثم"
стр. 1125
"بنو حيث"١، و"بنو ذنحن" "بنو ذنحان"٢، وغيرها.
و"روثان" من الأسماء المعروفة في اليمن، وقد كان محفدًا من المحافد، وقد ذكره "الهمداني" في "الإكليل"٣.
وقد ورد في النص٤ CIH ١٠٢، اسم جماعة تدعى "بني مضن"، "بني مضان" وهم من "أبكلن" "أبكل" من سكان مدينة "عمران"، وقد ورد اسم هذه المدينة في نصوص أخرى، يظهر منها أن أصحابها كانوا من "بني أبكلن" "أبكل"٥.
ولعلَّ لما ذكره "الهمداني" من وجود قبائل تنتسب إلى "الأسد بن عمران"٦ علاقة بـ"بني أسدم" "أسد" الذي ذكرتهم قبل قليل، كانوا نزولًا في "عمران" فنسبوا إليها.
стр. 1126
سخيم:
ومن القبائل في هذا العهد قبيلة "سخيم"، التي ورد اسمها في مواضع من هذا الكتاب. وكانت تتمتع بمنزلة محترمة ومكانة مرموقة، ولها أرضون تؤجرها لمن دونها من القبائل بجعالة سنوية وخدمات تؤديها لسادات هذه القبيلة, وتعد منطقة "شبام سخيم" الموطن الرئيسي لـ"بني سخيم". وقد تحدث "الهمداني" عن "شبام سخيم"، فقال: "ومن قصور اليمن شبام سخيم، وكان فيها السخيميون من سخيم بن يداع بن ذي خولان ... وبها مآثر وقصور عظيمة. ومن شبام هذه تحمل الفضة إلى صنعاء، وبينهما أقل من نصف نهار"١. فجعل
стр. 1127
"الهمداني" "السخيميين" من "ذي خولان", وقد أخذ هذا النسب من موقع أرض "سخيم" التي تقع في أرض "خولان"، فصار هذا نسبًا للسخيميين على مرور الأيام١.
وكان لـ"بني سخيم" سلطان واسع في "شبام سخيم"، ولهم في هذا الموضع "مزود" يجتمعون فيه، ويتداولون في تصريف أمورهم في السلم والحرب, وكان منهم "أقول" "أقيال" حكموا قبائل أخرى. وقد قام رجالهم بأعمال عمرانية مثل: فتح طرق، وحفر قنوات ومسايل للمياه، يساعدهم عليها أتباعهم من "بني سخيم"، ومن القبائل الأخرى التي كانت نزولًا عليهم. ولتغلب "سخيم" على موضع "شبام"، عرف باسمهم تمييزًا له عن مواضع أخرى عرفت أيضًا باسم "شبام"٢.
وقد وصلت إلينا أسماء طائفة من سادات "سخيم"، قاموا بأعمال عمرانية دونوها في كتاباتهم، أو ساعدوا أتباعهم على القيام ببعض الأعمال العمرانية، فذكروا أسماءهم لذلك اعترافًا بفضلهم عليهم. ومن هؤلاء شيخ اسمه "يشرح آل أسرع" "يشرع إيل أسرع" وكان رئيسًا على سخيم. وعثر على اسمه في عدد من الكتابات وجدت في "الغراز"٣، وجد في إحداها أنه ساعد قبيلة سقط اسمها من النص "وكانت تابعة لبني سخيم" على بناء "مزود" لها٤، فذكر اسمه لذلك في الكتابة اعترافًا بفضله على أصحاب النص.
ومن سادات ورؤساء "سخيم" "الرم يجعر" "الريام يجعر" "الريم يجعر"، وكان "قولًا" قيلًا على "سمعي"، التي تكون ثلث "حجرم" في أيام الملك "وتر يهامن" "وتر يهأمن"، وهو ابن الملك "الشرح يحضب" ملك سبأ وذي ريدان. وقد أرسله الملك لمحاربة "خولان جددن"، أي خولان النازلة بـ"جددن" "جددان"، فانتصر عليها وعلى من انضم إليها، كما يدعي النص الذي سجله هذا القيل٥.
стр. 1128
وكان لـ"سخيم" سلطان على فرع من قبيلة "سمعي"، هو الفرع الذي استقر في "حجر"، وقد اختار له "أقوالا" أقيالًا من "بني سخيم"، ولعل هذا الفرع ترك موطنه الأصلي لخصام وقع له مع بقية فروع "سمعي"، فهاجر إلى هذا الموضع، ونزل في جوار "سخيم"، وعد منهم، وحكمه لذلك أقيال من سخيم. ويجوز أن يكون هؤلاء السمعيون هم سكان هذه المنطقة في الأصل، إلا أن "سخيمًا" تغلبوا عليهم، وصارت لهم الإمارة في "شبام"، فصار "سمعي حجر" أتباعا لهم. والظاهر أن "حجر" كانت تعد ملك "سخيم" أو تابعة لسلطانهم السياسي؛ ولذلك كان أقيال "اليرسميين" من "بني سخيم" كذلك.
وقد كانت "سخيم" من القبائل المهمة في أيام "الشرح يحضب" "اليشرح يحضب". وقد ورد في كتابة عثر عليها في "شبام سخيم"، كتبها جماعة من "سمعي" التابعين لسخيم، حمد للآلهة وثناء عليها، إذ منت على أصحابها بالمنن والنعماء، ورجاء منها بأن تمن عليهم بالخير والبركة وعلى ملكهم "الشرح يحضب" "اليشرح يحضب" وأولاده وعلى "أقولهم" أقيالهم السخميين، أي من "بني سخيم"١. ويظهر أن رؤساءها اكتسبوا قبل تولي "الشرح" العرش قوة وسلطانًا جعلا قبيلتهم ذات مكانة حين صار العرش إليه.
وكما كان لملوك معين ومأرب وحمير وغيرهم قصورهم وحصونهم التي صارت رمزًا لهم ولشعوبهم، كذلك كان لملوك "سمعي" وسخيم قصرهم الذي عرف بهم، وهو "حصن ذي مرمر"، وقد بُني على مرتفع من الأرض يبلغ ارتفاعه زهاء "٢١٠" أمتار عن السهل الذي يقع فيه، فيشرف على مدينة "شبام سخيم" القديمة٢, وهو حصن قوي، حُصِّن بسور متين ليمنع المهاجمين من الوصول إليه. وقد ذكر اسمه في عدد من الكتابات، وبقي هذا الحصن قائمًا إلى حوالي السنة "١٥٨٣م", فهدمه والي اليمن العثماني ليبني بحجارته مدينة جديدة٣.
وكان لسادات سخيم قصر يسمى "بيتن ريمن"، أي: "بيت ريمان"،
стр. 1129
وقد نعت أصحابه أنفسهم بـ"أبعل بيتن رمن"، أي: سادات وأرباب بيت ريمان١, وقد ورد اسمه في عدد من النصوص٢. ويلاحظ أن أصحاب "بيت ريمان" كانوا أقيالًا على "يرسم".
ومن سادات وأرباب وأصحاب "أبعل" "بيت ريمان"، القيل "شر حعث أشوع" وابنه "مرثدم"، وهما من "سخيم". وكانا قيلين على بطن "يرسم" من بطون "سمعي" في أيام الملكين: "ثأران يهنعم" و"ملككرب يهأمن" "ملكي سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"٣.
وكان "وهب أوم ياذف" "وهب أوَّام يأذف" وشقيقه "يدم يدرم" من أصحاب "بيت ريمان"، ومن أقيال "يرسم" التي هي من "سمعي" المكونة لثلث "حجرم"٤.
ومن بطون "سمعي" التي تكون ثلث "حجرم", بطن "يرسم", وكان يحكمه في أيام "نشأكرب يأمن" وهو ابن "الشرح يحضب"، جماعة من "سخيم", وقد كلفوا محاربة "خولن جددن"، أي "خولان جددان". وكانت قد ثارت على "سبأ وذي ريدان"، فانتصروا عليها وأخذوا غنائم وأسرى منها، كما تعهد رؤساؤها بإطاعة أوامر الملوك٥.
ومن أتباع "سخيم" عشيرة عرفت بـ"ذ مليحم" "ذي مليح"، وكانت تقيم في "الغراز"٦. ويظهر أنها كانت في الأصل من المعينيين، ثم هاجرت إلى "شبام"، فنزلت على "بني سخيم"٧, وقد هاجر غيرهم من المعينيين إلى أرض السبئيين، مثل "سريعم" أي: "بني سريع"، وهاجر غيرهم إلى أماكن أخرى. والظاهر أن هجرتهم هذه حدثت بعد ضعف معين٨.
стр. 1130
وقد بلغنا نص دونه زعيم من زعماء "ذي مليحم" "ذي مليح" اسمه "وهب ذو سموى أكيف", تقربًا إلى الإله "تالب ريمم بعل كبدم" "تألب ريام بعل كبد"؛ لأنه أجاب دعاءه، فحفظه وساعده، وساعد ابنه وأتباعه، وذلك في أيام الملك "أنمار يهأمن" ملك سبأ ابن "وهب إيل يحز"١.
стр. 1131
خسأ:
وخسأ من القبائل التي ذكرت في عدد من الكتابات، وكانوا نزولًا على "بني سخيم"، الذين كانوا يعدونهم سادة عليهم؛ لأنهم أصحاب الأرض١.
ويظهر أن جماعة من "خسأ" كانت قد نزلت أرض "الهان"؛ إذ ورد في نصٍّ: "خسا ذ الهن"، "خسأ ذو الهان". وتعني هذه الجملة أن "خسأ" كانوا يقيمون في موضع "ذي الهان"، أو "خسأ" أصحاب "الهان". وقد كان هؤلاء الخسئيون يجاورون قبيلة "عقريم" أي "عقرب"، "العقارب"٢.
وعرف من الكتابات أن "خسأ" كانت تتعبد لإله خاص بها، هو الإله "قينن"، أي "قينان". ومن جملة المعابد التي خصصت به، معبد أُقيم له في "أوتن" "أوتان"، وقد تعبدت له أيضا بعض القبائل التي كانت متحالفة مع "خسأ"٣. وقد ذكر "الهمداني" موضعًا سماه "قينان"٤، قد يكون له صلة باسم ذلك الإله, ولم يبلغني أن المؤلفات العربية أشارت إلى هذا الإله.
وقد ورد اسم "الهان" علمًا في أرض في عدد من الكتابات٥، كما ورد
стр. 1132
اسم علم لقبيلة. وربما كانت أرض "الهان" هي "مخلاف الهان" المذكور في المؤلفات الإسلامية١.
وقد ذكر "الهمداني" مخلاف "الهان"، فقال: إنه مخلاف واسع غربي حقل جهران، وإن "الهان" بلد مجمعها "الجنب" "جنب الهان"، ويسكنها "الهان بن مالك أخو همدان, وبطون من حمير"٢، وذكره في مواضع من "الإكليل"٣.
وورد في الكتابة الموسومة بـCIH ٤٠ اسما قبيلتين مع اسم "الهان" هما: "مها نفم" "مهأنف"، و"بكيلم" أي: "بكيل".
وقد ذكر في إحدى الكتابات رجل يسمى "تهوان"، وكان من "ذي الهان"، تعاون واشترك مع "عقرب" "عقارب" في بناء محفد "صدقن" "صدقان"، وهو محرم الإله "قينان"، كما تعاون معهم في بناء بيت "يجر"٤.
стр. 1133
عقرب:
وعرف من الكتابات اسم عشيرة أخرى هي "عقربم"، أي: "عقرب" أو "عقارب"، ولا يزال هذا الاسم معروفًا في العربية الجنوبية حتى الآن١. وقد ورد "العقارب" اسمًا لقبيلة زُعم أنها من نسل "ربيعة بن سعد بن خولان بن إلحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير"٢، كما ورد اسمًا لجبل يعرف بـ"جبل العقارب"٣, وقد عرف "العقارب" باسم "عقربي"٤. وذكر "ابن مجاور" قبيلة "عقارب" في جملة القبائل الساكنة في منطقة "عدن"٥، فلعل لهذه الأسماء
стр. 1134
صلة بقبيلة "عقرب" "عقارب" المذكورة.
وقد كانت "عقرب" تابعة لـ"بني سخيم" وحليفة لهم، ونازلة في جوارهم. يفهم ذلك من الجمل والتعبيرات في كتاباتهم الدالة على خضوعهم لـ"بني سخيم" مثل "آدم بن سخيم"، أي: "خول وخدم بني سخيم"١، فهو تعبير يدل على العبودية والخضوع.
стр. 1135
خولان وردمان:
وخولان من القبائل الكبيرة القوية التي ذُكرت في عدد كبير من الكتابات العربية الجنوبية, وقد رأينا اسمهم لامعًا في أيام المعينيين. وقد ذكرت أنهم هاجموا مع السبئيين قافلة معينية كان يقودها "كبيران"، وحمد المعينيون آلهتهم وشكروها على نجاة هذه القافلة، وهي من القبائل العربية الحية السعيدة الحظ؛ لأنها ما تزال معروفة، ولها مع ذلك تأريخ قديم قد نصعد به إلى الألف الأول قبل الميلاد١.
ويرجع النسابون نسب "خولان" إلى "خولان بن عرو بن إلحاف بن قضاعة"٢ أو إلى "خولان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن عمرو بن عريب بن كهلان بن سبأ"٣. ويميزون بين "خولان قضاعة" وهم إخوة "بَليّ" و"حيدان"، وبين "خولان أدد"٤، وقد يذكرون "خولان" أخرى في "مذحج"٥.
وقد صير اسم "خولان" بمرور الزمان، اسم رجل نسل ذرية تكاثرت وتوالدت، فكانت منها هذه القبيلة العظيمة، وقد جعل له النسابون أبًا وجدًّا
стр. 1136
وأجدادًا بعد هذا الجد، كما جعلوا له ولدًا ذكروا أسماءهم. ويمثل هذا النسب الاختلاط الذي كان بين الخولانيين وغيرهم من القبائل بمرور الزمان حتى أيام النسابين، فدون على نحو ما وصل إلى عملهم من أفواه الرواة.
ومواطن الخولانيين قديمًا أرضون متصلة بأرض السبئيين، فكانوا يسكنون في جوار "مأرب" و"صرواح"، وهي لب أرض سبأ، ثم هاجرت جماعات منهم فسكنت الأرضين العالية من شرق "صنعاء"، وقد قبل للخولانيين الذين سكنوا هذه المنطقة "خولان العالية"؛ تمييزًا لهم عن "خولان قضاعة"١, وهذا التمييز لا يستند إلى حقيقة، يمكن رَجْعُها إلى اختلاف النسب٢. وإنما نشأ من اختلاف طبيعة المكان، ومن الأحوال السياسية والاقتصادية التي فرقت بين الخولانيين، وباعدت بين فروعهم، فظن أنهم من نسبين مختلفين.
وقد كان الخولانيون يتعبدون عند ظهور الإسلام لصنم لهم اسمه "عم أنس"٣ "عميأنس". وقد ذكر "ياقوت الحموي" أنه "في خولان كانت النار التي تعبدها اليمن"٤، ذكر ذلك في أثناء حديثه عن "مخلاف خولان" المنسوب إلى "خولان قضاعة". وقد تكون هذه العبادة -إن صح قول ياقوت- قد اقتُبِسَتْ من الفرس عَبَدَةِ النيران.
وقد ذهب "الويس شبرنكر" و"نيبور" إلى أن قبيلة "خولان" هي "حويلة" المذكورة في التوراة٥، ولكن هناك صعوبات كثيرة تحول دون قبول هذا الرأي.
وقد اقترن اسم "خولان" باسم "ردمان" في كثير من النصوص, ويدل هذا بالطبع على وجود روابط وثيقة بين الجماعتين. وقد حكم الخولانيين والردمانيين أقيالٌ من "ذي معاهر"، فكان القيل سيدًا على القبيلتين في آن واحد في غالب الأحايين، وفي ذلك دلالة بالطبع على الصلات والروابط السياسية التي ربطت بين خولان وردمان وذي معاهر "ذ معهر".
стр. 1137
وقد عرف الإسلاميون "أقيال ذي معاهر"، فذكرهم الهمداني في مواضع من كتابه "الإكليل"، ذكر مثلًا أن "شحرار قصر بقصوى مشيد ببلاط أحمر للقيل ذي معاهر"١، وذكر أيضًا "قصر وعلان بردمان، وهو عجيب، وهو قصر ذي معاهر، ومن حوله أموال عظيمة"٢. ويشير قول الهمداني الأخير إلى الصلات التي تربط هؤلاء الأقيال بردمان، وإلى أن أولئك الأقيال كانوا يقيمون بأرض ردمان.
ويرى "كلاسر" أن قصر "وعلان" الذي هو في "ذي ردمان"، كان مقر أقيال "ذي معهر"، أي: أقيال ردمان٣. فوعلان إذن هو قصرهم، وهو مثل القصور الأخرى التي كانت للملوك والأقيال, وهي قصور وحصون يُحتمَى بها إذا شُعِرَ بالخطر؛ ولذلك عُدَّت رمزًا للدولة وللحكم.
وترد لفظة "ذ معهر" علمًا في الكتابات على "ردمان" و"خولان"٤. وقد ذكر أيضا في نص "أبرهة" الذي دونه سنة "٥٤٣م" لمناسبة إصلاح سد مأرب وترميمه, إذ جاء فيه: "ذ معهر بن ملكن"٥. وقد ذهب "كلاسر" إلى أن المراد من "ذي معهر" في هذا المكان, ابن "أبرهة"، وكان قد تلقب -على رأيه- بهذا اللقب، الذي يشير إلى قصر "ذي معهر" بردمان٦.
ومن أقيال "ذي معاهر" الذين حكموا الخولانيين والردمانيين، القيل "قول" "كرب إسرع" "كرب أسرع"، وكان من أسرة غنية لها أرضون زراعية خصبة تُسقَى بمياه الآبار في وادي "ضفخ" "ضفخم"، ووادي "أخر" وفي أرض "ذات حراض" "ذات حرض", ووادي "مذيق"، وأماكن أخرى. وقد عُنيت أسرته بإصلاحها، وبإروائها من آبار حفرتها في هذه الأماكن، وكتبت ذلك على الحجارة٧, تسجيلًا لعملها هذا؛ ليكون وثيقة شرعية بامتلاكها لهذه المواضع.
стр. 1138
وورد اسم قيل آخر من أقيال "ذي معاهر" الذين حكموا القبيلتين المذكورتين هو القيل "كرب أسأر"، كانت له أملاك في أرض "ذات حرض" "ذات حراض" بوادي "مضيق"١.
وورد اسم قيل آخر حكم القبيلتين معًا، هو القيل "نصرم يهحمد" "نصر يهحمد" "ناصر يهحمد"٢، وهو من "ذ معهر" "ذي معاهر". وقد دون هذه الكتابة لمناسبة قيامه بإصلاح أرض "وادي ملتنتم" "وادي ملتنت" حيث حفر آبارًا، وأنشأ سدودًا، زرع أشجارًا أثمرت، وبذر حبوبًا. وقد سجل ذلك ملكا خاصا بـ"آل معاهر" وباسمه, وأعلنه للناس في شهر "صيد" من سنة مائة وأربع وأربعين من التقويم السبئي، وتقابل سنة تسع وعشرين بعد الميلاد٣.
ويعد هذا النص من النصوص المهمة، ولعله أقدم نص مؤرخ وفق تقويم ثابت معروف وصل إلينا٤.
ويظهر من ذكر اسم الملك "العز يلط" وهو ملك حضرموت في هذا النص، ومن تعبير "القيل" صاحب النص عن الملك بلفظة "سيده"، أي سيد "نصر يهحمد": أنه كان تابعًا له، وفي أرض كانت إذ ذاك، أي: في النصف الأول من القرن الأول للميلاد، تحت حكم حكومة حضرموت. وقد دون هذا القيل أسماء الآلهة: "عثتر"، و"سين ذو علم"، و"عم ذو دونم"، و"وعلان"، و"عم ذو مبرم" إله "سليم"، و"عثتر ذو صنعتم"، و"ودّ إله منو ... "، و"ذات بعدان"، و"ذات ظهران"، و"عليت" إلهة "حررم" "حرر"، و"شمس" إلهة "وبنن" و"علفقن"٥. ذكر كل هذه الآلهة، ولم يذكر إله سبأ الرئيس وهو "المقه"، وفي إغفاله اسم "المقه" دلالة على أنه لم يكن على صلة حسنة بالسبئيين، وأنه لم يكن يعترف بسيادتهم عليه؛ ذلك لأنه كان تحت حكم ملك حضرموت.
стр. 1139
وقد ورد اسم "خولان" في نص مهم جدًّا تعرض لخبر حرب نشبت في أيام ملوك "سبأ"، سقط منه اسم الملك، وسقطت منه كلمات عدة وأسطر أضاعت المعنى.
وقد شارك أصحاب هذه الكتابة في هذه الحرب، وعادوا منها موفورين سالمين, ولذلك سجلوا شكرهم للإله "المقه" رب مدينة "حرونم" "حرون" "حروان"١؛ لأنه نجاهم، ومن عليهم بنعمة السلامة. ويفهم من الكلمات الباقية في النص أن قبيلة "خولان" كانت قد ثارت على سبأ، فجهز السبئيون حملة عسكرية عليهم، دحرت خولان، وتغلبت عليها، وحصل السبئيون على غنائم كثيرة. وكان يحكم "خولان" قيل لم يرد في النص اسمه، ولعله سقط من الكتابة، وقد أشير إليه بـ"ذي خولان"٢.
وورد في نص "معيني" ما يفيد اعتراض جماعة غازين من الخولانيين لقافلة معينية كانت تسلك طريق "معان" التجاري، وقد أفلتت من أيدي الغزاة ونجت، ولذلك شكرت الآلهة؛ لأنها ساعدتها في محنتها، وحمتها، ونجَّتها من التَّهْلُكة، وعبرت عن شكرها هذا بتدوين النص المذكور. وقد وقفت على معبد "ودّ كسم" إله معين, وقفًا في أرض "أيم"٣، كما سبق أن تحدثت عن تعرض الخولانيين والسبئيين لقافلة تجارية معينية في الطريق بين "ماون" "ماوان" و"رجمت" "رجمة". وفي هذين الخبرين دلالة على نشاط الخولانيين في مناطق تقع شمال اليمن قبل الميلاد بزمان، وعلى أنهم كانوا من الذين يتحرشون بالطرق التجارية ويعترضون سبل المارة، كما يفعل الأعراب. ولعل هؤلاء الخولانيين كانوا من الأعراب المتنقلين.
وقد حكم الردمانيين أقيال منهم أيضًا؛ فقد ورد في أحد النصوص: "قول ومحرج شعبن ردمن ذ سلفن"، أي: "قيل ومحرج قبيلة ردمان صاحبة سلفان"، ويقصد بـ"سلفان" "السلف" "السلاف"، فردمان هؤلاء أصحاب الكتابة هم "ردمان السلف" "السلاف"٤. ولم يكن هذا القيل من "ذي معاهر".
стр. 1140
والردمانيون هم من الشعوب العربية القديمة أيضًا، وقد ساعدوا القتبانيين مرارًا، وحالفوا شعبًا آخر هو شعب "مضحيم" "مضحي"، وتعاون الشعبان في مساعدة "قتبان" ضد سبأ١. وقد لعبوا دورًا مهمًّا في أيام عدد من ملوك سبأ، وقد كانوا من المناهضين لحكم "شعر أوتر"، ولما أرسل جيشًا عليهم لإنزال ضربة بهم قاوموه وأنزلوا خسائر كبيرة به٢.
ويظهر أن أرض ردمان دخلت -بعد أن فقدت استقلالها- في جملة الأرضين التي خضعت لحكم قتبان، ثم استولت عليها بعد ذلك دولة حضرموت, ثم دخلت بعد ذلك في جملة أملاك دولة "سبأ وذي ريدان"٣.
وقد ذهب "كلاسر" إلى أن شعب Rhadmael المذكور في بعض الموارد الكلاسيكية هو "ردمان"، ويؤيد قوله بما ذكره "بلينيوس" من أن الشعب المذكور ينتسب إلى جد اسمه Rhadmanthus، واسم هذا الجد قريب جدًّا من اسم "ردمان"٤.
ويظهر من عدد من الكتابات المدونة في أيام "الشرح يحضب" أن أرض "ردمان" وقسمًا من أرض "خولان" كانت تابعة لملك حضرموت في ذلك الزمان، وأن قسمًا من خولان كان خاضعا لـ"أقيال جدن" "جدنم" أهل "حبب" "حباب" عند "صرواح". ومعنى هذا أن القسم الشرقي من أرض خولان الواقع شرق وادي "ذنه" عند أسفل أرض "مراد" كان هو القسم التابع لحضرموت في هذا الزمن. وأما القسم الأكبر، وهو القسم الشمالي الغربي من أرض خولان، فقد كان تابعًا في هذا الزمن لملك "سبأ وذي ريدان"٥.
стр. 1141
جدن:
وورد اسم "جدن" في كتابات عهد "ملوك سبأ"، وهو اسم موضع
стр. 1142
واسم قبيلة. ويظهر منها أنهم كانوا أصحاب حكم وسلطان، بدليل ورود جملة هي: "أدم جدنم" أي "خول جدن" في كتابات دونها أناس كانوا في خدمتهم وولائهم١. ويذكرنا اسم "ذي جدن" المذكور في الكتب الإسلامية، وموضع "جدن" بهذا الاسم القديم٢.
وورد اسم قبيلة أو أسرة عرفت بـ"ددن"، أي: "دادان" "ددان"، وقد ذكروا في جملة نصوص. فورد في أحدها أنهم تقدموا بوثن "صلمن" إلى معبد الإله "تألب ريام" المسمى بمعبد "خضعتن" "خضعة"، وهو في مدينة "أكانط"٣, وتقع مدينة "أكنط" في بلد "همدان"٤. وقد ذكرها "الهمداني" مرارًا في كتبه، وذكر أن فيها قصر "سنحار"٥. وكان يسكن بها جماعة يعرفون بـ"زادان"، ينسبون إلى "مرثد بن جشم بن حاشد" على حد قول أصحاب الأنساب٦.
وقبيلة "يهبلبح" من القبائل التي عاشت في عهد "ملوك سبأ" وقد ذكرت, في أمر أصدره الملك "يدع إيل بن يكرب ملك وتر"، في أمر تنظيم الجباية التي تؤخذ من هذه القبيلة ومن "سبأ" في مقابل استغلال الأرضين الخاضعة للدولة واستثمارها٧.
стр. 1143
أربعن:
وجاء ذكر قبيلة اسمها في الكتابات "إربعن"، "أربعن" أو "أربعان" "أربعين"، كان يحكمها سادات، وقد لقبوا بلقب ملك، وقد عرفنا منهم "نبط آل" "نبط إيل"١، وقد ذكر في نص Halevy ٥١ الذي سجله الملك
стр. 1144
"يكرب ملك يدع إيل بين"، الصادر في كيفية جمع الضرائب من القبائل. وعرفنا اسم ملك آخر، هو: "لحى عث بن سلحان"١ "لحيعث بن سلحن" وملك ثالث يدعى "عم أمن بن نبط إيل"، وكان من معاصري الملك "يثع أمر بين" ملك سبأ٢.
ولم يكن ملوك "أربعن" ملوكًا كبارًا بالمعنى المفهوم من لفظة "ملك"، ولم تكن مملكة "أربعن" بالمعنى المفهوم من لفظة "مملكة"؛ وإنما كانوا أمراء قبيلة وسادات قبائل، تمتعوا بشيء من الاستقلال في حدود أرض قبيلتهم، وقد أعجبتهم لفظة "ملك" فحملوها. وقد كانوا في الواقع دون ملوك سبأ أو معين أو حضرموت أو قتبان بكثير، وكانت مملكة "أربعن" إمارة أو "مشيخة" كما نفهم من هذه اللفظة في المصطلح الحديث.
стр. 1145
بتع:
رأينا أن سلالة من "بتع" حكمت "سبأ وذو ريدان". وقرأنا في الكتابات ولا سيما كتابات "حاز" وكتابات مواضع أخرى تقع في صميم "بلد همدان" أسماء رجال هم من "بني بتع"، فمن هم "بنو بتع"؟
والجواب: إن "بتع" قبيلة من قبائل "حاشد" و"حاشد" من همدان. فـ"بنو بتع" إذن هم من "همدان"؛ ولذلك نجد أن معظم الكتابات التي تعود إلى "بني بتع" عُثِرَ عليها في أرضين هي من مواطن همدان، مثل "حاز" و"بيت غفر" و"حجة"١ "حجت"، ومواضع أخرى هي من صميم أرض بتع٢.
ويرد اسم "حاز" في مواضع من "صفة جزيرة العرب" و"الإكليل"،
стр. 1146
وقد قال عنها الهمداني: "وحاز: قرية عظيمة, وبها آثار جاهلية"١. وذكر أن سد "بتع" "الخشب" مما يصالي "حاز" ينسب إلى "بتع بن زيد بن همدان"٢. وقد صيَّر "الهمداني" وغيره "بتعًا" اسم رجل، جعلوه جد "بني بتع"، وجعلوا له والدًا أسموه: "زيد بن همدان"، بينما هو اسم قبيلة في ذلك الوقت.
وكانت "بتع" على ما يتبين من النصوص، تتمتع بنفوذ واسع ومكانة ظاهرة، ولها أرضون واسعة تؤجرها للأفخاذ والبطون من "بتع" ومن غير "بتع"، تأتي إلى أقيالها بأرباح طائلة. وكان رؤساء البطون والأفخاذ الذين يؤجرون الأرضين من "بتع" يعدون أنفسهم بحكم إقامتهم في كنف أقيال "بتع" وفي جوارهم أتباعًا لهم، ولهم حق السيادة عليهم. ويعبرون عن ذلك في كتاباتهم بجملة: "إدم بتع" "أدم بتع"، أي: خول أو خدم بتع، ويقصدون بها أنهم كانوا أتباعًا لهم٣. ويذكرون أسماء الأقيال في كتاباتهم، ويشيدون بفضلهم ومساعداتهم، ويدعون لهم فيها بطول العمر والخير والبركة، ويرجون من آلهتهم أن تزيد في سعادتهم ومكانتهم وأرباحهم.
وقد جمع "هارتمن" أسماء الأقيال البتعيين الذين وردت أسماؤهم في الكتابات، وهم: "برقم" "بارقم" "بارق", و"ذرح آل يحضل" "ذرح إيل يحضل"٤, و"هوف عثت" "هوفعثت"٥, و"لحى عثت أوكن" "لحيعثت أوكن"٦, و"مرثد علن أسعد" "مرثد عيلان أسعد"٧, و"نشاكرب أوتر" "نشأكرب أوتر"٨، و "نشاكرب يزان" "نشأكرب يزأن"٩, و"نشأكرب
стр. 1147
نهفن يجعر"١، و"رب شمس نمرن" "رب شمس نمران" "ربشمس نمران"٢, و"ردمم يرحب" "ردم يرحب"٣، و"عريب بن يمجد"٤، و"سعد أوم نمرن" "سعد أوام نمران"٥, و"سخمن يهصبح" "سخمان يهصبح"٦, و"شرحم يهحمد"٧, و "شرحم غيلن" "شرح غيلان"٨، و"شرحم" "شرح" "شارح"٩، و"شرح ال" "شرح إيل"١٠، و"شرح عثت" "شرحعثت"١١, و"شرحب ال" "شرحب إيل" "شرحبيل"١٢، و"كرب ... "١٣، و"يهمن" "يهامن" "يهأمن"١٤ وآخرون. ومن هؤلاء من ساد على "سمعي"، ومنهم من ساد على قبائل أخرى.
стр. 1148
سمعي:
ومن أتباع "بتع" عشيرة "سمعي"، ويظن بعض الباحثين أنها كانت في الأصل فرقة تجمع أفرادها عبادة الإله "تألب"، ثم أصبحت عشيرة من العشائر القاطنة في أرض همدان، توسعت وانتشرت وسكنت بين "حاشد" و"حملان" وفي "حجر"١. وكانت تستغل الأرضين التي يمتلكها الأقيال البتعيون، فكانوا يعدون أصحاب تلك الأرض أقيالًا عليهم، ونسبوا إلى الأرض التي أقاموا فيها أو العشائر التي نزلوا بينها، فورد "سمعي حملان" و"سمعي
стр. 1149
حشدم" أي: "سمعي حاشد"، و"سمعي حجرم" أي: "سمعي حجر".
و"سمعي حملان" هم السمعيون الذين استوطنوا أرض حملان، واختلطوا بالحملانيين؛ لذلك نسبوا إلى "حملان"، فقيل: "سمعي حملان". وأما "سمعي حشدم"؛ فهم السمعيون الذين سكنوا أرض حاشد، واختلطوا بقبيلة "حاشد" وقد كانوا يقطنون أرض "ريام". وأما "سمعي حجرم" أي: "سمعي حجر"، فهم سكان "حجر" على مقربة من "شبام"، وهم يكوِّنون جزءًا من "سمعي"، وقد ورد في الكتابات: "سمعي ثلث ذي حجرم"١.
وظهر من عدد من الكتابات أن عشيرة "سمعي"، قد كانت مملكة يحكمها ملوك، ولم تكن هذه المملكة بالطبع سوى "مشيخة" صغيرة بالقياس إلى مملكة سبأ، كما ورد اسم هذه العشيرة منفردًا، أي: إنه لم يقرن بحملان أو حاشد أو حجر أو غير ذلك من الأسماء. وفي ذلك دلالة على أنها قد كانت وحدة واحدة كسائر العشائر والقبائل، أو أن قسمًا من "سمعي" كان مستقلًّا منفردًا بشئونه لا يخضع لحكم قبيلة أخرى عليه، أو أن "سمعي" كانت في وقت تدوين تلك الكتابات قبيلة قوية، يحكمها ساداتها الذين لقبوا أنفسهم بألقاب الملوك، ثم أصابها ما يصيب غيرها من القبائل من تفكك وتجزؤ وتشتت، فتجزأت وطمع فيها الطامعون، فخضعت عشائر منها لحكم قبائل أخرى مثل: "حاشد" و"حملان" و"حجر".
ويصعب علينا بيان المدة التي تمتعت فيها هذه القبيلة بالاستقلال، وهو استقلال لم يكن بالبداهة مطلقًا، بل كان استقلالًا من نوع استقلال "المشايخ" والرؤساء: استقلالًا في التصرف في شئون القبيلة والمنطقة التي تتصرف فيها.
أما في العلاقات الخارجية، فيظهر أنها كانت مقيدة بسياسة الحكومات الكبيرة التي كانت لها السلطة والقوة مثل مملكة سبأ وذي ريدان.
ومن الملوك السمعيين الذين وصلت أسماؤهم إلينا، الملك "يهعن ذبين بن يسمع ال بن سمه كرب"، أي: "يهعان ذبيان بن يسمع إيل بن سمه كرب" "يهعان ذبيان بن إسماعيل بن سمه كرب"، والملك "سمه أفق بن سمه يفع"
стр. 1150
"سمه أفق بن سمهيفع"١؛ جاء اسمهما في النص المعروف٢ بـGlaser ٣٠٢. وقد افتتحه الملك "يهعان" بالدعاء إلى الإله "تالب" "تألب" في معبده في "صبين" "صبيان" بأن ينعم عليه ويبارك له ولأولاده: "زيدم" "زيد" و"يزد ال" "يزيد إيل"، وأولادهما, وأملاكهم جميعًا وبيتهم المسمى بيت "يعد" "يعود" وأرضهم: أرض "تالقم" "تألق"، وفي الأملاك التي وُرِثَتْ عن الملك "سمعي أفق بن سمه يفع" ملك سمعي من أرض زراعية وقرى ومدن, وأرض "نعمن" "نعمان" وغيرها. وجاء في النص ذكر "بنو رأبان" "رابن" حلفاء "سمعي" و"عم شفق"، وهو "قول" قيل "يرسم"، و"أقولن" أقيال "يهيبب" و"أملك مريب"، أي "ملوك مأرب"، و"شعبن سمع"، أي قبيلة "سمع" "سميع"، و"كرب ال وتر" "كرب إيل وتر" ملك سبأ.
стр. 1151
حملان:
وقد ورد اسم "حملان" في عدد من الكتابات, منها الكتابة الموسومة بـGlaser ١٧٩ التي دونت في أيام الملك "أنمار يهنعم بن وهب إيل يحز" ملك سبأ، دونها جماعة من "بتع"، وهي ناقصة؛ سقطت منها أسطر وكلمات١. وقد قدموا إلى الإله "تألب ريام" تمثالًا؛ لأنهم رجعوا سالمينَ من الحرب معافَيْنَ. ويظهر أن أصحاب هذه الكتابة قاموا مع الملك بغزو في أرض "حملان"، فلما رجعوا سالمين قدموا هذا النذر إلى الإله "تألب ريام"٢.
وكان "بنو حملان" أتباعًا لـ"بتع", وقد ذكروا ذلك في كتاباتهم حيث دونوا جملة "أدم بتع"، كالذي ورد في الكتابة: CIH ٢٢٤. وقد دونها رجال من "ذي حملان" "أدم بتع" لمناسبة بنائهم بيتهم و"مذقنة تريش"
стр. 1152
وذلك بتوفيق من الإله "تألب ريام بعل شعرم" وبمساعدة رؤسائهم وسادتهم ورئيسهم صاحب أرضهم "سخمان يهصبح" من "بتع"، وبمساعدة قبيلتهم الساكنة بمدينة "حاز"١.
стр. 1153
يهيبب:
وكان أقيال "سمعي" أقيالًا على عشيرة "يهيبب" "ي هـ ي ب ب" وهي عشيرة لا نعرف اليوم عنها شيئًا يذكر. ويرى "كلاسر" أن أرض "يهيبب" تقع على مقربة من مكة أو في جنوبها، ويرى احتمال وجود موضعين يقال لهما "يهيبب"؛ موضع قرب مكة أو في جنوبها، وموضع آخر على ساحل الخليج الذي سماه "بطلميوس" Sinus Sachalites, في الأرض التي اشتهرت عند "الكلاسيكيين" بالبخور واللبان، ولعله المكان الذي دعاه "بطلميوس" ١Jobaritae. ويرى أن الأول هو "يوباب" في التوراة٢.
стр. 1154
يرسم:
وأما "يرسم" فقبيلة كانت تقيم في هذه المواضع من أرض همدان. وقد ورد في إحدى الكتابات اسم "قول" قيل يدعى "عم شفق بن سروم" "عمشفيق بن سروم" "عم شفيق بن سروم"، وكان من أقرباء ملك "سمعي"، وكانت أرضه عند "حدقان"١، وقد أشار "الهمداني" إلى "قصر حدقان"٢, وكان هذا القيل من "سروم"٣.
وكان أقيال "يرسم" من "بني سخيم"، وقد أشار "اليرسميون" إلى
стр. 1155
ذلك في الكتابات، ومنها الكتابة الموسومة بـSE ٨, وقد ذكرت فيها جملة: "يرسم ثلث ذ حجرم"، أي: "يرسم ثلث ذي حجر". ويفهم من هذه الجملة أن عشيرة "يرسم" كانت تستغل جزءًا من أرض حجر١. وورد في كتابات أخرى أن قيلًا من أقيالها كان من "سروم"٢.
وقد ورد في كتابة أن جماعة من "بني الهان" و"عقرب" بَنَوْا محفدًا لهم، هو "محفد صدقن" "محفد صدقان" ليكون "محرمًا" للإله "قينان" أي: حرمًا لهذا الإله، في معبد "يجر"، وذلك بعون الإله "تألب ريام" "رب كبدم" "كبد" وقينان, وبمساعدة أصحاب أرضهم "بني سخيم" وقبيلة "يرسم"٣. ومعنى هذا أن هذه القبائل كانت متجاورة متعاونة، وقد كانت تتعاون فيما بينها عند القيام بالأعمال الكبيرة التي تحتاج إلى مال ورجال, مثل هذا المعبد الذي خصص بعبادة الإله "قينان"، والذي بناه جماعة من "الهان" و"عقرب" بمساعدة وعون "بني سخيم" و"يرسم".
стр. 1156
بنو سمع:
أما "بنو سمع" "بنو سميع"؛ فقد كانوا أتباعًا لـ"بني بتع" "أدم بن بتع" "أدم بني بتع"، كما يفهم من الكتابة CIH ٣٤٣. وقد ورد فيها اسم الإله "تألب ريمم بعل قدمن ذ دمهن"، أي الإله "تألب ريام ربّ قدمان في ذي دمهان"١, وجاء اسم الإله "تألب ريمم بعل قدمن" في كتابة أخرى، أصحابها من "بن سمع" "بني سميع" كذلك. وقد ذكروا أنهم نذروا للإله صنمًا؛ ليقيهم ويقي أملاكهم ومقتنياتهم وما يملكونه بمدينة "مريب" أي: "مأرب"٢.
стр. 1157
فمدينة "قدمن" "قدمان" إذن مدينة من مدن "السميعيين"، وبها معبد الإله "تألب" المعروف بـ"تألب ريام بعل قدمان", وتقع في أرض "دمهان". ويجوز أن يكون "قدمان" اسم موضع صغير في "دمهان"، أو اسم المعبد, وقد ورد في كتابات أخرى١.
стр. 1158
رمس:
وجاء اسم عشيرة "رمس" في الكتابة MM ١٣٧، وهي كتابة مدونة على أطراف إناء ثمين جدًّا, قدم نذرًا إلى الإلهة "ذات بعدان" أي الشمس١. والظاهر أن عشيرة "رمس" كانت تجاور عشيرة "سميع"، وأنها كانت تملك أرضين تجاور الأرض التي نزلت بها "سميع"، وتؤجرها لغيرها كما يتبين ذلك من استعمال جملة "أدم رمسم" أي: "خول رمس"، وكلمة "أمراهمو" التي تعني "أمراؤهم" في بعض الكتابات. حيث يفهم من أمثال هذه التعابير أن الرمسيين كانوا يحكمون عشائر أخرى كانت نازلة في أرضهم وتعيش في كنفهم وجوارهم. وقد ورد اسم "الرمسيين" في كتاب "صفة جزيرة العرب"، فلعل لهم علاقة وصلة بهؤلاء الرمسيين٢.
وأما عشيرة "رابن" "رأبان" التي ورد ذكرها في النص Glaser ٣٠٢ أي٣: نص الملك "يهعن" "يهعان" ملك "سمعي", فهم عشيرة قديمة كانت في أيام المكربين وفي أيام ملوك سبأ, وكانت مواطنها أرض "نهم" وأعالي "الخارد", ولكنهم تنقلوا إلى مناطق أخرى بعد ذلك. والظاهر أنهم Rabanitae أو Raabeni الذين كان يحكمهم ملك يعرف بـIlasaros على ما ورد في الكتب "الكلاسيكية"٤. وإذا صح أنهم هم "رأبان" دل ذلك على أن "الرأبانيين" قد تمكنوا من الاستقلال ومن تكوين مملكة أو "مشيخة" تلقب رؤساؤها بألقاب الملوك.
стр. 1159
سقران:
ومن أتباع "بتع" عشيرة معروفة تقع منازلها في منطقة "حاز" عُثر على عدد من الكتابات تعود إليها في "حاز" و"بيت غفر" و"حجة"، وهذه العشيرة هي "سقرن" أو "سقران"١.
ويظهر من جملة: "أدم بن بتع" "أدم بني بتع" التي وردت في كتاباتهم أنهم كانوا أتباعًا لبتع ولسادات "بتع" الذين كانوا "أقولًا"، أي: "أقيالًا" على السقرانيين. والظاهر أنهم كانوا يعيشون في كنف "البتعيين" وفي أرضهم يستأجرونها منهم ويستغلونها مقابل إتاوة يدفعونها لبتع، وهم يؤجرونها لمن دونهم من العشائر والأفراد؛ لورود عدد من الكتابات دوَّنها أناس اعترفوا بسيادة "سقران" عليهم وبأنهم "إدم" "أدم" أي: أتباع لهم٢.
стр. 1160
قرعمتن:
وورد في الكتابات اسم عشيرة عرفت بـ"قرعمتن" "قرعمتان"، ويظهر أنها كانت في جوار "بتع" و"سقرن" "سقران", وقد عرفت الأرض التي نزلت بها بهذا الاسم كذلك١.