ومن روايات الأخباريين هذه ومن تشابه الاسمين، استنتج "فون كريمر" و"هومل" وغيرهما أن "عبد كلال" المذكور في النص هو "عبد كلال" المذكور عند الأخباريين، وأنه كان لذلك ملكًا١.
و"عبد كلال"، هو رجل ثائر لم يكن من أبناء الملوك، وإنما اغتصب العرش اغتصابًا على رأي أهل الأخبار، وقد زعم بعضهم أن الذي حكم بعده أخوه لأمه واسمه "مرثد"، وقد حكم سبعًا وثلاثين سنة. ثم ملك من بعده ابنه "وليعة بن مرثد"، ثم ملك من بعده "أبرهة بن الصباح بن لهيعة بن شيبة بن مرثد بن ينف بن معد يكرب بن عبد الله بن عمرو بن ذي أصبح، الحارث بن مالك"، وقيل: إنما ملك تهامة فقط٢.
وذكر "الهمداني" أن "عبد كلال", ونعته بـ"الكبر ذي الحدث"، كان قائد "حسان بن تبع", وكان على مقدمته إلى اليمامة يوم قتل جديسًا، وقريش تقول: إن "حسان بن عبد كلال هذا حاربهم وأسروه". ثم ذكر أن "حسان بن عبد كلال بن ذي حدث الحميري"، أقبل من اليمن "في حمير وقبائل من اليمن عظيمة، يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن؛ ليجعل حج الناس البيت عنده وإلى بلاده، فأقبل حتى نزل نخلة، فأغار على سرح الناس ومنع الطريق، وهاب أن يدخل مكة، فلما رأت كنانة وقريش وقبائل خندف ومن كان معهم من أفناء مضر ذلك، خرجوا إليه ورئيس القوم يومئذٍ "فهر بن مالك"، فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزمت حمير وأسر حسان بن عبد كلال ملك حمير، أسره الحارث بن فهر، وقتل في المعركة فيمن قتل: قيس بن غالب بن فهر. وكان حسان عندهم بمكة أسيرًا ثلاث سنين، حتى افتُدِيَ منهم، فخرج به، فمات بين مكة واليمن"٣.
وقد عَلَّق "الهمداني" بعد ذلك على هذا الخبر، فقال: "ما سمعت العلماء ولا أحدًا من عُرَّاف حمير، يثبت هذه الحرب التي كانت بين حمير وقريش، وإنما كانت خزاعة الغالبة في عصر فهر على مكة، ولم يكن هَمَّ بحمل حجارة
стр. 1332
البيت سوى تبع بمشورة هذيل بن مدركة"١. فهو مثل سائر أهل اليمن المتعصبين لقحطان لا يؤيد خبر تلك الحرب، التي تجعل النصر لأهل مكة, ويضع تبعة ما يذكره أهل الأخبار من نقل حجارة الكعبة إلى اليمن على عاتق "هذيل بن مدركة"، من سادات مكة.
وشهدت اليمن في سنة "٤٦٠" للميلاد أو قبل ذلك بقليل ملكًا جديدًا اسمه "شرحبيل يكف" "شرحب ال يكف" "شرحب إيل يكوف"، كانت نهاية حكمه في سنة "٤٧٠" للميلاد على تقدير "هومل" و"فلبي"٢, وهو ملك لا نعرف اسم أبيه، ولا نعرف علاقته بالملك السابق. ويرى "فلبي" أنه على الرغم من هذا اللقب الطويل: "ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في الأطواد وفي تهامة"، الذي يشير إلى تملك صاحبه العربية الجنوبية الغربية، فقد ظل الأحباش في بقعتهم الضيقة التي ارتكزوا عليها يحاربون حكومة "حمير" وهم البقية الباقية من عهد الاحتلال السابق٣.
وقد جاء اسم "شرحب إيل يكف" "شرحبيل يكف" في كتابة مؤرخة بسنة "٥٧٥" من التقويم الحميري، المقابلة لسنة "٤٦٠" للميلاد. وقد وردت في الكتابة جملة: "رحمنن وبنهو كرشتش غلبن"، أي: "الرحمن وابنه المسيح الغالب"، وقد استعمل لفظة "كرشتش" في مقابل لفظة Christus, مما يدل على أن صاحبها نصراني. وقد استعمل المصطلح اليوناني، ويظهر أن نصارى اليمن كانوا قد أخذوه من المبشرين، وعربوه على الصورة المذكورة. وقد ذكر بعد تلك الجملة اسم الملك ونعته الذي هو: "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في النجاد وفي التهائم"٤.
وقد بقي من تأريخ النص اسم الشهر وهو "ذ حجت"، أي: "ذو الحجة" "ذو حجة" والعدد الأول من اسم السنة وهو خمسة. ويرى "فلبي" احتمال كون السنة "٥٨٥" أو"٥٧٥" من التأريخ الحميري، أي سنة "٤٧٠" أو "٤٦٠"
стр. 1333
للميلاد١.
وورد اسمه في كتابة أخرى ناقصة, وقد سقطت منها حروف وكلمات٢.
وقد ذهب "جامه" إلى أن "شرحبيل يكف" "شرحب إيل يكوف"، كان قد حكم حكمًا منفردًا، وذلك من سنة "٥٧٠" حتى سنة "٥٨٠" من التقويم الحميري، ثم أشرك معه أولاده الثلاثة في الحكم، وذلك من سنة "٥٨٠" حتى سنة "٥٨٥" من التقويم المذكور، ثم حكم مع ولدين من ولده، وذلك من سنة "٥٨٥" حتى سنة "٥٩٠" من التقويم الحميري, ثم حكم ابنان من أبنائه وذلك من سنة "٥٩٠" حتى سنة "٥٩٥" من التقويم المذكور، ثم حكم من بعدهما "معد يكرب ينعم" حكمًا منفردًا وذلك من سنة "٥٩٥" حتى سنة "٦٠٠" من ذلك التقويم، ثم خلفه "عبد كلال" الذي حكم من سنة "٦٠٠" حتى سنة "٦٠٢" من التقويم الحميري٣.
ووصل إلينا نص أرخ بسنة "٥٨٢" من التأريخ الحميري، أي: سنة "٤٦٧" للميلاد، وفيه كلمات مطموسة، منها كلمة أو كلمات سقطت بعد كلمة "شرحب إيل" "شرحبيل"، وبعدها "معد كرب ينعم" "معد يكرب ينعم". ويستدل بتأريخ هذا النص على أن المراد بـ"شرحبيل" "شرحب إيل" الملك "شرحبيل يكف" "شرحب إيل يكف" الذي نتحدث عنه. ولم يرد في هذا النص اسم ابن آخر من أبنائه غير هذا الابن، وهو "معد كرب ينعم" "معد يكرب ينعم"٤.
وقد وجد مدونًا في إحدى الكتابات أسماء ثلاثة أولاد من أولاد "شرحبيل يكف"، هم: "نوفم" "نوف" "نوَّاف" "نائف"، و"لحيعت ينف" "لحيعث ينوف"، و"معد يكرب ينعم" وقد نعتوا جميعًا بالنعت الملكي المعروف٥,
стр. 1334
مما يدل على أنهم كانوا قد اشتركوا جميعًا في الحكم.
وقد ورد اسم "شرحبيل يكف" في عدد من كتابات أخرى, وقد ذكر معه في بعضها اسم ولدين من أولاده هما: "لحيعت ينف" و"معد يكرب ينعم" "معد يكرب ينعم"، وقد لقبا بلقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في الجبال وفي تهامة"، مما يدل على أنهما حكمَا حكمًا مشتركًا وكان ملكيْنِ١.
وحكم بعد "شرحبيل يكف" -في رأي "هومل"- ولداه "معد يكرب يهنعم" و"لحيعثت ينف" "لحيعث ينف" "لحيعث ينوف"، وذلك من حوالي سنة "٤٧٠م" حتى سنة "٤٩٥م"٢. أما "فلبي"، فقد وضع في قائمته التي رتبها في كتابه "سناد الإسلام" لملوك سبأ، اسم "نوف" بعد اسم "شرحبيل يكف"، وقدر مدة حكمه منذ سنة "٤٧٠م" حتى سنة "٤٨٠" "٤٩٠م" ووضع اسم "لحيعثت ينف" بعده، وجعل مدة حكمه منذ سنة "٤٨٠ب. م." حتى سنة "٥٠٠ب. م."٣.
و"لحيعثت ينف" هو "لخيعة بن ينوف ذو شناتر" المذكور عند أهل الأخبار, وقد زعم بعضهم أنه حكم سبعًا وعشرين سنة٤.
وقد ورد اسم "معد يكرب يهنعم" "معد يكرب ينعم" واسم شقيقه "لحيعثت ينف" "لحيعت" في النص: Ryckmans ٢٦٤ وفي النص:٥ CIH ٦٢٠, وورد اسم "لحيعثت" وورد معه اسم "نوف"، وهو شقيقه في النص:٦ Ryckmans ٢٠٣.
стр. 1335
وقد ذكر "فلبي" أنه في حوالي سنة "٤٩٥م" شبَّت ثورة قام بها "مرثد ألن" "مرثد علن"، غير أنها أحبطت. ووضع بعد اسم "لحيعثت ينف" اسم "معد يكرب ينعم"، وقدر مدة حكمه بعشر سنين، منذ سنة "٤٩٠م" حتى سنة "٥٠٠م"، أي: إنه شارك، على رأيه، أخاه في الحكم١.
أما الذي حكم بعد الأخوين "معد يكرب يهنعم" و"لحيعثت ينف" -في رأي "هومل"- فهو "مرثد ألن" وقال: إنه قد حكم من حوالي سنة "٤٩٥م" حتى سنة "٥١٥م"٢.
أما "جامه"، فقد وضع اسم "عبد كللم" "عبد كلالم"، أي: "عبد كلال" بعد اسم "معد يكرب ينعم"، وقد جعل حكم "معد يكرب" فيما بين السنة "٥٩٥" والسنة "٦٠٠" من التقويم الحميري، أي: بين سنة "٤٨٠" أو "٤٨٦" للميلاد والسنة "٤٨٥" أو "٤٩١" للميلاد, وجعل حكم "عبد كلال" فيما بين السنة "٦٠٠" والسنة "٦٠٢" من التقويم الحميري، أي: سنة "٤٨٥" أو "٤٩١" للميلاد، والسنة "٤٨٧" أو "٤٩٣" للميلاد. ثم جعل فراغًا لا يدري من حكم فيه، جعله يمتد من السنة "٦٠٢" حتى السنة "٦١٠" من التقويم الحميري، أي: ثماني سنين، ثم ذكر بعده اسم الملك "مرثد ألن ينف" "مرثد علن" "مرثد علان"، وجعل حكمه من سنة "٦١٠" حتى السنة "٦٢٠" من التقويم الحميري، أي: من سنة "٤٩٥" أو "٥٠١" حتى السنة "٥٠٥" أو "٥١١" للميلاد٣.
ووصل إلينا نص وُسِمَ بـCIH ٥٩٦، وهو ناقص ويا للأسف، ورد فيه اسم الملك "مرثد ألن ينف" "مرثد ألن ينوف" وقد لقب فيه باللقب المألوف: "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في الجبال وفي التهائم"٤، يظهر أنه الملك "مرثد ألن" الذي عناه "هومل". وقد أصيبت أسطر النص بأضرار، أتلفت كلمات منه وأفسدت علينا المعنى. وقد وردت في السطر السابع
стр. 1336
منه كلمة "ومهرجتم"، مما يفهم أن حربًا وقعت في البلاد في تلك الأيام؛ فـ"الهرج" في العربيات الجنوبية بمعنى الحرب، وأن فتنة حدثت، لا ندري سببها. ومهما يكن من شيء، فهي لم تكن بعيدة عهد عن أيام حكم "ذي نواس", ذلك العهد الذي انتهى بدخول الحبشة أرض اليمن.
ووضع "هومل" بعد اسم "مرثد ألن" اسم "ذي نواس"، وقد حكم -على تقديره- من سنة "٥١٥م" حتى سنة "٥٢٥م"، وبه ختمت -في رأيه- سلسلة ملوك الحميريين١.
وقد عثر على كتابة وسمت بـPhilby ٢٢٨ ورد فيها اسم ملك من ملوك "سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في الجبال وفي تهامة"، هو "معد يكرب يعفر"٢. وأُرِّخت هذه الكتابة بشهر "ذي القيض" ذ قيضم" من سنة "٦٣١" من التأريخ الحميري, الموافقة لسنة "٥١٦م"٣, ومعنى هذا أن هذا الملك قد حكم قبل حكم "ذي نواس" بمدة قليلة. ونحن لا نعلم في الزمن الحاضر شيئًا من صلة هذا الملك بـ"ذي نواس".
وقد عبث الدهر ببعض كلمات هذا النص وحروفه، فأضاع علينا معاني مفيدة. وردت فيه أسماء أعلام، هي: "سبأ، و"حميرم" "حمير"، و"رحبتن" أي: "رحبة" "الرحابة". وقد ورد اسم "رحبتن" في عدد من النصوص على أنه اسم موضع٤, أما هنا، فهو اسم قبيلة؛ لورود كلمة "أشعبهمو" قبل "سبأ وحميرم ورحبتن"٥, ووردت كلمة "واعربهمو"، وبعدها جملة "كدت ومذحجم وبني ثعلبت ومذر وسبع"٦. وفي النص حروف طامسة حرمتنا معرفة بعض الأعلام.
وأما "كدت"، فقد قلت: إن رأي علماء العربيات الجنوبية أنها "كندة". ويظهر من ورود اسمها في النصوص التي ترجع إلى ما بعد الميلاد، أنها أخذت
стр. 1337
تؤثر تأثيرًا واضحًا في سياسة العربية الجنوبية بعد الميلاد، ولا سيما بعد توسع سلطان القبائل, وتدخل الأعراب في الشئون السياسية لعدم الاستقرار, ولتدخل الحبش في شئون العربية الجنوبية، وتقاتل الملوك والأقيال بعضهم مع بعض.
ويتبين من ورود كلمة "أعربهمو" قبل كلمة "كدت" في النص، أن قبيلة كندة كانت من القبائل الأعرابية أي: البدوية، ولم تكن من القبائل المستقرة، النازلة في منازل ثابتة؛ ولهذا استعان بها حكام اليمن في تأديب القبائل اليمانية أو قبائل معد وقبائل نجد التي كانت تغزو اليمن، كما كانت نفسها تهاجم حكام اليمن وتغزو أرضهم، فصار لها من ثَمَّ شأن يذكر في سياسة اليمن في هذا الوقت.
و"مذحجم" قبيلة "مذحج"، وهي من القبائل المعروفة، وينسبها أهل الأنساب إلى مذحج بن مالك بن أدد, ويذكرون أن مذحج أكمة ولدت عليها أمهم فسموا مذحجًا١. وقد ورد اسم هذه القبيلة في النص: Ryckmans ٥٠٨٢ المدون في أيام الملك "يوسف أسأر" الذي سأتحدث عنه، كما ورد في نص قتباني، هو النص الذي وسم بـREP. EPIG, ٤٦٨٨٣. وقد ذكر بعده اسم قبيلة "رغض"، ويظن البعض أن في قراءة الحرف الأول شيئًا من التحريف، وأن الحرف الأول هو حرف "ب" لا "راء"، فيكون اسم القبيلة "بغض" لا "رغض"، وهو اسم القبيلة "بغيض", وبغيض من القبائل العربية المعروفة.
وأما "ثعلبة"، فهي قبيلة "ثعلبان" التي ورد اسمها في السطر الثالث عشر من نص "سميفع أشوع" المحفوظ في متحف "إستانبول"٤، وفي نص: Philby ١٢٣ حيث ورد: "ألهت ثعلبن"، "آلهة ثعلبان"، أي: سادة قبيلة "ثعلبان"٥.
وذكر اسم "دوس ثعلبان" في قصة تعذيب "ذي نواس" لنصارى "نجران",
стр. 1338
ويرى علماء العربيات الجنوبية وجود صلة بين قبيلة "ثعلبان" و"دوس ثعلبان"١. وورد اسم "دوس ثعلبان" في أثناء كلام الطبري على "ذي نواس"٢.
ويعرف "ذو ثعلبان" المتقدم ذكره بـ"ذي ثعلبان الأصغر"، وقد قال عنه "نشوان بن سعد الحميري": إنه من نسل "ذي ثعلبان الأكبر"، وهو ملك من ملوك حمير، وأحد المثامنة منهم, واسمه "نوف بن شرحبيل بن الحارث"، وزعم أن "ذا ثعلبان الأصغر" هو الذي أدخل الحبشة إلى اليمن غضبًا لما فعل ذو نواس بأهل الأخدود من نصارى نجران٣.
وأما "مذر" و"سبع", فقبيلتان. وأظن أن في قراءة اسم القبيلة الأولى بعض التحريف, وأن الحرف الذي قُرِئَ بـ"ذ" يجب أن يقرأ "ضادًا" "ض"، وتكون القراءة عندئذ "مضر"، وهو الاسم الشهير المعروف عند النسابين. وقد رجعت إلى الصورة "الفوتوغرافية" المنشورة في مجلة Le Museon، فوجدت أن الحرف المذكور هو أقرب إلى حرف "الضاد" من حرف "الذال"٤. والذين يقرءون المسند يعرفون أن من السهل الوقوع في الخطأ في قراءة الحرفين, إذا كان قد كُتبا على أحجار قديمة, وقد عبث الدهر بتلك الأحجار؛ لأن بين الحرفين شيئًا من التشابه. ويظهر لديَّ أن رسم الحرف أقرب إلى الضاد من الذال؛ لوجود أثر لخط في أعلى وفي أسفل الحرف.
ويفهم من هذا النص أن حربًا أو فتنةً كبيرةً كانت قد حدثت في أيام هذا الملك، أسهمت فيها القبائل المذكورة، وهي: سبأ وحمير ورحبة وكدت "كندة" ومضر وثعلبة، وذلك قبل احتلال الحبش لليمن بقليل أو في أيام "معد يكرب يعفر"، وفي سنة "٥١٦م"٥. وقد مهدت هذه الفتنة الطريق للأحباش أن يدخلوا إلى العربية ويحتلوها بسهولة؛ وذلك بسبب الخصومات التي كانت بين القبائل, وظهور الروح القبلية التي لا تعرف التعاون إلا في سبيل مصلحة القبيلة فحسب.
стр. 1339
وتولى المُلْكَ بعد "معد يكرب يعفر" المَلِكُ ذُو نواس، وهو زرعة ذو نواس بن تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو في رأي الأخباريين١، وهو يوسف ذو نواس بعد تهوده في رأيهم أيضا. ولقد زعم بعض أهل الأخبار أنه كان من أبناء الملوك، وزعم بعض آخر أنه لم يكن من ورثة الملك، ولا من أبناء من حازه قبله، وإنما أخذه أخذًا٢. قيل: كانت له ذؤابتان تنوسان على عاتقه, بهما سمي ذا نواس٣.
ولا يعرف أهل الأخبار اسم الملك "معد يكرب يعفر"، بل ذكروا اسم ملك آخر قالوا: إنه حكم قبل "ذي نواس" زعموا أن اسمه "لخيعة ينوف ذو شناتر"، وقالوا: إنه لم يكن من بيوت المملكة، بل كان من حمير، وثب على الملك، فملك حمير، وقتل خيارهم، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم. وكان امرأً فاسقًا، إذا سمع بالغلام من أبناء تلك الملوك زرعة ذو نواس بعث إليه؛ ليفعل به كما كان يفعل بأبناء الملوك قبله، فلما خلا به، وثب عليه ذو نواس بالسكين فطعنه به حتى قتله، ثم احتز رأسه، فخرجت حمير والأحراس في أثر ذي نواس حتى أدركوه، فقالوا له: ما ينبغي لنا أن يملكنا إلا أنت؛ إذ أرحتنا من هذا الخبيث فملَّكوه، واستجمعت عليه قبائل حمير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير٤.
أما "ابن قتيبة"، فقد زعم أن "ذا شناتر" رجل لم يكن من أهل بيت الملك ولكنه من أبناء المقاول، أي: من طبقة الأقيال "أقول". وقد اتفق مع غيره من أهل الأخبار في قصة غلظه وفحشه، وفعله القبيح بأبناء الملوك، وفي إرساله إلى ذي نواس يستدعيه إليه ليفعل به ما كان يفعله بغيره، وفي قتله إياه٥.
وتهود ذو نواس وتهودت معه حمير، وتسمى "يوسف". هذا ما عليه أكثر أهل الأخبار٦,
стр. 1340
وقد ذكر "ابن كثير" في تفسيره، أنه كان مشركًا١.
وبهذه القصة والطريقة صيَّر أهل الأخبار ابتداء ملك "ذي نواس".
وذكر "ابن هشام" أن ذا نواس كان آخر ملوك حمير، وذكر آخرون أن ذا جدن وهو ابن ذي نواس, قد خلف أباه على حمير٢. وفي رواية أخرى أن ملك حمير لما انقرض وتفرق في الأذواء من ولد زيد الجمهور، قام ذو يزن بالملك، واسمه علي بن زيد بن الحارث بن زيد الجمهور، أو علي بن الحارث بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد الجمهور، فثار عليه الحبشة وعليهم أرياط، ولقيهم فيمن معه، فانهزم واعترض البحر فأقحم فرسه وغرق، فهلك بعدُ ذو نواس وولي ابنه مرثد بن ذي يزن مكانه، وهو الذي استجاشه امرؤ القيس على بني أسد.
وكان من عقب ذي يزن أيضًا، علقمة ذو قيفال بن شراحبيل بن ذي يزن ملك مدينة "الهون"، فقتله أهلها من همدان٣.
ولم يصل إلينا شيء من هذا القصص الذي رواه الأخباريون عن ذي نواس, مكتوب بالمسند, ولم يرد اسمه في أي نص من نصوصه حتى الآن.
وزعم المؤرخ "ابن العبري" Barhebraeus، أن "ذا نواس" واسمه "يوسف"، وكان من أهل الحيرة في الأصل، وكانت أمه يهودية من أهل "نصيبين" Nisibis وقعت في الأسر، فتزوجها والد "يوسف" فأولده منها٤, ومعنى هذا أنه لم يكن يمانيًّا، بل يهوديًّا وفد على اليمن من الحيرة. وقد لاحظ بعض المستشرقين أن اسم "يوسف ذي نواس"، ليس على شكل وطراز أسماء وألقاب ملوك اليمن، وهذا ما دعاهم إلى التفكير في احتمال وجود شيء من الصحة في رواية "ابن العبري"، لا سيما وأن يهود اليمن ويثرب وخيبر كانوا من المؤيدين للساسانيين ومن المناصرين لهم٥.
وقد اختلف الأخباريون في مدة حكمه؛ فقال بعضهم: إنه ملك ثمانيًا وثلاثين
стр. 1341
سنة١. وذكر المسعودي وآخرون أنه حكم مائتي سنة وستين سنة٢, وذكر حمزة أنه ملك عشرين سنة٣. وهكذا هم فيه وفي غيره مختلفون.
وإذا ما استثنينا الأخبار التي رُويت عن تعذيب "ذي نواس" لنصارى نجران، فإننا لا نعرف شيئًا آخر مهمًّا عن أعمال هذا الملك، الذي كان متحاملا جدا على النصارى والنصرانية, حتى إنه راسل ملك الحيرة لكي يؤثر عليه فيحمله على أن يفعل بنصارى مملكته ما يفعله هو بهم٤. ولعله كان يريد بذلك أن يكوِّن حلفا سياسيا مع ملوك الحيرة ومن ورائهم الفرس لمقاومة الحبش الذين كانوا قد وطئوا سواحل اليمن وأقاموا لهم قواعد فيها وعقدوا معاهدات مع الأمراء المنافسين لملوك حمير، وصاروا يحرضونهم على أولئك الملوك؛ ليتمكنوا بذلك من السيطرة على كل من اليمن والتوسع من ثم نحو الحجاز، للاتصال بحلفائهم الروم, والسيطرة بذلك على أهم جزء من جزيرة العرب، والهيمنة على البحر الأحمر والمحيط الهندي، وإنزال ضربة عنيفة بسياسة خصوم الروم، وهم الساسانيون.
وفي حوالي السنة "٥٢٥م" كانت نهاية حكم "ذي نواس"، إذ احتل الأحباش اليمن كما سنرى ذلك فيما بعد.
وفي موضع "سلع"، ويسمى "نخلة الحمراء" وهو خربة عادية، موضع زعم أنه قبر "ذي نواس"، المتوفى في حوالي "سنة ٥٢٥م". وقد فتح الموضع واستخرجت منه آثار فنية ذات قيمة، من بينها تمثالان لزنجيين من البرونز٥.
ويظن بأن ما جاء بنص "حصن غراب" الموسوم بين المستشرقين بـREP. EPIG. ٢٦٣٣ من أن الأحباش فتحوا أرض حمير سنة "٦٤٠" من التقويم الحميري الموافقة لسنة "٥٢٥" للميلاد، وقتلوا ملكها وأقياله الحميريين والأرحبيين، يشير إلى الملك "ذي نواس"، وإن لم يرد بالنص على اسمه٦.
стр. 1342
وقد عثر على نصين مهمين هما: Ryckmans ٥٠٧ والنص Ryckmans ٥٠٨، وقد أشير فيهما إلى حروب وقعت بين الأحباش وبين ملك سمي فيهما بـ"يسف أسار" "يوسف أسأر"، ولم يلقب النصان "يوسف" باللقب الطويل المألوف بل نعتاه بـ"ملكن يسف أسأر"، أي: "الملك يوسف أسأر" فقط١, و"يسف أسار" هذا, هو الملك "ذو نواس". وقد كتب النصان في سنة واحدة هي سنة "٦٣٣" من التقويم الحميري، الموافقة لسنة "٥١٨" للميلاد, إلا أنهما كتبا في شهرين مختلفين؛ فكتب أحدهما في شهر "ذ مذرن" "ذ مذران" "ذو مذران"٢, وكتب الثاني في شهر "ذ قيضن" "ذو قيضن" "ذو القيض". ويستنتج من عدم تلقيب "يوسف" باللقب الملكي الطويل المألوف، أن ملكه لم يكن متسعًا وأن سلطانه لم يكن عاما شاملا كل اليمن، بل كان قاصرًا على مواضع منها, فقد كان الأحباش يحتلون جزءًا منها بما في ذلك عاصمة حمير مدينة "ظفار" وكان الأقيال ينازعونه السلطة وقد كونوا لهم إقطاعيات مستقلة، نازعت الملك على الحكم والسلطان. وكانت الفتن مستعرة وهذا مكن الحبش من انتهاز الفرص؛ فأخذوا يتوسعون بالتدرج حتى قضوا على استقلال البلاد واستولوا عليها, وتلقب حكام الحبش باللقب الملكي اليماني الطويل المألوف دلالةً على سيطرتهم على اليمن.
وقد سقطت من النص Ryckmans ٥٠٧ كلمات من صدره، فأثر سقوطها هذا بعض التأثير على فهم المعنى فهمًا واضحًا. وقد وردت في الفقرة الأولى منه كلمات مثل: "أشعبه" أي "قبائله"، و"أقولهمو ومراسهمو"، أي "أقيالهم ورؤساؤهم", وجاءت جملة: "وبنيهمو شرحب ال يكمل" أي "وبنيهم: شرحبيل يكمل"، أي "وابنهم: شرحبيل يكمل". ثم دونت بعد هذا الاسم أسماء: "هعن أسانن"، و"لحيعت يرخم" و"ومرثد ال يملد" "مرثد إيل يملد"، وقد سقطت كلمات بعد لفظة "بني" أي أبناء، وهم من مؤيدي "الملك يوسف أسأر" ومن مساعديه. وقد أشير بعد ذلك إلى
стр. 1343
قتال وقع بينهم أي جماعة الملك وبين الحبش "أحبشن" بموضع "ظمو" وفي مواضع أخرى.
وتناول النص الثاني خبر حروب وقعت بين الملك "يوسف أسأر" وبين الحبش ومن كان يؤيدهم من أقيال اليمن. وهو نص سجله القيل "قولن" "شرح إيل يقبل ابن شرح إيل يكمل" من بني "يزأن" "يزن" و"جدن" "جدنم" و"حبم" "حب" و"نسان" "نان" و"جبا" "جبأ".
ويتبين من هذا النص أن الملك "يوسف أسأر" هاجم "ظفر" "ظفار" مقر الأحباش، واستولى على "قلسن"، أي: "القليس"، أي: كنيسة "ظفار". ثم سار بعد ذلك إلى "أشعرن"، أي "الأشعر" "الأشاعر" قبيلة من قبائل اليمن. ثم سار الجيش إلى "مخون" "مخا"، وحارب وقاتل، فقتل كل سكانها "حورهو"، واستولى على كنيستها، وحارب كل مصانع أي: معاقل "شمر" ودكها دكًّا، وحارب سهول "شمر" كذلك, ثم هاجم الملك هجومًا ماحقًا قبيلة "الأشعر" "أشعرن". ثم أحصى عدد من قتل في هذا الهجوم وعدد ما وقع في أيدي جيشه من غنائم، فكان عدد من قتل: ثلاثة عشر ألف قتيل، وعدد من أخذ أسيرًا تسعة آلاف وخمسمائة أسير، واستولى على "٢٨٠" ألف رأس من الإبل والبقر والمعز "عنزم" "عنز", وأخذت غنائم عديدة أخرى.
واتجه الملك مع جيوشه بعد ذلك إلى "نجرن" "نجران", وفي صعيد هذه المدينة كان قد تجمع "أقرام" "قرم" "بني أزأن" وقبائل همدان وأهل مدنهم وأعرابهم وأعراب "كدت" "كندة" و"مردم" "مراد" و"مذحج"، فأنزلت جيوش الملك خسائر بالأحباش الذين كانوا قد تحصنوا بالمصانع والحصون, وبمن ساعدهم من القبائل, وبمن كان قد تجمع في "نجران" لمساعدتهم. وكان مع الملك وفي جيشه "أقولن" الأقيال: "لحيعت يرخم" و"سميفع أشوع" و"شرحب ال أسعد" "شرحبيل أسعد", أقيال وسادات "يزان" "يزأن" "يزن" ومعهم قبائلهم: قبل "أزانن" "أزأن"١.
стр. 1344
وقد جاءت في هذا النص جملة: "سسلت مدين", وقد قصد بها "حصن المندب"، أي: ما يسمى بموضع "باب المندب" في الوقت الحاضر١.
نرى من خلال قراءتنا لهذين النصين أن الوضع في اليمن كان قلقًا جدًّا، وأن الأمور كانت مضطربة، وأن الفتن كانت تعم البلاد، وأن الأحباش كانوا يمتلكون قسما كبيرا من أرض اليمن, وكان مقرهم مدينة "ظفار", وكان لهم أعوان وأحلاف من الأقيال والقبائل. وقد استعان بهم الحبش في نزاعهم مع "يوسف أسأر" حتى تمكنوا في الأخير من الاستيلاء على كل اليمن ومن انتزاع السلطة من أيدي حكام اليمن الشرعيين، ومن القضاء على الملك سنة "٥٢٥" بعد الميلاد.
و"بنو يزان" "بنو يزأن"، هم "ذو يزن" عند أهل الأخبار، وكانوا من العشائر البارزة التي ورد اسمها في نصوص عديدة، وإليهم ينسب "سيف بن ذي يزن". وذكر "ابن دريد" أن "يزن" موضع، ويقال: "ذو أزن" و"ذو يزن"، وهو أول من اتخذ أسنة الحديد، فنُسبت إليه، يقال للأسنة: "يزني" و"أزني" و"يزأني"، وإنما كانت أسنة العرب قرون البقر٢.
والأقيال المذكورون في النصين وهم: "شرحبيل يكمل" و"لحيعت يرخم" و"شرحئيل يقبل" "شرح ال يقبل" و"السميفع أشوع" و"شرحبيل أسعد" كانوا من أقيال "يزان" "يزن", وقد لعبوا دورا مهما في الميدان السياسي والعسكري لهذا العهد.
وقد ورد ذكر القيل "شرحب ال يكمل" "شرحبيل يكمل" في النص: Ryckmans ٥١٢, ومدونه رجل اسمه "حجي إيهر" "حجي أيهر". وذكر اسم قيل آخر اسمه: "شرح ال ذ يزان" "شرحئيل ذي يزأن" "شرحئيل ذي يزن"٣.
وورد اسم قيل آخر من أقيال "ذي يزن" عرف بـ"شرحئيل ذي يزن" "شرح ال ذ يزان"٤، لعله القيل المتقدم. وقد جاء اسمه في نص عرف بـRyckmans ٥١٥، دونه شخص اسمه "معويت بن ولعت" "معاوية بن والعة" و"نعمت بن ملكم" "نعمت بن مالك" "نعمة بن مالك". وقد
стр. 1345
ختم النص بعبارة مهمة هي: "رب هود برحمنن"١، أي: "بالرحمن: رب يهود"٢. ويدل هذا النص على أن صاحبيه كانا من اليهود، أو من العرب المتهودة.
وأما "جدنم" فهم "جدن", وهم أيضا من العشائر اليمانية المعروفة, وقد ورد اسمها في عدد من الكتابات٣. وقد ذكر "ابن دريد" أن من رجال "جدن" "ذا قيفان بن عَلَس بن جدن"، الذي ذكره "عمرو بن معدي كرب" في شعره:
وسيف لابن ذي قيفان عندي ... تخيره الفتى من قوم عاد٤
وقد أشير في النص: Ryckmans ٥١ إلى قيل من أقيال هذه القبيلة دعي بـ"لحيعت ذ جدنم" "لحيعت ذي جدن", وقد دونه رجل اسمه "تمم يزد" "تميم يزيد", وقد نعت نفسه بـ"مقتوت لحيعت ذ جدنم"، أي: ضابط وقائد "لحيعت ذي جدن"٥. ومعنى هذا أنه قد كان لهذا القيل جيش، وكان "تميم" من قادة ذلك الجيش.
وقد يكون "تميم" هذا هو "تميم" "تمم" مدون النص الموسوم بـRyckmans ٥١٣. وقد جاء فيه: "تمم مقتو لحيعت يرخم ذ جدنم وترحم على ابني ملكم ذ جدنم. رحمنن وامنن"٦, ومعناه: "تميم ضابط لحيعت يرخم ذو جدن. وترحم على ابن مالك ذو جدن. الرحمن والأمن "الأمان آمين". وإذا كان تميم هو "تميم" المتقدم ذكره، فيكون "لحيعت ذو جدن" المذكور هو "لحيعت يرخم" المذكور في هذا النص إذن.
стр. 1346
ملوك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت:
وقد رتب "فون وزمن" ملوك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت على النحو الآتي:
стр. 1347
١- شمر يهرعش الثالث.
٢- ياسر يهنعم الثالث مع "تارن أيفع".
٣- ثارن يكرب.
٤- ياسر يهنعم الثالث مع ابنه "ذرأ أمر أيمن".
٥- ذمر على يهبر "ذمر على يهبأر".
٦- ذمر على يهبر مع ابنه ثارن يهنعم.
٧- ثارن يهنعم مع ابنه ملكيكرب يهامن.
٨- ملكيكرب يهامن مع ابنيه أبي كرب أسعد وذرأ أمر أيمن.
٩- أبو كرب أسعد مع ابنه حسان يهأمن١.
١٠- شرحبيل يعفر٢.
стр. 1348
الفصل الثاني والثلاثون: إمارات عربية شمالية
لقد استغلت القبائل العربية الضعف الذي ظهر على الحكومة السلوقية، فأخذت تزحف نحو الشمال وتهدد المدن القريبة من البوادي وتحاول الاستيلاء عليها. وقد استولت فعلًا على بعضها وكونت حكومات يمكن أن نطلق عليها مصطلح "مشيخة" أو إمارة بحسب مصطلحاتنا السياسية في الزمن الحاضر. وهي حكومات توقفت حياتها على كفاية من كونها وأقام أسسها، وعلى كفاية من خلف المؤسسين لها من أشخاص. ولذلك كان عمرها قصيرًا في الغالب، وكان حجمها يتوسع أو يتقلص بسرعة؛ لأن قوة الحكومات بقوة الحكام، فإذا كان الحاكم ذا شخصية قوية وإرادة وحزم وذكاء، أغار على جيرانه وهاجم حدود الدول الكبرى، وأصابها بأضرار تضطرها إلى الاعتراف به رئيسًا على قبيلته وعلى الأعراب الخاضعين لسلطانه، ويبقى على مكانته هذه ما دام قويا، فإذا خارت قواه، أو ظهر منافس له أقوى منه، ولا سيما إذا كان منافسه قد جاء حديثًا من البادية بدم نشيط، ومعه قوم أقوياء أصحاب عدد، زعزع عن محله المرموق، وصار الأمر لغيره، وهكذا.
ويجب ألا ينصرف الذهن إلى أن هذه القبائل كانت قد جاءت إلى بادية الشأم في هذا الزمن أو قبله بقليل، فقد سبق أن تحدثت عن وجود الأعراب في هذه البادية قبل هذا العهد بزمان. وقد رأينا كيف حارب الآشوريون الأعراب، ولم يكن أولئك الأعراب الذين كانوا قد كونوا "إمارات" لهم في البادية من أبناء
стр. 1349
الساعة بالطبع، بل لا بد أن يكونوا قد هبطوا بها قبل حروبهم مع الآشوريين بزمان لا يعرف مقداره إلا الله، ولا بد أن يكون اتصال عرب جزيرة العرب بهذه البادية اتصالًا قديمًا، فالبادية والهلال الخصيب امتداد لأرض جزيرة العرب والهجرة بين هذه المواضع قديمة قدم ظهور هذه المواضع إلى الوجود.
لم يكن أمام أعراب جزيرة العرب من مخرج حينما تجف أرضهم ويقضي الجفاف على البساط الأخضر الذي يفرشه الغيث في بعض السنين على سطح الأرض مدة غير طويلة، إلا الهجرة إلى أماكن يجدون فيها الخضرة والماء؛ ليحافظوا بهما على حياتهم وحياة ماشيتهم، وإلا تعرضوا للهلاك. والخضرة والخصب لا يكونان إلا حيث يكون الجو الطيب والماء الغزير، وهما متوافران في الهلال الخصيب وفي أطراف جزيرة العرب في الجنوب؛ حيث تسعف أبخرة البحر العربي والمحيط تلك الأرضين فتغذيها بالرطوبة وبالأمطار؛ لذلك كانت الهجرات إلى مثل هذه الأرضين دائمة مستمرة.
ويجد أعراب نجد في البادية وفي الهلال الخصيب ملاذهم الوحيد في الخلاص من خطر الفناء جوعًا، فيتجهون بحكم غريزة المحافظة على الحياة نحوهما، غير مبالين بما سيلاقون من صعوبات، وأية صعوبات تواجه الإنسان أعظم من تحمل الموت جوعًا ويبطء.
كانت كل قبيلة من هذه القبائل تضرب خيامها في المواضع التي ترى فيها العشب والماء والمغنم, في البادية أو عند الحضر. فإذا وجدت للحضر حكومة قوية احترمتهم، وإن وجدت فيهم ضعفًا، هزئت بهم، واستولت على ما عندهم، وأخذت ترعى في أرضهم، ثم هي لا تقبل بكل ذلك، بل كانت تفرض عليهم "إتاوة" يؤدونها لهم, مقابل حمايتهم من اعتداء الأعراب الآخرين عليهم. وبذلك تمكن سادات القبائل من فرض سلطانهم على بعض المدن كحمص والرُّها والحضر، وغيرها من المدن التي حكمتها أُسَر عربية، في رأي بعض الباحثين١.
وقد وقف الأعراب وقفة تربُّص وتأهُّب من الحكومات القوية المهيمنة على الهلال الخصيب، كانوا يراقبون ويدرسون بذكائهم وبخبرتهم السياسية أوضاعها،
стр. 1350
فإذا أحسوا فيها ضعفًا بادروا إلى استغلاله قبل فوات الأوان. وللأعراب في هذا الباب حاسة غريبة ذات قدرة كبيرة في إدراك مواطن الضعف عند الحضر وعند الحكومات؛ فإذا تيقنوا بقوة شم حاستهم من وجود ضعف عند الحضر أو عند حكومة ما، ووجدوا أن في إمكانهم استغلاله في صالحهم جاءوا إلى من وجدوا فيه ضعفًا بشروط تتناسب مع ضعف مركزه، وبطلبات يملونها عليه، قد تكون طلب زيادة "الإتاوات" أي: الجُعَالات السنوية التي تدفع لهم، وقد تكون السماح لهم بالزحف نحو أرض الحضر والتوسع في الأرضين الخصبة ذات الكلأ والماء، وقد تكون طلبًا بالاعتراف بسيادتهم على ما استولوا عليه وعلى أعراب البادية، وما إلى ذلك من شروط، قد تزيد فيها إن وجدت ممن تتفاوض معهم تساهلًا وقد تتساهل إن وجدت منهم شدة وعجرفة وقوة، مع اللجوء إلى الحيل السياسية وذلك بالاتصال سرًّا مع الجانب الثاني المعادي للانضمام إليه، وتأييده بحصولهم على شروط أحسن، وعلى ربح أعلى وأكثر مما يعطيهم أصحابهم الذين هم على اتفاق معهم. وسنجد فيما بعد أمثلة على أمثال هذه المفاوضات السياسية السرية تجري مع الفرس، وأحيانًا مع الرومان أو الروم.
وقد علَّمت الطبيعة حكومات العراق وبلاد الشأم دروسًا في كيفية التعامل والتفاهم مع الأعراب. علمتهم أن القوة ضرورية معهم، وأن الصرامة لازمة تجاههم؛ لكبح جماحهم والحد من غلواء غزوهم للحدود وللحواضر، وأن التساهل معهم معناه في نظر الأعراب وجود ضعف في تلك الحكومات، وأن معنى ذلك طلب المزيد. ولذلك أقاموا مراكز محصنة على حواشي الصحارى، أقاموا فيها حاميات قوية ذات بأس ولها علم بالبادية وبمعاركها ودروبها، ومعها ما تحتاج إليه من "الميرة" والماء. وبنوا فيها "أهراء" أي: مخازن تخزن فيها الأطعمة لتوزيعها على الأعراب عند الحاجة للسيطرة عليهم بهذا الأسلوب, كما خزنوا فيها كميات من المياه في "صهاريج" تحت الأرض، وحفروا بها الآبار للشرب، ولتموين الأعراب بها أيضا عند انحباس المطر وحلول مواسم الجفاف. وضعوا كل ذلك في حصون محصنة، ليس في استطاعة الأعراب الدنو منها أو اقتحامها؛ لأن عليها أبراجًا وفي أسوارها الحصينة العالية منافذ يرمي منها الرماة سهامًا تخرج منها بسرعة كأنها شياطين، تُخيف ابن البادية، فتجعله يتحرج من الدنو من تلك الحصون.
стр. 1351
ونجد اليوم في العراق وفي بلاد الشأم آثار بعض تلك الحصون التي أقامها حكام العراق وحكام بلاد الشأم لصد غارات الأعراب عن أرض الحضر، ولتوجيههم الوجهة التي يريدونها، حصون منعزلة نائية كأنها جزر صغيرة برزت في محيط من الرمال والأتربة، بعيدة عن مواطن الحضارة، عند أصحابها على إقامتها في هذه المواضع؛ لتكون خطوط دفاع أمامية تحول بين أبناء البادية وبين الدنو من مواطن الحضر، وتشغل الأعراب بالقتال حتى تأتي النجدات العسكرية فتصطدم بهم إن تمكنوا من اختراق تلك الخطوط.
وقد علمت الطبيعة حكام العراق وحكام بلاد الشأم أن القوة وحدها لا تكفي في ضبط الأعراب وتوجيههم الوجهة التي يريدونها، علمتم أن جيوشهم النظامية لا تستطيع أبدًا أن تتعقب فلول الأعراب التي تتراجع بسرعة لا تبلغها عادة الجيوش النظامية في الوصول إلى البادية حصن الأعراب الحصين. وعلمتهم أيضا أن جيوشهم متى توغلت في البادية فإن احتمالات اندحارها واندثارها تزيد عندئذٍ على احتمالات الانتصار؛ فالأعرابي هو ابن البادية، وهو أخبر بها من الحضر، وهو يعرف مواضع "الإكسير" فيها "إكسير الحياة" وهو الماء. لقد خبر آبارها، وخزن الماء في مواضع احتفرها وجعلها سرية فلا يقف عليها إلا خُزَّانها؛ لهذا فإن من الحماقة محاربة الأعراب في ديارهم، وإن من الخير مداهنتهم واسترضاءهم, وذلك بالاتفاق مع سادات القبائل الأقوياء أصحاب الشخصيات والمواهب، على دفع هبات مالية سنوية لهم ترضيهم, في مقابل ضبط الحدود وحمايتها من خطر مهاجمة الأعراب لها وغاراتهم عليها، مهما كان أصل أولئك الأعراب، وفي مقابل الاشتراك مع أولئك الحكام المتحالفين معهم في حروبهم لأعدائهم، إما بتقديم الخدمات الضرورية اللازمة لهم في الحروب، مثل تقديم الجمال لهم لحمل الجنود والأثقال والماء وكل ما يحتاج إليه الجيش في عبوره إلى البوادي.
وتقرن الجعالات السنوية بهدايا وألطاف يقدمها الحكام إلى سادات الأعراب، وبألقاب مشرفة تبهج النفوس الضعيفة لاستوائهم إلى جانبهم، وبدعوات توجه إليهم في المناسبات لزيارة أولئك الحكام والنزول في ضيافتهم، فتخلع عليهم الخلع التي تستهويهم وتجعلهم إلى جانب أولئك الحكام.
ولأجل الوقوف على حركات الأعراب وسكناتهم، ولمراقبة أعمال سادات القبائل، وضعت الحكومات مندوبين عنها في مضارب أولئك السادات، يتنسمون
стр. 1352
الأخبار ويبعثون بها إلى الحكام, وقد كانوا في الوقت نفسه بمنزلة المستشارين لهم. وقد يقرنون ذلك بوضع حاميات قوية معهم للدفاع عن أولئك السادات إن جابههم خطر، أو للضغط عليهم ولردعهم في حالة تفكيرهم بنقض حلفهم مع تلك الحكومات. وقد عُرف هؤلاء المستشارون أو "المندوبون الساميون" في عرفنا السياسي في الزمن الحاضر بـ"قيبو" في اللغة الآشورية، وكانوا يرسلونهم إلى مضارب سادات القبال لتوجيههم الوجهة التي يريدها ملوك آشور، وللتجسس عليهم وإرسال أخبارهم إلى أولئك الملوك حتى يكونوا على بيِّنة من أمرهم، ويتخذوا ما يرون من قرارات تجاههم١.
ولم يكن من العسير على حكام العراق وحكام بلاد الشأم، استبدال سيد قبيلة بسيد قبيلة آخر، إذا ما وجدوا في سيد القبيلة المحالف لهم صدا عنهم أو ميلا إلى عدوهم، أو نزعة إلى الاستئثار بالحكم لنفسه والاستقلال.
فالبادية أرض مكشوفة، وأبوابها مفتوحة لا تمنع أحدًا من دخولها، فإذا جاء سيد قبيلة طامعًا في مركز وأرض وكلأ وماء، ووجد في عدده وعدته قوة، نافس من نزل قبله، وطمع في ملكه وتقرب إلى الحكام ليحلوه محله، وليأخذ مكانه. وإذا وجد أولئك الحكام في القادم شخصية قوية وأنه أقوى من السابق؛ لأنه ظهر عليه بعدد من معه وبقوة شخصيته، وأن السيد القديم لم يظل ذا نفع كبير لهم، فلا يهمهم عندئذ إزاحته عن مكانه، وإحلال الجديد محله. وكل ما يطلبه الحكام هو ضمان مصالحهم، ومن يتعهد بحماية مصالحهم صار حليفهم وصديقهم كائنًا من كان. وهكذا البشر في كل مكان وزمان من أية أمة كانوا.
لقد سيطرت القبائل العربية على شواطئ الفرات وهيمنت عليها في أيام السلوقيين. ونجد ساداتها وقد نصبوا أنفسهم عمالًا "فيلاركا" على تلك الشواطئ منذ منتصف القرن الثاني قبل الميلاد وبعده, وتدل أسماء أولئك العمال على أن أصحابها كانوا من أصل عربي، وأن الأسر التي كونوها هي أسر عربية. وكلما كانت أسماء الملوك الأولين لهذه الأسر أسماء عربية، كانت أكثر دلالةً على أصل أصحابها العربي. فقد جرت العادة أن الملوك المتأخرين يتأثرون بتيارات زمانهم الاجتماعية وبرسومه وعاداته، فيتخذون ألقابًا وأسماء يونانية أو سريانية أو فارسية، تظهرهم وكأنهم من أصل يوناني أو سرياني أو فارسي، على حين هم من أصل عربي،
стр. 1353
ولهذا كانت لأسماء مؤسسي الأسر أهمية كبيرة في إثبات أصل الأسرة١.
وقد استغل الأعراب أهمية الطرق البرية التي تمر بالبوادي، وهي شرايين التجارة العالمية بالنسبة لذلك الوقت، فتحكموا في مسالكها، واستغلوا أهمية الماء بالنسبة للقوافل والجيوش، فلم يكن في وسع جيش قطع البادية من غير ماء، وأخذوا يعاملون المعسكرين: المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي وهو المعسكر الروماني وفقًا لحاجتهما إلى هذه الطرق والماء, ويفرضون على المعسكرين شروطًا تتناسب مع مواقفهما العسكرية ومع الأحوال السائدة بالنسبة لتلك الأيام، وصاروا يجبرون كل معسكر من المعسكرين على تقديم أحسن الترضيات لهم؛ لتقديم خدماتهم له، والانضمام إليه ضد المعسكر الشحيح البخيل.
ومن هذه الإمارات: إمارة الحضر، وإمارة "الرُّها" Edessa، وإمارة "الرستن - حمص" Arethusa – Emesa وإمارة "سنجار" Singara، وحكومة تدمر، ثم حكومة الغساسنة في بلاد الشأم، وحكومة المناذرة في العراق.
ويلاحظ أن بعض هذه الحكومات تكونت في مدن كانت قديمة عامرة، سكانها من غير العرب، ومع ذلك صارت مقرًّا لأسر حاكمة عربية، باستيلاء تلك الأسر عليها وبإخضاعها لحكمها واتخاذها مقامًا لهم، فصار الحكم عليها في أيدي تلك الأسر. أما المحكومون فهم السكان الأصليون، وغالبهم من غير العرب, ولسانهم هو لسان بني إرم في الغالب.
وهناك إمارات تكونت على أطراف الحضارة، وفي مواضع الماء والكلأ في البادية، أو في مواضع غير بعيدة عن حدود الحاضرة من العراق وبلاد الشأم، وخاصة في العُقَد التي تتصل بها طرق القوافل, ويعود الفضل في تكونها وظهورها إلى هذه الأمور المذكورة، ولا سيما موضعها من خطوط سير القوافل، حيث يتقاضى سادات تلك المواضع "إتاوات" عن التجارة التي تمر بها، وعن التجارة التي تحمل إليها لبيعها في أسواقها، فيتجمع لهم دخل لا بأس به من هذه الجباية التي قد ترتفع أحيانًا حتى تصل إلى درجات التعسف بالتجار. ويكون سادات هذه المواضع أصحاب حظ عظيم؛ إذ كانت مواضعهم عصبًا ضروريًّا رئيسيًّا في تجارة البادية، بحيث لا تجد القوافل الكبيرة المحملة بالتجارة النفيسة بدًّا
стр. 1354
من المرور منها، فإن دخلهم يكون حينئذٍ كبيرًا، يحملهم على التوسع والطموح, وعلى السيطرة على الآخرين بقدر الإمكان.
وكما كانت القوافل التجارية والطرق البرية رحمة للمستوطنات الصحراوية التي نشأت وتكونت عند عقد العصب الحساس لهذه الطرق، كذلك صارت تلك الطرق نقمة على تلك المستوطنات؛ إذ طالما قضت عليها وحكمت عليها بالموت، فقد يجد التجار وأصحاب القوافل طرقًا أسهل وأقصر في قطعهم للبادية، أو معاملة أطيب من سيد قبيلة منافس أو حماية عسكرية أقوى، فيتحولون عن تلك الطرق المسلوكة إلى طرق أخرى، فتموت بذلك المستوطنات المقامة عليها، ويضطر أهلها إلى تركها إلى مواطن جديدة. وقد كان لاستخدام الطرق المائية من طرق نهرية وبحرية، أثر كبير في إماتة الطرق البرية أو في منافستها، كذلك كان للطرق البرية ولا سيما الطرق العسكرية الممهدة التي أقامها الرومان والروم في بلاد الشأم، أو الفرس في العراق أثر كبير في القضاء على المستوطنات التي نشأت في البوادي؛ إذ فضل التجار السير في هذه الطرق المأمونة التي لا يتحكم فيها سادات القبائل في مقدراتهم، ولا يدفعون ضرائب مرور عن الأرضين على تلك الطرق الموحشة المقفرة المملوءة بالمخاطر والتي يتحكم فيها أبناء البادية في مقدرات التجار، فيفرضون عليهم ضرائب مرور من أرضهم كما يشاءون من غير تقدير لما سيجر ذلك عليهم وعلى التجار من أضرار. وبذلك أعان أبناء البادية بأنفسهم على إماتة مستوطناتهم في بعض الأحيان.
ويظهر من "جغرافية" "سترابو" أن أرض الجزيرة ومنطقة الفرات والبادية المتصلة ببلاد الشأم، كانت في حكم سادات قبائل، يحكمون وكأنهم "عمال" فيلارك" Phylarchus. وكان بعض هؤلاء يحكمون أرضين صغيرة، وحكمهم حكم "مشايخ القبائل" في عرف هذا اليوم: يشتغل أتباعهم بالرعي، وبعضهم يشتغلون بالزراعة، وآخرون بالتجارة. وكان قسم منهم أعرابًا يتنقلون في البادية، ومنهم أشباه أعراب، ولا سيما أولئك القاطنين على ساحل العقبة، أي خليج "أيلة" وقد استغل هؤلاء الأعراب طبيعة أرضهم، فكانوا يجبون "العشر" من التجار، أو يشتغلون هم أنفسهم بالاتجار أو يقومون بنقل التجارة لحساب غيرهم من التجار١.
стр. 1355
وقد كان الأعراب هم الوحيدين الذين في استطاعتهم حماية الطرق البرية الممتدة بين العالم المتحضر القديم: العراق وبلاد الشأم، فهم وحدهم سادة البوادي، وفي أيديهم "إكسير الحياة" الماء؛ لهم آبار أو عيون، و"صهاريج" سرية يخزنون فيها الماء. ولهم مخازن احتياطية مملوءة بهذه المادة الثمينة الضرورية للحياة، يملئونها من أماكن قد تكون بعيدة عنهم، ثم يحملونها معهم حيث ذهبوا، وإلى منازلهم. وهي قِرَبٌ كبيرة يصنعونها من الجلد، تمونهم بالماء، وتمون القوافل المارة بهم بما يحتاجون إليه وبما يكفيهم للتنقل من منزل إلى منزل آخر. وقد أطلق اليونان على أكثر هؤلاء اسم Scentitae = Skenitai، بمعنى الساكنين في الخيام؛ لأن "السكينة"Skenai = Skynai معناها الخيمة والبيت، وهي تقابل لفظة "سكوت" "سكوث" Sukkot في العبرانية، التي تعني الخيمة والبيت أيضًا١.
والـ"سكينيتة" Skenitai، هم كما قلت أهل الخيام، الخيام المصنوعة خاصة من شعر المعز٢، وهم أعراب يقطنون البادية وطرفي العراق والشأم، تمتد منازلهم في بلاد الشأم حتى تبلغ الخط الممتد بين Europus و Thapascus في الشمال على رأي "بلينيوس"٣, وتمتد في الغرب حتى تبلغ حدود Apamea على رأي "سترابون". أما حدود مجالات هؤلاء الأعراب من الشرق، فتمتد من أعالي الفرات حتى تبلغ ملتقاه بدجلة في الجنوب على رأي "سترابون" كذلك٤. ويفصلهم النهر عن منازل قبيلة "أتالي" Athali في كورة٥ Characene.
وذكر "سترابو" أن سادات "سكان الخيام" كانوا يجبون الضرائب من التجار في أثناء مرورهم بمناطق نفوذهم، وكان بعضهم يشتط عليهم فيتقاضى منهم ضرائب عالية، ولا سيما أولئك الذين ينزلون على ضفتي النهر، فتجنب التجار المرور بمناطقهم، ومنهم من كان يتساهل فيعاملهم بلطف ورعاية٦. وذكر أيضا أن الرومان وسادات الأعراب كانوا يسيطرون على الجانب الغربي للفرات
стр. 1356
حتى إقليم بابل، وأن فريقًا من سادات القبائل كانوا يشايعون الرومان، وفريقًا آخر كان يشايع الفرس, وأن الذين كانوا يسكنون على مقربة من النهر كانوا أقل ميلا وتوددا إلى الرومان من الذين كانوا يقيمون على مقربة من العربية السعيدة١.
وبلغت منازل الـ"السكينيتة" سكان الخيام حدود مملكة "حدياب"٢ Adiabene والجبال في العراق على رأي "سترابو"٣. ويذكر "سترابو" أن من هؤلاء رعاة، وأن منهم متلصصين، يغزون وينهبون، ويتنقلون من مكان إلى مكان حيث يكون المرعى، أو تتوافر الغنائم والأموال٤، وأن طريق بابل و"سلوقية" إلى الشأم الذي يسلكه التجار يمر في أرض جماعة من هؤلاء الأعراب يعرفون بـMalli في أيامه, لهم البادية يتحكمون فيها كيفما يشاءون٥.
ولا نجد في كتاب "سترابو" شيئًا يتعلق بأصل "السكينيتة"، سكان الخيام، وبالزمن الذي ظهرت فيه هذه التسمية. وقد ذكر أن من مواطنهم مدينة اسمها Skenai، وهي معروفة عندهم، تقوم على "قناة" على حدود أرض "بابل"، وعلى بعد ثمانية عشر "شوينوى" Schoinoi من مدينة "سلوقية"، كما ذكر أنهم يسمون الآن باسم آخر، هو: "ملوي" Malioi "مالي"٦ Malli.
وقد ذهب الباحثون مذاهب عدة في تعيين موضع مدينة Skenai، إن جاز التعبير عنها بلفظة "مدينة"؛ فذهب بعضهم إلى أنها "عُكْبَرا"، وذهب بعض آخر إلى أنها "الحيرة"، فالحيرة بمعنى المخيم والمعسكر، وهو معنى قريب من معنى لفظة Skenai. وذهب آخرون إلى أنها "مسكين" أو "مسجين"، وهو موضع يقع شمال بغداد، أو "بيت مشكنة". ولكلٍّ رأيٌ ودليلٌ في اختياره لذلك المكان٧.
ويظهر من وصف "سترابو" لأحوال "سكان الخيام"، أي: الأعراب، أنهم كانوا كثرة، وقبائل تنتقل مع الماء والكلأ. أما الـMalioi، فإنهم كان منهم
стр. 1357
أشباه مستقرين، وآخرون مستقرون تكاد منازلهم تكون ثابتة، ولهم نظام يمكن أن نسميه نظام حكومة، ويدير شئونهم سادات منهم، يشرفون على أعرابهم ويرعون طرق القوافل التي تمر بأرضهم؛ لأنها تأتي لهم بفوائد كبيرة١.
ومن الإمارات التي يرجع كثير من الباحثين أصول حكامها إلى أصول عربية: الحضر Hetra، و"إمارة حمص" Emesa و"إمارة الرها" Edessa، والرصافة، وتدمر، وإمارات أخرى. وهي إمارات لا يمكن أن نقول: إن ثقافتها كانت ثقافة عربية، وإن غالب سكانها كانوا من العرب، ولكننا نستطيع أن نقول: إن العرب كانوا يتحكمون فيها، وإن هنالك أدلة تزداد يومًا بعد يوم، تزيد في الاعتقاد بأن العنصر العربي كان قويًّا فيها، وأن سكانها كانوا عربًا، ولكنهم تأثروا بالمحيط الذي عاشوا فيه، فتثقفوا على عادة تلك الأيام بثقافة بني إرم، واتخذوا من لسان بني إرم لسانًا لهم في الكتابة، ومن قلم بني إرم قلمًا لهم يكتبون به, ويعبرون عن إحساسهم وشعورهم وعلمهم به.
أما "الحضر"، فهي اليوم آثار شاخصة في البرية بوادي الثرثار جنوب غربي الموصل، على بعد "١٤٠" كيلومترًا منها. ولعلماء الآثار آراء في أصل التسمية، فمنهم من ذهب إلى أنها من أصل إرمي، ومنهم من ذهب إلى أنها من أصل عبراني إرمي، ومنهم من رجح أنها من أصل عربي، بمعنى "الحيرة" أي: "العسكر"، وقد عرف بـ"أترا" Atra و Atrai في اليونانية، وبـ"هترا" Hatra في اللاتينية٢. وهي "حطرا" في الكتابات التي عُثر عليها في الحضر٣.
ويرى "هرتسفلد" E. Herzfeld أن القبائل العربية هي التي أسست هذه المدينة، أسستها في القرن الأول قبل الميلاد حصنًا منيعًا أقام ساداتها فيه مستفيدين من الخلاف الذي كان بين الفرث واليونان، حيث استغلوه بذكاء وحنكة، فحصلوا على أموال من الجانبين، لما لموضعهم من الشأن العسكري والسياسي والاقتصادي. وكانوا كلما ازداد مالهم وبرزت أهميتهم، ازدادت المدينة توسعًا وبهاء وعمرانًا، حتى صارت
стр. 1358
مدينة كبيرة ذات شأن، سكنتها جاليات أجنبية أيضا، أنجزت, وتولت الوساطة في البيع والشراء، ونقل تجارة آسية إلى تجار أوروبا، وتجارة أوروبا وحاصلاتها إلى تجار آسية١.
وقد قوَّت الكتابات الإرمية التي عثر عليها في "الحضر" سنة "١٩٥١م" رأي "هرتسفلد"، القائل بأن الذين أسسوا هذه المدينة هم قبائل عربية؛ وذلك لورود أسماء عربية فيها مع أسماء إيرانية وإرمية. وقد وجد أن نسبة الأسماء العربية تزيد على نسبة الأسماء العربية في كتابات مدينة "تدمر"، وهي مكتوبة بلغة "بني إرم" كذلك، وهذا مما يدل على وجود جالية عربية قوية في الحضر٢. ولكن ذلك لا يعني في الزمن الحاضر أن غالب السكان كانوا عربًا.
وقد نُعت رئيس معبد الحضر الكبير بـ"سادن العرب"، على غرار تلقيب ملوك الحضر أنفسهم بـ"ملوك العرب"٣. واسم هذا السادن، هو "أفرهط"، وقد قال عن نفسه: "رب ي تا دي عرب"، أي: "أفرهط سادن العرب"، وذكر مترجم النص أن المألوف في كتابات الحضر أنها لا تنسب الكاهن إلى عبدة الإله أي: المتعبدين، ولكن تنسبهم إلى الآلهة، بأن يكتب "سادن الإله ... "، لا "سادن عبدة الإله ... "، كما هو في هذا النص، ويرى مترجمه أن "أفرهط" قد خالف المألوف، وخالف عادة القوم، تقليدًا لما فعله الملك "سنطروق" ملك الحضر من تلقيب نفسه بـ"ملك العرب"٤ "ملك الأعراب".
وقد عثرت مديرية الآثار العامة في العراق على نص وسمته بـ"٧٩" من النصوص التي عثر عليها في الحضر، جاء فيه اسم المدينة "الحضر" لأول مرة، فلم يسبق ورود هذا الاسم في نصوص سابقة. وقد ورد على هذا الشكل: "حطرا"، على نحو ما ينطق به في لغة "بني إرم"٥، كما وردت فيه جملة:
стр. 1359
"وبالحظوظ العائدة إلى العرب"١، وهي جملة ذات دلالة مهمة بالطبع؛ لأنها تشير إلى العرب ووجودهم في هذه المنطقة، كما ذكر فيه "عربايا" "عربواو"٢، ولاسم إقليم "عربايا" شأن كبير؛ لأنه نسبة إلى العرب، وفيه تقع مدينة الحضر.
أما أسماء ملوك الحضر، فهي أسماء غير عربية النجار، يظهر على بعضها أنها إيرانية، وعلى بعض آخر أنها إرمية, غير أن علينا أن نفكر في أن التسميات لا يمكن أن تكون أدلة يستدل بها على أصل الناس. فقد كانت العادة تقليد الأجانب ومحاكاتهم في اختيار أسمائهم، ولا سيما عند الحكام والملوك, فقد كانوا يختارون لهم في كثير من الأحيان أسماءً أو ألقابًا من الدول القوية التي تتحكم في شئونهم والتي لها سلطان عليهم. فقد لقب جماعة من ملوك "اليطوريين" أنفسهم بـ"بطلميوس" ولقب نفر منهم أنفسهم بـ"ليسنياس" Lysanias وبـ"فيلبيون" Philippion، وهي من التسميات اليونانية، مع أن اليطوريين ليسوا يونانيين٣. كذلك نجد اللحيانيين يقلدون اليونان، فيلقبون أنفسهم بـ"بطلميوس"، مع أنهم عرب، وهكذا قُلْ عن أهل "الرها" و"تدمر" وأمثالهم فإنهم هم وملوكهم قد قلدوا اليونان في أسمائهم وفي اتخاذ ألقاب يونانية لهم، وهم مع ذلك ليسوا من اليونان؛ ولهذا لا نستطيع أن نحكم على أصل الإنسان استنادًا إلى الألقاب والأسماء. وينطبق هذا الرأي على ملوك الحضر أيضًا, فإن "سنطروق" وهي تسمية إيرانية فرثية، لا يمكن أن تقوم دليلًا على أن أصله من الفرث٤.
ويلاحظ أن كثيرًا من كتابات الحضر، لا يكتفى فيها بذكر اسم الشخص واسم أبيه، وإنما يذكر فيها اسم جده أيضا، واسم والد جده أحيانا, وقد عثر على كتابة ورد فيها اسم ستة أجداد. ونجد هذه الطريقة في الكتابات الصفوية كذلك، وقد استدل "إينو ليتمان" E. Littmann من طريقة تدوين الصفويين لأنسابهم على هذه الصورة على أنهم عرب؛ لأن العرب يعتنون بالنسب أكثر من عناية غيرهم به، فيذكرون أسماء الآباء والأجداد. ولذهاب بعض أهل الحضر هذا المذهب في تدوين أنسابهم، رأى بعض الباحثين أن أصحاب هذه الكتابات
стр. 1360
هم من أصل عربي١.
وما زال تأريخ الحضر غامضًا ناقصًا، فيه فجوات واسعة، لم تملأ حتى الآن. ويرى الذين عنوا بدراسة تأريخها أنها تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، وربما امتد تأريخها إلى ما قبل ذلك. وأما ازدهارها، فقد كان في أيام "الفرث" Parthians، وهم "الإشكاليون" و"ملوك الطوائف" في الكتب العربية. وقد عاركت "الرومان" و"الساسانيين"، وتعرضت للخراب والدمار في أيام "سابور" المعروف بـ"سابور الجنود" في الكتب العربية، وذلك سنة "٢٤١" للميلاد. ولم تتمكن بعد هذا الحادث من استعادة نشاطها وقوتها، فذكر أن جيشًا رومانيًّا مر بها سنة "٣٦٣" للميلاد، فوجدها خرابًا٢.
ومن ملوك الحضر، الملك "سنطروق"، وقد ورد اسمه في طائفة من الكتابات, ويظهر أنه كان مؤسس سلالة ملكية من السلالات التي حكمت هذه المدينة. وقد عرف أبوه باسم "نصرو مرى" "نصر"٣, ولعله كان أول من ملك الحضر. ويظهر أن أباه لم يكن ملكًا، ولكن كان كاهنًا, وقد ورد اسمه في نص رقم برقم "٧٧" للميلاد. ومعنى هذا أن الملك "سنطروق" كان يحكم في النصف الثاني من القرن الأول للميلاد, ولا يستبعد أن يكون قد حكم قبل هذا العهد. ويعد هذا النص من أقدم النصوص المؤرخة التي عُثر عليها في هذه المدينة٤.
وقد عثر على كتابات أخرى، ورد فيها: "سنطروق ملك بن نصرو مريا"٥. ولورود جملة "ملك العرب" بعد اسم الملك شأن كبير بالطبع؛ لأنها توضح علاقة هذا الملك بالعرب بكل جلاء.
وقد أمكن الحصول في هذا اليوم على أسماء عدد من حكام الحضر, منهم: "أورودس" "ورود"، وكان يلقب بلقب "مريا"، أي: "السيد"
стр. 1361
و"الرئيس", و"نصرو" "نصر"، وقد لقب بلقب "مريا" كذلك. وهو ابن "نشرى هبة" "نشرى هاب"١, ووالد الملك "سنطرق" "سنطروق" الموسوم بـ"الأول". ثم "ولجس" "ولجش" "ولوجس"، وقد لقب بـ"مريا" أي: "الرئيس" في أحد النصوص, وبلقب "ملكا ذي عرب"، أي: "ملك العرب" "ملك الأعراب"٢ في نص آخر. مما يدل على أنه عاف لقب "مريا"، أي: السيد أو الرئيس، الذي لقب به في أول عهده بالحكم وهو لقب أسلافه، واستبدله بلقب "ملك", وهو أضخم من لقب "مريا" بالطبع.
وقد عثر على تمثال كتبت على قاعدته جملة: "تمثال ولجش ملك العرب", وقد أقام ذلك التمثال وأمر بتسطير الكتابة "جرم اللات بن حيي"٣.
ثم الملك "سنطرق" "سنطروق" الأول، وهو ابن "نصرو" "نصر" "نصر ومريا"، وقد لقب بـ"ملكا دي عرب"، أي "ملك الأعراب"٤ وقد كان حكمه في النصف الثاني من القرن الأول بعد الميلاد "٧٧ = ٧٨م"٥.
ثم الملك "عبد سميا" الملقب بلقب "ملكا ذي عرب" "ملكا دي عرب"، وهو والد الملك "سنطرق" "سنطروق" الثاني٦.
والملك "سنطرق" "سنطروق" الثاني، وهو ابن الملك "عبد سميا", وهو والد ملك آخر اسمه "عبد سميا" كذلك٧, وملك آخر اسمه "معنا" "معنى" أي: "معن" في عربيتنا٨.
ولعل "تراجان" "٩٨-١١٧م" الإمبراطور الروماني ذا المطامع الواسعة في الشرق الأدنى، كان قد فكر في الاستيلاء على الحضر في عهد "سنطرق" "سنطروق" أو أيام "عبد سميا". إذ عثر على منار في طريق سنجار دوّن عليه اسمه، يشير إلى وصوله إلى هذه المواضع من العراق. ولكن الرومان لم
стр. 1362
يتمكنوا من الاستيلاء على الحضر، وبعد أن حاصروها مدة، تراجعوا عنها؛ لأنهم وجدوا صعوبة في فتحها، وعادوا إلى "أنطاكية"١.
وقد ورد في النص "١٣٩" اسم "نشرى هب"، وهو ابن "نوهرا"، وهو ابن "سنطرق" "سنطروق"، الملقب بلقب "ملكا" أي: "الملك"٢.
ويظن أن حكم "أثل ملكا"، أي: الملك "أثل" "أثال" أو "أثال الملك" بتعبير أصح، والذي ورد اسمه في النصوص، دون أن يذكر اسم والده، كان يحكم الحضر في منتصف القرن الثاني للميلاد، أو في النصف الثاني منه، وهو ملك لا نعرف صلته بالملوك المتقدمين٣.
وأما "برسميا"، فقد كان من معاصري "سبتيميوس سفيروس" Septimius Severus الذي كان حكمه في حوالي السنة "١٩٣" إلى السنة "٢١١" بعد الميلاد٤, وكان من خصومه المزعجين. فقد صبر بجنوده ودافع معهم عن أسوار مدينته حتى أكرهه على فك الحصار عن الحضر وعن التراجع عنها، بسبب العطش الذي أثر في جيشه، على حين كان الماء كثيرًا في المدينة مخزونًا عندهم. وبسبب المقاومة العنيفة التي أظهرها الفرسان العرب، وإلقاء أهل الحضر قنابل النفط على جيوش الرومان ومقاومتهم مقاومة عنيدة حملت الرومان على التراجع عن المدينة وفك الحصار عنها٥.
ولما ظهرت الدولة الساسانية كانت الحضر على صلات طيبة بالرومان, وكانت تلعب دورًا خطيرًا في عالم التجارة لموقعها المهم بالنسبة لطرق القوافل لذلك الوقت، فتحرش بها الساسانيون وغزوها، ثم دمروها في الأخير، وكان سبب ذلك هو أن "أردشير" الأول، مؤسس الدولة الساسانية ومهدم كيان الدولة الأشكانية دولة الفرث، لما انتصر على دولة الفرث، حارت الدويلات الصغيرة، وفي جملتها حكومة الحضر, في أمرها، وظنت أن النصر سيكون للفرث، فوقفت موقف الحذر من الساسانيين، ورأى ملك الحضر "الضيزن" أن من الأصلح له
стр. 1363
أن ينضم إلى الرومان الذين كانوا قد توجهوا نحو الشرق، واستولوا على "ميديا"، وأن يهاجم الفرس, فهاجمهم وتغلب عليهم في معركة "شهر زور" كما تذكر الموارد العربية، وأسر بنتًا من بنات ملك الفرس١, وكان ذلك في حوالي السنة "٢٣٢" للميلاد تقريبا. فسار "سابور" الأول، وهو "سابور الجنود"، وهو ابن الملك "أردشير الأول"، إلى الحضر يريد الانتقام من "الضيزن"، فتحصن "الضيزن"، وأناخ "سابور" على حصنه أربع سنين، من غير أن يتمكن من فتحها، ثم إن ابنة للضيزن اسمها "النضيرة" رأت "سابور" فوقعت في حبه، فراسلته وأرشدته إلى طريقة يتمكن بها من إحداث ثغرة في سور المدينة ففتحها، واستولى عليها وقتل أباها، وأباد أهل المدينة، وأخذ "سابور" النضيرة فأعرس بها بعين التمر، ثم تذكر خيانتها "فأمر رجلًا فركب فرسًا جموحًا، ثم عصب غدائرها بذنبه، ثم استركضها فقطعها قطعًا"٢.
وقد تعرض "الطبري" لمدينة الحضر، فقال: "وكان بحيال تكريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها: الحضر، وكان بها رجل من الجرامقة، يقال له: الساطرون، وهو الذي يقول فيه أبو داود الإيادي:
وأرى الموت قد تدلى من الحضـ ... ـر على رب أهله الساطرون
والعرب تسميه الضيزن، وقيل: إن الضيزن من أهل باجرمي.
وزعم هشام بن الكلبي أنه من العرب من قُضاعة، وأنه الضيزن بن معاوية بن العبيد بن الأجرام بن عمرو بن النخع بن سليح بن حُلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة، وأن أمه من تزيد بن حلوان اسمها جيهلة، وأنه إنما كان يعرف بأمه. وزعم أنه ملك أرض الجزيرة، وكان معه من بني عبيد بن الأجرام وقبائل قضاعة ما لا يحصى، وأن ملكه كان قد بلغ الشأم، وأنه تطرف من بعض السواد في غيبة كان غابها إلى ناحية خراسان سابور بن أردشير. فلما قدم من غيبته، أخبر بما كان منه، فقال: ذلك من فعل الضيزن، عمرو بن إلة بن الجُدَي بن الدهاء بن جشم بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة ... فلما
стр. 1364
أخبر سابور بما كان منه، شخص إليه حتى أناخ على حصنه، وتحصن الضيزن في الحصن، فزعم ابن الكلبي أنه أقام سابور على حصنه أربع سنين، لا يقدر على هدمه ولا على الوصول إلى الضيزن١. ثم ذكر قصة ابنة الضيزن مع سابور وخيانتها لأبيها وكيف كان مصيرها.
ويذكر "الطبري" في روايته التي يرفعها إلى "ابن الكلبي"، أن سابور أباد أفناء قضاعة الذين كانوا مع الضيزن، فلم يبقَ منهم باقٍ، وأصيبت قبائل من بني حلوان، فانقرضوا ودرجوا. ثم ذكر في ذلك شعرًا نسبه إلى "عمرو بن إلة"، وكان مع الضيزن٢.
وروى "ابن خلدون" أن الملك بالحضر كان لبني العبيد بن الأبرص بن عمرو بن أشجع بن سليح، وكان آخرهم "الضيزن بن معاوية بن العبيد" المعروف بالساطرون٣. وذكر "البكري" أن "سابور ذا الأكتاف" لما أغار على الحيرة وهزم أهلها، سار معظمهم إلى الحضر، يقودهم "الضيزن بن معاوية التنوخي" فنزلوا به، وهو بناء بناه الساطرون الجرمقاني، فأقاموا به مع الزباء, فكانوا رجالها وولاة أمرها. فلما قتلها "عمرو بن عدي" استولوا على الملك حتى غلبتهم غسان, وقد فرق البكري بين الضيزن والساطرون٤.
وقد ورد في أثناء القصص المروي عن الضيزن والحضر شعرٌ نسبوا بعضه إلى "أبي دواد الإيادي"، وبعضه إلى "الأعشى ميمون بن قيس"، وبعضًا آخر إلى "عمرو بن إلة" وبعضًا إلى "عدي بن زيد العبادي"٥. ونجد في شعر الأعشى، خبر حصار "شاهبور الجنود" حولين للحضر، وذكر "عدي بن زيد العبادي" في شعره أن صاحب الحضر شاد حصنه بالمرمر، وجلله كلسًا، وللطير في ذراه وكور. ثم باد ملكه، فصار بابه مهجورًا، بعد أن كانت دجلة تُجبَى له والخابور٦. وهو من هذا الشعر الحزين الذي يغلب عليه طابع الموعظة
стр. 1365
واحتقار الدنيا وازدرائها، وهو طابع أغلب الشعر المنسوب إلى الشاعر البائس.
والساطرون، هو "سنطروق" في كتابات الحضر، حرّف فصار الساطرون عند أهل الأخبار١. وهو لفظ إيراني الأصل, انتقل من اللسان الإيراني إلى لغة بني إرم فصار "سنطروق"، وصير "سنتروسس" في اللغة الإغريقية. وقد عرف بهذا الاسم أحد الملوك الفرث "الأشكانيين" "سنة ٧٦ أو ٧٥ حتى ٧٠ أو ٦٩ق. م."٢.
وإذا أخذنا برواية "الطبري" من أن "الساطرون" كان من الجرامقة، فمعنى ذلك أنه كان من "بني إرم"، أي: من الآراميين, وهم سكان "جرمقايا" "جرمقاية" الواقعة شرق دجلة جنوب "الزاب" الصغير، وقد عُرفوا بالجرامقة نسبة إلى هذه الأرض٣. وإذا أخذنا بروايته أيضا من أن الساطرون كان يعرف بالضيزن، وأن "الضيزن" هو من أهل "باجرمي"٤، فإن في الرواية الثانية تأييدًا للرواية الأولى من أن الساطرون كان من بني إرم، ولم يكن من العرب٥.
غير أن "ابن الكلبي" يقول: إنه من العرب وإنه من قضاعة من جهة الأب، وإنه من "تزيد" من جهة الأم، وإنه ملك أرض الجزيرة، وإن ملكه بلغ الشأم، وكان معه من "بني عبيد بن الأجرام" وقبائل قضاعة, وإنه انتهز فرصة غياب "سابور بن أردشير" إلى ناحية خراسان، وتطرف في بعض ناحية السواد، فلما قدم "سابور" من غيبته أخبر بما كان منه، فشخص إليه حتى أناخ على حصنه أربع سنين في رواية "ابن الكلبي"، وحولين كما جاء في شعر "الأعشى"٦.
وقد أنكر "نولدكة" رواية "ابن الكلبي" بشأن حصار "سابور" للحضر, وقد كانت الحضر قد فتحت في عهد "أردشير" الأول، وذلك قبل وفاته في
стр. 1366
سنة "٢٤١" للميلاد. وكان ابتداء حكم "سابور" الأول سنة "٢٤١"؛ لذلك رأى "نولدكة" وغيره أن قصة "الضيزن" لا علاقة لها بهذا "السابور"، بل بملك آخر من ملوك الساسانيين, وأن "الضيزن" المذكور كان رئيسًا من رؤساء قبائل عربية متنفذة, كانت تغير من "الجزيرة" ومن الغرب على أرض السواد١.
ورجحوا كون "سابور" -أهل الأخبار- هو "سابور" الثاني الذي حكم من سنة "٣٠٩" حتى سنة "٣٧٩" للميلاد. وقد عرف هذا الملك بغزوه للعرب، وهو صاحب "الأنبار" و"خندق سابور" الذي حفره لحماية الأرض الخصبة المأهولة من هجمات الأعراب. وقد كان هذا الملك قد غزا "خراسان" وغزا أرض بكر وتغلب التي تقع بين الروم والفرس "المناظر"، حيث كانت تنزل قضاعة أيضا٢.
وقد رأى بعض الباحثين أن تعبير "سابور الجنود" "شاهبور الجنود" الوارد في شعر "الأعشى" و"عمرو بن إلة" تعبير يشير إلى أن "سابور" المذكور لم يكن ملكًا، بل كان قائدًا من قادة الجيش، وأن هذا التعبير هو ترجمة لمصطلح "أصبهبذ" Spahbad الذي يعني "صاحب الجيش", وأن المقصود به رجل اسمه "شابور" "سابور" وكان بدرجة "أصبهبذ" "أسبهبذ" على "الري", وذلك في أيام "قباذ" الأول "٤٤٨-٥٣١م". وأما "الضيزن"، فهو عامل من العمال العرب من سادات القبائل، قد يكون "طيزانيس" الذي كان في أيام "قباذ"، الذي يجوز أن يكون صاحب المدينة المسماة "طيزن آباد" و"مرج الضيازن" على الفرات٣.
ومن القبائل التي ورد اسمها في كتابات الحضر، قبيلة عرفت بـ"بني تيمو"٤ "بني تيم". وهي قبيلة قد تكون لها صلة بقبيلة ورد اسمها في كتابات عُثر عليها في وادي حوران بالعراق، وفي كتابات عُثر عليها في تدمر. ويظهر أنها
стр. 1367
كانت من القبائل المعروفة في الجزيرة وفي بادية الشأم في القرن الأول قبل الميلاد فما بعده، ويدل اسمها على أنها من القبائل العربية المتنقلة التي انتشرت بطونها في منطقة واسعة في ذلك العهد١.
هذا ما عرفه أهل الأخبار عن الحضر وعن أهل الحضر, فهم على رأيهم من عرب قضاعة نزلوا هذه المواضع في زمن لم يحددوه، وأقاموا هناك.
ولا أظن أن ما أورده "ابن الكلبي" عن الحضر قد جاء به من عنده، فلا بد أن يكون قد أخذه من موارد فارسية أو إرمية، وأغلب ظني أنه أخذ ذلك عن أهل الحيرة، وقد كان لرجال الدين فيها من النصارى علم بالتواريخ، أخذوا علمهم هذا من موارد متعددة، وعنهم نقل ما أورده عن الحضر.
وأما مملكة "الرها" Edessa، وتعرف بـ"أورفة" "أُرفة" أيضا، فإن معارفنا عنها من ناحية صلتها بالعرب لا تزال ضئيلة، وهي من مدن الجزيرة العليا. وقد أزهرت قبل الميلاد، وظهرت مثل جملة مدن في هذه المنطقة، منها: "بتنى"، ونصيبين، و"سنكارا" Singara أي: "سنجار"٢.
وقد أدخل "بلينيوس" "الرها" Edessa و Callirhoe = Carrhoe في جملة مدن "العربية"٣, ويقال للرها "أورهة" Orhai = Orrhoe في السريانية, وهي من "ديار مضر" المعروفة باسم Osrhoene = Orrhoene قديمًا٤, وهي Orroei في تأريخ "بلينيوس"٥, ومن جملة الأرضين الداخلة في العربية٦، ومن المدن التي جدد بناءها "سلوقيوس الأول"٧ Seleuces. وعرفت أيضا باسم "أنطوخية"، نسبة إلى "أنطيوخس" Antiochus الرابع٨.
стр. 1368
وقد تكونت في القرن الثاني قبل الميلاد مملكة في هذه المقاطعة، مقاطعة Osrhoene = Orroei, مملكة عَدَّ الكَتَبَة اليونان والرومان ملوكها من العرب، وعدوا سكانها عربًا كذلك، ويعزو "روستوفتزيف" Rostovtzeff سبب تكونها إلى حالة الفوضى التي ظهرت في "ما بين النهرين" على أثر انحلال دولة السلوقيين واحتلال الفرث "الأشكانيين لها"١. وذكر "بروكوبيوس" أن هذه المقاطعة إنما دُعيت Osroes نسبة إلى ملك اسمه Osroes كان يحكم هذه الأرض في الأيام الغابرة، وكان حليفًا للفرس٢.
وقد وجدت أسماء ملوك "الرها" مرتبة ترتيبا زمنيا بحسب حكم الملوك في "حولية الرها" Edessene Chronicle المدونة حوالي سنة "٥٤٠" بعد الميلاد، وفي حوليه أخرى هي "حولية زقنين" على مقربة من "آمد" المدونة حوالي سنة "٧٧٥" بعد الميلاد، كما وجدت أسماء بعضهم على نقود ضربت في أيامهم٣. ويظهر من دراسة هذه الأسماء أن بينها أسماء عربية نبطية، مثل: "معنو" وهو "معن"، و"بكرو" وهو "بكر"، و"عبدو" وهو "عبد"، و"سهرو" أو "سحرو" أي: "سهر" أو "سحر"، و"أبجر"، و"مزعور" أو "مذعور"، و"وائل"٤. وقد استدل بعض الباحثين من تسمي ملوك "الرها" بأسماء عربية، ولا سيما الملوك الأولين منهم، ومن نص "بلينيوس" على أن كورة Osrhoene هي كورة عربية، ومن الوضع السياسي العام في الجزيرة Mesopotamia في القرن الثاني وما بعده قبل الميلاد، إذ كانت القبائل العربية قد توغلت في هذه المنطقة، استدل من كل ذلك على أن أهل الرها وحكامها كانوا من أصل عربي٥.
وقد نسب بعض أهل الأخبار بناء "الرها" إلى رجل سموه "الرهاء بن البلندي بن مالك بن دعر" "ذعر"، أو إلى "الرهاء بن سبند بن مالك بن
стр. 1369
دعر بن حجر بن جزيلة بن لخم"١. وذكر "ياقوت" نقلًا عن "يحيى بن جرير النصراني" أن اسم "الرها" هو "أذاسا" في الرومية، وقد بُنيت في السنة السادسة من موت الإسكندر، بناها الملك "سلوقس"٢. وقد أخذ "يحيى بن جرير" قوله هذا من كتب سريانية أو يونانية ولا شك, وقد انتزعها المسلمون في سنة "٦٣٩م" من أيدي الروم٣.
ومن آلهة "الرها"، الإلهان: Azizos = Azizus و Monimos، ويرى "موردتمن" Mordtmann أن اسمي هذين الإلهين ليسا إرميين، ولكنهما عربيان أصليان، وأن أحدهما -وهو Azizus- هو عزيز، والآخر -وهو Monimos- هو عربي كذلك، وهم منعم. ودليله على ذلك ورود اسميهما في الكتابات اليونانية التي عثر عليها في "الكورة العربية" Provincia Arabia, وهما في رأيه من آلهة عرب هذه المنطقة، وإن أضافهما بعض الكتاب إلى السريان الوثنيين, والإله "بعل" و"نبو"٤.
وللرها شأن خطير في الأدب السرياني والأدب النصراني وتأريخ النسطورية، وقد أزهرت هذه المدينة خاصة في أواسط القرن الرابع وفي القرن الخامس للميلاد٥. وتنسب إلى ملكها "أبجر" Abgar رسالة قيل: إنه بعثها إلى "المسيح", ومراسلات مع الحواريين الأولين٦.
ويراد بـ"كاليرهو" Kallirrhoe = Callirhoe الموضع الذي يعرف اليوم باسم "بركة إبراهيم"٧ "نبع خليل الرحمن"٨.
وذكر "بلينيوس" أن سكان "الجزيرة" Mesopotamia
стр. 1370
Arabes, Qui Praetavi Vocantur عرب, مقرهم Singara، أي سنجار، وهو موضع قديم كان معروفًا في أيام الآشوريين. ويظن أن "تراجان" نزل به في أثناء سيره على الحضر قطيسفون١ Ktesiphon.
أما Emesa = Homesa = Hemesa أي: حمص، فيشبه تأريخها من أوجه عديدة تأريخ مدينة تدمر؛ فقد حكمتها أسرة عربية، وأزهر تأريخها في الزمن الذي أزهرت فيه حكومات المدن الأخرى التي ظهرت على أثر الضعف الذي حل بالسلوقيين. وتقع في السهل الذي يرويه نهر العاصي Orontes وعلى مسافة ميل منه, وعرفت بـEmesa أيضا عند اليونان والرومان٢. وفي أيام "بومبيوس" كانت مدينة Arethusa المجاورة لحمص، وهي "الرستن"، مقر أسرة عربية حاكمة٣, وفيها ولد القيصر٤ Elagabalus. وبلغت أوج ازدهارها في أيام "سبتيموس سفيروس"Septimius Severus وفي أيام Elagabalus وإسكندر سفيروس Alexander Severus، وكانت أسقفية في عهد البيزنطيين.
وقد استدل بعض الباحثين من صُوَرِ أسماء ملوك حمص على أصلهم العربي؛ فالأسماء Sampsigeramus و Iamblichus = Jamblichus و Azizus و Soemus هي أسماء تحمل طابعًا عربيًّا خالصًا. وهي أسماء ترد في نصوص صفوية، وفي نصوص عربية أخرى أيضا، مما يحملنا على الذهاب إلى أن ملوك حمص هم عرب كذلك٥. فالاسم الأول وهو Sampsigeramus يمكن أن يقرأ "شمس جرم"، والاسم Jamblichus يمكن أن يكون "يملك" أو "جميل" أو ما شابه ذلك، والاسم Azizo هو "عزيزو"، أي "عزيز"، وأما الاسم Soemus، فيمكن أن يكون "سخيم" أو "سهيم" أو ما شاكل ذلك.