مياهها، ولا تزال آثار هذا العهد باقية حتى الآن١.
وقد كانت مدينة "تدمر" على الحدود الداخلية "Limes Interior" للانبراطورية في أيام "يوسطينيانوس"٢. ويسكن في المناطق التي بين هذه الحدود وبين الحدود الخارجية "Limes Exterior" القبائل المحالفة للرومان. ومن هذه المنطقة تغزو القبائل الحدود٣. وقد كان سلطان الروم وقواتهم العسكرية أقوى في الحدود الداخلية منها على الحدود الخارجية التي كان يقوم بالدفاع عنها رجال القبائل الحليفة بالدرجة الأولى بأجور ومخصصات تدفعها الحكومة إلى رؤسائها لضمان حماية تلك الحدود.
وقد كانت القبال العربية قبل الميلاد وبعده تقلق راحة سكان الحدود وتزعج الحاميات الموكول إليها أمر سلامتها، وتكون مصدر خطر دائم للحكومات، وكان من الصعب الاطمئنان إليها، ثم إن البادية كانت تصدر لهما بين حين وآخر بضاعة جديدة منها، وموجة عنيفة تزعج القبائل القديمة والحدود معًا، فكان على تلك الحكومات مداراتها واكتساب ود القوية منها، ويقال إن القيصر "دقيوس" "Decius" "٢٤٩-٢٥١م" سئم في زمانه من هذا الوضع وبرم به، ففكر في إدخال الرعب في نفوس هذه القبائل وقهرها، فجاء بأسود اصطادها من إفريقية في البادية لتتناسل وتتوالد ولتكون مصدر خطر ورعب للأعراب٤.
وقد اتخذ بعض ملوك الغساسنة تدمر منزلًا لهم ومحل إقامة. ولم تزل على هذا الشأن حتى فتحها المسلمون سنة "٦٣٤م"٥. غير أنها منذ تركتها الزباء لم ترجع إلى ما كانت عليه. وقد أثر تحول الطرق التجارية في مركز هذه المدينة كثيرًا ولا شك.
وانتهت إلينا أسماء عدد من أساقفة مدينة "تدمر" مدونة في سجلات الأعمال الكنيسة، منهم: الأسقف "مارينوس" "Marinus" وقد حضر المجمع النيقاوي "Nicaa" "Nicaea" الذي انعقد سنة "٣٢٥" للميلاد٦، والأسقف "يوحنا" "٣٥٧م" وقد ورد اسمه في سجلات أعمال مجمع "خلقيدون" "Chalcedon"
стр. 1542
المنعقد عام "٤٥١م"١، و"يوحنا" الثاني المشهور في أيام "انستاس" "أنسطاس" "نسطاس" القيصر "٤٩١ -٥٨١م". وكان نفي في عهد "يوسطينوس" خليفته لدفاعه عن "المجمع الخلقيدوني" ولقوله بطبيعتين في المسيح سنة "٥١٨م"٢. ويستدل من وجود أساقفة في تدمر على انتشار النصرانية في هذه المدينة.
وفي "تدمر" في الزمن الحاضر ثروة تأريخية مطمورة تحت الأنقاض ستفيدنا ولا شك فائدة كبيرة في تدوين تأريخ المدينة وتأريخ صلاتها بالخارج، لقد عثر فيها على كتابات أفادتنا كثيرًا في تدوين تأريخ المدينة، ولكن ما سيعثر عليه منها مما هو مطمور سيفيدنا أيضًا، وقد يفيدنا أكثر من كتابة تأريخها. وقد قام علماء بالتنقيب في مواضع منها، للكشف عن المواقع المهمة منها، وكتبوا عنها٣.
غير أن المدينة لا تزال في انتظار من يكشف عنها.
ووردت في الكتابات التدمرية أسماء أصنام عديدة عبدها التدمريون، بلغ عددها زهاء اثنين وعشرين صنمًا، منها ما هو معروف ومشهور عند العرب، وأسماؤها أسماء عربية. ومنها ما هو إرمي، وعلى رأس آلهة تدمر الإله "شمش" "شمس". وقد اتصفت دياناتهم بمزايا النظام الشمسي الذي تركزت عليه ديانة عرب الشمال. ومن هذه الأصنام "بل"، أي "بعل"، و"يرح بل" "يرح بول" "يرح بعل"، و"عجل بل" "عجل بول" و"عجل بعل"، و"الت" أي "اللآت"، و"رحم" "رحيم"، "اشتر" أي "عشتار"، و" عثتر" عند العرب الجنوبيين٤، و"ملك بل" "ملك بعل"٥، و"عزيزو" "عزيز"
стр. 1543
و"سعد"، و"اب جل"، و"اشر"١، و"بل شمن" "بل شمين" "بعل شمين"، أي "بعل السماوات" "رب السماوات"٢، و"جد" "جد بعل"، وغيرها.
وعثر في تدمر على مقابر عديدة خارج أسوار المدينة على التلال المشرفة عليها تذكر الأحياء عباد المال بالمصير المحتوم الذي سيواجه كل حي غني أو فقير أو متوسط، تضم رفات من تستقبلهم ثم لا تسمح لهم بالانتقال منها إلى دار أخرى، أنها دور الأبدية والاستقرار، وقد أجاد أهل المدينة كل الإجادة بإطلاقهم "بيت الأبدية" على القبر٣. ضمت بيوت الأبدية هذه رفات الآباء والأبناء إلى الأبد: بعضها على هيأة أبراج ذوات غرب تودع فيها الموتى، وبعضها على هيأة بيوت ذوات غرفة واحدة مزينة بالنقوش وأنواع الزخرفة كتبت على جوانبها أسماء ساكنيها في الأبدية ورسمت صورهم عليها٤. هذه هي مدينة الأموات تشرف على مدينة الأحياء وتضحك منها.
стр. 1544
حصن "زنوبية ":
لم تفكر "الزباء"، على ما يظهر، في نقل عاصمتها إلى موضع آخر، وقد علمت على تقوية "تدمر" وتحصينها وتجميلها، ومعظم الآثار الباقية فيها هي من أيامها. ولو أن كثيرًا من الأبنية التي كانت فيها قبل أيام الملكة قد صيرت باسمها، غير أنها عنيت عناية فائقة بتحسين عاصمتها ولا شك. وابتنت مدينة على نهر الفرات لحماية حدودها من الشرق عرفت بـ "زنوبية" وهو اسمها باليونانية. ويظهر أن هذه المدينة هي التي أشار إليها "الطبري" بقوله: "وكانت للزباء أخت يقال لها زبيبة، فبنت لها قصرًا حصينًا على شاطئ الفرات الغربي"١،
стр. 1545
فجعل المدينة قصرًا، وصير اسم المدينة وهو "زنوبية" "زبيبة" وجعله اسم أخت للزباء. وذكر "المسعودي" أن مدائن الزباء على شاطئ الفرات من الجانب الشرقي والغربي، "وكانت فيما ذكر قد سقفت الفرات وجعلت من فوقه أبنية رومية، وجعلته أنقابًا بين مدائنها"١. وذكر أيضًا أنها حفرت سربًا من تحت سريرها وبنته حتى خرج من تحت الفرات إلى سرير أختها٢. وقد أشير إلى هذا النفق في قصة مقتلها. وذكر "ابن الكلبي" أن أبا الزباء اتخذ النفق لها ولأختها، وكان الحصن لأختها داخل المدينة٣.
وذكر "البكري" أن المدينة التي بنتها الزباء على شاطئ الفرات هي "الخانوقة"، وزعم أن "الزباء" "عمدت إلى الفرات عند قلة مائه فسكر، ثم بنت في بطنه ازجًا جعلت فيه نفقًا إلى البرية وأجرت عليه الماء، فكانت إذا خافت عدوًّا دخلت إلى النفق وخرجت إلى مدينة أختها الزبيبة"٤. وسمى "ياقوت الحموي" تلك المدينة "الزباء"، قال: إنها "سميت بالزباء صاحبة جذيمة الأبرش"٥. ودعاها في موضع آخر "عزان"٦ وقال: إن في مقابلها على الضفة الثانية من الفرات مدينة تدعى "عدان"، وهي لأخت الزباء٧.
ويظهر أن هرب "الزباء سرًّا من نفق سري، يمر من داخل المدينة من معبدها أو من قصر الملكة ومن تحت السور إلى الخارج، هو الذي أوحى إلى أهل الأخبار قصة ذلك النفق الطويل الذي زعموا أن الملكة بنته تحت الأرض من قصرها إلى نهر الفرات، حيث مدينتها الثانية، وهو نفق يجب أن يكون طوله مئات الأميال. وقد عثر على بقايا سراديب وقنوات. تحت أسوار تدمر وقلاعها تشير إلى وجود أنفاق للهرب منها عند الاضطرار٨، ولكنها لا يمكن أن تكون على شاكلة نفق أهل الأخبار بالطبع.
стр. 1546
ولا يستبعد احتمال وجود نفق في حصن "زنوبية" على الفرات أيضًا، ساعد وجوده في تثبيت هذه القصة في رواية الأخباريين.
ويرى "هرتسفلد" "E.Herzfeld" أن هذه المدينة هي الموضع الذي يعرف اليوم باسم "الحلبية"، ويقابله في الضفة الثانية من النهر موضع آخر يسمى "الزليبية". وهو يعارض رأي من يدعي أن "الزليبية" هي المدينة التي بنتها الزباء. وينسب بناء موضع "حلبية" "الحلبية" إلى "الزباء" كذلك١. ويرى بعض الباحثين احتمال كون "الحلبية" القصر الثاني الذي نسب بناؤه إلى الزباء، وذكر في الروايات العربية. وذهب بعض آخر إلى أن "زنوبية" هي "مدينة "السبخة" الحالية٢.
ويرى "موسل" أن "الحلبية" هي "دور كرباتي" "Dur Karpati" "Nibarti Aschur" التي بنيت بأمر "آشور نصربال الثالث" "Asurnazirpal" عام "٨٧٧" قبل الميلاد، وأنها عرفت بـ "زنوبية" ثم "الزباء" فيما بعد٣.
ويعزو "سبستيان رتزفال" سبب بناء مدينة "زنوبية" إلى عزم الملكة على إذلال مدينة "فولوغيسية" "Vologasia" "Vologesias" المعروفة في الكتابات التدمرية باسم "أجليسيا" "Ologesia" "ألجاشيا"، وهي في نظر بعض الباحثين "الكفل" على نهر الفرات في لواء الحلة بالعراق، بناها "فلوجاس" "فوكاس" من ملوك "الأرشكيين" "بنو أرشك" حوالي سنة "٦٠" للميلاد. وذلك لاستجلاب التجارات الواردة عن طريق نهر الفرات من أقاصي الهند والشأم وآسية الصغرى٤. فرأت "الزباء" منافسة هذه المدينة ببناء مدينة جديدة تقع في منطقة نفوذها على نهر الفرات.
стр. 1547
وكانت قوافل "تدمر" تتاجر مع هذه المدينة العراقية "ألجاشيا"، تحمل إليها بضائع الشأم وسواحل البحر المتوسط، وتنقل منها إلى "تدمر" بضائع الهند وإيران والخليج والعراق. يقود هذه القوافل زعماء شجعان خبروا الطرق وعرفوها معرفة جيدة، ولهم في المدينة مقام محترم. وطالما عمل لهم رجال القافلة والمساهمون في أموالها، التماثيل، تقديرًا لهم وتخليدًا لأسمائهم وكتبوا شكرهم لهم على الحجارة، ولدينا نماذج عديدة منها، من ذلك كتابة دونها رجال قافلة لزعيمهم وقائدهم "يوليوس أورليوس زبيد بن مقيمو بن زبيدا عشتور بيدا"؛ لأنه أحسن إليهم حين قاد قافلتهم وأوصلها سالمة إلى "الجاشيا" في العراق. وكتابة أخرى دونها جماعة قافلة تولى قيادتها زعيم اسمه "نسي بن حالا" لمناسبة توفيقه في حمايتهم وحماية أموالهم في أثناء ذهابهم وعودتهم إلى "الفرات" وإلى "ألجيسيا" "Ologesia" وقد صنعوا لذلك تمثالًا له في شهر "نيسان" من سنة "١٤٢" للميلاد تخليدًا لاسمه١.
وقد استولى "خسرو" الأول في حوالي سنة "٥٤٠" بعد الميلاد على "زنوبية" فدمرها. فلما استرجعها "يوسطنيانوس" "جستنيانوس" "Justinianus" "٥٢٧-٥٦٥ م"، أعاد بناء ما تهدم منها. وقد عثر على بقايا المباني التي تعود إلى أيامه، وبعضها من عمل معماريه "يوحنا البيزنطي" و"أزيدوروس الملطي" "Isidoros Miletus" حفيد البناء البيزنطي الشهير "أيا صوفيا" "Hagia Sophia" كلفهما القيصر إنشاء تلك العمارات٢. غير أن إصلاحات هذا القيصر لم تضف إلى حياة المدينة عمرًا طويلًا، لقد كانت نوعًا من أنواع الحقن المقوية تقوم الجسم إلى حين ولكنها لا تمنحه الأبدية. ففي سنة "٦١٠" للميلاد. وفي أيام القيصر "فوقاس" "Phokas" هاجمها "خسرو" الثاني وأنزل فيها الخراب والدمار٣. فقد عبر "شهربراز" "Shahrvaraz" نهر الفرات في اليوم السادس من شهر "أغسطس" من عام "٦١٠" للميلاد، واستولى على مدينة "زنوبية" "Zenobia"٤. وأخذ نجمها منذ ذلك الحين في الأفول، فلم يسمع
стр. 1548
عنها شيء، حتى إنها لم تذكر في أخبار الفتوح، ويدل هذا على أنها لم تكن شيئًا يذكر في ذلك الحين١.
ويحدثنا المؤرخ "بروكوبيوس" أن الأيام أثرت في مدينة "زنوبية" "Zenobia" مدينة "الزباء"، فأنزلت فيها الخراب، وتركها أهلها، فانتهز الفرس هذه الفرصة ودخلوها وتمكنوا بذلك من الولوج في الأرضين الخاضعة للروم دون أن يشعر الروم بذلك، ولذلك أعاد "يوسطنيانوس" بناء هذه المدينة وأحكم حصونها وجدد قلاعها وأنزل الناس فيها، وأسكن فيها حامية قوية جعلها تحت إمرة قائد، وأقام لها سدودًا من الحجارة لحمايتها من فيضان الفرات، وقد كانت مياه الفيضان تصل إليها فتلحق بها أضرارًا جسيمة٢.
وذكر المؤرخ "بروكوبيوس" أن الفرس والروم ابتنوا قلاعًا بنيت جدرانها باللبن لحماية كورة "قوماجين "Commagene" وهي الكورة التي كانت تعرف قبلًا باسم "كورة الفرات" "Euphratesia"، وحماية حدود الانبراطورية الفارسية الواسعة المشرفة على البادية من الغزو أيضًا. ومن جملة هذه الحصون ثلاثة حصون أمر القيصر "ديوقلطيانوس" "ديوقليتيانوس" "Diocletianus" ببنائها، منها حصن "Mabri" "Mambri" الذي أصلحه القيصر "يوسطنيانوس" "جستنيانوس "Justinianus" ورممه. ويقع على مسافة خمسة أميال رومية من "زنوبية" Zenobia". و" Mambri"، هو خرائب "شيخ مبارك" على مسافة سبعة كيلومترات من "الحلبية"٣.
ولم يبق من آثار عهد "تدمر" في "الحلبية" إلا مقابر خارج أسوار المدينة. وهي على هيأة أبراج تتألف من طابقين أو ثلاثة طوابق وأهرام بنيت على الطريقة التدمرية في بناء القبور، غير أنها دونها كثيرًا في الصنعة وفي الفن، وتشاهد بقايا قبور مشابهة لهذه القبور في المدن الواقعة في منطقة الفرات الأوسط. أي المنطقة التي خضعت لنفوذ حكومة "تدمر"٤.
стр. 1549
ويلاحظ انتشار هذا النوع من القبور في المناطق التي سكنها العرب في أطراف الشأم والعراق في العهد البيزنطي، خاصة في "تدمر" وفي "حمص" و"الرها" "Edassa" وفي "الحضر" كذلك١. بل وفي "بطرا" أيضًا حيث نجد شبهًا كبيرًا في أشكال القبور المنحوتة من الصخر على هيأة أبراج ذوات رؤوس تشبه الهرم في بعض الأحيان، ولانتشار هذا النوع من القبور في مناطق سكنتها أغلبية من العرب المتحضرين، نستطيع أن نقول إنها نمط خاص من أنماط بناء القبور كان خاصًّا بالعرب المتحضرين٢.
وذكر "بطلميوس" أسماء عدد من المواضع جعلها في عداد أماكن "كورة تدمر" "Palmyrena"٣ وهي: "Resapha" و"Cholle" و"Oriza" و"Putea" و"Adaba" و"Palmyr" و"Adacha" و"Danaba" و"Goaria" و"Aueria" و"Casama" و"Admana" و"Atera" و"Alalis" و"Sura" و"Alamatha"، وتقع هذه المواضع الثلاثة الأخيرة على نهر الفرات٤.
أما "Palmyra"، فهي "تدمر" العاصمة، وأما "Resapha"، فهي "الرصافة" وهي مدينة قديمة ورد خبرها في النصوص المسمارية فدعيت فيها بـ "Ra-Sap-Pa" ومن ذلك نص يعود إلى سنة "٨٤٠" قبل الميلاد، وقد اشتهرت بوجود ضريح القديس "سرجيوس" "St.Sergius" بها، المقدس عند الغساسنة٥.
وأما "Cholle"، فهي "الخولة" "الخلة"، وأما "Oriza"، فهي "الطيبة"، وتقع هذه المواضع على السكة الرومانية الممتدة من الفرات إلى "تدمر"٦.
ويرى "موسل" أن "Putea"، هو "Beriarac"، وهو موضع "بيار جحار"، ويقع على السكة الرومانية المارة من "تدمر" إلى موضع "Occaraba"٧.
стр. 1550
أما المستشرقان "ميلر" "Muller"١ و"موريتس" "Moritz"٢، فقد ذهبا إلى أنه "أبو الفوارس" الوقاع على مسافة سبعة كيلومترات في غرب جنوب غربي تدمر. وذهب "موريتس" أيضًا إلى احتمال كونه "القطار"، وهو على مسافة خمسة وعشرين كيلومترًا إلى الشمال الشرقي من "تدمر"٣.
أما موضع "Adaba"، فكان حصنًا رومانيًّا كذلك، يعرف في الزمن الحاضر بـ "الحير"، ويقع على أربعة عشر كيلومترًا إلى الجنوب الشرقي من "الطيبة" "Oriza"، وعند الحافات الغربية لمرتفع "Adidi"، وهو اسم قريب من ""Adaba"٤ وقد ذهب "ميلر" إلى أنه الموضع المسمى بـ "خربة العاشجة" "خربة العاشقة" الواقع على الحافات الشمالية لهضبة تدمر٥.
ويرى "موسل" أن في كلمة ""Adacha" بعض التحريف، وأن الأصل الصحيح هو "Archa" و"Harac"، وهو "أرك" "رك" الواقع على طريق تدمر وفي الشمال الشرقي من المدينة٦.
وأما "Danaba"، فيقع على طريق "دمشق" "تدمر"، وهو موضع خرائب "البصيري" على رأي "موسل"٧.
وأشار المؤرخ "اصطيفانوس البيزنطي" إلى ""Goaria" كذلك، ذكرها على هذا الشكل "Goaria"٨. ويظهر أن هذه المدينة كان لها شأن في تلك الأيام، وإذ أطلق اسمها على منطقة واسعة دعيت باسم "Goarene"، ويظن أنها "البخراء" وهي في زمننا خرائب تعق على ستة وعشرين كيلومترًا إلى الجنوب من "تدمر". وقد عرفت بـ "Goaria" عند بني إرم "الآراميين"٩. وذهب "ميلر" و"بينتزنكر" "Benzinger" إلى أن "Goaria" هو الموضع المسمى بـ "Cehere"
стр. 1551
على الخارطة الرومانية لأيام الانبراطورية١. وهو رأي يعارضه "موسل"، ويرى أن "Cehere" هو المكان المسمى بـ "خان عتيبة" الواقع على مسافة تزيد على مئة كيلومتر في جنوب غرب "البخراء"٢.
ويظهر أن "Aueria" "Aueria" "Aberia"، هو موضع "Eumari" "Euhara" "Euarirs" في مؤلفات أخرى، وهو موضع "الحوارين"٣.
وأما "Casama"، فهو على طريق دمشق المؤدي إلى تدمر، وهو خرائب خان "المنقورة" على رأي "موسل"٤. وأما "Admana" "Odmana" "Ogmana"، فهو موضع "Ad-Amana" في الخارطات الرومانية للانبراطورية على ما يظهر، وهو موضع "خان التراب" على رأي "موسل" كذلك٥.
وأما "Atera"، فالظاهر أنه موضع "Adarin" على الخارطة الرومانية، وهو موضع "خان الشامات" "أبو الشامات" "خان أبو الشامات" على رأي "موسل". أما "ميلر" فيرى أنه موضع "دير عطية"٦، وهو رأي لا يقره "موسل" عليه٧.
وموضع "Sura" هو "سورية" على رأي "موسل". وأما "Alalis" فيقع في غرب "Sura" عند "بطلميوس". ويظن "موسل" أنه يقع بين موضعي "Sura" و"Alamatha" في مقابل "طابوس"٨.
عانة:
ذكرت أن التدمريين كانوا قد وضعوا حاميات لهم في مدينة "Alalis"، أي "عانة"٩، وهي لا تزال موضعًا معروفًا حيًّا على نهر الفرات في العراق.
стр. 1552
وعرفت "عانة" بـ "Anat" و" An-At" و" A-Na-At" و" A-Na-Ti "في الكتابات المسمارية. وعرف موضعها بـ "خـ - نا" "H-Na" و"خا – نا – ت" "" Ha-Na-At" في النصوص البابلية القديمة، وقد تكونت مملكة صغيرة بهذا الاسم امتدت رقعتها على الخابور، وعرفت المدينة بـ "Anatha" في مؤلفات "الكلاسيكيين"١.
ويشك المسشرق "أدور ماير" "Eduard Meyer" في وجود صلة بين اسم الإله "Ana-Tu" "Anat"، واسم مدينة "An-At"، أي "عانة"٢.
ومركز "عانة" الجزر الواقعة في النهر، وهي خصيبة، وفي مأمن من غارات الأعراب. وقد تمكن أصحابها بفضل موقعهم هذا من التحكم في القبائل المجاورة لها ومن أخذ الجزية منها. ولهذا السبب استعمل الآشوريون في الغالب رجالًا من أهلها لحكم منطقة "سوخي" "Suhi". وفيها كان يقيم "ايلو ابني" "Ilu-Ibni" حاكم "سوخي" "الذي دفع الجزية إلى الملك "توكلتي أنورتا الثاني" "Tukulti Enurta" "٨٨٩-٨٨٤" قبل الميلاد٣.
وقد ذكر اسم "عانة" و"الحيرة" في الكتابة المرقمة برقم "Littmann ٦"٤. ويرجع تأريخها إلى شهر أيلول من سنة "٤٤٣" من التأريخ السلوقي، أي شهر "سبتمبر" من سنة "١٣٢" للميلاد، وورد فيها اسم الإله "شيع القوم" حامي القوافل والتجارات. ويظهر أن المراد بـ "حيرتا" الحيرة الشهيرة في العراق٥. فإذا كان ذلك صحيحًا، دل على أن نفوذ تدمر قد بلغ هذا المكان، وأن للقصص الذي يرويه الأخباريون عن ملوك الحيرة والزباء أصلًا تطور على مرور الأيام.
стр. 1553
فتكونت منه قصة "جذيمة" والزباء".
وصاحب هذه الكتابة رجل اسمه "عبيدو بن غانمو بن سعدلات"، من قبيلة "روحو" أي "روح"، وكان فارسًا في حامية مدينة "عنا" وهي "عانة". وقد دون كتابته هذه بمناسبة تقديمه مذبحين إلى الإله "شيع القوم" الذي لا يشرب خمرًا، وهو حامي القوافل. ويلاحظ أن أكثر الكتابات تذكر جملة "الذي لا يشرب خمرًا" بعد اسم هذا الإله. وهي تعني أن هذا الإله كان يشرب الخمر ولا يحبها، فعلى أتباعه تجنبها. ويظهر أن طائفة من الناس حرمت عليها الخمرة، ودعت إلى مقاطعتها، واتخذت "شيع القوم" حاميًا لها. وهي على نقيض عباد الإله "دسره" "دشرة" "Dussares" أي "ذو الشرى" الذين كانوا يتقربون على إلههم هذا بشرب الخمر١.
ولا نعرف متى استولى الرومان عليها. ولم يرد ذكرها في قائمة "ماريوس مكسيموس "Marius Meximus" التي عثر عليها في "Dura" والتي يعود تأريخها إلى سنة "٢١١" للميلاد في ضمن المخافر الرومانية التي كانت في المناطق الوسطى لنهر الفرات. ويظهر منها أن "عانة" "Anath" كانت في ذلك الوقت في أيدي "الفرث" "Parthians"، وأن الرومان دخلوها بعد ذلك. قد يكون في أثناء حملة "اسكندر سويرس" "Alexander Severus" كما ذهب "روستوفستزف" "Michael Rostovtzeff" إلى ذلك، أو في أيدي "غورديانوس" "Gordianus" كما ذهب "أولمستيد" "A.T.Olmstad" إلى ذلك٢.
وقد ذكر "عانة" "Anatha" المؤرخ "أريان" في أثناء حديثه عن أسطول "تراجان" الذي مر بها. وورد اسمها "Anath" في خبر "معين" "Ma'ajn" أحد قواد الملك "سابور الثاني" "٣٠٩-٣٧٩م"، وكان قد اعتنق النصرانية وبنى جملة ديارات، ونصب القس على "سنجار "شجار" "Schiggar"، ثم لم يكتف بذلك، فذهب إلى "عانة"، فبنى على شاطئ الفرات وعلى مسافة ميلين منها ديرًا استقر فيه سبع سنوات٣.
стр. 1554
وفي سنة "٣٦٣" للميلاد حاصرها الروم، وألحقوا بها أضرارًا كبيرةً. وأجلوا السكان عنها. ولما أرسل "فاراموس" "Varamus" "Varaious" في عام "٥٩١" للميلاد قوة على "عانة" لمناوشة "كسرى" "Chosroes" وصده عن الرجوع إلى فارس، قتل الجنود قائدهم، وانضموا إلى "كسرى". وفي القرن السابع للميلاد، كان مقر أسقف قبيلة "الثعلبية" في هذه المدينة١.
стр. 1555
الفصل السادس والثلاثون: الصفويون
وإلى هذا العهد تجب إضافة قوم من العرب أطلق المستشرقون عليهم لفظة "الصفويين"، نسبة إلى أرض "الصفاة"١. وهم أعراب ورعاة كانوا يتنقلون من مكان إلى آخر طلبًا للماء والكلأ. وقد دونوا خواطرهم أحيانًا على الأحجار، وتركوها في مواضعها، ومنها استطعنا الإلمام بعض الشيء بأحوالهم وأخبارهم. وقوم تنتشر الكتابة بينهم على هذا النحو، لا يمكن أن نتصورهم أعرابًا على النحو المفهوم من الأعرابية، بل لا بد أن نتصور أنهم كانوا على شيء من الثقافة والإدراك.
وإذا سألتني علن سبب اختيار المستشرقين لهذه التسمية وإطلاقها على أصحاب هذه الكتابات، فإني أقول لك: إنهم أخذوها من اسم أرض بركانية عرفت بالصفا وبالصفاة، تغطي قشرتها الخارجية حتى اليوم صخور سود تقول لك أنها خرجت إلى هذا المكان من باطن الأرض، وأن براكين ثائرة مزمجرة غاضبة كانت قد قذفت بها إلى ظهر الأرض فاستقرت في أمكنتها هذه، ومن يدري؟ فلعلها أصابت أقوامًا كانت تعيش في هذه المواضع أو مارة بها فأهلكتها. وهي تسمية
стр. 1556
قديمة تعود إلى ما قبل الإسلام. بدليل أنها وردت في نص يوناني على هذه الصورة: "Safathene"١. وورود اسم إله عرف بـ "زيوس الصفوي" "Zeus Safathenos"، أي نسبة إلى هذه الأرض٢.
أما "الصفوية"، فتسمية ليست بتسمية عربية قديمة، وليست علمًا على قوم معينين أو على قبيلة معينة، وإنما هي تسمية حديثة أطلقها المستشرقون على قبائل عديدة كانت تنتقل من مكان إلى مكان طلبًا للماء وللكلأ، لرعي ماشيتها التي تكون ثروتها ورأس مالها، تراها يومًا في أرض النبط، ويومًا آخر في بلاد الشأم حيث كان الومان ثم البيزنطيون يسيطرون. فنحن في هذا الموضع لسنا أمام مملكة أو حكومة مدينة، بل أمام قبائل عديدة حرفتها الرعي والغزو وكفى.
ومن نسميهم بالصفويين إذن ليسوا بقبيلة واحدة ولا بجنس معين، وإنما هم قبائل متنقلة، كانت تنتقل في هذه الأرضين الواسعة، في أزمنة مختلفة متباينة. ويعود الفضل إلى الكتابات التي عثر الباحثون عليها في إعطائنا فكرة عن تلك القبائل المتنقلة، وفي حصولنا على أسماء بعض تلك القبائل التي كان ينتسب إليها أصحاب تلك الكتابات.
وقد جمعت الكتابات الصفوية من أرضين واسعة، تمتد من "حماه" في سورية إلى نهر الفرات في العراق في الشرق، وإلى فلسطين والمملكة الأردنية الهاشمية فأعالي الحجاز، وكلها كتابات شخصية في موضوعات متعددة، ليس بينها وثائق تتعرض للمسائل العامة مثل القوانين والحروب بين الدول بتفصيل وتبسط، ذلك؛ لأن الكتابات الصفوية هي كما قلت كتابات أفراد كتبوها تعبيرًا عن أمور شخصية لا غير، ومثل هذه الكتابات لا تتعرض لما يبحث عنه المؤرخ إلا بقدر، وهو قدر لا يقدم في الغالب اللمؤرخ ما يبحث عنه، ولهذا انحصرت فوائدها في مسائل
стр. 1557
أخرى، في مثل الدراسات اللغوية والدينية وتطور الخطوط ودراسة أسماء الأشخاص والقبائل وما شاكل ذلك.
وانتشار هذه الكتابات وتناثرها في أرضين صحراوية، أمر يلفت النظر ويدعو إلى العجب من أمر الأعراب في ذلك العهد الذين كانوا يقرأون ويكتبون مع أنهم أبناء بادية، وقد عاشوا قبل الإسلام بزمان طويل، ثم إن خطها يلفت إليه النظر أيضًا، فهو خط عربي، ولد من الأم التي نسلت الخط العربي الجنوبي، وهو قريب من الخط الثمودي والخط اللحياني، ويعني هذا أن العرب كانوا يكتبون قبل الميلاد بخط أود أن أسميه بالقلم العربي الأول، أو القلم العربي القديم منه تفرعت الأقلام العربية المتنوعة فيما بعد، فوجد ما نسميه بالقلم المسند وبالأقلام العربية الشمالية، وذلك لظروف كثيرة لا مجال للكلام عليها في هذا المكان، وهو يدل على أن الصفويين وأمثالهم من الأعراب لم يتأثروا بالثقافة الإرمية مع قربهم منها واتصالهم بها، وطغيانها على الثقافات الأخرى في العراق وفي بلاد الشام، فبقوا مخلصين لقلمهم القديم، فكتبوا به، ولم يستعملوا قلم بني إرم كما فعل "أهل المدر" المقيمين في مدن العراق والشأم وقراهما. وكتبوا بلهجاتهم أيضًا ولم يكتبوا بلغة بني إرم كما فعل غيرهم من العرب الحضر.
وقد رأى "دوسو" "Dussaud" أن الصفويين كانوا يحاكون الجنود الرومان واليونان في تسجيلهم خواطرهم وذكرياتهم على الحجارة، فقد وجد الباحثون أحجارًا دون عليها أولئك الجنود في أثناء أدائهم واجباتهم العسكرية في بلاد الشأم وعلى الطريق الرومانية ذكرياتهم وخواطرهم ونزولهم في تلك الأمكنة. ولكن وجود كتابات صفوية عديدة من القرن الأول قبل الميلاد يثبت أن الصفويين كانوا يدونون خواطرهم بهذا الأسلوب، وذلك قبل شروع أولئك الجنود الرومان واليونان في تدوين خواطرهم على هذا الأسلوب، وأنهم كانوا يدونون خواطرهم هذه على الأحجار وبهذا الشكل؛ لأن هذه الحجارة كانت هي ورق كتابة أهل البادية، فكتبوا عليها كما يكتب أهل الحضر على الرق والخشب والورق وغيرها من وسائل الكتابة١.
ويرجع علماء الصفويات عمر أقدم الكتابات الصفوية إلى القرن الأول قبل الميلاد.
стр. 1558
أما آخر ما عثر عليه من كتابات، فيرجع إلى القرن الثالث بعد الميلاد، على رأيهم أيضًا١. فما عثر عليه من الكتابات الصفوية، هو من عهد تبلغ مدته زهاء أربعة قرون.
وقد أرخت بعض هذه الكتابات بحوادث محلية عرفت عند أصحابها، إلا أنها مجهولة لدينا، لذلك لم نستطع الاستفادة منها في تكوين رأي في زمن كتابتها. فقد أرخ بعضها بسنة وفاة قريب لصاحب الكتابة، أو بوقت نزوله في المكان الذي كتب به الكتابة، أبو بوقت هربه من الرومان أو بعد كذا من الأيام أو من السنين من رؤية قريب له أو وفاته، ومثل هذه الحوادث، لا تفيد المتأخرين شيئًا، ولا تساعدهم في تثبيت زمن تدوينها بوجه صحيح مضبوط. وأرخ بعضها بحوادث أعم، إلا أنها ذكرت بأسلوب فوت علينا معرفة زمان وقوع الحادث بوجه مضبوط، فقد أرخت كتابة منها بـ "سنت نزز اليهد"، أي "سنة الخصام مع اليهود"٢. وهي سنة كان يعرفها صاحب الكتابة وأصحابه. أما نحن فلا نعلم من أمرها شيئًا، فقد خاصم العرب اليهود كثيرًا في تأريخهم. فأية خصومة من تلك الخصومات قصد صاحب الكتابة، فإذا كان قد قصد ثورة العرب أهل اللجاة "Trachonitis" على "هيرود الكبير" الملك المكابي، فهذه الثورة يجب أن تكون قد وقعت فيما بين السنة "٢٣ق. م." والسنة "١٤ق. م."٣. أما إذا كان صاحب النص قد قصد خصامًا آخر، فإننا لا نستطيع التكهن عنه من نصه هذا، لما قلناه من تعدد الخصومات بين العرب واليهود.
وأرخت كتابة أخرى بزمن تمرد صاحب الكتابة على الروم، وذلك سنة مجيء "الميديين" الفرس إلى "بصرى"، "ومرد على رم سنت أتى همذى بصرى"٤ وقصد بـ "همذى" "الماذويين"، أي الميديين من الفرس، ولما كانت الأخبار لم تشر إلى اكتساح الفرس لـ "بصرى" قبل سنة "٦١٤ م"، ظن من عالج هذه الكتابة أن أصحابها قصد استيلاء الفرس عليها في ذلك الزمن، أي في السنين الأولى من سني مبعث الرسول، حيث غلبت الفرس على الروم، كما أشار إلى
стр. 1559
ذلك القرآن الكريم. غير أن هذا الفريق عاد فأبدل رأيه؛ لأنه وجد أن هذا الرأي لا ينسجم مع نوع الكتابة والأبحاث الآثارية التي دلت على أن الكتابة يجب أن تكون أقدم عهدًا من سنة "٦١٤م"، ورأى لذلك أن استيلاء الفرس على "بصرى" يجب أن يكون قبل ذلك بكثير، وقد يكون وقع في القرن الأول قبل الميلاد، غير أننا لا نملك نصوصًا تأريخية تشير إلى وصول الفرس إلى هذا المكان، واستيلائهم عليه في ذلك الزمن. وهكذا نجد أن تلك الكتابة المؤرخة قد أوجدت لنا مشكلة، لم نتمكن من حلها بسبب الغموض الوارد فيها عن سنة استيلاء الفرس على بصرى١.
وطالما قرأنا في الكتابات أن أصحابها "نجوا من الروم" أو فروا من الروم، أو تمردوا على الروم وأمثال ذلك من تعابير، وقد قصدوا بالروم بلاد الشأم التي كانت في أيدي الرومان، ثم انتقلت إلى الروم، وهم اليونان البيزنطيون. ولما كانت بلاد الشأم تحت حكم المذكورين، عبروا عنها بـ "رم" "روم" أي "الروم" "وبلاد الروم".
لقد كان الصفويون بحكم نزولهم في أطراف بلاد الشأم على اتصال بالروم بل اضطروا إلى الخضوع لحكمهم والاعتراف بسيادتهم عليهم. والتوغل شمالًا وجنوبًا في بلاد الشأم بحثًا عن الماء والكلأ وعن القوت، كما اضطروا إلى مراجعة قرى بلاد الشأم ومدنها للامتيار ولبيع ما عندهم من فائض من منتوج أيديهم ومن حاصل حيواناتهم. وهذا مما يدفعهم إلى التخاصم أحيانًا مع موظفي الأمن الروم وحراس الحدود ورجال الجباية و"الكمارك"، في شأن أمور الأمن، أو أخذ حقوق الحكومة منهم، فيقبض الروم على من يقاوم منهم، أو يتهرب من الأداء، أو يقتل، أو يقوم بأعمال مخالفة، فيلقونه في السجن أو يقتلونه، ولهذا نجد بعض الكتابات وقد سجلت حين هرب صاحبها من سجن الروم. وعاد إلى حريته. وهربه من الروم واستنشاقه نسيم الحرية، معناه اللجوء إلى البادية والاحتماء بها حيث يصعب على الجنود الروم الوصول إليها للقبض عليهم والاقتصاص منهم. والبادية حصن أمين للأعراب.
стр. 1560
ويظهر من هذه النصوص أن شأن الصفويين بالروم لم يكن يختلف عن شأن سائر العرب بهم وبأمثالهم من الدول الأجنبية مثل الفرس، فهم مضطرون بحكم وضعهم إلى التسليم لسلطان الدول الأجنبية ما داموا ضعفاء لا يستطيعون مقاومة الأعاجم، فإذا تغيرت الأحوال، وظهرت مواضع ضعف في الأجنبي، اهتبل الأعراب الفرص، فانقلبوا عليه حتى يرضيهم أو يظهر قوته، وهكذا كان الصفويون ينتهزون الفرص، فمتى وجدوا ثغرة في سلطان الروم وموضع ضعف في حراسة حدودهم، هاجموهم منها حتى ينالوا ما يبتغون من مغنم، وقد ينقلب الحادث عليهم بالطبع، لسوء تقدير في الموقف، وهذا ما يحدث في كل غزو أو حرب، وهو شيء طبيعي فقد ينتصر المحارب فيربح، وقد يندحر فيخسر كل شيء.
ويلاحظ من الكتابات الصفوية أن أصحابها كانوا ينزعون نزعة شديدة إلى تخليد أنفسهم وإبقاء آثارهم وذكرياتهم بكل الطرق الممكنة، فأرخوا بكل حادث كان معروفًا عندهم، حتى بحادث ولادة ماشيتهم، أو مقتل أحدهم، أو فرض غرامة مالية على أحدهم، أو سفر أحد منهم وبأمثال ذلك من حوادث صغيرة تافهة، ولكنها مع ذلك وعلى الرغم مما يبدو عليها من سذاجة تدل على وجود نزعة قوية لديهم لتأريخ كل ما يقع عندهم وتدوينه، ليطلع عليه غيرهم ممن يمر بالأماكن التي نزلوا بها١. هذا وما زال الأعراب وأهل القرى عندنا يسجلون حوادثهم على النحو المذكور من تسجيل التواريخ.
وللطابع الشخصي الذي تحمله الكتابات الصفوية، لم نتمكن من الاستفادة منها من الوجهة السياسية والعسكرية، فلم نعثر فيها على اسم ملك، لا عربي ولا أجنبي، ولم نعثر فيها على موضوع سياسي يشير إلى الحالة السياسية التي كانت في العراق أو في بلاد الشأم أو في جزيرة العرب في تلك الأيام، ولم نتمكن أيضًا من الخروج منها بأية فكرة عن نوع الحكم الذي كان يعيش فيه الصفويون: أكانوا في حكم ملوك، على شاكلة عرب الغساسنة؟ أم كانوا قبائل متنقلة خاضعة لسلطان الروم، حين تكون في بلاد الشأم، وحرة طليقة حين ترد البادية؟
وقد وردت في الكتابات الصفوية أسماء قبائل، منها: "بدن" و"بعر"
стр. 1561
و"تر"، و"هجدل" "هكدل"، و"جر" "كر" و"حزن" و"حضى"، و"حولت" "حوالة"، و"دمصى" و"سلم"، و" صبح"، و"ضف"، و"عبد"، و"عوذ"، و"غر"، و"فرث"، "وقمر"، و"يحرب"، و"همضر"، و"املكت"١.
ومن القبائل الصفوية: "اشلل"، و" بكس"، و"جعبر"، "جوا"، و"حمد"، و"حرم"، و"حظى" "حضى"، و"حمي"، و"زد" "زيد"، و"زهر"، و"عذل"، و"عمرت" "عمرة"، و"فضج"، و" مسكت" "ماسكة"، و"معصى" "معيص"، و"نمرت" "نمرة" "نمارة" "نميرة"، و"هذر" "هذير" "هذار"٢، و"نسمن" أي "نسمان"٣، و"حمد" "حماد" "حميد"٤.
وترد لفظة "ال" قبل اسم القبيلة في كثيرة من الكتابات الصفوية، وتؤدي فيها معنى "آل" عندنا، مثل: "ال تم"، أي "آل تيم"٥، و"ال عوذ" بمعنى "آل عوذ"٦ و"ال ادم" "آل آدم"٧، و"ال حد" "آل حد"٨. وهي بمعنى أن المذكور أو المذكورين من القبيلة المسماة، أو من العشيرة المذكورة، أو من البيت المسمى.
وورود "ال" بهذا المعنى في النصوص الصفوية يدل على أن لغة هذه القبائل وهي قبائل عربية شمالية تشارك لغة القرآن الكريم في هذه الخاصية.
وقبيلة "عوذ" ورد اسمها في عدد من الكتابات الصفوية. وقد ورد في إحداها أن حربًا كانت قد نشبت بينها وبين قبيلة أخرى، اسمها "وعل" أو "ويل" أو "وائل"٩. وقد يكون لاسم هذه القبيلة صلة باسم الإله "جد عوذ".
стр. 1562
وقد عثر على اسم قبيلة "نعمن"، أي "نعمان" في بعض الكتابات الصفوية التي عثر عليها في "وادي حوران" بالعراق. ويرد "نعمان" اسمًا لأشخاص، ومنهم بعض ملوك الحيرة١.
وقد ورد اسم قبيلة في إحدى الكتابات التي عثر عليها في العراق، وهي قبيلة "ال صح"، أي "آل صح"، أو "آل صائح"، أو "آل صيح"، أو "الصائح"٢، وما زال اسم "الصائح" معروفًا في العراق، وهو اسم عشيرة فقد يكون له صلة بهذه التسمية القديمة. وقد أفادتنا هذه الكتابات من الناحية الجغرافية، إذ قدمت إلينا أسماء مواضع عديدة لا يزال بعضها يسمى بالأسماء الواردة في تلك الكتابات، وقد يمكن في المستقبل دراسة الأسماء الأخرى لتثبيت مواضعها وتعيينها على مصورات الأرض "الخارطات".
ومن المواضع التي ورد اسمها في الكتابات الصفوية، موضع "رحبت"، وهو "الرحبة". وقد ورد في نص سجله رجل اسمه "حنن بن هعتق"، "حنان ابن العاتق"، أو "حنين بن العاتق"، أو "خنن بن العاتق"، وذكر أنه "بن ال – رحبت"، أي "من الرحبة"، أو "من آل زحبة"، وأنه كتب كتابته هذه في السنة التي دار فيها قتال مع قبيلة "ال حمد" "الحمد" أو "آل حمد"٣. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه "الرحبة" هو اسم موضع، كما أن "الحمد" هو اسم موضع كذلك، وأن الذين نزلوا في هذين المكانين وفي أمكنة أخرى نسبوا أنفسهم إليها فقالوا: "آل رحبة" و"آل حمد"، وذلك على نحو ما نجده في عربيتنا من ذكر "آل" في الانتساب، وأن هذا معناه أن أولئك الأعراب الذين نزلوا في الموضعين انتسبوا إلى المكانين، فاستعملوا لذلك لفظة "ال"، أي "آل"، قبل الموضع، فظهر الاسم "ال رجبت" "ال رجبة" وكأنه اسم قبيلة٤.
стр. 1563
ولهذا المظهر من التسميات والانتساب شأن كبير في موضوع دراسة أنساب القبائل، إذ فيه برهان ودليل على أن الإقامة في موضع تكون سببًا للانتساب إليه، ثم لتحويل ذلك النسب إلى اسم جد، وأن ما يرويه أهل الأخبار في هذا الباب مثل انتساب الغساسنة على "غسان"، وأن "غسان" اسم موضع ماء نزلوا عليه، فدعوا به، يجب أن ينظر إليه نظرة اعتبار، لا رفض وازدراء. وفي أسماء القبائل العربية المدونة في كتاب الأنساب والأدب، أو الواردة في الكتابات الجاهلية أمثلة عديدة من هذا القبيل.
ومن الأماكن التي ورد ذكرها في النصوص الصفوية: "بصرى" وقد ذكرت على هذه الصورة "بصر"، و"هنمرت"، "النمرت"، أي "النمارة"، و"هشبكي" أي "الشبكي"١، و"حجر"٢.
و"حجر" موضع قد يراد به "الحجر" المعروف في عربيتنا، وهو "Hegra" و"Hegrae" عند اليونان واللاتين، و"حجرا" و"حجرو" عند النبط٣.
وورد اسم مدينة "تيما" أي "تيماء" في الكتابات الصفوية كذلك، كالذي ورد في نص دونه رجل اسمه "خل – ال بن شبب" أي "خليل – ايل ابن شبيب"، وقد تذكر فيه رجلًا اسمه "أبرش"، وهو من أهل "تيماء"٤.
ولم يكن الصفويون كما يبدوا بوضوح من كتاباتهم ومن صور الحيوانات التي نقشوها على الأحجار أعرابًا ممعنين في الأعرابية على نحو عرب البوادي البعيدين في البادية، حيث يقضون حياتهم فيها، فلا يختلطون بالحضر، ولا يمتزجون بالحضارة، وإنما كانوا أشباه أعراب وأشباه حضر، وربما كان تعبير "رعاة" خير تعبير يمكن إطلاقه عليهم ليميزهم عن غيرهم. فقد كان الصفويون أصحاب ماشية، لهم إبل، يعيشون عليها، ويتاجرن بها، ولهم خيل يركبونها، والخيل كما هو معروف لا تستطيع الحياة في البوادي القاحلة العميقة والرمال القليلة المياه،
стр. 1564
ولهم المعز والغنم والحمير والبقر، وهي من الحيوانات التي تحتاج إلى رعي ومراعي١. ولذلك يجب أن يكون أصحابها من طبقة الرعاة. وقد كانت حياتهم حياة رعي، نجدهم في الشتاء في مكان، ثم نجدهم في الصيف في مواضع أخرى قريبة من الجبال حيث يكون الجو لطيفًا والمياه كثيرة، ليكون في استطاعتهم الابتعاد من حر الحرار ومن سموم الأرض القاحلة في الصيف، ولتستمتع ماشيتهم بجو لطيف فيه ما يغريها من خضرة نضرة ومن ماء عذب زلال.
إن في بعض هذه الكتابات تعبيرًا عميقًا عن ذكاء فطري يعبر عن طراز حياة الصفويين، فكتابة مثل: "ورعى همعز وولد شهى"، ومعناها: "ورعت المعز وولدت الشياه"، أو "ورعى بقر هنخل"، أي "ورعت البقر في هذا الوادي"، أو "وقف على قبر فلان وحزن"، هي تعابير، وإن بدت ساذجة مقتضبة لا يكتبها حضري، غير أنها تمثل في الواقع ذكاءً فطريًّا عميقًا، ونوعًا من التعبير عن حس أهل البادية أو أهل الرعي، وهو حس مرهف فيه بساطة وفيه اقتضاب نبتا من وحي الصحراء البسيطة الممتدة إلى ما وراء البصر على نمط واحد، وشكل لا تغيير فيه ولا تبديل. وكتابات يكتبها أناس يحيون بعيدين عن حضارة المدن، ويعيشون بين أشعة الشمس وضوء القمر في بيوت وبر أو شعر معز ولا تقي ولا تنفع إلا بمقدار، لا يمكن أن تكون إلا على هذا النحو من البساطة، ولكنها بساطة ذكي يحاول بذكائه التعبير عن حياته تلك.
ونجد هذا الذكاء الفطري في الصور المرسومة للحيوانات، فقد أراد مصوروها أن يعبروا عن غرائزهم الفنية بصورة محسوسة ترى، فرسموا صور حيوانات ألفوها ورأوها، بصورة بدائية، ولكنها معبرة أخاذة، ورسموا بعض المناظر المؤثرة في حياتهم مثل الخروج للصيد ومعارك الصيد، فنرى على بعض الأحجار فارسًا وقد حمل رمحًا طويلًا، ونرى مشاة وقد حملوا أقواسًا وتروسًا صغيرة مستديرة لوقاية أجسامهم من السهام أو من الحيوان، ونرى رجالًا يطاردون غزالًا أو ضأنًا، ونرى أناسًا فرسانًا ومشاةً يطاردون أسدًا٢، ونرى غير ذلك من صور بدائية من هذا القبيل، مهما قيل فيها، فإنها صور رائعة لا يمكن أن يحفرها
стр. 1565
فنان بأحسن من هذا الحفر، وهو في مثل هذا المحيط، وليست لديه من آلات الحفر غير هذه الآلات.
والصور المنقوشة على الأحجار التي ترينا الصفوي وقد ركب حصانه معتقلًا رمحًا طويلًا، هي صورة المحارب الفارس عند الصفويين، وهي في الواقع صورة الفرسان الأعراب، سلاحهم الرئيسي الرماح، يطعنون بها خصمهم. وما زال البدو في بعض البوادي من جزيرة العرب يحملون ذلك السلاح التقليدي القديم، يحاربون به خصومهم في المعارك القبلية البدائية، وأما المحارب الماشي، فإنه يحارب بالقوس وبيده الترس كما يظهر من بعض الصور، وهو لا بد أن يكون قد استعان بأسلحة أخرى بالطبع، مثل السيوف والفؤوس والحجارة وكل ما تقع يده عليه مما يصلح أن يكون مادة للقتال والعراك١.
إن الصور التي تمثل الناس، وهم يطارون الغزلان أو بقر الوحش أو الأسد أو الحمار الوحشي، هي صور مفيدة جدًّا تتحدث عن وجود تلك الحيوانات في تلك الأماكن وفي تلك الأوقات، وعن طرقهم في صيدها. وقد كانت لحوم بعض تلك الحيوانات طعامًا شهيًّا لمن يصطادها ولآلهم وجماعتهم، كما أن لوجود صورة الحصان شأنًا في إظهار أن الصفويين وغيرهم كانوا يعرفون الخيل في تلك الأزمنة، وأن الحصان العربي كان موجودًا يومئذ٢.
وفي جملة ما عثر عليه من أسماء آلهة الصفويين اسم إليه عرف بـ "إله هجبل" "إلاه هاجبل" "إله الجبل"، وهي تسمية تدل على أن عبدته كانوا من سكان جبل أو أرض مرتفعة، ولهذا نعتوا إلههم بـ "إله الجبل" أو أن عبدته هؤلاء قد أخذوه من أناس كانوا قد خلقوا إلههم من ارتفاع أرضهم، وصار إلهًا من آلهة الصفويين. وهو يقابل الإله المسمى بـ "الاجبل" "Elagabal" وهو كناية عن الشمس، وكان يعبد في "حمص" "Emesa" فإن لفظة "Elagabal" تعني "إله الجبل". وقد رمز إليه بـ "حجر أسود" وعباد الحجر الأسود كانت معروفة عند الجاهليين. وقد كان أهل مكة يقدسون الحجر الأسود في مكة ويتقربون إليه٣.
стр. 1566
١٥٣
ولا ندري من حل في محل الصفويين فأخذ مواطنهم، ولم اختفت كتاباتهم بعد عهدهم هذا؟ هل كان الذين أخذوا مكانهم أميين لا يقرأون ولا يكتبون فكانت أيامهم صمًّا بكمًا؟ الذين أخذوا مكانهم هم أعراب مثلهم، كانوا أقوى منهم، لذلك تغلبوا عليهم على وفق سنة البادية. هذا جواب لا شك فيه. ولكننا لا نستطيع تحديد هوية أولئك الأعراب وتعيين أسماء قبائلهم، كما أننا لا نستطيع التحدث عن سبب سكوتهم وعدم ترك آثار كتابية لهم تتحدث عن أيامهم وعن قبورهم وأصدقائهم وما شاكل ذلك من أمور إلى زمن مجيء الإسلام، إن الغساسنة، هم آخر من نعرف أنهم كانوا في هذه الأرضين، وفيما جاورها وكذلك قبائل عربية أخرى مثل لخم وكلب، ولكننا لا نعرف أنهم تركوا كتابات تتحدث عنهم.
وبين أسماء الأشخاص المدونة في النصوص الصفوية أسماء تشبه أسماء أهل مكة والعرب الشماليين شبهًا كبيرًا، ويحملنا هذا على تصور أن ثقافة الصفويين عربية شمالية. ونجد هذا التشابه في أمور ثقافية أخرى، سأتحدث عنها في الأماكن المناسبة.
ومن الأسماء الواردة في النصوص الصفوية: "قصيو"، أي "قصي". وقد ورد اسم "قصيو بن كلبو"، أي "قصي بن كلاب" في أحد النصوص، وكان من رجال الدين. وورد "قصيو بن روحو" أي "قصي بن روح". و"قصيو بن اذينت"، أي "قصي بن أذينة"١.
ويرى بعض المستشرقين أن الصفويين هم مثل سائر القبائل العربية الشمالية هاجروا من جزيرة العرب إلى الشمال، فسكنوا في منطقة "الصفاة"، غير أنهم لم يكونوا قد اندمجوا في أثناء تدوينهم كتاباتهم بالثقافة السامية الشمالية كما اندمج غيرهم مثل النبط، بل كانوا لا يزالون محافظين على صلاتهم بالجزيرة ولا سيما بالعربية الجنوبية منها موطنهم القديم، وتعبر عن هذه الصلة بعض الخصائص اللغوية التي ترجع على رأيهم إلى أصل عربي جنوبي، غير أنهم تأثروا بالطبع بمن اختلطوا بهم وبمن تجاوروا معهم من الساميين الشماليين أو العرب الشماليين، ويظهر أثر هذا الاختلاط على رأيهم أيضًا في الأسماء والكلمات والتعابير الخاصة التي نقرأها في هذه النصوص٢.
стр. 1567
قلت: إن كلمة "الصفويون" لا تعني شعبًا معينًا أو قبيلة معينة، وإنما هي اصطلاح أوجده "هاليفي" ليطلق على الكتابات التي عثر عليها في مواضع متعددة من "اللجاة" و"حوران" ومواضع أخرى، لذلك يجب ألا يفهم أننا نقصد أناسًا تركوا لنا كتابات متاشبهة كتبت بقلم واحد، ليظهر أنهم كانوا بين البداوة والحضارة فلاحين ورعاة لهم قرى ومزارع، وربما كانت لهم تجارات أيضًا، غير أننا لا نعرف من أمرهم شيئًا كثيرًا. فقد يكونون إذن من قبيلة واحدة، وقد يكونون جملة قبائل، وقد تكون لهم "أمارة" لا نعرف من أمرها شيئًا، وربما لا يكون لهم ذلك. وربما كانوا أتباعًا للسلطة القائمة في بلاد الشأم تتحكم فيهم بنفسها أو بواسطة أمراء أو سادات قبائل.
وقد يكون الصفويون أناسًا وصلت أسماؤهم إلينا، وكتب المؤرخون عنهم، ولكننا لا نعرف أنهم هم الذين نبحث عنهم؛ لأننا أمام اصطلاح جديد مبهم، ظهر كما قلنا في القرن التاسع عشر، ليست له حدود واضحة ولا معالم مرسومة، فلا ندري نحن في الواقع ما نريد، قد يكون هؤلاء أسلاف غساسنة الشأم، وقد يكونون غيرهم.
стр. 1568
الفصل السابع والثلاثون: مملكة الحيرة
مدخل
...
الفصل السابع والثلاثون: مملكة الحيرة
وللإخباريين واللغويين وعلماء تقويم البلدان، آراء في أصل اسم "الحيرة"، وبينهم في ذلك جدل على التسمية طويل عريض، كما هو شأنهم في أكثر أسماء المدن القديمة التي بعد عهدها عنهم فحاروا فيها. وإيرادها هنا يخرجنا عن صلب الموضوع، وهي أقوال لا تستند إلى نصوص جاهلية، ولا إلى سند جاهلي محفوظ، ومن أحب الوقوف عليها، وتعرف مذاهب القوم فيها، فعليه بمراجعة تلك المظان١، كما أن لبعض المحدثين آراء في هذا الباب٢.
ومعظم المستشرقين، يرون أنها كلمة من كلمات بني إرم، وأنها "حرتا" "Harta" "Hirta" "He'rta" "حيرتا" "حيرتو" السريانية الأصل، ومعناها المخيم والمعسكر وأنها تقابل في العبرانية كلمة "حاصير" "Haser"٣، وأن "حيرتا" "حيرتو"
стр. 1569
في التواريخ السريانية تقابل "العسكر" عند الإسلاميين١. وهي في معنى "الحضر" و"حاضر" و"الحاضرة" كذلك، ولهذا زعم بعض المستشرقين أن "الحضر" اسم المكان المعروف في العراق أخذ من هذا الأصل العربي، أي من "الحضر"٢.
وقد عرفت "الحيرة" في مؤلفات بعض المؤرخين السريان، فعرفت بـ "الحيرة مدينة العرب"٣، "حيرتا دي طياية"، كما عرفت بأسماء بعض ملوكها مثل "النعمان"، فورد "حيرتو د نعمان دبيث بورسويي"، أي: "حيرة النعمان التي في بلاد الفرس"٤.
ويلاحد أن تعبير "حيرة النعمان" "حيرتا دي نعمان"، تعبير شائع معروف في العربية كذلك، ولابد أن يكون لاشتهار "الحيرة" باسم "النعمان" سبب حمل الناس على نسبة هذه المدينة إليه.
ويرى بعض علماء التلمود أن مدينة "حواطره" "حوطرا" التي ورد في التلمود أن بانيها هو "برعدي" "بن عدي"، هي الحيرة٥. وقد حدث تحريف في الاسم، بدليل أن التلمود يذكر أنها لا تبعد كثيرًا عن "نهر دعه" "Nehardea"، وأن مؤسسها هو "برعدي"، ويقصد به "عمرو بن عدي"٦.
ويظن أن موضع "حرتت دارجيز" "حارتا دار جيز" "حرته دار جيز"، الوارد في التلمود، هو "الحميرة"٧. وقد ورد أن "ارحيز" وهو ساحر، هو الذي بنى تلك المدينة، ويرى بعض الباحثين احتمال وجود صلة بين هذا الساحر وبين قصة "سنمار" باني "الخورنق"٨. وعرفت في التلمود بـ "حيرتا
стр. 1570
دي طيبه" أيضًا، أي "معسكر العرب" و"حيرة العرب"١.
وقد ذكر اسم الحيرة في تأريخ "يوحنا الأفسوسي" "Joghn Of Ephesus" من مؤرخي القرن السادي الميلاد "توفي سنة ٥٨٥م"، فقال: "حيرتود نعمان دبيت بور سوبي"، أي "حيرة النعمان التي في بلاد العرب الفرس"٢، كما ذكرها "يشوع العمودي" "Josua Stylites"٣. وورد اسمها في المجمع الكنسي الذي انعقد في عام "٤١٠ م"، وكان عليها إذ ذاك أسقف اسمه "هوشع" "Hosha" اشترك فيه ووقع على القرارات باسم "هوشع" اسقف "حيرته" "حيرتا"٤.
وقد أشرت في أثناء حديثي عن مملكة "تدمر" إلى ورود اسم مدينتين هما "حيرتا" "الحيرة" و"عاناتا" "عانة" في كتابة يرجع تأريخها إلى شهر أيلول من سنة "١٣٢" للميلاد٥. وقلت باحتمال أن تكون "حيرتا" هذه هي الحيرة التي نبحث فيها الآن. فإذا كان ذلك صحيحًا، كانت هذه الكتابة أقدم كتابة وصلت إلينا حتى الآن ورد فيها هذا الاسم٦.
ومدينة "Eertha" التي أشار إليها "كلوكس" "Glaucus" و" اصطيفان البيزنطي" "Stephen Of Byzantium"٧، وذكر أنها مدينة "فرثية" "Parthian" تقع على الفرات، هي هذه الحيرة على ما يظن٨.
وورد في بعض مؤلفات السريان مع "الحيرة" اسم موضع آخر قريب منها هي "عاقولا"٩، وقد ذهب "ابن العبري" إلى أنه "الكوفة"١٠،
стр. 1571
وأشار "ياقوت" إلى "عاقولاء" غير أنه لم يحدد موقع هذا المكان١.
وقد اشتهرت الحيرة في الأدب العربي بحسن هوائها وطيبه، حتى قيل "يوم وليلة بالحيرة خير من دواء سنة"٢، وقيل عنها أنها "منزل بريء مريء صحيح من الأدواء والأسقام"٣. وهي على "سيف البادية"٤ ليست بعيدة عن الماء، وقد ورد ذكرها كثيرًا في شعر الشعراء الجاهليين والإسلاميين، وهي لا تبعد كثيرًا عن "النجف" و" الكوفة"٥.
وقد ذكر "حمزة الأصفهاني" أنه بسبب حسن هواء الحيرة وصحته لم يمت بالحيرة من الملوك أحد، إلا قابوس بن المنذر، أما بقية الملوك، فقد ماتوا في غزواتهم ومتصيدهم وتغربهم، وأنه بسبب ذلك قالت العرب: "لبيتة ليلة بالحيرة أنفع من تناول شربة"٦.
وقد نعتت في المؤلفات الإسلامية بنعوت منها: "الحيرة الروحاء"٧ و" الحيرة البيضاء"٨، أخذوا ذلك من شعر الشعراء، وزعم بعض أهل الأخبار: أن وصفهم إياها بالبياض، فإنما أرادوا أحسن العمارة.
ويظهر من وصف أهل الأخبار للحيرة أنها لم تكن بعيدة عن الماء وأن نهرًا كان يصل بينها وبين الفرات، بل يظهر أن هذا النهر كان متشعبًا فيها، بحيث كون جملة أنهار فيها. أما نواحيها، فكانت قد بنيت على بحر النجف وعلى شاطئ الفرات، وربما كانت مزارع الحيرة وأملاك أثريائها قائمة على جرف
стр. 1572
البحر وشاطئ النهر١ ومن أنهار الحيرة نهر كافر٢. ويرى بعض أهل الأخبار أنه هو نهر الحيرة٣.
وقد أدى ميلاد الكوفة في الإسلام إلى أفول نجم الحيرة، إذ انتقل الناس من المدينة القديمة إلى المدينة الإسلامية الجديدة، واستعملوا حجارة الحيرة وقصورها في بناء الكوفة، وهذا مما ساعد على اندثار تأريخ تلك المدينة الجاهلية ولا شك، غير أنها ظلت أمدًا طويلًا تقاوم في الإسلام الهرم إلى أن جاء أجلها فدخلت في عداد المدن المندثرة.
وقد عرف ملوك الحيرة عند أهل الأخبار بـ "آل لخم" وبـ "آل نصر"، كما عرفوا بـ "النعامنة" وبـ "المناذرة"، وذلك لشيوع اسم النعمان واسم المنذر فيما بينهم٤. وعرفوا أيضًا بـ "آل محرق"، وفيهم يقول الشاعر الأسود بن يعفر:
ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد
أرض الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد٥
وفي طليعة أهل الأخبار الذين عنوا بجمع أخبار الحيرة الأخباري الشهير، بل رأس أهل الأخبار في أمور الجاهلية: "هشام بن الكلبي". فله كتاب في "الحيرة" سماه "ابن النديم" "كتاب الحيرة وتسمية البيع والديارات ونسب العباديين"، وكتاب ثان سماه "ابن النديم" كتاب المنذر ملك العرب"، وكتاب ثالث اسمه "كتاب عدي بن زيد العبادي"٦. وهي مؤلفات لم تصل إلينا –ويا للأسف! – نرجو أن تكون في عالم الوجود، ليتمكن من يأتي بعدنا من الظفر بشيء جديد فيها، قد يفيد عشاق تأريخ الحيرة ويزيد في معارفهم.
стр. 1573
وقد زارها نفر من السياح وكتبوا عنها، كما نبشت بعض البعثات الآثارية آثارها، وعالجت مديرية الآثار القديمة في العراق بعض نواح من تأريخها، وقد توصل الحفارون إلى العثور على نقوش من الجبس مما تكسى به الجدر للزينة، وعلى جرار متعددة وآثار من هذا القبيل صغيرة بعضها من العهد الجاهلي وبعضها من العهد الإسلامي١. غير أنهم لم يعثروا حتى الآن على كتابات جاهلية تتحدث عن تأريخ تلك المدينة القديمة السيئة الحظ.
وتأريخ هذه المدينة قبل الميلاد غامض لا نكاد نعرف من أمره شيئًا، فلم يرد خبرها في نص تأريخي مدون أو كتابة مدونة قبل الميلاد، وأقدم ذكر لها هو ما أشرت إليه، غير أن ذلك لا يتخذ دليلًا على أنها لم تكن مولودة قبل هذا العهد، إذ يجوز أنها كانت قبل هذا العهد قرية صغيرة، أو مدينة تسمى باسم غير هذا الاسم، ولعل المستقبل سيكشف عن تأريخها القديم بالسماح لبطن الأرض بإخراج ما في جوفها من أسرار عن ذلك التأريخ.
أما الأخباريون، فيرجعون عهدها إلى أيام "بختنصر". هم يقولون: إن "برخيا" لما قدم من "نجران" وأخبر "بختنصر" بما أوحى الله إليه، وقص عليه ما أمره به من غزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم ولا أبواب، وأن يطأ بلادهم بالجنود فيقتل مقاتلتهم ويستبيح أموالهم، وأعلمه كفرهم به، واتخاذهم آلهة دون الله، وتكذيبهم الرسل والأنبياء، وثب "بختنصر" على من كان في بلاده من تجار العرب، وكانوا يقدمون عليه بالتجارات والبياعات، ويمتارون من عندهم الحب والتمر والثياب وغيرها، فجمع من ظفر به منهم، فبنى لهم حيرا على النجف وحصنه ثم ضمهم فيه، ووكل بهم حرسًا وحفظة، ثم نادى في الناس بالغزو، فتأهبوا لذلك، وانتشر الخبر فيمن يليهم من العرب فخرجت إليه طوائف منهم سالمين مستأمنين. فاستشار "بختنصر" فيهم "برخيا"، فقال: إن خروجهم إليك من بلادهم قبل نهوضك إليهم رجوع منهم عما كانوا عليه، فأقبل منهم، فأحسن إليهم، فأنزلهم "بختنصر" السواد على شاطئ الفرات، فابتنوا موضع عسكرهم بعد،
стр. 1574
فسموه "الأنبار"، ثم سار "بختنصر" لمقاتلة العرب، فنظم "بختنصر" ما بين "أيلة" و"الأيلة" خيلًا ورجلًا. ثم دخلوا على العرب. وسار "بختنصر" بجيشه حتى التقى بموضع "ذات عرق" بعدنان فهزمه، وسار إلى بلاد العرب حتى قدم إلى "حضور" وقد اجتمع أكثر العرب من أقطار "عربة"، فخندق الفريقان، ثم تصالح "بختنصر" و"عدنان"، بعد أن أكلت السيوف العرب. وعاد "بختنصر" بمن أخذ معه من سبايا العرب فأسكنهم "الأنبار"، وذهب قوم ممن أفلت قبل الهزيمة إلى "ريسوب" وعليهم "عك"، وذهب الباقون إلى "وبار". ولما رجع "بختنصر"، مات "عدنان"، وبقيت بلاد العرب خرابًا حياة "بختنصر"، فلما مات "بختنصر" خرج "معد بن عدنان" ومعه الأنبياء أنبياء بني إسرائيل حتى أتى "مكة" فحج وحج الأنبياء معه، ثم خرج حتى أتى "ريسوب" فاستخرج أهلها، وقتل أكثر "جرهم"، ثم تزوج ابنة معانة، فولدت له نزار بن معد١.
فمؤسس الحيرة على رواية هؤلاء الأخباريين هو "بختنصر". وهو مؤسس "الأنبار" في نظرهم أيضًا. وقد كان ذلك في أيام عدنان.
وقد سبق لي أن تعرضت لهذه الرواية ولجذورها وأصولها في مواضع من الأجزاء المتقدمة من هذا الكتاب.
وفي بعض روايات الأخباريين أن "الأردوان" ملك النبط، وكان معاصرًا لـ "أردشير"، هو الذي بنى الحيرة. كما أن "بابا" خصم "الأردوان" هو الذي أنزل من أعانه من الأعراب "الأنبار". فالحيرة والأنبار إذن هما من عمل ملكين متخاصمين من ملوك النبط تخاصمًا في أيام أردشير. ولأهل اليمن، ويمثلهم "الهمداني"، رواية أخرى في بناء "الحيرة"، فهم يرجعون بناءها إلى "تبع"٢.
ويحدثنا "ابن الكلبي" بأن تبعًا المعروف بالرائد –وهو تبان أسعد أبو كرب ابن ملكي كرب تبع بن زيد بن عمرو بن تبع وهو ذو الأذعار بن أبرهة تبع ذي المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبأ- لما سار في أيام "بشتاسب
стр. 1575
وأردشير بهمن بن اسفندريار بن يشتاسب" متوجهًا من اليمن في الطريق الذي سلكه "الرائش" قبله، خرج على جبلي طيء، ثم سار يريد الأنبار، فلما انتهى إلى موضع الحيرة ليلًا، تحير، فأقام مكانه، وسمي ذلك الموضع الحيرة. ثم سار وخلف به قومًا من الأزد ولخم وجذام وعاملة وقضاعة، فبنوا وأقاموا به. ثم انتقل إليهم بعد ذلك ناس من طيء وكلب والسكون وبلحارث بن كعب وإياد، ثم توجه إلى الأنبار١.
وروى الطبري رواية أخرى تشبه هذه الرواية، ولكنها رواية مختصرة لم تذكر اسم تبع، وقد أخذ الطبري روايته هذه عن شيخه عبد الله بن أحمد المروزي٢.
هذه هي أقوال الأخباريين في كيفية مجيء العرب إلى العراق وفي سكانهم الحيرة والأنبار وما بين المكانين من أرضين. وهي أقوال فيها شيء من الحق، ولكن فيها شيء كثير من الخطأ والضلال. فنحن لا نريد أن ننكر هجرة القبائل العربية من الجزيرة إلى العراق، فهذا أمر ليس على نكرانه من سبيل، ولكننا لا نستطيع أن نوافقهم على أقوالهم في مبدأ تلك الهجرة وفي تواريخها، وفي كيفيتها فتلك أمور لا يعرفها الأخباريون. كما أننا لا نستطيع أن نوافقهم في زعمهم على من قاد تلك الهجرة والهجرات التي تلتها من رجال، فنحن نعلم حق العلم أن من تحدثوا عنهم وجعلوهم في الدهر الداهر وفي العرب العاربة أو في أيام ملوك الطوائف هم في الأكثر أناس عاشوا بعد الميلاد، وبينهم رجال لا تبعد أيامهم كثيرًا عن الإسلام، وبينهم أناس اخترعتهم مخيلة الأخباريين.
وتأريخ الحيرة مع سعته وكثرة ما يرويه الأخباريون منه، لا يخلو من اضطراب ومن تناقض يدفعنا أحيانًا إلى العجب من قول "ابن "الكلبي" مثلًا: "إني كنت أستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر بن ربيعة ومبالغ أعمار من عمل منهم لآل كسرى وتأريخ سنيهم من بيع الحيرة، وفيها ملكهم وأمورهم كلها"٣. وهو كما نعرف سند الأخباريين ومرجعهم الأول في تأريخ الحيرة. فرجل يدعي هذه الدعوى ويستقي أخباره من مواردها الأصلية. لا يجوز صدور روايات منه يناقض بعضها بعضًا، وأخبار لا تؤيد هذا الزعم. فللرجل روايات عن حادث
стр. 1576
واحد تثبت، إن صح أنها له، أن الرجل لم يكن صاحب رأي ولا اجتهاد فيما يرويه، وأنه يروي كل ما يقال له دون نقد أو تمحيص. فهو يروي خبرًا عن حادث في شكل، ثم يرويه في شكل آخر يختلف عما رواه كل الاختلاف أو بعض الاختلاف، ثم هو يزيد وينقص في أسماء الملوك وفي مدد حكمهم، ويذكر إجمالًا، ثم يناقض ما قاله تفصيلًا. غير أن علينا –ونحن أحياء نكتب عن شخص مضى على وفاته أكثر من ألف عام- أن نكون حذرين في القول. فنحن لا نستند في حكمنا هذا إلى مؤلف كامل الرواية لذلك الرجل، إنما نستند إلى كتب اقتطعت من مؤلفات ابن الكلبي وروت عنها. فما يدرينا لعل الخطأ في هذه الكتب، والاضطراب فيها، أو أن أصل الاضطراب في الموارد التي نقل ابن الكلبي منها. فما رواه ابن الكلبي إذن هو حكاية لما وجده هو أو أخذه من أفواه الرواة، فلا لوم عليه في هذا الشأن ولا تثريب. ولسنا في هذا المكان قضاة نحاول توجيه اللوم لأحد، أو نسحب اللوم من أحد، فهذا ليس من شأننا في هذا الموضع ولا من اختصاصنا، إنما نريد أن نشير إلى هذا التناقض العجيب الغريب الذي نراه فيما وصل إلينا من روايات تتعلق بحادث واحد، والذي نراه بين تواريخ الأخباريين عن ملوك الحيرة مثلًا، فما ذكره "الطبري" من أسماء ملوك لخم ومدد حكمهم، يختلف بعض الاختلاف عما ورد في تأريخ "حمزة" مثلًا أو في "مروج الذهب" للمسعودي، أو في المؤلفات الأخرى التي سترد أسماؤها في ثنايا البحث، مع أنها تشير أحيانًا إلى المورد الذي استقت منه، كابن الكلبي مثلًا. وهذا هو الذي يحملنا على العجب من وقوع هذا الاختلاف.
فهل نقل هؤلاء من كتاب واحد من كتب "ابن الكلبي" مثلًا، أو أنهم نقلوا من مؤلفات متعددة لابن الكلبي، فحدث من أجل ذلك هذا الاختلاف على أنه، مع افتراض هذه الحالة، لا يحوز وقوع مثل هذا الاختلاف، إذ لا يعقل أن يكتب مؤلف واحد فاهم للمادة هاضم لها، له نقد وتفكير تأريخي، خبرًا في كتاب يختلف اختلافًا بينًا عما كتبه في كتاب له آخر، إلا أن يكون قد عثر على موارد جديدة وروايات حصل عليها بعد تأليف الكتب السابقة. ومهما يكن من شيء فإن أمر مناقضة الأخباريين أنفسهم في رواية الأخبار، وفي عدم تنسيقها، من الأمور التي لا ينفرد بها أخباري واحد، وتجد في تأريخ الطبري أمثلة من هذا القبيل حيث يناقض خبره في موضع خبره المروي في موضع آخر
стр. 1577
دون أن يشير إليه أو يشير إلى وقوعه من الأخباريين. وقد فطن "ابن الأثير" إلى ذلك فأشار إلى أنه ناقل، وذاكر ما وجده وما قاله مختلف الأخباريين ليقف عليه القارئ. ثم لم يغفل، فذكر ما هو مرجح لديه، أو ما هو مرجح لدى أكثرية الأخباريين.
ومن مواضع الاختلاف بين الأخباريين، اختلافهم في تسلسل من حكم "الحيرة" من ملوك، وفي مدد حكمهم. ومن عادتهم ذكر مدة حكم الملك إجمالًا، كأن يقولوا: "حكم مدة كذا من السنين"، ثم يذكرون ذلك تفصيلًا محسوبًا بالنسبة إلى مدة حكم من عاصر ذلك الملك من ملوك الفرس، كأن يقولوا: "منها كذا في حكم الملك الفلاني، وكذا في حكم الملك الفلاني"، وهكذا إن كان الملك قد أدرك جملة ملوك من ملوك الفرس، وأنت إذا فحصت ما ذكروه إجمالًا، ثم ما ذكروه تفصيلًا وجمعته بعضه مع بعض تجد اختلافًا بين حاصل الجمع والعدد المذكور إجمالًا في بعض الأحايين. وقد أوجد اختلاف الأخباريين في تسلسل الملوك وفي مدد الحكم صعوبات جمة للباحثين في هذا التأريخ في تثبيت تواريخ الملوك، وفي تعيين أيامهم على وجه مضبوط ما برحت قائمة في هذا المدون عن تأريخ آل لخم وتأريخ آل غسان.
وقد درج بعض المؤرخين مثل الطبري وأبي حنيفة الدينوري وابن الأثير على إدماج تأريخ الحيرة في تأريخ الفرس في الجملة، فهم وأمثالهم يذكرون في كلامهم على ملك من ملوك الساسانيين صلات ذلك الملك بعرب الحيرة، ويشيرون إلى ملكها الذي كان يحكم في أيامه، وإلى عدد من عاصر من ملوك الفرس، ولذلك تجزأ تأريخ الحيرة وتناثر في صفحات فصول هؤلاء المؤرخين عن تأريخ الساسانيين.
ودرح فريق آخر كاليعقوبي وحمزة والمسعودي على تدوين تأريخ الحيرة في باب مستقل بني على حسب تسلسل حكم الملوك كما استقر ذلك في ذهن الكاتب، مع ذكر بعض الأمور المتعلقة بالملك من سني حكم، أو من معاصرة لملوك الساسانيين أو من بناء أو ما شابه ذلك. وتجد في مؤلفات هؤلاء الأخباريين أمورًا لم يتطرق إليها أصاحب الطريقة الأخرى في بعض الأحيان. وتفيدنا مؤلفات هؤلاء من هذه الناحية في زيادة علمنا بتأريخ الحيرة المستقى من المورد الأول.
ويؤسفنا جدًّا أن لا نملك حتى الآن دراسة علمية دقيقة للتأريخ وللمؤرخين الإسلاميين وللموارد التأريخية وكيفية أخذ بعضها من بعض، وهي دراسة لا بد
стр. 1578
منها، إذ بغيرها لا نتمكن من كتابة تأريخ بالمعنى العلمي للعرب قبل الإسلام. وهي تيسر لنا فهم اتجاهات المؤرخين، وتصنيف الموارد على أساس الأسبقية، وبذلك تتيسر مهمة المؤرخ بعض التيسر، وتمهد له الجادة بعض التمهيد.
ومن المؤسف حقًّا أن الأخباريين كانوا يتصرفون بالنصوص وبالمقتبسات التي يعتمدون عليها، ويجرون فيها بعض التغيير، وربما أغفلوا أسماء أصولها، فتظهر كأنها منهم على حين أنها نقل وأخذ، ولو أشاروا إلى المقتطفات والمقتبسات في الموضع المناسب، لكان في إشارتهم هذه خدمة كبرى لمن جاء بعدهم، وهداية إلى الموارد الأصلية التي يجب أن يرجع إليها ويعتمد عليها.
ومن حسن الحظ أن بين أيدينا جملة مؤلفات لاتينية ويونانية، وردت في ثناياها إشارات إلى "عرب الروم" و" عرب الفرس"، أي عرب الشأم من "آل جفنة" وعرب الحيرة من "آل لخم". وقد عاصر بعض أصحاب هذه المؤلفات أولئك القوم، واشتركوا هم أنفسهم في الحملات لكونهم مؤرخين رسميين يسيرون مع القيصر أو القواد لتدوين الحوادث والمشاهدات. وقد أفادتنا إشاراتهم هذه فوائد كبيرة، وعليها كان جل اعتماد الباحثين في إيجاد مواضع ارتكاز يطمئن إليها في تعيين تواريخ "آل جفنة" أو "آل لخم"، وبها تمكنا من تصحيح أكثر أغلاط الأخباريين. ولقدمها –بالنسبة إلى مؤلفات الإسلاميين- ولكون معظمها من عهد ما قبل الإسلام، وكان لها حق التقديم بالطبع في نظر المؤرخ الحديث، ولكن هذا لا يدفع عنها مع ذلك مواطن النقد والشبهات.
وللمؤلفات السريانية فضل يجب ألا ينسى أيضًا في تدوين هذا التأريخ، ولكنها ليست على الإجمال كالمؤلفات اليونانية واللاتينية في الدقة وفي النقد. ولما كان الكثير منها تواريخ كنسية، تعرضت لتأريخ الحيرة أو عرب الشأم أو العرب الآخرين بقدر ما لهؤلاء من صلة بالكنيسة وبالنصرانية، وهي على الجملة تمزج الأخبار بالمعجزات وبخوارق العادات وبرواية كرامات الآباء في هداية الملوك الوثنيين وسادات القبائل، وهي لا تخلو أيضًا من العصبية التي اتسم بها ذلك الزمن في النزاع المذهبي الذي منيت به النصرانية وفي محاولة الغض من الطرف النصراني الثاني، كالذي نجده بين المؤلفات النسطورية واليعقوبية والملكية وأمثالها، فلكل منها رواية بأسلوبها الخاص، لذلك وجب علينا الانتباه لهذه الناحية حين الرجوع إليها، وتخليص رواياتها من شوائب العصبية للمذهب، ونقدها لاستخلاص
стр. 1579
العنصر التأريخي منها في تدوين تأريخ صحيح لعرب العراق أو عرب بلاد الشأم أو عرب جزيرة العرب.
وأهل الحيرة عرب، يقسمهم الأخباريون إلى طبقات ثلاث: تنوخ، والعباد، والأحلاف١. هؤلاء في نظرهم من قبائل متعددة، فيها من قحطان وفيها من عدنان. وقد ذكروا أن في لهجة أهل الحيرة هجنة، رجعوا سببها إلى اختلاط هؤلاء العرب بمن كان يفد عليهم من النبط ممن كانوا يثيرون الأحداث فيلتجئون إلى هذا المكان٢. ولذلك شابت لهجتهم رطانة نبطية. وقد كتبوا بقلم "بني إرم"، شأنهم في ذلك شأن تدمر وأهل "بطرا" إذ استعملوا قلمًا نبطيًّا متأخرًا في الكتابات.
أما تنوخ، فهم قبائل سكنوا بيوت الشعر والمظال والوبر غربي الفرات بين الحيرة والأنبار فما فوقها في اصطلاح أهل الأخبار٣. ويظهر من وصفهم لتنوخ أنهم قصدوا بهم من كان يشتغل بالزراعة ومن كان يعيش عيشة أهل البادية من سكان هذه المنطقة: منطقة ما بين الحيرة والأنبار. ولم يقصدوا قبيلة معينة٤.
وللأخباريين رأي خاص في تفسير أصل كلمة "تنوخ" خلاصته: أنه لما مات "بختنصر"، انضم الذين كان أسكنهم الحيرة من العرب إلى أهل الأنبار، وبقيت الحيرة خرابًا، فغبروا بذلك زمانًا طويلًا لا تطلع عليهم طالعة من بلاد العرب ولا يقدم عليهم قادم، وبالأنبار أهلها ومن انضم إليهم من أهل الحيرة من قبائل العرب من بني إسماعيل وبني معد بن عدنان. فلما كثر أولاد معد بن عدنان ومن كان معهم من قبائل العرب، وملأوا بلادهم من تهامة وما يليهم، فرقتهم حروب وقعت بينهم وأحداث حدثت فيهم، فتشتتوا. وأقبلت منهم قبائل حتى نزلوا البحرين، وبها جماعة من الأزد كانوا نزلوها في دهر "عمران ابن عمرو" من بقايا "بني عامر"، وهو: "ماء السماء بن حارثة"، وهو: "الغطريف بن ثعلبة بن امرئ القيس بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة"، و" مالك بن زهير بن عمرو بن فهم بن تيم الله
стр. 1580
ابن أسد بن وبرة" في جماعة من قومهم، و"الحيقار بن الحيق بن عمير بن قنص بن معد بن عدنان" في "قنص" كلها. ولحق بهم "غطفان بن عمرو ابن الطمثان بن عوذ مناة بن يقدم بن أنصى بن دعمى بن إياد بن نزار بن معد ابن عدنان"، و"زهر بن الحارث بن الشلل بن زهير بن إياد"، و"صنح ابن الحارث بن أفصى بن دعمى بن إياد". فاجتمع بالبحرين جماعة من قبائل العرب، فتحالفوا على التنوخ، وهو المقام، وتعاقدوا على التوازر والتناصر، فصاروا يدًا على الناس، وضمهم اسم تنوخ.
وتنخ على تنوخ بطون من "نمارة بن لخم"، ودعا "مالك بن زهير" "جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي" إلى التنوخ معه، وزوجه أخته "لميس" ابنة "زهير"، فتنخ "جذيمة بن سالك" وجماعة ممن كان بها من قومهم من الأزد، فصار "مالك" و"عمرو" ابنا "فهم" والأزد حلفاء دون سائر تنوخ. وكلمة تنوخ كلها واحدة. أما اجتماع من اجتمع من قبائل العرب بالبحرين وتحالفهم وتعاقدهم، فكان على حد قول "ابن الكلبي" في أزمان ملوك الطوائف الذين ملكهم الإسكندر وفرق البدان بينهم عند قتله "دارا" ملك فارس إلى أن ظهر "أردشير بن بابك" ملك فارس على ملوك الطوائف، وقهرهم، ودان له الناس.
وفي هذا العهد عهد ملوك الطوائف، تطلعت أنفس من كان بالبحرين من العرب إلى ريف العراق وطمعوا فيه، واهتبلوا ما وقع بين ملوك الطوائف من الاختلاف، فأجمعوا على السير إلى العراق. وكان أول من طلع منها "الحيقار بن الحيق" في جماعة قومه وأخلاط من الناس، فوجدوا الأرمانيين "بني إرم"، وهم الذين بأرض بابل وما يليها إلى ناحية الموصل، يقاتلون الأردوانيين، وهم ملوك الطوائف، فاستفادوا من ذلك وانتشروا في السواد، وسكن قسم منهم بين عرب الأنبار، وسكن قسم آخر منهم بين عرب الحيرة. ثم طلع "مالك" و" عمرو" ابنا "فهم بن تيم الله"، و"مالك بن زهير بن فهم بن تيم الله"، و" غطفان ابن عمر بن الطمثان"، زهر بن الحارث"، و"صنح بن صنح" فيمن تنخ عليهم من عشائرهم وحلفائهم على الأنبار على ملك الأرمانين، فطلع "نمارة بن قيس بن نمارة" و"النجدة"، وهم قبيلة من العماليق، يدعون إلى "كندة" و"ملكان بن كندة" و"مالك" و"عمرو" ابني "فهم"