بعضها إلى "دو شرى" "ذي الشرى" إله النبط. كما صور على بعضها صور القياصرة الذين في أيامهم ضرب ذلك النقد١.
و"باشان"، ومعناها "التربة الخفيفة"، مقاطعة من أرض كتعان واقعة شرقي الأردن بين جبلي حرمون و"جلعاد"، وسميت "باشان" من جبل في البلاد٢. وسكانها القدماء هم "الرفائيون" "Rephalite"، ولهم مملكة ذكر في التوراة من ملوكهم اسم الملك "عوج" الذي قتله الإسرائيليون، وهو المعروف بـ "عوج بن عوق" عند أهل الأخبار، والمعروف بـ "عوج بن عنق" عند العوام. وقد ذكر الأخباريون أنه رجل "ذكر من عظم خلقه شناعة"، وأنه كان ولد في منزل آدم فعاش إلى زمن موسى، وقد قتله موسى٣. وقد أخذوا أخبارهم هذه عنه عن أهل الكتاب، أو من وقوفهم على ما جاء في أسفار "التثنية" و" يشوع" و"العدد" عنه. وكان قد حاول منع الإسرائيليين من المرور بأرضه، فقتلوه، وجاء أنه كان ينام على سرير من حديد طوله تسع أذرع وعرضه أربع أذرع٤، وذلك لبيان ضخامة جسمه. ونجد في الأسفار المذكورة أخباره مع بني إسرائيل ومقاومته لهم٥.
وكانت باشان تشمل حوران والجولان واللجاة، وكلها مؤلفة من صخور وأتربة بركانية، وتربتها مخصبة، وماؤها غزير، ويحدها شمالًا أرض دمشق، وشرقًا بادية الشأم، وجنوبًا أرض "جلعاد"، وغربًا "غور الأردن"، ويخترق جانبها الشرقي جبل الدروز، وهو جبل "باشان" القديم. ويمر بالجولان سلسلة تلال من الشمال إلى الجنوب. أما مقاطعة "اللجاة"، فهي حقل من "اللافا" أي الصخر البركاني، سالت من "تل "شيحان"، وهو فم بركان
стр. 1472
قديم بقرب شحبة١.
ومن أشهر مدن "باشان" "الجولان" "Golan"، وهي من منطقة "الجولان" "Gaulanitis"، وتعني الكلمة "الدائرة"، وأصلها مدينة "جولان"، وبها سميت المقاطعة. وتقع في "باشان"٢. و"عشتاروت" "عشتروت" "بعشترة" "Aschtaroth" = "Ashtoreth" = "Be- Eshterah"، ويظهر أنها "تل عشترة" "تل أشعرى" في الجولان"٣. ومدينة "عشتاروت قرنايم" "Asther Karnaim" وهي "قرنيون" "Carnion" أو "قرنين" "Carnain" التي استولى عليها "يهوذا المكابي" "Judas Maccabaeus" سنة "١٦٤" قبل الميلاد على ما يظن. وهي من مدن "الرفائيين" في "باشان"٤. وقد اختلف الباحثون في مكانها في هذا اليوم، فذهب بعضهم إلى أنها "الصنمان" وذهب بعض آخر إلى أنها "قنوات" وذهب آخرون إلى أنها "تل عشترة"٥.
ويظهر أن كثيرًا من "الباشانيين" كانوا يعيشون عيشة سكان المغاور والكهوف "Troglodytes"، إذ تبين أن قسمًا منهم سكن الكهوف والمغاور، وسكن بعض منهم في أنفاق وكهوف تحت الأرض يبلغ طولها "١٥٠ قدمًا، وتتفرع منها أزقة تحت الأرض بجانبها بيوت تنتفتح كواها في سقوفها، فهي في الواقع مدن تحت الأرض. وفضل نفر آخر السكنى في بيوت منقورة في الصخر.
وسكن بعض منهم في بيوت منفردة منية من الحجر٦.
وأما "بصرى" وتعرف بـ "Bostra"، فقصبة "حوران"، ومن أشهر مدنها٧. وقد عرفت في أيام الرومان بـ "Nova Trajana Bostra"٨. وقد ألحقت بالمقاطعة العربية في مبدأ تأسيس هذه المقاطعة، أي في أيام "تراجان"،
стр. 1473
وصارت عاصمتها وقصبتها العظمى بعد أيام "ديوقليتيان" "Diocletian" "٢٨٦-٣٣٧" بعد الميلاد١، ومركزًا من مراكز النصرانية المهمة. وفي القرن السادس للميلاد كانت أسقفية "Avara"، وهي "الحميمة" على رأي "موسل" تراجع "بصرى"٢. ويظهر أنها لم تكن تابعة للغساسنة، وإنما كانت في إدراة البيزنطيين. وقد تضررت مثل "أذرعات" في أثناء غزو الفرس لديار الشأم عام "٦٤" للميلاد ضررًا بالغًا، وفقدت مكانتها المهمة من ذلك الحين٣.
وقد ورد اسم "بصرى" في السيرة في قصة ""بحيرا" الراهب، كما ورد اسمها في خبر فتوح الشأم. وكان أهلها من "قيس" من "بني مرة". وذكر "أبو الفداء" أنها من ديار "بني فزارة" و"بني مرة"٤. وقد اشتهرت بصنع السيوف المعروفة بـ "السيوف البصرية"٥.
وعثر على نقود ضربت في مدينة "بصرى"، منها ما يعود تأريخها إلى أيام "أنطونيوس بيومس" "Antonius Pius"، ومنها ما يعود إلى أيام "هدريانوس" "Hadrianus"، وهي النقود التي ضرب على أحد أوجهها النصف الأعلى لإنسان يظهر أنه يرمز إلى "العربية "Arabia" حاملًا جسمين يشيران، على رأي بعض الباحثين، إلى كورة "Auranitis" أي "حوران" و"العربية الحجرية" "Arabia Petraea" ومنها ما يعود إلى آخرين، وهم: "ديفا فاوسطينا" الأول "Diva Farstina"، وقد صور النصف الأعلى من الجسم على أحد وجهي النقد، "ومارقوس أورليوس قيصر" "Marcus Aurelius Caesar" و"كومودوس قيصر" "Commodus Caesar" و"كومودوس أغسطس" "Commodus Augustus" و"سبتيميوس سويروس" "Septimius Severus" و" يولية دومنا" "Jullia Domina" و"ايلاغبالوس" "Elagabalus"٦.
ودعيت "بصرى" في النقود التي ضربت باسم "سويروس اسكندروس"
стр. 1474
"Severus Alexanderus"، بـ"مستعمرة بصرى" "Colonia Bostra"١. ويعني هذا حدوث تغير في النظام الإداري لهذه المدينة في هذا العهد. ويرى بعض الباحثين أنها جعلت في درجة مستعمرة، أي "Colonia" قبل أيام "سويروس"، وبقيت في هذه المرتبة حتى عهد "سبتيميوس سويروس" "Septimius Severus" غير أن "هل" وآخرين يعارضون هذا الرأي ويرفضونه، ويرون أن ذلك كان في أيام "سويروس اسكندروس"، لا قبله، وأنها لم تعرف بـ "Colonia Bostra Nova Traiana Alexandiana" إلا في أيامه٢. وأما في نقود "يولية مامية" "Julia Mamaea"، فقد دعيت بـ "Colonia Bostra" كذلك٣.
وأعيد النظر في مرتبتها في أيام "فيليب سنيور" "فيليب الأقدم" "Philip Senior" على ما يظهر، فجعلت في درجة "متروبوليس" "Metropolis"، فدعيت "Colonia Metropolis Bostra". وحافظت على درجتها هذه في أيام "فيليب الأصغر" "Philip Junior"٤. ولم يعثر على نقود ضربت في "بصرى" بعد أيام "تراجان دسيوس" "Trajan Decius" أو "تويبونيانوس غالوس" "طريبونيانوس غالوس" "Trebonianus Gallus"٥.
وأما "Charachmoba"، فإنها "قير موآب" "Kir Moab" في التوراة والتركوم. و"قير حاراش" "قير حراشات" "قير حارسة" من "موآب" وهي "الكرك"٦. وقد عثر على نقد يعود إلى عهد "Elagabalus" يظن أنه من نقود هذه المدينة، وأن الصورة المضروبة في الوجه المقابل لصورة "Elagabalus" ترمز إلى الإله "دو شرى"٧.
стр. 1475
وتختلف وجهات نظر الباحثين في موضع مدينة "ديوم" "Dium" "ديون" "Dion"، فمنهم يرى أنها "الحصن" "قلعة الحصن" على مقربة من "اربد" وأنها "Dia" عند "بلطميوس"١ ومنهم من يرى أنها "كفر أبيل"، وآخرون يرون أنها "تل الأشعري"، وهكذا٢. وهي من مدن "Decapolis"، ثم ألحقت بـ "المقاطعة العربية" في عهد "سبتيميوس سويروس" "Septimius Severus" على ما يظن٣. وقد عثر فيها على نقد ضرب باسم "Geta"٤، وأرخ تأريخ الضرب بتقويم "بومبيوس"، وأشير في أحد وجهي النقد إلى الإله "هدد" الذي صورته بعض النقود المضروبة في بعض المدن السورية. وهو يقابل الإله "زيوس" "Zeus" عند اليونان٥.
ويراد بـ "Decaplis" الحلف المؤلف من عشر مدن، تحالفت لدفع غزو القبائل لها. ويظهر أنه ظهر إلى الوجود في القرن الأول للميلاد. والمدن المذكورة هي: "Pella" و"Scythopolis" و"Dion" و"Gerasa" و"Philodelphia" و"Gadara" و"Raphana" و"Kanatha" و"Hippos" و"دمشق". وقد انضمت إليه مدن أخرى بين حين وآخر. فلكون أرض هذا الحلف ممتدة من دمشق إلى الجنوب الشرقي لبحر الجليل "Sea Of Galilee"٦.
ومدينة "Eboda"، هي "عبدة" "العبدة" في "العربية الحجرية" "Arabia Petraea"٧. وقد أشار "بطلميوس" إلى أن "Eboda" = "Oboda" و "Gerasa" و"Gypsaria" و"Lysa" هي من مدن "العربية الحجرية"، وجعلها بعضهم من "النقب"٨. وتقع خرائب "عبدة" في جنوب "بئر السبع" "Beerscheba" وفي غرب "بطرا" وفي جنوبها سباخ، غير أن من المشكوك
стр. 1476
فيه أن تكون هذه السباخ موضع "Ge'ham Maleh"، أي وادي الملح١. وأما صنم "Eboda"، فقد عرف باسم "زيوس "عبودة" "Zeus Oboda"٢.
وأما "Esbus"، فإنها "حشبون" "Heshbon" في التوراة، وتعرف اليوم بـ "حسبان"، وتقع بين "فيلادلفيا" "عمان" و"مأدبا"، وعلى مسافة "٢٦" كيلومترًا من شرق النهاية الشمالية للبحر الميت في صعيد "موآب"٣. وهي من مدن العربية القديمة الشهيرة٤. وفي التوراة أنها كانت من مدن "الموآبيين" ثم استولى عليها الملك "سيحون" ملك "الأموريين" وجعلها عاصمة له، ثم تغلب عليها الإسرائيليون، ثم استعادها "الموآبيون"٥. والظاهر أنها كانت من مدن النبط، ثم دخلت أخيرًا في أملاك الرومان فالبيزنطيين. ولا تزال آثار المدينة القديمة باقية حتى الآن. وأما النقود التي ضربت فيها، فهي من أيام "Elagabalus" وبعضها من عهد "كركلا" "كاركلا" "Caracalla". ويظهر من بعض النقود أنها كانت تعرف أيضًا بـ "Aurelia"٦. و"Gerasa" هي "جرش" في الزمن الحاضر، ونسبها "ياقوت الحموي" إلى رجل زعم أن اسمه هو "جرش بن عبد الله بن عليم بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر ابن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة"٧. وتقع عند الحافة الجنوبية الشرقية لسلسلة "عجلون"، ولا يعرف أصلها ومبدأ تأريخها على وجه التحقيق. ولم يرد اسمها في التوراة٨. وقد أشير إليها في كتب "الحديث"٩.
стр. 1477
ويظن بعض الباحثين أنها "راموت جلعاد" "Ramoth-Gilead" المذكورة في العهد العتيق١. ويظهر أنها من المدن التي عرفت بعد عهد "إسكندر الكبير"، وقد استولى عليها "إسكندر ينيوس" "إسكندر جنيوس" ملك "يهوذا"، ثم تحررت من اليهود في عهد "بومبيوس"، وألحقت بكورة "سورية الرومانية"، ثم أضافها "تراجان" في عام "١٠٦" بعد الميلاد إلى "الكورة العربية"، وضمت بعد ذلك إلى كورة "فلسطين الثانية" "Palestina Secunda" أي الأردن٢.
وكانت "جرش" مركزًا لعبادة الإله "ارتيمس" "Artemis"، وهو "ديانا" "Diana" عند الرومان، وابنة "زيوس" "Zeus"، و"ليتو" "ليطو" "Leto" عند الإغريق٣، كما كانت أسقفية معروفة قبل الإسلام، وتشاهد آثار كنائس ومباني رومانية وبيزنظية ونبطية لا تزال باقية حتى اليوم٤.
وأما "Medaba" = "Medeba"، فهي "مأدبا" وهي "ميدبا" في التوراة. وهي من أقدم مدن "موآب"، وقد ذكرت في سفر "العدد" مع "حشبون" و"ديبون"٥، وكانت في أيدي "العمونيين" في ملك "داود"، وفي أيام "أشعيا" عادت إلى يد "موآب"٦. وفيها قتل "يوحنا مكابيوس" يوحنا المكابي"٧. وسبق أن ذكرت أن "بني يمرى" "Bne- Imri" = "Bne-Amri" قتلة "يوحنا" كانوا من سكان "ميدبا" مأدبا"، وهم من العرب، وقد جعلها "بطلميوس" في جملة مدن "العربية الحجرية"٨. أما "أويسبيوس" "Eusebius" و"جيروم"، فذكراها في جملة مدن "العربية"٩. وتقع خرائب تلك المدينة القديمة على مسافة "١٤" ميلًا شرقي "بحر لوط"، وهي مبنية على رأس تل وحوله، وفيه آثار المدينة القديمة. وإلى الجهة الجنوبية منها
стр. 1478
بركة، وإلى الشرق والشمال برك أخرى. وتوجد آثار هيكل كبير بينها عمودان واقفان١. ومن أنفس من عثر عليه في هذه المدينة القديمة خارطة من "الموزاييك" الفسيفساء "Mosaic" لفلسطين النصرانية ومصر٢، كما عثر فيها على نقود من أيام الرومان واليونان٣. وقد ازدهرت بعد الميلاد: فصارت مركز "أسقف"، ومثلث في مجمع "خلقيدون" "Chelcedon"٤.
وأما "فيلادلفيا" "Philadelphia"، فهي "ربة" و"ربة بني عمون" "Rabbath- Bene- Ammon" في التوراة. وهي في "جلعاد" بالقرب من مخرج نهر "يبوق" وعاصمة "بني عمون"٥. وذكر "اصطيفانوس البيزنطي" أنها كانت تعرف بـ "Astarty". وقد يكون لهذا القول أصل، فقد ورد في بعض الكتب أن من مدن "سورية" مدينة عرفت بـ "Asteria"، وللتسميتين علاقة بالصنم "عشتروت" "Asteria"٦. وعلى أنقاض هذه المدينة القديمة تقع "عمان" عاصمة المملكة الأردينة الهاشمية. وأما سبب تسميتها بـ "فيلادلفيا" فلتجديد بنائها وإعادة تعميرها في عهد "بطلميوس فيلادلفوس" Ptolemy "Philadelphia" "٢٨٥-٢٤٧" قبل الميلاد فعرفت به٧. وصارت من أشهر مدن "Decapolis"٨. وقد انتزعها "أنطيوخس أبيفانوس" "Antiochus Epiphanes" من "بطلميوس فيلوباتر" "بطلميوس فيلوباطر" "Ptolemy Philopater" في سنة "٢١٨" قبل الميلاد٩، وكان يحكمها في أيام "هركانوس" ملك "يهوذا" "١٣٥-١٠٧" قبل الميلاد، حاكم اسمه "زينو كوتيلوس" "Zeno Cotyles"١٠.
стр. 1479
وكانت بأيدي النبط في سنة "٦٥" قبل الميلاد١.
وتنسب "فيليب بولس" "Philippoplis"، وهي "شهبة" "شحبة" في الزمن الحاضر٢، وتقع على مسافة سبعة كيلومترات شمال "القنوات" إلى "فيليب" "فيلفوس"٣ المعروف بالعربي "M.Julius Philippus Arabus" "٢٤٤-٢٤٩م"٤. وقد عرف بالعربي؛ لأنه كان عربي المولد٥. وكان قد نشأ وترعرع في "بصرى"، ثم دخل الجيش الروماني وتقدم فيه، وأصبحت له مكانة كبيرة أوصلته إلى أعلى مراتب الدولة، وهي "قيصر"٦.
ويرى بعض الباحثين أنه أنشأ هذه المدينة في سنة "٢٤٨" بعد الميلاد أو بين "٢٤٧" و"٢٤٨" بعد الميلاد. ويرى "كوبيجك" "Kubitschek" أنه أسسها في عام "٢٤٤"، أي قبل ذهابه إلى "رومة"٧. وجعلها في درجة "مستعمرة" "Kolonia" = "Colonia" رومانية. ولا تزال أنقاض هذه المدينة باقية حيث تشاهد آثار معابدها وشوارعها وبعض أبنيتها ومسرح وغير ذلك مما جاء وصفه في كتاب: "Die Provincia Arabia"٨، كما عثر فيها على كتابات ورد فيها اسم "القيصر" "فيليب"٩، كما عثر فيها على نقود١٠.
وأما "Rabbathmoba"، وتعرف في اليونانية باسم "Areoplis"، فإنها "ربة" "ربا"، وهي مدينة بنيت في عهود الرومان المتأخرة على رأي بعض الباحثين١١. وقد عثر فيها على نقود ضرب عليها اسم "سبتيميوس سويروس" وأسرته. ويظن أن الصورة الرمزية المضروبة على عدد من نقود "ربة" تشير إلى
стр. 1480
إله لعله الإله "Kemosh" أو إلى معبده الخاص به، على نحو ما رأينا في بعض النقود من ذكر "متاب"، وهو معبد "دوشرى" ليرمز إلى الإله١. ويرى بعض الباحثين أن "Kemosh" هو إله الحرب٢.
ومن مدن الكورة العربية الأخرى: "Sodoma"، ولعلها "الزوراء"٣، و"السويداء" "Dionysias"، و"Beretana"، وقد وردت أسماؤها في مجمع "نيقية". وقد ألحقت "السويداء" بالكورة العربية في أيام "سويروس" و"Adrama" و"Constantine" و"Neapolis"، وقد وردت أسماؤها في جملة الأسماء المدونة في أعمال مجمع "القسطنطينة" المنعقد عام "٣٨١" للميلاد٤. و"Ziza" و"Dia-Fenis" و"Tricomia" و"Areopolis" و"Camotha" و"Nela" و"Zeraben" و"Anetha" و"Eutymia" و"Chrysopolis" و"Erra" و"Neve" و"Maximianopolis" و"Phaena" و"Aena"، وقد وردت أسماؤها في سجلات أعمال مجمع "خلقدون" "خلقيدون" "Chalcedon" "٤٥١م"٥.
وذكر "بطلميوس" أسماء مواضع أخرى يقع بعضها في النقب "Negeb" = "Negev" غرب "العربة"٦. وسجلت في "Notitia Dignitatum" أسماء "Motha"، وهي: "أمنان" "Speluncae"، وهي "دير الكهف"، "Mofa" و"Gadda" وهي "خو"، و"Betthoro" و"Dia-Fenis" و"Auatha" و"Gomotha" و"Libona" و"Naarsafari" و"Thainatha" و"Adittha" وهي "الحديد" و"Asabaia" و"Uitha" و"Uade Afar" و"Castra" و"Arnonensia"٧، على أنها من مواضع الكورة العربية. وهناك أماكن أخرى ذكرت أسماؤها في كتاب: "Die Provincia Arabia"، قد يخرجنا تعدادها عن
стр. 1481
أصل الموضوع١.
وقد أوكلت مهمة المحافظة على الأمن في "الكورة العربية" إلى الكردوس "اللجيون" "Legion VI Ferrata" الروماني الذي كان معسكرًا منذ أمد في "سورية"، فصدر الأمر إليه في سنة "١٠٦" للميلاد على ما يظهر بنقل مقره من شمال سورية إلى هذه الكورة الجديدة التي أنشأها "تراجان"٢. ثم نقل مقره في أيام "هدريانوس" "Hedrianus" إلى "اللجون" "Caparvonta" في "الجليل" "Galilee"٣. وفي أيام "هدريانوس" أيضًا وفي سنة "١٣٥" للميلاد وهي سنة استيلائه على القدس وإخماده الثورة التي قامت في "اليهودية" أمر بإنشاء "Aelia Capitolina". لأغراض عسكرية على ما يظهر٤.
ويرى بعض الباحثين أن الكورة العربية قد قسمت في القرن الثالث للميلاد وفي "ديوقليطيان" "ديوقلطيانوس" "Diocletianus" = "Diocletian" إلى كورتين: كورة شمالية عاصمتها "بصرى" وعرفت بـ "كورة بصرى" "Provincia Bostron"، وكورة جنوبية وعاصمتها "بطرا" وعرفت باسم "كورة بطرا"، وبعبارة أصح "الكورة الحجرية" "Provincia Petrae"، وتعرف بـ "العربية" أيضًا٥.
أما في القرن الرابع وفي حوالي سنة "٣٠٧" للميلاد تقريبًا، فقد اقتطعت منها بعض المدن، مثل "أيلة" "Pheinon" وألحقت بفلسطين، وبذلك تقلصت "Praeses Arabiae" وتوسعت رقعة فلسطين "Praeses Palestinae" كثيرًا. ويظهر أن الضرورات العسكرية هي التي دفعت إلى إحداث هذه التغيرات٦.
وحدثت تغيرات أخرى في "الكورة العربية" في القرنين الخامس والسادس
стр. 1482
للميلاد، فانتزعت منها مدن أخرى ألحقت بـ "فلسطين الثالثة" "Palestina Tertia" وتعرف أيضًا بـ "Palestina Salutaris"١.
стр. 1483
أهل الكهف والرقيم:
ولا بد لي وقد انتهيت من الحديث عن النبط وعن "الكورة العربية" من الكلام عن أهل الكهف والرقيم، الذين ذكروا في القرآن الكريم: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ ١. إذ ذهب بعض علماء التفسير إلى أن الرقيم واد دون فلسطين فيه الكهف، وهو قريب من "أيلة". كان اليهود قد أوحوا إلى المشركين من أهل مكة، أن يسألوا الرسول عنهم، امتحانًا له. وكانوا يتداولون أخبارهم، ويروون قصصًا عنهم، كان شائعًا فاشيًا إذ ذاك بين النصارى أيضًا، فجاء الجواب عنهم في سورة "الكهف"٢.
وهناك من زعم أن "الرقيم" على فرسخ من "عمان"، أو قرية صغيرة بالقرب من البحر الميت، أو أنها "البتراء": وذلك بالإضافة إلى روايات أخرى رجعت مكان "الكهف" إلى "أفسس" "أفسوس"، بالأناضول، أو إلى أماكن أخرى لا داعي إلى ذكرها في هذا المكان، لعدم وجود علاقة لها بهذا البحث. وقد بحث عنها المتخصصون، كما قامت بعثات آثارية بالبحث عن كهف "أهل الكهف" في الأماكن المذكورة، للتأكد عما جاء عنه في الموارد النصرانية والإسلامية، فإليها أحيل من يريد التبسط في الكلام عنه٣.
стр. 1484
ولقد تبين الآن أن الكتابات المدونة عند مدخل "الشق" في "البتراء"، لا صلة لها بأهل الكهف، وإنما كتبت تخليدًا لذكرى جماعة من اليونان البارزين جاءوا من "جرش" فوافاهم أجلهم بـ "البتراء"، ماتوا قبل "أصحاب الكهف" بأمد. وقد شرح تلك الكتابات "ستاركي" "Starkey"١. وذهب الباحثون في "دائرة الآثار في المملكة الأردنية الهاشمية" إلى أن كهف "أهل الكهف"، هو "كهف الرجيب"، وهو على مقربة من قرية صغيرة تدعى "الرجيب"، وجدت بداخله مدافن يرجع عهدها إلى زمان القيصر "ثيودوسيوس الثاني" "Theodosius II" "٤٠٨-٤٥٠م"، الذي في زمانه كان بعث أهل الكهف. وذهبوا إلى أن اسم هذا الموضع في القديم هو "الرقيم"، تحول إلى "الرجيب" فيما بعد. وأيد هذا الرأي الأستاذ "هج نيلي" "Hugh Nilley" الذي زار الموضع ودرسه، وكتب مقالًا عنه٢.
وذهب من رأى أن كهف الرجيب هو "كهف أهل الكهف"، إلى أن دخول الفتية الكهف، كان في أيام الطاغية "تراجان" "٩١-١١٧م" المشهور، فاتح "الكورة العربية" ومؤسسها والآمر بإنشاء الممر الحربي المعروف باسم "طريق تراجان" وباني مدينة "أيلة" الرومانية وصاحب الملعب الروماني والآثار العديدة للمباني التي أقامها بعمان وبمدن أخرى من الأردن. وقد كان شديدًا عاتيًا قاسيًا على النصارى، عدهم خونة مرقة خارجون على الدولة والقانون لذلك أصدر أمره سنة "١١٢م" بقتل كل نصراني لا يخلص للقيصر والدولة، فخاف منه النصارى وتكتموا، وكان من جملة من تكتم وانزوى "أصحاب الكهف"٣.
ووجدت البعثة الأميركية لمدرسة الأبحاث الشرقية بالتعاون مع دائرة الآثار الأردنية في موضع "أم الرجوم" الواقع على بعد "١٥" كيلومترًا شمال "عمان"،
стр. 1485
آثار بئر قديمة استدل من كتابة عثر عليها مدونة على جدارها أنها تعود إلى ما قبل الميلاد. وأن الموضع المذكور هو حصن من الحصون التي كانت تدافع عن مدينة "ربة عمون"، عاصمة مملكة "عمون"، التي عاشت بين القرن الثالث عشر والقرن السادس قبل الميلاد. و"ربة عمون"، هي "عمان" العاصمة
هذه صورة الكتابة التي دونها الباحثون لكتابة بئر أم الرجوم
أهدتها لي دائرة الآثار الأردنية بعمان، فلها شكري.
الآن. وقد كتبت الكتابة بخط مشتق من القلم العربي الجنوبي، يظن البعض أنها من كتاباب القرن السابع قبل الميلاد.
ويظهر من هذه الكتابة المهمة، أن أصحابها كانوا يكتبون بقلم قريب من
стр. 1486
٧٥
القلم المسند، وقريب من القلم اللحياني والثمودي والصفوي، وأن لهجتهم كانت لهجة عربية، أي أن أصحابها من العرب. وقد كتبوها لمناسبة إقامة تلك البئر التي حفرها وهيأها "شمان" ,"سمان" و"ساعدن" "سعد" "ساعد" وهما أصحاب هذه الكتابة والبئر١.
стр. 1487
الفصل الخامس والثلاثون: مملكة تدمر
مدخل
...
الفصل الخامس والثلاثون: مملكة تدمر
ويتصل الحديث عن النبط بالحديث عن مكان آخر له علاقة بهم أيضًا، هو "تدمر" المعروف بـ "Palmyra" عند الغربيين الذين ورثوا هذه التسمية عن الرومان واليونان. وهو "تدمر امور" المذكور في كتابة من كتابات "تغلت فلاصر الأول" "Tiglat- Pileser I" = "Tiglath- Piles" "١١١٧-١٠٨٠ ق. م."١ على رأي بعض الباحثين. وقد ورد اسم المدينة وهو "تدمر" في عدد من الكتابات كما ورد اسم علم للأشخاص.
وقد رأى بعض الباحثين أن "Palmyra" من لفظة "Palma" اللاتينية ومعناها "نخل" "نخلة"، وأن الإسكندر ذا القرنين لما تغلب عليها أطلق عليها "Palmyra" أي مدينة النخل، وذلك لما يكتنفها من غابات النخل العظيمة، فعرفت عند اليونان والاتين منذ لك الحين بهذا الاسم٢. غير أن هذا رأي يحتاج إلى إثبات، فليس لدينا دليل من عهد الإسكندر يؤيد هذا القول. وليست لدينا حجة دامغة تثبت وجود النخل في هذه المدينة إثباتًا يستوجب تسمية الموضع
стр. 1488
بـ "Palmyra" أي مدينة النخل١.
وهناك آراء متباينة في سبب تسمية "تدمر" بهذا الاسم، هي موضع جدل، وليس فيها رأي يمكن الاطمئنان إلى صحته وترجيحه على غيره، لذلك أترك البحث عنه إلى المراجع التي بحثته٢.
ويظن بعض الباحثين أن "Palmyra" هي ترجمة لكلمة "تمار" "تامار" "تمر" "Tamar" العبرانية ومعناها "نخلة" "Date- Palm"، وهي في الأصل اسم موضع إلى الحنوب الشرقي من يهوذا ورد ذكره في "حزقيال"، لا يعرف موضعه اليوم على وجه التحقيق٣. ويرى علماء التوراة أنه الموضع الذي بناه سليمان والمذكور في "الملوك الأول" وأن خطأ وقع قديمًا في تعيين الموضع فجعل "تدمر"، سببه أن كتبة أسفار "أخبار الأيام" أو الكتبة قبلهم أخطأوا في معرفة موضع "تامار" "Tamar" الواقع في الصحراء اليهودية جنوب البحر الميت، فظنوا أنه "تدمر" المدينة الشهيرة المعروفة، وكتبوه "تدمر" في محل "تامار"٤. فالأصل إذن هو "تامار". وصارت "تدمر" نتيجة لهذا التغير في جملة المدن التي بناها "سليمان". وقد كتبت "أسفار أخبار الأيام" "Chronicles" في حوالي سنة "٣٠٠" أو "٢٠٠" قبل الميلاد، لذلك يكون هذا التبديل والتغير قد ظهر في حوالي هذا الوقت٥. ومنه صارت "تامار" "تدمر" ومنه أصبح معنى "تدمر" مدينة النخل، أي "Palmyra" عند اللاتين واليونان وقد ظهرت هذه الترجمة بعد تدوين أخبار الأيام بالطبع. ومنها جاءت أسطورة بناء سليمان لمدينة "تدمر" في هذه المنطقة البعيدة عن حدود مملكة إسرائيل٦.
стр. 1489
وعلى كل حال، فإن الذي نستنبطه من قصة إضافة "تدمر" إلى المباني التي نسب بناؤها إلى سليمان، هو أن هذه المدينة كانت قد اكتسبت شهرة في أيام تدوين أسفار "أخبار الأيام" وأنها كانت مدينة عامرة شهيرة فيما بين السنة "٣٠٠" و"٢٠٠" قبل الميلاد١.
ويجوز أن تكون الشهرة التي اكتسبتها مدينة "تدمر" "تذمر" في أيام كتبة أسفار "أخبار الأيام" هي التي حملتهم على إضافتها إلى أعمال "سليمان"؛ لأنها "بمباني سليمان" أليق وأنسب من موضع صغير هو "تامار"، فأضافوا هذه المدينة الشهيرة إليه، لتدل على شهرته وعلى مدى بلوغ ملكه في أيامه. وقد أضيف إلى ملك سليمان على هذا النحو من الإضافات ما لا تصح إضافته إليه، وبولغ في ملكه وحكمه في الأيام القديمة التي تلت أيامه؛ لأنه كان من أشهر ملوك "بني إسارئيل"، حتى صارت أخباره من قبيل الأساطير.
وذهب المؤرخ اليهودي "يوسفوس فلافيوس" هذا المذهب أيضًا، فنسب بناء "تدمر" إلى "سليمان"٢. أخذ رأيه هذا من هذا الموضع من التوراة بالطبع، ومن الروايات التي وصلت إليه وكانت قد ظهرت قبله، للسبب المذكور.
أما الروايات العربية، فهي لا تفيد علمًا ولا تصلح أن تكون دليلًا، فهي روايات متأخرة دخلت إلى المسلمين من أهل الكتاب، أشاعها وروجها أمثال "ابن الكلبي" بين الأخباريين، فأخذوها بغير تحقيق ولا تدقيق. وقد ذكر "ياقوت الحموي" أن قومًا يزعمون أنها مما بنته جن سليمان، وأن أهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بزمان٣.
ولدينا أبيات نسبت إلى "النابغة الذبياني" تتضمن أسطورة بناء جن سليمان لتدمر، امتثالًا لأمره الذي أصدره إليها، فقد نسب إليه قوله:
стр. 1490
إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند
وجيش الجن إني قد أمرتهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد١
ولا يصلح شعر النابغة ولا أمثاله من شعراء الجاهلية أن يكون حجة في بناء "سليمان" لتدمر. فمن الجائز أن يكون النابغة أو غيره، قد أخذ فكرته هذه من أهل الكتاب، ومن الجائز أن يكون هذا الشعر من وضع الوضاعين نسبوه إليه. وقد وضعت أشعار في الإسلام ونسبت إلى الجاهليين، وإلى آدم وهابيل وقابيل والجن وإبليس.
وبين الأخباريين من ينسب بناء "تدمر" إلى "تدمر بنت حسان بن أذينة بن السميدع بن يزيد بن عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح". وذكروا قصة تفيد عثورهم على قبر "تدمر بنت حسان"٢. وقد أعجبوا ببنائها ووصف الشعراء صورتين جميلتين من بقية صور كانت فيها. وقد حاصرها خالد بن الوليد ثم ارتحل عنها فبعث أهلها رسلًا وصالحوه على ما أدوه له ورضي به٣. أما قصة العثور على قبر في تدمر ووجود جثة فيه، فأمر ليس ببعيد ولا بغريب. وأما قصة "تدمر بنت حسان" ونسبها والكتابة التي على قبرها، فهي من وضع الأخباريين والقصاص ولا شك٤.
وقد أشار "بلنيوس" "بلينيوس" إلى مدينة "Palmyra"، وهو أول كاتب "كلاسيكي" عرض لها، فذكر أنها مدينة شهيرة، ولها موقع ممتاز أرضها خصبة، وبها ينابيع وعيون، تحيط بحدائقها الرمال. وقد عزلتها الطبيعة عن العالم ببادية واسعة الأطراف، بعيدة المسافات، وتقع بين إمبراطوريتين عظيمتين إمبراطورية "رومة"، وإمبراطورية "الفرث" "Parthia"، ولهذا
стр. 1491
استرعت أنظار الدولتين١. وورد اسمها في كتب "الكلاسيكيين" الذين عاشوا بعد "بلينيوس" مما يدل على ازدياد شهرة هذه المدينة بعد الميلاد٢.
ويعود الفضل في حصولنا على معارفنا التأريخية عن تدمر إلى الكتابات التدمرية التي درسها المستشرقون وترجموها إلى لغاتهم وشرحوا ما جاء فيها، وهي بالإرمية واليونانية ثم اللاتينية والعبرانية، نشرت في كتب خاصة وفي كتب الكتابات السامية وفي ثنايا المجلات٣. وإلى كتب المؤلفين اليونان والاتين والسريان. من هذه الموارد الرئيسية استقى المؤرخون معارفهم عن تأريخ هذه المدينة، تضاف إليها موارد ثانوية ذكرت "تدمر" عرضًا لوجود مناسبة دعت إلى ذلك مثل سجلات المجامع الكنيسية والتلمود.
أما تأريخ المدينة فلا نعرف من أمره شيئًا يذكر يعود إلى ما قبل الميلاد. وأكثر ما كتب عن مدينة "تدمر" يعود إلى ما بعد الميلاد.
وكان غالبية أهل "تدمر" برغم كتابة أمورهم بالإرمية وبالقلم الإرمي من العرب على رأي أكثر الباحثين، شأنهم في ذلك شأن نبط "بطرا"٤. وهم يرون أن القبائل العربية التي أخذت تستولي على المناطق الخصبة الواقعة في شرقي أرض "كنعان"، بعد سقوط الدولة البابلية، كتبوا بالإرمية؛ لأنها كانت لغة الكتابة
стр. 1492
والثقافة في المنطقة الواسعة الواقعة غربي الفرات١. وتظهر في بعض الكتابات بعض المصطلحات والكلمات العربية الأصيلة، كما نجد فيها أسماء أصنام عربية مع أصنام إرمية٢. وبالجملة فإن في "تدمر" ثقافة هي خلاصة جملة ثقافات: عربية وإرمية ويونانية ولاتينية، وأقدم كتابة عثر عليها فيها لا يتجاوز تأريخها سنة "٣٠٤" من التأريخ السلوقي، أي سنة "٩" قبل الميلاد٣.
كانت تدمر عقدة من العقد الخطيرة في العمود الفقري لعالم التجارة بعد الميلاد تمر بها القوافل تحمل أثمن البضائع في ذلك الوقت. كانت على اتصال بأسواق العراق وما يتصل بالعراق من أسواق في إيران والهند والخليج والعربية الشرقية، كما كانت على اتصال بأسواق البحر المتوسط ولا سيما ديار الشأم ومصر، كما كانت على اتصال بالعربية الغربية وبأسواقها الغنية بأموال إفريقية والعربية الجنوبية والهند. إن هذه التجارة هي التي أحيت تلك المدينة. كما أن تغير طرق المواصلات بسبب تغير الأوضاع السياسية هو الذي شل جسم تلك المدينة فأقعدها عن الحركة بالتدريج.
لقد كانت القوافل الذاهبة من العراق إلى بلاد الشأم، أو القادمة من بلاد الشأم إلى العراق، تمر بمدينة "تدمر". وكان الموضع الذي تحط فيه قوافل "تدمر" هو موضع "Vologesies" = "Vologesokerta" على نهر الفرات. ومن هذا المكان تنقل التجارة إلى الجهات المقصودة في العراق، ومنه تحمل تجارة العراق بالبر إلى "تدمر" فدمشق٤.
ويظهر من كتابة عثر عليها في إحدى المقابر أن القوافل التجارية كانت تمر في حوالي سنة مئة قبل الميلاد بمدينة "تدمر" في أثناء أسفارها بين مدينة "دورا" "Doura" والشأم. وبين الطريق القديم وهذا الطريق، تسكن قبائل عربية من سكان الخيام. أي من النوع المعروف باسم "سكينيته" "Skenita" عند "الكلاسيكيين"٥.
стр. 1493
وقد اقتضت هذه الأعمال التجارية الواسعة تكوين علاقات سياسية واقتصادية مع الفرس والرومان والروم والقبائل العربية في البادية التي لم يكن من الممكن مرور قوافلها في أرضها بسلام ما لم يتفق مع سادتها على دفع إتاوة سنوية، أو جعل معلوم. ولضمان سلامة قوافلها، اضطرت كما اضطر غيرها إلى إرسال حراس معها وإلى إنشاء مواضع للحماية والاستراحة في مواضع متعددة من البادية. ونجد في الأخبار أن التدمريين جمعوا فأول أهل المدينة الذين سرحوا من الجيش الروماني أو الذين أجبرهم الاضطراب أو ضعف قادة الجيش الروماني، أو عنجهيتهم على ترك الخدمة في جيش الرومان، وألفوا منهم جيشًا درب تدريبًا حسنًا، وصار قوة مقاتلة متفوقة على قوات الأعراب بما توفر عندها من حسن التدريب والطاعة والنظام، واستطاعوا بهذه القوات من الهيمنة على أبناء البادية الجياع إلى الغزو والسلب ونهب القوافل، ووضعوا لهم حاميات في المراكز الضرورية الحساسة. فقد ورد في الكتابات أنه كان لهذه المدينة حامية "Militia" في "عانة" "عاناتا" "Anath" = "Anatha" في عام "١٣٢" و"٢٢٥" بعد الميلاد، وفي "الحيرة "Hirtha" في سنة "١٣٢" بعد الميلاد وفي "دورا" "Doura" في سنة "١٦٨" و"١٧٠" للميلاد١.
وقد عثر على مدافن بمقربة من القدس وجدت فيها كتابات تدمرية دونت عليها أسماء أصحاب تلك القبور، ويظهر أنهم من جنود "تدمر" الذين التحقوا بالجيش الروماني، وخدموا فيه، وقد اشتركوا مع الرومان في محاصرة القدس. ويجوز أن يكون بعضهم من التجار جاؤوا إلى هذه المدينة، فأقاموا بها للاتجار.
وقد كون الرومان فرقًا من الجنود التدمريين المرتزقة الذين التحقوا بالجيش الروماني، فاستفادوا منهم في قتال القبائل الغازية بصورة خاصة وفي القتال في البوادي لخبرتهم بها ولقدرتهم على القتال في هذه المواضع وتمكنهم منها، كما استخدموهم في قتال الفرس ومن كان في خدمتهم من الأعراب. واشتهر التدمريون في فن الرماية، فكانوا في أيامهم من خيرة الرماة بالسهام، ولذلك استعان بهم الرومان وألفوا كتائب منهم اشتهرت في الحروب. ولما سقطت "تدمر" احتفظ
стр. 1494
الرومان بهم في جيوشهم، فاستخدموهم في حروبهم في شمال إفريقية. وقد عثر على كتابات أثبتت أنهم كانوا في جملة القوات الرومانية التي كانت في بريطانية١.
واشتهر التدمريون بفرسانهم كذلك، فقد ألف "أذينة" قوة من القوات الراكبة لمحاربة أعدائه، جهزها بأسلحة واقية من دروع ومن صفائح من المعدن يلبسها الفارس من أعلى رأسه إلى أسفل قدمه، فلا يستطيع عدوه أن يناله بأذى، كما درعت الخيل والجمال بصفائح الوقاية، على نحو ما كان يفعله الفرس في قوافلهم الراكبة في أثناء القتال. وقد اكتسبت هذه القوات شهرة واسعة في حروبها مع الفرس والرومان٢.
وكان أهل تدمر خليطًا من تجار ومزارعين. أما أطرافها وحواليها، فكانوا أعرابًا ورعاةً. وكانت مدينة يونانية ولكنها لم تكن مثل المدن الأخرى المتأثرة بالهيلينية في الشرق، ولم تخضع لنظام المدن اليونانية "Greek Polis"، وكانت خاضعة للرومان وبها حامية رومانية، ولكن خضوعها كان في الواقع صوريًّا، كما أن الحامية لم تكن شيئًا تجاه أهل المدينة والقبائل المحيطة بها. كانت المدينة بالرغم من الطابع الهليني –الروماني الذي يبدو عليها، مدينة شرقية، الحكم فيها في يد الأسر ذات السلطان في البلدة تحكمها في السلم والحرب. لقد خلقت الاضطرابات السياسية التي حدثت في الشرق لضعف الحكومات الكبرى وانحلالها وانقسامها إلى "ملوك طوائف" جماعة من الحكام السادات "Tyrannies" تزعموا القبائل أو المدن، وشاركوا الحكومات في الحكم. ومن هؤلاء الأسرة التي حكمت "تدمر". والأسرة التي حكمت "حمص" "Emesa"= "Hemesa"٣.
وكانت في تدمر جاليات يونانية ورومانية، أقامت فيها وفضلت السكنى فيها على المواضع الأخرى. أقامت بين أهل المدينة حتى صارت من سكان المدينة، كما كانت فيها جاليات يهودية نزحت إليها في زمن لا نستطيع تعيينه بالضبط، قد يكون قبل سقوط القدس في أيدي الرومان بأمد للاتجار، قامت بأعمال التبشير بين
стр. 1495
السكان، فتهود أناس منهم، ورحل قسم من هؤلاء المتهودين إلى القدس، وأقاموا فيها قبل خراب الهيكل بأمد١.
تمكنت هذه المدينة الصحراوية من رفع منزلتها من منزل منعزل في البادية تنزل به القوافل إلى مكانة مدينة من الدرجة الأولى، ومركز ديني خطير لعبادة الأصنام يحج إليه أعراب البادية، وسوق للتجارة تكدست فيه أنفس البضائع وأثمنها وتجمعت فيه رؤوس الأموال والذهب والفضة والجواهر ولا سيما بعد سقوط "بطرا" بأيدي الرومان، وذهاب ملكهم، فانتقلت أسواقهم إلى أيدي التدمريين. وتولت قوافل "تدمر" نقل البضائع بين العراق والشأم مختقرة البادية إلى المرافئ العراقية على الفرات. وقد عادت هذه القوافل على المدينة بخير عميم من أجور الوساطة في البيع والشراء ومن الضرائب التي تجبيها عن البضائع التي تمر بها أو تباع فيها، والتي يحددها مجلس سادات المدينة. وتتبين مظاهر هذه الثروة في المباني الجميلة المنقوشة والتي تتحدث آثارها عنها، وفي بقايا الهياكل والأعمدة المرتفعة الجميلة المصنوعة من الحجر الصلد المصفوفة على جانب الشارع الكبير من قوس النصر المقام عند المعبد الكبير إلى نهايته في مسافة لا تقل عن "١٢٤٠" ياردة٢.
ولما كانت "تدمر" مدينة حياتها الأساسية بالتجارة، صار للتجار وأرباب القوافل ولزعماء القوافل شأن خطير في الحياة الاجتماعية للمدينة، حتى أشير إليهم في الكتابات، حيث كثر فيها ورود ذكر "زعيم القافلة" و"زعيم السوق"٣.
ومدينة مهمة لها مال وثروة وليس لها جيش ضخم قوي ولا مجال لتكوين هذا الجيش فيها، لا يمكن أن تبقى في مأمن ومنجاة من مطامع الطامعين. ولو كانت في بقعة منعزلة وفي بادية بعيدة. فقد كان لعاب الدول القوية يسيل عند سماعها بوجود شعوب صغيرة أو حكومات مدن أو مواضع ذات ثراء ومال، فتكتب إليها إما بإعطاء ما عندها إليها، وإما بدفع جزية ترضيها، راضية مرضية، وإما أن تمتنع فتزحف جيوشها عليها عندئذ فيكون كل ما يصل إليه يدها حلالًا طيبًا، ويكون الناس لها عبيدًا وخولًا، لا نستثني "تدمر" من هذا الولع
стр. 1496
الإنساني بالحصول على الثراء السهل بالطبع. لذلك طمع فيها الطامعون من شرقيين وغربيين. طمع فيها أهل العراق، وطمع فيها الفرس، وطمع فيها اليونان والرومان والبيزنطيون. وكان أول طامع فيها وصل خبره إلينا من الفاتحين الأقوياء هو الملك "تغلت فلاصر" "تغلات بليزر" "Tiglath-Pilezer" الأول، تلاه جملة غزاة ورثوا الحكم والملك والتسلط في أرض الشرق الأدنى.
وإذا عرفنا أن "تغلت فلاصر الأول" "١١١٧-١٠٨٠ق. م."، كان قد استولى عليها، فإن ذلك ينفي ما ورد في أخبار اليهود من بناء سليمان لتلك المدينة على نحو ما ذكرت. فقد جاء حكم "سليمان" بعد حكم هذا الملك الآشوري بنحو قرن، وقد كانت المدينة قائمة قبل ذلك الملك بالطبع.
وقد صارت "تدمر" في جملة الأرضين التي أخضعها "الإسكندر" الكبير لحكمه. لحكم تلك الإمبراطورية التي أراد أن يكونها في ذلك العالم، ليوحد فيها الأجناس والأديان، وليقيم مملكة واحدة على هذه الأرض. ومن عهد الإسكندر ظهر اسم "تدمر" الأجنبي، أي "بالميرا" "Palmyra" بين اليونان واللاتين١.
ولما انقسمت دولة "الإسكندر" قسمين، صارت "تدمر" من نصيب "السلوقيين" على ما يظهر. ولكننا لا نعلم شيئًا عن عهد استيلائهم عليها، ولا عن مدة بقائهم فيها. وقد حاولت "تدمر" أن تقف موقف الحياد بين "الفرث" والرومان، وتمكنت من ذلك أمدًا، إذ كان من مصلحة الدولتين المتنافستين وجود محل منعزل محايد، كي يتمكن تجار الدولتين من الاتجار فيه ومن التسوق منه٢.
وقد قام أحد القادة السلوقيين ببناء حصن ليضم إليه الجنود المقدونيين في مدينة "تدمر". فعل ذلك سنة "٢٨٠" قبل الميلاد. ولعل هذا الحصن، هو واحد من سلسلة حصون أقامها السلوقيون في المواضع المهمة ذات المكانة الخطيرة من الوجهة السياسية والعسكرية والتجارية لحماية مصالحهم فيها٣.
ولا يعرف تأريخ خضوع تدمر للرومان معرفة أكيدة. وقد ورد في تأريخ "أفيفانوس" أن "مرقس أنطونيوس" القائد الروماني بعد أن حارب الملوك
стр. 1497
"الأرشكيين"، ودارت عليه الدوائر توجه إلى الشأم عائدًا من ثم إلى "رومة" فلما قرب من "تدمر" أوفد إلى أهلها رسلًا يخبرونهم أنه قاصد مدينتهم ليريح فيها جنوده من أتعاب الحرب ومشقة الطريق. وكان يريد في نفسه الاستيلاء على المدينة وأخذ ما فيها من أموال ونفائس ... فأحسن التدمريون بالمكيدة، وبادروا إلى نقل أموالهم وما يملكون من أشياء ثمينة، فتعقبهم الرومان حتى أدركوهم فاقتتلوا قتالًا شديدًا كانت الغلبة فيه للتدمريين١. أما المدينة نفسها فقد حل بها الخراب وأصبحت ركامًا، وكان ذلك في حوالي سنة "٤١" قبل الميلاد٢.
وفي أيام القيصر "طيباريوس" "طبريوس" "Tiberius" "١٤-١٧م" كانت "تدمر" في جملة الأرضين التابعة لحكم الرومان٣.
ونجد بين الكتابات التي عثر عليها في هذه المدينة قوائم "كمركية" تبين بعض الرسوم التي كانت تجبى عن البضائع وأثمانها باليونانية والتدمرية يعود تأريخها إلى سنة "١٧" بعد الميلاد٤.
ويظهر من قائمة الضرائب التي وضعت في أيام "جرمانيكوس" "Germanicus" "١٧-١٩م" لجبايتها عن البضائع التي ترد دوائر "كمارك" المدينة، وفي أيام "دوميطيوس كوربولو" "Domitius Corbulo" "٥٧-٦٦م" أن مدينة "تدمر" كانت في نفوذ وحكم "رومة" في العصر الأول للميلاد. وقد كانت تابعة للرومان في أيام الانبراطون "فيسبسيان" "Vespasian" "٦٠ -٧٩م". غير أن هذا لا يعني أنها كانت خاضعة للرومان خضوعًا تامًا، وأن الإشراف على شؤون المدينة كان كله بأيدي موظفي "رومة"، بل كان ذلك إشرافًا عامًّا، أما الإدارة فكانت بأيدي أهل المدينة٥. وأن الحكم الروماني لم يتدخل في أمورها تدخلًا فعليًّا. حتى إن الرومان سمحوا للمدينة الاحتفاظ بحامياتها "Militia" التي
стр. 1498
كانت لها في الخارج في مثل موضع "Vologasia" وفي مواضع أخرى١.
وقد زارها الانبراطور "هدريانوس" "Hadrianus" "١١٧-١٣٨م" "سنة "١٣٠" بعد الميلاد، ومنحها لقب "هدريانا بالميرا" "Hadriana Palmyra" و"هدريا نوبوليس" "Hadrianopolis"٢. وعثر فيها على كتابة مدونة بالإرمية واليونانية يرتقي تأريخها إلى سنة "١٣٧" بعد الميلاد، أي إلى أيام هذا الانبراطور، جاء فيها أشياء تخص الأحوال التجارية في هذه المدينة أصدرها مجلس سادات المدينة لتنظيم التجارة، وتثبيت الضرائب، وكيفية الجباية وما إلى ذلك من أمور. وهي من الكتابات المهمة الطويلة التي ترينا ناحية خطيرة من نواحي حياة تدمر٣.
وقد بذل "هدريانوس" عناية كبيرة بـ "تدمر"، حتى قيل فيه أنه مؤسس المدينة الثاني، واعتنى عناية خاصة بحماية الطرق البرية التي تصلها بنهر "الفرات" الذي كان شريانًا مهمًّا من شرايين التجارة العالمية في ذلك العهد، فقد كان يقوم بالمهمة التي عهدت إلى "قناة السويس"، فيما بعد. ولأهمية هذا النهر الذي هو الممر المائي الذي يوصل تجارة ذلك المحيط الغالية إلى الموانئ الواقعة عليه، سعى لتحسين صلاته بالفرس وبالمحافظة على الأمن في البادية، لتتمكن القوافل من المرور منها بأمن وسلام. وأوصل حامياته إلى شواطئ الفرات الغربية، بل يقال أنه أنشأ أسطولًا فيه، وأن التجار التدمريين أقاموا في مدينة "Vologasia" وأقاموا لهم معبدًا هناك، ليتعبدوا فيه لإلههم الذي منحهم الخير والرفاه٤.
وقد منحت "تدمر" درجة مستعمرة رومانية عليا، فاكتسبت بذلك حق الامتلاك التام والإعفاء من الخراج، والحرية الكاملة في إدارة سياسة المدينة. ونالت الحقوق الإيطالية "Colonia Juris Italici" "Italici Juris" "Jus Italicum".
стр. 1499
منحت هذه الدرجة في أيام "هدريانوس" على رأي، أو في أيام "سبتيميوس سويروس" "Septimius Severus" "١٩٣-٢١١م" على رأي آخر١. وكانت تتمتع بهذه المنزلة في أيام: كراكلا" "Caracalla" "٢١١ -٢١٧م" كذلك٢. ولكن منحها درجة "مستعمرة" لا يعني أنها صارت مقاطعة رومانية مئة بالمئة، بل كانت في الواقع حكومة مستقلة ذات سلطة واستقلال في إدارة شؤونها خاضعة خضوعًا شكليًّا لحكم الرومان٣.
وقد استفادت "تدمر" من سياسة "هدريانوس" المنطوية على الميل إلى السلم ومجانبة الحرب، ومن سياسة "انطونينوس بيوس" "Antoninus Pius" "١٣٨-١٦١م" الذي نشر ألوية السلم والطمأنينة، فوسعت تجارتها، وزادت في عدد قوافلها، وحصلت على ثروة طائلة. وتعد المدة المنصرمة بين سنة "١٣٠" و"٢٧٠" بعد الميلاد من أحسن أيام هذه المدينة. فإلى هذه الأيام ترجع معظم النصب والآثار العظيمة التي ما برحت تشاهد بقاياها في جملة ما يشاهد من أشلاء المدينة وجدثها المهشم بين الأتربة والصخور.
وقد كانت في تدمر حامية رومانية أيام "ماركوس أوريليوس" "مارقوس أوريليوس" "Marcus Aurelius" "١٦١-١٨٠م"، على طريقة من سبقه من الحكام في وضع حامية رومانية في هذه المدينة.
ولسلطان "رومة" على تدمر، استفاد الرومان من المحاربين التدمريين وكونوا منهم فرقًا وكراديس لحماية الطرق ومصالحهم الممتدة في البوادي، فأودعوا أمر
стр. 1500
الدفاع عن "دورا" "Doura" إلى الكردوس التدمري العشرين "Xxth Cohore Palmyrenorum"١. وتركوا مهمة حراسة "الفنادق" "Funduq" التي أقامها الرومان على الطريق إلى كراديس الرماة التدمريين لحماية القوافل من لصوص الطرق والسالبين٢.
وقد تأثرت "تدمر" بأصول اليونان والرومان وطرقهم في إدارة الحكم، فكان للمدينة مجلس "شيوخ" "Senatus" له سلطة سن القوانين والتشريع، وله رئيس وكاتب وجملة أعضاء، ويشرف على السلطة الإجرائية شيخان "Archontes" وديوان يتألف من عشرة حكام، أما السلطة القضائية فينظر فيها بعض الوكلاء "Syndices" وغيرهم من العمال٣.
ويحمل موظفوا المدينة عناوين يونانية تشير إلى أثر التنظيم اليوناني فيها، وإلى أنها كانت تنفذ النظم الإدارية اليونانية في أعمال الشعب. فالرئيس هو "Proedros" والكاتب أي "السكرتير" هو "Grammateus"، وهنالك عناوين وظائف أخرى هي: "Archontes" و"Syndicus" و"Dekaprotoi"، وهي المجالس المحلية التي يتألف كل مجلس منها من عشرة أعضاء. جرى هذا التنظيم على وفق نظام المدن اليونانية في حماية "الانبراطورية" الرومانية٤.
ودعيت السلطة التنفيذية، المؤلفة من أعظاء مجلس الشيوخ، وكذلك الشعب بـ "Strategoi" وهي تعادل "Duumviri" "Dumviri" عند الرومان٥.
وتجمل التدمريون الذين حصلوا على حقوق "مواطن روماني" بأسماء رومانية مثل "سبتيميوس" "Septimius" و"يوليوس أوريليوس" "Julius Aurelius" وضعوها في مقدمة أسمائهم النبطية أو العربية٦. وقد فعل ذلك قبلهم العبرانيون ونبط "بطرا" وسكان بلاد الشأم وغيرهم من الضعفاء الذين يظنون أنهم سيكتسبون بهذه المحاكاة الاحترام والتقدير. والضعيف إنما يتشبه بالأقوياء ليخفي ضعفه.
стр. 1501
أسرة "أذينة ":
كان للانقلاب الذي وقع في مملكة الفرث أثر كبير في حياة مدينة تدمر، وأعني بهذا الانقلاب ثورة "أردشير بن بابك بن ساسان" على الملك "أرطبان" الخامس ملك الفرث، وتأسيسه حكومة جديدة هي دولة "الساسانيين" ٢٢٦م"١. فكان من نتائج ظهور الدولة الساسانية تجدد الحروب بين الرومان والفرس ووقوع معارك بين الدولتين.
وقد أحسنت أسرة عريقة من أسر "تدمر" الاستفادة من هذه الحروب، وجر المغانم إليها، والحصول على مركز عال لدى الرومان. وزعيم هذه الأسرة هو "أذينة" من "بني السميدع"، ينسبه "الطبري" إلى "هوبر العمليقي" "العملقي" من عاملة العماليق، فهي من بقايا "العماليق" على رأي الأخباريين٢.
و"أذينة" من أسرة قديمة معروفة، تولى رجالها رئاسة تدمر والزعامة عليها، واستطاعت بفضل تأييدها للرومان وتقربها إليهم أن تكتسب ود القياصرة وعطفهم عليها والإنعام على أفرادها بالألقاب والأوسمة وبالمال في بعض الأحيان. وبالقوة والمعونة وهي غاية كل سيد قبيلة وأمنية كل رئيس في مجتمع قبلي يقوم النظام السياسي والاجتماعي فيه على مفهوم الحكم القبلي في كل زمان ومكان. ولم يتعرض الرومان لحكم أفرادها على المدينة إذ كانت أحكامهم لا تعارض أحكام "رومة" ولا تصطدم بها. فتركوهم يديرون شؤونها على وفق السياسة الرومانية وإرادة القياصرة وأوامرهم التي يصدرونها إلى "المشيخة"، فكانوا يعدونهم "Procuratores" لدى قياصرة الرومان٣.
ووردت في الكتابات التدمرية أسماء نفر من رجال هذه الأسرة، منهم "نصور" "Nasores" "Naswar" "نصر" "ناصور"، وهو جد "أذينة". واسمه يشير إلى اسم عربي الأصل هو "نصور" أو"ناصر" أو "نصر" تحول
стр. 1502
إلى "نصرو" ليلائم النطق النبطي. وهو والد "وهبلات" "وهب اللات" "Vahballatat" "Vaballathus"، و"وهب اللات"، هو والد ولد اسمه "خيران" "حيران" "Airanes". و"حيران" "خيران"، هو والد "أذينة"١.
و"نصور" إذن هو أقدم من وصل إلينا اسمه من أسماء الأسرة التي حكمت مدينة "تدمر". وهو شخص لا نعرف عنه شيئًا ما. وقد يكون من سادات القبائل في الأصل من جاء إلى هذا المكان فاستقر فيه، وتولى نسله أو هو الحكم فيه. وقد يكون لهذا الاسم صلة بـ "نصر" الذي ينسب أهل الأخبار ملوك الحيرة إليه، فيقولون أنهم من "آل نصر".
وكان "سبتيميوس خيران"، على رأس مجلس المدينة، ولقبه الرسمي الذي عرف به عند أهل مدينته "رأس تدمر" "رش تذمور" إضافة إلى لقبه الذي لقبه به الرومان٢. وقد تمكن من تثبيت حكم أسرته ومن الهيمنة على شؤون المدينة ومن توسيع تجارتها، فاكتسب بذلك منزلة كبيرة عند أهل تدمر، وعند الرومان. ورافق "سبتيميوس سويروس" "١٩٣-٢١١م" في حروبه مع الفرث وتقرب إليه، ولقب نفسه بـ "سبتيميوس"، فصار اسمه "سبتيميوس خيران" "سبتيميوس حيران"٣.
وقد عثر على كتابة يرجع الباحثون زمان كتابتها إلى حوالي السنة "٢٣٥" للميلاد، أو بعد ذلك بشيء قليل، ورد فيها اسم "أذينة بن خيران بن وهب اللات بن نصور". وقد لقب "أذينة" فيها بلقب "سقلطيق" "Skiltyk". وقد كان يحمل لقب عضو في مجلس "الشيوخ" الروماني٤.
وقد نعت "سبتيميوس أذينة" بـ "سقلطيقا" "Skiltyka" في الكتابة التي دونت لتكون شاخصًا لأحد القبور. وقد حصل على لقب عضو مجلس الشيوخ، ثم لقب نفسه بلقب "ملك" "Rex"، وذلك في حوالي سنة "٢٥٠" للميلاد٥.
стр. 1503
وجمع الناس عليه، فأدرك الرومان ما وراء هذه الدعوة من خطر على مصالحهم، فأوعز القيصر إلى "روفينوس" "Rufikus" باغتياله، فقتل وتخلص الرومان منه١.
ومن ولد "أذينة"، "سبتيميوس خيران" "حيران" "Septimius Hairan" تولى رئاسة تدمر بعد مقتل أبيه٢. وقد ذكر اسمه في كتابة دونت سنة "٢٥١" للميلاد، ولم يصطدم بالرومان. وقد كان مثل أبيه بدرجة "Senator" كما لقب أيضًا بلقب "رش تدمور"، أي "رأس تدمر" "رئيس تدمر"٣. ولقب بلقب "Exarkus" "Exarchus"٤.
ولما مات "سبتيميوس خيران"، خلفه "أذينة" "Odenaus" على شؤون المدينة. ولم يرد نسبه في النصوص، فلا ندري أكان ابنًا أم شقيقًا لـ "سبتيميوس خيران"٥. وقد ذهب بعضهم إلى أنه كان أخاه٦. وكان شجاعًا فارسًا ألف حياة البداوة جريئًا، محبًّا للصيد ولا سيما صيد الذئاب والفهود والأسود٧. تولى قبل انتقال الحكم إليه قيادة الجيش والقوافل ورئاسة قبائل البادية، فكانت له مؤهلات خاصة وكفايات حسنة مكنته من رفع شأن "تدمر" في أعين الرومان، ومن تكوين اسم لها عند رجال الدولتين المتزاحمتين.
وقد تبين من كتابه دونت سنة "٢٥٨" للميلاد ومن كتابتين أخريين أنه كان يحمل درجة قنصل "Vir Consularis" في عهد القيصر "فاليريانوس" "Valerianus"٨ كما كان يحمل لقب "مرن"، أي "سيدنا"، وهو اللقب الذي يستعمله أهل "تدمر"، وهو يعادل لقب "Exarkos" "Exarchos" في اليونانية٩.
стр. 1504
وقد ذكر بعض المؤرخين أن "أذينة" الذي نتحدث عنه كان ابنًا لـ "أذينة" ابن "خيران" ووالد "سبتيميوس خيران"، وأنه كان قد هرب إلى الجبال وألف حياة البداوة والربى منذ صغره لينتقم من الرومان الذين اغتال قائدهم "روفينوس" "Rufinus" أباه١. فلما انتقل الحكم إليه، عمل جهده على الأخذ بثأر أبيه، فراجع "فاليريانوس" "والريانوس" شاكيًا إليه ما فعله "روفينوس" بأبيه، طالبًا منه إنزال العقاب به. أما القيصر، فلم يأبه لهذه الشكوى, ولم يحسب لها حسابًا، فغاظ ذلك "أذينة" وأزعجه وحمله على التفكير في الاتصال بأعداء الرومان، وهم الفرس٢. فلما بلغه نبأ زحف "فاليريانوس" على الفرس في عام "٢٥٩" بعد الميلاد وخيانة قائده "مكريانوس" وسقوط القيصر أسيرًا في أيدي الفرس على مقربة من "الرها"، أرسل رسلًا إلى "سابور" حملهم هدايا كثيرة وكتابًا يتودد فيه إليه ويظهر رغبته في مصالحته ومحالفته. فلما بلغ الرسل معسكر الملك، وطلبوا ملاقاته لإبلاغه الرسالة، استكبر عليهم وتجبر، وأظهر عجبه من تجاسر "شيخ" على الكتابة إليه، ومخاطبته مع أنه "ملك الملوك"، وهو رئيس مدينة في بيداء قفرة لا قيمة لها ولا أهمية! ومن يكون أذينة؟ هذا الرجل الذي دفعته حماقته إلى التجاسر على سيده بالكتابة إليه؟ فإن كان له أمل في عقوبة خفيفة، فليأت إلي ويداه مغلولتان على ظهره! وإن لم يفعل، فليعلم بأني سأهلكه وأهلك أسرته وأنزل الدمار بمدينته؟ ثم مزق الرسالة، ورمى بالهدايا تحت قدميه٣. فعاد الوفد كاسف البال خائفًا مما قد يقوم به هذا الملك المغرور الطائش من عمل تجاه مدينة خسرت الرومان، ولم تحظ بالاتفاق مع الساسانيين.
ولما رجع الرسل إلى تدمر وأعلموه بما جرى، قرر الأخذ بثأره من هذا الملك المتغطرس الطائش، فجمع القبائل بظاهر تدمر وجعلها تحت امرة ابنه "هروديس"، وضم إليها فرسان تدمر بقيادة "زبدا" كبير قواده، وقواسيها
стр. 1505
بقيادة "زباي"، وهما من "آل سبتيميوس" أي من أقرباه أذينة، وحشد معهم بعض الكتائب الرومانية وفلول جند "والريانوس" وسار على رأس هذا الجيش قاصدًا المدائن للانتقام من "سابرو" الذي كان قد انشغل بغزو الأنحاء الشمالية، ولإنقاذ القيصر من الأسر١.
وفي أثناء زحف "أذينة" على المدائن، وصلته أنباء تغلب القائد الروماني "كاليستوس" على الفرس، وتشتت شملهم وهربهم، فغير اتجاهه وأسرع إليهم لملاقاتهم، وقد أدركهم قبل تمكنهم من عبور نهر الفرات، فالتحم بهم وتغلب عليهم، وولى "سابور" مع فلول جيشه مذعورًا تاركًا أمواله وحرمه غنيمة في أيدي التدمريين ولم يتمكن الفرس من عبور نهر الفرات إلا بعد تعب. ولما عبروه هنأ بعضهم بعضًا على السلامة والنجاح٢. أما أذينة، المنتصر الظافر، فكتب إلى "غاليانوس ابن والريانوس" "كاليانوس بن والريانوس" يخبره بهزيمة الفرس، وبإخلاصه للامبراطورية، ففرح القيصر بالطبع بخبر النصر فرحًا عظيمًا، وأنعم عليه بدرجة قائد عام على جميع عساكر المشرق "Dux Romanorum"، وحثه على مواصلة الحرب لإنقاذ "والريانوس" والده من الأسر٣.
وقد أشار المؤرخ "ملالا" "ملالس" إلى ملك دعاه "Enath"، ذكر أنه كان ملك العرب "السرسين" "Saracens" الأجلاف الغلاظ وحاكم "العربية" وحليف الرومان، وذكر أنه هاجم ملك الفرس "سابور" في أيام "والريانوس" وكان قد سار إلى حدود الامبراطورية الساسانية، وتوغل فيها وأوقع خسائر بالفرس٤. وقد قصد به الملك "أذينة" هذا الملك الذي نتحدث عنه.
ويظهر أن "أذينة" كان يتحبب إلى الرومان، فأنعموا عليه بالألقاب، ومن ذلك لقب "Vir Consularis" الذي كان يحمله في عام "٢٥٨" للميلاد. وقد منح قبل هذه السنة على ما يظهر. ولعل ضغطه المتزايد على الفرس هو
стр. 1506
الذي حملهم على ترك "دورا" "Dura" "Doura" ففسح بذلك المجال لعودة الحامية الرومانية إلى هذه المدينة، فرفع ذلك من شأنه في أعين الرومان١.
وتمكن "أذينة" من تحرير الجزيرة من الفرس، وفتح "نصيبين" "Nicibis" "Nisibis" و"حران" فاستقبل هو وجنوده استقبالًا عظيمًا. وكان الناس يذكرون بازدراء "غاليانوس" الذي تركهم فريسة للفرس٢. ثم سار بجيوشه إلى "طيسفون" "Ktesiphon"٣ "٢٦٤م"، فخاف "سابور" وأمر بجمع كل ما عنده من قوات للدفاع عن عاصمته، غير أنها لم تتمكن من وقف زحف التدمريين فوصل "أذينة" إلى "المدائن" وحاصرها، ونصب المجانيق وآلات الحصار لفتحها، وكاد "سابور" يلتمس منه الأمان لولا حدوث حادث أكره أذينة على ترك الحصار والتراجع، هو خروج "مكريانوس" "Macrianus" "Macrinus" القائد الذي كان السبب في وقوع "والريانوس" في الأسر على القيصر "غاليانوس" وتنصيبه نفسه قيصرًا على آسية الصغرى ومصر وفلسطين والشأم. فاضطر هذا الانقلاب "أذينة" إلى الرجوع إلى مدينته بسرعة، لاتخاذ موقف حاسم تجاه هذا الوضع السياسي الجديد٤.
لم يكن "أذينة مطمئنًّا إلى "مكريانوس" "Macrianus" "Macrinus" كان يكرهه ويخشى أن يستولي على ملكه إن تمكن واستأثر في الحكم، فقرر منازلته قبل منازلة "مكريانوس" له. وبينما كان يهم بالزحف على "حمص" "Emisa" "Emissa" جاء نبأ مقتل "مكريانوس"، فأعلن السوريون ولاءهم لأذينة وخروجهم على "كياثوس بن مكريانوس"، وساروا مع التدمريين لمحاصرة "كياثوس" في مدينة "حمص"، ولما اشتد الحصار على المدينة وطال، قتل
стр. 1507
"كاليستوس" سيده "كياثوس" ورمى برأسه من فوق السور تحت قدمي "أذينة" ثم فتح له أبواب المدينة والتمس منه الأمان، فمنحه إياه ودخل المدينة في سنة "٢٦٢" للميلاد١.
ولم يكن استسلام أهل "حمص" للتدمريين أمرًا سهلًا عليهم فقد كانت بين الفريقين شحناء وبغضاء. نظر أهل حمص إلى أهل تدمر نظرة ازدراء وغضاضة، إذ كانوا يرونهم ناسًا أجلافًا، ليس لهم حظ من حضارة وثقافة، أهل بادية حفاة جفاة. وقد يكون لاتصال حدود "تدمر" بحدود حكومة "حمص" وغارات أعراب تدمر على أرض حمص يد في خلق هذا النزاع. وقد لاقت حمص من استيلاء أهل تدمر عليها عنتًا شديدًا إذ حل بها دمار وخراب لرفضها الاستسلام لـ "برابرة تدمر"٢.
لقد سقطت حمص في أيدي التدمريين، بالرغم من تضرع أهلها وتوسلهم بالإلهة "الشمس" لتنصرهم على أعدائهم وتنزل بهم خسائر فادحة. وقد كانوا من عبادها المخلصين. ولكن أهل تدمر كانوا يتعبدون للشمس كذلك، وقد توسلوا وتضرعوا إليها لتنصرهم على أعدائهم أهل حمص. لقد كان موقف "الشمس" موقفًا حرجًا. فالطرفان المتخاصمان من عبادها. وقد أقام كل منهما معبدًا ضخمًا فخمًا لعبادتها، زوقت أبوابه وذهبت قبابه، وكل منهما يتوسل إليها، فأي طرف تؤيد إذن؟ والظاهر أن اختيارها وقع على تدمر إذ انتصروا على أهل حمص ودخلوا المدينة ظافرين٣.
وسر "أذينة" ولا شك من هذه النتيجة، فقرر بعد استراحة جنوده بضعة أيام أن يسير نحو الشمال للقضاء على المنشقين. وبينا هو في طريقه، تلقى أنباء تمرد "كاليستوس" وخروجه عليه وإعلان نفسه ملكًا، فأمر نفرًا من رجاله بالذهاب إلى معسكر "كاليستوس" لاغتياله، فذهبوا إليه، وتمكن فارس من الدخول إلى خيمته وقتله٤. عندئذ تحسن موقفه، فسار إلى الجزيرة، وتعقب الفرس فقبض على عدد من "المرازبة" "Satrapen" وأرسلهم إلى "رومة"، وأظهر
стр. 1508
إخلاصه وطاعته لقيصر، فرضي عنه واطمأن إليه، وأعطاه منزلة رفيعة هي: "Imperator Totius" "Dux Orientis" ودعاه انبراطورًا على جميع أنحاء المشرق، أي على الشأم والجزيرة وآسية الصغرى عدا "بتينية" وبضع نواح شمالية، "٢٦٤م"١. وضربت نقود باسمه صور عليها أذينة ووراءه بعض أسرى الفرس. وجعل تحت إمرته جميع القوات الرومانية المعسكرة في المشرق. وكلفه القضاء على فلول جيش "مكريانوس" وتطهير المقاطعات الرومانية منهم٢.
واختار أذينة لنفسه لقبًا آخر حبيبًا إلى نفوس الشرقيين هو لقب "ملك الملوك" "ملك ملكا"٣، لعله فعل ذلك محاكاة لملوك الفرس، ومنح لقبًا آخر هو "أغسطس" "Augustus" لقب قياصرة الرومان٤. والإنسان متى أبطرته النعمة مال إلى اتخاذ أمثال هذه الألقاب! وفي رواية أن مجلس الشيوخ الروماني منحه لقب "أغسطس"، فصار مساويًا للقيصر، وأنه أمر بوضع صورته مع صورة الانبراطور على النقود التي أخذت غنيمة من الفرس٥.
وعرف "أذينة" بـ "متقنا دي مدنحا كله"، "متقنا متقنانوتا"، وتقابل معنى "Reparator Totius Orientis" أو "Correctores Italiae" "Utriusque Italiae, Italiae Regionis Transpadanae"٦، وتقابل درجة "Correctores" منزلة "رئيس" "Praesides"٧، أي رئيس مقاطعة من المقاطعات.
وقام "أذينة" بإصلاحات جمة أظهر فيها أنه لم يكن قائدًا قديرًا فقط، بل كان إلى ذلك رجل إدارة وسياسة وتسامح أيضًا. فمنع تعصب الوثنيين على النصارى واضطهادهم لهم، ومنح كل طائفة حريتها في ممارسة شعائر دينها، وخول
стр. 1509
النصارى حق بناء الكنائس حيثما شاؤوا١. وتعقب اللصوص وقطاع الطرق من الجنود الهاربين والمسرحين من الخدمة والصعاليك الذين وجدوا في الاعتداء على الآمنين، ومهاجمة القوافل والقرى والمدن خير مصدر للحصول على الكسب والمغانم والمال، وقتل "كاليستوس" زعيم الصعاليك الذي اسمال من لا عمل له إلا الفتنة والاعتداء على الناس، وبذلك أراح أذينة نفسه وأراح المقاطعات الرومانية من شر هؤلاء، واطمأن الناس على أنفسهم، وعادوا إلى أماكنهم التي اضطروا إلى تركهم لها بسبب تلك الاعتداءات التي قام بها من أطلق عليهم الكتاب اسم "الظالمون"٢.
وصمم "انبراطور الشرق" و"ملك الملوك" بعد هذه الأعمال على انتزاع القيصر "والريانوس" من أيدي الفرس، ومحاربة خصمه المتغطرس المتلقب بلقب "ملك الملوك" كذلك. قد يكون حبًّا في إذلال من استهان به فمزق رسالته أمام أعين رسله، وقد يكون تقربًا للرومان وتوددًا إلى القيصر "غاليانوس". والشرقيون مبالغون ويا للأسف في إكرام الغرباء، متزلفون إلى القوي منهم، ولو كان في ذلك هلاك الوطن والرعية. عين ابنه البكر "سبتيميوس هيرودس" "Septimius Herodes" من زوجته الأولى نائبًا عنه في إدارة شؤون الملك، وأخذ هو جيشه وسار به لمحاربة الفرس في أوائل عام "٢٦٥" بعد الميلاد. سار به إلى "طيسفون" عاصمة "سابور" فحاصرها أمدًا، ويظهر أن "سابور" أظهر استعداده لعقد صلح لولا اشتراط "أذينة" فك أسر "والريانوس"، وهو شرط كان في نظر الفرس جد عظيم٣.
ووقع حادث مهم اضطر "أذينة" إلى تبديل خططه العسكرية وترك حصار "طيسفون"، ذلك هو انتهاز "القوط" فرصة محاصرة "أذينة" للمدائن وابتعاده عن آسية الصغرى وبلاد الشأم، فعبروا بحر "بنطس" "Pontus" أي البحر الأسود٤. ونزلوا بميناء "هرقلية" "Heraclea" ثم زحفوا على "بتينية"
стр. 1510
و"فريجية" و"غلاطية" و"قيادوقية"، وكانوا يقصدون من وراء زحفهم هذا التوسع والاستيلاء على آسية الصغرى وبلاد الشأم وكل ما يمكن الاستيلاء عليه من بلاد الشرق. فلما علم "القوط" بمجيء "أذينة" هربوا إلى ميناء "هرقلية" مسرعين، ومنه ركبوا إلى بلادهم التي جاءوا منها١. فقرر عندئذ الرجوع إلى العراق لفتح "طيسفون". ويبنما كان "أذينة" في "حمص" لإراحة الجند، أعد وليمة كبيرة تذكارًا ليوم ميلاده حضرها قواده وكبار القوم. فانتهز "معنى" "Maeonius" ابن أخيه "خيران" هذه الفرصة، فقتل هو وعصابته عمه "أذينة "وابن عمه "هيرودس" "Herodus"، لاغتصاب عمه منه ملكه الذي ورثه من أبيه. ونادى بنفسه ملكًا على المملكة التي أنشأها وكونها "أذينة" القتيل، وبذلك استرجع حقه من المقتول. ولكن حياة القاتل كما يقول المثل الشرقي لا تطول، وذلك قولهم: "بشر القاتل بالقتل"، فما كاد يتربع على العرش أيامًا حتى انتقمت منه سيوف "حمص"، وألحقته بالعالم الواسع الذي ذهب إليه القتيلان "٢٦٦-٢٦٧م"٢.
ما أعجب الحياة. في مدة قصيرة طفر فيها رجل "تدمر" من رئيس في مدينة صحراوية إلى ملك على عرش مملكة، فقائد كبير في أعظم انبراطورية في عالم ذلك الزمن، ومنافس للقيصر وملك على الشرق، وفي لحظة واحدة انتقل فيها هذا القائد الملك من هذا العالم إلى عالم القبر، إنها الحياة لا بد لها من نهاية مهما بلغ الإنسان من منزلة ومكانة، لا تعرف قوة وصولة ولا فقرًا وضعفًا، الجميع إلى هذه النهاية منتهون، وللفيلسوف أن يستخرج منها حكمة الحياة.
هل قتل "معنى" عمه لاغتصابه حقه الطبيعي في الملك؟ أو قتله لأسباب أخرى؟ وهل كان لأحد مثل الملكة "الزباء" ضلع في الحادث؟ وهل كان للرومان يد في هذه الجريمة؟ وهل كان للحزب الوطني التدمري الذي كان يكره اليونان والرومان وكل سيطرة غريبة يد في هذا الاغتيال؟ لما عرف عن "أذينة"