بنو سمع:
أما "بنو سمع" "بنو سميع"؛ فقد كانوا أتباعًا لـ"بني بتع" "أدم بن بتع" "أدم بني بتع"، كما يفهم من الكتابة CIH ٣٤٣. وقد ورد فيها اسم الإله "تألب ريمم بعل قدمن ذ دمهن"، أي الإله "تألب ريام ربّ قدمان في ذي دمهان"١, وجاء اسم الإله "تألب ريمم بعل قدمن" في كتابة أخرى، أصحابها من "بن سمع" "بني سميع" كذلك. وقد ذكروا أنهم نذروا للإله صنمًا؛ ليقيهم ويقي أملاكهم ومقتنياتهم وما يملكونه بمدينة "مريب" أي: "مأرب"٢.
стр. 1157
فمدينة "قدمن" "قدمان" إذن مدينة من مدن "السميعيين"، وبها معبد الإله "تألب" المعروف بـ"تألب ريام بعل قدمان", وتقع في أرض "دمهان". ويجوز أن يكون "قدمان" اسم موضع صغير في "دمهان"، أو اسم المعبد, وقد ورد في كتابات أخرى١.
стр. 1158
رمس:
وجاء اسم عشيرة "رمس" في الكتابة MM ١٣٧، وهي كتابة مدونة على أطراف إناء ثمين جدًّا, قدم نذرًا إلى الإلهة "ذات بعدان" أي الشمس١. والظاهر أن عشيرة "رمس" كانت تجاور عشيرة "سميع"، وأنها كانت تملك أرضين تجاور الأرض التي نزلت بها "سميع"، وتؤجرها لغيرها كما يتبين ذلك من استعمال جملة "أدم رمسم" أي: "خول رمس"، وكلمة "أمراهمو" التي تعني "أمراؤهم" في بعض الكتابات. حيث يفهم من أمثال هذه التعابير أن الرمسيين كانوا يحكمون عشائر أخرى كانت نازلة في أرضهم وتعيش في كنفهم وجوارهم. وقد ورد اسم "الرمسيين" في كتاب "صفة جزيرة العرب"، فلعل لهم علاقة وصلة بهؤلاء الرمسيين٢.
وأما عشيرة "رابن" "رأبان" التي ورد ذكرها في النص Glaser ٣٠٢ أي٣: نص الملك "يهعن" "يهعان" ملك "سمعي", فهم عشيرة قديمة كانت في أيام المكربين وفي أيام ملوك سبأ, وكانت مواطنها أرض "نهم" وأعالي "الخارد", ولكنهم تنقلوا إلى مناطق أخرى بعد ذلك. والظاهر أنهم Rabanitae أو Raabeni الذين كان يحكمهم ملك يعرف بـIlasaros على ما ورد في الكتب "الكلاسيكية"٤. وإذا صح أنهم هم "رأبان" دل ذلك على أن "الرأبانيين" قد تمكنوا من الاستقلال ومن تكوين مملكة أو "مشيخة" تلقب رؤساؤها بألقاب الملوك.
стр. 1159
سقران:
ومن أتباع "بتع" عشيرة معروفة تقع منازلها في منطقة "حاز" عُثر على عدد من الكتابات تعود إليها في "حاز" و"بيت غفر" و"حجة"، وهذه العشيرة هي "سقرن" أو "سقران"١.
ويظهر من جملة: "أدم بن بتع" "أدم بني بتع" التي وردت في كتاباتهم أنهم كانوا أتباعًا لبتع ولسادات "بتع" الذين كانوا "أقولًا"، أي: "أقيالًا" على السقرانيين. والظاهر أنهم كانوا يعيشون في كنف "البتعيين" وفي أرضهم يستأجرونها منهم ويستغلونها مقابل إتاوة يدفعونها لبتع، وهم يؤجرونها لمن دونهم من العشائر والأفراد؛ لورود عدد من الكتابات دوَّنها أناس اعترفوا بسيادة "سقران" عليهم وبأنهم "إدم" "أدم" أي: أتباع لهم٢.
стр. 1160
قرعمتن:
وورد في الكتابات اسم عشيرة عرفت بـ"قرعمتن" "قرعمتان"، ويظهر أنها كانت في جوار "بتع" و"سقرن" "سقران", وقد عرفت الأرض التي نزلت بها بهذا الاسم كذلك١.
стр. 1161
الفصل السابع والعشرون: ملوك سبأ وذو ريدان
نحن الآن في عهد جديد من عهود تأريخ مملكة "سبأ"، هو عهد ملوك "سبأ وذو ريدان". لقد كان حكام "سبأ" يتلقبون كما رأينا بلقب "ملوك سبأ"، أما لقبهم في هذا العهد فهو "ملوك سبأ وذو ريدان".
ففي حوالي السنة "١١٥ق. م" أو في حوالي السنة "١١٨ق. م."، أو بعد ذلك بتسع سنين، أي: في حوالي السنة "١٠٩"١، خلع "ملوك سبأ" لقبهم القديم واستبدلوا به لقبًا آخر حبيبًا جديدًا، هو لقب "ملك سبأ وذي ريدان"؛ إشارة إلى ضم "ريدان" إلى تاج سبأ. وبقي هذا اللقب مستعملًا حتى أيام الملك "شهر يهرعش" "ملك سبأ وذي ريدان", ثم بدا له رأي دفعه لتغييره، فاتخذ بدله لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت" دلالةً على توسع رقعة سبأ مرة أخرى، فدخلت بذلك حكومة سبأ في عهد ملكي جديد.
هذا ما كان عليه رأي أكثر الباحثين في تأريخ سبأ, في زمن نشوء لقب "ملك سبأ وذي ريدان" وفي سبب ظهوره عند السبئيين. وقد اتجه رأي الباحثين المتأخرين إلى أن ظهور هذا اللقب إنما كان قد وقع بعد ذلك، وأن "الشرح يحضب" الذي هو أول من حمل ذلك اللقب لم يحكم في هذا الزمن، وإنما
стр. 1162
حكم بعد ذلك في أواخر القرن الأول قبل الميلاد إبان حملة "أوليوس غالوس" على العربية الجنوبية في حوالي السنة "٢٤ق. م."، وعلى ذلك يكون اللقب المذكور قد ظهر في أواخر القرن الأول قبل الميلاد، لا في سنة "١١٥" أو "١٠٩" قبل الميلاد١.
وبناء على هذا الرأي الحديث المتأخر، لا تكون لسنة "١١٥ق. م" أية علاقة بهذا اللقب الجديد، بل لا بد أن تكون لها صلة بحادث مهم آخر كان له وَقْعٌ في تأريخ العربية الجنوبية؛ ولهذا جعل مبدأ لتقويم يُؤَرَّخ به. وقد زعم بعض الباحثين أن ذلك الحادث هو سقوط مملكة معين في أيدي السبئيين وزوال حكم الملوك عنها، وخضوع المعينيين لحكم "ملوك سبأ". ولما كان ذلك من الأمور المهمة في سياسة الحكم في العربية الجنوبية، جُعِلَ مبدأً لتقويم يؤرخ به.
ورأى بعض آخر أن السنة المذكورة، هي سنة انتصار سبأ على "قتبان"، واستيلائها عليها وضمها إلى حكومة سبأ. و"ريدان" قصر ملوك سبأ، ومقر سكنهم وحكمهم. ونظرًا لأهمية هذه السنة اتخذت مبدأ لتأريخ، وبداية لتقويم.
وإذا أخذنا بهذا التفسير المتأخر، وجب علينا إذن ترك هذا الزمان واتخاذ زمان آخر لظهور لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، وهو زمان يجب ألا يبعد كثيرًا عن السنة "٣٠ق. م.". ففي هذا الزمن كان حكم "الشرح يحضب" و"شعرم أوتر" على رأي القائلين بهذا الرأي من علماء العربيات الجنوبية.
ويعد تأريخ "سبأ وذو ريدان" من أصعب عهود تأريخ "سبأ" كتابةً، على كثرة ما عثر عليه من كتابات طويلة أو قصيرة تعود إلى هذا العهد٢. ولا نزال في توقع كتابات أخرى نأمل أن تسد من الثغرات والفجوات التي لم تتمكن الكتابات التي وصلت إلينا من سدها، ولا أن تزيل الغموض الذي يحيط بهذا التأريخ.
لقد عثر -كما قلت- على كتابات عديدة دونت في هذا العهد، ومنها ما عثر عليه حديثًا, ولكنها لم تخفف من عنائنا مما نلاقيه من مشكلات عن تأريخ
стр. 1163
هذه الحقبة، بل زادت أحيانًا من مشكلاتنا هذه؛ فقد جاءت بأسماء متشابهة وبأخبار اضطرت الباحثين إلى تغيير وجهات نظرهم في كثير مما كتبوه تغييرًا مستمرًّا, وإلى إعادة النظر في القوائم التي وضعوها لحكام هذا العهد، كما باعدت بين وجهات نظر بعضهم عن بعض؛ فصارت لدينا جملة آراء تمثل وجهات نظر متباينة.
وتأريخ هذا العهد هو تأريخ مضطرب قلق، نرى "الشرح يحضب" يلقب نفسه فيه بـ"ملك سبأ وذي ريدان"، ثم نرى خصمًا له يلقب نفسه باللقب نفسه، مما يدل على وجود خصومة ونزاع واختلاف على العرش، لا اتفاق وائتلاف. ثم نجد كتابات أخرى تدين بالولاء لـ"الشرح يحضب" ولخصمه معًا, وفي وقت واحد، وفي كتابة واحدة، وهو مما يشير ويدل على وجود اتفاق وائتلاف. وهذه الكتابات تزيد من متاعب المؤرخ وتجعل من الصعب عليه التوصل إلى نتائج تأريخية مرضية مقنعة.
وترينا كتابات هذا العهد أن الوضع كان قلقًا مضطربًا, وأن حروبًا متوالية كانت تقع في تلك الأيام، لا تنتهي حرب إلا وتليها حرب أخرى, وأن المنتصر في الحرب كان كالخاسر, فهو ينتصر في حرب ثم يخسر في حرب أخرى؛ وذلك لأن كفاءات مؤججي تلك الحروب كانت في مستوى واحد. ولهذا كان الخاسر فيها لا يلبث أن يعود بسرعة فيقف على رجليه, يحمل سيفه ليحارب من جديد, حتى كادت الحروب تصير هواية، أو لعبة مألوفة، أما الخاسر الوحيد فهو: الشعب, أي: الناس المساكين التابعون لحكامهم، الذين يكونون السواد، لكنه سواد لا رأي له في حكم ما ولا كلمة, يساق من حرب إلى حرب، فيسمع ويطيع؛ لعدم وجود قوة له تمكنه من الامتناع.
والمتشاجرون البارزون في تلك المعارك والحروب، هم سادات "همدان"، وسادات حمير، أصحاب "ريدان"، وسادات حضرموت وقتبان، وأقيال وأذواء وأصحاب أطماع وطموح، أرادوا اقتناص الفرص لتوسيع نفوذهم، واصطياد الحكم وانتزاعه من الجالسين على عرشه. ووضعٌ مثل هذا، أضعف العربية الجنوبية بالطبع، وأطمع الحبش فيها، حتى صيرهم طرفًا آخر في النزاع، وفريقًا عركًا قويًّا من فرق اللعب بالسيوف في ميدان العربية الجنوبية،
стр. 1164
يلعب مع هذا الفريق ثم يلعب مع فريق آخر، ضد الفرق الأخرى, وغايته من لعبه التغلب على كل الفرق وتصفيتها؛ ليلعب وحده في ميادين تلك البلاد. لذلك نجد أخبار تدخل الحبشة في شئون هذا العهد وفي العهد الذي جاء بعده، بارزة واضحة مكتوبة في كتابات أهل العربية الجنوبية, ومكتوبة في بعض كتابات الحبش.
وقد رأينا في الفصل السابق كيف تخاصم بيتان من بيوت همدان هما بيتا: "علهان نهفان" و"فرعم ينهب" بعضهما مع بعض على الاستئثار بالحكم، والسيادة على مملكة سبأ, وكيف أن كل بيت من البيتين كان يدعي أن له الحكم والملك، وأنه ملك سبأ، أو "ملك سبأ وذو ريدان"، وأنه هو الملك الحق.
ثم رأينا أن "شعر أوتر" "شعرم أوتر"، صار يلقب نفسه بلقب "ملك سبأ وذو ريدان"، وأن خصمه "الشرح يحضب" لقب نفسه بهذا اللقب أيضا، ومعنى ذلك حكم سبأ لأرض "ريدان" وهي أرض حمير على أغلب الآراء. وقد رأينا أن تلك الخصومة، لم تبقَ مجرد خصومة ونزاع وادعاء على ملك، بل كانت خصومة عنيفة اقترنت بمعارك وحروب.
وليس في الكتابات التي بين أيدينا حتى الآن أي خبر يشرح لنا كيف انضمت حمير إلى سبأ، أو كيف لقب "الشرح يحضب" أو معاصره "شعر أوتر" أنفسهما بلقب "ملك سبأ وذي ريدان" وماذا كان موقف ملوك حمير من هذا الاندماج. ولما كان كلا الرجلين "الشرح يحضب" و"شعر أوتر" من همدان، فهل يعني هذا أن الهمدانيين كانوا قد تمكنوا من حمير وغلبوا ملوك حمير على أمرهم، واضطروهم إلى الخضوع لحكمهم، فاعترفوا بسيادتهم عليهم، وتعبيرًا عن ذلك الاعتراف وضعوا: "ذا ريدان" بعد اللقب الملكي القديم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال, لا يمكن أن تكون إجابة مقبولة إلا بعد أمد، فلعل الأيام تجود على الباحثين بكتابات حميرية تشرح موقف حمير الرسمي من هذا اللقب، كأن تعطيهم اللقب الذي كان يلقب الحميريون به ملوكهم، أو تشرح علاقة أولئك الملوك بـ"ملوك سبأ وذي ريدان"، وماذا كان موقف ملوك "ريدان" من ملوك "سلحن" "سلحين" حصن "مأرب" ومقر الملوك.
ولكننا سنجد فيما بعد أن الحميريين لم يكفوا عن قتال "الشرح يحضب"،
стр. 1165
ولا عن قتال "شعرم أوتر" "شعر أوتر" حتى بعد تلقبهما بلقب "ملك سبأ وذي ريدان"، كما سنرى أن قسمًا من قبائل حمير كان في جانب "شعر أوتر" وأن قسمًا آخر كان في جانب "الشرح يحضب" وأن قسمًا ثالثًا كان خصمًا عنيدًا للجانبين، وكان في جانب خصوم ملوك "سبأ وذي ريدان". ومعنى هذا أن اللقب الجديد, لم يغنِ أصحابه من قتال حمير, وأن الحميريين ظلوا يقاومون العهد الجديد غير مبالين بدعاوى ملوك همدان، وقد دام القتال كما سنرى عهدًا طويلًا أضر بالجانبين من غير شك.
وقد أصاب هذا النزاع العربية الجنوبية بأسوأ النتائج، فهدمت مدن، وخربت قرى، وتحولت مزارع كانت خضراء يانعة إلى صحارى مجدبة عبوسة.
وتأثر اقتصاد البلاد باستمرار الحروب، وبهروب الناس من مواطنهم ومن مراكز عملهم إلى مواطن بعيدة؛ فتوقفت الأعمال، وسادت الفتن والفوضى. وقد كان المأمول تحسن الأوضاع بعد توسع ملك مملكة سبأ واندماج الإمارات وحكومات المدن فيها وانتقال السلطة إلى ملك واحد ذي ملك واسع، إلا أن هذا التنافس الشديد الذي أثاره المتنافسون على عرش المملكة، أفسد كل فائدة كانت ترجى من هذا التطور السياسي الخطير الذي طرأ على نظام الحكم في العربية السعيدة.
وقد برهنت حملة الرومان على العربية السعيدة وقد وقعت في هذا العهد، وكذلك حملات الحبش وقد وقعت في هذا العهد أيضا، على أن حكومة "سبأ وذو ريدان" لم تكن حكومة قوية متماسكة، ولم تكن لديها قوات حربية قوية ولا جيوش منظمة مدربة، حتى لقد زعم من أرخ تلك الحملة من الكَتَبَة اليونان، أن الرومان لم يقاتلوا العرب، ولم يصطدموا بقواتهم اصطدامًا فعليًّا على نحو اصطدام الجيوش، وأن المحاربين العرب لم يكونوا يملكون أسلحة حربية من الأسلحة المعروفة التي تستعملها الجيوش، وأن كل ما كان عندهم هو الفئوس والحجارة والعصي والسيوف؛ ولذلك لم يتجاسروا على الالتحام بالرومان, وقد لاقى الرومان من الحر والعطش والجوع ما جعلهم يقررون التراجع والعودة إلى بلادهم؛ فهلك أكثرهم من العوامل المذكورة. ويؤيد هذا الرأي أيضا توغل الحبش في العربية الجنوبية وتدخلهم في أمورها الداخلية، مع أنها دون الرومان في القوة وفي التنظيم الحربي بكثير. وتوغلهم هذا يدل على أن العربية الجنوبية
стр. 1166
لم تكن تملك إذ ذاك قوة بحرية قوية, بحيث تقف أمام الحبش وتمنعهم من الوصول إلى السواحل العربية, مع أن الحبش أنفسهم لم يكونوا يملكون قوة بحرية يعتد بها. ولعل الرومان ساعدوهم في نزولهم في البلاد العربية؛ لأنهم كانوا تحت تأثيرهم, كما صاروا تحت تأثير الروم، أي: البيزنطيين من بعدهم، ولا سيما بعد دخولهم في النصرانية.
ويبدأ عهد "ملوك سبأ وذو ريدان" بالنزاع الذي كان بين "الشرح يحضب" وأخيه "يزل بين" "يأزل بين" ابني "فرعم ينهب" من جهة، وبين "شعرم أوتر" و"يرم أيمن"، وهما ابنا "علهان نهفان" "علهن نهفن" من جهة أخرى. وهو في أصله نزاع قديم له تأريخ سابق ومقدمات ترجع إلى أيام أجداد الطرفين، فالنزاع الذي فتح به عهد "سبأ وذو ريدان"، هو فصل أول من جزء من كتاب هو جزء متمم لكتاب سابق. ولا نريد هنا أن نعيد الحديث عن تلك الخصومة التي شغلت الأجيال الأخيرة من مملكة سبأ.
وحظ "الشرح يحضب" لا بأس به, بالقياس إلى من تقدمه من المكربين أو الملوك، فقد بقي حيًّا في الإسلام، وخلد في كتب الإسلاميين، فذكره "الهمداني" في كتابه "الإكليل"، وسماه "ألى شرح يحضب"، ونسب إليه قصر "غمدان"، وروى له شعرًا زعم أنه قاله، وذكر أن "بلقيس" هي ابنته١. وحكى "ياقوت الحموي" قصة في جملة القصص التي رواها الأخباريون عن بناء قصر "غمدان"، نسبها إلى "ابن الكلبي"، زعم فيها أن باني هذا القصر هو "ليشرح بن يحصب"٢. و"ليشرح بن يحصب" هو "الشرح يحضب", وقد ذكر في صور أخرى، مثل "أبي شرح" و"يحضب شرح"، وهي -ولا شك- من تحريفات النساخ.
ونسب "الطبري" بلقيس إلى "إيليشرح"، فجعلها ابنته٣. أما "حمزة الأصبهاني"، فقد جعلها "بلقيس بنت هداد بن شراحيل"٤, وقد قصد بـ"شراحيل" "الشرح يحضب"، ولا شك، فصيرها حفيدة له.
стр. 1167
وهكذا رفع أهل الأخبار أيام "الشرح يحضب"، فصيَّروها في عهد "سليمان" مع وجود فرق كبير جدًّا بين زماني الرجلين.
وقد نص في الكتابات على أصل "فرعم ينهب"، فذكر أنه من "بكيل"١, وذكر أنه من "مرثد"، و"مرثد" عشيرة من عشائر "بكيل"٢. فهو إذن من قبيلة "همدان"، من غير شك، إلا أننا لا نعرف عنه ولا عن والده شيئًا يذكر, فلا ندري أكان والده من البارزين المعروفين في أيامه أم لا. ونستطيع أن نقول بكل تأكيد: إنه لم يكن ملكًا، وإلا ذكر اسمه وأشير إليه وإلى لقبه في النصوص التي ورد فيها اسم ابنه "شعرم أوتر" "شعر أوتر". ومعنى ذلك أن ابنه "شعر أوتر" لم يكن من الأسر المالكة الحاكمة، بل انتزع الملك بنفسه, وكون نفسه بنفسه، ومهد الحكم بذلك لولديه: "الشرح يحضب" و"يأزل بين".
وقد ورد اسم "فرعم ينهب" "فرع ينهب" "فارع ينهب" في النصوص: Jamme ٥٦٦ و CIH ٢٩٩ و"نشر: رقم ٥٩". وأشير في النص Jamme ٥٦٦ إلى "الشرح يحضب" و"يأزل بين" ابني "فرع ينهب"، ولكنه لم يذكر بعد الاسمين واسم الوالد جملة: "أملك سبا"، أي: "ملوك سبأ"، بل ذكر "ملك سبأ"، أي: إن هذا اللقب يعود إلى "فرع ينهب"، كما أنه ذكرت في السطرين الأول والثاني جملة: "رَجُلَيْ ملكن"، أي "رجلي الملك"، مما يدل على أنه قصد ملكًا واحدًا، هو "فرع ينهب". وأما لفظة "رجلي"، فتعني: "ربشمس أضاد" "ربشمس أضأد", و"سعد شمسم" "سعد شمس" شقيقه، وقد كانا مقربيْنِ عند الملك يقضيانِ أموره، فهما الرجلان المختاران عنده، وموضع سره٣.
وقد لقب "فرع ينهب" في النص: "نشر ٥٩" بـ"ملك سبأ", وقد ذكر فيه أسماء إلهين، هما: "بعل أوَّام"، أي المقه، و"سمع" "سميع" وهو "بعل حرمتن"، اسم مكان فيه معبده٤.
стр. 1168
ويرى "فون وزمن" أن الملك "فرعم ينهب" "فرع ينهب" "فارع ينهب" "الفارع ينهب"، هو الملك الوحيد الذي نعرفه في هذا العهد. ويرى أن سبب عدم تحرش حمير به، هو بسبب كونه ملكًا لقبائل سبئية محتمية بأرضين مرتفعة محصنة. ويرى أن عهد مشاركة ابنيه معه في الحكم، كان في أيام وجود "ياسر يهنعم الأول" وابنه "شمر يهرعش الثاني" في "ظفار" و"مأرب", ويرى أيضا أن "فرع ينهب" وابنيه كانوا ثلاثتهم تابعين لسلطان ملوك حمير: "ملوك سبأ وذو ريدان"١.
كان "الشرح يحضب" مقاتلًا محاربًا، ذكر أنه قاتل في أيام أبيه "فرعم ينهب" حمير وحضرموت؛ لتحرشهم بسبأ وغزوهم لها٢. وقد سجل خبر حربه هذه معهم في كتابة وصلت إلينا، سقط منها اسم صاحبها، يفهم منها أن صاحبها قدم إلى معبد "المقه" المقام في "ذ هرن" "ذي هران" وثنًا مصنوعًا من الذهب، حمدًا له وشكرًا؛ لأنه مكَّن سيده "الشرح يحضب بن فرعم ينهب" من أعدائه، ومَنَّ عليه بالنصر وأوقع بعدوه هزيمة منكرة وخسائر جسيمة، ولأنه نصر سيديه "الشرح" وشقيقه "يأزل بين" في غزوهما حمير وحضرموت، ولأنه مكنهما وهما على رأس جيوش "سبأ" و"بحض" "باحض" من الانتصار على قوات "إظلم بن زبنر" "أظلم بن زبنر"٣.
ولم ترد في هذا النص إشارة إلى موقف الهمدانيين من حضرموت وحمير في حربهما هذه مع سبأ، فلم يرد فيه أنهم ساعدوهم أو اشتركوا معهم. أما "أظلم بن زبفر"، فالظاهر أنه هو الذي كان يقود القوات المشتركة التي حاربت السبئيين، قوات حمير وحضرموت.
وفي النص Glaser ١١٩ خبر غزو "الشرح يحضب" أرض حمير وحضرموت ولم يكن "الشرح" يومئذٍ ملكًا، ولكنه كان في درجة "كبر" أي "كبير" على "أقين" "أقيان" "كبر أقين" "كبير أقيان", وهي الدرجة التي كان عليها حتى صار ملكًا. وقد عاد "الشرح" بغنائم كثيرة، وبعدد كبير من الأسرى, ووصل لهيب هذه الحرب إلى أرض "خولان". وقد قدم
стр. 1169
صاحب هذه الكتابة إلى حاميه وإلهه "ومن بعل علمن" "رمان بعل علمان"، الحمد والشكر على هذا التوفيق الذي وفقه لـ"الشرح"، وقدم إلى معبده نذرًا هو وثن "صلمن" تعبيرًا عن هذا الشكر١.
والكتابات التي نُعِتَ "الشرح يحضب" فيها بـ"كبر أقين" "كبير أقيان" إذن هي من الكتابات القديمة من أيامه يوم كان في درجة "كبر" "كبير"، أي: في منصب عالٍ رفيع من مناصب الدولة. فقد عثر على كتابات في "شبام أقيان" وفي "شبام سخيم"، ظهر منها أنها من هذا العهد.
ومنطقة "أقيان" التي كان "الشرح يحضب" "كبيرًا" عليها، هي "شبام أقيان", وتقع عند سفح "جبل كوكبان"٢.
أصبح للحميريين في هذا الوقت شأن يذكر؛ أصبحوا قوة فعالة في السياسة العربية الجنوبية، وزَجُّوا أنفسهم في هذا النزاع الداخلي في حكومة سبأ دون أن يقيدوا أنفسهم بجبهة معينة, كانت سياستهم هي مصلحتهم. وأما حضرموت فقد كانت تفتش عن حليف لها لتحافظ على حياتها وكيانها؛ كانت قد تحالفت مع "علهان" على حكومة مرثد، وحافظت على عهدها هذا، فأيدت جانب "شعرم أوتر" في نزاعه مع الشرح يحضب.
غير أن مملكة حضرموت لم تبقَ مدة طويلة إلى جانب "شعر أوتر"؛ إذ نراها -كما يظهر من النص Glaser ٨٢٥- في حرب معه أيام تلقبه بلقب "ملك سبأ وذو ريدان". وربما كان اختلافهما على أسلاب "قتبان" هو سبب افتراق حضرموت عن همدان, فقد تمكن "شعر أوتر" من الاستيلاء على جزء من أرض حمير ومن استمالة قسم من حمير إليه، بينما مال قسم آخر إلى "الشرح يحضب". وأرادت حضرموت ضم أرض "ردمان" إليها، وأرض ردمان من الأرضين التي كانت تابعة لمملكة قتبان، وهنا وقع الاختلاف؛ فقد كان "شعر أوتر" يريدها لنفسه، فحارب من أجلها في المعركة التي وقعت عند
стр. 1170
"ديرم" "ديريم" "دير"١.
ويظهر من الكتابة المذكورة أن الردمانيين انتهزوا فرصة الحرب التي نشبت بين "شعر أوتر" و"العز" ملك حضرموت، فأغاروا على أرض سبأ، وقصدوا سد مأرب ليلحقوا به أضرارًا، غير أن قبيلة "حملان" التي كانت تحرس السد قابلتها وأرجعتها إلى حيث أتت, وبذلك أخفق غزو ردمان ولم ينل السد أي سوء كان٢. وقد يكون هذا الهجوم بأمر من ملك حضرموت، كانت الغاية منه إنزال ضربة قاصمة بالسبئيين؛ بتخريب سدهم الذي هو عرق الحياة بالقياس إليهم وإلى مأرب العاصمة، فترتاح بذلك حضرموت. وقد كان هذا الغزو في أيام "الشرح".
وأغلب الظن أن وقوع هذا الغزو كان أثناء الحرب التي نشبت بين "شعر أوتر" وملك حضرموت.
وقد كان "الشرح يحضب" يومئذٍ ضد حضرموت, وقد ورد اسمه في النص المذكور إلا أن لم يشر إلى موقفه منها، ولكن ذكر على العادة اسمه ولقبه ثم ذكر اسم "شعر أوتر" بعده، فلا ندري أكان قد أسهم هو أيضا في هذه الحرب مع "شعر أوتر"، أم وقف موقف المتفرج ينتظر النتيجة ليعين موقفه من بعد. مهما يكن من شيء فقد أحس ملك حضرموت بموقف "الشرح"، وعرف أنه يريد أن يتربص به، فأوعز إلى الردمانيين بغزو أرض مأرب وبتهديم السد على نحو ما ذكرت.
وقد حارب الردمانيون الحضارمة كذلك، وكانوا في هذا الزمن حلفاء لحمير. ويرى بعض الباحثين أن حمير كانت إلى جانب "الشرح يحضب"، وقد ساعدته في قتاله الحضارمة٣. وفي النص المذكور مواضع غامضة ونواقص تحتاج إلى دراسة جديدة وإعادة نظر في صحة نقل الكتابة عن الأصل.
ولم تنقطع حروب "الشرح يحضب" مع حمير وحضرموت بعد توليه العرش، فإنا لنجد في نص أن "الشرح"، وكان يومئذٍ ملكًا على "سبأ وذي ريدان"
стр. 1171
قد حارب الحميريين والحضرميين، وكان أخوه إذ ذاك يشاركه في لقبه هذا١. وقد انتصر فيها على أعدائه، غير أن مثل هذه الانتصارات وفي مثل تلك الأيام وفي أرض وعرة متموجة قبلية، لا يمكن أن تكون انتصارات حاسمة تأتي بنتائج إيجابية لمدة طويلة؛ ذلك لأن المغلوبين سرعان ما يجمعون شملهم أو يتحالفون مع قبائل أخرى، فيعلنون حربًا أخرى، والحروب كما نعلم جزء من حياة القبائل.
وقد ورد اسم "الشرح يحضب" وأخيه "يأزل بين" في النص الموسوم٢ بـGlaser ٢٢٠، وهو نص دونه جماعة من "بني بتع"، و"بنو بتع" هم من "همدان". دونوه عند إتمامهم بناء "معبد" و"مزود"؛ تيمنًا به وتخليدًا له، وليقف الناس على زمن البناء ذكروا اسمي الملكين.
ولم يرد فيه اسم "شعرم أوتر" أو غيره من نسله مع أنهم من "بتع"، و"شعرم أوتر" من "بني بتع". وقد يكون من تعليل ذلك أن هؤلاء البتعيين كانوا من أتباع "الشرح يحضب"، وأن قسمًا من "بتع" كانوا مع "الشرح"، فلم يشيروا إلى اسم "شعرم أوتر"، وقد يكون تعليله أن "شعرم أوتر" كان قد توفي قبل "الشرح"، أو أن "الشرح" كان قد تغلب عليه، أو على من ولي الأمر بعده، ولم يعد أمامه أحدٌ ينافسه من البتعيين.
وفي الكتابات التي وسمت بـJamme ٥٧٤ و Jamme ٥٧٥ و Jamme ٥٩٠ / ٥، وهي كتابات عثر عليها منذ عهد غير بعيد، أخبارٌ عن معارك وحروب وقعت بين الملك "الشرح يحضب" وشقيقه "يأزل بين" من جهة، وبين الأحباش ومن كان إلى جانبهم من قبائل من جهة أخرى. يحدثنا الملكان في النص: Jamme ٥٧٤ أنهما انتقما "نقمن" من الحبش ومن حلفائهم قبائل "سهرتن" "سهرة"، وذلك في معارك وقعت في مقراتهم "بمقرهمو"، أي: منازلهم وديارهم الثابتة في وادي سهام، فأنزلا بهم خسائر فادحة، ثم توجه الملك "الشرح يحضب" ومعه بعض جيشه وبعض أقياله لمحاربة "أحزب حبشت" أي: أحزاب الحبشة، ويريد بهم فلول الحبش وجيوشهم، التقى بها في وادي
стр. 1172
سردد، واشتبك بالحبش وبقبائل سهرة في موضعين, حيث جرت معارك معهم في موضع "ودفتن" "ودفتان" وموضع "وديفان" "ودفن"، ثم في "لقح". ثم اشتبك بعد هذه المعارك بخمس وعشرين جماعة من جماعات "أكسمن" و"جمدن" "جمدان" و"عكم" عك، وبجماعات من سهرة, وقد أنزل بكل هذه الجماعات خسائر فادحة، وغنم منها غنائم كبيرة، وأخذ منها أسرى وماشية كثيرة، ثم عاد إلى مدينة "هجرن صنعو" صنعاء. وحين وصل إليها جاءه رسل "تنبلتم" "جمدن" "جمدان" ومعهم أطفالهم يريدون أن يضعوهم ودائع عنده، تعبيرًا عن طاعتهم له، وإقرارًا بخضوعهم لحكمه. فحفظهم رهائن عنده, وقد أقسموا, وأقسم قوم من أهل "لقح" يمين الإخلاص والطاعة، وحمد "الشرح يحضب" مع شقيقه "المقه ثهوان" على هذا التوفيق١.
ويظهر من هذا النص أن الأحباش، ومعهم أهل "سهرة" الذين كانوا قد استقروا واستوطنوا "وادي سهام"، كانوا قد تحرشوا بالسبئيين، وقاتلوا جيوش "الشرح يحضب", أي: جيوش مملكة "سبأ وذي ريدان", فقرر الملك الانتقام منهم والأخذ بثأره، فاتجه نحو الشمال حيث تقابل مع الحبش في "وادي سردد"، على مسافة "٤٠" كيلومترًا شمال مدينة "الحديدة". فوقعت معارك بينه وبينهم في سهل "ودفين" "ودفتان" و"دفن" "ووفان"، وفي أرض "لقح" "لقاح". وقد تقابل السبئيون بعد "لقاح" بجماعات عددها خمس وعشرون جماعة من "أكسوم" و"جمدن" "جمدان"، وعك، وسهرة, غلبها جيش "الشرح" وشتت شملها. ثم عاد الملك بعد ذلك إلى "صنعاء"، حيث استقبل رسل "جمدن"، على نحو ما ذكرت.
ويحدثنا النص Jamme ٥٧٥ عن معارك وقعت أيضا بين "الشرح يحضب" وأخيه "يأزل بين" من جهة، وبين الأحباش وحلفائهم عشائر "سهرة" وعشائر أخرى من جهة ثانية، ويذكر أن الملك "الشرح يحضب" وضع خطة محاربة الأحباش وحلفائهم وهو في "صنعاء". وبعد أن أتم كل شيء، أرسل مقدمة من الأدلاء "بقد ميهمو دلولم"؛ لتتعرف على مواضع العصابات المنشقة,
стр. 1173
ثم سار الجيش إلى أرض عشائر "سهرة" حيث أبلغ بوجود عصابات فيها، كانت منتشرة في كل مكان ابتداءً من موضع حصن "وحدة" "وحدت" "عرن وحدت". فلما رأت العصابات ذلك الجيش، ظعنت "ظعنو" إلى البحر "لبحرن"، فتعقب آثارها حتى أدركها فحاربها. ثم التف حول الحبش وحلفائهم من "عك" و"سهرة" الذين كانوا قد عسكروا بعيدًا عن مواضع أطفالهم وأموالهم، فأعمل الجيش فيهم السيف، فقتل منهم عددًا كبيرًا وذبح الحبش، حتى صاروا بين قتيل أو أسير، وحصل جيش "الشرح" على غنائم كثيرة من هؤلاء.
ثم اتجه جيش "الشرح يحضب" بعد هذه المعارك نحو الشرق؛ لمنازلة فلول الأحباش وبقيتهم, وكذلك عك وبقية حلفائهم، فبلغ موضع "عينم" "عين" و"هعان" "هعن"، واصطدم بهم، فأعمل فيهم السيف حتى تغلب عليهم وأخذ منهم عددًا كبيرًا من الأسرى واستولى على غنائم كبيرة، عاد بها حيث وضعت أمام شقيق "الشرح يحضب"، أي: "يأزل بين" في "صنعاء" وفي قصر "سلحن" سلحين، أي: قصر الملك في مأرب١.
ولا نعلم شيئًا أكيدًا عن موضع حصن "وحدت" "وحدة"، ويظن بعض الباحثين أنه لا يبعد كثيرًا عن وادي "صور"، وهو أقرب إلى البحر منه إلى الهضاب؛ ذلك لأن العصابات كانت قد هرعت منه إلى البحر، لتنجو بنفسها من تعقب جيش "الشرح" لها. وهناك وادٍ يسمى "وادي وحدة"، وهو في أرض حمير، غرب "قعطبة" التي تقع على مسافة "١٢٥" كيلومترًا شمال غرب "عدن" وحوالي "١٧٠" كيلومترًا شمال شرقي "مخا"٢.
ولا نعلم شيئا أكيدا عن موضع "عينم" "عين" "العين"، وإذا ذهبنا إلى أنه موضع "العين" الذي يقع على مسافة أربعين كيلومترًا من شمال شرق صنعاء وزهاء عشرة كيلومترات من جنوب غربي عمران، وإذا فرضنا أن "هعن" وهو الموضع الثاني الذي جرى فيه القتال هو موضع "هواع" الذي يقع على مسافة "٣٥" كيلومترًا من شمال غرب عمران، فإن ذلك يقربنا من
стр. 1174
منازل قبائل "بكيل" المذكورة في السطر الثالث من النص، حيث كانت قد اشتركت مع الحبش في قتال جيش "الشرح يحضب" كما يفهم منه. وهذا مما يحملنا على الذهاب إلى أن "عينم" هي "العين"، وأن "هعن" هي "هواع"١.
وقد أشير في نص وسم بـJamme ٥٩٠ إلى معارك وحروب وقعت مع عشائر "سهرة"، إذ يحدثنا في هذا النص "وهب أوم" و"سعد أوم"، وهما من بني "كربم" "كرب" و"معدنم" "معدن"، بأنهما قدما إلى الإله "المقه" "بعل أوام" تمثالًا؛ لأنه مَنَّ عليهما فأعادهما سالميْنِ من "سهرة"، حيث قاتلا هناك مع سيدهما "الشرح يحضب"، ولأنه أعادهما سالمين من المعارك التي جرت فيها، وكانا في جيش هذا الملك، حيث هوجمت قطعات "مصر" جيش ذي ريدان في حقل "ريمتم" "ريمت" "ريمة"، ولأنه أنعم عليهما بغنائم كثيرة وبأسرى، ولكي يديم نعمه عليهما وعلى سيديهما الملكين٢.
وتنبئنا النصوص: Jamme ٥٧٨ و Jamme ٥٨٠ و Jamme ٥٨١ و Jamme ٥٨٦ و Jamme ٥٨٩ بأن الملكين الأخوين حاربا "كرب إيل ذي ريدان" وكل من كان معه من كتائب محاربة "كل مصر" وقبائل "أشعب" ومن محاربي حمير الذين حاربوا إلى جانبه وحالفوه وكذلك "ولدعم"، أي القتبانيين. وقد اجتمعت كل هذه القوى تحت إمرة "كرب إيل" وتقدمت نحو "حقل حرمتم" "حرمة"، ففاجأتها قوات الملكين عند "أساي" "أسأى" و"قرنهن" "قرننهن" حتى "عروشتن" و"ظلمن" "ضلمان" و"هكربم" "هكرب"، فأذاقتها الموت، ومع ذلك بقيت تلك القوات منشقة خارجة على طاعة الملكين، تباغت قواتهما بين الحين والحين، تغدر وتخون، لا تراعي ذمة ولا تخشى عقابًا، على الرغم من الخسائر التي حلت بها؛ فقرر الملكان عندئذ محاربتها، وسارت قواتهما إلى "كرب إيل ذي ريدان" وإلى حلفائه الذين انضموا إليه وساعدوه: من حمير ومن قتبان، ومن أقيال وجيوش وفرسان،
стр. 1175
وكانوا قد تجمعوا في وادي "إظور" "أظور"، ولما وصلت قوات الملكين، اشتبكت بهم عند مدينتي "يكلا" "يكلأ" و"إبون" "أبون"، فتغلبت عليهم قوات الملكين، واضطرت بعض كتائب "كرب إيل" إلى التقهقر إلى مواطنها، وغادر "كرب إيل" المكان تاركًا فيه من تبقى من جيشه ولم يرسل رسلًا عنه، وسرعان ما أعلنوا انصياعهم لأوامر الملكين وخضوعهم لها، وحلفوا على الطاعة. أما "كرب إيل ذي ريدان" فقد لجأ إلى مدينة "هكرم" "هكر" فتحصن بها، وأغلق أبوابها، فاضطر الملكان إلى قصد أرض حمير، ومحاصرة المدينة التي اقتحمت ونهبت١.
يظهر مما تقدم أن قوات "الشرح يحضب" هاجمت قوات "كرب إيل ذي ريدان" في أرض "حرمتم" "حرمة" في بادئ الأمر، وتقع على مقربة من جبل "أتوت"، جنوب شرقي "ريدة". وقد ألحقت قوات "الشرح" بقوات "كرب إيل" خسائر متعددة، وهزمتها في جملة معارك وقعت فيما بين "أساي" "أسأى" و"قرننهن" "قرننهان"، وامتدت حتى "عرشتن" و"ظلمن" "ظلمان" و"هكربم" "هكر", وهي مواضع لا نعرف من أمرها شيئا يذكر. ويظن أن موضع "عروشتن" هو "العروش" في أرض "رداع". وهناك مواضع أخرى يقال لها "عروش"، منها موضع ذكره "كلاسر" وسماه "بلاد العروش"، ويقع على مسافة "٩٥" كيلومترًا جنوبي غربي مأرب، وزهاء "٧٠" كيلومترًا جنوبي شرقي صنعاء، وموضع آخر يسمى بهذا الاسم يقع في منتصف طريق صرواح وذمار٢.
وهناك موضع يقال له: "ظلمة" "ظلمه"، يقع على مسيرة ثلاث ساعات من غرب "سحول" السحول, و"سحول" في أرض حمير. ويقع وادي سحول في شمال "إب"، فلعل له علاقة بموضوع "ظلمان"٣.
ويظهر من النص Jamme ٥٧٨ أن "كرب إيل" بعد أن أصيب بهزائم في أرض "حرمة" في المعارك التي أشرت إليها، نبذته قبائل حمير، فاضطر إلى أن يتراجع إلى أماكن أخرى؛ ليجمع فلوله ويضم إليه من بقي مواليًا له،
стр. 1176
فاستطاع أن يجمع أعوانه وأنصاره ومن كان يميل إليه ويؤيده، جمعهم في وادي "أظور"، غير أن قوات الملكين هاجمته فأصابته بهزيمة اضطُرَّ على أثرها إلى الالتجاء إلى مدينتي "يكلا" "يكلأ" و"إبون" "أبون" "أبوان"، وأجبر على أن يعطي عهدًا بالولاء للملكين، وعلى الاعتراف بسيادتهما عليه, إلا أنه تحصن بمدينة "هكرم" "هكر"، وامتنع بها وأغلق عليه الأبواب عندما جاءته قوات الملكين تطلب منه الاستسلام. وهاجمت قوات الملكين المدينة، واستباحتها؛ فاضطر "كرب إيل" إلى الاستسلام وإعلان طاعته وخضوعه للملكين١.
ويحدثنا النص: Jamme ٥٨٦ بأن الملكين تمكنا من سحق عصيان حمير ومن إنزال خسائر فادحة بمحاربيهم ومن تأديب عشائرها، ثم أنزلا خسائر فادحة بقوات "كرب إيل" وبكتائب حمير المحاربة التي كانت معه، وغنما من هذه المعارك غنائم كثيرة. وقد قام صاحب النص بغارة مع أربعين جنديًّا على منطقة "سرعن" "سرعان"، فوجدوا هناك مائة جندي من جنود حمير فباغتوهم، وقتلوا منهم سبعة وعشرين نفرًا، ثم تقدم صاحب النص على رأس قوة مكوَّنة من خمسين جنديًّا من "سرعان"، فهاجم قبيلة "قشمم" "قشم"، وتمكن رجاله من قتل "الزاد" الزأد" من عشيرة "ربحم" "ربح" "رباح"، ومن قتل واحد وخمسين محاربًا من رجاله. ثم عاد مع رجاله بغنائم كثيرة وبعدد من الأسرى٢.
ويظهر أن القتيل "الزاد" "الزأد" كان رئيسًا من رؤساء العشائر، ومن مثيري الاضطرابات والفتن، ومن العصاة على حكم سبأ وذي ريدان. وأما "قشم" فقبيلة أو عشيرة، كانت منازلها جنوب "ردمان" وغرب "مضحيم" "مضحي"٣.
وقد سجل الملكان أخبار انتصارات لهما في نص موسوم بـJamme ٥٧٦, وقد افتتح نصهما بمقدمة تخبر أن الملكين انتصرا بفضل توفيق الإله "المقه ثهون" "المقه ثهوان" ومساعدته لهما على جميع أعدائهما من المحاربين والقبائل ومن ثار عليهما، ابتداءً من القبائل النازلة في الشمال وفي الجنوب إلى المحاربين الذين
стр. 1177
حاربوا على اليابسة وفي البحر١، وأنهما لذلك شكرا إلههما بأن قدما إليه تماثيل تعبيرًا عن حمدهما له ولمننه الطائلة عليهما، ولأنه وفقهما أيضا في أسر "ملكم" مالك، ملك "كدت" "كدة" "كندة"، وأسر جماعة من سادات قبيلة "كدت" "كدة" "كندة"؛ لأن "مالكًا" كان قد ساعد أعداء "المقه" وأعداء الملكين: "مراقيس بن عوفم" "مراقيس" امرأ القيس بن عوف، ملك "خصصتن" "خصصتان". وقد وضعوا في مدينة "مرب"، وبقوا فيها إلى أن سلم لهما الشاب "مراقيس" "مرأقيس"، وكذلك ابن الملك "مالك" وأبناء سادات كندة؛ ليكونوا رهائن عندهما، فلا يحنثوا بيمين الطاعة للملكين, وقد سلموا للملكين أفراسًا وحيوانات ركوب وجمالًا٢.
ويظهر من الفقرة المتقدمة من النص أن "مالكًا" كان من "كندة" "كدة" وكان ملكا عليهما أيام حكم "الشرح يحضب" وشقيقه "يأزل بين", وقد ساعد "مراقيس" "مرأقيس" "امرأ القيس" ملك مملكة صغيرة اسمها "خصصتن" "خصصان"، الذي كان ضد سبأ، فأثارت هذه المساعدة غضب الملكين، فساقا جيوشهما على كندة وعلى "خصصتن". وقد انتصرا عليهما، فأسر ملك كندة، وأسر معه عدد من سادات كندة، فأخذوا إلى مدينة تسمى "مرب"، يظن الباحثون أنها ليست "مأرب"، بل مدينة أخرى من مدن شعب "مرب"، Marabites الذي يسكن أرض عدن، ووضعوا رهائن فيها، إلى أن جيء بـ"مراقيس" "مرأقيس"، وهو ملك شاب، وبابن ملك كندة وبأولاد سادات كندة حيث وضعوا رهائن عند الملكين؛ ليضمنا بذلك بقاء كندة ومملكة "خصصتن" على الطاعة والإخلاص لهما٣.
ويظن أن أرض مملكة "كدت" "كدة" "كندة" كانت في جنوب "قشم", وأما أرض "خصصتن" فتقع في أرض "عدن"٤.
стр. 1178
وقد تحدث الملكان بعد انتهاء كلامهما على كندة وعلى"خصصتن" عن حملات تأديبية انتقامية أرسلاها على أحزاب "أحزب" حبشية محاربة، أي: عصابات منهم كانت تعيث فسادًا فتغير وتغزو، وعلى عشائر "سهرة"، وعلى "شمر ذي ريدان"، وعشائر حمير؛ وذلك لأن كل من ذكروا حنثوا بيمينهم وخاسوا بوعدهم الذي قطعوه على أنفسهم، فثاروا على ملكي "سبأ وذي ريدان", فخرج الملكان من "مأرب" إلى "صنعاء"؛ لمحاربة "شمر ذي ريدان" وعشائر حمير و"ردمان" و"مضحيم" "مضحي". وقاد الملك "الشرح يحضب" بعض أقياله وجيشه وفرسانه ودخل أرض حمير، حيث حطم مقاومة حمير وقمع ثورتها، واقتحم "بيت ذ شمتن" "بيت شمتان" ومدينة "دلل" دلال و"بيت يهر" ومدينة "أظور" على حدود أرض "قشم"، وأباح تلك المدن وحصل منها على غنائم طائلة وأسر كثيرين١، ثم عاد إلى معسكره بين مأرب وصنعاء٢.
ويظهر من هذا الخبر أن "شمر ذي ريدان" ومن كان معه من عشائر حمير ومن الحبش وعشائر "سهرة"، خاصم ملكي سبأ، فجرد الملك "الشرح يحضب" حملة عسكرية عليه وعلى حلفائه قادها بنفسه، فتمكن كما يذكر في نصه من الانتصار عليها ومن التغلب على المتحالفين ومن فتح المدن المذكورة. غير أن هذا النصر لم يحقق له إسكات "شمر ذي ريدان" وإخماد حركته وحركات من كان معه، إذ سرعان ما عاد "شمر" إلى العصيان وإلى الثورة على ملكي سبأ، وإلى تجدد القتال بينه وبينهما، وسرعان ما عاد مع حلفائه الحبش يقارعون جيش "سبأ وذي ريدان" بالسيوف في معارك عديدة ذكرت في النص: Jamme ٥٧٦, وفي نصوص أخرى.
فبينما كان الملك "الشرح يحضب" مع جنوده في معسكراته بين مأرب وصنعاء، أرسل "شمر ذي ريدان" كتائب "مصر" من حمير إلى الأرض المحيطة بمدينة "باسن" "بأسان" وإلى المدينة نفسها، التي هي "بوسان"؛ لتقوية استحكاماته هناك، وللاستعداد لمقاومة "سبأ وذي ريدان"، فأسرع
стр. 1179
"الشرح يحضب" وتقدم على رأس أقياله وقواده وجيوشه نحو المدينة المذكورة، ففتحها واستباحها، وحصل جنوده على أسرى وغنائم، ثم اتجه الملك "الشرح يحضب" منها نحو سهل "درجعن" "درجعان"، فلم يجد أحدًا يحاربه؛ لأن قوات "شمر" كانت قد انسحبت منه، فاتجه منه إلى أرض "مهانفم" مهأنف، وأرسل قوات خاطفة سريعة غزت سكانها، وتمكنت منهم وحصلت على غنائم كثيرة وعلى أسرى، ثم اجتازت قوات الملك حمر "مقلن" "يلرن" يلران، قاصدة مدينة "تعرمن" "تعرمان"، فافتتحتها وأسرت أهلها, ثم عادت بأسراها وبغنائمها إلى معسكراتها بمدينة "نعض" "ناعض" فرحةً مسرورة١.
وقبيلة "مهانف" "مهأنف" من القبائل المعروفة، التي ورد اسمها في عدد من الكتابات. وقد اقترن اسمها باسم قبيلة "بكيل" في النص: CIH ١٤٠، وذكرت مع قبيلة أخرى تسمى "ظهر" ظهار٢.
وعاد "الشرح يحضب" فقاد جيشه لغزو القسم الشرقي من أرض "قشمم" "قشم"، فتمكن منه، وافتتح مدينة "أيضمم" "أيضم" وكل الأماكن الواقعة في هذه المنطقة من "قشم"، ثم عاد الجيش إلى معسكراته في مدينة "نعض"٣.
وتحرك الملك "الشرح يحضب" مرة أخرى، فخرج من مدينة "نعض" على رأس قواته إلى أرض قبيلة "مهانفم" "مهأنف"، وكانت قواته تتألف من مشاة وفرسان، وفتح مدينتي "عثي" و"عثر"، وأخذ منهما غنائم كثيرة، وحصل على أسرى، ثم تركهما واتجه نحو مدينة "مذرحم" "مذرح" وهي مدينة عشيرة "مذرحم" "مذرح" "مذراح"، فحاربها وحارب عشيرة "مهأنف" التي فرت إلى مدينة "ضفو" "ضاف"، ففتحها وأخذ غنائم منها، ثم غادرها إلى مدينة "يكلا" "يكلأ" "يكلئ" حيث وجد بعض رؤساء ريدان وبعض كتائب حمير، فالتحم بهم وهزمهم من موضع
стр. 1180
"مرحضن" "مرحضان"، وتعقب فلولهم حتى بلغ "يكلا" "يكلأ"، وعندئذ عادت قوات "الشرح يحضب" إلى مدينة "نعض"، حيث معسكرها الدائم١.
وقد انتهز الحميريون فرصة انسحاب قوات "الشرح يحضب" إلى "نعض" ففاوضوا رؤساء "يكلا" "يكلأ" على الاتفاق معهم للانتقام من السبئيين ولمهاجمة وادي "سر نجررم" "وادي نجرر" فأسرع الملك "الشرح" نحو "يكلا"، فبلغه أن رؤساءها لم يكونوا على وفاق مع حمير، وأنهم دفعوهم عنهم، فعاد الملك إلى قواعد جيشه في مدينة "نعض"، ثم غادرها إلى "صنعاء"٢.
وعلم الملك "الشرح يحضب"، وهو في "صنعاء" بأن "شمر ذي ريدان" قد أرسل رسلًا إلى "عذبة" "عذبت" عذبة ملك "أكسوم" ليدعوه إلى شد أزر "شمر" ومساعدته على "الشرح يحضب"؛ فقرر الملك الإسراع لمباغتة "شمر" ومن كان يؤيده، وترك "صنعاء" في الحال؛ لمباغتة عشائر حمير و"ردمان" و"مضحيم" "مضحي"، وأرسل في الوقت نفسه رسلا إلى الحبشة "حبشت"٣. وقد هاجمت قواته سهل "حرور" و"أرصم" "أرص" و"درجعن"، فتغلبت على سكان هذه المواضع، وأخذت منهم أسرى وغنائم. وقد سار جيش الملك حتى بلغ موضعي "قريب" و"قرس" "قريس"، فردم آبارهما، واستولى على مدينة "قريس"، واتجه "الشرح يحضب" من هذه المدينة نحو أرض "يهبشر" و"مقرام" "مقرأم" و"شددم" "شدادهم" "شدد" "شداد", وأخذ غنائم وأسرى من أهل هذه الأرضين. وعندئذ وجد نفسه نحو "بيت راس" "بيت رأس"، فاستولى عليه وعلى كل حصونه وأبراجه، وعلى مدينة "راسو" "رأسو"، ثم توجه نحو "بيت سنفرم" "بيت سنفر" حيث أخذ كل العصاة الذين كانوا قد اختلفوا فيه, ثم قصد مدينة "ظلم"، فوجه إليها قوات كبيرة من المشاة بقيادة ضباطه الكبار، فاستولت عليها، ودحرت خيرة قوات "شمر ذي ريدان" التي وضعها فيها،
стр. 1181
فجمع "شمر" قواته وكل من ساعده من حمير وردمان ومضحي؛ ليصد جيش "الشرح يحضب" وعسكر بها بين مدينتي "هرن" "هران" و"ذمر" "ذمار"١، وأقام هناك استعدادًا لجولة جديدة.
ورأى "الشرح يحضب" وجوب مباغتة هذه القوة المتجمعة، قبل أن يشتد ساعدها وتصبح قوة محاربة قوية، فسار على رأس ألف وخمسمائة جندي وأربعين فارسًا، ومعه عدد من الأقيال، حتى التقى بجمع "شمر ذي ريدان" ومعه عشائر من حمير وردمان ومضحي، وزهاء ستة عشر ألف بعير، فباغت "الشرح يحضب" جمع شمر، وهرب بعض الريدانيين وبعض عشائر حمير إلى مدينة "ذمار"، وذهب بعض الفرسان ومعهم قوات أخرى إلى معسكراتهم في "أنحرم" "أنحر" و"طريدم" "طريد", وأخذ قسم من القوات يطارد "شمر ذي ريدان"٢. ولم يتحدث النص عما وقع بعد ذلك؛ إذ أصاب آخر الكتابة تلف، أو لأن بقيتها كتبت على حجر آخر لمَّا يُعثَرْ عليه، فأضاع خبر بقية الحملة.
ولكن النصوص: Jamme ٥٧٧ و Jamme ٥٨٥ و CIH ٣١٤ + ٩٥٤ تفيدنا في الوقوف على أنباء معارك وقعت بين "شمر ذي ريدان" وحلفائه, وبين "الشرح يحضب" بعد المعارك المتقدمة. وقد أصاب النص Jamme ٥٧٧ تلف أضاع فهم مقدمته، فاقتحم بجملة: وقتل فرسه، ثم اتجهوا نحو مدينة "زخنم" "زخان"، وأصابوا غنائم من كتائب حمير وردمان ومضحي أرضتهم، ثم غادرهم الملك "الشرح يحضب" وذهبوا إلى "ترزنن" "ترزنان"٣.
فيظهر من هذه الفقرة أن الملك "الشرح يحضب" اكتفى بعد انتصاره على خصومه في معركة مدينة "زخان"، فعاد إلى قاعدته، وذهب قسم من جيشه إلى مدينة "ترزنن"؛ ليستجم من القتال.
ثم يذكر النص أن "شمر ذي ريدان" ومن انضم إليه من حمير ومن "ولد عم" أي: القتبانيين، صدوا عن الحق, وعصوا، وتجمعوا للزحف ثم
стр. 1182
ذهبوا إلى "ذمار" فتحصنوا فيها، ثم اتجهوا نحو مدينة "نعض"، ثم رجعوا وعسكروا بين المدينتين، فواجهتهم قوات "الشرح يحضب" وتعقبتهم في المواضع المذكورة، وأنزلت بهم خسائر كبيرة، ثم رجعت بغنائمها إلى مدينة "صنعاء", ومعها ماشية كثيرة وأسرى وغنائم وأموال طائلة١.
ويظهر أن "شمر ذي ريدان" قد تمكن خلال هذه المدة من إقناع الحبش بالانضمام إليه ومساعدته في حروبه مع خصمه "الشرح يحضب"، فأمده "جرمت ولد نجشين"، "جرمة ولد النجاشي" "جرمة بن النجاشي" بكتائب حبشية محاربة قَوَّتْ مركزه كثيرًا، ترأسها هو بنفسه وجاءته أمداد من "سهرة"، فأخذ يتحرش بالسبئيين، مما حمل الملك "الشرح يحضب" على السير إليه لمقابلته مترئسًا قوة, قوامها ألف محارب وستة وعشرون فارسًا، فاصطدم ببعض قوات "شمر" وتغلب عليها وأخذ منها أسرى وغنائم، ثم حدث أن وصلت أمدادٌ من الحبش لمساعدة تلك الكتائب المندحرة في موضع "أحدقم" "أحدق"، فقابلها مشاة "رجلم" "رجاله" من جيش الملك "الشرح يحضب" أنزلوا بها خسائر وشتتوا شملها، وعاد الملك "الشرح يحضب" مع أقياله ورجاله إلى صنعاء، ومعه أسرى وغنائم وأموال طائلة٢.
وقد انتصر "الشرح يحضب" على الحبش كذلك، وعاد "جرمة" إلى قواعده مغلوبًا على أمره، جزاء نكثه العهد وازدرائه بمهمة الرسل الذين أرسلهم "الشرح يحضب" إليه؛ لإقناعه بعدم مساعدة "شمر ذي ريدان" ومن انضم إليه، وذلك كما يذكر النص٣.
وتطرق النص بعد ما تقدم إلى الحديث عن دحر ثائر آخر كان قد أعلن الثورة على الملكين، اسمه: "صحبم بن جيشم" أي: "صحب بن جيش"، "صحاب بن جياش". ويظهر أن ثورته لم تكن على درجة كبيرة من الخطورة؛ لذلك لم يرأس "الشرح يحضب" نفسه الحملة التي أرسلت للقضاء عليه، بل رأسها قائد من قواده اسمه "نوفم" "نوف"، وهو من "همدان" و"غيمان".
وقد تألفت الحملة من محاربين من "حاشد" ومن "غيمن" "غيمان",
стр. 1183
فانتصر "نوف" على خصمه انتصارًا كبيرًا، وكان في جملة ما جاء به من تلك الحملة رأس صحب ويداه١.
وتقع مدينة "غيمان" على مسافة اثني عشر كيلومترًا من جنوب شرقي مدينة صنعاء٢.
وانتقل الحديث من مقتل "صحب بن جيش" إلى الكلام على ثورة قبيلة "نجرن" "نجران" على الملكين. وكانت هذه القبيلة قد أُكرهت من قبل على الخضوع والاستسلام لحكم "سبأ ذي ريدان"، ولكنها عادت فأعلنت عصيانها على الملكين، بتحريض من الحبش، فسار الملك "الشرح يحضب" بنفسه على رأس قوة من أقياله وفرسانه إليها، فحاصر مدينة "ظربن" "ظربان" مدة شهرين، فصبرت وقاومت ولم تسلم؛ لأنها كانت تؤمل أن تصل إليها أمداد ومساعدات وقوات من ملك حضرموت الذي وعدها بذلك ومن قبيلة نجران، فقوى ذلك الأمل عنادها، وشد من عزيمتها على الدفاع عن نفسها، ولطول مدة الحصار الذي دام شهرين، قرر الملك العودة إلى صنعاء٣.
وقد ترك الملك "الشرح يحضب" قسمًا من جيشه لمراقبة الأوضاع، وضعه تحت قيادة قائدين من قواده الكبار، أحدهما: "نوفم" "نوف" الذي قتل الثائر "صحب بن جيش". ووصلت في خلال هذه المدة أمداد إلى ممثل النجاشي "سبقلم" "سبقل"، الذي يمثله في مدينة "نجران" ولدا قبيلة نجران، فهاجم القائدان بقواتهما وبمساعدة رجال محاربين من حاشد وغيمان وبأربعة عشر فارسًا، واديي نجران، فانتصرا وحصلا على غنائم عادا بها سالمين إلى "صنعاء"٤.
ويظهر أن رجوع "الشرح يحضب" إلى "صنعاء" كان من أجل إعادة تنظيم صفوف جيشه, ولوضع خطة محكمة لملاقاة أعدائه حتى إذا تم له ذلك ووضع الخطط اللازمة لمهاجمة أعدائه، غادر صنعاء متوجهًا إلى وادي "ركبتن" "ركبتان"، وقد التقى فيه بأعدائه فأنزل بهم خسائر كبيرة، فقتل عددًا كبيرًا
стр. 1184
منهم، وأسر عددًا من سادات "مراس" وأحرار "أحرر" نجران، فسِيقوا إلى "مسلمن" "مسلمان". ولم يستطع خليفة "عقبهو" النجاشي أن يساعد المنكسرين.
وقد أعلن المنهزمون خضوعهم لحكم الملكين، ولكي يحافظوا على وعدهم هذا ويعبروا عن طاعتهم هذه, وضعوا أبناءهم وبناتهم رهائن في مدينة "صربن" "صربان" وفي وادي نجران, ولوجود بعض التلف في نهاية الفقرة الرابعة عشرة، لا نعلم ماذا حدث من تفاصيل في حصار نجران. غير أن النص يعود فيذكر أن "٩٢٤" قتلهم الأعداء في المعركة وأن "٥٦٢" أسيرًا وقعوا في أيدي قوات "الشرح يحضب"، وأن "٦٨" مدينة فُتحت ونُهبت وأُبيحت، وأن ستين ألف حقل من الحقول التي يرويها الماء دمرت، وأن سبعًا وتسعين بئرًا دفنت ودمرت، وغنم المحاربون غنائم كثيرة رجعوا بها شاكرين إله سبأ, على ما أشار النص إلى مقري حكم الملكين: "قصر سلحن" "قصر سلحان" في مأرب, وقصر "غندن" "غندان" الذي هو قصر غمدان عند أهل الأخبار١.
ويعد النص الموسوم بـCIH ٣١٤ من النصوص المهمة المتعلقة بالحروب المذكورة, فهو يتحدث عن أمور خطيرة وقعت في تلك الأيام. وقد جاء في هذا النص: أن "رب شمس"، قيل "قول" عشيرة "بكلم"، أي "كيل" التي تكوِّن ربع "ذريدت" "ذي ريدة"، و"وهب أوم" من "جدنم" "جدن" و"خذوت" "خذوة"، وكانا "مقتويي" "الشرح يحضب" وشقيقه "يأزل"، نذرا للإله "المقه بعل مسكت ويث" و"برأن"، تمثالين من الذهب؛ لأنه من على سيديهما الملكين، وحفظهما، وكان ذلك في شهر "ذي نيل" من السنة السادسة من سني "تبع كرب بن ودال" "تبعكرب بن ود إيل"، ولأنه ساعدهما ونصرهما وأَذَلَّ أعداءهما، وأكره "شمر ذي ريدان" على إرسال رسول عنه يطلب الصلح منهما، وأجبر الريدانيين وأحزابهم وحلفاءهم الحبشة من مدينتي "زوم" و"سهرة" على الطاعة والخضوع٢، وعلى طلب عقد الصلح، على حين كان "شمر ذو ريدان وحمير"، يطلب النجدة من
стр. 1185
حلفائه الحبشة لمحاربة ملكي سبأ, ولكن الإله "المقه" خيب ظنه، وخذله، ونصر الملكين: "ملكي سبأ وذي ريدان".
وقد ساعد "شمر ذي ريدان" واشترك معه في هذه الحرب عددٌ من القبائل منها: "سهرتن" "سهرتان"، و"ردمن" "ردمان"، و"خولن" "خولان"، و"مضحيم" "مضحي", وأرسل قوة لحماية مدينة "باسن" "بأسن" "بأس"، وهي من المدن الواقعة في جنوب غرب "وعلان". وقد تقدم السبئيون في اتجاه مدينة "ظلم" لمحاربة "شمر" ومجابهته، حتى انتصروا عليه في مدينة "ذمر" ذمار١.
وقد كان "شمر" من "ذي ريدان"، أي: من حمير، ويظهر أنه أراد مزاحمة "الشرح يحضب" وأخيه على العرش، أو أنه اختلف معهما؛ فوقعت الحرب بينهما، وتقدم "شمر" بقبائل "حمير" و"أولاد عم" "ولد عم" أي: قتبان والقبائل الأخرى، واصطدم بجيش السبئيين على نحو ما ورد في النص٢.
ويظهر أن "شمر ذي ريدان" اضطر بعد ذلك إلى الاتفاق مع "الشرح يحضب" وإلى الخضوع والاستسلام له، فانتهت بذلك معارضته له٣، وتولى قيادة جيشه في حربه مع حضرموت٤.
ويمكن تلخيص الوضع السياسي في عهد "الشرح يحضب" على هذا النحو: كان خصم "الشرح" ومنافسه على الملك في هذا العهد هو "شمر"، وهو من حمير، أي: سيد "ريدان" "ذ ريدن"، وعاصمته "ظفار". وقد استعان بالحبش، وطلب مساعدتهم على "الشرح يحضب"، فاضطر إلى الاستسلام له، ثم اشترك مع السبئيين في محاربة ملك حضرموت "العز" ... وكان يومئذ تحت حكم السبئيين. أما "شعرم أوتر" الهمداني، فكان من المؤيدين لـ"الشرح يحضب" وكان يحمل أيضًا لقب "ملك سبأ وذي ريدان"٥.
وفي هذا النص إشارة إلى تدخل الحبش في شئون العربية الجنوبية في هذا العهد،
стр. 1186
وإلى وجودهم في مواضع من السواحل، وإلى تكوينهم مستعمرات فيها تتمون من الساحل الإفريقي المقابل.
وأنا لا أستبعد احتمال اتفاق الرومان مع الحبش يوم أرسلوا حملتهم المعروفة على العربية الجنوبية بقيادة "أوليوس غالوس", وذلك باتفاق عقده حكامهم في مصر وقد كانت خاضعة لهم إذ ذاك مع ممثلي الحبش, يقضي بأن يسهلوا لهم أمر الوصول إلى العربية الجنوبية، ويقدموا لهم المساعدات اللازمة، وأن يتعاونوا جميعًا في الأمور السياسية والاقتصادية، وفي مقابل ذلك يضمن الرومان للحبش مصالحهم في العربية الجنوبية ويقتسمونها فيما بينهم، أو يحافظون على مستعمرات الحبشة فيها.
ويظهر من الكتابات أن الحبش كانوا يغيِّرون سياستهم في العربية تبعًا للأحوال المتغيرة؛ فنراهم مرة مع الحميريين وتارة عليهم، ونجدهم في حلف مع "شعرم أوتر" ثم نراهم في حلف آخر ضده، ونجدهم مرة أخرى على علاقات حسنة بـ"الشرح يحضب" ثم نجدهم على أسوأ حال معه. وهكذا نرى سياستهم قلقة غير مستقرة، كل يوم هي في شأن، وهي بالطبع نتيجة للأحوال القلقة المضطربة التي كانت تتحكم في العربية الجنوبية إذ ذاك، ولمصالح الحبش الذين كانوا يريدون تثبيت أقدامهم في السواحل العربية المقابلة, وتوسيع رقعة ما يملكونه باستمرار.
ويظهر من النص المتقدم أن "بكيل" التي تكون ربع "ذي ريدة" كانت مع الملكين "الشرح" و"يأزل"، و"بكيل" هي عشيرة الملكين، وقد كانت تنزل في أرض "ريدة" إذ ذاك.
وقد رأى بعض الباحثين أن "شمر ذ ريدن" "شمر ذي ريدان" هو "شمر يهرعش"، وأن الذي حارب "الشرح يحضب" وأخاه "يأزل"، هو هذا الملك. ومعنى ذلك أنهم أرجعوا زمان "الشرح يحضب" زهاء "٢٥٠" سنة, إذ جعلوه في أوائل القرن الرابع للميلاد١، وهو رأي يعارضه باحثون آخرون. وقد صيروا "الشرح يحضب" من المعاصرين للملك "امرئ القيس" المذكور
стр. 1187
في نص النمارة، والمتوفى سنة "٣٢٨م"، وذكروا أن "مراقس" الوارد في السطر الثاني من النص: Ry ٥٣٥ هو "امرؤ القيس" المذكور١.
وقد وردت في النص المتقدم جملة "هجرن صنعو ورحبتن"، أي: "مدينة صنعاء ورحبة" "رحابة"٢. وقصد بـ"صنعو" مدينة صنعاء عاصمة اليمن حتى اليوم, وأما "رحبة" أو "رحابة" "الرحبة"، فإنه مكان ذكره "الهمداني"، لا يبعد كثيرًا عن صنعاء٣, ويكون هذا النص أول نص على ما نعلم وردت فيه إشارة إلى صنعاء. وهناك موضع آخر اسمه "صنعاء" وموضع اسمه "رحابة" أو "راحبة" يقعان في منطقة "مأرب" على الجهة اليمنى من وادي "ذنة"، ظن بعضهم أنهما الموضعان المذكوران في النص٤.
والرأي الغالب أن النص المذكور قصد بـ"صنعو" مدينة "صنعاء"؛ وذلك لورود اسم قصر "غندن" "غ ن د ن" "غندان" أي: "قصر غمدان" في كتابة أخرى من أيام "الشرح يحضب"، و"قصر غمدان" قصر معروف بقي قائمًا إلى الإسلام، وقد كان في صنعاء, ورقم هذه الكتابة هو: CIH ٤٢٩. وقد ذكر مع القصر اسم القصر "سلحن" "سلحان" "سلحين" وهو دار الملوك الحاكمين في مدينة مأرب، فيكون "الشرح يحضب" قد أقام في القصرين، وحكم منهما. وقد ذكر "الهمداني" أن "الشرح يحضب" هو الذي بنى قصر غمدان، وأن "شاعرم أوتر" "شعرم أوتر" هو الذي أسس سور صنعاء٥. ويعرف قصر "غمدان" بـ"غندن" "غندان" في الكتابات، فهو إذن من القصور الملكية القديمة من أيام السبئيين.
وقد أشير إلى مدينة "صنعو" في النص: Rep. EPIG. ٤١٣٩، وكان أصحابه مقتوين للأخوين الملكين "الشرح يحضب" و"يأزل بين". وقد وردت فيه أسماء أشخاص من "بني سارن" "بني سأران" و"محيلم" و"نعمت"
стр. 1188
"نعمة" و"موضعم"١. وقد جاءت أسماء هؤلاء في النص CIH ٤١١ الذي دونوه تقربًا إلى الإله "المقه ثهون بعل أوم" "المقه ثهوان بعل أوام"٢.
ويتحدث النص: Jamme ١١٥ عن معارك وقعت بين أعداء "تجمعوا وقتلوا" في وادٍ سقط اسمه من النص, وقد انتصر "الشرح يحضب" على أعدائه وغلبهم٣.
ويتحدث النص بعد ذلك عن حرب أعلنها الملكان على حمير وحضرموت، غير أنه لم يذكر أية تفاصيل عنها. وكل ما ورد فيه أن حمير انضمت من بعد إلى سبأ وذي ريدان، واشتركت معها في بعض الحروب. ومعنى هذا أنها عقدت معاهدة صلح وأنها حالفت الملكين٤.
ويرى بعض الباحثين أن النص: REP. EPIG. ٤٣٣٦، الذي ذكرت فيه حرب وقعت بين "شمر ذي ريدان" من جهة و"أبانسم بن معهر"، أي "أبأنس بن معهر" "أب أنس بن معهر", أو من "آل معهر" "معاهر" و"بخولم" وملك سبأ، وملوك حضرموت من جهة أخرى٥، هو من النصوص المتأخرة التي دونت بعد النص المتقدم، أي بعد النص:Jamme ١١٥ دون بعد يأس حضرموت وحلفاء "شمر ذي ريدان" من إحراز أي انتصار كان على "الشرح"، فتفرقوا لهذا السبب عن "شمر" وانضموا إلى جانب الملك "الشرح"، وخاصموا "شمر". ولهذا نجد حضرموت مع "الشرح يحضب" في محاربة حليفها السابق "شمر ذي ريدان"٦.
ويحدثنا نص ناقص لم يدون تدوينًا صحيحًا حتى الآن أن ثورة صهرت في أيام "الشرح يحضب" قام بها "أيسن"، أي "إنسان" ثار على الآلهة، اسمه: "نمرن" "نمران" أو أنه كان من عشيرة تسمى بـ"نمران"،
стр. 1189
وتجرأ على آلهته بثورته هذه على "ملك سبأ وذي ريدان"١. ثم يذكر النص، إلا أنه بفضل الآلهة ورحمتها تمكن "الشرح يحضب" من تأديب هذا الغر: هذا "الإنسان نمران" "أيسن نمرن" الذي حارب الآلهة والبشر "أنسن"، بل حارب حتى ذوي قرابته ورحمه، فاستحق العقاب, وأنه شكرًا للإله "عثتر ذ ذبن بعل بحر حطبم"، أي الإله "عثتر ذو ذبن رب معبد بحر حطبم" الذي ساعد عبده "الشرح يحضب" ومن عليه بالنصر والعافية والخير، وعلى قصريه: "سلحن" "سلحان" "سلحين" و"غندن" "غندان"، أي "قصر غمدان" بصنعاء، وعلى "صرواح"، وأدام عليه نعمه، ووقاه كل بأس٢، تيمن بإعلان ذلك للناس؛ ليحمدوا الإله، وليشكروا نعم الآلهة عليهم، ولتديمها عليه بحق: "عثتر" و"هوبس" و"المقه" و"ذت حمم" "ذات حميم"، "ذات حمى" و"ذات بعدن" "ذات بعدان" "ذات بعدان" و"شمسم" "شمس".
وقد يكون في تعبير "أيسن نمرن" "أنس نمرن"، ومعناه "الإنسان نمران"، بعض الاستهجان والازدراء بهذا الثأر، الذي هو "رب شمس نمرن"، أي "رب شمس نمران" أحد "أقول" أقيال قبيلة "بتع" على رأي بعض العلماء٣. وقد ورد اسمه في كتابة دونها رجال يظهر أنهم كانوا من أتباعه، ومن قبيلة "بتع", وذلك لشكر الإله "تالب ريام بعل شصرم"؛ لأنه من عليهم بالعافية، وأسعد قيلهم "رب شمس نمرن" "رب شمس نمران"، وبارك على قبيلته٤.
ويظهر أن ثورة "نمران" "نمران أوكان" "نمرن أوكن"، كانت ثورة خطيرة كبيرة على "الشرح يحضب"؛ ولذلك كان القضاء عليها من الأمور المهمة بالقياس إليه٥.
стр. 1190
إن "الإنسان نمران" "أنسن نمرن" "إنسان نمران" الذي ثار على سيده وأغضب آلهته بثورته هذه، هو "رب شمسم نمرن" "رب شمس نمران" أحد أقيال "بتع", على رأي "موردتمن" و"ميتوخ", الذي ورد ذكره في إحدى الكتابات١. وقد دونها رجال يظهر أنهم كانوا من أتباعه، أي: من قبيلة "بتع" شكرًا للإله "تالب ريمم بعل شصرم" "تألب ريام بعل شصر"؛ لأنه من عليهم بالعافية، وأسعد قيلهم "رب شمس نمران"، وبارك في قبيلته٢.
وقد ورد في أحد النصوص: "رب شمسم نمرن بن بتع"، أي "رب شمس نمران من آل بتع", والظاهر أنه هو القيل المذكور في النص المتقدم الموسوم بـMM ٨٢، وبـ٣ـREP. EPIG. ٣٦٢١. وقد ذكر "فلبي" أن "رب شمس" هذا, هو الملك "رب شمس نمران ملك سبأ وذي ريدان", وذكر أن هذا الملك عرف بواسطة هذا النص الذي عثر عليه في "مأرب". واستنتج من ذلك أن هذه الأسرة أسرة "بتع" التي تقطن في الهضبة هضبة همدان، امتد نفوذها حتى بلغ السهل الذي تقع به "مأرب"٤. ولا أدري كيف توصل "فلبي" إلى أن "رب شمس نمران" الذي هو من "آل بتع" أي هذا القيل, هو الملك "رب شمس نمران" الذي هو "ملك سبأ وذي ريدان"! فليس في هذا النص الذي أشار إليه, إشارة يمكن أن يستدل منها على أن "رب شمس نمران" المذكور فيه، هو ملك من ملوك سبأ وذي ريدان. فهذا النص لا يخصه إذن، وإنما هنالك نص آخر رقمه: REP. EPIG. ٤١٣٨ ورد فيه "رب شمس نمران ملك سبأ وذي ريدان"٥، وهو نص لم يشر إليه "فلبي" سأتحدث عنه في حديثي عن هذا الملك.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن النص المذكور لم يكن يقصد ثائرًا من أهل اليمن ثار على الآلهة والإنسان، وإنما قصد به حملة "أوليوس غالوس"، التي جاءت من الخارج إلى اليمن. وهي معادية بالطبع لأهل اليمن ولآلهتها، فشكر
стр. 1191
"الشرح يحضب" الذي كان هو الملك يومئذٍ آلهته؛ لأنها نصرته على القادمين المغيرين، وأنقذت شعبه منهم١.
ويعارض "جامه" Jamme رأي من يقول: إن المراد من النص: CIH ٤٢٩ حملة "أوليوس غالوس"، ويرى أن المراد من "نمران" هو "نمران أوكان" "نمرن أوكن" الذي ورد اسمه في النصوص ٢JAMME ٦٨٤ JAMME ٥٩٤ JAMME٧٥٨ JAMME ٧٣٩ JAMME ٧١١.
وقد ورد اسم "نمران أوكان" مع اسم أخيه "جحضم أحصن"، وهما ابنا "سعدم" "سعد" في النص Jamme ٥٩٤، كما ورد في هذا النص اسما الملكين: "الشرح يحضب" و"يأزل بين", أما النصوص الأخرى، فلم يذكر فيها اسم "يأزل بين". وقد استنتج "جامه" من ذلك أن صاحب النص: Jamme ٥٩٤ كان قد دونه في أيام حكم الملكين. أما النصوص الأربعة الأخرى، قد دونت بعد ذلك، دونت في أيام انتقال الحكم إلى "الشرح يحضب"، أي إلى أيام انفراد هذا الملك بالحكم وحده بعد الحادث المجهول الذي لا نعرف من أمره اليوم شيئًا والذي أدى إلى إغفال اسم "يأزل بين" في النصوص.
ويظهر من النصين: Jamme ٧٣٩ و Jamme ٧٥٨ أنه كان تحت إمرة الأخوين "نمران أوكان" و"جحضم أحصن" قائدان كبيران بدرجة "مقتوى". ومعنى هذا أن هذين الأخوين كانا من أصحاب القوة والسلطان في هذا العهد، ولا يستبعد أن يكونا قد ألفا جيشا خاصا بهما، يحاربان به. ويرى "جامه" أن الشعور بالعظمة قد ركب رأس "نمران أوكان"، حتى دفعه إلى الثورة على سيده "الشرح يحضب" على النحو المذكور في النص:٣ CIH ٤٢٩.
وقد ذكر اسم "يأزل بين" بعد اسم شقيقه "الشرح يحضب" في الكتابة٤ CIH ٩٥٤, وقد نعتا فيها بـ"ملكي سبأ وذي ريدان", وقد ورد اسم "المقه بعل مسكت وبث وبران". وهي من بقايا نص سقطت أسطره الأولى,
стр. 1192
وذكرت فيه أسماء عدد من الرجال من "بني جدن"١.
وذكر اسمهما على الترتيب نفسه في النص CIH ٣٩٨، وهو نص سقطت منه كلمات، ولا سيما في الأسطر الأولى منه٢, فسبب سقوطها عدم فهمنا المراد فهمًا صحيحًا. وقد دعيا في النص بـ"ملكي سبأ وذي ريدان". غير أننا نلاحظ أيضا أنه ذكر في السطر الثامن منه اسم "شعرم أوتر"، ونعته بـ"ملك سبأ وذي ريدان"، مع أن "شعرم أوتر" "شعر أوتر" كان خصمًا للملكين "الشرح يحضب" و"يأزل بين"، فلِمَ ذكر معهما في النص؟ وعلى أي محمل نحمل هذا القول؟ ويلاحظ أن كلمة "مراهم" "مرأهم" أي "سيدهم" "سيده" ذكرت مباشرة قبل اسم "شعر أوتر"، كما ذكرت كلمة "مرايهمي" أي "سيديه" أو "سيديهم" قبل جملة "الشرح يحضب وأخيهو يازل بين" أي: "الشرح يحضب وأخيه يأزل بين". فنرى من هذا النص أن صاحبه نعت الثلاثة: "شعر أوتر" و"الشرح يحضب" وأخاه "يأزل بين" ملوكًا على "سبأ وذي ريدان", فهل يدل هذا على أن هؤلاء الثلاثة حكموا حكمًا مشتركًا وفي وقت واحد, وقد كان "شعر أوتر" يحكم في مكان بينما كان "الشرح" وأخوه "يأزل" يحكمان في مكان آخر؟ وأن صاحب النص أو أصحابه كانوا يملكون أرضين في جزأي المملكة؛ لذلك اضطر أو اضطروا إلى ذكر الملوك الثلاثة في النص؟
هذه أسئلة تصعب الإجابة عنها بالاستناد إلى هذه الكتابة التي لم تتعرض لعلاقات "شعر" مع "الشرح" وأخيه، ولا يمكننا استخراج أي جواب منها مقنع في هذا الوقت.
ويرى "هومل" أن السبب الذي من أجله ذكر اسم "شعر أوتر" في هذا النص هو لأجل أن ينتقم الإله "المقه" الذي دعا في هذا النص منه، ولكي ينزل رحمته ونعمته على "الشرح" وعلى شقيقه يأزل, اللذين استطاعا في النهاية أن ينتصرا على خصمهما "شعر أوتر"، وأن "شعر أوتر"
стр. 1193
هذا هو الذي قصده أحد النصوص، حيث أشير إلى الإنسان الذي ثار على سيده١.
وقد وردت في هذا النص جملة "أرضن خولن"، أي "أرض خولان"، و"محرم بعل أوعلن" "محرم بعل أوعلان"، و"شعب صروح"، أي قبيلة صرواح.
ونشر في مجلة Le Museon نص آخر, ذكر فيه اسم "الشرح يحضب" وقد وردت قبل اسم "الشرح يحضب" جملة "ملك سبأ وذو ريدان ابن"، وقبلها ثلاثة أحرف هي: "ح م د" "حمد"، وهي بقايا كلمة. ويظهر أن أصحاب النص قد تيمنوا بذكر اسم أحد أبناء "الشرح يحضب" ممن كانوا ملوكًا على سبأ وذي ريدان, غير أن هذا الاسم طمست معالمه بفعل العوامل الطبيعية وتقادم العهد، فلم يبقَ منه أثر. وذكرت بعد "الشرح يحضب" جملة "ملك سبأ وذو ريدان"٢.
وقد لفتت بعض الكتابات -قَدَّرَ بعض الباحثين عددها بأحد عشر نصًّا، أو أكثر من ذلك بقليل- أنظار العلماء إليها؛ لأنها لم تذكر اسم "يأزل بين" خلافًا للكتابات الأخرى التي يربو عددها على هذا العدد، والتي تذكر اسم الشقيقين معًا. فاستنتج من إغفال تلك النصوص لاسم "يأزل" أن حدثًا وقع له أخذه إلى العالم الثاني، وذلك في حياة أخيه "الشرح يحضب"، فصار الحكم إلى "الشرح يحضب" وحده، وبقي على ذلك إلى أن بدا له ما حمله على إشراك ابنه معه في الحكم، فصار اسم ابنه يرد بعد اسمه في الكتابات٣.
ويواجه هذا الاستنتاج مشكلة ليس من السهل حلها, مشكلة عثور الباحثين على كتابات ورد فيها اسم "يأزل بين" مدونًا فيها بعد اسم أحد أبناء "الشرح يحضب". ومعنى هذا أن "يأزل بين" لم يكن قد مات في أيام "الشرح"، بل بقي حيًّا وشهد نفسه وفاة شقيقه ثم عاش فعاصر حكم أحد أبناء شقيقه. فلا يمكن الأخذ إذن برأي من يقول: إنه كان قد أدركه أجله في حياة أخيه، اللهم
стр. 1194
إلا إذا قلنا: إن "يأزل بين" المذكور بعد "نشأكرب يهأمن يهرجب"، وهو ابن "الشرح يحضب"، لم يكن "يأزل بين" شقيق "الشرح يحضب"، بل شخصًا آخر، كأن يكون ابنًا لـ"وتر يهأمن" شقيق "نشأكرب"، أو ابنًا لـ"نشأكرب نفسه"؛ وعندئذ يكون في إمكاننا الادعاء بوفاة "يأزل" شقيق "الشرح" في حياة أخيه.
وهناك احتمال آخر قد يكون مقبولًا للعقل أكثر من الاحتمال الأول، هو احتمال بقاء "يأزل" حيًّا وإدراكه أيام حكم أولاد شقيقه. وعندئذ يمكن تفسير اختفاء اسمه في الكتابات في الأيام المتأخرة من حكم "الشرح" بوقوع خصومة بين الأخوين اشتدت حتى أدت إلى وقوع قطيعة بينهما وإلى حذف اسم "يأزل"، وهو أصغر سنًّا من أخيه من الكتابات, أي إلى خلعه وتجريده من اللقب الرسمي وهو لقب الحكم. وقد بقي مخاصمًا لشقيقه حتى أدركت شقيقه منيته، ثم مخاصمًا لابن أخيه "وتر يهأمن" إلى ولاية شقيقه "نشأكرب يهأمن يهرحب" الحكم. فلما ولي "نشأكرب" عرش "سبأ وذي ريدان"، أشرك عمه معه في الحكم؛ ولهذا أدرج اسمه من جديد في الكتابات، أدرج بعد اسم "نشأكرب" الملك الفعلي وارث العرش.
أما كيف أشرك "يأزل" مع ابن أخيه في الحكم، وكيف عاد مرة ثانية إلى الحياة الرسمية العامة؟ فليس في استطاعتنا الجواب عن ذلك جوابًا أكيدًا. ولا يستبعد احتمال قيام أناس بالتوسط بين العم وبين ابن أخيه لإصلاح ذات بَيْنِهما، وقد يكون "نشأكرب" هو الذي صالح عمه وأرضاه؛ لدافع شخصي, أو لمصلحة رآها، أو لاضطراره إلى ترضيته؛ لضعف مكانته أو شخصيته، فأراد الاستعانة به لتقوية مركزه. على كلٍّ, فإذا كان "يأزل بين" هذا، هو "يأزل بين" شقيق "الشرح" فيجب أن يكون قد تقدم في السن حين عاد إلى الحكم.
ولدينا نص من نصوص الـ"وتف" أمر به "الشرح" ولم يذكر اسم أخيه فيه، وقد وجه به إلى قبيلة "يرسم" في شهر "ذو نسور الأول" وفي السنة السادسة من سني "معد يكرب بن تبع كرب" "معد كرب بن تبع كرب" من آل "حزفرم" "حزفر"، وقد ذكرت فيه أسماء عدد من سادات هذه القبيلة. وفي النص حديث عن أحوال المزارعين والفلاحين والآبقين
стр. 1195
الذين يهربون من المزرعة إلى مزارع أخرى، ولا سيما من الأرض التي يشمل أحكامها هذا النص, وهي: وادي "يفعن" "يفعان"، وأرض "يبلح"، وهي من "رأس مقـ.... ن" إلى "غضران"١.
ويتبين من هذا النص أن الفلاحين، وأكثرهم من المسخرين، كانوا يفرون من مزارعهم؛ للتخلص من عملهم المرهق الشاق فيها، ولعدم تمكنهم من كسب قوتهم، فصدر هذا الأمر في معالجة هذه المشكلة. وهي مشكلة أدت إلى تلف المزارع، وإعراض الناس عن الزراعة بسبب إكراه الفلاحين على العمل فيها سخرة، ولقسوة أصحاب الأرض وموظفي الحكومة عليهم.
وقد عثر في أرض "شبام سخيم" على كتابة، ذكر فيها "الشرح يحضب" وابنه، وأقيال "سمعي" وهم من سخيم، وذكر بيت "ريمان", و"ريمان" هم من القبائل التي ذكرت في عدد من الكتابات٢.
وقد جاء اسم "الشرح يحضب" وحده في النصوص: "أحمد فخري: ٩٤، و٩٥، و١٢٣"، وهي من نصوص هذا العهد: عهد انفراد "الشرح" بالحكم، متلقبا بـ"ملك سبأ وذي ريدان"٣.
ويعود النص Jamme ٥٧١ إلى هذا العهد كذلك، وهو نص يتوسل فيه صاحبه إلى إلهه بأن يمن عليه بالسعادة والعافية، وبأن يبارك في ثماره "أثمرن" وفي حاصل حصاده "أفقلم"، وبأن يبعد عنه كل شر، ويرد عنه كيد الكائدين، وحسد الشانئين٤.
وأما النص: Jamme ٥٦٧، فقد كتب في هذا العهد أيضا, دونه رجل اسمه "أبامر أصدق" "أبأمر أصدق" "أب أمر أصدق"، وهو من بني "صريهو معد كرب" "صريهو معد يكرب"، وولداه "برلم" "برل"،