← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

ولم يشر نص "النمارة" إلى بقية اسم "شمر"؛ لنعرف من كان ذلك الملك الذي كان يحكم في ذلك الزمان، والذي كانت مدينة "نجران" مدينته إذ ذاك. ويظهر من هذا النص أن قتالًا نشب بين قوات "امرئ القيس" و"شمر" صاحب نجران، وأن النصر كان لامرئ القيس١. وإذا كان ما ذهب إليه "فون وزمن" صحيحًا من معاصرة "امرئ القيس" لـ"شمر يهرعش"، فإن هذا يعني أن جزيرة العرب كانت في ذلك الزمن أي: في أوائل القرن الرابع للميلاد، ميدانًا للتسابق بين رجلين قويين: "شمر يهرعش" وهو من العربية الجنوبية، و"امرئ القيس" وهو من الشمال، وأن العرب كانوا قد انقسموا إلى حزبين: عرب شماليين وعرب جنوبيين، وأن "امرأ القيس" كان قد توغل في جزيرة العرب حتى بلغ "نجران" وأعالي العربية الجنوبية، وأخضع القبائل المذكورة لحكمه, وهي قبائل يرجع النسابون نسب أكثرها إلى "عدنان"، وفي جملتها "الأسدين" أي: "أسد" و"نزار" "نزرو". هذا، وإن وصول "امرئ القيس" إلى نجران، وإخضاعه للأعراب ولقبائل عدنانية يقيم بعضها على حدود العربية الجنوبية الشمالية، جعله أمام "شمر يهرعش"، ووضع مثل هذا لا بد من أن يثير نزاعًا وخصومةً بين الرجلين. ولا يستبعد اصطدام "امرئ القيس" بـ"شمر يهرعش"، أو بأي ملك آخر ملك "نجران"، ما دام ذلك الملك قد حكم قبائل "معد" النازلة في الحجاز وفي نجد والتي تتصل منازلها بحدود نجران. وقد خضعت "معد" لحكم ملوك الحيرة، كالذي يظهر من نص كتاب "شمعون" الذي هو من "بيت أرشام" Simeon Of Beth Arsham، حيث ذكر "طيايا حنبا "حنفا" ومعدايا" في معسكر "المنذر" الثالث ملك الحيرة. و"طيايا" هم الأعراب الشماليون و"معدايا" هم "معد". وكما يفهم أيضا من نص "مريغان"٢. ويرى بعض الباحثين أن "مرالقس بن عمرم ملك خصصتن" الذي ورد اسمه في النص: Ryckmans ٥٣٥ الذي سبق أن تحدثت عنه في أثناء كلامي على "الشرح يحضب"، وأخيه "يأزل بين"، هو "امرؤ القيس" البدء، ملك

стр. 1297

الحيرة, ويرى أيضا أن "شمر ذي ريدان" المذكور في النص أيضًا، هو "شمر يهرعش". وبناء على ذلك يكون "مالك" ملك "كدت" كندة من المعاصرين لامرئ القيس, ولشمر يهرعش أيضًا١. إننا لا نملك أي نص يشير إشارة صريحة إلى حدوث قتال بين "شمر يهرعش" و"امرئ القيس", غير أن لدينا نصًّا هو النص المعروف بـJamme ٦٥٨، يرى بعض الباحثين أن فيه تلميحًا إلى أن الحرب المذكورة فيه، هي حرب نشبت بين قوات الرجلين، وأن القائد المذكور فيه، أعني القائد "نشدال" "نشد إيل"، هو قائد عربي شمالي، ويحتمل على رأيهم أن يكون قائدًا من قواد جيش "امرئ القيس". ويظهر من النص أن قوات "شمر يهرعش" كانت قد تجمعت في مدينة "صعدتم"، أي: مدينة "صعدة" في "خولان" العالية، أي: الشمالية "خولان أجددن"٢، ثم تقدمت منها نحو الشمال الغربي إلى حدود "خولان" القديمة في "وادي دفاء"، حيث حاربت القبائل المجاورة قبائل "شنحن" "شنحان" الساكنة في الغرب, ثم نزلت من مساكنها إلى أرض "سهرتن" "سهرتان" ثم اجتازت هذه الأرض إلى وادي "بيش"، وهي الحدود القديمة للعربية الجنوبية، ثم تقدمت منها نحو الشمال إلى "وادي عتود" الذي يقع في الأرض المسماة بـKinaidokoltitai عند الكلاسيكيين. وفي هذه الأرض اصطدمت قوات "شمر" بقوات "نشد إيل" القائد المذكور٣. ويظهر من نص عثر عليه منذ عهد غير بعيد, أن قائدًا من قواد "شمر" كان قد قاد أعرابًا غزا بهم ملك "أسد"، وأرض "تنخ" "تنوخ" التي تخص "الفرس" "فرس"، أي: "فارسًا". وذكر أن أرض "تنخ" "تنوخ"، كانت تحت حكم مملكتين، يقال لإحداهما "قطو"، وللأخرى "كوك" أو "كوكب"، وقد أنزل أعراب "شمر" بهما خسائر فادحة. ثم عاد ذلك القائد بعد نجاحه في غزوه هذا صحيحًا معافًى إلى نجران، حيث قدم إلى الآلهة

стр. 1298

شكره، وسجل ذلك في النص المذكور١. وقصد القائد بأرض "تنخ" أرض الأحساء في الزمن الحاضر، وكانت منزل قبائل "تنوخ" في ذلك الزمن. وقصد بـ"قطو" "قطوف" "القطيف" Qtw'f وفي إشارة القائد إلى مهاجمة تلك الأرضين، أي أرض تنوخ، التي كانت تحت سيادة "فرس"، أي الفرس الساسانيين، تأييد لروايات الأخباريين التي تذكر أن "شمر يهرعش" "شمر يرعش" غزا أرض الفرس٢. هذا ولا بد من أن يكون "شمر" قد كان على اتفاق تام مع أعراب نجد، ولا سيما سادة "كدتم" "كدت"، أي: كندة في ذلك الزمن؛ إذ كان من العسير عليه غزو الأحساء وساحل الخليج، لو لم يكن على صلات بهم حسنة, وقد كان هؤلاء الأعراب ينزلون فيما يسمى الأفلاج والخروج في الزمن الحاضر. وتعد الأفلاج من مواطن "كدت" كندة منذ زمن "شعرم أوتر" "شعر أوتر" في حوالي السنة "١٨٠م"، وقد عبر عنهم بـ"ذال ثور" أي "ذي آل ثور" في النص Jamme ٦٣٥، وكذلك في زمن "الشرح يحضب الثاني" في أثناء حكمه مع "يأزل"٣، أي في حوالي السنة "٢١٠ب. م."٤. وربما قبل ذلك أيضا حيث نجد في تاريخ "بلينيوس" ما يشير إليهم، إذ ورد في تأريخه:Dae Aiathuri Fons Aeunuscabales، ويمكن تفسيرها بـ"ذي آل ثور في عين الجبل"٥, و"آل ثور" هم كندة، وقد عرفوا بهذا النسب عند أهل الأخبار. والنص المذكور، هو نص وسمه العلماء بـ"شرف الدين ٤٢". وقد ورد فيه أن الملك "شمر يهرعش" أمر قواته بغزو أرض "ملك" "مالك" ملك "أسد" "ملك أسد". فتقدمت نحوها، واتجهت منها نحو أرض "قطوف"، أي القطيف، حتى بلغت موضع "كوكبن" "كوكبان" "كوكب" ثم "ملك فارس وأرض تنخ" "ملك الفرس" أي: "الأرض التابعة للفرس"

стр. 1299

وأرض تنوخ. وقد دون النص قائدان من قواد "شمر يهرعش"، كانا من "ريمن ذ حزفرم"، أي: من "ريمان ذوي حزفر"، ومن "عنن" "عنان", وذلك بعد عودتهما سالمين غانمين من ذلك الغزو١. وقد كانت "مذحج" تنزل في الأفلاج أو حولها وفي المنطقة المسماة بـ"جبل طويق" في الزمن الحاضر. والظاهر أن غزو "امرئ القيس" لنجد قد اضطر أكثر قبائل "مذحج" إلى الهجرة نحو الجنوب, وكانت حسنة الصلات بـ"كدت" أي كندة، التي اضطرت أيضا إلى الهجرة إلى الجنوب؛ ولهذا انضمتا إلى جيوش "شمر يهرعش"، وإلى جيوش من جاء بعده من الملوك, وقد أشير إليهما في الكتابات بـ"كدت ومذحجم"٢. وقد أدت هجرة كندة ومذحج وبقية أعراب نجد إلى الجنوب نتيجة لغزو العرب الشماليين لهم إلى استيطان قسم كبير منهم في العربية الجنوبية، ودخولهم في جيوش ملوك حمير؛ وذلك لتهديد أعدائهم بهم، إذ كانوا أعرابًا أشداء، يحبون الغزو والقتال، حتى صاروا قوة رادعة مخيفة، ولهذا السبب أدخل اسمهم في لقب الملوك كما سنرى فيما بعد. ومن جملة القواد الذين تولوا قيادة الأعراب، أو الكتائب الخاصة التي ألفها التبابعة منهم، قائد اسمه "وهب أوم" "وهب أوام"، وكان من قادة "شمر يهرعش"، وقائد اسمه "سعد تالب يتلف" "سعد تألب يتلف"، وكان في أيام "ياسر يهنعم الثالث" وابنه "ذرأ أمر" وذلك على رأي "فون وزمن"٣. إننا لا نعرف حتى الآن كيف استولى "شمر يهرعش" على حضرموت, وكيف ضمها إلى سبأ؛ إذ لم نتمكن من الظفر بكتابة فيها حديث عن كيفية قضاء "شمر" على استقلال تلك المملكة. وعلمنا بضم حضرموت إلى سبأ، مقتبس من اللقب الجديد الذي لقب "شمر" به نفسه على نحو ما ذكرت٤. وقد رأى بعض الباحثين أن سقوط "شبوة" وتدميرها في قبضة قوات "شمر" كان في القرن الرابع للميلاد وقبل استيلاء الحبش على العرببة الجنوبية بزمن قصير٥.

стр. 1300

ذهب "ريكمنس" إلى أن الحبش احتلوا العربية الجنوبية حوالي السنة "٣٣٥" بعد الميلاد، ودام احتلالهم هذا لها إلى حوالي السنة "٣٧٠م"، ولم يذكر من حكم بعد "شمر يهرعش"، غير أنه وضع "ملكيكرب يهأمن" في نهاية احتلال الحبش لليمن، أي: بعد سنة "٣٧٠م"، ووضع لفظة "حسن" في قوس قبل "ملكيكبرب يهأمن" ثم ذكر بعد "أب كرب أسعد" "ذرأ أمر أيمن"١. وفي النص Jamme ٦٥٦ خبر حرب وقعت بين "شمر يهرعش" وحضرموت, وقد لقب "شمر يهرعش" فيه بلقبه الجديد: "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت", وذكر أن حضرموت كانت إذ ذاك تحت حكم ملكين, اسم أحدهما: "شرح ال" "شرح إيل" "شرحئيل"، واسم الآخر "رب شمس" "ربشمس" "رب شمسم". وزعم أن الملكين المذكورين هما اللذان أعلنا "هشتا" الحرب على الملك "شمر يهرعش"، غير أن النص لم يتحدث، كعادة النصوص, إلى الأسباب التي حملت الملكين على إعلان تلك الحرب٢. وقد ذكر أن عاقبتها كانت سيئة بالنسبة لحضرموت؛ إذ خسرت فيها، وأن الحرب كانت قد وقعت في "سررن" "سرران"، وأن أصحاب النص وكانوا من "سباكهلن" "سبأكهلان"، عادوا مع عشيرتهم من تلك الحرب سالمين غانمين. وقد قدموا عُشر حاصل غلتهم من زرع أرضهم بـ"رحبتن" "رحابتان" "رحبتان"، للإله "المقه" ليبارك فيهم ويديم نعمه عليهم ويزيد مكانتهم عند سيدهم "شمر يهرعش، ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت" ولكي يعطيهم غلة وافرة وحصادًا طيبًا هنيئًا. وقد شهد أصحاب هذا النص المعركة أو المعارك التي جرت في وادي "سررن" السر، وهو وادٍ يقع على مسافة سبعة كيلومترات من مدينة شبام، ويعرف بـ"وادي سر" "وادي السر", ولم يتحدثوا عن معارك أخرى, مما يدل على أنهم لم يشتركوا في غير هذه المعركة، وأنهم عادوا بعدها مع قبيلتهم التي أسهمت في القتال إلى مواطنهم. وفي النص: Jamme ٦٦٢ خبر مهم له علاقة وصلة بالنص السابق وبالعلاقات

стр. 1301

فيما بين سبأ وحضرموت في هذا العهد. خبر يفيد أن "شبوت" "شبوة" كانت في أيدي السبئيين في هذا العهد، وأن الملك "شمر يهرعش" "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، كان قد عين "يعمر إشوع" "يعمر أشوع"، وهو سيد "وزع" من سادات "سبأ"، على مدينة "شبوة"، عينه عليها لحمايتها وللمحافظة على الأمن فيها، وقد ذهب إليها ومعه قوم من "سبأ". وقد سر "يعمر أشوع" بالطبع بهذا التعيين وشكر ربه "المقه" على هذا التوفيق العظيم الذي حصل عليه بفضله١. فيظهر من هذا النص أن "شبوة" وهي عاصمة حضرموت، كانت في أيدي "شمر يهرعش"، قبل اختيار "يعمر أشوع" ليكون حاكمًا عليها، ومعنى هذا أن جزءًا من حضرموت كان قد أصبح في جملة أملاك سبأ، وهذا ما حمل "شمر يهرعش" على إلحاق جملة "وحضرموت ويمنت" إلى لقبه السابق، وهو "ملك سبأ وذو ريدان". غير أن السبئيين لم يكونوا قد استولوا على كل مملكة حضرموت، بدليل ما ورد في النص السابق من وجود ملكين كانا يحكمان حضرموت وهما: "شرح إيل" و"ربشمس" "رب شمس". ويظهر أن "شرح أيل" هذا هو الملك "شرح إيل" "شرحئيل" المذكور في النص CIH ٩٤٨. أما الملك "ربشمس" هذا, فهو ملك آخر لا صلة له بـ"ربشمس" الذي هو ابن الملك "يدع إيل بين" ملك حضرموت ووالد ملك آخر اسمه "يدع إيل بين" كذلك٢. ويتبين من النص: CIH ٩٤٨ -وهو نص فيه أمور غامضة غير مفهومة، وعبارات غير واضحة، أمر الملك "شمر يهرعش" نفسه بتدوينه- أن الملك المذكور حارب الملك "شرح ال" "شرحئيل" "شراحيل" "شرح إيل" ملك حضرموت، وأنه انتصر عليه انتصارًا كاسحًا. ويظهر أن الملك "شمر يهرعش" اضطر إلى قيادة حملة جديدة على حضرموت؛ لأن الحضارمة انتهزوا فرصة عودة الملك "شمر يهرعش" إلى سبأ، وعودة معظم جيشه معه، سوى الحاميات التي تركها في بعض المدن والمواضع مثل "شبوة" التي مر ذكرها،

стр. 1302

فثاروا على السبئيين، ثاروا بقيادة الملك "شرح إيل" الذي مر ذكره؛ مما حمل الملك "شمر يهرعش" على الإسراع بالاتجاه نحو حضرموت للقضاء على الثورة١. ويظهر من هذا النص ومن النصوص الأخرى أن الحضارمة وإن اندحروا وأُصيبُوا بهزائم في هذه المعارك, إلا أنهم لم يتركوا النضال في سبيل الاستقلال وفي سبيل التخلص من حكم سبأ، وأن ما تذكره النصوص السبئية من أخبار الهزائم الفادحة والانتصارات الباهرة, هي من قبيل المبالغات في غالب الأحيان. ويلاحظ أن النص المذكور، قد أغفل اسم الملك الثاني "ربشمسم" "رب شمس" الذي كان يشارك "شرح إيل" في حكم حضرموت, ولا ندري بالطبع سر إغفال اسمه منه. كما يلاحظ أيضا أنه سمى الملك بـ"شمر يرعش" بدلًا من "شمر يهرعش" كما يرد في كل النصوص الباقية٢, ويلاحظ أن الأخباريين لا يسمون هذا الملك إلا بـ"شمر يرعش". وبعد أن عاد الملك "شمر يهرعش" من حملته على وادي حضرموت، عاد فقاد حملة أخرى على أرض "أرض خولان الددن" "أرض خولن الددن", "خولان الدودان". وقد كلف الملك أحد قواده بأن يعسكر في مدينة "صعدة" "بهجرن صعدتم"، ويضع بها حامية, ثم يقوم بقطع الطريق على بعض فلول "خولان الدودان"، وقد نفذ القائد ما طلب منه، فتعقب تلك الفلول. ولما أنهى الملك الحرب التي قام بها في أرض "خولان الدودان" حارب جيشه فلول "سنحن" "سنحان" في وادي "دفا", وقد مَنَّ الإله "المقه" عليه، فأعطاه غنائم وأسرى وسبايا وأموالًا طائلة، أرضته وشرحت صدره٣. وعاد الملك "شمر يهرعش" فأصدر أمره بوجوب الزحف على "سهرتن" "سهرتان" و"حرتن" "حرتان"، أي: أرض قبيلة "حرت" "حرة"٤. وهي أرض ورد اسمها قبلًا، حيث سبق للملك أن زحف عليها، وذلك قبل استيلائه على حضرموت. ولما انتهت القوات من مقاتلة "سهرتن" و"حرتن"، اتجهت نحو الشمال لمحاربة فلول "نشدال" "نشد إيل" في وادي "عتود"،

стр. 1303

الذي يصب في البحر الأحمر، والذي يقع على مسافة "٨٥" كيلومترًا إلى الشمال الغربي من "جيزان". وتقع مدينة "جيزان" حوالي ثمانية كيلومترات إلى الشمال الشرقي من مصبه في البحر١. ويتحدث نص وسم بـJamme ٦٦٠، عن غارة قام بها رجل اسمه "حرثن بن كعبم" "الحارث بن كعب"، ورجل آخر اسمه "سددم بن عمرم" "سداد بن عمرو" "سدد بن عمر"، وكانا "جرينهن"، وقد تعني اللفظة منزلة من المنازل الاجتماعية، ومعهما محاربان من محاربيهم هما: "نخعن" "النخع" "نخعان" و"جرم"، على "ذخزفن" بمدينة مأرب "هجرن مرب"، فحققوا ما أرادوا ثم خرجوا من "مأرب" ومعهم "يعمر" سيد "وزع" سبأ. فأمر الملك "شمر يهرعش" أحد رجاله واسمه "وهب أوم" "وهب أوام"، بأن يقتفي آثار الجناة ويقبض عليهم, فخرج إليهم وتعقبهم وقبض عليهم، وجاء بهم إلى الملك حيث عرضهم عليه في قصره "سلحن" "سلحين" "سلحان" بمدينة مأرب٢. وكان "وهب أوم"، الذي تعقب الجناة وقبض عليهم، من كبار الموظفين في حكومة "شمر يهرعش"، وكان بدرجة "كبر" أي: "كبير" وهي درجة رفيعة في الحكومة تعني أن صاحبها موظف من أكبر الموظفين في الدولة، وأن الملك عينه ممثلًا عنه لإدارة المقاطعات. وقد وضعت تحت تصرف هذا الكبير إدارة ثماني مقاطعات وقبائل هي: "حضرموت" و"كدت" "كندة" و"مذحجم" "مذحج" و"بهلم" "باهل" و"حدان" "حدأن" و"رضوم" "رضو" و"إظلم" "أظلم" و"إمرم" "أمرم"٣. والأسماء الأولى هي أسماء قبائل معروفة؛ معروفة عند أهل الأخبار كذلك, ولا يزال بعضها معروفًا حتى اليوم. وشخص تناط به إدارة هذه القبائل والأرضين، لا بد وأن يكون من الموظفين الأكْفَاء في عهد "شمر يهرعش". ويظهر من تسلسل أسماء المواضع والقبائل،

стр. 1304

أنها كانت متجاورة يتاخم بعضها بعضًا؛ إذ لا يعقل إدارة شخص في ذلك الوقت مقاطعات متفرقة, وقبائل متباعدة من الوجهة الإدارية. ويشير هذا النص إلى نوع من التنظيم الإداري الذي كان في حكومة سبأ في أيام هذا الملك١. ويعد النص: Jamme ٦٥٧ من النصوص التي تعود إلى هذا العهد أيضا. وهو نص دونه شخص من "مرحبم" أي: "مرحب", لمناسبة تقديمه ثلاثة أصنام إلى ربه "المقه ثهوان"؛ لأنه أجاب طلبه ومَنَّ عليه بتحقيقه كل ما سأله من رجاء وتوسلات, ولكي يحقق كل ما سيطلبه من مطالب؛ من إعطائه ثمارًا كثيرة من كل مزارعه، ومن حمايته وحفظه من كل سوء، ومن رجائه في أن يحظى بمكانة محمودة عند ملكه٢. والنص: Jamme ٦٦١، هو كذلك من النصوص التي تعود إلى هذا العهد. وقد كتبه جماعة لمناسبة شفائهم من مرض خطير كاد أن يقضي عليهم، أُصيبُوا "مرضو" به في مدينة "ثت" "ثات"، فلما شُفُوا منه، حمدوا ربهم "المقه ثهوان" "بعل أوام"؛ لأنه من عليهم إذ شفاهم وحفظهم، وتوسلوا إليه أيضًا بأن يعطيهم القوة والمنعة، وبأن يمنحهم غلة وافرة ويبارك في زرعهم، ويبعد عنهم أعداءهم وشانئيهم بحق "المقه ثهوان"٣. وقد استنتج "جامه" من النص: CIH ٣٥٣، أنه قد كان للملك "شمر يهرعش" شقيق اسمه "ملكم" "ملك" "مالك"، وقد سقط لقبه من هذا النص, وقد استنتج منه أيضًا أنه كان قد حكم مع أخيه "شمر" وشاركه في الحكم. ولم يرد اسم "ملكم" هذا في نص آخر؛ لذلك لم يدخل أكثر الباحثين في العربيات الجنوبية اسمه في عداد ملوك سبأ وذي ريدان٤. وقد وضع "فلبي" اسم "يرم يهرحب" بعد "شمر يهرعش" وقال: إن من المحتمل أن يكون أحد أبناء "شمر"، وقد جعل حكمه في حوالي

стр. 1305

السنة "٣١٠ب. م."١. أما "فون وزمن"، فجعل من بعده ولدًا له سماه "ياسر يهنعم"، ولقبه بالثالث؛ ليميزه عن "ياسر يهنعم" والد "شمر يهرعش"، وعن "ياسر يهنعم" الأول الذي عاش قبله٢. وأما "ريكمنس", فذهب إلى أن "ياسر يهنعم" هذا لم يكن ابنًا لـ"شمر يهرعش"، بل كان أباه، وقد حكم مع ابنه في بادئ الأمر حكمًا مشتركًا، ثم انفرد ابنه بالحكم وأخذه لنفسه إلى أن مات، فعاد الحكم إلى أبيه "ياسر يهنعم" فأشرك "ياسر" هذا ابنه "ثارن أيفع" "ثأران أيفع" في الحكم، ثم أشرك ابنه الآخر "ذرأ أمر أيمن" معه في الحكم أيضا. ويعارض "فون وزمن" هذا الرأي، إذ يراه تفسيرًا غريبًا لا مثيل له في الحكم، ويقتضي أن يكون عمر "ياسر" إذن عمرًا طويلًا جدًّا٣. وقد جعل "فون وزمن" حكم "ياسر يهنعم" الثالث وابنه "ثارن أيفع" فيما بين السنة "٣١٠" و"٣٢٠" للميلاد. ثم ذكر اسم "ثارن يركب" "ثأران يركب" من بعدهما, وقد جعل زمانه فيما بين السنة "٣٢٠" و"٣٣٠" للميلاد٤. ثم وضع "فون وزمن" أيام حكم "ياسر يهنعم الثالث" وابنه "ذرأ أمر أيمن" في النصف الأول من القرن الرابع للميلاد، في حوالي السنة "٣٣٠" بعد الميلاد و"٣٣٦" بعد الميلاد. وإذا كان هذا الافتراض صحيحا أو قريبا من الصحيح، فإنه يكون قد عاصر أو أدرك أيام "قسطنطين الكبير" "٣١٣-٣٣٧ب. م."٥. ويظهر من ذلك أن "فون وزمن" عاد, فأعاد الحكم إلى "ياسر يهنعم" الثالث إلا أنه قرن حكمه هذا مع حكم ابن آخر له هو "ذرأ أمر أيمن". وأما "جامه"، فقد ذهب مذهب "ريكمنس" في أن "ياسر يهنعم", الذي وضع هو أيضًا اسمه بعد اسم "شمر يهرعش", هو والد "شمر يهرعش"

стр. 1306

وقد حكم بعد ابنه "شمر" بسبب حادث لا نعرف سببه، حكم مع ابن له حكمًا مشتركًا، ثم حكم مع ابن آخر له، حكم مع "ذرأ أمر أيمن" من حوالي السنة "٣٠٥" وحتى السنة "٣٢٠" للميلاد تقريبًا، ثم حكم مع ابنه الآخر "ثارن أيفع" "ثأران أيفع" من حوالي السنة "٣٢٠" وحتى السنة "٣٢٥" للميلاد تقريبا١. ويرى "جامه" أن تولي الأب الحكم بعد الابن ليس بحادث مستغرب، فهنالك أمثلة لعودة الآباء إلى الحكم بعد حدوث شيء لأبنائهم، وعودة "ياسر يهنعم" إلى الحكم بعد "شمر" هو مثل من تلك الأمثلة. ثم إن اسم "ياسر يهنعم" هو نفس اسم والد "شمر"؛ لذلك يرى "جامه" أنه هو والد "شمر" نفسه وأنه حكم مع أولاده مرارًا٢. وعندي أن في رأي "جامه" هذا تكلفًا وتصنعًا، واتفاق اسمين لا يدل حتمًا على أن الاسمين لمسمًّى واحد، وإن كان الزمن متقاربًا. ثم من يثبت لنا أن "ياسر يهنعم" الذي يرد اسمه في النصين: Jamme ٦٦٤ و Jamme ٦٦٥ هو "ياسر يهنعم" الأول والد "شمر يهرعش", لا سيما وأن لقب "ياسر يهنعم" في النصين يختلف عن لقب "ياسر" والد شمر؟ وفي افتراض أخذ "ياسر" لقبه الجديد من اللقب الذي أحدثه ابنه في أيامه، تكلف بَيِّن واضح لا يؤيده أيضا دليل، ثم إن تصور اشتراكه في الحكم مع أربعة أولاد، هو تصور غريب أيضا؛ ولذلك أرى أن "ياسر يهنعم" هذا هو شخص آخر، وليس بوالد "شمر". وأما أنه ابن "شمر يهرعش"، فلا أعتقد أنه رأي صحيح أيضا؛ فلو كان ابن "شمر" لذكر اسم والده في النصين، كما هي العادة في النصوص, وقد كان من فخر الملوك ذكر أسماء آبائهم في النصوص، إلا إذا لم يكونوا ملوكًا، فإنهم كانوا يغفلون أسماءهم، أو يذكرونها دون لقب, وقد كان "شمر يهرعش" ملك، وصاحب لقب جديد، فقد كان من فخر "ياسر يهنعم" ذكر اسم والده مع لقبه لو كان ابن شمر حقًّا. وقد ورد اسم "ذرأ أمر أيمن" مع اسم والده "ياسر يهنعم" في النص:

стр. 1307

Jamme ٦٦٥. وهو نص مهم جدًّا، فيه أخبار حروب وأنباء عن الأعراب، أي: أهل الوبر في العربية الجنوبية، وعن الأدوار التي كانوا يقومون بها من النواحي السياسية والحربية والاجتماعية, كما أن فيه أخبارًا عن التنظيمات الإدارية إذ ذاك. وصاحب النص موظف كبير من موظفي الدولة اسمه: "سعد تالب يتلف بن جدنم"، أو من "آل جدنم"، أي "جدن", وكان بدرجة "كبر"، أي "كبير" على أعراب ملك سبأ "كبر أعرب ملك سبأ" وعلى "كدة" أي كندة وعلى "مذحجم"، أي "مذحج"، وعلى "حرمم" "حرم" "حرام"، وعلى "بهلم" أي "باهلم" "باهلة" وعلى "زيد ال" "زيد إيل"، وعلى كل أعراب سبأ "وكل أعرب سبأ"، وأعراب حمير وأعراب حضرموت وأعراب "يمنت"، أي اليمن١. وقد دونه لمناسبة تخليده ذكرى حروب قام بها في أرض حضرموت وفي مواضع أخرى، كلفه القيام بها سيده الملك "ياسر يهنعم" وابنه "ذرأ أمر أيمن". وقد أُمِرَ ذلك الكبيرُ بالذهاب إلى حضرموت، فذهب إليها ومعه محاربون من أعراب ملك سبأ ومن كندة "كدة"، وانضم إليه سادات "أبعل" "نشقم" "نشق" و"نشن" "نشان". ولما وصل مدينة "عبرن" "عبران" اصطدم بمحاربيها، وجرت معارك بين الطرفين. وتقع "عبرن" غرب "وادي العبر" ويقال لها "حصن العبر"، وهي مدينة ذات آبار٢. وقد اشترك في المعركة محاربون: ركبان "ركبم" وفرسان "أفرسم" ومشاة. ويقصد بـ"ركبم" المحاربون الذين كانوا يركبون الجمال ويقاتلون عليها، وبـ"أفرسم" المحاربون الفرسان، أي: الذين يحاربون وهم على ظهور الجياد. وقد ذكر أن عدد المحاربين الراكبين كان "٧٥٠" محاربا راكبا، وأن عدد الفرسان كان سبعين فارسا. وقد اصطدمت إحدى المفارز التي كانت مقدمة للجيش "مقدمتن"، بمفرزة أرسلها ملك حضرموت لمباغتة محاربي "نشق" و"نشان" و"مأرب"، وأخذهم على غرة لإيقاعهم في الأمر٣.

стр. 1308

فوقعت معركة عند موضع "أرك", وقد تمكن قائد الحملة "سعد تألب يتلف" من التغلب على الحضارمة, ومن تخليص مقدمته وإنقاذ من كان قد وقع أسيرًا في أيدي المستوطنين الحضر من أهل المدر, الساكنين في مستوطنات "أحضرن"، ثم اتجه بجيشه نحو "دهر" و"رخيت"، فجرت معركة تغلب فيها على أهل الموضعين وحصل منهم على غنائم وأسرى وأموال، واقتاد جمالًا وثيرانًا وبقرًا وغنمًا كثيرًا، أخذها معه، ثم اتجه نحو الأرضين المنخفضة "سفل" حتى بلغ "عيون خرصم" "أعين خرصم" "أعين خرص"، حيث تحارب مع من كان هناك من العصاة والمنشقين والأعداء. ودخل السبئيون بعد هذه المعركة معركة أخرى دخلوها مع قطعات "مصر" حضرموت المتقدمة "قدمهو". وكانت تتألف من "٣٥٠٠" جندي راكب "أسدم ركبم" ومن "١٢٥" فارسًا "أفرسم"، وكان يقودها قائدان "أسود يهمو", أحدهما: "ربعت بن ولم" "ربيعت بن والم" "ربيعة بن وائل"، وهو من آل "هلم" ومن آل "الين" "ألين"، وثانيهما: "أفصى بن جمن" "أفصى بن جمان"، ثم قائد الركبان "نحل ركبن" وأقيال "أقول" وكبراء "أكبرت" حضرموت وأسباطهم. وقد أصيبت قوات حضرموت بخسائر؛ قُتل منهم "٨٥٠" محاربًا بحد السيف، وأُسر "أقصى"، وكان قائدا بدرجة "نحل" وأُسر "جشم"، وهو "نحل أفرسم"، أي قائد الفرسان، وأُسر معهما "٤٧٠" محاربًا، وعدد من أقيال وكبراء حضرموت, وأُسر "٤٥" فارسًا من فرسان حضرموت، وغُنم ثلاثون فرسًا, وأُخذ ١٢٠٠ جمل ركوب مع رحالها "برحلهن". وهكذا انتهت هذه المعركة بانتصار السبئيين على حضرموت. وأمر الملك قائده بأن يقاتل "بساعم" "بسأعم"، وأن يذهب لمساعدة قبيلة "جدنم" "جدن". فذهب ومعه "٣٥" فارسًا وقطعات من جيشه على "بسأعم", والتحم به، وتمكن من إنقاذ كل الروايا "كل روتهمو" المحملة على الدواب، وكل الأمتعة المحملة على حيوانات الركوب، كما استولوا على إبل من إبل "بسأعم". وعاد القائد مع جنده بعد ذلك سالمًا غانمًا بفضل الإله "المقه" ونعمه عليه١.

стр. 1309

ويظهر أن عهد "ياسر يهنعم الثالث" وعهد ابنه "ذرأ أمر أيمن" كانا من العهود السيئة لحكومة "سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"؛ ففيهما انفصلت "حضرموت" عن تلك الحكومة، واستقلت أرض "سهرت" "سهرتن" "سهرة" "السهرة", واستعاد الحبش سلطانهم في السواحل الغربية للعربية الجنوبية, وانتهز "الأقيال" وسادات القبائل هذه الفرصة، فكونوا حكومات إقطاعية، يحارب بعضها بعضًا، وعمت الفوضى تلك البلاد١. وأما النص: Jamme ٦٦٤ الذي دوّن فيه اسم "ياسر يهنعم" و"ثارن أيفع" "ثأران أيفع" "ملك سبأ وذ ريدن وحضرموت ويمنت"، أي: "ملوك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، ويقصد بـ"ملوك" "ملكا"، أي: ملكان اثنان، فصاحبه رجل اسمه "ال أمر ينهب" "إيل أمر ينهب"، وهو من "سحر" "سحار"، وكان قد أهدى معبد "المقه ثهوان" "بعل أوام" صنمًا؛ لأنه أوحى إليه بأنه سيهبه ولدا ذكرا, وقد وهبه ولدا سماه "برلم" "برل" "بارل", ولأنه أوحى إليه بأنه سيهبه أولادًا ذكورًا في المستقبل وأنه سيرفع من منزلته ومكانته عند سيديه: "يسرم يهنعم وثارن أيفع أملك سبأ وذ ريدن وحضرموت ويمنت", أي: "ياسر يهنعم وثارن أيفع ملكي سبأ وذي ريدن وحضرموت ويمنت"، ولأنه أوحى إليه بأنه سيعطيه غلة وافرة وثمارا كثيرة من أرضه الزراعية "أرضهمو" بمأرب وبنشق وبنشان٢. ويلاحظ أن هذا النص لم يشر إلى أن "ثأران أيفع" كان ابنًا لـ"ياسر يهنعم"، إذ لم يورد لفظة "وبنهو" التي تعني "وابنه" بل ذكر "الواو" وحده، أي: حرف العطف, ومعنى هذا أن "ثاران أيفع" لم يكن من أبناء "ياسر يهنعم"، بل كان غريبًا عنه. ثم يلاحظ أن النص ذكر لفظة "أملك" أي: "ملوك" بعد اسم "ثأران أيفع"، والواجب أن يكتب "ملكي"، أي "ملكا"، في حالة التثنية لا الجمع، فلعل ذلك من خطأ الكاتب أو الناسخ للنص. وقد وضع "جامه" اسم "كرب ال وتر يهنعم" "كرب إيل وتر يهنعم" "كربئيل وتر يهنعم" بعد اسم "ثأران أيفع"، وجعل حكمه من سنة "٣٢٥"

стр. 1310

حتى السنة "٣٣٠" للميلاد١. ثم نصب "ثأران يركب" ملكًا من بعده، وقد جعل حكمه من سنة "٣٣٠" حتى السنة "٣٣٥" للميلاد. ثم ذكر اسم "ذمر على يهبر" من بعده, وأعطاه لقب "الثاني" ليميزه بذلك عن "ذمر على يهبر" الذي حكم قبله بأمد, وذكر أنه حكم من سنة "٣٣٥" حتى السنة "٣٤٠" للميلاد. ثم وضع اسم "ثأران يهنعم" من بعده ثم اسم "ملكيكرب يهأمن" "ملكي كرب يهأمن"، ثم اسمي ملكين هما: "أبكرب أسعد" و"ذرأ أمر أيمن"٢. وأما "فون وزمن"، فوضع اسم "ذمر على يهبر" "ذمر على يهبأر" بعد اسم "ثارن يركب"، ثم عاد فذكر اسم "ذمر على يهبر" مع ابنه "ثارن يهنعم"، بمعنى أنهما حكما معًا فيما بين السنة "٣٤٠" والسنة "٣٥٠" للميلاد. ثم ذكر أن "ثأرن يهنعم" حكم مع ابنه "ملكيكرب يهأمن" حكمًا مزدوجًا، ثم حكم "ملكيكرب يهأمن" مع ابنيه "أبي كرب أسعد" و"ذرأ أمر أيمن". ثم أشار إلى انفراد "أبي كرب أسعد" مع ابنه "حسن يهأمن" "حسان يهأمن" بالحكم في حوالي السنة "٤٠٠" للميلاد٣. وقد ورد اسم الملك "كرب ال وتر يهنعم" "كرب إيل وتر يهنعم" في النص: Jamme ٦٦٦, وصاحبه رجل اسمه: "أبكرب أبهر" "أبو كرب أبهر"، ورجل آخر اسمه: "عبد عثتر إشوع" "عبد عثتر أشوع"، و"وهب أوم أسعد"، وكانوا أقيالًا "أقول" على عشيرة "عضدن" "عضدان"، وكانوا هم منها. وقد تقدموا إلى الإله "المقه" بصنم هو عبارة عن تمثال فرس وعليه راكبه، "ركبهو"؛ وذلك حمدًا له وشكرًا لأنه من عليهم وحماهم من مالك الأرض "بن محر"، ولأنه أسعدهم، ولكي يبعد عنهم كل أذى وسوء وكل عدو حاسد, ويعطيهم القوة والحظوة والمكانة عند سيدهم "كرب ال يهنعم" "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، ويمنحهم حصادًا طيبًا وغلة وافرة٤.

стр. 1311

ويلاحظ أن هذا النص سمى الملك "كرب ال يهنعم" "كرب إيل يهنعم" ولم يذكر لفظة "وتر" بين "كرب إيل" و"يهنعم". وقد وضع "جامه" لفظة "وتر" بين الاسمين من عنده لاعتقاده بأن هذا الملك هو الملك "كرب إيل وتر يهنعم" الذي يرد اسمه في نص آخر وسم بـJamme ٦٦٧. وأما النص: Jamme ٦٦٧، فصاحبه رجل اسمه "رببم" "ربيب"، وهو من "خلفن أنمرم" "خلفان أنمر" "خلفان أنمار" ومن "حيم" "حيوم". وقد ذكر فيه أنه قدم صنما إلى الإله "المقه ثهوان" "بعل أوام"؛ لأنه من عليه بأن حفظه ونجاه من الثورة "بن حبل" والاضطرابات "وقسدت" "ق س د ت" التي وقعت بمدينة "ظفار" وذلك قبل هذا اليوم "بقدمي ذن يومن", ولكي يديم نعمه ومننه عليه وينيله رضا وحظوة "حظى ورضو" سيده الملك "كرب ال وتر يهنعم، ملك سبا وذ ريدن وحضرموت ويمنت"، أي: "كرب إيل وتر يهنعم، ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"١. وقد ورد اسم الملك "ذمر على يهبر" في النص Jamme ٦٦٨، وورد معه اسم ابنه "ثأران يهنعم", وأصحابه جماعة من "سباكهلن"، أي "سبأكهلان". وقد حمدوا فيه الإله "المقه"؛ لأنه نجَّى وحمى وحفظ أصحاب النص، ولأنه من عليهم فمكنهم من الحصول على غنائم في المعارك التي خاضوها ومن أخذ سبي من أعدائهم، مما أثلج نفوسهم وشرح صدورهم وأفرحهم، ولكي يبارك فيهم ويرضى عنهم سيدهم الملك "ذمر على يهبر" وابنه "ثارن يهنعم" وهما "ملكا سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، ولكي ينعم عليهم "وليهعننهمو"، ويمتعهم في الحياة "متعنهمو" ويبعد عنهم كل أذى وسوء٢. وورد اسم "ثارن يهنعم" "ثأران يهنعم"، وبعده اسم ابنه "ملك كرب" يهامن" "ملككرب يهأمن" "ملكيكرب يهأمن" "ملكي كرب يهأمن"، في النص: Jamme ٦٦٩، وهو نص دونه جماعة من عشيرتي: "عبلم" "عبل" "عبال" و"قترن أتون" "قتران أتوان"، حمدوا فيه الإله "المقه" لأنه أنعم عليهم فوهبهم مولودًا ذكرًا، ولأنه أوحى إليهم بأنه سيهبهم أولادًا

стр. 1312

ذكورًا، وأنه سينجيهم من الضر والسوء، ولأنه أمات "وميت" "يحمد" الذي دخل أرضهم وقاتل أولادهم وآذاهم، ولأنه حفظ أخاهم وشفاه، مما أصيب به من مرض جعله صامتا هادئا، وتعبيرًا عن شكرهم وحمدهم هذا، أهدوا معبده صنمًا "صلمن"، وكتابة "مسدم" "مسندم"، وكانت زنتهما "عصيم" "عصى"، وقدموا ثورين "ثنى ثورن" إلى "كلونم" "كلوان"١. ويلاحظ أن هذا النص لم يذكر مع اسم "ملككرب" "ملك كرب" "ملكيكرب" لقبه وهو "يهأمن" من بعده، بل أهمله. كما ورد اسمه وبعده اسم ابنه في النص: Jamme ٦٧٠. وقد دونه "شرحعثت إشوع" "شرحعثت أشوع", وابنه "مرثدم" "مرثد", وهما من "سخيمم" سادات "بيت ريمان" "أبعل بيتن ريمن"، وأقيال عشيرة "يرسم" من قبيلة "سمعي" التي تكوِّن ثلث "حجرم" "حجر". وقد كتباه لحمد الإله "المقه" وشكره؛ لأنه من على عبده "شرحعثت أشوع" فعافاه مما ألَمَّ به من مرض شديد "ضللم" كاد أن يقضي عليه، حل به بمدينة "ظفار", ولأنه أعاد إليه ابنه "كسدم" فساعده, ولكي يبارك فيه وفي ابنه "مرثد"، ويبعد عنهما كل مرض, ويرفع من مكانتهما لدى الملكين: "ثأران يهنعم وابنه ملك كرب يهأمن، ملكي سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"٢. وكتب جماعة من "سخيم" سادات "بيت ريمان" "أبعل بيتن ريمن" وأقيال "أقولن" "يرسم" من عشيرة "سمعي"، التي تكون ثلث عدد "حجرم ذخولن جددتن" "حجر خولان جددتان"، نصًّا وسم بـJamme ٦٧١؛ وذلك ليكون معبرًا عن حمدهم وشكرهم للإله "المقه"، الذي من عليهم بنعمه وساعدهم بالقيام بالعمل الذي كلفهم به سيداهم: "ثأران يهنعم" و"مككرب يامن" "ملك كرب يامن" "ملكيكرب يأمن"، "ملكأ سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، وهو أن يتقدموا ويقودوا "لقتد من" جيش الأعراب "خمس بعرب"، ويتجهوا إلى السد "عرمن" الذي تهدم "بكن ثبرت عرمن بحببض"، عند موضع "حببض" "حبابض" وموضع "رحبتن" "رحبتان" "الرحبة" "الرحابة"، فتداعت جدرانة ومبانيه وأحواضه وسدوده

стр. 1313

الفرعية ومضارفه "مضرفن"، الواقعة فيما بين "حبابض" و"رحبتن" "الرحبة", وخرب منه ما مقداره سبعون "شوحطم" "شوحطا". وقد حمدوا الإله "المقه" وسبحوه لأنه أجاب دعوتهم، فحبس الأمطار والأمواج والسيول عنهم حتى تم العمل وأقاموا الأسس والجدران والسد, ولأنه وفقهم في خدمة سيديهم "ثأران يهنعم"، و"ملككرب يامن" "ملك كرب يأمن" "ملكيكرب يأمن"١. ويظهر من هذا النص أن خرابًا كان قد حل بسد "حبابض"، فتهدم قسم منه فأضر ذلك بالمزارع التي كانت ترتوي منه, وأن الملك أمر بإصلاحه وبإعادة بنائه، وقد تم هذا العمل في عهده. وأما الذي حكم بعد "ذرأ أمر أيمن" الذي هو ابن "ياسر يهنعم الثالث"، فهو "ذمر على يهبأر", وكان قد حكم على رأي "فون وزمن" في حوالي السنة "٣٤٠ب. م.". وقد استنتج "فون وزمن" رأيه هذا من كتابة ورد فيها اسم القائد "سعد تالب يتلف"، وهو في خدمة "ذمر على يهبأر". ولما كان هذا القائد قد خدم في عهد "ياسر" وابنه، رأى أن "ذمر على يهبأر" يجب أن يكون هو الملك الذي تولى الحكم بعد "ذرأ أمر أيمن", وقد نعته بـ"ذمر على يهبأر الثاني" تمييزًا له عن ملك سابق حكم بهذا الاسم٢. وقد تمكن القائد المذكور من الوصول إلى موضع "صوران" "صورأران" الواقع غربي الطريق المؤدية إلى روضة "سررن" "سرران" بوادي حضرموت. واشترك في معركة نشبت في "سرران" على مقربة من موضع "مريمت" "مريمات", وهو موضع تقع آثاره وخرائبه اليوم بين "سيوون" و"تريم"، في المكان الذي سماه "بطلميوس" Marimatha٣. ولا نعلم من أمر "ذمر على يهبأر" شيئًا يذكر. أما الذي جاء بعده في الحكم، فهو "ثارن يهنعم"، "ثأران يهنعم"، وهو ابنه, وقد حكم مع أبيه حكمًا مشتركًا بعد السنة "٣٤٠م" على رأي "فون وزمن". وقد عثر على

стр. 1314

عدد من الكتابات من أيامه, وفي عهده تصدع السد -سد مأرب- للمرة الثالثة على ما جاء في المسند١. ولعل النصوص الموسومة بـJamme ٦٦٩ و Jamme ٦٧٠ و Jamme ٦٧١ هي آخر النصوص التي نقرأ فيها اسم الإله "المقه"، إله سبأ الكبير ورمز السبئيين. وقد عثر عليها المنقبون في معبده بمدينة مأرب، المعبد المعروف بـ"أوم" "أوام"، وهي مكتوبة في عهد الملك "ثارن يهنعم" وابنه "ملككرب يهأمن" "ملكيكرب يهأمن"٢. وإذا كان هذا الانقطاع صحيحًا، أي: إن المنقبين لن يعثروا على كتابات أخرى تحمل اسم ذلك الإله وتمجده، فإنه يمكن تفسيره عندئذٍ بإعراض ملوك سبأ منذ عهد هذين الملكين، أي: منذ أواخر القرن الرابع بعد الميلاد، عن عبادة "المقه" وبقية آلهة سبأ، ودخولهم في التوحيد. ولو افترضنا احتمال عثور الباحثين على كتابات مفقودة فيها اسم "المقه"، فإن عهدها لن يكون طويلًا؛ ذلك لأننا سوف نرى بعد قليل أن الملك "ملك كرب يهأمن" "ملكيكرب يهأمن" وهو ابن الملك "ثأرن يهنعم" "ثاران يهنعم"، يتجاهل بعد توليه الحكم اسم "المقه"، ولا يتقرب إليه على سنة الملوك الماضين، بل يتقرب إلى إله جديد هو الإله "ذ سموى"، أي الإله "رب السماء"، وهو تحول يدل على حدوث تغير عند هذا الملك بالنسبة إلى ديانة آبائه وقومه، ويدل على دخوله في ديانة جديدة، هي ديانة "رب السماء"، أو "رب السماوات"، وهي ديانة تعبر عن عقيدة التوحيد، وعن اعتقاد الملك بوجود إله واحد هو "رب السماء"٣. وقد عثر على الكتابات المذكورة بـ"منكث" خارج خرائب "ظفار"٤. ويرى بعض الباحثين احتمال حدوث هذا التحول في عهد الملك "ثارن يهنعم"، ويرون أن هذا التحول يتناسب كل التناسب مع الرواية المعزوة إلى "فيلوستورجيوس" Philostorgios عن كيفية تنصير الحميريين، إذ زعم أن "ثيوفيلوس" Theophilos كان قد تمكن من إقناع ملك حمير بالدخول في النصرانية، فدان

стр. 1315

بها، وأمر ببناء كنائس في "ظفار" وفي "عدن", وكان القيصر "قسطنطين الثاني" "٣٥٠-٣٦١م" هو الذي أرسله إلى العربية الجنوبية ليدعو إلى النصرانية بين أهلها. ويؤيدون رأيهم هذا بالكتابة المذكورة التي يرجع عهدها إلى سنة "٣٧٨م" أو "٣٨٤م"، فهي غير بعيدة عن أيام "ثارن يهنعم"، ويحتمل لذلك أن يكون هو الملك الحميري الذي بدل دينه الوثني، ودخل في ديانة التوحيد١. ويتحدث النص: Jamme ٦٧١ من بين النصوص المذكورة, عن تصدع أصاب وسط سد مأرب الكبير وعن سقوطه، وعن قيام الملك "ثأرن يهنعم" "ثأران يهنعم" بإصلاحه وإعادته إلى ما كان عليه. ويكون هذا الخبر، هو ثاني خبر يصل إلينا مدونًا في كتابات المسند عن تصدع السد إلى هذا العهد٢. أما الكتابة التي ورد فيها اسم الإله "ذ سموى" "رب السماء"، فتعود إلى الملك "ملككرب يهأمن" "ملك كرب يهأمن" "ملكيكرب يهأمن"، وهو ابن الملك "ثارن يهنعم", وقد عثر عليها في "منكث" خارج خرائب "ظفار". وقد ورد فيها مع اسمه اسم ولدين من أولاده، هما: "أبكرب أسعد" "أبو كرب أسعد"، و"ذرأ أمر أيمن" "ورأ أمر أيمن"٣، وكانا يشاركانه في الحكم لورود لقب الملوكية الكامل بعد اسميهما. وقد تقربوا بها إلى الإله "ذ سموى"، أي "إله السماء"، وذلك في سنة "٤٩٣" من التأريخ الحميري، المقابلة لسنة "٣٧٨" أو "٣٨٤" للميلاد٤. وقد أغفل "فلبي" الإشارة إلى "ياسر يهنعم الثالث" ثم من جاء بعده إلى "ملك كرب يهأمن"، فلم يذكرهم في قائمته لملوك "سبأ وذي ريدان وحضرموت

стр. 1316

ويمنت". وقد قلت: إنه جعل "يرم يهرحب" بعد "شمر يهرعش"، ومن المحتمل -في نظره- أن يكون أحد أولاد "شمر"، ثم ذكر أن الأحباش استولوا على العربية الجنوبية بعده، وذلك في حوالي السنة "٣٤٠ب. م."، وقد دام حكمهم حتى سنة "٣٧٥م"، حيث ثار عليهم "ملكيكرب يهأمن"، ويحتمل في نظره أن يكون أحد حفدة "يرم يهرحب"، فطرد الأحباش من العربية الجنوبية، وأقام نفسه ملكًا١. وقد ورد اسم "ملك كرب يهأمن" محرَّفًا في كتب أهل الأخبار؛ فدعاه "حمزة" بـ"كلي كرب بن تبع"، وقد جعل حكمه خمسًا وثلاثين سنة٢. وسماه "الطبري" "ملكي كرب تبع بن زيد بن عمرو بن تبع"٣، وسماه "المسعودي" "كليكرب بن تبع"٤، ودعاه "القلقشندي" "كليكرب بن تبع الأقرن"، الذي حكم على زعمه بعد "شمر يرعش" "شمر مرعش" ثلاثًا وخمسين سنة، وقيل: ثلاثًا وستين سنة، واسمه زيد, وهو على زعمه ابن "شمر", وذكر أن الأقرن إنما عرف بالأقرن لشامة كانت في قرنه٥. وانتقل الملك بعد وفاة "ملك كرب يهأمن" إلى ابنه "أب كرب أسعد" "أبي كرب أسعد"، ويرى المستشرقون أنه "أسعد كامل تبع" الذي يزعم الأخباريون أنه أول من تهود من التبابعة ونشر اليهودية بين اليمانيين. وقد جعل "الطبري" حكم "أبي كرب أسعد" بعد حكم "شمر يهرعش"، إذ قال: "ثم كان بعد شمر يرعش بن ياسر ينعم تبع الأصغر، وهو تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب بن زيد بن تبع الأول بن عمرو ذي الأذعار، وهو الذي قد قدم المدينة، وساق الحبرين من يهود إلى اليمن، وعمر البيت الحرام وكساه"٦, وتهود وطلب من قومه الدخول في اليهودية. "وقال الكلبي: تبع هو أبو كرب أسعد بن ملكيكرب، وإنما سمي تبعًا؛ لأنه تبع من قبله. وقال سعيد بن جبير: هو الذي كسا البيت الحبرات". وذكر أنه قال شعرًا أودعه

стр. 1317

عند أهل يثرب، "فكانوا يتوارثونه كابرًا عن كابر إلى أن هاجر النبي ﷺ فأدوه إليه، ويقال: كان الكتاب والشعر عند أبي أيوب خالد بن زيد"١. وورد في مسند الإمام "أبي حنيفة": "أول من ضرب الدينار تبع، وهو أسعد بن كرب"٢. وقد تحدث "الهمداني" عن "أبي كرب أسعد"، فقال: "فأولد ملكيكرب بن تبع الأكبر: أسعد تبع بن ملكيكرب, وهو أسعد الكامل، وتبع الأوسط" "وكانت أمه من فايش بن شهاب بن مالك بن معاوية بن دومان بن بكيل بن جشم بن جبران بن نوف بن همدان، ومولده بخمر من ديار فايش بن شهاب", و"خمر" موضع بظواهر همدان. "ونشأ بجبل هَنْوَم من أرض همدان ... فأولد أسعد تبع بن ملكيكرب: كربًا وهو الفدى، وبه كان يكنى ... ومعدي كرب وحسان وعمرًا ... وجبلًا ... فهؤلاء ... خمسة نفر بنو أسعد بن ملكيكرب, وقال البلخي وغيره: خطيب بن أسعد. والخطيبون بأكانط ومدر من ولده"٣ فيكون ولد "أسعد" ستة نفر على هذه الرواية. وذكر "الهمداني" أن والد "أسعد" هو "ملكيكرب بن تبع الأكبر, وهو الرائد بن تبع الأقرن بن شمر يرعش بن إفريقس ذي المنار بن الحارث الرائش بن ألي شدد"٤. وعرف "تبع الأقرن" بالأقرن؛ لشامة كانت في قرنه٥. وقد أورد "الهمداني" في كتابه "الإكليل" أشعارًا كثيرة نسبها إلى "أسعد بن ملكيكرب"، بعضها قصائد، ذكر أنه نظمها في مناسبات مختلفة. وقد تطرق في بعض منها إلى أنساب الناس وإلى أمور ذكر أنه تنبأ بها قبل وقوعها بمئات من السنين، ومنها ظهور الرسول ومبعثه في قريش. وذكر "الهمداني" أن شعر "أسعد" وفصاحته من شعر وفصاحة "همدان", ونسب له شعرًا في مدحهم٦.

стр. 1318

ويلاحظ أن أهل الأخبار قد صيروا اسم "أب كرب أسعد" "أبكرب أسعد" "أبي كرب أسعد" على هذا النحو: "أسعد تبع" و"أسعد تبع بن ملكيكرب" و"أسعد الكامل"، فأسقطوا "أب كرب" "أبكرب" منه، وأخذوا الجزء الأخير منه وهو "أسعد". ويظهر أن فتوحاته كانت قد تركت أثرًا في ذاكرة أهل اليمن، وقد بقي ذلك الأثر إلى الإسلام، ولكن الزمن والعصبية لعبا دورًا خطيرًا في تكييفه حتى طغى عليه الطابع الأسطوري، فوصل إلينا على نحو ما نجده في كتب أهل الأخبار والتواريخ. وقد تولى هذا الملك -على رأي المستشرقين- الحكم منفردًا من سنة "٤٠٠" بعد الميلاد حتى حوالي سنة "٤١٥" أو "٤٢٠ب. م." على رأي١، أو من سنة "٣٨٥" حتى سنة "٤٢٠ب. م." على رأي آخر٢، أو من سنة "٣٧٨" حتى سنة "٤١٥ب. م." على رأي "فلبي"٣. والذي أراه أن حكمه امتد إلى ما بعد السنة "٤٣٠" للميلاد، كما سأشرح ذلك في موضعه. وقد أضاف إلى لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت" الذي ورثه من أبيه إضافة جديدة في آخره، هي: "واعربهمو طودم وتهمتم"، أي: "وأعرابها في الجبال وفي التهائم"، فصار بذلك أول ملك يحمل هذا اللقب٤. ولا بد أن تكون للإضافة التي ألحقت بآخر اللقب معنى سياسي مهم، إذ لا يعقل أن يكون هذا الملك قد ألحقها باللقب اعتباطًا من غير قصد. والظاهر أن الذي حمله على إلحاقها به، هو ظهور أهمية الأعراب، ولا سيما أعراب الهضاب وأعراب جنوب نجد من قبائل "معد" وقبائل تهامة أو التهائم، أي: المنخفضات الساحلية، بالنسبة إلى زمانه إذ صاروا يؤثرون في سياسة العربية الجنوبية تأثيرًا واضحًا، وصار في استطاعتهم إحداث تغيير كبير في الوضع السياسي، فانتبه لقوتهم هذه وأعارها أهمية كبيرة، فأضاف اسمهم إلى اللقب؛ دلالة على سيطرته عليهم وخضوعهم له، كما فعل الملوك الماضون بإضافة أسماء جديدة إلى ألقابهم الملكية كلما أخضعوا أرضًا من الأرضين.

стр. 1319

ومعنى ذلك أن حكم "أبي كرب أسعد" كان قد شمل التهائم بأعرابها وقراها, وكذلك قبائل معدّ التي تمتد منازلها من أرض نجران إلى مكة ونجد١. وعلى مقربة من مدينة "غيمان" قبر ينسب إلى هذا الملك، وقد فتح من عهد غير بعيد. وذكر أن "غيمان" كانت مقرًّا للتبابعة مدة ما، وأن "أب كرب أسعد" أقام بها زمنًا. ويظن أن الرأس المصنوع من البرونز الذي يمثل رأس امرأة والمحفوظ في المتحف البريطاني، والرأس الجميل الذي يمثل مهارة فائقة في الصنعة ويمثل رأس رجل، كلاهما قد أخذ من ذلك القبر٢. ويقع قبر "أسعد أبو كرب" أسفل التل الذي أقيم عليه قصر "غيمان" "حصن غيمان". وقد دل البحث في موضعه على أنه يعود إلى عهود متعددة، وأن جملة ترميمات وإصلاحات أدخلت على هذا القصر٣. وقد ذكر "الهمداني" أن "أبيكرب أسعد" كان قد أقام في مدينة "بينون"، وأقام أيضا في مدينة "ظفار"٤. أقام في قصر "ريدان" بـ"ظفار" وفي قصر "هكر" بمدينة "بينون"، كما أقام في قصر "غيمان" وفي قصر "غمدان" بصنعاء, وهي كلها من قصور اليمن وحصونها الشهيرة المذكورة في تأريخ اليمن٥. وقد أخذ جماعة من المستشرقين برواية أهل الأخبار في تهود "أب كرب أسعد" "أبكرب أسعد"، فجعلوه على رأس أسرة متهودة حكمت منذ هذا العهد. وجعله "فلبي" رأس الأسرة الثامنة من الأسرة التي حكمت السبئيين بحسب ترتيبه لقائمة الأسرة الحاكمة٦. ويدل عثور "فلبي" على كتابة دون فيها اسم "أب كرب أسعد" واسم ابنه "حسان يهأمن" في وادي "مأسل الجمح" "ماسل جمح"، في موضع مهم على طريق بين "مكة" والرياض، ولا يزال يعرف اسم جمح على أن هذا الموضع كان من جملة الأرضين الخاضعة لحكم ذلك الملك، وأن نفوذه كان قد جاوز اليمن حتى

стр. 1320

بلغ نجدًا. وبلغ هذه الأرض المهمة التي تجتازها القوافل والتجارات حتى اليوم١، وكانت تعد من منازل قبائل "معد" في ذلك الحين، وهي قبائل متحالفة يجمع شملها هذا الاسم٢. والكتابة التي أقصدها، هي الكتابة التي وسمت بـ٣Philby ٢٢٧، وقد دونت عند إقامة حصن في وادي "ماسل الجمح"، وورد فيها اسم موضع آخر هو "مودم ضمو", ويرى "فلبي" أنه المكان المسمى "دودمي" "دوادمي" في الزمن الحاضر٤. وقد وردت فيها أعلام أخرى، منها: "كدت" "كدة"، و"سود"، و"وله" "وده"٥. وقد ذكر "الهمداني" أن "مأسل الجمح" كان من مواضع "نُمَيْر", واسم "نمير" قريب من اسم قبيلة Nomeritae التي ذكرها "بلينيوس" إذ قال: Nomeritae Mesala Oppido؛ ولذلك ذهب بعض الباحثين إلى أن "مأسل الجمح" كان من مواضع "نمير"، وذلك في أيام "بلينيوس"، أي في أواخر القرن الأول قبل الميلاد فما بعده٦. ويظهر أن الملك "أب كرب أسعد" أقام هذا الحصن في "وادي مأسل" ليكون معقلًا تقيم فيه قوات سبئية لحماية الطريق من هجوم القبائل وتعرضها للقوافل التي تسلك هذا الوادي محملة بالبضائع والتجارات بين اليمن ونجد، وهو طريق مهم من الطرق التي تصل أرض اليمن بنجد وبشرق الجزيرة٧. وقد افتتح نص: Philby ٢٢٧ بجملة: "أبكرب أسعد وبنهو حسن يهأمن ملكي سبا وذ ريدان وحضرموت ويمنت وأعربهمو طودم وتهمتم بن حسن ملك كرب يهامن ملك سبا وذ ريدن وحضرموت ويمنت"، أي "أبو كرب أسعد

стр. 1321

وابنه حسان يهأمن، ملكا سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في الأطواد والتهائم، ابنا حسان ملكيكرب يهأمن ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت". فيفهم منها إذن أن اسم والد "أبي كرب أسعد" هو "حسان ملكيكرب يهأمن"، لا "ملكيكرب يهأمن". فهل نحن أمام ملك واحد، عرف بـ"ملكيكرب يهأمن" وبـ"حسان ملكيكرب يهأمن"، أم أمام ملك آخر غير الملك "ملكيكرب يهأمن"؟ ويتبين من هذا النص أن الملكين كانا قد غزَوَا "كسباو" أرض "مودم ضمو", غزواها بجمع من أهل حضرموت وسبأ وبني مأرب, أي أهل مأرب وبأصاغر الناس "صغرم". وكان في جيشهما "المقتوين" "مقتوتهمو"، أي: القادة؛ قادة الجيش. وأشير في النص إلى أعراب كندة "باعربهمو كدت" وإلى "سود" و"وله" "واله"١. ولدينا كتابة وسمت بـRyckmans ٥٣٤، ورد فيها اسم الملك "أبي كرب أسعد" وأشير فيها إلى ستة أولاد من أولاده. وهي كتابة مؤرخة، ويقابل تأريخها الحميري "٥٤٣" السنة "٤٢٨م" أو "٤٣٤م"٢، كما عثر على كتابة أخرى وسمت بـRyckmans ٥٣٤ يرى من درسها أنها يجب أن تكون قد كتبت بعد السنة "٤٣٣" أو "٤٣٩م"٣. ومعنى هذا أن حكم "أبي كرب أسعد"، قد جاوز السنة "٤٢٨ب. م." أو السنة "٤٣٠ب. م."، أي: إن تقدير الذين جعلوا نهاية حكم "أبي كرب أسعد" في سنة "٤١٥ب. م." أو "٤٢٠ب. م."، هو تقدير خاطئ. والظاهر أنهم قد وقعوا في هذا الخطأ؛ لأن الكتابتين المذكورتين لم تكونا قد نشرتا في ذلك العهد. وقد أشير في الكتابة Rossi ٢٤ إلى ستة أو سبعة أبناء للملك "أبي كرب أسعد"٤. وتشير الكتابة الموسومة بـRyckmans ٤٠٩ إلى حملة قام بها الملك "أبو كرب

стр. 1322

أسعد" وابنه الأول "حسان يهأمن" على "وادي مأسل" في أرض "معد", وقد ساهم بها معه جمع من "كندة"١. ونجد لقبيلة "كندة" ذكر في الكتابات التي يعود عهدها إلى ما بعد الميلاد. وذهب "كروهمن" إلى أن ورود اسم "أبي كرب أسعد" في النص: Jamme ٨٥٦ -وهو من النصوص السبئية المتأخرة- يجعل أيامه في السنين الثمانين فما بعد, من القرن الخامس للميلاد٢. وقد قدّر أيام حكمه بحوالي السنة "٤٠٠" بعد الميلاد٣. ويظهر أن حكم الملك "أبي كرب أسعد" كان حكمًا طويلًا، وأن عمره كان عمرًا طويلًا أيضًا؛ وذلك لأنه كان ملكًا إلى ما بعد السنة "٤٣٠" بعد الميلاد، وإذ قد ذكر ملكًا مع والده في النص المؤرخ بسنة "٣٧٨ب. م." أو "٣٨٤ب. م."، فيكون مجموع حكمه قد بلغ زهاء خمسين سنة أو أكثر من ذلك بقليل. ولو فرضنا أنه كان في حوالي العشرين من عمره يوم ذكر مع أبيه في النص، فيكون عمره إذن يوم وفاته حوالي السبعين، أو بعد ذلك بسنين٤. لقد استطاع "أبو كرب أسعد" توسيع ملكه، حتى بلغ البحر الأحمر والمحيط الهندي والأقسام الجنوبية من نجد، وربما كان قد استولى على جزء كبير من الحجاز. وفي روايات أهل الأخبار عن فتوحاته وعن غزواته أساس من الصحة، وإن دخل فيها عنصر المبالغة والقصص. ولا بد أن يكون هذا الملك ذا شخصية قوية وكفاءة مكنته من القيام بتلك الفتوحات والتغلب على القبائل، حتى تركت أعماله أثرًا بقي يتنقل بين الأجيال، ويتطور بمروره على الأفواه حتى وصل إلينا على الشكل الذي نقرؤه في كتب أهل الأخبار. وقد ذكر "الطبري" أن "أسعد أبا كرب بن ملكيكرب"، ونعته بـ"تبع" كان قد قدم بجيوشه الأنبار، وأسكن من قومه الأنبار والحيرة، ثم رجع إلى

стр. 1323

اليمن١. وذكر غيره أنه "تبان أسعد أبو كرب بن قيس بن زيد الأقرن بن عمرو ذي الأذعار، وهو تبع آخر، ويقال له: الرائد، وكان على عهد يستأسف أحد ملوك الفرس الكيانية وحافده أردشير، وملك اليمن والحجاز والعراق والشام، وغزا بلاد الترك والتبت والصين، ويقال: إنه ترك ببلاد التبت قومًا من حمير ... وغزا القسطنطينية ومر في طريقه بالعراق فتحير قومه فبنى هناك مدينة سماها الحيرة ... ويقال: إنه أول من كسا الكعبة المُلأ وجعل لبابها مفتاحًا وأوصى ولاتها من جرهم بتطهيرها, ودام ملكه ثلاثمائة وعشرين عامًا٢". وهذه الفتوحات التي نسبوها إلى "تبان أسعد"، هي مثل الفتوحات التي نسبوها لـ"شمر يرعش"، وهي في الواقع تكرار لها. والظاهر أنها خلط بين فتوحات الملكين التي وضعها لهما أهل الأخبار. ونصب بعض أهل الأخبار من بعده "ربيعة بن نصر بن الحارث بن نمارة بن لخم" ملكًا على اليمن، ثم ذكروا أنه رأى "رؤيا هالته فسار بأهله إلى العراق وأقام بالحيرة، وحكم عليها، ومن عقبه كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة"٣. وهناك طريق بري يربط المناطق المرتفعة الزراعية بالمناطق الشمالية، وهي مناطق مأهولة ومن أكثر أرض اليمن كثافة سكان، يسمى بـ"درب أسعد كامل" أو "طريق أسعد كامل"، نسبة إلى هذا الملك, وهو يصل إلى شمال "الطائف" ويتصل بطريق الحجاز٤. ويمتد من "خيوان" وأعالي "خولان" في اتجاه "بيشة" و"ريع المنهوت"، ثم في الممر الضيق المؤدي إلى "الطائف". ويستعمل تجار "عمران" هذا الدرب٥. ويظهر هذا الدرب تحولًا خطيرًا في الطرق البرية القديمة التي كانت تسير في محاذاة حافة الصحراء الشرقية المتصلة بالجوف، إذ يشير إلى تحول هذه الطرق من

стр. 1324

الأرض السهلة إلى الهضاب التي يعيش عليها المزارعون الذين يعيشون على الزراعة التي تعتمد على المطر, وقد شمل هذا التحول فيما شمله طريق البخور واللبان القديم١. وجعل "فلبي" الحكم لـ"ورو أمر أيمن" بعد وفاة "أبي كرب أسعد", وهو شقيقه. قد حكم على رأي "فلبي" من سنة "٤١٥م" حتى سنة "٤٢٥م"، ولما توفي انتقل الحكم إلى "شرحبيل يعفر" "شرحب إيل يعفر"، وهو ابن "أبي كرب أسعد". وقد حكم على تقديم "فلبي" أيضًا من سنة "٤١٥ب. م." حتى سنة "٤٥٥ب. م."٢، وحكم على تقدير "هومل" من سنة "٤٢٠م" حتى سنة "٤٥٥م"٣. ولكن "فلبي" في كتابه "النجاد العربية" عاد فجارى "هومل" فيما ذهب إليه في تقدير مدة حكم "شرحبيل يعفر"، فجعلها منذ سنة "٤٢٠ب. م." حتى سنة "٤٥٥ب. م."٤. وأما "جامه"، فوضع "أبكرب أسعد" واسم شقيقه "ذرأ إمر أيمن" "ذرأ أمر أيمن" بعد اسم "ملككرب يهأمن". وقد حكم "أبكرب أسعد" مع والده في حوالي السنة "٣٦٥" وحتى السنة "٣٧٥" للميلاد. وأما "ذرأ أمر أيمن"، فجعله مشاركًا لوالده في الحكم وذلك في حوالي السنة "٣٧٥" وحتى السنة "٣٨٥" للميلاد٥. ولكن "جامه" عاد فوضع بعد القائمة المتأخرة لحكام سبأ، والتي انتهت في القائمة "E"، باسمي "ذرأ أمر أيمن" و"أبكرب أسعد"، قائمة أخرى دعاها بـ"F"، وقد خصصها بمن حكم في النصف الأول من القرن الخامس للميلاد، ابتدأها باسم "حسن ملككرب يهأمن" "حسان ملكيكرب يهأمن"، وجعل حكمه من حوالي السنة "٤١٥" حتى حوالي السنة "٤٢٥" للميلاد، ثم وضع اسم "أبكرب أسعد" من بعده، وجعل حكمه في حوالي السنة "٤٢٥" وحتى السنة "٤٣٠" للميلاد. ثم ذكر اسم "حسان يهأمن" "حسن يهأمن" من بعده، وقد شارك "أبكرب أسعد" في الحكم من سنة "٤٢٥" حتى "٤٣٠" للميلاد، ثم دون اسم "شرحبيل يعفر" من بعد "أبكرب أسعد" وقد جعله شريكًا في

стр. 1325

الحكم لـ"أبكرب أسعد" من حوالي السنة "٤٥٠" حتى السنة "٤٤٠" للميلاد١. وقد أغفل "فلبي" وغيره اسم "حسان يهأمن"، وهو ابن "أب كرب أسعد"، فلم يذكره بعد اسم أبيه، مع أنه ذكر معه في النص Philby ٢٢٧، ونعت مثله بـ"ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعراب في الجبال والتهائم". وقد عرف أهل الأخبار اسم "حسان"، وذكروا أنه حكم من بعد أبيه "أسعد أبي كرب"، وذكروا اسمه على هذا النحو: "حسان بن تبع أسعد أبي كرب"، ولم يذكروا لقبه. وقد زعموا أنه أغار على طسم وجديس باليمامة وأنه حارب "جذيمة" ملك الحيرة، وكان "جذيمة" قد خرج يريد طسم وجديس في منازلهما من "جوّ" وما حولهما، فوجد "حسان" قد أغار على طسم وجديس باليمامة، فانكفأ راجعًا بمن معه، فأتت خيول "تبع" على سرية لجذيمة فاجتاحتها٢. فهو من معاصري "جذيمة" على رأي أهل الأخبار. و"حسان" هذا هو الذي أفنى "جديس" على رواية أهل الأخبار، وهو الذي فقأ عيني "اليمامة" في شعره٣، وإن "النمر بن تولب العكلي"، أشار في شعره إلى قصتها أيضا٤. وذكر "الطبري" أن "حسان بن تبع" الذي أوقع بجديس، هو ذو معاهر، وهو تبع بن تبع تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن تبع بن أقرن وهو أبو تبع الذي يزعم أهل اليمن أنه قدم مكة، وكسا الكعبة، وأن الشعب من المطابخ إنما سُمي هذا الاسم لنصبه المطابخ في ذلك الموضع وإطعامه الناس، وأن أجيادًا إنما سمي أجيادًا؛ لأن خيله كانت هنالك، وأنه قدم يثرب فنزل منزلًا يقال له منزل الملك اليوم، وقتل من اليهود مقتلة عظيمة بسبب شكاية من شكاهم إليه من الأوس والخزرج بسوء الجوار، وأنه وجه ابنه حسان إلى المسند وشمرًا ذا الجناح إلى خراسان، وأمرهما أن يستبقا إلى الصين، فمر بسمرقند فأقام عليها حتى افتتحها، وقتل مقاتلتها، وسبى وحوى ما فيها ونفذ إلى الصين فوافى حسان بها، فمن أهل اليمن من يزعم أنهما ماتا هنالك، ومنهم من يزعم

стр. 1326

أنهما انصرفا إلى تبع بالأموال"١. وقد ذكر "الطبري" أيضا أن "حسان بن تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار" سار بقومه من أهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب وأرض العجم، كما كانت التبابعة قبله تفعل، فلما كان بالعراق قتله أخوه "عمرو بن تبان أسعد أبي كرب" ورجع "عمرو" بمن معه من جنده إلى اليمن, وأصيب بمرض نفسي, وقتل خلقًا من قومه لندمه على قتله أخاه، ثم لم يلبث أن هلك٢. وقد زعم أن "عمرًا" هذا عرف بـ"موثبان"، وأنه قتل أخاه بموضع "رحبة طوق بن مالك"، التي عرفت بـ"فرضة نعم"٣. وقد زعم الأخباريون، أن الأمر قد مرج في حمير بعد وفاة "عمرو" وتفرقوا، فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة منهم، يقال له: "لخنيعة ينوفة ذو شناتر"، فملكهم، فقتل خيارهم، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، حتى قتله "ذو نواس" في قصة من القصص المألوف وروده من أهل الأخبار٤. وذكر "القلقشندي"، أن الذي حكم بعد "ربيعة بن نصر" الذي حكم اليمن على زعمه بعد "تبان أسعد"، هو "حسان ذو معاهر"، وهو "ابن تبان أسعد أبي كرب"، ثم ملَّك أخاه "عمرو بن تبان أسعد أبي كرب" من بعده، ونعته بـ"الموثبان"، وذكر أنه حكم ثلاثًا وستين سنة، ومات عن أولاد صغار وأكبرهم قد استهوته الجن، فوثب على الملك "عبد كلال بن مثوب"، فملك أربعًا وتسعين سنة، وهو تبع الأصغر٥. قد ترك لنا "شرحبيل يعفر" "شرحب إيل يعفر" نصًّا مهمًّا وسمه علماء العربيات الجنوبية بـ٦Glaser ٥٥٤، وهو وثيقة تتعلق بتصدع سد مأرب الشهير

стр. 1327

في أيامه وإعادة بنائه، فقصَّ علينا فيه الحادث، وتحدث عن مقدار ما أنفقه على الفعلة والعمال لإعادة البناء. ويتألف هذا النص من مائة سطر, جاء فيه: أن "شرحبيل يعفر ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات وأعرابها في النجاد والتهائم ابن أبي كرب أسعد ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في النجاد والتهائم"، قام بتجديد بناء سد مأرب وترميمه على مقربة من موضع "رحب" "رحاب"١, وعند "عبرن" "عبران"، وقام بإصلاح أقسام منه حتى موضع "طمحن" "طمحان" "الطمح"، كما قام بحفر مسايل المياه وبناء القواعد والجدران بالحجارة، وقوَّى فروعه، وبنى أقسامًا جديدة، وأوصلها بعضها ببعض بين "غيلن" "غيلان" "الغيل" و"مفلل" "م ف ل ل" "مفلول"، وجدد سد "يسرن" "يسران"، وقام بإعاشة العمال ومن اشتغل ببنائه، وتمت هذه الأعمال في شهر "ذي داون" "ذي دأون" من سنة "٥٦٤" "٥٦٥" من التأريخ الحميري، أي: سنة "٤٤٩" "٤٥٠" "٤٥٦" للميلاد٢. ويشير هذا العمل بالطبع إلى حدوث تصدع في السد, اضطر الملك إلى تجديد بناء أقسام منه، وترميم ما أمكن ترميمه من أقسام أخرى، وإضافة أقسام جديدة إليه. ويظهر من هذا النص أيضًا أن السد قد تهدم بعد مدة قصيرة، وذلك في شهر "ذو ثبتن" "ذو الثبت" من سنة "٥٦٥" من التقويم الحميري، أي: سنة "٤٥٠" أو "٤٥١"، "٤٥٥" "٤٥٦" للميلاد، فأثر ذلك تأثيرا سيئا جدا فيمن كان ساكنًا في جواره، حتى اضطر من كان ساكنًا في "رحبتن" "الرحبة" إلى الفرار إلى الجبال خوف الموت٣، فأسرع الملك إلى الاستعانة بحمير وبقبائل حضرموت لإعادة بناء السد، فتجمع لديه زهاء عشرين ألف رجل اشتغلوا بقطع الحجارة من الجبال وحفر الأسس وتنظيف الأودية وإنشاء خزانات لخزن المياه وعمل أبواب ومنافذ لمرور الماء والسيطرة عليه، حتى تم ذلك في شهر "ذو دأو" من سنة "٥٦٥" من تأريخ حمير٤. وذكر ما أنفقه على العمال وما قدمه لهم من

стр. 1328

طعام وما ذبحه من بقر وأغنام، وما صرفه من دبس "دبسم" وخمر وغير ذلك مما ذكره وفصله١. وقد استخدم الملك عشرين ألف رجل لإصلاح السد٢. لقد قَلََّ شأن مأرب في هذا العهد، وأخذ الناس يرحلون عنها إلى مواضع أخرى مثل "صنعاء" التي تألق نجمها حتى صارت مقرًّا للحكام الذين أقاموا في قصر "غندن" "غندان"، أي: "غمدان"، وقد يكون لتصدع السد مرارا، دخل في هذا التحول، حيث أجبر المزارعين على ترك أرضهم التي أصابها التلف والجفاف والارتحال إلى أرضين أخرى، فتركوها إلى الهضاب والجبال. وقد يكون للتحول السياسي الذي أصاب هذا العهد دخل أيضًا فيه٣. وفي تصدع السد بعد مدة ليست طويلة من ترميمه وإصلاحه وتجديده، وبعد إنفاق أموال طائلة عليه واشتغال آلاف من العمال في بنائه، شيء يثير السؤال عن سبب سقوطه أو سقوط جزء منه بهذه السرعة، فهل تهدم من سقوط أمطار غزيرة جدًّا في هذا العام لم يكن في طاقة السد احتمالها فسقط؟ أم أن بناء السد لم يكن قد كمل تمامًا، فسقطت أمطار غزيرة سببت انهيار الأماكن الضعيفة من المواضع التي لم تكن قد تمت، فانهار لذلك؟ أم أنه انهار بفعل كوارث طبيعية مثل زلزال أو بركان؟ إلى هذا الرأي الأخير يميل "فلبي" في كتابه "سناد الإسلام"٤. إن مما يؤسف عليه حقًّا أن هذا النص لم يذكر أسماء القبائل التي هربت من "رحبتن" "رحبت" "الرحبة" خوفًا من الهلاك. وعلى الجملة، فالمستفاد منه بكل صراحة أن القبائل التي كانت تقطن هذه المنطقة تفرقت وتشتتت لتهدم السد, وفيه دليل على وجود أصل تأريخي للروايات العديدة التي يرويها الأخباريون عن تهدم سد مأرب وتفرق سبأ٥. ولكننا لا نستطيع بالطبع أن نقول: إن هذا الحادث الذي وقع في أيام "شرحبيل" هو الحادث المقصود في روايات الأخباريين، وهي روايات يتغلب عنصر الخيال والابتداع والمبالغات فيها على عنصر الحقيقة والتأريخ.

стр. 1329

وفي النص كما نرى ونقرأ جملة مهمة تشير إلى انتشار عقيدة التوحيد في ذلك الزمن بين اليمانيين، وإلى الابتعاد عن آلهة اليمن القديمة, وتشير إلى ظهور "إله السماء والأرض" أو "إله السماوات والأرض"، فهو إله واحد، يرعى ملكوت السماء والأرض. وفي هذه العقيدة اعتقاد بوجود إله واحد, فقد ورد في النص: "بنصر وردا الهن بعل سمين وأرضن"١، أي "بنصر وبعون الإله رب السماوات والأرض"، وهي عقيدة ظهرت عند أهل اليمن بعد الميلاد بتأثير اليهودية والنصرانية ولا شك. وفي جملة "الهن ذلهو سمين وأرض" الواردة في النص: Ryckmans ٥٠٧ ومعناها: "الإله الذي له السماوات والأرض"٢، تعبير عن التوحيد أيضًا, وهي من نص يرجع إلى هذا الملك أيضا. فنحن إذن في عصر أخذت عقيدة التوحيد تنتشر فيه. وقد انتقل الحكم بعد "شرحبيل يعفر" "شرحب إيل يعفر"٣ إلى "عبد كلال" "عبد كللم" "عبد كلالم" على رأي "هومل", وجاراه "فلبي" في رأيه هذا، وجعل حكمه منذ سنة "٤٥٥م" حتى سنة "٤٦٠م"٤. ولم يشرح "هومل" الأسباب التي دفعته إلى اعتبار "عبد كلال" ملكًا. أما "فلبي"، فرأى أنه كان كاهنًا وسيد قبيلة, ثار على ملكه؛ طمعًا في الملك أو إخمادًا للثورة التي أجج الملك نيرانها على آلهة قومه، فغلبه، وربما كان ذلك بفضل مساعدة مملكة "أكسوم" له. ولكنه لم ينعم بالملك طويلًا، فلم يزد مدة حكمه على خمس سنين٥. وقد ورد اسم "عبد كلال" في النص الموسوم بـ٦Glaser ٧, وذكر معه اسم "هنام" "هنم" "هانئ" و"هعلل"، وهما ابناه. ووردت بعد

стр. 1330

أسمائهم عبارة: "ألهت قولم"، أي: "سادة أقيال"، وهي جملة تدل على أنه هو وابنيه كانوا أقيالًا، فإن كانت كلمة "قولم" اسم علم، صار معناها "آلهة قولم"، أي "سادة قول"، على اعتبار أن "قول" اسم قبيلة، ولا يفهم من التفسيرين على كل حال أن "عبد كلال" كان ملكًا. وقد دون هذا النص عند بنائهم بيت "يرت": "براو وهشقرن بتهمو يرت", وذكرت بعد هذه الكلمات جملة: "بردا رحمنن"، أي: "بعون الرحمن" وذلك في سنة "٥٧٣" من التأريخ الحميري، المقابلة لسنة "٤٥٨" الميلادية١. وليست في هذا النص إشارة لا إلى ثورة, ولا إلى ملك، ولا إلى تعلق بآلهة قديمة ودفاع عنها بل الأمر على العكس، فجملة "بردا رحمنن" تدل على أنه كان مثل "شرحبيل يعفر" موحدًا أيضا، يدين بإله واحد، هو "الرحمن" الذي ظهرت عبادته متأخرة كذلك، وأنه لم يكن على دين أجداده في عبادة "المقه" وبقية الأصنام. وذكر الأخباريون أن من ملوك حمير ملكًا اسمه "عبد كلال"، وكان مؤمنًا يدين بدين المسيح، فآمن بالنبي قبل مبعثه. ومن ولده "الحارث بن عبد كلال" وهو أحد الملوك الذين وفدوا على رسول الله من ملوك حمير، فأفرشهم رداءه، وهم: "الأبيض بن حمال"، و"الحارث بن عبد كلال"، و"أبرهة بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح"، و"وائل بن حجر الحضرمي", يضاف إليهم "جرير بن عبد الله البَجَليّ"، و"عبد الجد الحكمي" في رواية أخرى٢. ودون اسمه في نسخة "كتاب التيجان" المطبوعة على هذه الصورة "عبد كاليل بن ينوف"، وجعل ملكه أربعًا وستين سنة، وذكر أنه حكم بعد "عمرو بن تبان"، وأنه كان مؤمنًا على دين عيسى، ولكنه ستر إيمانه٣. وجعله بعض المؤرخين "عبد كلال بن مثوب"، وذكروا أنه وثب على ملك التبابعة بعد وفاة "عمرو بن تبان أسعد" عن أولاد صغار، وأكبرهم استهوته الجن، فملك أربعًا وتسعين سنة، وهو تبع الأصغر، وله مغازٍ وآثار بعيدة, فلما توفي ملك أخوه "مرثد"، وقد ملك سبعة وثلاثين عامًا٤.

стр. 1331

ومن روايات الأخباريين هذه ومن تشابه الاسمين، استنتج "فون كريمر" و"هومل" وغيرهما أن "عبد كلال" المذكور في النص هو "عبد كلال" المذكور عند الأخباريين، وأنه كان لذلك ملكًا١. و"عبد كلال"، هو رجل ثائر لم يكن من أبناء الملوك، وإنما اغتصب العرش اغتصابًا على رأي أهل الأخبار، وقد زعم بعضهم أن الذي حكم بعده أخوه لأمه واسمه "مرثد"، وقد حكم سبعًا وثلاثين سنة. ثم ملك من بعده ابنه "وليعة بن مرثد"، ثم ملك من بعده "أبرهة بن الصباح بن لهيعة بن شيبة بن مرثد بن ينف بن معد يكرب بن عبد الله بن عمرو بن ذي أصبح، الحارث بن مالك"، وقيل: إنما ملك تهامة فقط٢. وذكر "الهمداني" أن "عبد كلال", ونعته بـ"الكبر ذي الحدث"، كان قائد "حسان بن تبع", وكان على مقدمته إلى اليمامة يوم قتل جديسًا، وقريش تقول: إن "حسان بن عبد كلال هذا حاربهم وأسروه". ثم ذكر أن "حسان بن عبد كلال بن ذي حدث الحميري"، أقبل من اليمن "في حمير وقبائل من اليمن عظيمة، يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن؛ ليجعل حج الناس البيت عنده وإلى بلاده، فأقبل حتى نزل نخلة، فأغار على سرح الناس ومنع الطريق، وهاب أن يدخل مكة، فلما رأت كنانة وقريش وقبائل خندف ومن كان معهم من أفناء مضر ذلك، خرجوا إليه ورئيس القوم يومئذٍ "فهر بن مالك"، فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزمت حمير وأسر حسان بن عبد كلال ملك حمير، أسره الحارث بن فهر، وقتل في المعركة فيمن قتل: قيس بن غالب بن فهر. وكان حسان عندهم بمكة أسيرًا ثلاث سنين، حتى افتُدِيَ منهم، فخرج به، فمات بين مكة واليمن"٣. وقد عَلَّق "الهمداني" بعد ذلك على هذا الخبر، فقال: "ما سمعت العلماء ولا أحدًا من عُرَّاف حمير، يثبت هذه الحرب التي كانت بين حمير وقريش، وإنما كانت خزاعة الغالبة في عصر فهر على مكة، ولم يكن هَمَّ بحمل حجارة

стр. 1332

البيت سوى تبع بمشورة هذيل بن مدركة"١. فهو مثل سائر أهل اليمن المتعصبين لقحطان لا يؤيد خبر تلك الحرب، التي تجعل النصر لأهل مكة, ويضع تبعة ما يذكره أهل الأخبار من نقل حجارة الكعبة إلى اليمن على عاتق "هذيل بن مدركة"، من سادات مكة. وشهدت اليمن في سنة "٤٦٠" للميلاد أو قبل ذلك بقليل ملكًا جديدًا اسمه "شرحبيل يكف" "شرحب ال يكف" "شرحب إيل يكوف"، كانت نهاية حكمه في سنة "٤٧٠" للميلاد على تقدير "هومل" و"فلبي"٢, وهو ملك لا نعرف اسم أبيه، ولا نعرف علاقته بالملك السابق. ويرى "فلبي" أنه على الرغم من هذا اللقب الطويل: "ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في الأطواد وفي تهامة"، الذي يشير إلى تملك صاحبه العربية الجنوبية الغربية، فقد ظل الأحباش في بقعتهم الضيقة التي ارتكزوا عليها يحاربون حكومة "حمير" وهم البقية الباقية من عهد الاحتلال السابق٣. وقد جاء اسم "شرحب إيل يكف" "شرحبيل يكف" في كتابة مؤرخة بسنة "٥٧٥" من التقويم الحميري، المقابلة لسنة "٤٦٠" للميلاد. وقد وردت في الكتابة جملة: "رحمنن وبنهو كرشتش غلبن"، أي: "الرحمن وابنه المسيح الغالب"، وقد استعمل لفظة "كرشتش" في مقابل لفظة Christus, مما يدل على أن صاحبها نصراني. وقد استعمل المصطلح اليوناني، ويظهر أن نصارى اليمن كانوا قد أخذوه من المبشرين، وعربوه على الصورة المذكورة. وقد ذكر بعد تلك الجملة اسم الملك ونعته الذي هو: "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في النجاد وفي التهائم"٤. وقد بقي من تأريخ النص اسم الشهر وهو "ذ حجت"، أي: "ذو الحجة" "ذو حجة" والعدد الأول من اسم السنة وهو خمسة. ويرى "فلبي" احتمال كون السنة "٥٨٥" أو"٥٧٥" من التأريخ الحميري، أي سنة "٤٧٠" أو "٤٦٠"

стр. 1333

للميلاد١. وورد اسمه في كتابة أخرى ناقصة, وقد سقطت منها حروف وكلمات٢. وقد ذهب "جامه" إلى أن "شرحبيل يكف" "شرحب إيل يكوف"، كان قد حكم حكمًا منفردًا، وذلك من سنة "٥٧٠" حتى سنة "٥٨٠" من التقويم الحميري، ثم أشرك معه أولاده الثلاثة في الحكم، وذلك من سنة "٥٨٠" حتى سنة "٥٨٥" من التقويم المذكور، ثم حكم مع ولدين من ولده، وذلك من سنة "٥٨٥" حتى سنة "٥٩٠" من التقويم الحميري, ثم حكم ابنان من أبنائه وذلك من سنة "٥٩٠" حتى سنة "٥٩٥" من التقويم المذكور، ثم حكم من بعدهما "معد يكرب ينعم" حكمًا منفردًا وذلك من سنة "٥٩٥" حتى سنة "٦٠٠" من ذلك التقويم، ثم خلفه "عبد كلال" الذي حكم من سنة "٦٠٠" حتى سنة "٦٠٢" من التقويم الحميري٣. ووصل إلينا نص أرخ بسنة "٥٨٢" من التأريخ الحميري، أي: سنة "٤٦٧" للميلاد، وفيه كلمات مطموسة، منها كلمة أو كلمات سقطت بعد كلمة "شرحب إيل" "شرحبيل"، وبعدها "معد كرب ينعم" "معد يكرب ينعم". ويستدل بتأريخ هذا النص على أن المراد بـ"شرحبيل" "شرحب إيل" الملك "شرحبيل يكف" "شرحب إيل يكف" الذي نتحدث عنه. ولم يرد في هذا النص اسم ابن آخر من أبنائه غير هذا الابن، وهو "معد كرب ينعم" "معد يكرب ينعم"٤. وقد وجد مدونًا في إحدى الكتابات أسماء ثلاثة أولاد من أولاد "شرحبيل يكف"، هم: "نوفم" "نوف" "نوَّاف" "نائف"، و"لحيعت ينف" "لحيعث ينوف"، و"معد يكرب ينعم" وقد نعتوا جميعًا بالنعت الملكي المعروف٥,

стр. 1334

مما يدل على أنهم كانوا قد اشتركوا جميعًا في الحكم. وقد ورد اسم "شرحبيل يكف" في عدد من كتابات أخرى, وقد ذكر معه في بعضها اسم ولدين من أولاده هما: "لحيعت ينف" و"معد يكرب ينعم" "معد يكرب ينعم"، وقد لقبا بلقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في الجبال وفي تهامة"، مما يدل على أنهما حكمَا حكمًا مشتركًا وكان ملكيْنِ١. وحكم بعد "شرحبيل يكف" -في رأي "هومل"- ولداه "معد يكرب يهنعم" و"لحيعثت ينف" "لحيعث ينف" "لحيعث ينوف"، وذلك من حوالي سنة "٤٧٠م" حتى سنة "٤٩٥م"٢. أما "فلبي"، فقد وضع في قائمته التي رتبها في كتابه "سناد الإسلام" لملوك سبأ، اسم "نوف" بعد اسم "شرحبيل يكف"، وقدر مدة حكمه منذ سنة "٤٧٠م" حتى سنة "٤٨٠" "٤٩٠م" ووضع اسم "لحيعثت ينف" بعده، وجعل مدة حكمه منذ سنة "٤٨٠ب. م." حتى سنة "٥٠٠ب. م."٣. و"لحيعثت ينف" هو "لخيعة بن ينوف ذو شناتر" المذكور عند أهل الأخبار, وقد زعم بعضهم أنه حكم سبعًا وعشرين سنة٤. وقد ورد اسم "معد يكرب يهنعم" "معد يكرب ينعم" واسم شقيقه "لحيعثت ينف" "لحيعت" في النص: Ryckmans ٢٦٤ وفي النص:٥ CIH ٦٢٠, وورد اسم "لحيعثت" وورد معه اسم "نوف"، وهو شقيقه في النص:٦ Ryckmans ٢٠٣.

стр. 1335

وقد ذكر "فلبي" أنه في حوالي سنة "٤٩٥م" شبَّت ثورة قام بها "مرثد ألن" "مرثد علن"، غير أنها أحبطت. ووضع بعد اسم "لحيعثت ينف" اسم "معد يكرب ينعم"، وقدر مدة حكمه بعشر سنين، منذ سنة "٤٩٠م" حتى سنة "٥٠٠م"، أي: إنه شارك، على رأيه، أخاه في الحكم١. أما الذي حكم بعد الأخوين "معد يكرب يهنعم" و"لحيعثت ينف" -في رأي "هومل"- فهو "مرثد ألن" وقال: إنه قد حكم من حوالي سنة "٤٩٥م" حتى سنة "٥١٥م"٢. أما "جامه"، فقد وضع اسم "عبد كللم" "عبد كلالم"، أي: "عبد كلال" بعد اسم "معد يكرب ينعم"، وقد جعل حكم "معد يكرب" فيما بين السنة "٥٩٥" والسنة "٦٠٠" من التقويم الحميري، أي: بين سنة "٤٨٠" أو "٤٨٦" للميلاد والسنة "٤٨٥" أو "٤٩١" للميلاد, وجعل حكم "عبد كلال" فيما بين السنة "٦٠٠" والسنة "٦٠٢" من التقويم الحميري، أي: سنة "٤٨٥" أو "٤٩١" للميلاد، والسنة "٤٨٧" أو "٤٩٣" للميلاد. ثم جعل فراغًا لا يدري من حكم فيه، جعله يمتد من السنة "٦٠٢" حتى السنة "٦١٠" من التقويم الحميري، أي: ثماني سنين، ثم ذكر بعده اسم الملك "مرثد ألن ينف" "مرثد علن" "مرثد علان"، وجعل حكمه من سنة "٦١٠" حتى السنة "٦٢٠" من التقويم الحميري، أي: من سنة "٤٩٥" أو "٥٠١" حتى السنة "٥٠٥" أو "٥١١" للميلاد٣. ووصل إلينا نص وُسِمَ بـCIH ٥٩٦، وهو ناقص ويا للأسف، ورد فيه اسم الملك "مرثد ألن ينف" "مرثد ألن ينوف" وقد لقب فيه باللقب المألوف: "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في الجبال وفي التهائم"٤، يظهر أنه الملك "مرثد ألن" الذي عناه "هومل". وقد أصيبت أسطر النص بأضرار، أتلفت كلمات منه وأفسدت علينا المعنى. وقد وردت في السطر السابع
следующие страницы →