← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

من لفظة "موثو" "موتو" الموت، وأن المقصود موضع الموت أو قرية الموت، لما وقع فيها من موت، فعرفت به١. ولا نعلم من أمر "رب ايل" شيئًا يذكر، والظاهر أن حكمه كان قصيرًا جعله بعضهم نحو سنة، أي سنة "٨٧ "قبل الميلاد، ثم وضع بعده حكم "الحارث" المعروف بالثالث٢. وهو من أشهر الملوك المتقدمين من النبط، وأخباره أوضح من أخبار من تقدمه ممن ذكرت. وقد ذهب بعضهم إلى احتمال كونه هو "اروتيموس" "Erotimus" المذكور في التواريخ اليونانية٣. وذهب بعض الباحثين إلى أن حكم الحارث كان من سنة "٨٥" حتى سنة "٦٠ "قبل الميلاد، أو من سنة "٨٧" حتى سنة "٦٢" قبل الميلاد٤. وإذ صح أنه أدرك سنة "٦٢" أو "٦٠" قبل الميلاد، يكون الرومان قد استعادوا مدينة دمشق في أيام هذا الملك، إذ يرى كثير من المؤرخين أن "اللجيونات" الرومانية العاملة بإمرة القائدين "لوليوس" "Lollius" و"ميتيلوس" "Metellus" قد احتلت المدينة عام "٦٥" قبل الميلاد، ثم دخلها "بومبيوس" في سنة "٦٤" قبل الميلاد٥. وذهب بعض الباحثين إلى أنه اضطر إلى إخلاء "دمشق" سنة "٧٠" قبل الميلاد، إذ لم تستطع جيوشه الوقوف أمام جيش الملك الأرمني "تيكرانس" "Tigranes" التي زحفت على بلاد الشأم٦. وقد عرف الحارث الثالث بـ "فيلهيلن" "Philhellen"، وهو لقب يوناني "Aretas Philhellene"، معناه محب اليونان. وقد اشتهر بتوسيعه رقعة ملك النبط. فما هاجمه "أنطيوخس الثاني عشر" "أنطيخس" "Antiochus XII" وأخذ يتوغل في أرض النبط، أسرع "الحارث" فجمع قواته ووقف بحزم أما القوات المهاجمة، ثم اصطدم به عند موضع "Kana" "Cana"، حيث قضى على معظم جيش "أنطيوخس" وألحقه مع من قتل بالعالم الآخر. وقد

стр. 1437

وقعت هذه المعركة في سنة "٨٦" أو "٨٤-٨٣" قبل الميلاد١. ويرى بعض الباحثين استنادًا إلى النقود التي ضربت باسم "أنطيوخس"، بسنة "٨٧-٨٦" قبل الميلاد، والتي استمر ضربها ثلاث أو أربع سنين، ثم انقطعت أن نهاية هذا الملك كانت بسنة "٨٥-٨٤" أو "٨٤-٨٣"، وهي السنة التي قتل فيها، وانتهت بانتصار "الحارث" عليه٢. وقد مكن سقوط "أنطيوخس" في تلك المعركة النبط من تقوية أنفسهم ومن شد عزمهم، فلما مات الملك "رب ايل" الأول سنة "٨٧" قبل الميلاد على بعض الآراء، وتولى "الحارث" الثالث "حارثة" "Aretas" الحكم من بعده انتهز تلك الفرصة فاستولى سنة "٨٥ق. م." على دمشق، وتوسعت بذلك رقعة مملكته وأحاطت بملكة المكابيين من الشرق والجنوب٣. وقد افتتح عهد "الحارث الثالث" باستيلائه على "دمشق" وعلى "سهل البقاع" "Coike-Syria" = "Koike-Syria"، فقد استدعاه أهلها لإنقاذهم من مهاجمة "اليطوريين" "Ituraer" لهم، بقيادة ملكهم "بطلميوس بن منيوس" "Ptolemaios Mennaios"، أي "بطلميوس بن معن". وهو من أصل عربي أيضًا، فاسرع إليها، وكانت يومئذ قصبة "السلوقيين"، فاستولى عليها، ودخلت في جملة أملاكه٤، ولقبه أهلها "محب اليونان وحاميهم" "Philhellen"؛ لأنه أنقذهم من "غزو الأعراب" لهم٥. الآن وقد أصبح "الحارث" ملكًا على مملكة واسعة الأطراف، وتشرف على مملكة "يهوذا" المتداعية، وبإمرته جيش قوي، كان لا بد له من التداخل في

стр. 1438

شؤون هذه الجماعات المتخاصمة المتنافرة التي تكون مملكة، ولكنها لا تخضع لملك ولا لسلطان. وإذا لم يتدخل هو بنفسه فإن الأحزاب اليهودية نفسها لا تتركه على الحياد. وهذا ما حدث. فغزا "الحارث" أرض يهوذا، وفي معركة واحدة وقعت عند موضع "اديدا" "Addida" = "Adida" انهار الجيش اليهودي، وتشتت شمله، فلم يبق أمام "اسكندر ينيس" "Alexander Jannaeus" = "Alexander Jannaios" غير طلب الصلح، فعقد الصلح، وعاد النبط إلى ديارهم إلى حين١. ولم يشر المؤرخ "يوسفوس" إلى محتويات معاهدة الصلح٢. أما "Adida "= "Addida" المكان الذي وقعت فيه المعركة، فهو "الحديثة" على مقربة من "اللد" "Ludda"، المسماة أيضًا باسم "Diospolis"٣، وقد عرفت "Adida" باسم "حاديد" "Hadid" و"حديد"Hadid" و"Aditha"٤. لقد تمكن "الحارث" من بناء جيش يعتمد عليه في المعارك، فبعد أن كان جيش النبط في بادئ أمره جماعات غزو غير منظمة ولا منسقة تهاجم عدوها وتباغته على طريقة الأعراب ثم تتراجع، يسيرها العرف القبلي، تحسن جيش النبط بعض التحسن، وأدخلت على القوات الراكبة بعض الإصلاحات، غير أنها بقيت مع ذلك متأثرة بروح البداوة، التي لا تقبل الخصوع للأنظمة والأوامر، والتي لا تهتم إلا بالغنائم، فإذا حصلت عليها رجعت إلى مواطنها دون تفكير في العاقبة. فلما استولى "الحارث" علىدمشق، وفيها عدد كبير من اليونان، انضم بعضهم إليه، فعملوا على تحسين جيشه وتدريبه، وعلى تكوين جيش مدرب نظامي، استعان به في تقوية مركزه حتى صار به من أقوى ملوك النبط الذين حكموا حتى أيامه، مما حمله على التدخل في شؤون مملكة يهوذا، ثم على مجابهة الرومان، وهم أصحاب جيوش منظمة مدربة، بجيش لم يتعود دخول الحروب النظامية، فتغلب الرومان من ثم عليه.

стр. 1439

فلما دب الخلاف بين الأخوين "أرسطوبولس" "Aristobolus" و"هركانوس" "Hyrcanus"، ابني "اسكندرة" "Alexandra" على الملك، وانقسمت "يهوذا" إلى أحزاب وجماعات أبرزها جماعة "الفريسيين" "Pharise'es" يؤيدون "هركانوس" وجماعة "الصدوقيين" "Sadduce'es" أنصار "أرسطوبولس"، وجمع "أرسطوبولس" حوله أنصاره وجيشًا من العرب ومن جنود مرتزقة، وتفوق على أخيه، طلب "هركانوس" مساعدة النبط، وبعث صديقه "انتيبطر" "انتيباطر" "Antipater" إلى "بطرا" ليتوسط لدى "الحارث"، وكان صديقًا له، في أمر مساعدة "هركانوس" وفي أمر الالتجاء إليه. فلما نجحت الوساطة، هرب من القدس ليلًا متجهًا إلى النبط، وطلب من الملك بإلحاح أن يعيده إلى "يهوذا"، وأن يأخذ له التاج من أخيه، ويثبته في ملكه، ويتعهد في مقابل هذه المساعدة بإعادة المدن الاثنتي عشرة التي أخذها أبوه "اسكندر" من العرب، وهي: "مادبا" "مأدبا" "Medaba" و"نبالو" "Naballo" و"ليبياس" "Libias" و"ثربسة" "Tharabasa" و"اكله" "Agalla" و"اتونه" "Athone" و"زوره" "Zoara" و"اورونه" "Oronae" و"ريده" "Rydda" و"لوسه" Lusa" و"اوريبه" "Oryba" و"مريسه" "Marissa" إلى النبط. فوافق "الحارث" على هذه الشروط، وهجم على "يهوذا" "٦٦-٦٥ق. م." بجيش قوامه خمسون ألف جندي راجل وفارس شتت شمل أصحاب "ارسطوبولس" وتركه وحده، فهرب إلى القدس، فتعقبه الحارث على رأس جيش عربي يهودي كبير، وأحكم عليه الحصار، وكادت العاصمة تسقط في يديه لولا حدوث تطور سياسي عسكري خطير قلب الوضع، ذلك هو هجوم الرومان فجأة في أيام "بومبيوس" على دمشق وسورية وهجوم قائدهم "سكورس" "Scaurus" على "يهوذا" وتدخله في هذا النزاع١. لقد كان تقدم الرومان هذا في بلاد الشأم تهديدًا صريحًا لليهود وللنبط. أدى بعد قرون إلى الاستيلاء التام على كل فلسطين والأردن وإلحاقهما بالمستعمرات الرومانية. وقد كانت فاتحة ذلك تدخل الرومان في شؤون يهوذا. وتوجيه إنذار

стр. 1440

إلى "الحارث" بوجوب فك الحصار عن "القدس" والتراجع عن يهوذا مع جميع جيشه فورًا إن أراد أن تكون علاقاته بـ "رومة" حسنة، وإلا عد عدوًّا لها ومشاكسًا. وقد أدرك "الحارث" أن جيشه لا يستطيع الوقوف أمام جيوش الرومان المدربة المنظمة المسلحة تسليحًا جيدًا حديثًا بالنسبة إلى أسلحة النبط. ففك الحصار، وتراجع ومعه "هركانوس"، فاغتنم "أرسطوبولس" الفرصة، وكان قد اكتسب ثقة "سكوروس" قائد الرومان، وتعقب المتراجعين في طريقهم إلى "ربت – عمان" "فيلادلفيا" "عمان"، فالتحم بهم في معركة عند موضع اسمه "بابيرون" "Papyron"، فانتصر على "الحارث" وقتل ستة آلاف من أتباعه١. وتعقدت الأمور ثانية بين الرومان والنبط، وهدد "سكوروس" النبط بالزحف عليهم وتخريب بلادهم، وقرر الحارث في بادئ الأمر تحديه، ثم وجد أن من المستحيل عليه الثبات له، وتوسط "انتيباتر" فيما بينه وبين "سكوروس" بأن يدفع الحارث جعالة للرومان، وتصالح بذلك معهم، وقد سر "بومبيوس" من هذه النتيجة حتى أنه أمر بوضع صورة "الحارث" في موكب نصره، كما سر "سكوروس" بذلك إذ أمر بضرب نقد، صور الحارث عليه وقد أحنى رأسه راكعًا وحاملًا سعفة تعبيرًا عن استسلامه له٢. لقد وقع كل ذلك في حوالي السنة "٦٢" قبل الميلاد، السنة التي هلك فيها هذا الملك، وذهبت بوفاته معه كل آماله وأحلامه في أن يكون وريث مملكة السلوقيين في بلاد الشأم. ولعل النكسة التي وقعت له قد أثرت فيه فجعلت منيته. وقد ورد اسم "الحارث" في كتابة عثر عليها في القسم المعروف بـ "المدراس" "المدرس" "Elmadras" من "بطرا"٣. و"المدراس" معبد خصص بعبادة الإله "ذو الشرى" "Duschara" إله النبط الكبير. وقد دونها أحد قواد الملك في السنة السادسة عشرة أو السابعة عشرة من حكم "حرتت" "Haritat"

стр. 1441

في مناسبة تقربه إلى الإله "ذو الشرى" بصنم لخيره ولخير ملكه١. وحكم بعد "الحارث الثالث" ابنه الملك "عبادة الثاني"، حكم من سنة "٦٢" حتى سنة "٤٧" قبل الميلاد، أو من سنة "٦٢" حتى سنة "٦٠" على رأي آخر٢. ولا نكاد نعرف من أمره شيئًا يذكر. وقد عثر على نقد، من الفضة ضرب بأمره وهو من فئة الـ "دراخما" "Dirakhma"، ضرب في السنة الثانية أو الثالثة من سني حكمه. وقد صور عليه وجه الملك حليقًا، وشعر رأسه قصيرًا٣. ويظهر من رواية أوردها المؤرخ "يوسفوس" أن القائد "A. Gabinius"، انتصر على النبط في إحدى المعارك، وأن النبط قد هزموا هزيمة منكرة. ولم يذكر اسم الملك الذي انتصر عليه هذا القائد. وإذا أخذنا برواية من يجعل هذا الانتصار في السنة "٥٥" قبل الميلاد٤. فمعنى هذا أن الملك المغلوب هو "عبادة الثاني" على رأي من يرى أنه حكم من سنة "٦٢" حتى سنة "٤٧" قبل الميلاد، أو في أيام "مالك الأول" على رأي من يجعل ابتداء حكم هذا الملك من سنة "٦٠" قبل الميلاد. وحكم الملك "مالك" "Malichus" = "Malchus" المعروف بـ "الأول" بعد "عبادة الثاني"، وهو ابنه، من سنة "٤٧" حتى سنة "٣٠" على رأي. ومن سنة "٥٠" أو حوالي السنة "٤٧ حتى سنة "٣٠" قبل الميلاد على رأي آخر٥ وذهب بعض المؤرخين إلى أن "مالكًا" كان قد حكم بعد "الحارث الثالث"، وأن حكمه كان فيما بين السنة "٦٢" والسنة "٣٠" قبل الميلاد٦. وقد أنجد النبط في أيام ملكهم "ملكوس" "مالكوس" "Malichus"،

стр. 1442

أي "مالك الأول"، "يوليوس قيصر" "Julius Caesar" سنة "٤٧" أو "٤٨" قبل الميلاد في حصاره لمدينة الأسكندرية، فأمده بقوة من جيشه١. كما ساعده أيضًا عدد من سادات القبائل توسط في إرسالهم إليه "أنتيباطر" "Anripater"، لعلهم من سادات قبائل طور سيناء٢. وكان "انتيباتر" قد تزوج امرأة عربية من أسرة كبيرة معروفة، نجلت له أربعة أولاد وبنتًا، وتمكن بهذا الزواج من تكوين صداقة متينة مع ملك العرب "النبط" كما يقول ذلك "يوسفوس"، ولما وقعت الحرب بينه وبين "أرسطوبولس" "Aristobolus، أرسل أولاده إلى جدهم ملك العرب ليكونوا في مأمن هناك٣. وكان لـ"بطرا" أثر مهم في الخصومات الشخصية التي وقعت في مملكة "يهوذا" أيام الملك "هركانوس بن إسكندر"، هذه الخصومات التي أدت إلى تدخل "الفرث" "Parthians" من جهة، وإلى تدخل الرومان من جهة أخرى في شؤون مملكة يهوذا، ولكل دولة مصلحة في هذا الجزء المهم من الشرق الأدنى ومطمع. وللدولتين أنصار وأعوان، وطامعون في الملك يريدون المساعدة والمعونة للحصول على العرش. والطامعون في العرش والراغبون في الفتن والخصومات في "يهوذا" كثيرون. فلما بلغت جيوش الفرث حدود "القدس"، بتحريض من "انطيغونس" ابن أخ "هركانوس"٤، أسرع "هيرودوس" "Herodus" ابن القتيل "انتيباتر" الذي كان الحاكم الحقيقي في "يهوذا"، وصاحب النفوذ في المملكة، وصاحب الحظوة عند الرومان، فهرب إلى النبط، إلى ملكهم "مالك" "Malchus" في عاصمة "بطرا"، يلتمس منه العون والمساعدة والمال على سبيل الهبة أو الدين لما كان لوالده القتيل من صداقة به، ليرشو به من ينقذ حياة أخيه. فلما كان في طريقه إلى بطرا وصلت رسل الملك تخبره أن الملك لن يتمكن من مقابلته، وذلك بناءً على طب ورجاء تقدم به الفرث إليه، واتصل عندئذ بسادات قبائل عربية كانت لهم صلات وصداقة بوالده، فلما رأى ذلك آثر

стр. 1443

الذهاب إلى مصر ومنها إلى إيطالية حيث كان له فيها أصدقاء ليساعدوه في الانتقام من قتلة أبيه١. وإلى هذا الملك، أي ملك النبط "مالك" هرب "يوسف" "Joseph" شقيق "هيرودس" مع مئتي رجل من رجاله، على أثر هجوم "انطيغونس"، وحينما بلغه تغير رأيه بالنسبة إلى "هيرودس" أخيه٢. وعاد "هيرودس" من "رومة" ملكًا، لقد تفضل "أغسطس" و"أنطونيوس" ومشايخ الرومان عليه فنصبوه ملكًا على اليهود، على مملكة يعين ملوكها الرومان أو الفرث. عاد بفضل الرومان، فصار بالطبع آلة في أيدي سادة "رومة"، ولما نشبت الحرب بين "انطونيوس" و"أوكتافيوس" سنة "٣٢" قبل الميلاد، انضم إلى حزب "أنطونيوس" صاحب الفضل عليه. أما واجبه الذي كلفه، فقد كان محاربة النبط، الذين رفضوا دفع الجزية للرومان، وأبوا الخضوع لهم، والذين أيدوا الفرث. ولما تمكن القائد "فنتديوس باسوس" "Ventidus Bassus" من ضرب الفرث ومن إنزال هزيمة بهم، أصاب الضرر الملك "مالك" حليف "الفرث" فانتزعت منه بعض أملاكه. لذلك فرح "هيرودس" بهذا التكليف، وشجعته على ذلك "كليوبطرة" ملكة مصر وصاحبة "أنطونيوس"، التي طلبت منه الإسراع في محاربة "ملك العرب" الذي أبى دفع الجزية لها، وكانت تكره "هيرودس" وتريد هلاكه إن أمكن، فأرادت بعملها هذا أن تقضي عليه، أو أن تضعف من مركزه ومن مركز ملك العرب، بمحاربتهما بعضهما بعضًا فتتمكن من الملكين فيخضعان لها وتكون سيدة "العربية"، وبادر "هيرودس" بمحاربة النبط، فالتقى بهم عند "اللد" "Diospolis" وانتصر عليهم، ثم التحم بهم في "قنا" "Cana" "قنوات" "Canatha" في البقاع "Coele Syria" وكاد يتغلب عليهم لولا هجوم "أثنياوس" "Atheniaus" فتغيرت الحال، وهاجمه النبط أيضًا فسقط عدد كبير من جيشه في ساحات القتال وأسروا من فر منهم إلى "Ormiza" فاضطر عندئذ إلى الرجوع إلى "القدس"٣.

стр. 1444

وفي القدس أخذ "هيرودس" يحرض قومه على الانتقام من العرب، والأخذ بالثأر، ولا سيما بعد هجوم العرب على مملكته ومباغتة مدنه، فنشبت سلسلة من الحروب كلفت اليهود والعرب خسائر كبيرة، إذ طالت الحروب، ولم تنته إلا بعد مشقة. ويدعي المؤرخ "يوسفوس" أن النصر، كان في الخاتمة في جانب اليهود. فقد جمع "هيرودس" كل قواته وأعاد تنظيمها، ثم عبر الأردن، ولما بلغ "عمان" "Philadelphia" التحم بالنبط، فأنزل بهم خسائر كبيرة. إذ سقط منهم خمسة آلاف قتيل، واستسلم منهم أربعة آلاف رجل كانوا قد تحصنوا في معسكر حصين، ولكن أجبرهم العطش في الأخير على الاستسلام. كما قتل سبعة آلاف آخرون كانوا حاولوا الفرار من الحصار، فتعقبهم اليهود وقتلوهم١. واضطر النبط عندئذ إلى دفع الجزية إلى "هيرودس"، وعقدوا صلحًا معه، ولم تخالفه العرب بعد ذلك٢. يقول "يوسفوس": إن العرب كانوا يكرهون "هيرودس" وحاولوا الثورة عليه والانتقام منه حتى بعد عقد هذا الصلح، وقد كان في جملة من دفع الجزية إليه العرب الساكنون في "حوران" "Aurantitis"، بحكم تبرع القيصر "أغسطس" بأرضهم له، إلا أنهم كانوا يدفعون الجزية إليه أحيانًا، وكانوا يمتنعون من دفعها أحيانًا، أخرى، ويحاولون التخلص منه. ولم تكن قوة "هيرودس" في الحقيقة هي التي جعلت هؤلاء الأعراب يقبلون بمصالحة اليهود أو دفع الجزية لهم، إنما كانت قوة الرومان التي تسخرها أيد إدارية قوية تحسن التوجيه للبطش في القبائل المتعادية وفي سادات القبائل المتنافسين على الزعامة المتباغضين، وفي العساكر المسخرين الذين أكرهو على القتال، ولم يكن لديهم علم بأسلوب القتال ولا بكيفية استخدام الأسلحة، ولا عزم على الوقوف في وجه الخصم، وليس لهم ضباط وقادة مجربون محنكون، لهم هدف وطني وخبرة بأساليب القتال، ولم يكونوا يرون في الفرار ما لا يتفق مع واجبهم العسكري. ولا ندري متى كانت نهاية الملك "مالك" بعد هذه الخسائر التي حلت بالنبط. والظاهر أنه لم يعمر بعدها طويلًا، أو أنه مات في أثنائها، فإن المؤرخ "يوسفوس"

стр. 1445

الذي هو مرجعنا في أخبار هذه الحروب لم يشر إليه ولم يذكره في الغارة الانتقامية التي أغارها النبط على أسطول "كليوبطرة" عند موضع "Actium" التي أدت إلى إحراق السفن المتجمعة هناك١. وقد خلف "عبادة" "Obodas" المعروف بالثاني عند بعض المؤرخين وبالثالث عند بعض آخر الملك "مالك الأول". خلفه على الحكم سنة "٣٠" قبل الميلاد، ودام حكمه حتى سنة "٩" قبل الميلاد. ويظن أنه مات مسمومًا سنة "٩ق. م." سمه وزيره ومستشاره "صالح" "Syllaeus" الذي قطع رأسه في "رومة" سنة "٥" قبل الميلاد٢. وفي أيام هذا الملك كانت حملة الرومان التي أرسلها "أغسطس" بقيادة "أوليوس غالوس" لفتح بلاد اليمن. وهي حملة أسهم فيها النبط بتقديم قوات لمساعدة الرومان، كما أسهم فيها "هيرودس" ملك "يهوذا" بخمسمئة رجل يهودي، ضمهم الرومان وسار بهم إلى اليمن، كما تحدثت عنها في كلامي على السبئيين. ويصف "يوسفوس" "عبادة" بالضعف وفتور الهمة والكسل، ووصف وزيره "صالح" "Syllaeus" بالقدرة والكفاية على صغر سنه. وأنه لذلك كان هو المتصرف في الأمر والمدير لشؤون المملكة ورجل الدولة الحقيقي. وكان صديقًا لـ"هيرودس" يزوره وينزل عليه. وكان يتزوج أخته لولا اختلاف الدين، ورفض "Syllaeus" الدخول في الديانة اليهودية ليسمح له بالزواج٣. وقد انقلبت المودة التي كانت بين "هيرودس" و"صالح" "Syllaeus" عداوة شديدة، فسعى "صالح" حين ذهب إلى "رومة" لإثارة حفيظة "أغسطس" على "هيرودس" بسبب الحملات العسكرية التي قام بها على أرض "اللجاة" "Trachonites" ٤ على العرب الذين آووا أهل "اللجاة" وساعدوهم. فلما

стр. 1446

ذهب "هيرودس" إلى "رومة" ليرفع شكايته عن ابنه "اسكندر" إلى القيصر، والتماسه من القيصر شمول ابنه الآخر "انتيباتر" بالعطف والحماية، انتهز أهل اللجاة "Trachonites" فرصة غيابه فأعلنوا الثورة وهاجموا الحدود، وعادوا إلى الغزو، وكان "هيرودس" قد منعهم منه، وضرب على أيديهم بشدة. فلما تعقبهم وكلاء "هيرودس" وقتلوا خلقًا منهم، هرب عدد من رؤسائهم إلى النبط واحتموا بهم. ولما عاد "هيرودس" أراد الانتقام منهم، فطلب الإذن من حكام سورية الرومان بتأديبهم والموافقة على إرسال قواته إلى المقاطعة لمقاتلتهم. ورجا من "عبادة" ومن وزيره "صالح" إجلاء رؤساء أهل "اللجاة" عن أرض النبط وعدم حمايتهم. فلما رفضا ذلك، طلب من "صالح" إعادة المال الذي اقترضه منه "عبادة" بوساطته. ولما لم تثمر المفاوضات شيئًا، هجمت قوات "هيرودس" على المناطق التي التجأ إليها الهاربون من أهل "اللجاة"، فاستولت على "Raipta" معقلهم وهدمته. فلما سمع النبط بذلك، بادرت جماعة منهم برئاسة قائد يدعى "Nacebus" لمساعدتهم، فاصطدمت بجنود "هيرودس" وسقط "Nacebus" مع زهاء عشرين رجلًا من أتباعه قتلى في هذه المعركة. ثم أمر "هيرودس" بإسكان الأدوميين في "اللجاة"، وكتب بذلك إلى حاكم "فينيقية" يبين له الأسباب التي حملته على إرسال هذه الحملة على "التراخونيين" أهل اللجاة. ويدعي "يوسفوس" أن "Syllaeus" استغل فرصة وجوده في "رومة" وذهب إلى القيصر شاكيًا من العمل الذي قام به "هيرودس" ووشى به كثيرًا، فغضب عليه "أغسطس"١. غير أن القيصر بدل رأيه في "صالح" حين اطلع على الخبر الصحيح، ولما بلغته أخبار وفاة الملك "عبادة" وانتقال العرش إلى "Aeneas" الذي غير اسمه حينما تولى الملك ودعا نفسه "Aretas" على عادة أكثر ملوك النبط دون أن يكتب ملك النبط إليه ويخبره بالحدث، فغضب على "صالح" وأمر بمعاقبته"٢. ويدعي "يوسفوس" أن الملك الجديد كان مبغضًا لـ "صالح"؛ لأنه كان يعتقد أنه كان نفسه يطمع في الملك لما كان له من نفوذ ومال، وأنه كتب إلى "أغسطس" يخبره بأنه سم "عبادة" الملك

стр. 1447

السابق، وأنه قتل عددًا من أشراف المملكة في "بطرا"، من بينهم "Sohemus" السيد النبيل، الذي يحترمه قومه ويجلونه، وأنه قتل "Fabatus" خادم "أغسطس" وفعل أمورًا أخرى منكرة تستوجب العقاب١. أما "Nacebus" الذي قتل في معركة "Raipta"، وهو في موضع في العربية، فكان صديقًا لـ" Syllaeus" ومن أبناء عشيرته. ويخيل إلي أن كلمة "Nacebus" ليست علمًا لقائد الحملة، وإنما هي درجة ومنزلة، وأن معناها "نقيب"، وهي درجة من درجات الجيش، ولكني لا أستبعد كونها اسمًا حرف في اليونانية حتى صار على الشكل المذكور، وأن الأصل هو "نقيب" أو "نسيب" أو "نجيب" أو ما شاكل ذلك من أسماء. وأما "Sohemus"، فهو اسم علم قد يكون "سخيمًا" أو "سحيمًا" أو "سهيمًا"، وكلها أسماء معروفة في الجاهلية. وقد أشار "موسل" إلى رواية ذكرها "أورانيوس" "Uranius" و" اصطيفان البيزنطي" عن تأسيس مدينة "Auara" في أيام الملك "عبادة"، خلاصتها أن "حارثة "Aretas" ابن الملك حلم أن والده سينشئ مدينة، وأن هذه المدينة هي "Auara" من كلمة "حوراء" أي "البيضاء". فلما قص "حارثة" حلمه على والده، أخذ يفتش عن موضع أبيض ينشئ عليه المدينة، وبينما كان يفتش عن هذا الموضع تراءى له شبح رجل أبيض على جمل أبيض استخفى فجأة، فلما دنا من مكان الشبح، وجد بقايا شجرة ذات عروق ممتدة، فأمر أن يكون موضع "حوراء" "Auara"٢. ويرى "موسل" أن هذه المدينة هي "الحميمة" ٣، وهي أيضًا "Auara" التي ذكرها "بطلميوس" وتقع في "العربية الحجرية" "Arabia Petraea" على الطريق بين "أيلة" و"بطرا"٤، وأن الملك المقصود هو "عبادة الأول". وأما الوقت، فكان في حوالي سنة "٩٣" قبل الميلاد. وقد ذكرت أنه حكم على

стр. 1448

رأى أكثر الباحثين حوالي سنة "٩٠" قبل الميلاد. وأرى أن "Obadas" الذي ذكر "أورانيوس" و"اصطيفانوس البيزنطي" أنه كان صاحب ولد اسمه "حارثة" "Areta"، هو "عبادة" الثالث، فقد كان صاحب ولد اسمه "حارثة" وهو المعروف عندنا بـ" Aretas" الرابع. أما "عبادة"، فالذي خلفه هو "رب ايل"، لذلك يكون "عبادة" الثالث الذي نتحدث عنه أكثر ملاءمة لرواية المؤرخين من "عبادة الأول". وحكم بعد "عبادة الثالث" الملك "الحارث" "حرتت" "Aretas" المعروف بـ"الرابع" والمقلب بـ "راحم عمه" "Philopatris" وبـ "ملك النبط"١. وقد حكم من حوالي سنة "٩" قبل الميلاد حتى حوالي سنة "٤٠" بعد الميلاد. وورد اسمه في عدد من الكتابات، منها النصوص المرقمة بـ "CIS ١١, ١٦٠" و" CIS II, ١٩٧-٢١٧" و" CIS II, ٣٥٤". أما الكتابة الموسومة بـ" CIS ١١, ١٦٠" فقد أرخت بالعام الخامس من حكمه، أي سنة "٤" قبل الميلاد٢، وقد ورد فيها اسم الإله "دوشرا" أي "ذو الشرى"٣. وأما النص الموسوم بـ "CIS II, ١٩٧"، فأرخ بشهر نيسان من السنة التاسعة من حكم "حرتت" "الحارث"، "بيرح نيسن شتت تشع لحرثت ملك نبطو"٤، أي في السنة الأولى للميلاد، وورد فيه أسماء الآلهة: "دو شرا" "ذو الشرى"، و"منوتو" "مناة" "Manutu" و"قيشح"٥. وقد ذكرت في هذا النص بعد جملة: "لحرثت ملك نبطو ... " جملة "رحم عمه"، أي "محب شعبه"، وهي من النعوت التي ظهرت في الكتابات في هذا العهد. وأرخ بأيام صاحبنا "حرثت" "الحارث" النص المعروف بـ "CIS ١١, ١٩٨" وهو أيضًا من النصوص التي عثر عليها في "الحجر"٦. ويعود عهده إلى شهر

стр. 1449

"طبت" من السنة التاسعة من حكم هذا الملك، أي إلى السنة الأولى للميلاد١. وقد وردت فيه بعض الأسماء، مثل "كمكم" "كمكام" و" ودلت" و"ودلات" و"حرم" "حرام" و"كلبت" "كلبة" "كليبت" "كليبة" و"وهب اللات" و"عبد عبادة". وأسماء الآلهة: "دوشرا" و"هبلو" و" هبل" و"منوتو" "مناة" و"اللت" "اللات". أما النص "CIS ١١, ١٩٩"، فقد كتب في شهر "شباط" من السنة الثالثة عشرة من سني حكم "الحارث" "حرثت" وهي السنة الرابعة بعد الميلاد٢. وقد أرخت بقية النصوص من "CIS ١١, ٢٠٠" حتى "CIS ١١, ٢١٧" بسني "الحارث" كذلك، وهي تفيذ مثل غيرها فائدة كبيرة من حيث تتبع تأريخ الأسماء، فوردت فيها أسماء كثيرة مثل "كهلن" "كهلان" و "وعلن" "وعلان" و"سعد الله" و"مرت" "مرة" و"سكينت" "سكينه" و"حميد" و"حوشب" و"خلف" و"قين" و"جلهمة" و"تيم الله" و" عميرت" "عميرة" و"وهب" وأمثالها مما كان شائعًا معروفًا عند العرب قبل الإسلام٣. وذكرت في الكتابة "CIS ١١, ٣٥٤" مع اسم "الحارث" أسماء "شقيلت" "شقيلة" ملكة النبط و" مالك" و"عبادت" "عبادة" و"رب ال" "رب ايل". وقد دونت في السنة التاسعة والعشرين من حكم الملك، وهي سنة عشرين بعد الميلاد، وذلك عند صنع صنم يوضع في معبد "بطمون". ويلاحظ أن معظم المقابر الكبيرة التي عثر عليها في "الحجر" هي من السنين الأخيرة من حكم "الحارث"٤. وإلى هذا الملك يرجع النص الموسوم بـ"REP. EPIG. ٥٤" ويرجع تأريخه إلى السنة الثالثة والأربعين من حكم "الحارث"، وقد دعي فيه بـ" محب شعبه" "رحم عمه" "رحبم عمه" كما ذكر فيه اسم زوجته "شقيلة"٥. وكذلك

стр. 1450

النص الموسوم بـ "REP. EPIG. ١١٠٣" المكتوب في سنة "٤٠" من حكم "الحارث"، أي سنة "٣١" للميلاد، وهو من النصوص التي عثر عليها في "مدائن صالح"١. وأرخ بحكم هذا الملك النص "REP. EPIG. ٦٧٤"، وهو شاهد قبر من مدينة "مأدبا" يرجع تأريخه إلى سنة "٣٧" بعد الميلاد٢. و"الحارث" "Aretas" الذي أمد القائد الروماني "واروس" "فاروس" "Varus" بقوة من المشاة والفرسان حين زحف على "يهوذا"، هو "الحارث" الرابع الذي نتحدث عنه، فعل ذلك كما يقول "يوسفوس" انتقامًا من "هيرودس" وتقربًا إلى الرومان. وبعد أن استولى "فاروس" على مدن عدة وهو ذاهب إلى القدس، منها مدينة "عكا" "Ptolemais"٣ "Acco"، اتجه نحو "الجليل" "Galile'e" ثم السامرة فالقدس. أما القوات العربية، فقد سارت إلى مدينة "Arus" فأحرقها ثم سارت إلى مدينة "Sampho" وهي مدينة محصنة جدًّا فاستولت عليها وأحرقتها، واستولت على أماكن أخرى. حدث ذلك حوالي سنة "٤" قبل الميلاد٤. واصطدم النبط باليهود في أيام القيصر "طيباريوس"٥ و"هيرودس" ملك "يهوذا" المعروف بـ"هيرود انتيباس" "Herodes Antipas"٦، وذلك في سنة "٣٦" بعد الميلاد٧، بسبب زواج "هيرودس" من زوج أخيه على زوجه الأولى، وهي ابنة "الحارث" "حرثت". وسبب اختلافهما على حدود منطقة "Gamalites"، فجرت حروب بين الطرفين انتهت بانتصار "الحارث" على خصمه انتصارًا كبيرًا في "جلعاد" "Gilead" وبتشتيت شمل جيوشه، فاستنجد "هيرودس" بسيده وحاميه القيصر "طيباريوس"، فغضب القيصر وكتب إلى

стр. 1451

عامله على سورية "فيتليوس" "Vitellius" أن يسير فورًا بجيشه لمحاربة "الحارث" والقبض عليه حيًّا وإرساله مكبلًا بالسلاسل إلى "رومة" أو إرسال رأسه إليه إن قتل١. وبينما كان العامل يهم بالزحف على مملكة النبط وتنفيذ أمر القيصر، جاءته الأخبار بوفاة "طيباريوس" سنة "٣٧" بعد الميلاد فتوقف عن الحرب، وقرر الرجوع إلى مكانه. وساء موقف "هيرودس" ثم نحاه الرومان عن عرشه ونفوه إلى "اسبانية"، حيث مات هناك٢. ويظهر من رسالة "بولس" الرسول الثانية إلى أهل "كورنتوس" أن "دمشق" كانت في أيدي ملك اسمه "الحارث"، وأنه هم بالقبض عليه، غير أنه هرب ونجا منه. قال: "في دمشق وإلى الحارث الملك كان يحرس مدينة الدمشقيين يريد أن يمسكن، فتدليت من طاقة في زنبيل من السور ونجوت من يديه"٣. ونرى "بولس الرسول" أيضًا في رسالته إلى أهل "غلاطية" وفي حديثه عن نفسه وعن كيفية اهتدائه إلى ديانة المسيح، يقول: "ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلي، بل انطلقت إلى العربية، ثم رجعت أيضًا إلى دمشق، ثم بعد ثلاث سنين صعدت إلى أورشليم لأتعرف ببطرس فمكثت عنده خمسة عشر يومًا"٤. فهو يذكر هنا العربية وبعدها دمشق. فهل أراد بالعربية البادية؟ أو أراد بها عربية النبط، وأنه من عربية النبط أو البادية عاد إلى دمشق؟. والرأي الراجح بين علماء العهد الجديد، هو أن "الحارث" الذي قصده "بولس الرسول" هو هذا "الحارث"، أي "الحارث" الرابع، وأما الوقت الذي استولى فيه "الحارث" على دمشق، فقد كان في حوالي سنة "٣٧" بعد الميلاد، وذلك على أثر الحرب التي شنها على "هيرود انتيباس"، وتدخل

стр. 1452

"طيباريوس" في الموضوع١. ويظهر أن تدخل الرومان هذا أثار غضب "الحارث" عليهم، فسار بعد انتصاره على "يهوذا" إلى "دمشق" فاستولى عليها وأعادها بذلك مدة لا نعلم طولها إلى مملكة النبط. ويتخذ هؤلاء من وجود فجوة في النقود الرومانية الدمشقية، تبدأ بسنة "٣٤" بعد الميلاد وتنتهي بسنة "٦٢-٦٣" بعد الميلاد دليلًا على صحة نظريتهم في أن المدينة تحررت في خلال هذه الفجوة من حكم الرومان ودخلت في حكم النبط، ولهذا السبب حدثت هذه الفترة في ضرب النقود الرومانية في الشأم٢. وفي أيام هذا الملك دونت الكتابة المعروفة بـ "REP. EPIG. ١١٠٨"، وهي من الكتابات المدونة في "الحجر" "Hegra"، أي "مدائن صالح"، دونت في السنة "٣٨" للميلاد. وفي جملة الأسماء المذكورة في هذا النص اسم "عبد عدلون" أي "عبد عدنان"٣. وقد عثر على كتابة قبرية مؤرخة بالتقويم السلوقي من سنة "٤-٥" قبل الميلاد، وهي أيام حكم "الحارث" الرابع، صاحبها رجل اسمه "قصي بن تعجلة"، ولم يشر في الكتابة إلى حكم ملك النبط الذي في أيامه دونت هذه الكتابة. ويرى "ليتمان" أن الذي حمل "قصي" على إغفال الإشارة إلى اسم الملك هو أن القيصر "أغسطس" كان قد فوض أمر "Trachonitis" و"Batanaea" "Artanitis" في عام "٢٣" قبل الميلاد إلى ملك "يهوذا" "هيرودس" "Herodes"، وقد كان صاحب الكتابة من سكان هذه الأرضين، فلم يؤرخ بسني حكم ملك النبط الذي في أيامه أنشأ ذلك القبر٤. لقد كان الحارث الرابع من المتأثرين بالثقافة الهيللينية وبالحياة الهيللينية. ويظهر هذا الأثر في المباني العامة التي أقيمت في أيامه٥ وفي الكتابات اليونانية من عهده. ولا يستبعد أن يكون قد أتقن اللغة اليونانية وأخذ يتكلم بها مع اللسان الإرمي والنبطي، إذ كانت تلك اللغة هي لغة القوة والثقافة في تلك الأيام.

стр. 1453

وحكم بعد "الحارث الرابع" ابنه الملك "ملكو" "مالك" المعروف بالثاني وذلك من سنة "٤٠" حتى سنة "٧١" أو "٧٥" بعد الميلاد١. ويظهر أن النص المعروف بـ" CIS ١١, ١٩٥" لصاحبه "عبد ملكو بن عبيشو"، أي "عبد الملك ابن عبيش" والمؤرخ بالسنة الأولى من حكم "ملكو" "مالك"، قصد بـ "ملكو" "مالك الثاني" هذا٢، ويرجع تأريخه إلى سنة "٤١" بعد الميلاد. أما ناشر النص في "CIS ١١"، فقد ذهب إلى أنه "مالك الثالث"، وأنه كتب في حوالي سنة "٣٩" بعد الميلاد، ومعنى هذا أن "مالك الثالث" حكم في سنة "٣٨" بعد الميلاد، وهو وهم. وقد عثر على هذا النص في موضع "أم الرصاص" ٣. وفي السنة الأولى من حكم "ملكو" "مالك" دونت الكتابة الموسومة بـ "CIS ١١, ٢١٨"٤. وقد ذكر ناشرها أن "ملكو" المقصود هو "ملكو" الثالث، وأن تأريخها يرجع إلى سنة "٣٩" بعد الميلاد٥، وهو وهم. وأما النص "CIS ١١, ١٨٢"٦، فقد أرخ كذلك بأيام "ملكو"، أرخ بشهر "اب" "آب" من السنة السابعة عشرة من حكم "ملكو ملك نبطو برحرثت"٧، أي من حكم الملك "مالك النبط بن حارثة". ويصادف هذا التأريخ عام "٥٧" بعد الميلاد. أما ناشر النص، فقد جعله أيضًا "ملكو" مالك"، وجعل تأريخ التدوين في حوالي سنة "٥٠" بعد الميلاد٨. وهو يناقض ما ذهب إليه كثير من الباحثين من أن حكم الملك "مالك الثاني" كان من سنة "٤٠" حتى سنة "٧١" بعد الميلاد. ثم إن ما ذهب إليه ناشر النص من أن تأريخه يوافق سنة "٥٠" بعد الميلاد، هو وهم أيضًا، إذ يجب أن يكون سنة "٥٧" للميلاد؛ لأن ابتداء حكم هذا الملك

стр. 1454

كان سنة "٤٠"، ولما كان النص قد أرخ بالسنة السابعة عشرة من حكمه تكون السنة إذن سنة "٥٧" للميلاد. لقد انتزعت "دمشق" من حكم "مالك الثاني"، في زمن لا نعرفه، إلا أن الأرضين في شرقها وفي جنوب شرقيها بقيت جزءًا من مملكة النبط١. وانتقل الحكم إلى "رب ال" "رب ايل" ربئيل" الثاني المعروف بـ "سوتر" "سوطر" "Soter" بعد وفاة "ملكو" "مالك" الثاني. وقد حكم من حوالي سنة "٧٠" حتى سنة "١٠٦" بعد الميلاد على رأي، ومن سنة "٧٥" حتى سنة "١٠١" على رأي آخر، أو شيئًا آخر قريبًا من ذلك أو بعيدًا بعدًا قليلًا، بحسب تعدد أنظار الباحثين٢، لعدم وجود تقاويم ثابتة لدينا أو كتابات تنص على تواريخ حكم كل ملك من هؤلاء الملوك. وإلى عهد هذا الملك تعود الكتابة المعروفة بـ "CIS ١١, ١٨٣" المؤرخة في السنة الخامسة والعشرين من سني حكم "رب ال" "رب ايل"، وصاحبها رجل اسمه "قصي بن ادينت"، أي "قصي بن أذينة"٣. وتكون سنة تدوين هذه الكتابة إذن في سنة "٩٥" أو "١٠٠" بعد الميلاد. أما الكتابة "CIS ١١, ١٦١"، فتعود إلى أيامه كذلك، وقد دونت في شهر "أيار" من السنة الرابعة والعشرين من حكم "رب ايل"، وقد دون مع التأريخ النبطي ما يقابله بالتقويم المستعمل عند الرومان آنئذ وهو سنة "٤٠٥"٤. والتقويم الروماني هو تقويم السلوقيين. وتقابل هذه السنة سنة "٩٤" للميلاد ويكون مبدأ حكم "رب ايل" إذن في سنة "٣٨١" من التقويم السلوقي، أي سنة "٧٠" بعد الميلاد. ووردت في هذه الكتابة بعض الأسماء، مثل: "هنى" "هانئ" و"جدلت" "جدلة" و"بجرت" "بجرة" "بجيرة" و"ادرم" و"عبد الملك"، وهي من الأسماء المعروفة أيضًا عند عرب الحجاز ونجد٥.

стр. 1455

وإلى عهد الملك "رب ايل" الثاني تعود كذلك الكتابة التي دونها "منعت بن جديو" "منعة بن جدي" "ببصر ابشنت٢٣ لرب ايل ملكًا ملك نبطو"، أي بمدينة "بصرى"، وذلك في السنة الثالثة والعشرين لحكم "رب ايل" ملك النبط، وقد دونت هذه الكتابة بمناسبة تقرب صاحبها إلى الإله "دوشرى واعرى" بتقديمه مذبحًا إلى معبده في مدينة "بصرى"١. ويكون تأريخ تدوين هذه الكتابة سنة "٩٣" للميلاد. وكذلك الكتابة القبرية المؤرخة بالسنة الثالثة والعشرين من حكم "رب ايل"، أي في سنة "٩٣" للميلاد٢. ولدينا كتابة أخرى سجلت في أيام هذا الملك صاحبها رجل اسمه "عذرو برجشمو"، أي "عاذر بن جشم" "عذره بن جشم" "عذير بن جشم" "عذر بن جشم"، ورد فيها اسم الإله "شيع القوم" دونها في السنة السادسة والعشرين من حكم الملك، أي في حوالي سنة "٩٦" بعد الميلاد٣. وترينا الكتابة الموسومة بـ "REP. EPIG. ١٤٣٤" أن للملك شقيقين هما: "جميلت" أي "جميلة" و" هجرو" أي "هاجر"، وقد نعتتا فيها بـ "ملكتي النبط". ويظهر أن هنالك شقيقة ثالثة اسمها "فصائل"، وربما كانت له شقيقة رابعة سقط اسمها من النص٤. وقد ذركت "شقيلت" "شقيلة" أم الملك "رب ايل" الثاني مع ابنها في نقد، وذلك في أثناء عهد وصايتها عليه حين انتقل العرش إليه، وكان على ما يظهر صغيرًا. وكان للملك شقيق ساعدها في تحمل أعباء الحكم اسمه "انيشو" "Oneishu" لعله "أنيس". ولما تزوج "رب ايل" من زوجه "جميلت" "جميلة" "Gamilath" أمر بضرب اسمها مع اسمه على النقود٥. وقد ذكر بعض الباحثين أن بعض ملوك النبط ولا سيما المتأخرين منهم، أقاموا في أكثر أوقاتهم في "بصرى" "Bostra"، مما أدى إلى إضعاف شأن

стр. 1456

عاصمتهم القديمة "بترا" وإلى إضعاف إدارة أمور النبط١. وآخر ملك نعرفه من ملوك النبط، هو الملك "ملكو" "مالك" الثالث، الذي حكم من سنة "١٠١" حتى سنة "١٠٦" بعد الميلاد على بعض الآراء، وفي أيامه قضى "تراجان" في سنة "١٠٦" بعد الميلاد على استقلال هذه المملكة وجعلها تحت حكم حاكم "سورية" "كورنليوس بالما" "Cornelius Palma" "٩٨ -١١٧م"، وأطلق عليها اسم "الكورة العربية" "Provincia Arabia"٢. وقد نقل مقر الحكم من "بترا" إلى "بصرى"، فتضاءل بذلك شأن العاصمة القديمة فلما كان القرن الثالث للميلاد، صارت "بترا" مجرد موضع قليل الشأن٣. لقد قضى الرومان على استقلال النبط في العربية الحجرية، فأضافوا بلادهم إلى جملة الأرضين التي استولوا عليها. وخسر النبط ملكهم ودولتهم، ثم خسروا أرضهم فيما بعد. واضطرهم ضغط القبائل العربية الأخرى عليها إلى الرحيل إلى أماكن أخرى، والهجرة إلى مواطن جديدة طلبًا للرزق. كما هاجر من قبلهم سكان الأرضين التي استولى النبط عليها في أيام عزهم وملكهم واندمج أكثرهم في القبائل الجديدة الفتية التي سادت على أرض النبط، وتسموا باسمهم وانتسبوا إليهم حتى نسوا أصلهم القديم فزال النبط بزوال دولتهم، وبقي اسمهم، وبعض رسومهم التي يعود الفضل في إحيائها إلى المستشرقين. وقد بقي النبط يمارسون التجارة وقيادة القوافل حتى بعد فتح الرومان لبلادهم كما يتبين من بعض الكتابات النبطية المؤرخة التي عثر عليها في "طور سيناء" وفي مصر. ومنها كتابة مؤرخة بسنة "١٦٠" من تقويم "بصرى" المقابلة لسنة "٢٦٦" بعد الميلاد. وقد تبين أن أكثر الكتابات التي عثر عليها في الأماكن المذكورة وفي أماكن أخرى هي كتابات وجدها العلماء والباحثون والسياح على الطرق القديمة الموصلة إلى جزيرة العرب أو البحر الأحمر، وفي وجودها في هذه الأماكن دلالة على أن أصحابها كانوا أصحاب تجارة يتجرون بين مصر وجزيرة العرب

стр. 1457

وموانئ ساحل البحر الأحمر ولا سيما ساحل النبط المقابل لبر مصر١. ويظن جماعة من المستشرقين أن عرب "الحويطات" الساكنين في منطقة "حسمى" في الأقسام الشمالية من الحجاز، في المنطقة التي كانت تسكنها "جذام"، هم من بقايا النبط٢. وتنسب "الحويطات" إلى جد أعلى لهم اسمه "حويط"، وهو على زعمهم من أهل مصر، جاء بيت الله الحرام حاجًا فمات في "العقبة" ودفن في "حسمى". وهم عشائر يتراوح عددها من عشر عشائر إلى اثنتي عشرة عشيرة تسكن في طور سيناء وفلسطين والحجاز٣، وتجاور قبيلتي "بلى" و"جهينة"٤. وهم في الجملة ميالون إلى الحرب والغزو، ولذلك كانوا يغزون العشائر المجاورة لهم، ويأخذون الأتاوة من القرى والمدن الواقعة في مناطق نفوذهم في أيام العثمانيين٥. وتتألف "الحويطات" من ثلاثة بطون هي: "حويطات التهمة" و"حويطات العلويون" "العلاوين" ويعرفون أيضًا بـ "حويطات ابن جاد" "حويطات ابن جازى"٦. وتتألف "حويطات التهمة" "حويطات التهم" التي تقعه منازلها على ساحل البحر الأحمر حتى "الوجه" في الجنوب، من عشائر عديدة هي: "العمران"٧ و"العميرات" و"المساعيد" والذبابين والزماهرة والطقيقات والسليمانيين والجرافين والعبيات والمواسة والمشاهير والفرعان والجواهرة والقبيضات والفحامين. وأما "حويطات العلويون"، فتتألف من: "الصوياحين" و"المقابلة"

стр. 1458

و"المحاميد" و"الخضيرات" و"السلامين" و"العزاجين و"القدمان و"العواجة" و" السلامات". ومن "حويطات ابن جازى" "المطالقة" و"الدراوشة" و" العمامرة" و"المرايع" و"الدمانية" و" العطون" و"التوايهة"١. لقد عثر على كتابات مدونة بالنبطية وعلى كتابات مدونة بثلاث لغات هي النبطية والإرمية واليونانية، بعضها من بعد ضم مملكة النبط إلى "الكورة العربية"، أي بعد سقوطها في أيدي الرومان، وقد تبين منها أن النبط بقوا أمدًا يكتبون ويدونون بلغتهم، وإن كانوا يستعملون معها اليونانية أو الإرمية أو كلتا اللغتين في بعض الأحيان، كما تبين أن اليهود دونوا بالنبطية أيضًا، أولئك اليهود الذين كانوا على اتصال بالنبط، وكانت لهم صلات تجارية بهم. وقد دونوا بهذه اللغة حتى بعد سقوط دولة النبط. وقد وصلت كتابات أصحابها يهود فيها عقود بيع وشراء مع النبط، كما وصلت كتابات نجد فيها خلاصات من عقود ومكاتبات دونت باليونانية أو بالإرمية، على حين دونت الخلاصات بالنبطية وبالعكس٢. ولا نعرف شيئًا يذكر عن أصول تنظيم الدولة وكيفيتها عند النبط. والملك بالطبع هو رئيس الدولة والشخص الوحيد الأعلى للحكومة. وهو الذي يختار من يوكل إليهم إدارة الأعمال وتسيير أمور الرعية. وللملك حاشية القربة عنده، وكل إليها النظر في المسائل العليا للدولة وتقديم الاستشارة إلى الملك، ويقال للواحد منها "اخ ملكا"، أي "أخو الملك"، ويظهر أنها كانت طبقة خاصة من الطبقات الأرستقراطية انحصرت فيها هذه الوظائف انحصار الملكية في الأسر المالكة٣. ومما يلاحظ على النبط أن ملوكهم كانوا ينعتون أنفسهم بنعوت لا نجدها في الكتابات العربية الأخرى، فجملة: "ملك رحم عمه"، أي "الملك الرحيم بشعبه"، أو "الملك المحب لشعبه" لا نجد لها مثيلًا في الكتابات الأخرى من كتابات ما قبل الإسلام. لكنهم لم يتركوا الجمل التي تنعتهم أيضًا بـ "ملوك

стр. 1459

النبط"، إذ نجدهم يكتبون بعد اسمهم: "ملك ملك نبطو"، أي "الملك: ملك النبط". ويلاحظ أنه قد كان للمرأة منزلة رفيعة عند النبط، بدليل ما نجده في كتاباتهم وفي نقودهم من ذكر اسم الملكات مع الملوك. فقد كان من عادتهم ورسومهم ذكر الملكات مع الملوك رسميًّا، فقد ورد مثلًا: "شقيلت أخته، ملكت نبطو". أي "شقيلة أخته، ملكة النبط". وورد: "شقيلت أمه، ملكت نبطو"، أي "شقيلة أمه: ملكة النبط"، وهكذا. ونجد النقود النبطية وقد أشارت إلى اسم الملك الذي أمر بضرب ذلك النقد، كما نجد اسم زوجته أو أمه معه. وقد ضربت صورة رأس الملك ورأس الملكة معه في النقود المضروبة باليونانية١. وبالرغم من ظفر العلماء بنقود نبطية ويونانية، لم يتمكنوا حتى الآن من الاتفاق على تثبيت أسماء ملوك النبط تثبيتًا زمنيًّا، ولم يتمكنوا أيضًا من تعيين مدة حكم كل واحد منهم تعيينًا مضبوطًا قاطعًا، فما سنذكره عنهم لا يعني إذن أنه شيء ثابت وأكيد٢. وقد تأثر النبط بالثقافة اليونانية تأثرًا كبيرًا. ويظهر هذا الأثر في نقودهم، إذ قلدوا في ضربها النقود اليونانية، بل ضربوها بكتابة يونانية في الغالب. وقد نعت "عبادة الثالث نفسه بـ "الها" في نقد ضربه باسمه، محاكاة للسلوقيين الذين لقبوا أنفسهم بـ "ديوس" "Deos"، أي "الإله". كما يظهر هذا الأثر في إدارة الدولة وفي الحجارة المكتوبة، إذ نجد أصحابها بكتبون بالنبطية وباليونانية، بل نجد هذا الأثر على شواهد القبور وغير ذلك٣. ولعلهم كانوا قد أخذوا من مناهل العلم اليوناني، وتعلموا العلوم الشائعة في ذلك العهد من اليونان الذين سكنوا بين النبط، ومن بلاد الشأم حيث كانوا على اتصال دائم بها، وفي بلاد الشأم جاليات قوية من الرومان واليونان. ولهذا ظهر أثر اللاتينية واليونانية في الأنباط٤.

стр. 1460

ويظهر أن النبط كانوا مولعين بالشراب والخمور، ونجد لصور الكروم مكانة بارزة في فن النحت والنقش عندهم، وقد أظهروا براعة فائقة في حفر صور الكروم وعناقيدها على الألواح، كما يظهر ذلك من آثارهم التي درسها الباحثون في النبطيات١.

стр. 1461

مدن النبط: و"بترا" "البتراء" "بطرا" "Petra"، هي عاصمة النبط القديمة، ومعنى "Petra" "بطرا" في العربية "الصخر". أما اسمها القديم فـ "هـ - سلع" "ها – سلع"، "Sela" = "Selah"، ويعني أيضًا "الصخر" لغة الأدوميين. وهي على خمسين ميلًا تقريبًا إلى الجنوب من البحر الميت. ولما افتتحها "أمصيا" "٨٣٧-٨٠٩ق. م."، سماها "يقتئيل" أي "الخاضع لله"١. وكانت عاصمة "أدوم"، وكانت من أشهر المدن في العالم القديم، ثم صارت لمؤاب٢. وقد ذكرها "ياقوت الحموي" في مادة "سلع"، فقال: "وسلع أيضًا حصن بوادي موسى ﵇ بقرب بيت المقدس"٣. وتقع آثار المدينة وبقاياها اليوم في وادي موسى، ويسمى أيضًا "وادي السيق"٤. وقد عرف هذا الوادي بوادي موسى، لما زعم أن موسى ضرب الصخر بعصاه فشقه فجرى الماء من موضع العين إلى النهر، فسميت لذلك بعين موسى. وكان السيق مبلطًا، ولا تزال آثار التبليط باقية في بعض المواضع. وتجاه نهاية السيق هيكل منحوت في الصخر، يسمى: "خزنة فرعون"، وداخل باب الهيكل دار، وعلى بعد "٦٠٠" قدم تقريبًا من هذا الهيكل بقايا آثار مسرح عظيم منحوت في الصخر يستع لزهاء أربعة آلاف إنسان.

стр. 1462

ومن آثارها المهمة، الأثر المعروف باسم "خزنة فرعون"١، وقوس النصر وهياكل وقبور عدة، بعضها على الطراز النبطي القديم، وبعضها متأثرة بالفن المصري الآشوري أو اليوناني أو الروماني٢. وتشاهد في "بطرا" كتابات كثيرة، منها ما هو مؤرخ يعود بعضها إلى ما قبل الميلاد، أكثرها كتابات نبطية من نوع الكتابات التي توضع على القبور، وبعضها لاتينية وأخرى يونانية. ووجدت كتابة باليونانية دونها أسقف سكن معبدًا من معابد المدينة القديمة التي تعود إلى ما قبل الميلاد في حوالي سنة "٤٤٧" للميلاد. كما وجدت كتابة لاتينية على قبر بني على النمط "الروماني" صاحبها ضابط روماني اسمه "سكستيوس فلورنتينوس" "Sextius Florentinus" لا يعلم زمانه على وجه الصحة، ويرى بعضهم أنه من أيام "هدريانوس" "Hadrianus" أو "أنطونيوس بيوس" "Antoninus Pius"٣. وقد منحت "بطرا" درجة "Colonia" رومانية في أيام حكم الرومان كما يظهر ذلك من بعض النقود الرومانية التي عثر عليها. ويرى بعض الباحثين أن ذلك كان في أيام حكم "Elagabalus" "٢١٨-٢٢٢" للميلاد٤. ولكن هنالك من يعارض هذا الرأي من الباحثين في علم النميات٥. وقد وصف "سترابو" "بطرا" "بترا" بقوله: كانت "بطرا" عاصمة النبط ومقر حكمهم ودولتهم وهي لا تبعد إلا أربعة أيام عن "أريحا" "Jericho" وخمسة أيام عن غابة النخيل "بوسيديون" "Poseidion". وهي موضع غني بالماء كثير البساتين بالنسبة إلى من يأتي إليها من البوادي القاحلة الجرد. وقد زارها "أثينودور" "Athinodor" صديق "سترابو"، فوصفها له، وذكر له أنه وجد بها أجانب، بينهم جمع من الروم. ويظهر من أخبار "سترابو" أن النبط

стр. 1463

كانوا قد بنوا بيوتًا لهم في هذه المدينة كذلك. وقد أيدت التنقيبات التي أجريت عند مدخل المدينة هذا الرأي١.

стр. 1464

الحجر: أما "الحجر"، فمدينة من مدن النبط القديمة المهمة، تقع على شريان التجارة في العالم القديم، وهي "Egra" = "Hegra" التي أشار إليها "سترابو" في أثناء حديثه عن حملة "أوليوس غالوس" و"Haegra" = "Hegra" التي ذكرها "بلينيوس" على أنها مقر القبيلة المسماة "ليانيته" "Laenitae"١. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها "مدائن صالح"٢، وذهب بعض آخر إلى أن "مدائن صالح"، هي "العلا" لا "الحجر"٣. وفرق بعض آخر بين موضع مدائن صالح و"العلا"٤. وقد ذكر "بطلميوس" المدينة أيضًا، وذكرها المؤرخ "اصطيفانوس البيزنطي" كذلك٥. وقد كانت من مواضع النبط المهمة، وقد عثر على خمس كتابات في "مدائن صالح" خرج بعض الباحثين من دراستها إلى أن "الحجر" هي من الأماكن التي أنشأها "المعينيون". وقد كان اسمها القديم "حجرا" "هجرا" أو "حجرو" "هجرو" و"الـ - حجر" في الكتابات٦. و"حجرو" و"الـ - حجرو" هي "الحجر" في العربية. وقد ذكر هذا الموضع في المؤلفات العربية. وذكر "ابن حبيب" أن قوم ثمود نزلوا الحجر٧. وذكر علماء اللغة أن "الحجر" ديار ثمود ناحية الشام عند وادي القرى،

стр. 1465

وهم قوم صالح النبي، وقد جاء ذكر الموضع في القرآن: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١، كما جاء ذكره في كتب الحديث٢. وقد تضاءل شأنها في الإسلام، حتى صارت قرية صغيرة في القرن العاشر للميلاد، ثم تركها أهلها، وتقع خرائبها اليوم بين "جبل اثلت" و"قصر البنت" وخط سكة حديد الحجاز، حيث تشاهد آثار حصن قديم وبعض بقايا أبراج وآثار سور، كما عثر على بقايا تيجان أعمدة قديمة وعلى مزولة شمسية، وعلى نقود يرجع عهدها إلى "الحارث الرابع". ويظهر من أسس بعض الدور أنها بنيت بالحجارة. أما الجدران، فقد بني أكثرها باللبن. وتقع خرائب "العلا" إلى الجنوب من "الحجر"٣. وقد عثر الباحثون على قبور من بقايا قبور الحجر القديمة، نقشت مداخلها وجدرانها بنقوش تدل على حذق ومهارة، ولا سيما المقبرة التي هي من القرن الأول للميلاد، ومن عهد الملك "الحارث الرابع". وقد تألفت من غرف نحتت في الصخور، ولبعضها دروب وطرق توصل بعضها ببعض. وهي قبور لأسر، ومن هذه المقابر الموضع المعروف بـ "قصر البنت"، وقد نحت في داخل تل، ويعد من أغنى تلك المقابر من الناحية الفنية، وله مدخل خارجي، ارتفاعه عشرون مترًا. وقد زين بالزخارف والنقوش٤. ويعد الموضع المعروف بـ "ديوان" من الآثار القيمة الباقية من "الحجر"، وقد عمل في "جبل اثلب". وهو معبد يذكرنا بمعابد "بطرا". وهو على قاعة ذات زوايا مربعة، عرضها عشرة أمتار، وعمقها اثنا عشر مترًا، وارتفاعها ثمانية أمتار، ولها مدخل عرضه ثمانية أمتار و"٣٥" سنتمترًا، واراتفاعه سبعة أمتار وزهاء خمسة سنتيمترات، على كل جانب منه عمود من حجر، جعلت زواياه مربعة. أما الباب، فقد تلف. ويوصل إلى هذا المدخل مدرج. وهناك معبد آخر صغير يقع على مسافة "١٥٠" مترًا إلى الجنوب من "جبل اثلب"٥.

стр. 1466

وقد وجدت في "القرية" بالحجاز وهي أطلال، مدينة قديمة على خمسة وأربعين ميلًا إلى الشمال الغربي من "تبوك" في أرض "حسمى" كتابات نبطية ويونانية، كما عثر على معبد قريب منها في البادية دعاه "موسل" "غوافة" و"روافة"، وجدت عليه كتابة نبطية يونانية طويلة ورد فيها اسم "مارقوس أورليوس انطونينوس" "Marcus Aurelius Antmninus" و"لوقيوس أورليوس فيروس" "Lrcius Aurelius Verus"١. ويظهر أن هذه المدينة كان لها شأن في أيام النبط، ولا سيما في أواخر أيام مملكتهم، وأن هذا المعبد كان قد ابتناه قوم ثمود في أوائل منتصف القرن الثاني للميلاد٢.

стр. 1467

الكورة العربية: ضمت "العربية النبطية" سنة "١٠٥" أو "١٠٦" بعد الميلاد إلى الأملاك الرومانية وكون منها ومن أرضين أخرى ضمت إليها مقاطعة جديدة عرفت باسم "الكورة العربية" "Provincia Arabia" "المقاطعة العربية" وجعلت تحت حكم حاكم بلاد الشأم المدعو "كورنليوس بالما" "A.Cornelius Palma"١. ولا يعلم على وجه التحقيق أعين الرومان واليًا على هذه الكورة حال تكوينها أم أنها جعلت تحت إدارة حاكم "سورية" المباشرة ثم عين لها حاكم خاص. والمعروف أن أول والٍ "Legat" عين عليها إنما عين في سنة "١١١" بعد الميلاد٢. ولم تكن حدود "الكورة العربية" "المقاطعة العربية" ثابتة، بل كانت تتغير وتتبدل، وتتقلص وتتوسع تبعًا لمراكز الحكام ومنازلهم. ففي سنة "١٩٥" بعد الميلاد مثلًا أضيف إليها بعض الأرضين الجنوبية من مقاطعة "سورية الفينيقية" "Syria Phonice"، ولكن هذه الحدود تغيرت مرارًا قبل هذا التاريخ وبعده. وتساعدنا "السكة الرومانية" التي أنشأها "تراجان" ثم وسعت فيما بعد مساعدة

стр. 1468

كبيرة في تعيين حدود ومساحة هذه المقاطعة. وقد أنشئت هذه السكة لأغراض عسكرية لتيسر للجيوش الرومانية الوصول بسرعة إلى المواضع المهمة من الوجهة العربية، ولتتمكن بواسطتها من السيطرة على الوطنيين وضبط الأمن١. ويمكن الاستدلال من أنصاب الأميال، التي وضعها الحاكم "قلوديوس سويروس" "قلوديوس سفيروس" "Claudius Severus" على هذه الطرق للوقوف بواسطتها على الأبعاد والمسافات والاتجاه، على معرفة طريقين مهمين: أولهما طريق جديد انتهى منه في نسة "١١١" للميلاد، يمتد من الحدود الشمالية للمقاطعة العربية أي من بلاد الشأم إلى "بصرى" "Bostra". ثم إلى "فيلادلفيا" "عمان" "Philadelphia"، ومنها في اتجاه الحنوب ثم الغرب على طريق "بطرا" حتى البحر الأحمر. وثانيها الطريق الممتد من "فيلادلفيا" مارًّا بـ"جرش" "Gerasa" وربما بـ "أذرح" "Adra" نحو "بصرى" "Bostra". وقد كان هذا الطريق معروفًا قبل سنة "١٠٥" للميلاد، غير أنه أصلح وعمر، وربما حول إلى طريق عسكري في سنة "١١٢" للميلاد، أي في أيام "تراجان"٢. وقد عرفت أسماء أكثر الحكام الذين تولوا منصب حاكم المقاطعة العربية من رومان وبيزنطيين، وردت أسماؤهم مدونة على أنصاب الأميال وفي الكتابات الأخرى التي عثر عليها في مواضع متعددة من هذه المقاطعة. وأولهم "كورنليوس بالما". وقد تبين أن الألقاب الرسمية التي كان يتلقب بها حكام هذه المقاطعة في القرن الثاني بعد الميلاد كانت من درجة الألقاب الرفيعة التي تمنح عادة لحكام مقاطعة "قيصرية" مثل لقب: "Legatus Augusti Pro Praetore" أو "Augustorum" تضاف إليه جملة: "Consul Designatus" متى يكون الحاكم في درجة "قنصل" "Consul"، وذلك يكون عادة بالنسة إلى حكام المقاطعات من درجة "Legatus Pro Praetore" وقد يقتصر اللقب على كلمة "Consulares" إذا كان صاحبه قنصلًا. غير أن هذه الألقاب الرسمية لم تكن ثابتة، بل كانت تتغير بحسب أهمية الحاكم ومنزلته، والوظيفة التي يشغلها، والزمان الذي حكم فيه٣.

стр. 1469

وتفيدنا وثائق المجامع الكنسية التي انعقدت في أوقات مختلفة لمعالجة المشكلات التي جابهت الكنيسة، وحضرها ممثلون عن كنائس "الكورة العربية" فائدة كبيرة في تعيين أسماء مدن هذه الكورة وتأريخها، ومن هذه المجالس مجلس "نيقية" "Nicaea" الذي انعقد في سنة "٣٢٥" بعد الميلاد١، ومجمع "أنطاكية" "Antiochia" المعقود في سنة "٣٤١" بعد الميلاد٢، ومجمع "Sardica" الملتئم عام "٣٤٧" للميلاد٣، ومجمع "القسطنطينية" المنعقد عام "٣٨١" بعد الميلاد، ومجمع "أفسوس" "Ephesus" المجتمع عام "٤٣١"، ومجمع "خلقدونية" "Chalcedon" الذي انعقد في عام "٤٥١"، للميلاد، ومجمع "القسطنطينية" المنعقد سنة "٥٣٦" للميلاد، ومجمع "القدس" الملتئم عام "٥٣٦" بعد الميلاد وغيرها من المجالس والمجامع الدينية٤. وقد عثر على نقود ضربت في أيام الرومان والبيزنطيين في عدد من مدن "الكورة العربية"٥. مثل "Adra" "أذرعات" و"بصرى" "Charachmoba" و"ديوم" "Dium" و"Eboda" و"Esbu" و"جرش" و"مأدبا" "Medaba" و"Moca" و"بطرا" و"فيلادلفيا" "Philadelphia" و"فيليب بوليس" "Philippolis" و"Rabbathmoba"٦. أما "Adra"، فهي "أذرعات" المشهورة عند العرب في الجاهلية والإسلام٧. وتعرف في الزمن الحاضر بـ "درعة" و"درعا" كذلك، وهي "أذرعى" "Edrei" في التوراة، بمعنى قوة أو حصن٨. وهي من مدن "باشان"

стр. 1470

العظيمة١. وقد اشتهرت "أدرعات" بخمرها عند العرب، وقال عنها علماء اللغة إنها موضع بالشأم تنسب إليه الخمور٢. و"أذرعات" موطن "عوج" "Og" ملك "باشان"، وكان جبارًا قامة وبأسًا٣، من سلالة الرافئيين، حاول أن يمنع مرور بني إسرائيل بأرضه، فاصطدم بهم بأذرعات، وتغلبوا عليه، فقتل هو وبنوه، وانقسمت مدنه الستون المحصنة بين "الرأوينيين" و" الجاديين" ونصف سبط "منى"٤. وتقع "أذرعات" في واد يكون القسم الجنوبي من وادي "حوران" وعلى مسافة ستة أميال إلى الشرق من طريق الحج، وفيها كهوف عديدة وصهاريج كبيرة، وبها خرائب وآثار يقرب محيطها من ميلين يظهر أنها من عهد الرومان٥. ومن بقاياها "قناة فرعون"، وهي تأخذ مياهها من بحيرة صغيرة قرب موضع "يابس" في حوران. ومسجد يشبه بناؤه "كاتدرائية" بصرى، وآثار الشوارع والحوانيت التي كانت عليها، وموضع سوق. وعثر في خرائبها على كتابات باليونانية كما عثر فيها على نقود ضربت فيها من سنة "٨٣" قبل الميلاد. وقد ألحقها "بومبيوس" "Pompeius" بمقاطعة سورية الرومانية، وألحقها "تراجان" بالمقاطعة العربية، وذكر "أويسبيوس" "Eusebius" و"جيروم" أنها من أشهر مدن "العربية"، وكان بها أسقف حضر مع من حضر من الأساقفة في المجالس الكنسية التي انعقدت في "سلوقية" "Seleucia" و" القسطنطينية" و"خلقدونية" "Chalcedon" "٤٥ م"٦. وفي المتحف البريطاني قطع من النقد المضروب في هذه المدينة، وقد أشير في

стр. 1471

بعضها إلى "دو شرى" "ذي الشرى" إله النبط. كما صور على بعضها صور القياصرة الذين في أيامهم ضرب ذلك النقد١. و"باشان"، ومعناها "التربة الخفيفة"، مقاطعة من أرض كتعان واقعة شرقي الأردن بين جبلي حرمون و"جلعاد"، وسميت "باشان" من جبل في البلاد٢. وسكانها القدماء هم "الرفائيون" "Rephalite"، ولهم مملكة ذكر في التوراة من ملوكهم اسم الملك "عوج" الذي قتله الإسرائيليون، وهو المعروف بـ "عوج بن عوق" عند أهل الأخبار، والمعروف بـ "عوج بن عنق" عند العوام. وقد ذكر الأخباريون أنه رجل "ذكر من عظم خلقه شناعة"، وأنه كان ولد في منزل آدم فعاش إلى زمن موسى، وقد قتله موسى٣. وقد أخذوا أخبارهم هذه عنه عن أهل الكتاب، أو من وقوفهم على ما جاء في أسفار "التثنية" و" يشوع" و"العدد" عنه. وكان قد حاول منع الإسرائيليين من المرور بأرضه، فقتلوه، وجاء أنه كان ينام على سرير من حديد طوله تسع أذرع وعرضه أربع أذرع٤، وذلك لبيان ضخامة جسمه. ونجد في الأسفار المذكورة أخباره مع بني إسرائيل ومقاومته لهم٥. وكانت باشان تشمل حوران والجولان واللجاة، وكلها مؤلفة من صخور وأتربة بركانية، وتربتها مخصبة، وماؤها غزير، ويحدها شمالًا أرض دمشق، وشرقًا بادية الشأم، وجنوبًا أرض "جلعاد"، وغربًا "غور الأردن"، ويخترق جانبها الشرقي جبل الدروز، وهو جبل "باشان" القديم. ويمر بالجولان سلسلة تلال من الشمال إلى الجنوب. أما مقاطعة "اللجاة"، فهي حقل من "اللافا" أي الصخر البركاني، سالت من "تل "شيحان"، وهو فم بركان

стр. 1472

قديم بقرب شحبة١. ومن أشهر مدن "باشان" "الجولان" "Golan"، وهي من منطقة "الجولان" "Gaulanitis"، وتعني الكلمة "الدائرة"، وأصلها مدينة "جولان"، وبها سميت المقاطعة. وتقع في "باشان"٢. و"عشتاروت" "عشتروت" "بعشترة" "Aschtaroth" = "Ashtoreth" = "Be- Eshterah"، ويظهر أنها "تل عشترة" "تل أشعرى" في الجولان"٣. ومدينة "عشتاروت قرنايم" "Asther Karnaim" وهي "قرنيون" "Carnion" أو "قرنين" "Carnain" التي استولى عليها "يهوذا المكابي" "Judas Maccabaeus" سنة "١٦٤" قبل الميلاد على ما يظن. وهي من مدن "الرفائيين" في "باشان"٤. وقد اختلف الباحثون في مكانها في هذا اليوم، فذهب بعضهم إلى أنها "الصنمان" وذهب بعض آخر إلى أنها "قنوات" وذهب آخرون إلى أنها "تل عشترة"٥. ويظهر أن كثيرًا من "الباشانيين" كانوا يعيشون عيشة سكان المغاور والكهوف "Troglodytes"، إذ تبين أن قسمًا منهم سكن الكهوف والمغاور، وسكن بعض منهم في أنفاق وكهوف تحت الأرض يبلغ طولها "١٥٠ قدمًا، وتتفرع منها أزقة تحت الأرض بجانبها بيوت تنتفتح كواها في سقوفها، فهي في الواقع مدن تحت الأرض. وفضل نفر آخر السكنى في بيوت منقورة في الصخر. وسكن بعض منهم في بيوت منفردة منية من الحجر٦. وأما "بصرى" وتعرف بـ "Bostra"، فقصبة "حوران"، ومن أشهر مدنها٧. وقد عرفت في أيام الرومان بـ "Nova Trajana Bostra"٨. وقد ألحقت بالمقاطعة العربية في مبدأ تأسيس هذه المقاطعة، أي في أيام "تراجان"،

стр. 1473

وصارت عاصمتها وقصبتها العظمى بعد أيام "ديوقليتيان" "Diocletian" "٢٨٦-٣٣٧" بعد الميلاد١، ومركزًا من مراكز النصرانية المهمة. وفي القرن السادس للميلاد كانت أسقفية "Avara"، وهي "الحميمة" على رأي "موسل" تراجع "بصرى"٢. ويظهر أنها لم تكن تابعة للغساسنة، وإنما كانت في إدراة البيزنطيين. وقد تضررت مثل "أذرعات" في أثناء غزو الفرس لديار الشأم عام "٦٤" للميلاد ضررًا بالغًا، وفقدت مكانتها المهمة من ذلك الحين٣. وقد ورد اسم "بصرى" في السيرة في قصة ""بحيرا" الراهب، كما ورد اسمها في خبر فتوح الشأم. وكان أهلها من "قيس" من "بني مرة". وذكر "أبو الفداء" أنها من ديار "بني فزارة" و"بني مرة"٤. وقد اشتهرت بصنع السيوف المعروفة بـ "السيوف البصرية"٥. وعثر على نقود ضربت في مدينة "بصرى"، منها ما يعود تأريخها إلى أيام "أنطونيوس بيومس" "Antonius Pius"، ومنها ما يعود إلى أيام "هدريانوس" "Hadrianus"، وهي النقود التي ضرب على أحد أوجهها النصف الأعلى لإنسان يظهر أنه يرمز إلى "العربية "Arabia" حاملًا جسمين يشيران، على رأي بعض الباحثين، إلى كورة "Auranitis" أي "حوران" و"العربية الحجرية" "Arabia Petraea" ومنها ما يعود إلى آخرين، وهم: "ديفا فاوسطينا" الأول "Diva Farstina"، وقد صور النصف الأعلى من الجسم على أحد وجهي النقد، "ومارقوس أورليوس قيصر" "Marcus Aurelius Caesar" و"كومودوس قيصر" "Commodus Caesar" و"كومودوس أغسطس" "Commodus Augustus" و"سبتيميوس سويروس" "Septimius Severus" و" يولية دومنا" "Jullia Domina" و"ايلاغبالوس" "Elagabalus"٦. ودعيت "بصرى" في النقود التي ضربت باسم "سويروس اسكندروس"

стр. 1474

"Severus Alexanderus"، بـ"مستعمرة بصرى" "Colonia Bostra"١. ويعني هذا حدوث تغير في النظام الإداري لهذه المدينة في هذا العهد. ويرى بعض الباحثين أنها جعلت في درجة مستعمرة، أي "Colonia" قبل أيام "سويروس"، وبقيت في هذه المرتبة حتى عهد "سبتيميوس سويروس" "Septimius Severus" غير أن "هل" وآخرين يعارضون هذا الرأي ويرفضونه، ويرون أن ذلك كان في أيام "سويروس اسكندروس"، لا قبله، وأنها لم تعرف بـ "Colonia Bostra Nova Traiana Alexandiana" إلا في أيامه٢. وأما في نقود "يولية مامية" "Julia Mamaea"، فقد دعيت بـ "Colonia Bostra" كذلك٣. وأعيد النظر في مرتبتها في أيام "فيليب سنيور" "فيليب الأقدم" "Philip Senior" على ما يظهر، فجعلت في درجة "متروبوليس" "Metropolis"، فدعيت "Colonia Metropolis Bostra". وحافظت على درجتها هذه في أيام "فيليب الأصغر" "Philip Junior"٤. ولم يعثر على نقود ضربت في "بصرى" بعد أيام "تراجان دسيوس" "Trajan Decius" أو "تويبونيانوس غالوس" "طريبونيانوس غالوس" "Trebonianus Gallus"٥. وأما "Charachmoba"، فإنها "قير موآب" "Kir Moab" في التوراة والتركوم. و"قير حاراش" "قير حراشات" "قير حارسة" من "موآب" وهي "الكرك"٦. وقد عثر على نقد يعود إلى عهد "Elagabalus" يظن أنه من نقود هذه المدينة، وأن الصورة المضروبة في الوجه المقابل لصورة "Elagabalus" ترمز إلى الإله "دو شرى"٧.

стр. 1475

وتختلف وجهات نظر الباحثين في موضع مدينة "ديوم" "Dium" "ديون" "Dion"، فمنهم يرى أنها "الحصن" "قلعة الحصن" على مقربة من "اربد" وأنها "Dia" عند "بلطميوس"١ ومنهم من يرى أنها "كفر أبيل"، وآخرون يرون أنها "تل الأشعري"، وهكذا٢. وهي من مدن "Decapolis"، ثم ألحقت بـ "المقاطعة العربية" في عهد "سبتيميوس سويروس" "Septimius Severus" على ما يظن٣. وقد عثر فيها على نقد ضرب باسم "Geta"٤، وأرخ تأريخ الضرب بتقويم "بومبيوس"، وأشير في أحد وجهي النقد إلى الإله "هدد" الذي صورته بعض النقود المضروبة في بعض المدن السورية. وهو يقابل الإله "زيوس" "Zeus" عند اليونان٥. ويراد بـ "Decaplis" الحلف المؤلف من عشر مدن، تحالفت لدفع غزو القبائل لها. ويظهر أنه ظهر إلى الوجود في القرن الأول للميلاد. والمدن المذكورة هي: "Pella" و"Scythopolis" و"Dion" و"Gerasa" و"Philodelphia" و"Gadara" و"Raphana" و"Kanatha" و"Hippos" و"دمشق". وقد انضمت إليه مدن أخرى بين حين وآخر. فلكون أرض هذا الحلف ممتدة من دمشق إلى الجنوب الشرقي لبحر الجليل "Sea Of Galilee"٦. ومدينة "Eboda"، هي "عبدة" "العبدة" في "العربية الحجرية" "Arabia Petraea"٧. وقد أشار "بطلميوس" إلى أن "Eboda" = "Oboda" و "Gerasa" و"Gypsaria" و"Lysa" هي من مدن "العربية الحجرية"، وجعلها بعضهم من "النقب"٨. وتقع خرائب "عبدة" في جنوب "بئر السبع" "Beerscheba" وفي غرب "بطرا" وفي جنوبها سباخ، غير أن من المشكوك
следующие страницы →