آخر مكان يصل إليه تجار أهل مكة في الغالب في الشمال. يقيمون فيه، يبيعون ويشترون ويدفعون للروم العشور، وهي الضرائب المتعارف عليها إذ ذاك، ثم يعودون إلى ديارهم، ومعهم ما اشتروه من تجارات بلاد الشأم، من طرف مصنوع في هذه البلاد، أو مستورد إليها من بلاد الروم ومن أوروبا، ومن سلع حية هي الرقيق الذي يباع في سوق بصرى، وقد استورد إليها من مختلف الأنحاء.
وتعرف بصرى بـBostra عند الرومان واليونان١, ولأهميتها الحربية والسياسية والتجارية كان يقيم بها حاكم روماني، ثم حكمها حكام من اليونان بعد انتقالها إلى حكم اليونان، كما وضعوا بها حاميات بيزنطية؛ وذلك لقربها من الأعراب وللدفاع عن الحدود المهددة بهجوم أبناء البادية عليها. وقد أُصيبت بخسائر جسيمة ونزل بها خراب شديد على أثر مهاجمة الفرس لبلاد الشأم واستيلائهم عليها، فتهدم قسم كبير من أبنيتها، كما تهدم قسم من أبنية "أذرعات" وذلك سنة "٦١٣م"٢.
و"بصرى" هي الآن قرية مهملة من قرى حوران، ولا تزال بها بقية قائمة من آثار, وقد ورد ذكرها في سيرة الرسول، حيث كان قد نزل بها مع عمه "أبي طالب" حينما قدمها عمه للاتجار. وذكر أن "بحيرا" الراهب الذي يرد اسمه في كتب السير، كان من رهبان بصرى، وقد كان يقيم في دير هناك.
وكانت "غزة" من المواضع الأخرى المهمة عند أهل مكة ويثرب؛ لأنها كانت المورد الأخير لتجار هاتين المدينتين على البحر الأبيض. وكانت من المواضع التابعة للروم, ترد إليها السفن الواردة من بلاد الروم وموانئ إيطالية ومصر ولبنان، فتفرغ ما لديها من تجارة ويشتري أصحابها ما يجدون في غزة من أموال؛ ولهذا صارت فرضة مهمة لتجار أهل الحجاز.
ومن سادات القبائل الذين انتقلوا من أرض كانت خاضعة للساسانيين إلى أرض كانت تابعة للبيزنطيين, سيد قبيلة ذكره "ملخوس الفيلادلفي" Malchus
стр. 1402
Philadelphus في تأريخه، وسماه "امرأ القيس" Amorkesos = Amerkesos وقال: إنه كان يقيم في الأصل في الأرضين الخاضعة لسلطان الفرس، ثم ارتحل عنها ونزل في أرضين قريبة من حدود الفرس، وأخذ يغزو منها حدود الساسانيين والعرب Saracens المقيمين في الأرضين الخاضعة للروم. وتوغل في "المقاطعة العربية" حتى بلغ البحر الأحمر، واستولى على جزيرة "إيوتابا" Iotaba Jotaba، وهي جزيرة مهمة كان الروم قد اتخذوها مركزًا لجمع الضرائب من المراكب الآتية من المناطق الحارة أو الذاهبة إليها، فتصيب الحكومة أرباحا عظيمة جدا. فلما استولى على تلك الجزيرة، طرد الجباة الروم، وصار يجبيها لنفسه، فاغتنى. كذلك حصل على ثروة عظيمة من غنائم غزوه للمواضع المجاورة لهذه الجزيرة والواقعة في العربية الحجرية وأعالي الحجاز والأرضين الخاضعة لسلطان الساسانيين.
وأراد "امرؤ القيس"، بعد أن بلغ من السلطان مبلغه، الاتصال بالروم، والتحالف معهم، والاعتراف به عاملًا رسميًّا أي: Phylarch أو Satrap على العرب الذين خضعوا له وعلى العرب المعترفين بسلطان الروم عليهم في "المقاطعة العربية"، فأوفد رجلًا من رجال الدين اسمه "بطرس" إلى "القسطنطينية" يعرض رغبته هذه على القيصر "ليو". فلما قابل هذا رجال البلاط، أظهر لهم أنه يريد الدخول في النصرانية, فأظهر القيصر "ليو" رغبته في مقابلة "امرئ القيس" للتحادث معه. فقصده "امرؤ القيس"، فاستقبله استقبالًا حسنًا، وعامله معاملة طيبة، وأجلسه على مائدته، ومنحه لقب Patrician، وجالس رجال مجلس "السنات" Senate، فأدى ذلك إلى استياء الروم من سياسة القيصر هذه مع رجل مشرك, ولكنه بين لهم أنه يريد تنصيره بذلك، وإخضاعه لسلطانه. ولما قرر العودة أعطاه القيصر صورة ثمينة وهدايا نفيسة، وحث رجال مجلس الدولة أن يمنحوه هدايا سخية، ثم منحه درجة "عامل" Phylarch على الجزيرة وعلى جميع ما استولى عليه وعلى أرضين أخرى جديدة لم يكن قد أخذها من قبل، إلا أن الروم لم يرتاحوا من هذه المعاملة، وانزعجوا من إسراف القيصر
стр. 1403
في إكرامه ومنحه تلك الأرضين، ولا سيما تلك الجزيرة التي استرجعوها بعد ذلك بمدة ليست طويلة, وفي مدة حكم القيصر "أنستاس" "أنسطاس" "أنسطاسيوس"١ Anastasius.
ولما كان القيصر "ليو" Leo "لاون" "اليون"، قد حكم من سنة "٤٥٧م" حتى سنة "٤٧٤م"٢، فيكون اعتراف "ليو" بحكم "امرئ القيس"، ومنحه لقب "فيلارخ" "فيلارك" قد وقع في أثناء هذه المدة.
ويظهر من تأريخ "ثيوفانس" أن هذه الجزيرة كانت في سنة "٤٩٠م" في أيدي الروم، استولى عليها حاكمهم Dux على فلسطين بعد قتال شديد٣. ويدل خبر هذا المؤرخ على أن الروم انتزعوا هذه الجزيرة من "امرئ القيس" أو من خلفائه بعد مدة ليست طويلة من استيلاء "امرئ القيس" عليها، ولعلهم استولوا عليها بعد وفاة هذا العامل على أثر نزاع نشب بين أولاده وورثته، أضعف مركز الإمارة، فانتهز الروم هذه الفرصة، وانتزعوا ما تمكنوا من انتزاعه من أملاك.
وإذا كانت هذه الجزيرة، قد كانت في جملة أملاك الروم في سنة "٤٩٠م" كما يدعي "ثيوفانس" ذلك، وجب أن تكون استعادة حاكم فلسطين لها في أيام القيصر "زينو" "زينون" Zeno الذي ولي الحكم من سنة "٤٧٤" حتى سنة "٤٩١". أما سنة "٤٩١م" فقد انتقل فيها الحكم إلى القيصر "أنسطاس"٤.
وكان "امرؤ القيس" المذكور سيد قبيلة سماها المؤرخ "ملخوس الفيلادلفي" "نكليان" "نخليان" Nokalian. ويظهر أن هذا الاسم هو "النخيلة"٥, موضع معروف قرب "الكوفة" على سمت الشأم، وهو موضع ينطبق عليه ما ذكره "ملخوس" من أنه كان في أرض في سلطان الفرس٦.
стр. 1404
ولم يذكر "ملخوس الفيلادلفي" أسماء الأرضين التي كانت في حكم "امرئ القيس"، ويرى "موسل" أن هذا الرئيس كان ينزل في بادئ الأمر مع قبيلته في "الوديان" و"الحجيرة" أيام كانت علاقاته بالفرس حسنة. ومن "الحجيرة" هاجر مع قبيلته إلى "دومة الجندل"، ومنها توسع فاستولى على أرضين من "فلسطين الثالثة" Palestina Tertia وهي "العربية الحجرية". ثم استولى على جزيرة Iotaba، وهي على رأيه جزيرة "تاران" "تيران"١, وذكر "ياقوت" أن سكانها قوم يعرفون بـ"بني جدان"٢.
ولعل هذه الجزيرة هي جزيرة Ainu التي ذكرها "بطلميوس"٣، أخذ تسميته هذه من "حنو" "حاينو" Hainu "حينو" الاسم الذي كانت تعرف به عند الأنباط٤.
وامرؤ القيس هذا، هو مثل واحد من أمثلة عديدة على سادات قبائل راجعوا البيزنطيين لاستمداد العون منهم، وللحصول منهم على اعتراف رسمي بتنصيبهم رؤساء على الأعراب النازلين في ديار خاضعة لسلطانهم أو لمساعدتهم في مقارعة عرب الحيرة أو الفرس.
وقد ذكر أهل الأخبار أسماء رجال, قالوا: إنهم ذهبوا إلى الروم لهذه الغاية، وبعضهم ممن كان يقيم في أرضين بعيدة عن سلطانهم، والظاهر أن مثل هذا الاعتراف كان يكسب الرئيس قوة، ويمنحه منزلة ومكانة في تلك الأيام، وإن كان الروم على مبعدة من الرئيس وليس لهم حول مادي يقدمونه إليه.
ولا نجد في الموارد اليونانية أسماء من حكم من رؤساء القبائل في بلاد الشأم بصورة منتظمة قبل الغساسنة، إلا أن الإخباريين يذكرون أن الغساسنة لما جاءوا إلى بلاد الشأم من اليمن بعد "انتقاص العرم"، وجدوا "الضجاعمة" قد ملكوا البلاد قبلهم، وهم "آل سليح بن حلوان"، وهم من قضاعة، فقتلوهم وأخذوا مكانهم٥. ولا بد أن يكون الضجاعمة قد سُبِقُوا بغيرهم ممن لم يقف أهل الأخبار
стр. 1405
على أسمائهم، فقد كانت القبائل تهاجم إحداها الأخرى، فتأخذ مكانها، ولا يستبعد أن يكون "الضجاعمة" قد انتزعوا السلطان من قبائل أخرى, لم تبلغ أنباؤها أهل الأخبار.
إن حدود الإمبراطورية البيزنطية الجنوبية مع العرب، لم تتغير ولم تتبدل تبدلًَا محسوسًا عما كانت عليه في زمان الرومان, وهي بصورة عامة الحدود الجنوبية للمقاطعة العربية. وكانت لهم الجزر المقابلة للمقاطعة العربية في "خليج القلزم"، وقد اتخذوها مراكز لجباية الضرائب من أصحاب السفن, ولحماية البحر من لصوصه مثل جزيرة Iotba التي تحدثت عنها. ولم يشر أحد من المؤرخين المعاصرين للبيزنطيين إلى تقدم الروم أكثر من ذلك في جزيرة العرب.
وكان للبيزنطيين بعض المرافئ على سواحل البحر الأحمر، منها ميناء "كليزما" Clysma، وهو "القلزم" Qulzum، ويقع على مسافة قليلة من "السويس"، تأتي إليه السفن محملةً ببضائع الهند وبالسلك وبالمواد الأخرى المستوردة من السواحل الإفريقية والعربية الجنوبية. وبه يقيم "الوكيل" Agens In Rebus؛ الوكيل التجاري الذي عليه مراقبة سير السفن والتجارة، ووضع التعليمات لتنظيم التجارة البحرية، وعرف بـLogothete في نهاية القرن الرابع للميلاد١.
وكانت تجارة الحرير، من أهم المواد المطلوبة في أسواق البيزنطيين. وقد كان الساسانيون قد احتكروها تقريبًا، وعبثًا حاول الإمبراطور "جستنيان" "يستنيانوس" Justinian تحطيم ذلك الاحتكار، وأخذه من أيديهم بالتوسل إلى "نجاشي" الحبشة؛ لإرسال سفنه إلى "سيلان" ولشراء السلك منها، ومنافسة التجار الفرس الذين كانوا قد سيطروا على تجارة هذه المادة المستوردة من الصين إلى هذه الجزيرة، فكانوا ينقلونها إلى بلادهم، بل إلى "القلزم" و"أيلة" وموانئ أخرى وأسواق تابعة للبيزنطيين، فيربحون من هذه التجارة ربحًا حسنًا٢.
وكان القيصر "يوسطنيان" "٥٢٧-٥٦٧م"٣، قد نصب "أبا كرب
стр. 1406
ابن جبلة"، كما يقول المؤرخ "بروكوبيوس" "عاملًا"، أي: "فيلاركا" "فيلارخا" Phylarch على عرب "سرسينس" Saracens فلسطين، وكان "أبو كرب" كما يقول "بروكوبيوس"، رجلًا صاحب مواهب وكفاءة، تمكن من حفظ الحدود ومن منع الأعراب من التعرض لها، وكان هو نفسه يحكم قسمًا منهم، كما كان شديدًا على المخالفين له. وذكر أيضًا أنه كان يحكم أرض غابات النخيل جنوب فلسطين، وهي أرض واسعة تمتد مسافات شاسعة في البر ليس بها غير النخيل. وقد قدمها هدية إلى الإمبراطور، فقبلها منه، وعدها من أملاكه، مع أنه كان يعرف جيدا أنها فيافٍ وبادية لا يمكن الاستفادة منها؛ ليس فيها غير النخيل، وليس لهذا النخيل فائدة تذكر. ويجاور عربها عرب آخرون يسمون "معديني" "مديني" Maddeni، هم أتباع لـ"حمير"١ Homeritae.
وهذه الأرض التي حكمها "أبو كرب بن جبلة"، هي الأرض التي حكمها "امرؤ القيس" سابقًا نفسها, أو يظهر أن الروم لم يتمكنوا من ضبطها ومن تعيين حاكم بيزنطي عليها؛ فاضطر إلى الاعتراف بالأمر الواقع، فثبتوا "أبا كرب" في مكانه، واعترفوا به اعترافا رسميا "عاملا" على هذه المنطقة التي تقع في جنوب أرض الغساسنة، وفي الأردن وأعالي الحجاز. ويظهر من ذلك أيضا أن "أبا كرب" كان عاملًا مستقلًّا بشئونه عن الغساسنة؛ ونكون بذلك أمام إمارتين مستقلتين.
وإذن يكون "أبو كرب" من المعاصرين للحارث بن جبلة ملك الغساسنة, وقد كان حكمه قبل السنة "٥٤٢م" بدليل إرساله رسولًا إلى أبرهة لتهنئته عند ترميمه سد مأرب الذي أنجز في هذه السنة.
إن اسم "أبو كرب بن جبلة" يثير فينا الظن بأن هذا الرجل كان من آل غسان؛ فهذا الاسم هو من الأسماء التي ترد بكثرة عندهم. وقد يحملنا على تصور أنه كان شقيقًا للحارث بن جبلة، غير أني لا أستطيع الجزم بذلك؛ لسكوت الموارد السريانية واليونانية عن التصريح بذلك أو التلميح إليه.
لقد كان من نتائج توثيق الروم صلاتهم بمملكة "أكسوم"، تهديدهم اليمن
стр. 1407
بغزوها, إن قاومت مصالحهم وتعرضت لسفنهم ولتجارتهم، وذلك بتحريض الجيش على النزول بها. وقد سبق للأحباش أن استولوا عليها، كما سبق للرومان أن استولوا على بعض مواضع من العربية الجنوبية مثل "عدن" في أيام "كلوديوس" "٤١-٥٤م" أو قبل ذلك بقليل١. ولا يستبعد أن يكون للروم دخل في الغزو الذي قام به الأحباش لليمن والذي بقي من سنة "٣٠٠" حتى سنة "٣٧٠ب. م"٢. وقد ذكر أن القسطنطينية كانت المحرضة لحكومة الحبشة على غزو اليمن أيضًا في سنة "٥٢٥م"، وقد امتد حتى سنة "٥٧٠م" أو "٥٧٥م"٣.
ولما عاد الأحباش إلى اليمن حيث بقوا فيها مدة قصيرة، كَرَّ الفرس عليهم فطردوهم منها في حوالي سنة "٥٧٥م" "٥٩٥م"، وصارت اليمن من سنة "٥٧٥م" "٥٩٥م" حتى الفتح الإسلامي مقاطعة تابعة للساسانيين٤. وقد أصيبت مصالح البيزنطيين بأضرار بليغة من هذا التحول السياسي العسكري، وأصيبت بضرر بليغ آخر كذلك في أيام "كسرى برويز" "٥٩٠-٦٢٨م" الذي هاجم الإمبراطورية البيزنطية واستولى على مصر وفلسطين، وقطع بذلك عنها شرايين التجارة العالمية المهمة. والبيزنطيون وإن استعادوا ما فقدوه في مصر وبلاد الشأم بعد مدة قصيرة، فعاد الساسانيون إلى مواضعهم، إلا أن الحروب المتوالية كانت قد أنهكت الطرفين: البيزنطيين والساسانيين، وأضرت بالوضع الاقتصادي، وجعلت الناس يتذمرون في كل مكان من سوء سياسة الإمبراطوريتين، ويودون التخلص من الفرس واليونان؛ لذلك لم يكن من المستغرب سقوط الأرضين التي كانت خاضعة لهم بسرعة مدهشة في أيدي المسلمين.
ولما وصلت الجيوش الإسلامية بلاد الشأم، رَحَّبَ أهلها بصورة عامة بها. وقد نظر البيزنطيون إلى الإسلام على أنه نوع من أنواع "الآريوسية" Arrianism المنسوبة إلى الكاهن "آريوس" المتوفى سنة "٣٣٦م", أو أنه مذهب من المذاهب النصرانية المنشقة عن الكنيسة الرسمية, وقد تعودوا على سماع أخبار وقوع
стр. 1408
الانشقاق في الكنيسة، وظهور مذاهب جديدة١؛ لهذا لا يستغرب ما أظهره أساقفة بلاد الشأم من تساهل في تسليم المدن إلى المسلمين, وما بدر من القبائل العربية المتنصرة من تعاون مع المسلمين في طرد البيزنطيين عن بلاد الشأم٢.
стр. 1409
فهرس: الجزء الرابع
الفصل الخامس والعشرون
همدان ٥
الفصل السادس والعشرون
أسر وقبائل ٤٢
سخيم ٤٦
خسأ ٥٠
عقرب ٥١
خولان وردمان ٥٢
جدن ٥٧
أربعن ٥٨
بتع ٥٩
سمعي ٦١
стр. 1410
حملان ٦٣
يهيب ٦٤
يرسم ٦٤
بنو سمع ٦٥
رمس ٦٦
سقران ٦٧
قرعمتن ٦٧
الفصل السابع والعشرون
ملوك سبأ وذو ريدان ٦٨
الفصل الثامن والعشرون
سبأ وذو ريدان ١٢٥
صنعاء ١٤٧
قائمة ريكمنس ١٤٧
الفصل التاسع والعشرون
стр. 1411
ممالك وإمارات صغيرة ١٥٠
الحيانيون ١٥٨
بخران ١٥٩
مملكة يهيأمر ١٦٠
الفصل الثلاثون
الحميريون ١٦٢
الفصل الحادي والثلاثون
سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت ١٨٢
ملوك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت ٢٥٠
الفصل الثاني والثلاثون
إمارات عربية شمالية ٢٥٢
الفصل الثالث والثلاثون
ساسانيون وبيزنطيون ٢٧٨
الفهرس ٣١٣
стр. 1412
المجلد الخامس
الفصل الرابع والثلاثون: مملكة النبط
مدخل
...
الفصل الرابع والثلاثون: مملكة النبط
مملكة النبط، مملكة عربية لم يعرف الأخباريون من أمرها شيئًا. سداها ولحمتها النبط. وهم قوم من جبلة العرب، وإن تبرأ العرب منهم، وعيروا بهم، وأبعدوا أنفسهم عنهم، وعابوا عليهم لهجتهم، حتى جعلوا لغتهم من لغات العجم، وقالوا إنهم نبط، وإن في لسان من استعرب منهم رطانة. وسبب ذلك، هو أنهم كانوا قد تثقفوا بثقافة بني إرم، وكتبوا بكتابتهم، وتأثروا بلغتهم، حتى غلبت الإرمية عليهم؛ ولأنهم فضلًا عن ذلك خالفوا سواد العرب باشتغالهم بالزراعة وبالرعي وباحترافهم للحرف والصناعات اليدوية، وهي حرف يزدريها العربي الصميم، ويعير من يقوم بها ويحترفها.
وتكمن عوامل ظهور النبط وغلبتهم على المنطقة التي عرفت بهم، وتكوينهم دولة بعد أن كانوا أعرابًا يعيشون عيشة ساذجة، تكمن في أسباب وأسس اقتصادية١ فقد تمكن هؤلاء النبط الأذكياء من استغلال موقع بلادهم لمرور شرايين التجارة بين العربية الجنوبية وبلاد الشام بها، ففرضوا ضرائب على التجار وعلى التجارة عادت عليهم بفوائد كبيرة، كما قاموا أنفسهم بالوساطة في نقل التجارة بين بلاد الشأم ومصر ومواضع من جزيرة العرب، فدرت هذه الوساطة عليهم أموالًا طائلة جعلتهم من الشعوب العربية الغنية بالنسبة على غيرهم ممن يسكنون البوادي، والمواقع المقفرة المنعزلة.
стр. 1413
وقد كان ميناء "غزة"ميناء النبط المفضل على البحر المتوسط. وهو في الواقع ميناء كل التجار العرب، إذ كان المرفأ الوحيد الذي ترفأ إليه تجارة العرب. وقد استفادوا منه كثيرًا لقربه من النبط، صاروا يشترون منه ما يرد عليه من بضائع من موانيء البحر المتوسط، ثم يحملونها إلى بلادهم فيبيعونها للتجار العرب القادمين إليهم من الحجاز ومن العربية الجنوبية ومن أماكن أخرى من جزيرة العرب، كما أنهم صاروا يشترون من التجار العرب ما عندهم من تجارة، ثم يحملونها إلى ذلك الميناء لبيعه في أسواقه، وبذلك حصلوا على أرباح من هذه الوساطة في الاتجار.
وقد نشأت دولة النبط التي نتحدث عنها قبل الميلاد في المنطقة الشمالية الغربية من جزيرة العرب، في المكان الذي عرف باسم "العربية الحجرية" "Arabia Petraea" عند اليونان والرومان.
وأما أخبارنا عنها، فمستمدة من كتب الكلاسيكيين، ومن مؤلفات المؤرخ اليهودي ""يوسفوس فلافيوس" "Josephus Flavius" "٣٧ -١٠٠ بعد الميلاد". صاحب "Ioudaike Archaeologia" و"Periton Ioudaikon Polemon"١، ومن كتابات عثر عليها في "العربية الحجرية" وفي الأخرى التي خضعت لحكمها وهي نبطية ولاتينية ويونانية. وعلى هذه الموارد يعول المؤرخ الحديث في تدوين تأريخ قوم كان لهم نفوذ وسلطان وصوت مسموع وكلمة، ثم إذا هم في الذاهبين ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ٢.
وقد تضمن القسم الأكبر من كتابات النبط، كتاب: Corpus Inscriptionum Semiticarum وقد أشير فيه إلى المواضع التي عثر فيها على تلك الكتابات، وإلى السمات التي وسمت بها لتميز بعضها عن بعض. وأسهمت كتب أخرى بالطبع في هذا المجهود العسير، مجهود نشر الكتابات النبطية القديمة وغيرها، ككتاب: "Handbuch Der Nordsemitischen Epigraphik"، وكتاب: Corpus Inscriptionum Semiticarum، للعالم المعروف "مارك ليدربارسكي"
стр. 1414
"Mark Lidzbarski"١, وكتاب: "A Text Book Of North-Semitic Inscriptions" لـ"كوك" "G. A. Cooke"٢ وكتاب "REP. EPIG"٣، وكتب أخرى سأشير إليها في أثناء الحديث، يضاف إليها ما نشر في المجلات العلمية الاستشراقية كمجلة "ZDMG" وأمثالها٤.
أما لغة النصوص النبطية، فلغة "بني إرم"٥، وأما خطها فبالقلم الإرمي، ولكنه "إرمي" مأخوذ من القلم الإرمي القديم، وقد عرف عند المستشرقين بـ"القلم النبطي" تمييزًا له عن بقية الأقلام٦. وأما المواضع التي عثر على هذه الكتابات فيها فهي عديدة، منها "بطرا" و"الحجر" "Hegra" و" العلا" و"تيماء" و"خيبر" و"صيدا" "Sidon" و"دمشق" ومواضع متعددة من "حوران" ومن "اللجاة"٧ و"طور سيناء" والجوف واليمن ومصر وإيطاليا وأماكن أخرى سترد أسماؤها في ثنايا هذا الفصل٨.
وتختلف الكتابات النبطية القديمة، من حيث رسم الحروف، بعض الاختلاف عن الكتابات النبطية المتأخرة المدونة بعد الميلاد، وتختلف أيضًا باختلاف الأماكن التي وجدت فيها، فلكتابات "طور سيناء" مثلًا خصائص. كتابية محلية لا نجدها في النصوص الأخرى. وتفيدنا هذه الخصائص المحلية والتطورات التي طرأت بمرور العصور على أشكال الحروف في مثل "التربيع" والانفصال والاتصال وتقاربها وتباعدها من الخط الكوفي في دراسة تطور الخطوط السامية، وعلاقاتها بعضها ببعض٩.
стр. 1415
وهي على اختلافها تشارك الكتابات العربية التي عثر عليها في العربية الحنوبية أو في المواضع الأخرى من جزيرة العرب في كونها شخصية في الغالب. كتبت في أمور خاصة، لا علاقة لها بالمجموع. فهي لا تفيد المؤرخ إفادة مباشرة، ولكنها تفيد الباحثين من غير شك في أمور أخرى، تفيدهم في الدراسات اللغوية مثلًا، فهي كنز لا يقدر بثمن من هذه الناحية. أما الكتابات العامة، أعني النصوص التي لها علاقة مباشرة بالدولة وحياة الشعب وبساسة الحكومة أيام السلم أو الحرب، فهي قليلة جدًّا -ويا للأسف- مع أنها المادة الأساسية في كتابة التاريخ١.
والكتابات النبطية المؤرخة مثل الكتابات السامية الأخرى، قليلة بالنسبة إلى الكتابات الغفل من التأريخ. أما طرائق توريخ الحوادث عند النبط، فكانت متعددة منها التوريخ بأيام الملوك كأن يذكر اسم الشهر الذي دون فيه النص، ثم يذكر بعده عام التدوين، فيقال مثلًا: "في شهر كذا من سنة كذا من حكم الملك....." "بيرح.... شنت.... ملك نبطو....". وقد استعملت هذه الطريقة في أيام استقلال النبط خاصة. والتوريخ بسني حكم قياصرة "رومة" وذلك بذكر الشهر الذي دونت فيه الكتابة، ثم السنة المصادفة من سني حكم القيصر الذي في أيامه جرى التدوين، أو السنة المصادفة دون الإشارة إلى اسم الشهر٢.
وقد عثر على كتابات مؤرخة بسني حكم "القناصل"، وعلى كتابات أخرى أرخت بتقويم "بصرى"، ومبدأه اليوم الثاني والعشرون من شهر "آذار" من سنة "١٠٦" بعد الميلاد، وقد أرخ به في كتابات "طور سيناء" كذلك٣. وظلت الأقسام الجنوبية من "الكورة العربية" تؤرخ به حتى بعد فصلها من هذه الكورة وإلحاقها بـ "كورة فلسطين"٤. وأرخ بالتقويم "السلوقي"، وأوله
стр. 1416
اليوم الأول من شهر "تشرين الأول" "أكتوبر" من سنة "٣١٢" قبل الميلاد١.
وأرخ بأيام القيصر "بومبيوس" حيث اتخذت مبدأ لتقويم يبدأ بشهر "تشرين الأول". "أكتوبر" من سنة "٦٣" قبل الميلاد، أرخ به في الكتابات وفي النقود٢.
وأرخ في بعض الكتابات النبطية بتواريخ محلية كانت متعارفة عندهم مشهورة. كما فعل غيرهم في جزيرة العرب حيث أرخوا بالحوادث المحلية المهمة، نظرًا لما كان لها من شهرة بينهم. وقد تمكن العلماء من تشخيص بعض منها، ولم يتمكنوا من تشخيص بعض آخر. ومن الكتابات المؤرخة محلية كتابة عثر عليها في مدينة "فيليبوبولس" "Philippopolis"، وقد أرخت بتقويم يبدأ بسنة "٢٤٨" تقريبًا أو بين سنة "٢٤٧" وسنة "٢٤٩"٣. مدينة "شقا" "شقة"، وقد أرخت في عدد من كتاباتها بسنة "٩٢" بعد الميلاد. ومدينة "Constantia" وهي "البراك" في "اللجاة" وفي عدد من الكتابات التي عثر عليها في موضع "شيخ مسكين"، وهو "Maximinopolis" على رأي بعض الناس٤.
والرأي السائد اليوم بين العلماء أن النبط عرب مثل سائر العرب، وإن استعملوا الإرمية في كتاباتهم، بدليل أن أسماءهم هي أسماء عربية خالصة، وأنهم يشاركون العرب في عبادة الأصنام المعروفة عند عرب الحجاز، مثل "ذي الشرى" و"اللات" و" العزى"، وأنهم رصعوا كتاباتهم الإرمية بكثير من الألفاظ العربية، وبدليل إطلاق اليونان واللاتين والمؤرخ اليهودي "يوسفوس" كلمة "العرب" على النبط، وإطلاق اسم "Arabia Petraea" أي "العربية الحجرية" على أرضهم، ولو لم يكن النبط عربًا، لما أطلق "الكلاسيكيون" كلمة العرب عليهم، وما كانوا يدخلون بلادهم في ضمن العربية ويجعلونها جزءًا من أجزائها الثلاثة.
وقد كان النبط من أهل جزيرة العرب في الأصل، نزحوا من البوادي إلى
стр. 1417
أعالي الحجاز فأقاموا بها، ثم سرعان ما استقروا وتحضروا وأقاموا يفلحون الأرض ويزرعونها، فأقاموا لهم مستوطنات زراعية. واستقروا في المدن والقرى، محترفين بمختلف الحرف وفي طليعتها التجارة وبالاشتغال بالقوافل التجارية التي تنقل التجارة بين مختلف الأمكنة، فجمعوا من ذلك مالًا وثراءً. وقد ذهب. بعضهم إلى أن أصلهم من العربية الجنوبية، وأن عرقهم هذا هو الذي جعلهم يشتغلون بالزراعة وبالعمارة وبالحرف التي كانت مألوفة عند العرب الجنوبيين منذ العهود القديمة١.
ولقد وجدنا طائفةً من العلماء تتنكر لهذا الرأي ولا تراه، وترى في الألفاظ العربية الممزوجة في الإرمية بكثرة، وفي تشابه الأسماء واشتراكها بين النبط والعرب، أثرًا من آثار الاختلاط والاتصال بحكم السكنى المشتركة والجوار، ولا علاقة له بوحدة الجنس، وترى لذلك أن النبط إرميون احتكوا بالعرب وتأثروا بهم، أو أنهم إرميون استعربوا من بعد٢.
أما أن النبط من بني "إرم"؛ لأنهم كتبوا بلغتهم، واستخدموا قلمهم، فهو قول مردود، فقد كتب غير النبط ومن غير "بني إرم" بلغة "إرم" وبقلم "إرم"، ولم يقل أحد من العلماء إن جميع من كتب بلغة الإرميين وبقلمهم هم من "بني إرم" حتمًا. ولا يمكن أن يقال ذلك؛ لأن الإرمية كانت قد تغلبت على أكثر لغات الشرق الأدنى وصارت لغة الكتابة والتدوين قبل الميلاد وبعده بقرون. تغلبت على العبرانية مثلًا وزاحمتها حتى فضلت عليها عند المتكلمين بها من الخاصة والسواد إلى نهاية القرن السابع بعد الميلاد، فدونت بها كتب من "التركوم" والأدعية والشروح و"مجلة تعنيت" و"أنطيوغيوس" وغيرها من مؤلفات القرنين الثاني والأول قبل الميلاد٣. وألفت بها فيم بعد الميلاد، فلا عجب إذن إذا ما دون النبط أو غيرهم من العرب بالإرمية لغة الفكر والثقافة، وتكلموا بلغة أخرى هي لغة اللسان٤. وقد كان الأعاجم في الإسلام يتكلمون بألسنة أعجمية، ويدونون باللسان العربي لسان العلم الفكر والقرآن.
стр. 1418
تلك هي آراء المستشرقين في أصل النبط. أما رأي أصحابنا الأخباريين فيهم فخلاصته أن النبط "جيل من العجم ينزلون البطائح بين العراقين، سموا بذلك لكثرة النبط عندهم، وهو الماء. وسمي أولاد شيث أنباطًا؛ لأنهم نزلوا هناك. هذا أصله، ثم استعمل في عوام الناس وأخلاطهم ... "١ والعرب تنفر من النبط وتنظر إليهم نظرة ازدراء واحتقار، وإذا أراد أحدهم الاستهانة بأحد قال له "يا نبطي". "وفي حديث الشعبي أن رجلًا قال لآخر يا نبطي، فقال: لا حد عليه كلنا نبط، يريد الجوار والدار دون الولادة"٢. وورد في الأخبار: "أهل عمان عرب استنبطوا، وأهل البحرين نبط استعربوا"٣. وضرب المثل في رطانة كلام النبط بالعربية وقبحه: "وقد قبح الكلام، وصار على كلام النبط"٤. إلى غير ذلك من كلام فيهم يشير إلى ازدراء العرب بنبط العراق، ونبط الشأم وبالنبط عامة.
وقد أشار المسعودي إلى أن "من الناس من رأى أن السريانيين هم النبط ... " وقال في معرض حديثه عن أهل نينوي: "وكان أهل نينوي ممن سمينا نبيطًا وسريانيين، والجنس واحد، واللغة واحدة، وإنما بان النبط عنها بأحرف يسيرة في لغتهم، والمقالة واحدة". وجعل النبط أهل بابل، وملوك بابل هم ملوك النبط. وذكر أيضًا أن هنالك من يزعم أن النبط هم "نبيط بن ماش بن إرم ابن سام بن نوح"٥. فيفهم من كلام "المسعودي" أنه لم يكن على علم واضح بأصل أهل نينوي وبأصل أهل بابل، فجعلهم من السريان ومن النبط. والمسعودي مثل بقية الأخباريين عني بالنبط المتكلمين بالإرمية "الآرامية" من أهل العراق. والسريانية كلمة حديثة عهد، يراد بها لغة بني إرم، أي "الإرمية". ولا يرتقي اسم "السريان" "Syrians" على كل حال أكثر من خمسمئة سنة أو أربعمئة
стр. 1419
سنة قبل الميلاد، وأما إطلاق اسم السريان على الإرميين الشرقيين، أي إرمي العراق، فقد حدث بعد الميلاد. أطلق على متنصرة الإرميين ليميزوا عن بني جنسهم الوثنيين، فصار له مفهوم خاص، وصارت كلمة "إرمي" "آرامي" تعني الصابئ والوثني أما كلمة "سرياني" فتعني النصراني حتى اليوم١.
أما "ماش" "Mash"، فهو أحد أبناء "أرام" ذكر في "التكوين"، مع "عوص وحول وجائر" بمعنى أنهم أخوته٢. ودعي "ماشك" في "أخبار الأيام الأول"٣. ويظن أنهم سكان "ماش" "ماشو" في النصوص الأشورية، أي بادية الشأم٤. و"إرم" هو ابن "سام بن نوح" في التوراة٥. وتتفق رواية "المسعودي" المأخوذة من أقوال أهل الكتاب ولا شك، مع ما جاء في التوراة من أن "ماش" هو ابن "آرام"، وهو "إرم". وأما ما ذكره على لسان غيره أو لسانه من أن النبط هم "نبيط", وأن "نبيطًا" هو ابن "ماش"، فهو قول لم يرد في التوراة. ولا يعرف العهد القديم شخصًا اسمه "نبيط بن ماش بن أرام". ويقصد المسعودي من "نبيط" "نبايوت"، ولا شك، و" نبايوت" هو الابن البكر لإسماعيل في التوراة٦.
أما أنهم سموا نبطًا لكثرة النبط عندهم وهو الماء، أو لاستنباطهم الماء، وإنباطهم الآبار، وما شاكل ذلك من تفاسير وردت في معنى النبط٧، فهو كلام كان يسمع في القديم. أما اليوم فلا يمكن أن يقام له وزن.
والنبط في عرف الباحثين هم "نبط" و"نبطو" في الكتابات٨، والكلمة
стр. 1420
اسم علم ليس غير مثل سائر أسماء الأعلام، لا علاقة له لا بالماء ولا باستنباط الماء. حار الأخباريون فيه فعالجوه على مألوف طريقتهم بإيجاد معان للأسماء، وتعليلات وأسباب، وظنوا أنهم بهذا التعليل وجدوا سر التسمية ووقفوا عليه، ولا سيما أن النبط زراع، ولهم مياه غزيرة وعلم بالماء، وأن النبط: الماء الذي ينبط من قعر البئر إذا حفرت، فقالوا: النبط من نبط، فالمسألة إذن سهلة هينة. إنهم سموا نبطًا لاستنباطهم ما يخرج من الأرضين، وهو الماء١.
وأشير إلى النبط في حديث عمر: "ولا تستنبطوا"، أي تشبهوا بمعد ولا تشبهو بالنبط. وفي الحديث الآخر: "لا تنبطوا في المدائن" أي لا تشبهوا بالنبط في سكناها واتخاذ العقار والملك. وورد ذكر النبط في خبر مرفوع على ابن عباس: "نحن معاشر قريش من النبط من أهل كوثى ريا، قيل: إن إبراهيم الخليل ولد بها، وكان النبط سكانها"٢. وورد في حديث "عمرو بن معد يكرب" حين سأله "عمر" عن "سعد بن أبي وقاص"، فقال: "أعرابي في حبوته، نبطي في جبوته"، أراد أنه في جباية الخراج وعمارة الأرضين كالنبط حذقًا بها ومهارة فيها؛ لأنهم كانوا سكان العراق وأربابها. وفي حديث أبي أوفى: "كنا نسلف نبيط أهل الشأم"٣.
ويقال الآن في نجد للشعر العامي "الشعر النبطي" أو "شعر النبط"، ويرى الباحثون في هذا النوع من الشعر أنه منسوب إلى نبط العراق٤. وعلى كل فإن لهذه التسمية علاقة باسم هذا الشعب العربي القديم الذي نتحدث عنه.
والنبط الذين قصدهم الأخباريون إذن، هم قبط آخر لا نريدهم نحن في هذا الفصل ولا نقصدهم، هم يقصدون بقايا الشعوب القديمة خاصة النازلين في البطائح منهم، ومنهم مترسبات الإرميين في العراق والشأم، وذلك قبيل الإسلام وفي الإسلام، وكانوا يتكلمون بلهجات عربية ولكن برطانة أعجمية وبلكنة غريبة
стр. 1421
ظاهرة. أما نبطنا، فهم أصحاب كتابات مدونة بالإرمية، وقد عاشوا في "العربية الحجرية" وفي مناطق أخرى خضعت لسلطانهم لم تكن البطائح منها على كل حال، كما عاش فرع آخر منهم في "تدمر"، وسيأتي الحديث عنهم.
وعندي أن النبط عرب، بل هم أقرب إلى قريش وإلى القبائل الحجازية التي أدركت الإسلام من العرب الذين يعرفون بـ"العرب الجنوبيين". والنبط يشاركون قريشًا في أكثر أسماء الأشخاص، كما يشاركونهم في عبادة أكثر الأصنام. وخط النبط قريب جدًّا من خط كتبة الوحي، وقد قلت إن من العلماء من يرى أن قلمنا هذا مأخوذ من قلم النبط. يضاف إلى ذلك ما ذكرته من وجود كلمات عربية كثيرة من النصوص النبطية المدونة بالإرمية، هي عربية خالصة من نوع عربية القرآن الكريم. لهذه الأسباب أرى أن النبط أقرب إلى قريش وإلى العدنانيين على حد تعبير النسابين من العرب الجنوبيين الذين تبتعد أسماؤهم وأسمء أصنامهم بعدًا كبيرًا عن أسماء الأشخاص والأصنام عند قريش وبقية العدنانيين. أضف إلى هذا ما ورد في التوراة وما عند أهل الأخبار من أن "نبايوت" وهو "نابت" أهل الأخبار، هو الابن الأكبر لإسماعيل، وإسماعيل في عرف النسابين هو جد العرب العدنانيين.
وقد سبب تدوين النبط كتاباتهم بالإرمية خسارة فادحة لنا لا تقدر بثمن؛ لأنه حرمنا الحصول على نصوص بلهجات عربية قديمة نحن في أشد الحاجة إليها، لما لها من فائدة في دراسة تطور اللهجات العربية واللهجة التي نزل بها القرآن الكريم والمراحل التي مرت بها. وخاصة أننا لا نملك من النصوص العربية المدونة باللهجات العربية الشمالية القريبة من عربية القرآن سوى بضعة نصوص.
وبعد "ديودورس الصقلي" أقدم كاتب "كلاسيكي" تحدث عن النبط. يليه "سترابون"، فبقية "الكلاسيكيين" الذين عاشوا بعدها. وفي تأريخ "يوسفوس" اليهودي المتوفى حوالي سنة "٩٥" بعد الميلاد، أخبار مفيدة عن النبط، ولا سيما علاقتهم بالعبرانيين الذين كانوا على اتصال وثيق بهم بسبب الجوار.
وقد تطرق "سترابون" إلى أمور لم يتطرق لها "ديودورس"، أخذها من صديق له اسمه "أثينودورس" "Athenodrous"، وكان فيلسوفًا ولد بين النبط وعاش بينهم. وقد حدثه هذا الفيلسوف أن عددًا كبيرًا من الرومان ومن الغرباء
стр. 1422
من الجنسيات الأخرى كانوا يعيشون بين النبط، وكانوا في نزاع وخصام بينهم. أما النبط فكانوا على صفاء ووئام، يعيشون عيشة سلام وراحة١. ويتبين أثر اختلاط الغرباء بالنبط، في الآثار الباقية وفي الكتابات اليونانية والرومانية التي عثر عليها في أرض النبط وعلى النقود.
وقد شملت مملكة النبط في أوج أيامها منطقة واسعة ضمت "دمشق" و"سهل البقاع" "بقأث هـ - لينون" "Biq'ath Ha-Lebanon" "Coelesyria"، والأقسام الجنوبية والشرقية من فلسطين وحوران و"أدوم" "Idunaea"، ومدين إلى "ددن" "ددان" وسواحل البحر الأحمر. وثبت أيضًا أن جماعة من النبط سكنت في الأقسام الشرقية من "دلتا" النيل، وقد تركت لنا عددًا من الكتابات٢.
ولا يعرف الموطن الأصلي الذي جاء منه النبط على وجه التحقيق، ولا الزمان الذي هاجروا فيه منه. ويظن بوجه عام أنهم كانوا بدوًا في الأصل من سكان البادية الواقعة شرق شرقي الأردن. ثم ارتحلوا نحو الغرب فنزلوا أرض "أدوم" وضايقوا الأدوميين الذين ارتحلوا نحو الشمال والغرب اختيارًا أو كرهًا، فسكنوا في المناطق الخصبة المشرفة على البحر المتوسط. وكان ذلك حوالي "٥٨٧" قبل الميلاد. ولا يعرف على وجه العموم في الزمن الحاضر شيء ما عن مبدأ تأريخ النبط٣.
ويرى بعض العلماء أن النبط هم "نبياطي" المذكورون في أخبار الملك "أشور بنبال" "Aschurbanipal"، وهم أيضًا "نبايوت" "Nebjot= "Nabatene" أولاد إسماعيل في التوراة٤. وهم سكان أرض "Nabatene"٥.
стр. 1423
ويعارض هذا الرأي بعض آخر، ولا يرى وجود صلة ما بين النبط و" نبياطي" أو "نبايوت"١. وأما النبط المذكورون في "المكابيين"، فهم النبط جماعتنا الذين نتحدث عنهم الآن٢.
وقد أطلق "يوسفوس" اسم "النبطية" "Nebaioth" على منطقة واسعة تمتد من نهر الفرات فتصل بحدود الشأم إلى البحر الأحمر، وهي من مناطق أولاد إسماعيل٣. ويظهر من تأريخ "يوسفوس" أن مؤلف هذا التأريخ كان يرى وجود صلة بين اسم "نبايوت" وهو اسم ابن "يشمعيل" "اسماعيل" وبين اسم النبط، وإلى هذا الرأي ذهب أيضًا "جيروم" "Jerome"٤.
ومن أخبار "ديودورس" عنهم أن معظم بلادهم قفرة قليلة الماء والقسم المنبت منها قليل، لذلك عاش سكانها عيشة أعرابية، على الغزو، وعلى التحرش بحدود جيرانهم، لعلمهم أن من الصعب على الجيوش تعقب آثارهم والالتحام بهم في البادية لقلة الماء، وإلا تعرضت للتهلكة والموت عطشًا.
أما هم، فلهم آبار مخفية، وكهاريس أغلقت فتحاتها، فلا يعلم أحد من الناس سواهم أين هي؟ يشربون منها متى شاءوا، ويأخذون منها ما يحتاجون إليه. وهم قوم يحبون الحرية ويقدسونها، ويأبون الخضوع لحكم الغرباء. ولهذا لم يخضعوا لحكم الأشوريين أو الميديين أو الفرس أو لحكم ملوك المقدونيين، مع أن هذه الدول أرادت استعبادهم فأرسلت عليهم جيوشًا قوية، ولكنها لم تنجح في تحقيق ما أرادت، ولم تتمكن من السيطرة على هؤلاء الأنباط٥.
وقد ذكر عنهم أنهم كانوا يجمعون المطر ويخزنونه في الصهاريج، التي لا يعرف موقعها أحد غيرهم، وأنهم كانوا لا يذيقون ماشيتهم الماء إلا في كل ثلاثة أيام، حتى تتحمل عطش البادية وقلة مائها، وبذلك تتعود هذه البوادي القاسية.
стр. 1424
أما الناس، فكانوا يعيشون على اللحوم والحليب، يضاف إلى ذلك نوع من "الفلفل" ولب بعض الشجر، حيث تخلط بالماء١.
وقد أخذ "ديودورس" أخباره عن النبط من مؤرخ قبله هو "Hieronymos Of Kardia = Hieronymos Of Cardia، ويعود خبره إلى حوالي السنة "٣١٢" قبل الميلاد، إذ تحدث هذا المؤلف عن حملة "انطيغونس" "انتيكونس" "Antigonos" على القبائل العربية، فذكر "النبط" Nabataioi = Nabatoioi وأشار إلى الحملة التي أرسلت عليهم٢.
ويتبين من أقدم الأخبار الواردة في الكتب "الكلاسيكية" عن النبط أنهم كانوا في بادئ أمرهم أعرابًا رعاة ماشية، ومنهم أصحاب قوافل يتعاطون التجارة، ويقيمون حول البحر الميت، وكانوا يستخرجون "الاسفلت" من سواحله الشرقية فيحملونه إلى مصر لبيعه إلى المصريين٣. وكانت لهم أماكن محصنة تحصينًا طبيعيًّا يلتجئون إليها فيصعب على العدو مباغتتهم ومهاجمتهم في هذه الحصون، كما أن لهم علمًا بصحاريهم وبمواضع الماء فيها، يحتمون بها عند الحاجة، ويتخلصون بذلك من تعقيب الجيوش، ويذكر أنهم جنوا أرباحًا كثيرةً من اتجارهم بالاسفلت، إذ كان المصريون يشترونه منهم لاستعماله في "المومياء"، ولهذا أقبلوا عليه إقبالًا كبيرًا، در على النبط ربحًا طيبًا٤.
وقد وصفوا بأنهم كانوا يكرهون الزراعة ويزدرونها، كما كانوا يزدرون السكنى في بيوت مستقرة، وكانوا رعاة يربون الأغنام وبقية الماشية. إذا وجدوا غريبًا بينهم قتلوه؛ لأنهم كانوا يخشون أن يقعوا تحت حكم الأجانب فيفقدوا حريتهم٥. ووصف "سترابو" النبط، فقال: إنهم تجار، أقاموا في بيوت من الحجر، وقد اشتغل قوم منهم بالزراعة٦.
لقد أظهر هؤلاء الرعاة مقدرة فائقة وكفاية لا تقدر في تكييف أنفسهم وفي
стр. 1425
أخذهم بالأساليب الحديثة في الحياة. تمكنوا من استغلال أرضهم وما فيها من موارد طبيعية، وتعلموا استغلال مناجم النحاس والحديد القديمة في "أدوم"، واستخدام هذين المعدنين المهمين في صنع المواد اللازمة لشؤون الحياة. وأخذوا من "الهللينية" تنظيم المدن وأصول الإدارة والفن وحولوا مدينتهم الصخرية إلى مدينة حديثة جميلة تنطق حتى اليوم بكفاية أصحابها وبقابلياتهم للمدنية. كما اقتبسوا من "الفرث" "Parthian" ما يلائمهم ويوائم حياتهم وحاجاتهم١. وضربوا النقود على طريقة اليونان والرومان فأحسنوا في صنعها وأجادوا وأثبتوا أن العربي كيفما كان أمره قابل للتطور والإبداع والأخذ والاقتباس، وأنه إذا هيئت له الظروف وأرشده المرشدون ووجهوه توجيهًا حسنًا، أفاد نفسه وقومه والبشرية خير إفادة.
ومن النبط انتقلت المصنوعات النحاسية والحديدية المصنوعة في بلاد اليونان أو الشأم أو في بطرا إلى اليمن، وقد كانوا واسطة لنقل "الهيللينية" إلى العرب الجنوبيين. وقد عثر في "خولان" من اليمن على رأس مصنوع من النحاس، محفوظ الآن في المتحف البريطاني، يشبه وجهه الوجوه المطبوعة على النقود النبطية المضروبة في القرن الأخير قبل الميلاد، لذلك يرى الباحثون أنه من صادرات مملكة النبط إلى اليمن، وأنه من المصنوعات المتأثرة بالطابع "الهيلليني"٢.
ويحدثنا "ديودورس" أن "انطيغونس" "Antigonus" الذي خلف الإسكندر في سورية، جرد حملة على النبط قوامها أربعة آلاف جندي من المشاة وستمئة فارس جعلها في قيادة صديقه "أثينيوس" "Athenaeus" ليجبرهم على التحالف معه وتأييد مصالحه. وأمره بمباغتتهم وسلب كل ما يمتلكون من ماشية. فسار القائد من مقاطعة "أدوم" "Idumaea" بكل حذر وتكتم لكيلا يعلم أحد من النبط به. وباغت الصخرة في منتصف الليل، فقتل من حاول المقاومة وأسر خلقًا منهم، وترك الجرحى، واستولى على ما وقعت عليه يده من البخور والتوابل والطيب والفضة. ثم أمر قوته بالإسراع بالرجوع، فلما قطعت مسافة مئتي "اسطاديون" أضناها التعب، ونهكها قطع الطريق، فاضطرت إلى قطع
стр. 1426
السير للاستراحة في معسكر إقامته. وفيما كان الجنود ينعمون بنومهم، هاجمهم النبط وأعملوا فيهم السيوف، فلم ينج من رجال الحملة إلا خمسون فارسًا هربوا بسلام بعد أن أثخن أكثرهم بالجراح. وكان ذلك كما يزعم "ديودورس" بسبب تهاون رجال الحملة بأمر الحراسة وعدم تصورهم ملاحقة النبط لهم، وتمكنهم من الوصول إلى هذا الموضع في خلال يومين أو ثلاث١.
وذكر "ديودورس" أن اليونان تخيروا الوقت المناسب حينما باغتوا "الصخرة" فقد كان من عادة أهلها الذهاب إلى أسواق مجاوريهم للامتيار ولمبادلة سلعهم بسلع يحتاجون إليها من جيرانهم، تاركين في صخرتهم أموالهم ونساءهم وأطفاهلم وعجزتهم وشيوخهم. ولم تكن الصخرة من حصانتها، مسورة، فانتهز رجال الحملة هذه الفرصة، وباغتوا الحصن على نحو ما ذكرت. فلما بلغ الخبر النبط، تركوا السوق وتراكضوا إلى الصخرة، وأسرعوا يتعقبون أثر اليونان حتى أدركوهم في ذلك الموضع، فانتقموا منهم شر انتقام، وعلموهم درسًا لا ينسى ولا شك في وجوب اتخاذ الحذر والحيطة وتقدير كل أمر حق قدره مهما صغر وتفه، وقد تأتي التوافه بنتائج لا تأتي من عظائم الأمور. أما تأريخ إرسال هذه الحملة، فكان في سنة "٣١٢" قبل الميلاد٢.
وبعد انتقام النبط ممن حاول استرقاقهم، عادوا إلى الصخرة راضين مطمئنين، فنظموا أمورهم، ثم كتبوا إلى الملك "انطيغونس" كتابًا كتب بالأبجدية السريانية يلومون فيه "أثينيوس" "Athenaeus" على ما فعل بهم، ويعتذرون فيه عما بدر منهم، ويحملون صاحبه وزر صنعه. وقد أجابهم الملك بأن ما حدث لم يكن بعلمه ورضاه، وأن قائده عمل برأيه فخالف أمره، ولذلك فهو يحمله وزره، ويرجوا أن تتحسن العلاقات فيما بينهم وبينه، وأن ينسى ما حدث، وكان غرضه من هذا الكلام التأثير عليهم، وجلبهم إليه ولو إلى حين حتى يرى أمره، فإن أبوا ضرب ضربته. ونال ما أراد.
وبعد مدة هيأ قوة قوامها أربعة آلاف مسلح من المشاة، وأربعة آلاف من الفرسان جعل قيادتها تحت إمرة ابنه "ديمتريوس" "Demetrius"، للانتقام
стр. 1427
من النبط بأية طريقة كانت، فلما سمع النبط بقدومها، أمنوا أموالهم في مواضع حصينة يصعب الوصول إليها، ووضعوا عليها حراسة كافية، وسلكوا طرقًا متعددة تؤدي بهم إلى البادية. فلما وصل "ديمتريوس" إلى "الصخرة"، هاجمها بعنف وشدة، غير أنه لم يفلح في اقتحامها والاستيلاء عليها، ورجع بجيوشه قانعًا بالهدايا التي قدمت إليه١.
ويذكر "ديودورس" أن النبط كانوا قد لجأوا إلى اتخاذ أماكن حراسة وضعوا فيها حراسًا، واجبهم تنبيه النبط حين تبدو ظاهرة خطر عليهم، بإيقاد نيران في مواضع مرتفعة من تلك الأماكن، تكون علامة على وجود الخطر. فلما ظهر "ديمتريوس" متجهًا نحو الصخرة، أوقد الحراس النار، فهرب النبط إلى مواضع أمينة من البادية، وتخلصوا مع أموالهم منه؛ لأنه خاف من ملاحقتهم لعدم تمكن جيشه من تعقب آثارهم ولخوفهم من ولوج البادية، وقد كان "المقدونيون" يخشون من دخولها٢.
كان النبط من الشعوب العربية التي جمعت ثروة عظيمة، واكتنزت الذهب والفضة بفضل اشتغالها في التجارة وموقعها الممتاز الذي تلتقي عنده جملة طرق تجارية برية كانت عماد طرق القوافل في ذلك الزمن إليها يصل طريق اليمن والعربية الجنوبية المهم الموازي للبحر الأحمر، ومنها يتفرع الطريق إلى مصر والشأم وغزة والمدن الفينيقية على البحر المتوسط، وإليها يصل طريق تجاري آخر مهم يصل الخليج بمدينة "بطرا". ويصل مدينة تجارية أخرى لم يكن شأنها في التجارة أقل من شأن عاصمة النبط، وأعني بها مدينة جرها "Gerrha" على الخليج. فتحمل إليها تجارة الهند وما وراء الهند، وحاصلات إيران والعربية الشرقية لتوزع منها في الشأم ومصر وموانئ البحر المتوسط. وقد عمل ملوك النبط بكل ذكاء على الاستفادة من هذه الطرق واستغلالها لمصحلتهم ومصلحة مملكتهم٣. وقد اقتضى ذلك بالطبع وضع حرس قوي لحماية القوافل وإجراء التسهيلات الضرورية لأصحابها والاتفاق مع سادات القبائل لضمان سلامتها مقابل مبالغ تدفع لهم عن المرور "الترانزيت".
стр. 1428
وقد أدت سياسة البطالمة الرامية إلى السيطرة على البحر الأحمر واحتكار التجارة البحرية إلى إلحاق أضرار فادحة بالنبط وبغيرهم من العرب الذين كانوا يتاجرون في البحر الأحمر، فاضطر النبط إلى التحرش بسفن البطالمة وبمهاجمة السفن التي تتجه نحو مصر وبأخذ ما فيها، فاضطر "بطلميوس الثاني" "٢٨٥-٢٤٦ قبل الميلاد" إلى إنشاء قوة بحرية لحراسة السفن التجارية، وقد ألحقت هذه القوة خسائر فادحة بأسطول النبط١، منعت النبط أمدًا من التعرض لقوافل البطالمة، غير أن النبط كانوا ينتهزون الفرص، فلما انشغل "بطلميوس" بالحرب مع "سلوقي" سورية عادوا إلى مهاجمة سفن البطالمة والسفن الذاهبة أو الآيبة من مصر٢.
وألحقت سياسة "بطلميوس فيلادلفيوس" ومشروعاته الرامية إلى السيطرة على البحر الأحمر وعلى تجارة البلاد الحارة، أضرارًا خطيرة بالتجارة العربية، أثرت تأثيرًا سيئًا جدًا في الوضع السياسي في جزيرة العرب. إذ أفقدت العرب السيطرة على البحر الأحمر وأوجدت لهم منافسين خطيرين نافسوهم في أسواق إفريقية والهند، ولم يكن من السهل التغلب عليهم، بفضل ما أدخلوا على سفنهم من تحسينات فنية وابتكارات، وما خصصوا بها من قوات لحمايتها من تعرض سفن العرب لها. وقد ابتنى "بطلميوس فيلادلفوس" مدينة "Berenice" على خليج العقبة "Atlantic Gulf" لحماية التجار والسفن من تعرض النبط. ولعل ميناء "امبلونه" "Ampelone" الذي أسسه تجار الروم في جزيرة العرب على ساحل البحر الأحمر تجاه "العلا" على رأي بعضهم، هو من المواضع التي أنشئت لهذه الغاية في هذا الزمن٣. وبإنشاء هذه المواضع سيطر اليونان على البحر والطريق التجاري القريب منه، كما تمكنوا من ضمان الحصول على حاجاتهم بشراء ما يريدون من حاصلات الجزيرة ومن بيع ما يريدون بيعه في هذه الموانئ أيضًا.
وكان من نتائج هذه السياسة التي اقتفى أثرها من جاء بعد "بطلميوس فيلادلفوس" من الملوك والقياصرة، مشاطرة تجار العرب أرباحهم العظيمة التي
стр. 1429
كانوا يجنونها من الاتجار مع مصر والشأم. فلم يدخل في إمكانهم وضع الأسعار كما يريدون ويشتهون كما كان ذلك سابقًا. إذ وضع سادة بلاد الشأم ومصر الجدد أسعارًا ثابتةً للبضائع العربية والهندية التي تصل إلى بلادهم، كما فرضوا عليها ضرائب معينة بحسب قوائم جديدة. وبذلك تحكموا في الأسعار التجارية العالمية، وحرموا تجارة جزيرة العرب وسادتها من ملوك متاجرين وأسر غنية متنفذة ربحًا عظيمًا، وألحقوا بخزانتهم خسائر كبيرة. وكان من أثر هذه السياسة الصارمة هبوط الأسعار هبوطًا بينًا في الأسواق١.
وقد تمكن الباحثون في تأريخ النبط من ضبط أسماء جملة ملوك حكموا النبط. ولا نستطيع اليوم ذكر اسم أول من أسس مملكة النبط، ولا الزمن الذي أسست فيه تلك المملكة ولا الأسرة التي نسلت أولئلك الملوك. وكل ما نستطيع قوله هو أن استقلال النبط كان قبل الميلاد، وأننا نعرف أسماء بضعة ملوك حكموا قبل الميلاد، بصورة أكيدة لا مجال فيها لأي شك، كما نعرف أسماء ملوك كان حكمهم بعد الميلاد.
ويكثر اسم "الحارث" "أرتاس" "ارتياس" Aretas = Arethas بين أسماء الملوك، حتى لقد ذهب الظن ببعض الباحثين إلى أن هذا الاسم هو لقب، وأنه في معنى "فرعون" بالنسبة إلى ملوك مصر، و" قيصر" بالنسبة إلى ملوك الرومان والروم، و"النجاشي" بالنسبة إلى ملوك الحبشة، و"كسرى" بالنسبة إلى ملوك الفرس، و"تبع" بالنسبة إلى ملوك اليمن٢. أما الاسم الذي يليه في المرتبة فهو "عبادة" و"مالك" و"رب ال" "رب ايل". وذهب بعض آخر إلى أن لفظة "Aretas" هي اسم الأسرة الحاكمة التي حكمت النبط، وأنها من أصل "آرامي" هو "حرتت" "Charethath"٣.
وفي الفصل الخامس من أسفار "المكابيين الثاني" أن "أرتاس" زعيم العرب طرد "ياسون" "Jason" من أرضه "فجعل يفر من مدينة إلى مدينة والجميع ينبذونه ويبغضونه بغضة من ارتد عن الشريعة، ويمقتونه مقت من هو قتال لأهل
стр. 1430
وطنه حتى دحر إلى مصر"١. ويظهر من هذه الآية أن الحارث كان قد طرد "ياسون" من أرضه، وتغلب عليه، وصار يتعقبه حتى هرب إلى مصر. وكان "ياسون" قد اختلف مع أخيه "أونياس الثالث" "Onias III" في يهوذا على الكهانة العظمى. وقد حكم "أرتاس" أي "الحارث" المعروف بـ"حرثت" "حرتت" "حارثة" "Harithat" في الكتابة النبطية في حوالي سنة "١٦٩" قبل الميلاد. ونظرًا إلى أنه أول ملك وصل اسمه إلينا في الأخبار، أطلق الباحثون عليه لقب "الأول" تمييزًا له عن بقية من جاء بعده حاملًا هذا الاسم٢.
ويلاحظ أن الآية المذكورة لم تلقب "الحارث" بلقب "ملك"، وإنما نعتته بـ "زعيم"، أو بما شابه ذلك من معان، هي دون درجة "ملك". أما الموارد التأريخية، فقد لقبته بلقب "ملك"٣.
وقد وردت كلمة "النباطيين"، وهم النبط، في موضع من الفصل الخامس من سفر المكابيين الأول، وذكرت بعدها بجملة آيات كلمة "العرب". وكان هؤلاء العرب يشدون أزر "تيموتاوس" الذي حارب "يهوذا المكابي" "يهوذا مكابيوس" "Judas Maccabaeus" "١٦١ ق. م."٤ أما النبط فكانوا على وئام مع المكابيين: "يهوذا المكابي" وأخوه "يوناتان" وكانت صلاتهم بجيرانهم المكابيين حسنة. ويظهر من الآية التي ذكر فيها اسم "العرب" أن "تيموتاوس" وأنصاره كانوا قد استأجروا العرب للقتال معهم٥. وأغلب الظن أن المراد بـ "العرب". في هذه الآية هم جماعة من الأعراب.
وطلب "يوناثان" "المتوفى سنة ١٤٣ق. م." –الذي انتخب مكان أخيه يهوذا المكابي بعد مقتله- من النبط مساعدتهم، أن يعيروه عدة يستعين بها على أعدائه، وذلك حين طلب "بكيديس" قتله. وأرسل "يوحنا أخاه في جماعة
стр. 1431
بقيادته يسأل النباطيين أولياءه. أن يعيروهم عدتهم الوافرة"١. فلما كان يوحنا في "ميدبا" "مأدبا"، خرج عليه "بنو يمرى" وقبضوا عليه وعلى كل من كان معه وذهبوا بالجميع٢. ويظهر من إرسال "يوناثان" أخاه النبط ومن جملة "يسأل النباطيين أولياءه" الواردة في "المكابيين" أن علاقة المكابيين بالنبط كانت حسنة جدًّا، وأن النبط كانوا إذ ذاك أقوياء أصحاب عدة وعتاد.
وأما "بنو يمري" Bene- Amri/Jambri الذين قتلوا "يوحنا" شقيق "يوناثان"، وهو المعروف بـ "يوحنا المكابي"٣، فقبيلة عربية يظهر أن منازلها كانت في "ميدبا" "مادبا" من أقدم مدن "مؤاب"٤، وهي تبعد ثمانية أميال إلى الجنوب الشرقي من "حسبان" "Heshbon" و"١٤" ميلًا شرقي بحر "لوط"٥، وهي مدينة "Mydava" التي ذكرها "بطلميوس" وذكر أنها تقع في "العربية النبطية" "Arabia Petraea" و"اندبه" "Undaba" و" Unddaba" لدى "أويسبيوس" و"Medaba" لدى "جيروم"٦. وصارت في العصور المسيحية مركزًا لأسقف المقاطعة المعروفة باسم "المقاطعة العربية" "Provincia Arabia". ولا نعرف في الزمن الحاضر شيئًا من أمر هذه القبيلة "Bene Amr"، التي لا يستبعد أن يكون اسمها الصحيح "بنو عمرو".
وذكر "يوسفوس" أن "يوناثان" وشقيقه "سمعان" "Simon" سمعا أن "بني عمرى" "Bene Amri" "Amaraeus" سيقيمون عرسًا عظيمًا ويزفون العروس من مدينة "Gabatha" = "Gabbatha"، وهي من أشراف العرب، فقررا الانتقام من قتلة شقيقهما، فذهبا مع قوة كبيرة ووضعا كمينًا في "ميدابا" "مادبا". فلما وصل الموكب، خرج الكمين، فسقط قتلى كثيرون، وهرب من تمكن من النجاة إلى الجبل٧.
стр. 1432
وحكم بعد "الحارث الأول" الملك "زيد ال" "زيد ايل"، وذلك في حوالي السنة "١٤٦" قبل الميلاد. ثم الملك "الحارث الثاني" "حرتت" حرثت"، الذي حكم حوالي سنة "١١٠" قبل الميلاد، ودام حكمه حتى حوالي عام "٩٦" قبل الميلاد١.
ويرى "شرادر" أنه حكم حوالي سنة "١٣٩" قبل الميلاد، ودام حكمه حتى سنة "٩٧" قبل الميلاد٢. ويرى بعض آخر أنه حكم حوالي سنة "١٢٠ق. م." ٣. ويظهر أنه كان يعرف بـ "ايروتيموس" "Erotimus" = "Herotimus"٤ ويظن "شرادر" أنه هو الذي قصده "يوسفوس" حين ذكره في حوادث سنة "٩٧" قبل الميلاد٥.
وتوقف بعض آخر في تثبيت اسم من حكم بعد الحارث الأول، فوضع فراغًا قدره بنحو نصف قرن، ذكر أنه لا يدري من حكم فيه، ثم وضع بعده اسم "الحارث" الثاني المعروف بـ "Erotimus II"، وقد قدر حكمه فيما بين السنة "١٢٠" والسنة "٩٦" قبل الميلاد٦.
ولم تصل إلينا أخبار واضحة أكيدة عن هذا "الحارث". ويذكر المؤرخ اليهودي "يوسفوس" أن أهل "غزة" طلبوا منه العون والمساعدة ليتمكنوا من الثبات أمام محاصرة "اسكندر جنيوس" "Alexander Jannaeus" لمدينتهم، غير أنه خيب آمالهم، فلم يساعدهم. وقد نعته هذا المؤرخ بـ "ملك"، مما يدل على أن هذا اللقب صار لقبًا رسميًّا لحكام النبط في هذا العهد٧.
وذكر أن "ايروتيمس" "Erotimus" = "Herotimus" "الحارث الثاني"، كان قد اهتبل فرصة ضعف الأوضاع في مصر وبلاد الشأم، فهاجم بأولاده وبجنوده تلك الأرضين، وغنم منها غنائم كثيرة، فكون بذلك لنفسه وللعرب
стр. 1433
صيتًا بعيدًا١.
وتبين للنبط على ما يظهر أنهم إذا استمروا في تأييدهم ومساعداتهم للحسمونيين "Hasmoneans" المناضلين للخلاص من حكم السلوقيين السوريين، ألحقوا أضرارًا بمصالحهم الخاصة وبحكومتهم نفسها، فلم تكن سياسة المكابيين مقتصرة على طلب الاستقلال التام والخلاص من الحكم الأجنبي، بل كانت تنطوي على الاستيلاء على الأردن والتوغل في مناطق النبط نفسها، وإنشاء حكومة قوية قد تزاحم حكومتهم في يوم من الأيام، فرأوا أن من الخير لهم أن يدعوا هذا التأييد، وأن يقاوموا إن احتاج الأمر إلى المقاومة. وقد حدث ذلك بالفعل في عهد الملك المكابي "اسكندر جنيوس" "اسكندر ينيوس" "Alexander Jannaeus" "١٠٣-٧٦ قبل الميلاد" حيث وقعت حرب بينه وبين النبط بسبب الأردن٢.
فلما تمكن الملك الماكبي مستعينًا بجنود مرتزقة من اليونان ومن أهل آسية الصغرى ومن "المؤابيين" ومن "الجلعاديين" أهل "جلعاد"، وهم من العرب كما يقول المؤرخ اليهودي "يوسفوس"٣، وأجبرهم على دفع الجزيرة اصطدم بمعارضة الملك "عبادة" "Obedas" الذي أعلن حربًا عليه، كان "اسكندر" يهلك فيها لولا الأقدار التي احتضنته ففر مسرعًا هاربًا بنفسه إلى القدس، وبذلك كتب لنفسه السلامة والنجاة٤.
إن "عبادة" "Obedas" = "Obedas" = "Obedath" هذا الذي ذكره "يوسفوس"، هو "عبادة" المعروف عند المؤرخين بـ "عبادة الأول" تمييزًا له عن ملوك آخرين عرفوا بـ Obedas، وقد حكم حوالي سنة تسعين قبل الميلاد٥. وجعل "شرادر" حكمه في عام "٩٣" قبل الميلاد. وقد ورد اسمه مضروبًا على النقود٦.
стр. 1434
لم ينعم "اسكندر جنيوس" "اسكندر يانيوس" بعد عودته إلى القدس بأيام طيبة هادئة، فلقد جوبه بمعارضة قوية وبجماعة شديدة أخذت تعارض سياسته وتقاومه، ودبت الفتنة في كل مكان من مملكته وبلغ من حقد الجماعة عليه أنها استدعت "ديمتريوس أويكروس" "Demetrius Eukarus III" المعروف بالثالث من بقايا حكام مملكة السلوقيين السوريين المتداعية ونصبته ملكًا عليها وحاكمًا١.
وهكذا نجد الشعب اليهودي الذي استعاد استقلاله يعود إلى طبيعته الأولى، فينقسم على نفسه، ويشعل نار حرب أهلية في مملكته، ويفضل حكم الغرباء على حكم أبنائه. ولما وجد الملك المكابي مركزه حرجًا وخصمه قويًّا وأنه قد يتغلب عليه، وأن له في الجنوب خصمًا آخر طموحًا أقوى من خصمه "ديمتريوس" وأعنف، رأى التودد إلى العرب والتحبب إليهم، فنزل لهم عن "موآب" و" جلعاد" وعن أماكن أخرى كان يخشى من احتمال انضمامها إلى خصومه، وقدمها إلى ملك النبط وتساهل في أمور أخرى ليأمن على ما تبقى من مملكته على الأقل٢.
وأما "ديمتريوس" الذي ترك "يهوذا" "Jubaea" وارتحل عنها، فقد ذهب إلى "حلب" "Boroea"، وانتصر على أخيه "فيليب" "Philip"٣. غير أن "ستراتو" "Strato" حليف "فيليب" وأحد حكامه، أسرع فاستنجد في "Zizus" بسادات القبائل العربية وبالفرث "Parthians"، فأنجدوه وساروا بقوات كبيرة على "ديمتريوس" فانتصروا عليه٤.
وحكم بعد "عبادة الأول" ملك اسمه "رب ال" "Rabb'il" = "Rabilus". يظهر أن حكمه كان حوالي السنة "٨٧" أو "٨٦" قبل الميلاد. ويعرف عند المؤرخين بـ "رب ايل الأول" تمييزًا له عن عدد من الملوك حكموا بعده عرفوا باسم "رب ايل"٥. وقد عثر على كتابة وسمت بـ "CIS II, ٣٤٩"٦، مؤرخة في شهر "كسلو" وشهر "شمادا" "Schemada" في قراءة٧ و" شمارة"
стр. 1435
"شمرة" "Schamara" في قراءة أخرى١ من سنة "١٨" على قراءة٢ أو سنة "١٦" على قراءة أخرى من سني ملك اسمه "حرتت ملك"، أي "حارث الملك"، أو "الملك الحارث" بتعبير أصح. وقد دونت هذه الكتابة على قاعدة تمثال عثر عليه سنة "١٨٩٨م" عند "بطرا" "Petra"٣ دونت عليها: "هذا تمثال رب ايل ملك النبط بن ... ت ملك النبط عملها.... ب رحيم "حيم" "ننى" "مجنى" الأقدم"٤. فيظهر من هذه الكتابة أن تمثالًا أقيم للملك "رب ايل" عمل في السنة الثامنة عشرة أو الساسة عشرة من سني ملك اسمه "حرتت"، أي "الحارث"، وأن الذي عمل التمثال شخص لعب القدر ببعض حروف اسمه الأول، فلم يبق منه إلا الحرف الأخير، وهو "ب"، كما لعب في طمس معالم بعض الحروف الأخرى من الاسم، حمل الباحثين على الاختلاف في قراءتها.
أما اسم الملك وهو "رب ال ملك نبطو"، فهو ظاهر واضح. وأما اسم أبيه الذي هو "ملك نبطو" أي ملك النبط، فقد سقطت حروفه ولم يبق منه إلا الحرف الأخير وهو "ت"، لذلك اختلف فيه الباحثون، فمنهم من قرأه "عبدت"، أي "عبادة"، فجعل لذلك "رب ايل" ابنًا له، أي لـ"عبادة الأول"، ومنهم من قرأه "حرتت"، أي "الحارث"، فجعل أباه ملكًا اسمه "الحارث"٥.
ولا نعرف شيئًا يذكر من أعمال "رب ايل". ولعل ما ذكره "اصطيفان البيزنطي" "Stephanos Of Byzanz" نقلًا عن "أورانيوس" من أن ملك العرب المسمى "ربليوس" "Rabilus" = "Rabilos" قتل "انتيغونس" "Antigonos" المقدوني في موضع يقال له "Matho"، وهو قرية عربية، أريد به الملك "رب ايل" الذي نتحدث عنه. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن المراد
стр. 1436
من لفظة "موثو" "موتو" الموت، وأن المقصود موضع الموت أو قرية الموت، لما وقع فيها من موت، فعرفت به١.
ولا نعلم من أمر "رب ايل" شيئًا يذكر، والظاهر أن حكمه كان قصيرًا جعله بعضهم نحو سنة، أي سنة "٨٧ "قبل الميلاد، ثم وضع بعده حكم "الحارث" المعروف بالثالث٢. وهو من أشهر الملوك المتقدمين من النبط، وأخباره أوضح من أخبار من تقدمه ممن ذكرت. وقد ذهب بعضهم إلى احتمال كونه هو "اروتيموس" "Erotimus" المذكور في التواريخ اليونانية٣. وذهب بعض الباحثين إلى أن حكم الحارث كان من سنة "٨٥" حتى سنة "٦٠ "قبل الميلاد، أو من سنة "٨٧" حتى سنة "٦٢" قبل الميلاد٤. وإذ صح أنه أدرك سنة "٦٢" أو "٦٠" قبل الميلاد، يكون الرومان قد استعادوا مدينة دمشق في أيام هذا الملك، إذ يرى كثير من المؤرخين أن "اللجيونات" الرومانية العاملة بإمرة القائدين "لوليوس" "Lollius" و"ميتيلوس" "Metellus" قد احتلت المدينة عام "٦٥" قبل الميلاد، ثم دخلها "بومبيوس" في سنة "٦٤" قبل الميلاد٥. وذهب بعض الباحثين إلى أنه اضطر إلى إخلاء "دمشق" سنة "٧٠" قبل الميلاد، إذ لم تستطع جيوشه الوقوف أمام جيش الملك الأرمني "تيكرانس" "Tigranes" التي زحفت على بلاد الشأم٦.
وقد عرف الحارث الثالث بـ "فيلهيلن" "Philhellen"، وهو لقب يوناني "Aretas Philhellene"، معناه محب اليونان. وقد اشتهر بتوسيعه رقعة ملك النبط. فما هاجمه "أنطيوخس الثاني عشر" "أنطيخس" "Antiochus XII" وأخذ يتوغل في أرض النبط، أسرع "الحارث" فجمع قواته ووقف بحزم أما القوات المهاجمة، ثم اصطدم به عند موضع "Kana" "Cana"، حيث قضى على معظم جيش "أنطيوخس" وألحقه مع من قتل بالعالم الآخر. وقد
стр. 1437
وقعت هذه المعركة في سنة "٨٦" أو "٨٤-٨٣" قبل الميلاد١.
ويرى بعض الباحثين استنادًا إلى النقود التي ضربت باسم "أنطيوخس"، بسنة "٨٧-٨٦" قبل الميلاد، والتي استمر ضربها ثلاث أو أربع سنين، ثم انقطعت
أن نهاية هذا الملك كانت بسنة "٨٥-٨٤" أو "٨٤-٨٣"، وهي السنة التي قتل فيها، وانتهت بانتصار "الحارث" عليه٢.
وقد مكن سقوط "أنطيوخس" في تلك المعركة النبط من تقوية أنفسهم ومن شد عزمهم، فلما مات الملك "رب ايل" الأول سنة "٨٧" قبل الميلاد على بعض الآراء، وتولى "الحارث" الثالث "حارثة" "Aretas" الحكم من بعده انتهز تلك الفرصة فاستولى سنة "٨٥ق. م." على دمشق، وتوسعت بذلك رقعة مملكته وأحاطت بملكة المكابيين من الشرق والجنوب٣.
وقد افتتح عهد "الحارث الثالث" باستيلائه على "دمشق" وعلى "سهل البقاع" "Coike-Syria" = "Koike-Syria"، فقد استدعاه أهلها لإنقاذهم من مهاجمة "اليطوريين" "Ituraer" لهم، بقيادة ملكهم "بطلميوس بن منيوس" "Ptolemaios Mennaios"، أي "بطلميوس بن معن". وهو من أصل عربي أيضًا، فاسرع إليها، وكانت يومئذ قصبة "السلوقيين"، فاستولى عليها، ودخلت في جملة أملاكه٤، ولقبه أهلها "محب اليونان وحاميهم" "Philhellen"؛ لأنه أنقذهم من "غزو الأعراب" لهم٥.
الآن وقد أصبح "الحارث" ملكًا على مملكة واسعة الأطراف، وتشرف على مملكة "يهوذا" المتداعية، وبإمرته جيش قوي، كان لا بد له من التداخل في
стр. 1438
شؤون هذه الجماعات المتخاصمة المتنافرة التي تكون مملكة، ولكنها لا تخضع لملك ولا لسلطان. وإذا لم يتدخل هو بنفسه فإن الأحزاب اليهودية نفسها لا تتركه على الحياد. وهذا ما حدث. فغزا "الحارث" أرض يهوذا، وفي معركة واحدة وقعت عند موضع "اديدا" "Addida" = "Adida" انهار الجيش اليهودي، وتشتت شمله، فلم يبق أمام "اسكندر ينيس" "Alexander Jannaeus" = "Alexander Jannaios" غير طلب الصلح، فعقد الصلح، وعاد النبط إلى ديارهم إلى حين١. ولم يشر المؤرخ "يوسفوس" إلى محتويات معاهدة الصلح٢.
أما "Adida "= "Addida" المكان الذي وقعت فيه المعركة، فهو "الحديثة" على مقربة من "اللد" "Ludda"، المسماة أيضًا باسم "Diospolis"٣، وقد عرفت "Adida" باسم "حاديد" "Hadid" و"حديد"Hadid" و"Aditha"٤.
لقد تمكن "الحارث" من بناء جيش يعتمد عليه في المعارك، فبعد أن كان جيش النبط في بادئ أمره جماعات غزو غير منظمة ولا منسقة تهاجم عدوها وتباغته على طريقة الأعراب ثم تتراجع، يسيرها العرف القبلي، تحسن جيش النبط بعض التحسن، وأدخلت على القوات الراكبة بعض الإصلاحات، غير أنها بقيت مع ذلك متأثرة بروح البداوة، التي لا تقبل الخصوع للأنظمة والأوامر، والتي لا تهتم إلا بالغنائم، فإذا حصلت عليها رجعت إلى مواطنها دون تفكير في العاقبة. فلما استولى "الحارث" علىدمشق، وفيها عدد كبير من اليونان، انضم بعضهم إليه، فعملوا على تحسين جيشه وتدريبه، وعلى تكوين جيش مدرب نظامي، استعان به في تقوية مركزه حتى صار به من أقوى ملوك النبط الذين حكموا حتى أيامه، مما حمله على التدخل في شؤون مملكة يهوذا، ثم على مجابهة الرومان، وهم أصحاب جيوش منظمة مدربة، بجيش لم يتعود دخول الحروب النظامية، فتغلب الرومان من ثم عليه.
стр. 1439
فلما دب الخلاف بين الأخوين "أرسطوبولس" "Aristobolus" و"هركانوس" "Hyrcanus"، ابني "اسكندرة" "Alexandra" على الملك، وانقسمت "يهوذا" إلى أحزاب وجماعات أبرزها جماعة "الفريسيين" "Pharise'es" يؤيدون "هركانوس" وجماعة "الصدوقيين" "Sadduce'es" أنصار "أرسطوبولس"، وجمع "أرسطوبولس" حوله أنصاره وجيشًا من العرب ومن جنود مرتزقة، وتفوق على أخيه، طلب "هركانوس" مساعدة النبط، وبعث صديقه "انتيبطر" "انتيباطر" "Antipater" إلى "بطرا" ليتوسط لدى "الحارث"، وكان صديقًا له، في أمر مساعدة "هركانوس" وفي أمر الالتجاء إليه. فلما نجحت الوساطة، هرب من القدس ليلًا متجهًا إلى النبط، وطلب من الملك بإلحاح أن يعيده إلى "يهوذا"، وأن يأخذ له التاج من أخيه، ويثبته في ملكه، ويتعهد في مقابل هذه المساعدة بإعادة المدن الاثنتي عشرة التي أخذها أبوه "اسكندر" من العرب، وهي: "مادبا" "مأدبا" "Medaba" و"نبالو" "Naballo" و"ليبياس" "Libias" و"ثربسة" "Tharabasa" و"اكله" "Agalla" و"اتونه" "Athone" و"زوره" "Zoara" و"اورونه" "Oronae" و"ريده" "Rydda" و"لوسه" Lusa" و"اوريبه" "Oryba" و"مريسه" "Marissa" إلى النبط. فوافق "الحارث" على هذه الشروط، وهجم على "يهوذا" "٦٦-٦٥ق. م." بجيش قوامه خمسون ألف جندي راجل وفارس شتت شمل أصحاب "ارسطوبولس" وتركه وحده، فهرب إلى القدس، فتعقبه الحارث على رأس جيش عربي يهودي كبير، وأحكم عليه الحصار، وكادت العاصمة تسقط في يديه لولا حدوث تطور سياسي عسكري خطير قلب الوضع، ذلك هو هجوم الرومان فجأة في أيام "بومبيوس" على دمشق وسورية وهجوم قائدهم "سكورس" "Scaurus" على "يهوذا" وتدخله في هذا النزاع١.
لقد كان تقدم الرومان هذا في بلاد الشأم تهديدًا صريحًا لليهود وللنبط. أدى بعد قرون إلى الاستيلاء التام على كل فلسطين والأردن وإلحاقهما بالمستعمرات الرومانية. وقد كانت فاتحة ذلك تدخل الرومان في شؤون يهوذا. وتوجيه إنذار
стр. 1440
إلى "الحارث" بوجوب فك الحصار عن "القدس" والتراجع عن يهوذا مع جميع جيشه فورًا إن أراد أن تكون علاقاته بـ "رومة" حسنة، وإلا عد عدوًّا لها ومشاكسًا. وقد أدرك "الحارث" أن جيشه لا يستطيع الوقوف أمام جيوش الرومان المدربة المنظمة المسلحة تسليحًا جيدًا حديثًا بالنسبة إلى أسلحة النبط. ففك الحصار، وتراجع ومعه "هركانوس"، فاغتنم "أرسطوبولس" الفرصة، وكان قد اكتسب ثقة "سكوروس" قائد الرومان، وتعقب المتراجعين في طريقهم إلى "ربت – عمان" "فيلادلفيا" "عمان"، فالتحم بهم في معركة عند موضع اسمه "بابيرون" "Papyron"، فانتصر على "الحارث" وقتل ستة آلاف من أتباعه١.
وتعقدت الأمور ثانية بين الرومان والنبط، وهدد "سكوروس" النبط بالزحف عليهم وتخريب بلادهم، وقرر الحارث في بادئ الأمر تحديه، ثم وجد أن من المستحيل عليه الثبات له، وتوسط "انتيباتر" فيما بينه وبين "سكوروس" بأن يدفع الحارث جعالة للرومان، وتصالح بذلك معهم، وقد سر "بومبيوس" من هذه النتيجة حتى أنه أمر بوضع صورة "الحارث" في موكب نصره، كما سر "سكوروس" بذلك إذ أمر بضرب نقد، صور الحارث عليه وقد أحنى رأسه راكعًا وحاملًا سعفة تعبيرًا عن استسلامه له٢.
لقد وقع كل ذلك في حوالي السنة "٦٢" قبل الميلاد، السنة التي هلك فيها هذا الملك، وذهبت بوفاته معه كل آماله وأحلامه في أن يكون وريث مملكة السلوقيين في بلاد الشأم. ولعل النكسة التي وقعت له قد أثرت فيه فجعلت منيته.
وقد ورد اسم "الحارث" في كتابة عثر عليها في القسم المعروف بـ "المدراس" "المدرس" "Elmadras" من "بطرا"٣. و"المدراس" معبد خصص بعبادة الإله "ذو الشرى" "Duschara" إله النبط الكبير. وقد دونها أحد قواد الملك في السنة السادسة عشرة أو السابعة عشرة من حكم "حرتت" "Haritat"