← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

واحد تثبت، إن صح أنها له، أن الرجل لم يكن صاحب رأي ولا اجتهاد فيما يرويه، وأنه يروي كل ما يقال له دون نقد أو تمحيص. فهو يروي خبرًا عن حادث في شكل، ثم يرويه في شكل آخر يختلف عما رواه كل الاختلاف أو بعض الاختلاف، ثم هو يزيد وينقص في أسماء الملوك وفي مدد حكمهم، ويذكر إجمالًا، ثم يناقض ما قاله تفصيلًا. غير أن علينا –ونحن أحياء نكتب عن شخص مضى على وفاته أكثر من ألف عام- أن نكون حذرين في القول. فنحن لا نستند في حكمنا هذا إلى مؤلف كامل الرواية لذلك الرجل، إنما نستند إلى كتب اقتطعت من مؤلفات ابن الكلبي وروت عنها. فما يدرينا لعل الخطأ في هذه الكتب، والاضطراب فيها، أو أن أصل الاضطراب في الموارد التي نقل ابن الكلبي منها. فما رواه ابن الكلبي إذن هو حكاية لما وجده هو أو أخذه من أفواه الرواة، فلا لوم عليه في هذا الشأن ولا تثريب. ولسنا في هذا المكان قضاة نحاول توجيه اللوم لأحد، أو نسحب اللوم من أحد، فهذا ليس من شأننا في هذا الموضع ولا من اختصاصنا، إنما نريد أن نشير إلى هذا التناقض العجيب الغريب الذي نراه فيما وصل إلينا من روايات تتعلق بحادث واحد، والذي نراه بين تواريخ الأخباريين عن ملوك الحيرة مثلًا، فما ذكره "الطبري" من أسماء ملوك لخم ومدد حكمهم، يختلف بعض الاختلاف عما ورد في تأريخ "حمزة" مثلًا أو في "مروج الذهب" للمسعودي، أو في المؤلفات الأخرى التي سترد أسماؤها في ثنايا البحث، مع أنها تشير أحيانًا إلى المورد الذي استقت منه، كابن الكلبي مثلًا. وهذا هو الذي يحملنا على العجب من وقوع هذا الاختلاف. فهل نقل هؤلاء من كتاب واحد من كتب "ابن الكلبي" مثلًا، أو أنهم نقلوا من مؤلفات متعددة لابن الكلبي، فحدث من أجل ذلك هذا الاختلاف على أنه، مع افتراض هذه الحالة، لا يحوز وقوع مثل هذا الاختلاف، إذ لا يعقل أن يكتب مؤلف واحد فاهم للمادة هاضم لها، له نقد وتفكير تأريخي، خبرًا في كتاب يختلف اختلافًا بينًا عما كتبه في كتاب له آخر، إلا أن يكون قد عثر على موارد جديدة وروايات حصل عليها بعد تأليف الكتب السابقة. ومهما يكن من شيء فإن أمر مناقضة الأخباريين أنفسهم في رواية الأخبار، وفي عدم تنسيقها، من الأمور التي لا ينفرد بها أخباري واحد، وتجد في تأريخ الطبري أمثلة من هذا القبيل حيث يناقض خبره في موضع خبره المروي في موضع آخر

стр. 1577

دون أن يشير إليه أو يشير إلى وقوعه من الأخباريين. وقد فطن "ابن الأثير" إلى ذلك فأشار إلى أنه ناقل، وذاكر ما وجده وما قاله مختلف الأخباريين ليقف عليه القارئ. ثم لم يغفل، فذكر ما هو مرجح لديه، أو ما هو مرجح لدى أكثرية الأخباريين. ومن مواضع الاختلاف بين الأخباريين، اختلافهم في تسلسل من حكم "الحيرة" من ملوك، وفي مدد حكمهم. ومن عادتهم ذكر مدة حكم الملك إجمالًا، كأن يقولوا: "حكم مدة كذا من السنين"، ثم يذكرون ذلك تفصيلًا محسوبًا بالنسبة إلى مدة حكم من عاصر ذلك الملك من ملوك الفرس، كأن يقولوا: "منها كذا في حكم الملك الفلاني، وكذا في حكم الملك الفلاني"، وهكذا إن كان الملك قد أدرك جملة ملوك من ملوك الفرس، وأنت إذا فحصت ما ذكروه إجمالًا، ثم ما ذكروه تفصيلًا وجمعته بعضه مع بعض تجد اختلافًا بين حاصل الجمع والعدد المذكور إجمالًا في بعض الأحايين. وقد أوجد اختلاف الأخباريين في تسلسل الملوك وفي مدد الحكم صعوبات جمة للباحثين في هذا التأريخ في تثبيت تواريخ الملوك، وفي تعيين أيامهم على وجه مضبوط ما برحت قائمة في هذا المدون عن تأريخ آل لخم وتأريخ آل غسان. وقد درج بعض المؤرخين مثل الطبري وأبي حنيفة الدينوري وابن الأثير على إدماج تأريخ الحيرة في تأريخ الفرس في الجملة، فهم وأمثالهم يذكرون في كلامهم على ملك من ملوك الساسانيين صلات ذلك الملك بعرب الحيرة، ويشيرون إلى ملكها الذي كان يحكم في أيامه، وإلى عدد من عاصر من ملوك الفرس، ولذلك تجزأ تأريخ الحيرة وتناثر في صفحات فصول هؤلاء المؤرخين عن تأريخ الساسانيين. ودرح فريق آخر كاليعقوبي وحمزة والمسعودي على تدوين تأريخ الحيرة في باب مستقل بني على حسب تسلسل حكم الملوك كما استقر ذلك في ذهن الكاتب، مع ذكر بعض الأمور المتعلقة بالملك من سني حكم، أو من معاصرة لملوك الساسانيين أو من بناء أو ما شابه ذلك. وتجد في مؤلفات هؤلاء الأخباريين أمورًا لم يتطرق إليها أصاحب الطريقة الأخرى في بعض الأحيان. وتفيدنا مؤلفات هؤلاء من هذه الناحية في زيادة علمنا بتأريخ الحيرة المستقى من المورد الأول. ويؤسفنا جدًّا أن لا نملك حتى الآن دراسة علمية دقيقة للتأريخ وللمؤرخين الإسلاميين وللموارد التأريخية وكيفية أخذ بعضها من بعض، وهي دراسة لا بد

стр. 1578

منها، إذ بغيرها لا نتمكن من كتابة تأريخ بالمعنى العلمي للعرب قبل الإسلام. وهي تيسر لنا فهم اتجاهات المؤرخين، وتصنيف الموارد على أساس الأسبقية، وبذلك تتيسر مهمة المؤرخ بعض التيسر، وتمهد له الجادة بعض التمهيد. ومن المؤسف حقًّا أن الأخباريين كانوا يتصرفون بالنصوص وبالمقتبسات التي يعتمدون عليها، ويجرون فيها بعض التغيير، وربما أغفلوا أسماء أصولها، فتظهر كأنها منهم على حين أنها نقل وأخذ، ولو أشاروا إلى المقتطفات والمقتبسات في الموضع المناسب، لكان في إشارتهم هذه خدمة كبرى لمن جاء بعدهم، وهداية إلى الموارد الأصلية التي يجب أن يرجع إليها ويعتمد عليها. ومن حسن الحظ أن بين أيدينا جملة مؤلفات لاتينية ويونانية، وردت في ثناياها إشارات إلى "عرب الروم" و" عرب الفرس"، أي عرب الشأم من "آل جفنة" وعرب الحيرة من "آل لخم". وقد عاصر بعض أصحاب هذه المؤلفات أولئك القوم، واشتركوا هم أنفسهم في الحملات لكونهم مؤرخين رسميين يسيرون مع القيصر أو القواد لتدوين الحوادث والمشاهدات. وقد أفادتنا إشاراتهم هذه فوائد كبيرة، وعليها كان جل اعتماد الباحثين في إيجاد مواضع ارتكاز يطمئن إليها في تعيين تواريخ "آل جفنة" أو "آل لخم"، وبها تمكنا من تصحيح أكثر أغلاط الأخباريين. ولقدمها –بالنسبة إلى مؤلفات الإسلاميين- ولكون معظمها من عهد ما قبل الإسلام، وكان لها حق التقديم بالطبع في نظر المؤرخ الحديث، ولكن هذا لا يدفع عنها مع ذلك مواطن النقد والشبهات. وللمؤلفات السريانية فضل يجب ألا ينسى أيضًا في تدوين هذا التأريخ، ولكنها ليست على الإجمال كالمؤلفات اليونانية واللاتينية في الدقة وفي النقد. ولما كان الكثير منها تواريخ كنسية، تعرضت لتأريخ الحيرة أو عرب الشأم أو العرب الآخرين بقدر ما لهؤلاء من صلة بالكنيسة وبالنصرانية، وهي على الجملة تمزج الأخبار بالمعجزات وبخوارق العادات وبرواية كرامات الآباء في هداية الملوك الوثنيين وسادات القبائل، وهي لا تخلو أيضًا من العصبية التي اتسم بها ذلك الزمن في النزاع المذهبي الذي منيت به النصرانية وفي محاولة الغض من الطرف النصراني الثاني، كالذي نجده بين المؤلفات النسطورية واليعقوبية والملكية وأمثالها، فلكل منها رواية بأسلوبها الخاص، لذلك وجب علينا الانتباه لهذه الناحية حين الرجوع إليها، وتخليص رواياتها من شوائب العصبية للمذهب، ونقدها لاستخلاص

стр. 1579

العنصر التأريخي منها في تدوين تأريخ صحيح لعرب العراق أو عرب بلاد الشأم أو عرب جزيرة العرب. وأهل الحيرة عرب، يقسمهم الأخباريون إلى طبقات ثلاث: تنوخ، والعباد، والأحلاف١. هؤلاء في نظرهم من قبائل متعددة، فيها من قحطان وفيها من عدنان. وقد ذكروا أن في لهجة أهل الحيرة هجنة، رجعوا سببها إلى اختلاط هؤلاء العرب بمن كان يفد عليهم من النبط ممن كانوا يثيرون الأحداث فيلتجئون إلى هذا المكان٢. ولذلك شابت لهجتهم رطانة نبطية. وقد كتبوا بقلم "بني إرم"، شأنهم في ذلك شأن تدمر وأهل "بطرا" إذ استعملوا قلمًا نبطيًّا متأخرًا في الكتابات. أما تنوخ، فهم قبائل سكنوا بيوت الشعر والمظال والوبر غربي الفرات بين الحيرة والأنبار فما فوقها في اصطلاح أهل الأخبار٣. ويظهر من وصفهم لتنوخ أنهم قصدوا بهم من كان يشتغل بالزراعة ومن كان يعيش عيشة أهل البادية من سكان هذه المنطقة: منطقة ما بين الحيرة والأنبار. ولم يقصدوا قبيلة معينة٤. وللأخباريين رأي خاص في تفسير أصل كلمة "تنوخ" خلاصته: أنه لما مات "بختنصر"، انضم الذين كان أسكنهم الحيرة من العرب إلى أهل الأنبار، وبقيت الحيرة خرابًا، فغبروا بذلك زمانًا طويلًا لا تطلع عليهم طالعة من بلاد العرب ولا يقدم عليهم قادم، وبالأنبار أهلها ومن انضم إليهم من أهل الحيرة من قبائل العرب من بني إسماعيل وبني معد بن عدنان. فلما كثر أولاد معد بن عدنان ومن كان معهم من قبائل العرب، وملأوا بلادهم من تهامة وما يليهم، فرقتهم حروب وقعت بينهم وأحداث حدثت فيهم، فتشتتوا. وأقبلت منهم قبائل حتى نزلوا البحرين، وبها جماعة من الأزد كانوا نزلوها في دهر "عمران ابن عمرو" من بقايا "بني عامر"، وهو: "ماء السماء بن حارثة"، وهو: "الغطريف بن ثعلبة بن امرئ القيس بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة"، و" مالك بن زهير بن عمرو بن فهم بن تيم الله

стр. 1580

ابن أسد بن وبرة" في جماعة من قومهم، و"الحيقار بن الحيق بن عمير بن قنص بن معد بن عدنان" في "قنص" كلها. ولحق بهم "غطفان بن عمرو ابن الطمثان بن عوذ مناة بن يقدم بن أنصى بن دعمى بن إياد بن نزار بن معد ابن عدنان"، و"زهر بن الحارث بن الشلل بن زهير بن إياد"، و"صنح ابن الحارث بن أفصى بن دعمى بن إياد". فاجتمع بالبحرين جماعة من قبائل العرب، فتحالفوا على التنوخ، وهو المقام، وتعاقدوا على التوازر والتناصر، فصاروا يدًا على الناس، وضمهم اسم تنوخ. وتنخ على تنوخ بطون من "نمارة بن لخم"، ودعا "مالك بن زهير" "جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي" إلى التنوخ معه، وزوجه أخته "لميس" ابنة "زهير"، فتنخ "جذيمة بن سالك" وجماعة ممن كان بها من قومهم من الأزد، فصار "مالك" و"عمرو" ابنا "فهم" والأزد حلفاء دون سائر تنوخ. وكلمة تنوخ كلها واحدة. أما اجتماع من اجتمع من قبائل العرب بالبحرين وتحالفهم وتعاقدهم، فكان على حد قول "ابن الكلبي" في أزمان ملوك الطوائف الذين ملكهم الإسكندر وفرق البدان بينهم عند قتله "دارا" ملك فارس إلى أن ظهر "أردشير بن بابك" ملك فارس على ملوك الطوائف، وقهرهم، ودان له الناس. وفي هذا العهد عهد ملوك الطوائف، تطلعت أنفس من كان بالبحرين من العرب إلى ريف العراق وطمعوا فيه، واهتبلوا ما وقع بين ملوك الطوائف من الاختلاف، فأجمعوا على السير إلى العراق. وكان أول من طلع منها "الحيقار بن الحيق" في جماعة قومه وأخلاط من الناس، فوجدوا الأرمانيين "بني إرم"، وهم الذين بأرض بابل وما يليها إلى ناحية الموصل، يقاتلون الأردوانيين، وهم ملوك الطوائف، فاستفادوا من ذلك وانتشروا في السواد، وسكن قسم منهم بين عرب الأنبار، وسكن قسم آخر منهم بين عرب الحيرة. ثم طلع "مالك" و" عمرو" ابنا "فهم بن تيم الله"، و"مالك بن زهير بن فهم بن تيم الله"، و" غطفان ابن عمر بن الطمثان"، زهر بن الحارث"، و"صنح بن صنح" فيمن تنخ عليهم من عشائرهم وحلفائهم على الأنبار على ملك الأرمانين، فطلع "نمارة بن قيس بن نمارة" و"النجدة"، وهم قبيلة من العماليق، يدعون إلى "كندة" و"ملكان بن كندة" و"مالك" و"عمرو" ابني "فهم"

стр. 1581

ومن حالفهم، وتنخ معهم على "نفر" على ملك الأردوانيين، فأنزلهم الحير، أي الحيرة، فلم تزل طالعة الأنبار وطالعة "نفر" على ذلك لا يدينون للأعاجم ولا تدين لهم الأعاجم حتى قدمها تبع، وهو: "أسعد أبو كرب بن ملكيكرب" في جيوشه فاستولى عليها، ونزل الحيرة فيمن معه١. وروى "ابن الكلبي" أن كثيرًا من تنوخ نزلوا الأنبار والحيرة وما بين الحيرة وطف الفرات وغربيه إلى ناحية الأنبار وما والاها. نزلوا في المظال والأخبية لا يسكنون بيوت المدر، ولا يزاوجون أهلها. وكانوا يسمون "عرب الضاحية". فكان أول من ملك منهم في زمان الطوائف "مالك بن فهم"، وكان منزله مما يلي الأنبار، ثم مات مالك بن فهم، فملك من بعده أخوه "عمرو بن فهم"، ثم هلك عمرو بن فهم، فملك من بعده "جذيمة الأبرش ابن مالك بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي"٢. وقد أخذ الطبري ما ذكره عن "تنوخ" من روايات ترجع إلى "ابن الكلبي" وإلى "ابن إسحاق"، وتختلف روايات "ابن إسحاق" التي أخذها "الطبري" عن شيخه "ابن حميد" عن "سلمة" عن "ابن إسحاق" بعض الاختلاف عن روايات "ابن الكلبي". ولدينا رواية تذكر أن "بني زهير بن عمرو بن فهم"، ومنهم "مالك ابن فهم" الذي تنخت عليه تنوخ. هو ومالك بن فهم بن غنم الأزدي، تنخوا بعين هجر، وتحالفوا هناك، فاجتمعت إليهم قبائل من العرب، فنزلوا الحيرة، فوثب "سليمه بن مالك بن فهم" على أبيه، فرماه فقتله، فقال أبوه: أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني فتفرقت بنو مالك، وكانوا عشرة، ولحقوا بعمان، وملك جذيمة بن مالك عشرين ومئة سنة. وذلك في أيام ملوك الطوائف. وهو أول من اتخذ دارًا٣.

стр. 1582

أما ما زعمه أهل الأخبار في معنى تنوخ، فقد أشرت مرارًا إلى جنوح الأخباريين إلى أمثال هذه التفاسير، حين ترسو سفينة علمهم على شاطئ الجهل بالأشياء. وما تنوخ في نظري إلا "Tanueitae" "Thanuitae" القبيلة التي ذكرها "بطلميوس" في جملة القبائل التي كانت في أيامه١. وهي وإن كانت في جغرافيته في مواضع بعيدة عن الحيرة غير أن ذلك لا يمنع من انتقال بطون منها إلى الحيرة وبادية الشأم وإقامتها فيها، وهو حادث مألوف ليس بغريب، أو أنها كانت في هذه المواضع في أيام "بطلميوس" كما كانت بطون منها تقيم في المواضع التي ذكرها أو أنه أخطأ في تعيين مواضعها الصحيحة فظن أنها حيث وضعها من الأماكن، وهو أمر ليس وقوعه من الكتاب في الزمن الحاضر بغريب، فكيف بالنسبة إلى تلك الأيام. فتنوخ إذن على الوصف المتقدم، هم أعراب الحيرة، لا حضرها وأهل مدرها، وكانوا يعيشون في أطرافها وحولها، في بيوت الشعر والمظال، على نقيض "العباديين". وقد تبين من بعض الموارد أن بطونًا من تنوخ نزلت أرضين تابعة للروم٢. وأما العباد، فهم الذين سكنوا رقعة الحيرة فابتنوا بها، فهم حضر مستقرون٣. ويقول معظم الأخباريين أنهم كانوا على دين المسيح. ويقول بعضهم: إنهم قبائل شتى من بطون العرب، اجتمعوا على النصرانية، والنسبة إليهم عبادي٤. وذهب بعض إلى أنهم بطن في جزيلة من لخم٥. وخالف فريق فذهبوا إلى أنهم كانوا من قبائل شتى انفردوا من الناس في قصور ابتنوها لنفوسهم ظاهر الحيرة٦. وأنهم دانوا لأردشير٧. ونسبهم بعض أهل الأخبار إلى "بني عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة

стр. 1583

ابن أسد بن ربيعة"، وذكروا أنهم من نسل أربعة، هم: عبد المسيح، وعبد كلال، وعبد الله، وعبد ياليل١. وأشار "السهيلي" إلى ورود اسمهم في الحديث، فقال: "وفي الحديث المسند: أبعد الناس عن الإسلام، الروم، والعباد، وأحسبهم هؤلاء؛ لأنهم تنصروا. وبهم من ربيع، ثم من بني عبد القيس"٢. وللأخباريين أقوال في أصل كلمة "العباد"، فمنهم من يقول أنهم إنما سموا بذلك؛ لأن وفدًا وفد على كسرى كانت أسماؤهم تبتدئ بكلمة عبد، فقال كسرى: أنتم عباد كلكم فسموا العباد٣. ومنهم من يقول: لا، إنما قيل لهم العباد؛ لأنهم كانوا يعبدون الله، فسموا بهذا الاسم٤. ومنهم من يرى أنهم سموا بذلك؛ لأنهم لما قاتلهم سابور الأكبر، اتخذوا شعارًا لهم، هو يا آل عباد، فسموا العباد٥. إلى غير ذلك من أمثال هذه التعليلات. وأظن أن خير ما نفعله في هذا الباب لمعرفة من كانت تنطبق عليهم هذه التسمية، هو أن ندرس أسماء مشاهير من نسبوا إلى العباديين من أسر ورجال، مثل: أسرة عدي بن زيد العمادي، وبني مرينا، وبقيلة، وأمثالهم ممن حشروا في العباديين. فقد شملت التسمية هؤلاء وهم من قبائل مختلفة. كان آل عدي ابن زيد مثلًا من تميم، وكان بنو مرينا من لخم، وكانت بقيلة من الأزد٦. فهم إذن من قبائل مختلفة، ومع ذلك عرفوا بالعباديين، وذلك يدل على أن هذا الاسم لم يكن يعني قبيلة، أو بطنًا، وإنما يعني جماعة من قبائل شتى جمعت بينها وحدة الدين، ووحدة الموطن. لذلك لم يطلق إلى على النصارى العرب من أهل الحيرة. أما غيرهم من نصارى العرب، فلم يشملهم اسم العباديين٧.

стр. 1584

ويمكن أن نقول استنادًا إلى روايات الأخباريين في تحديد مدلول الكلمة، واقتصارها على نصارى الحيرة دون غيرهم من نصارى العرب: إن هذه الكلمة أطلقت في الأصل على من تنصر من أهل الحيرة، ليميزوهم عن غيرهم من سكان المدينة من الوثنيين. ولم يكن أولئك النصارى في بادئ أمرهم بالطبع إلا فئة قليلة، ثم توسعت من بعد. فلما انتشرت النصرانية في الحيرة لازمت هذه التسمية جميع نصاراها، كائنًا من كانوا، وصارت علمًا لهم، لم تميزهم عن الوثنيين حسب، وإنما ميزتهم أيضًا عن بقية النصارى العرب من غير أهل الحيرة فلما مضى زمان طويل على هذا الاستعمال، ظن المتأخرون أنه علم، ثم حاروا في تعليله، فأوجدوا على طريقتهم تلك التعليلات. ولعل العباد والعباديين من كلمة "عبد" في الأصل، أطلقها متنصرة الحيرة الأولى على نفسها؛ لأنها تعبدت لإله، لتميز نفسها عن الوثنيين. أو أن أولئك الوثنيين أطلقوها على أولئك المتنصرة، تمييزًا لهم عن سائر الوثنيين. وقد يكون لـ "عبد المسيح" علاقة بهذه التسمية كذلك. وهي تسمية شائعة بين النصارى شيوع "عبد الله" بين المسلمين١. ولا أستبعد أن يكون العباد والعباديين، هم بقية "اباديدي" "Abadidi" أو "إباديدي" "Ibadidi"، الذين تحدثت عنهم في أثناء كلامي عن الآشوريين. وقد كان العباديون أكثر أهل الحيرة ثقافة، حذق بعضهم الصناعات ودرس بعضهم العلوم، وفاق بعض آخر في اللغات فحذق العربية وتعلم الفارسية، وكانوا يتقنون في الغالب لغة بني إرم بحكم تنصرهم واعتبار النصارى لها لغة مقدسة؛ لأنها لغة الدين، لذلك كان لهم وجه ومقام في الحيرة، ولهذا السبب اختار الفرس تراجمتهم ومن كان يتولى المراسلة بينهم وبين العرب من هؤلاء، كالذي كان مع "زيد العبادي" والد "عدي". وأما "الأحلاف"، فهم الذين لحقوا بأهل الحيرة ونزلوا فيها، ولم يكونوا في الأصل لا من تنوخ، ولا من العباد الذين دانوا لـ "أردشير"٢. وقد كان بين أهل الحيرة جماعة من النبط٣، كما كانت بينهم جماعات من

стр. 1585

الفرس ومن اليهود. والنبط هم من بقايا قدماء العراقيين، وقد كان بعضهم يتكلم العربية برطانة ظاهرة، فتأثر بعض عرب الحيرة بهذه الرطانة، فبدت على ألسنتهم، وذلك باختلاطهم بتلك البقية التي تكلمت بلهجة بني إرم وهي التي عرفت بلغة "النبط" عند المسلمين١. وكانت للوثنيين من أهل الحيرة أصنام، منها: اللآت، والعزى، وسبد٢، و"محرق" وبه تسمى بعض الرجال تبركًا وتقربًا إليه٣. لقد كان معظم نصارى الحيرة على مذهب النساطرة، وهو مذهب شجعه الفرس في بلادهم نكاية بالروم. غير أن هنالك جماعة كانت على مذهب اليعاقبة، كما كان بعضهم على مذاهب نصرانية أخرى لا مجال للحديث عنها في هذا المكان. وقد حاول أصحاب هذه المذاهب كسب أكبر عدد ممكن من الناس إلى مذاهبهم. وطبيعي ألا يجد مذهب الروم صدرًا رحبًا في الأرضين الخاضعة للفرس، لما في ذلك من أخطار سياسية تهدد مصالحهم. وقد كانت الحيرة من المراكز المهمة في حركة التبشير بالنصرانية بين العرب. ومن الحيرة ذهب قسم من المبشرين إلى اليمن والأجزاء الأخرى من جزيرة العرب لنشر النسطورية والمذاهب النصرانية الأخرى هناك، وفيها انعقد مجمع "دار يشوع" في سنة "٤٢٤"٤، وفي هذه المدينة توفي هذا الجاثليق "دار يشوع" ودفن فيها على بعض الروايات٥. ما ذكرته عن أهل الحيرة، هو ما يخص أهل المدينة وما حولها من الحضر المستقرين. أما من كان قد خضع لملوك الحيرة، فكانوا قبائل يعيشون في أرضين واسعة، كانت تتقلص سعتها وتتوسع بحسب قدرة "ملك الحيرة" ومكانته، فقد حكم "امرؤ القيس" مثلًا "كل العرب" على حد قول النص: "نص النمارة" الذين وجد على قبره. ويقصد بذلك "كل الأعراب"، وخص منهم "أسدًا" و"نزارًا" و"مذحجًا" وغيرها، حتى بلغ حدود "نجران"،

стр. 1586

كما ملك "معدًّا"١. ولكننا لا نستطيع أن نؤكد أن ملك ملوك الحيرة قد شمل القبائل المذكورة في كل الأوقات، بل في كل أيام حكم "امرئ القيس"، فقد تعودت القبائل الانتفاضة على من يفرض حكمه عليه عند أول فرصة يشعرون فيها بضعف الحاكم، أو أن الأوضاع أخذت تسير عكس ما يريد، فتنقلب عليه وتخرج على طاعته. ونجد في رسالة "شمعون الأرشامي" الحيرة أن في جملة من كان في معسكر "المنذر" الثالث، "طيايه حنبه ومعدايه"، أي "طيء" ومعد. والأغلب أنه قصد بـ "طياية" الأعراب، فقد كانت تطلق بهذا المعنى في هذا المعهد. ولعله قصد بـ "حنبه" "حنفه" قبيلة "بني حنيفة" أو قبيلة أخرى اسمها قريب من هذا الاسم. ويلاحظ أن اسم "معد" كان معروفًا مشهورًا على أنه من القبائل العربية الكبيرة التي تشمل منازلها أرضين واسعة. وقد ميز بينها وبين "نزار" في "نصر النمارة" مما يدل على أن "نزارًا" كانت منفصلة عن "معد" ولها اسم خاص في القرن الرابع للميلاد. أما الأنبار التي زعم الأخباريون أنها بنيت في أيام بختنصر، فقد كانت من المدن المعروفة في أيام الساسانيين، تلي شهرتها في العراق شهرة مدينة "طيسفون" "Ktesiphon". وقد تبين من فحص آثارها ومعالمها الباقية أنها من المواضع التي كانت قبل عهد الدولة الساسانية، غير أننا لا نعرف من أمرها شيئًا يذكر قبل عهد هذه الدولة، والذي بعث فيها الحياة وأنشأ فيها الأبنية والعمارات، هو الملك الساساني "سابور الثاني" "شابور" "Shapur II" "٣١٠-٣٧٩ م"٢، أو سابور الأول في بعض الروايات٣. وقد حصنت وقويت وجعلت قلعة حربية لصد غارات الروم على حدود هذه المملكة من ناحية الفرات. وكان لها أثر مهم في الحملة التي قام بها الانبراطور "يوليانوس" "Julianus" على مملكة الساسانيين في سنة ٣٦٣ للميلاد، إذ دافعت عن نفسها دفاعًا شديدًا. ولما تمكن يوليانوس منها، بعد ذلك الحصار المتعب صارت ركامًا وتلالًا من الرماد، فأمر عندئذ ببناء "هيليوبوليس" "Heleopolis". وقد وصف المؤرخ "أميانوس مرسليانوس" "Ammianus Mercellianus" الأنبار،

стр. 1587

وذكر قلاعها الحصينة١. وفي جنوب هذه المدينة وعلى مسافة قليلة منها، يقع نهر عيسى الذي يصل الفرات بدجلة، وهو نهر قديم يرجع عهده إلى ما قبل الإسلام، عرف بـ "Naarsares" أو "Narsares"٢ ويظن أن الملك سابور الثاني المذكور هو الذي أمر بحفره. وقد اكتسبت المدينة بهذا النهر شأنًا خاصًّا إذ صارت فرضة مهمة، ومخزنًا للأموال، ومركزًا عظيمًا في وسط العراق للتجارة ولتبادل السلع المرسلة عن طريق دجلة إلى الفرات وبالعكس. ولاسم هذه المدينة، وهي الأنبار، علاقة بهذا المعنى على ما يظن. وهو من "Ham-Bara" الإيرانية القديمة، ومعناها المخزن، ومنها "أنبار" "Anbar" بالفارسية الحديثة. وقد عرف العلماء المسلمون معنى الكلمة فذكروه٣. ومن هذه الكلمة أخذ البيزنطيون "Anbara" "Abbareny" "Abara"، ويقصدون بها الأنبار٤. وقد عرفت المدينة بـ "فيروز سابور" "بيروز شابور" "Peroz Shapur" كذلك. ومعنى هذه الكلمة "سابور المنتصر". ومنها جاء اسمها "بيريسابورا" "Pirisaboora" "Bersabora" "Pirisaboras" المذكور في تأريخ "أميانوس مارسليانوس" و"زوزيموس". وقد ذكر هذا الاسم في المؤلفات السريانية. وكان عليها أسقف نسطوري٥. ويظن أن موضع "أنكوباريتيس" "Ankobaritis" المذكور في جغرافية

стр. 1588

"بطلميوس" يعني المنطقة التي تقع فيها الأنبار، فإذا كان هذا الظن صحيحًا، كان اسم هذه المدينة معروفًا إذن قبل أيام الساسانيين١. ولم يذكر "ايزيدور الكركسي" "Isidorus Of Charax" الذي ساح حوالي ميلاد المسيح في إنبراطورية الفرث، اسم هذه المدينة، ولا اسمًا آخر يقع في هذا المكان، لذلك يرى بعض الباحثين أن الأنبار لم تنشأ إلا بعد أيام "ايزيدور" وربما في القرن الأول للميلاد، وأنها أنشئت في بادئ الأمر لخزن المواد فيها وتموين الحاميات بما تحتاج إليه، ثم توسعت في العصر الساساني حتى أصبحت المدينة الثانية في إقليم بابل بعد طيسفون٢. وفي رواية لـ "ثيوفيلكتس" "Theophylactus" أن "كسرى برويز الثاني" "Khusrave Abharvez" "٥٩٠-٦٢٨م تقريبًا"، حينما هرب من وجه "بهرام جوبين" حوالي سنة ٥٩٠ للميلاد، وترك العاصمة طيسفون عبر دجلة واختراق البادية حتى جاء الأنبار، ومنها ذهب إلى عانة "Anatha"، ومنها ذهب إلى "قرقيساء" حيث اتصل بالروم٣. وقد صارت "الأنبار" من أهم المواضع العلمية ليهود العراق في عهد "هرمز الرابع" "٥٧٨-٥٩١م" أو "٥٧٩ -٥٩٠م"، فلما اضطهد هذا الملك اليهود، وأمر بإغلاق مدارسهم الدينية التي كانت من أهم مدارس اليهود في ذلك العهد في مدينتي "سورا" "Sura'" و"بومبيدثا"، "فومبيديثه" "Pombeditha"، انتقل أحبار المدينتين إلى مدينة "فيروز سابور" "Peroz Shapur" أي الأنبار. وكانت إذ ذاك في حكم ملوك الحيرة٤، وصارت منذ ذلك العهد مركزًا من مراكز الثقافة اليهودية في العراق. وتقع "فومبديثه" "Pombeditha" بجوار الأنبار، وتعني "فم البداة"، وقد كانت من أهم المستوطانت اليهودية في العراق، ومن أهم المراكز العلمية التي أخرجت طائفة من كبار أحبار اليهود، أسهموا في تدوين التلمود وفي جمع التراث اليهودي القديم. ومن علمائها "مار رابة الغاؤون" وآخرون. وقد قدم

стр. 1589

إليها اليهود من فلسطين هربًا من الرومان الذين لم يعطوا اليهود الحرية الدينية الكافية للانصراف إلى ممارسة شعائرهم الدينية والتعليم على وفق ديانتهم. فأسسوا مستوطنات مهمة في العراق، منها: هذه المستوطنة، ومستوطنة "نهر دعة" وغيرهما، وفي هذه المستوطنات دون التلمود البابلي الذي هو من أهم أركان كتب التشريع عند اليهود١. وقد جاء في "بابا بثرا" أن العرب أتوا إلى "فومبديثه"، استولوا على أرض اليهود. وقد جاء اليهود إلى حبرهم "أبيه" "Abaya" ليكتب لهم نسختين من نسخ تملك الأرض، حتى إذا استولى غريب على نسخة التملك تكون لديه نسخة ثانية. وكان ذلك على أثر هذا الحادث٢. وكان العرب عندما ينتزعون تلك الأرضين يأخذون سندات التملك أيضًا. ولهذا راجع اليهود هذا الحبر ليكتب لهم سندي تملك، حتى إذا أخذت نسخة، احتفظ صاحب الأرض بالنسخة الثانية فيكون في إمكانه مقاضاة المغتصب٣. ونجد في "نده" "Niddah"، وهو "كتاب الحيض" من باب "كتاب الطهارة" "Seder Toheroth" في الفقه العبراني، قصة تاجر عربي كان في "فومبديثه"، وكان يرتدي عباءة أو جبة سوداء حالكة السواد، ولما كان السواد من الألوان المكروهة عند اليهود، جاءه أحد زوار المدينة من اليهود، فسأله عن هذا السواد، فقال التاجر: وهل يوجد لون كهذا اللون! فقام عليه اليهود، وانتزعوا منه عباءته أو جبته ومزقوها، ثم استرضوه بأن عوضوه بأربعمئة "زوز"٤.

стр. 1590

ملوك الحيرة: وقد عرف ملوك الحيرة بـ "آل نصر"، وبـ "آل لخم"، وبـ "آل محرق"، وبـ "آل النعمان"، وبـ "آل عدي". وورد أن العرب كانت تسمي بني المنذر الملوك "الأشاهب" لجمالهم٥.

стр. 1591

ويظهر أن شهرة ملوك الحيرة بـ "آل نصر"، هي شهرة قديمة تعود إلى ما قبل الإسلام بزمن طويل. فقد ورد في الأخبار عن "نهر دعة" "Nehardea" وهي مستوطنة من المستوطنات اليهودية القديمة الكبيرة التي تأسست في العراق، وتقع عند فم نهر ملكا "Nehr Malka"، أي مخرج نهر الملك من الفرات١، أنه في سنة "٥٧٠" من التقويم السلوقي الموافقة لسنة "٢٥٩" للميلاد، جاء "بابا ابن نصر" إلى مدينة "نهر دعة" وخربها، فهربت بعض أحبارها إلى مواضع يهودية أخرى، كانت ملجأ لليهود٢. ويظهر أن الأمير المهاجم، وقد سمي في الخبر بـ "بابا" "Papa"، كان من أبناء سيد قبيلة عربية اسمه "نصر"، وقد عرف بـ "برنصر" و"بن نصر" في التلمود٣، وقد ذهب الباحثون إلى أن المراد به أحد أمراء الحيرة من "آل نصر"٤، أما ٤. أما "كريتز" "Gratz"، وهو من المؤرخين اليهود المشهورين، فقد ذهب إلى أنه "أذينة" زوج الملكة "زنوبيا" "الزباء" "Zenobias" ملكة تدمر٥. غير أن هنالك أدلة تأريخية لا تؤيد هذا الرأي، ثم إن الموارد العربية تنعت ملوك الحيرة بـ "آل نصر"، ولم يشتهر ملوك تدمر فيها بـ "آل نصر". وقد تحدثت إليك برأي أهل الأخبار في أول من حكم الحيرة من الملوك، ورأينا أن "مالك بن فهم" هو أول ملك حكم هذا الموضع على زعم، وهو في نظرهم من الأزد٦. وقد حكم مدة عشرين عامًا على رواية الأخباريين٧. وقد زعم "حمزة الأصفهاني" أن "ملك بن فهم" تملك تنوخ العراق في زمان ملوك الطوائف، وأن منزله كان بالأنبار، وأنه بقي بها إلى أن رماه ابنه "سليمة بن مالك بن فهم" رمية بالنبل، وهو لا يعرفه. فلما علم أن سليمة راميه، قال.

стр. 1592

جزاني لا جزاه الله خيرًا ... سليمة إنه شرًّا جزاني أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني فلما قال هذين البيتين فاظ أي مات، وهرب سليمة هرب إلى عمان١. وحكم بعد "مالك بن فهم" أخوه" عمرو بن فهم" على رواية٢، و"جذيمة الأبرش" المعروف بجذيمة الوضاح أيضًا على رواية أخرى, ولا نعرف من أمر "عمرو" هذا شيئًا يستحق الذكر. وتزعم رواية أن الذي حكم بعد "مالك بن فهم" هو "جذيمة الأبرش"، وقد جعلته ابنًا لمالك، وجعلت نسبه على هذه الصورة: "جذيمة بن مالك بن فهم ابن غانم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن الغوث". وقالت: إن والده "مالك هو أول من ملك الضاحية في حكم ملوك الطوائف٣. أما حظ جذيمة الأبرش، فهو خير من حظ الرجلين السابقين عند الأخباريين، فله في رواياتهم شعر وحديث. وقد تحدثوا عنه، ونسبوا إليه الغزوات، وجاد عليه بعض الرواة فرفعوا زمانه وجعلوه في العاربة الأولى. جعلوه من بني "وبار ابن أميم بن لوذ بن سام بن نوح"، وصيروه "من أفضل ملوك العرب رأيًا، وأبعدهم مغارًا، وأشدهم نكاية، وأظهرهم حزمًا. وأول من استجمع له الملك بأرض العراق، وضم إليه العرب، وغزا بالجيوش"٤، وذكر "المسعودي" أنه أول من ملك الحيرة٥. وقد وصفوه أيضًا، فقالوا: إنه "كان به برص، فكنت العرب عنه، وهابت العرب أن تسميه به، وتنسبه إليه، إعظامًا له. فقيل: جذيمة الوضاح وجذيمة الأبرش"٦. وذكر "المسعودي" أن جذيمة هو صاحب النديمين اللذين

стр. 1593

يضرب بهما المثل، واستشهد على ذلك بشعر لـ "متمم بن نويرة اليربوعي" في مرثيته لأخيه مالك بن نويرة: وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا١ وقد ذكر أن النديمين المذكورين هما: مالك وعقيل، وهما ابنا "فرج بن مالك" من "بلقين"، وكانا قد قدما من الشام، يريدان جذيمة، فوجدا فتى قد تلبد شعره، وطالت أظافره، وساءت حاله، أسرع نحوهما يرجو الطعام والرعاية، فلما سألاه عن حاله، وتبين لهما أنه "عمرو بن عدي"، سرًّا به كثيرًا، وعنيا به، وأخذاه معهما إلى "جذيمة"، فلما رآه، فرح به فرحًا كبيرًا، لعودته إليه، ونظر إليه، ثم أعاد عليه الطوق، وكان جذيمة قد صنعة له قبلًا، ثم قال: "كبر عمرو عن الطوق". وكان الجن قد استطارته، أي خطفته. وقال جذيمة لمالك وعقيل: ما حكمكما، أي ما طلبكما! قالا حكمنا منادمتك. فأصبحا يضرب بهما المثل٢. وذكر "المسعودي" أن كنية "جذيمة" التي عرف بها هي "أبو مالك"، وروى في ذلك شعرًا، زعم أن قائله هو سويد بن كاهل اليشكري": إن أذق حتفي، فقبلي ذاقه ... طسم وعاد وجديس ذو السبع وأبو مالك القيل الذي ... قتلته بنت عمرو بالخدع٣ وذكر الأخباريون أن جذيمة غزا طسمًا وجديسًا، غزاهم في منازلهم من "جو" وما حولهم. فأصاب "حسان بن تبع أسعد أبي كرب"، وقد أغار على طسم وجديس باليمامة، فانكفأ جذيمة راجعًا بمن معه، وأتت خيول تبع على سرية لجذيمة، فاجتاحها وبلغ جذيمة خبرهم، فقال في ذلك شعرًا دون منه الطبري

стр. 1594

أحد عشر بيتًا. وقد أراد ابن "الكلبي" أن يكون حذرًا في هذه المرة، أو أن يظهر نفسه في مظهر الحذر الناقد، فقال: "ثلاثة أبيات منها حق، والبقية باطل"١. وجميل صدور هذا الحذر من الطبري، أو من ابن الكلبي، وقد عودانا سرد أبيات من الشعر العربي، نسباها إلى من هو أقدم عهدًا من جذيمة ولم يذكرا أنه باطل، أو أن فيه حقًّا وباطلًا. وفي جملة ما تحدث به الأخباريون عن جذيمة أنه تكهن وتنبأ، وأنه اتخذ صنمين يقال لهما الضيزنان، وضعهما بالحيرة في مكان معروف، وكان يستسقي بهما ويستنصر بهما٢. فلم يقنع الأخباريون بالحديث عن ملك جذيمة وحده، فأضافوا إليه التنبؤ والكهانة وعبادة الأصنام. وذكر بعض أهل الأخبار أن "جذيمة بن مالك بن فهم" وهو جذيمة الأبرش كان ينزل الأنبار ويأتي الحيرة ثم يرجع، وكان لا ينادم أحدًا ذهابًا بنفسه، وينادم الفرقدين. فإذا شرب قدحًا، صب لهذا قدحًا ولهذا قدحًا، وهو أول من عمل المنجنيق، وأول من حذيت له النعال، وأول من رفع له الشمع٣. بقي على ذلك حتى نادمه مالك وعقيل٤، إلى غير ذلك من أقوال وروايات عنه. وهي تدل على أنه كان قد ترك أثرًا في المجتمع في أيامه غير أثر الملك، مما حدا بالقوم أن يضعوا هذه الأقوال فيه. واشتهر "جذيمة" عند أهل الأخبار بفرس له، ذكر أنها كانت من سوابق خيل العرب، اسمها "العصا". وفيها ورد في المثل: "إن العصا من العصية". وقد نجا "قصير بن سعد اللخمي" على فرسه هذه، فأخذ بثأره وقتل "الزباء" على زعم أهل الأخبار. وهم يروون أن جذيمة كان يغازي إيادًا النازلين بـ "عين أباغ"، فذكر له اسم غلام من لخم في أخواله من إياد، هو عدي بن نصر، له جمال وظرف، فغزاهم. فبعثت إياد قومًا سقوا سدنة الصنمين الخمر، وسرقوا الصنمين، فأصبحا

стр. 1595

في إياد، فبعث إليه تفاوضه على إرجاع الصنمين إليه على أن يكف عن غزوهم، ولكنه اشترط عليهم إعطاءه عدي بن نصر مع الصنمين، فوافقوا على ذلك. فانصرف عنهم وضم عديًّا إليه، وولاه شرابه. ويدعون أنه تزوج أخته "رقاش" التي أحبته فيما بعد، في قصة يروونها، ومن هذا الزواج المزعوم كان "عمرو ابن عدي" ابن أخت جذيمة الذي خلف خاله على الملك١. وفي رواية من روايات الأخباريين أن جذيمة زوج أخته من ابن عمه: "عدي بن ربيعة بن نصر"، فولدت له "عمرو بن عدي" الذي استطار به الجن٢. وفي جملة ما نسبه أهل الأخبار إلى جذيمة من حروب حربه مع "عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر العملقي" "العمليقي" من عاملة العماليق. وعمرو هذا هو أبو الزباء عند الأخباريين. ويذكر هؤلاء أن الطرفين استعدا للقتال استعدادًا كبيرًا، فجمعا كل ما أمكنهما جمعه. ولما اصطدما، قتل عمرو، فانهزم أصحابه، وعاد جذيمة بعد هذا النصر إلى قواعده سالمًا ولم يشر الطبري إلى اسم الموضع الذي وقع فيه هذا القتال. وملك من بعد "عمرو" ابنته الزباء٣. أما ملك جذيمة، فكان على حد قول الأخباريين ما بين الحيرة والأنبار وبقة وهيت وناحيتهما وعين التمر وأطراف البر إلى الغير والقطقطانة وخفية وما والاها٤ ورقة وسائر القرى المجاورة لبداية العرب. ويفهم من بعض الروايات أيضًا أنه ملك معدًّا وبعض اليمن٥. وكانت داره بالموضع المعروف بـ "المضيق" بالمصيرة بين الخانوقة وقرقيسيا٦.

стр. 1596

أما الأنبار، فقد تحدثت عنها. وهي –على ما يظهر من روايات الأخباريين- من المواضع التي كان يخضع أعرابها في الغالب لحكم اللخميين. وأما بقة، فتقع على الفرات بين هيت والأنبار. وأما هيت، فهي من المواضع القديمة المعروفة قبل الميلاد، وقد ورد اسمها في نص "توكلتي أنورتا الثاني" "Tukulti Enurta II" الذي يعود عهده إلى حوالي سنة ٨٨٥ قبل الميلاد١. وقد عرفت بـ "ايد" "Id" و"ايت" It"٢". وهي "ايس" "اس" Is"٣" و"ايس بوليس" "اسبولسي" "Ispolis" "Ispoolis"٤ و" ايديكاره" "Idikara"٥ و"دياكيرة" "Diakira"٦" في مؤلفات الكلاسيكيين. و"ايهي" "Ihi" و" ايهيداكيرة" "Ihidakira" في مؤلفات عصر التلمود٧. وفي بقة استشار جذيمة قصيرًا على حد قول الأخباريين في أمر زيارته للزباء٨. وتقع بقة على مقربة من الحيرة, وقيل هي حصن كان على فرسخين من هيت على رواية ياقوت٩. وقد جعلها "اليعقوبي" على شط الفرات بالقرب من الأنبار وفي ملك الزباء١٠. وهي على الفرات بين الأنبار وهيت، في رواية أكثر الأخباريين١١. وأما القطقطانة، فموضع في البرية لا يبعد كثيرًا عن الكوفة، وهو بالطف١٢. وأما خفية، فهي أجمة في سواد الكوفة، بينها وبين الرحبة، ينسب إليها

стр. 1597

الأسود المعروفة بأسود خفية، وهي غربي الرحبة، ومنها إلى عين الرهيمة مغربًا. وقيل أيضًا عين خفية١. وقد اشتهرت "عين التمر" القريبة من "شفاثا" بالقصب والتمر، وهي على طرف البادية، فتحها المسلمون على يد "خالد بن الوليد" في سنة ١٢ للهجرة في أيام أبي بكر٢. وقد طال عمر جذيمة على حد قول "حمزة الأصبهاني" إلى أن لحق ملك "سابور بن أشك الأشغاني" "شابور بن أشك"، وحكم على حد قوله أيضًا ستين سنة. أما نهايته، فكانت على يد الزباء في قصة مشهورة معلومة، رصعها الأخباريون بشعر وأمثلة٣، تحدثت عنها في أثناء كلامي على الزباء. وجعل بعضهم مدة حكمه مئة وثماني عشرة سنة، إذ ملك في زمن ملوك الطوائف خمسًا وتسعين سنة، وفي ملك أردشير بن بابك وسابور الجنود ثلاثة وعشرين سنة٤. وملك يحكم هذه المدة لا بد أن تكون مدة حياته أطول من مدة حكمه. وذكر "أبو حنيفة الدينوري" أن جذيمة لم يزل ملكًا مقيمًا بالخورنق، حتى دعته نفسه إلى تزويج "مارية" ابنة الزباء الغسانية. وكانت ملكة الجزيرة، ملكت بعد عمها الضيزن الذي قتله "سابور"، فقتلت جذيمة، ثم قتلها قصير مولاه٥. فجعل الملكة القاتلة بنتًا من بنات الزباء عينها، فدعاها مارية، وبذلك أنقد الزباء من تهمة القتل التي ألصقها الأخابريون بهذه الملكة، وجعلها ملكة على الجزيرة، وجعل نسبها في غسان، وغسان معادون منافسون لآل لخم، ثم أبى إلا أن يجعل لجذيمة قصرًا منيفًا، فوقع اختياره على الخورنق، وهو قصر لائق أن يكون قصر ملك، وخالف في ذلك رأي الأخباريين الذين ينسبون هذا القصر إلى ملك آخر هو النعمان. وقد جاء اسم "جذيمة" "جديمت" في نص نبطي ويوناني عثر عليه في

стр. 1598

"أم الجمال"، جاء فيه: "هذا موضع أي قبر فهر بن شلي "سلي" مربي جديمت ملك تنوح". ولهذا النص على قصره أهمية بالغة؛ لأنه يشير إلى الصلة التي كانت بين الأسرة الحاكمة في الحيرة وعرب الشام١. ومن الصعب بالطبع استنتاج كيفية وفاة مربي الملك في هذا الموضع: أكان زائرًا هذه الديار فأدركه أجله فقبر هناك! أم جاء مع سيده في حرب فتوفي في ذلك المكان! مهما يكن من شيء، فقد أفادنا الحجر فائدة كبيرة بتدوينه اسم صاحب القبر، واسم جذيمة ملك "تنوح" تنوخ. ويلاحظ أن النص دون اسم "جذيمة" بحرف "الدال" وكتب اسم "تنوخ" بحرف الحاء "تنوح" بدلًا من الخاء. ويكون هذا النص من أقدم النصوص التي ورد فيها اسم "تنوخ". ويرجع عهده إلى حوالي السنة "٢٧٠" بعد الميلاد٢. وجعل "ابن دريد" لجذيمة نسلًا، سماهم "بني جهضم"، وجعل لفظة "جهضم" من "التجهضم"، ومعناه التكبير٣. وذكر "حمزة الأصفهاني" أنه لم يلد لجذيمة غير "زينب بنت جذيمة"، وهي أم مرتع. واسمه "عمرو بن معاوية بن كندة"، فغزا في آخر عمره الشأم، فقتل "عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة" ملك العمالقة والد الزباء، فانطوت له الزباء على طلب الثأر حتى قتلته٤. وانتقل الملك بعد وفاة جذيمة إلى ابن أخته "عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن الحارث بن مسعود مالك بن غنم بن نمارة بن لخم"٥. أما أمه، فهي أخت جذيمة، وهي: "رقاش بنت مالك بن فهم بن غنم بن عدثان" على رواية من ينسب مالك بن فهم إلى عدثان٦.

стр. 1599

ويلاحظ أن "الطبري" لم يكن مستقرًّا في موضوع اسم "عدي" والد عمرو، إذ يجعله "نصرًا" في موضع، فيقول "عدي بن نصر بن ربيعة"١، ويجعله "ربيعة" في موضع آخر، فيقول: "عدي بن ربيعة بن نصر"٢. ويظهر أن ذلك إنما وقع له بسبب أخذه من روايات مختلفة، وعدم تدقيقه ونقده لتلك الروايات. ويفهم من رواية يرجع "الطبري" سندها إلى "ابن حميد" عن "سلمة" عن "ابن إسحاق" أن زمان حكم "ربيعة بن نصر اللخمي" كان بين ملك "تبان أسعد أبو كرب" وملك ابنه "حسان بن تبان أسعد"٣. والرواية مضطربة مشوشة، يفهم منها أن "ربيعة بن نصر" كان نفسه قد حكم اليمن في الفترة الواقعة بين "تبان أسعد" وبين حكم ابنه "حسان"، وأن "حسان" هذا لم يتمكن من الحكم إلا بعد هلاك "ربيعة بن نصر"٤. ويزيدها اضطرابًا وتشويشًا ذكر "الطبري" رواية الرؤيا التي رآها "ربيعة بن نصر" وعرضها على "سطيح" و"شق" لتفسيرها له، وما كان من جوابهما له في تفسيرها، حيث "وقع في نفسه أن الذي قالا له كائن من أمر الحبشة، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور خرزاذ، فأسكنهم الحيرة، فمن بقية ربيعة بن نصر، كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة"٥. فيتبين منها أن "ربيعة بن نصر" كان مقيمًا باليمن، وقد أقام بها حياته، وأن بنيه هم الذين ذهبوا إلى العراق، ولكنها لم تشرح كيف وجد "ربيعة" في اليمن وكيف حكمها وهو من لخم؟ وهي رواية شاذة، دسها بعض المتعصبين لليمن –على ما يظهر- على "ابن إسحاق"، فدونها في أخباره، وقد دست أخبار وأشعار على ابن إسحاق، فرواها وصدق بها من غير نقد ولا تحقيق. وللعلماء رأي فيه. ويزعم بعض أهل الأخبار أن "سطيحًا" و"شقًا" أخبرا "ربيعة بن نصر"

стр. 1600

في تأويلهما لرؤيا بما يكون من غلبة الحبش على أرض اليمن، وبغلبة الفرس بعدهم. فلما سمع بذلك، أوجس في نفسه خيفة، فأحب أن يخرج ولده وخاصة أهله من أرض اليمن، فوجه ابنه عمرًا إلى يزدجرد بن سابور، أو إلى سابور ذي الأكتاف، فأنزله الحيرة، فيومئذ بنيت، فضم عمرو إليه أخوته وأهل بيته، فمن هناك وقع آل لخم إلى الحيرة، واتصلوا بالأكاسرة فجعلوا لهم على العرب سلطانًا، فلما مات خلفه من بعده ابنه "جذيمة بن عمرو"١. وزعم "الدينوري" أن وفاة ربيعة بن نصر كانت في أيام "قباذ بن فيروز" وأنه بوفاته رجع الملك إلى حمير، فملك ذو نواس من بعده، وهو ذو نواس صاحب تعذيب نصارى نجران نفسه. فأرجع أيام ربيعة إلى قباذ "قباد"، وهو قول يخالف ما يرويه الأخباريون٢. وجعل ذا نواس المالك من بعده، وقد عاش ذو نواس بعد قباذ أمدًا، فخالف في ذلك التأريخ وأقوال الأخباريين. ووصف "الطبري" عمرو بن عدي، فقال عنه: "هو أول من اتخذ الحيرة منزلًا من ملوك العرب، وأول من مجده أهل الحيرة في كتبهم من ملوك العرب بالعراق، وإليه ينسبون، وهم ملوك آل نصر، فلم يزل عمرو بن عدي ملكًا حتى مات وهو ابن مائة وعشرين سنة، منفردًا بملكه، مستبدًّا بأمره، يغزو المغازي ويصيب الغنائم، وتفد عليه الوفود دهره الأطول، لا يدين لملوك الطوائف بالعراق، ولا يدينون له، حتى قدم أردشير بن بابك في أهل فارس"٣. وذكر الطبري أن الحيرة خربت بعد هلاك بختنصر، لتحول الناس عنها إلى الأنبار، وبقيت خرابًا إلى أن عمرت في زمن عمرو بن عدي، باتخاذه إياها منزلًا٤. وثم رواية تنسب نصرًا إلى الساطرون ملك الحضر٥، وتجعل آل نصر من الجرامقة، من "رستاق باجرمي"٦، ورواية أخرى تجعل ملوك الحيرة من

стр. 1601

"أشلاء قنص بن معد"، فقد ذكر أن "عمر بن الخطاب" لما أتى بسيف النعمان بن المنذر، دعا جبير بن مطعم فسلمه إياه، ثم قال: يا جبير، ممن كان النعمان؟ قال: من أشلاء قنص بن معد. وهو من ولد عجم بن قنص، إلا أن الناس لم يدروا ما عجم، فجعلوا مكانه لخمًا، فقالوا هو من لخم ونسبوا إليه١. وكان جبير من أنسب العرب٢. والذي عليه أكثر أهل الأخبار أن "آل نصر" هم من اليمن، كانوا قد تركوا اليمن وهاجروا حتى استقروا بالعراق، ونزلوا الحيرة، وأسسوا ملكهم بها٣. ويذكر الأخباريون أن عمرًا انتقم من الزباء لقتلها جذيمة، ورووا في ذلك رواياتهم المرصعة بالشعر والأمثال٤. وهي روايات لا تستند إلى أسس تأريخية، إذا قصدوا بذلك الزباء ملكة تدمر التي عرفنا تأريخها ونهايتها في مكان آخر من هذا الكتاب. وجعل "الدينوري" مدة حكم "عمرو بن عدي" نيفًا وستين سنة٥. وتولى الملك بعد وفاة عمرو ابنه امرؤ القيس. ويقال له امرؤ القيس البدء وامرؤ القيس الأول. أما أمه، فهي ماوية بنت عمرو أخبت كعب بن عمرو الأزدي على رواية حمزة٦. وقد عاصر جملة من ملوك الفرس، هم: سابور ابن أردسير "شابور بن أردشير"٧، وهرمز بن سابور، وبهرام بن هرمز، وبهرام بن بهرام، وبهرام بن بهرام بن بهرام، ونرسي بن بهرام بن بهرام، وهرمز بن نرسي، وسابور ذو الأكتاف على رواية تجدها مدونة في تأريخ حمزة. وجعل مدة ملكه مئة وأربع عشرة سنة، وهي مدة تتفق مع ما ذكره الطبري حكاية على لسان ابن الكلبي.

стр. 1602

غير أننا إذا ما وازنا بين ما ذكره الطبري حكاية على لسان ابن الكلبي في عدد ملوك الفرس الذين حكم "امرؤ القيس" في أيامهم، وفي مدة حكمه في عهد كل ملك من هؤلاء الملوك١. وبين ما ذكره حمزة نجد اختلافًا في العدد واختلافًا في المدة، مما يدل على أن حمزة نقل من مورد آخر يختلف عن مورد الطبري٢. وإذا كانت مدة حكم امرؤ القيس على نحو ما ذكره ابن الكلبي وغير ابن الكلبي من رواة، فكم تكون مدة حياة هذا الملك؟ إنهم لم يعينوا هذه المدة، ولكنها مدة تزيد بالطبع على هذه السنين في نظر أصحاب تلك الروايات، ولم لا تطول؟ وقد ساروا على خطة إطالة أعمار الملوك الأولين. فملك يتجاوز حكمه مئة عام بسنين أمر لا بأس به في نظر هؤلاء الرواة. غير أننا نلاحظ أنهم بخلوا على الملوك المتأخرين، فلم يمنحوهم هذه النعمة، نعمة إطالة مدة الحكم أو مدة العمر، فجعلوا لهم مددًا مقبولة في الغالب معقولة. ولو عاش هؤلاء المتأخرون في زمن بعيد عن أولئك الرواة، بعيد عن أيام تدوين أخبار ملوك الحيرة، لما حرمهم الأخباريون كرمهم هذا، ولأعطوهم ولا شك ما أعطوه من سبقهم من الملوك جملًا من السنين. وقد نعت امرؤ القيس في بعض الروايات بـ "المحرق"٣، ونعت أيضًا بـ "محرق الحرب"٤. ونصادف كلمة المحرق ومحرق وآل محرق في مواضع من التواريخ المتعلقة بالحيرة، وقد أطلقها بعض الأخباريين على الغساسنة أيضًا٥. وهم يرون أنها لقب ألحق بأولئك الملوك؛ لأنهم عاقبوا أعدائهم في أثناء غزوهم لهم بحرق أماكنهم بالنار. ويرى "روتشتاين" أنه تفسير لظاهر الكلمة، وهو تفسير مغلوط. والصحيح في نظره أنها اسم علم لأشخاص عرفوا بمحرق، ولذلك قيل "آل محرق" لا "آل المحرق"٦.

стр. 1603

وفي أصنام الجاهليين صنم يدعي محرق والمحرق، تعبدت له بعض القبائل مثل بكر بن وائل وربيعة في موضع "سلمان"١. وقد ورد بين أسماء الجاهليين اسم له علاقة بهذا الصنم، هو عبد محرق٢، أفلا يجوز أن يكون للمحرق إذن علاقة بهذا الصنم، كأن يكون قد اتخذ من باب التيمن والتبرك للملك الذي عرف بالمحرق أو أنه قدم قربانًا لهذا الإله أحرقه على مذبحه بالنار، وكان يكثر من حرق القرابين للآلهة، وتلك عادة معروفة وقد وردت أيضًا عند العرانيين، فقيل له لذلك المحرق؟ وإلى هذا الاحتمال ذهب بعض المستشرقين٣. ويظهر أن محرقًا كان من الشخصيات الجاهلية القديمة الواردة في الأساطير، وقد اقترن اسمه بالدروع، وورد "بردي محرق" كما اقترن اسمه بـ "نسيج داوود"، مما يدل على أن هذا الاسم من الأسماء المعروفة قديمًا في أساطير الجاهليين٤. وقد ورد أيضًا صوت محرق وفرخ محرق٥، وذلك يدل على أن "محرقًا" في هذا الموضع حيوان قد تكون له علاقة أيضًا بأساطير الجاهليين٦. ومما حكاه الأخباريون عن هذا الملك أنه كان قد تنصر، وأنه لذلك أول من تنصر من آل نصر٧. وهو أمر يحتاج إلى دليل، كما ذكروا أن ملكه كان واسعًا وأنه كان عاملًا للفرس "على فرج العرب من ربيعة ومضر وسائر من ببادية العراق والحجاز والجزيرة"٨. ويظن بعض الباحثين أن امرأ القيس، هو امرؤ القيس الذي ورد اسمه مدونًا في نص "النمارة". فإذا كان هذا الظن صحيحًا، كان أمرؤ القيس أول ملك من ملوك الحيرة يصل خبره إلينا مدونًا، وكذلك خبر تأريخ وفاته في سنة ٣٢٨

стр. 1604

للميلاد، المقابلة لسنة ٢٢٣ من تقويم بصري، التقويم المعمول به في تلك الجهات التي قبر فيها امرؤ القيس١. ويظهر من نص النمارة أن امرأ القيس صاحب القبر، كان رجلًا محاربًا، وقائدًا كبيرًا، أخضع قبيلتي أسد ونزار، وهزم مذحجًا، وأخضع معدًّا، ووزع بنيه في القبائل، وبلغت فتوحاته أسوار "نجران" مدينة "شمر"، وهو بهذه الفتوحات قد تمكن من معظم أنحاء الجزيرة. وهذا النص يناقض الروايات التي تنسب الفتوحات العظيمة إلى "شمر يهرعش" "شمر يرعش"، فتجعله فاتح العراق وما وراء العراق إلى الصين، وتعكس القضية عكسًا تامًّا. وروايات فتوحات "شمر"، هي روايات يمانية وضعها أناس متعصبون لليمن ولا شك. وقد سبق لي أن بينت أن المستشرقين يرون أن "شمرًا" المذكور في هذا النص أي صاحب "نجران"، هو "شمر يهرعش" "شمر يرعش". وقد ذكرته في باب "ملوك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت". ومعنى هذا أن "نجران" كانت في ملكه يوم أغار "امرؤ القيس" عليها فوصل أسوارها، ويظهر أنه لم يتمكن منها وأنه فرض سلطانه على القبائل الساكنة في البادية، فاعترفت بسيادته عليها. ولها لقب في النص بلقب "ملك العرب كلهم الذي نال التاج"، وختمت الكتابة بجلمة "فلم يبلغ ملك مبلغه"، وهي جملة تعبر عن اتساع ملكه وامتداده مسافات شاسعة. ويظهر من ورود كلمة "التبع" أي التاج في هذا النص أن هذه الكلمة كانت معروفة عند العرب الشماليين في ذلك الحين، أي في القرن الرابع للميلاد، وأنها وردت بالمعنى المفهوم منها في الزمن الحاضر، أي ما يوضع على الرأس تعبيرًا عن الملك والحكم. ويفهم من هذا النص أن "امرأ القيس" كان قد بسط سلطانه على كل العرب، أي الأعراب، فملكهم وملك خاصة "بني نزار" و"أسد" وقبائل "معد"، وأنه نصب أولاده على القبائل ليضمن طاعتها وخضوعها له، وأن

стр. 1605

سلطانه بلغ بذلك حدود أرض اليمن. فامتد حكمه إذن من الحيرة وبلاد الشام إلى نجد والحجاز، حتى بلغ حدود مدينة "نجران". وقد كانت منازل "معد" في الحجاز وفي ضمن أرضها "مكة" وتمتد إلى "نجران"١. ويظهر من دفن "امرئ القيس" في موضع "النمارة" من بلاد الشأم أن "امرأ القيس" كان في بلاد الشأم حينما نزل به أجله. ويرى بعض الباحثين أنه كان قد جاء إلى بلاد الشأم؛ لأنه كان من حزب "بهرام" الثالث ومن مؤيديه، فلما وقع الخلاف بين الفرس على العرش وانتصر "نرسي" "٢٩٣-٣٠٢م" "٢٩٣-٣٠٣"، خرج امرؤ القيس من العراق، وقصد بلاد الشأم، فأقام هناك، وما إلى الروم فأيدوه وأقروه على عرب بلاد الشأم، فيكون قد عمل للفرس وللروم معًا٢. وكتابة "النمارة" هي شاهد قبر ملك عربي يدعى "امرأ القيس"، عثر عليها في موضع "النمارة" وهو في الحرة الشرقية من جبل الدروز، ويرجع تأريخها إلى اليوم السابع من شهر "كسلول" من سنة "٢٢٣" من تقويم "بصرى" أي في اليوم السابع من شهر كانون الأول من سنة "٣٢٨" بعد الميلاد٣. دونت على ضريح الملك، وهو بناء مربع، لتكون دليلًا للناس يعرفون منها اسم صاحب القبر. وتتألف من خمسة أسطر، هذا نصها: ١- تي نفس مر القيس بن عمرو ملك العرب كله ذو اسر التج. ٢- وملك الأسدين ونزرو وملوكهم وهرب مدحجو عكدى وجا. ٣- بزجي في حبج نجرن مدينة شمر وملك معدو ونزل بنيه. ٤- الشعوب ووكلهن فرسو لروم فلم يبلغ ملك مبلغه. ٥- عكدى. هلك سنة ٢٢٣ يوم بكسلول بلسعد ذو ولده٤.

стр. 1606

وإذا أردنا تقريب هذه الكتابة إلى أفهامنا وتدوينها بلهجتنا العربية، لهجة القرآن الكريم، كتبناها على هذا الشكل: ١- هذا قبر امرئ القيس بن عمرو ملك العرب كلهم الذي نال التاج. ٢- وملك الأسدين ونزارًا وملوكهم، وهزم مذحجًا بقوته وقاد. ٣- الظفر إلى أسوار نجران، مدينة شمر. وملك معدًّا واستعمل أبناءه على. ٤- القبائل. ووكلهم لدى الفرس والروم، فلم يبلغ ملك مبلغه. ٥- في القوة. هلك سنة ٢٢٣ يوم ٧ بكسلول. ليسعد الذي ولده١. وقد استدل المستشرقون من عبارة "ذو أسر التاج" "الذي نال التاج" على أن صاحب هذا التاج هو من الملوك الذين كان لهم اتصال بالفرس، وأن المقصود به ملك من ملوك الحيرة، لوجود صلة لهم بالانبراطورية الفارسية٢. ودعواهم في ذلك أن هذه الجملة، وكلمة "تج" "تاج" هما من الاصطلاحات المستعملة عند الفرس وعند من خالطهم من الملوك، فلا بد أن يكون حاملها من الملوك المحالفين لهم, وكلمة "تاج" من الألفاظ المعربة عن الفارسية، من أصل "تاك"٣. ولما كان هذا ملكًا عربيًّا، فهو إذن امرؤ القيس ملك الحيرة٤.

стр. 1607

وكان من عمال "سابور بن أردشير" و"هرمز بن سابور" و"بهرام ابن سابور" "على فرج العرب من ربيعة ومضر وسائر من ببادية العراق والحجاز والجزيرة" في تأريخ الطبري١. وورد في تأريخ ابن خلدون نقلًا عن "السهيلي": أن "امرأ القيس" كان عاملًا للفرس على مذحج وربيعة ومضر وسائر بادية العراق والجزيرة والحجاز٢. ويظهر أن المورد الذي نقل منه "السهيلي" و"الطبري" يرجع إلى منبع واحد، هو "ابن الكلبي". وما رواه "ابن الكلبي" يتفق بوجه عام مع ما جاء في نص "النمارة" من أمر ملك وفتوح "امرئ القيس". و"شمر" صاحب مدينة "نجران"، هو "شمر يهرعش" في رأي أكثر المستشرقين، وينطبق زمانه على زمان "امرئ القيس"٣. وإذا صح هذا الرأي نكون قد حصلنا على أول نص عربي جاهلي يشير إلى حرب نشبت بين مملكة الحيرة ومملكة "سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت" في عهد أول ملك من ملوكها وهو "شمر يهرعش" المعروف بـ "شمر يرعش" عند الإسلاميين. وفي روايات الأخباريين ما يؤيد نشوب حرب بين عرب الحيرة وعرب اليمن في أيام "شمر يرعش"، غير أنها تناقض هذا المدون في النص عن تغلب "امرئ القيس" على نجران مدينة "شمر". فـ "شمر" عندها بطل من الأبطال، فتح الفتوح العظيمة، وبلغ ملكه حدًّا لم يصل إليه ملك "اسكندر ذي القرنين". وعندهم أيضًا أنه هو باني مدينة "سمرقند"، وهو الذي حير "الحيرة". وهو تبع الأكبر وهو وهو، على حين هو –في هذا النص- ملك مغلوب، لم يتمكن من الوقوف أمام "امرئ القيس" الذي بلغت جيوشه مدينة "نجران". فهل تجد تناقضًا أغرب من هذا التناقض؟ على أننا لو فرضنا أن "شمرًا" صاحب نجران هو رجل آخر غير "شمر يرعش"، فهذا النص يهدم بنيان الأخباريين اليمانيين القائم على أساس المبالغة في المفاخرات والمباهاة بالأجداد نكاية بالعدنانيين الذين تعالوا عليهم في الإسلام بفضل النبي وشرق الإسلام، فأحفظهم٤ ذلك جدًّا. وقد سبق أن تحدثت عن عثور العلماء منذ عهد غير بعيد على نص أشار إلى

стр. 1608

غزو غزاه قائد من قواد "شمس" على "ملك أسد" وأرض "تنوخ" التي تخص الفرس، وذكرت أن "شمر" المذكور هو "شمر يهرعش" في رأي الباحثين١. وقد تحدثت عنه حديثًا فيه الكفاية في موضعه، وفي أثناء كلامي على "شمر يهرعش"، فلا حاجة بي هنا لإعادة الكلام عليه. ويرى بعض الباحثين أن "المشتى" الأثر الشهير المعروف الذي نقلت أحجار جدرانه المزخرفة إلى متحف "قيصر فريدرش ويلهم" ببرلين، ولا تزال آثاره باقية، هو من بناء "امرئ القيس". وقد استدلوا على ذلك بطراز بنائه الذي يشبه الطراز "الحيري" على رأيهم، وذهبوا إلى أنه أقامه في هذا المكان بعد فراره من أرض الحيرة ومن الساسانيين سنة "٢٩٣م"، ليكون قصر له وحصنًا يدافع به عن ملكه الجديد٢. ويذكر الطبري أن وفاة "امرئ القيس" كانت في عهد "سابور"، أي سابور ذي الأكتاف "٣١٠-٣٧٩ م"، وأنه كان عامل "سابور" على ضاحية مضر وربيعة، وأن سابور استعمل ابنه عمرو بن امرئ القيس في مكان والده٣. وحكم بعد امرئ القيس البدء ابنه عمرو. وأمه هند بنت كعب بن عمرو على رواية٤. و"مارية البرية" أخت "ثعلبة بن عمرو" من ملوك الغساسنة في رواية أخرى٥. وكان يعصر من ملوك الفرس سابور ذا الأكتاف "٣١٠-٣٧٩م" وأخاه "أردشير بن هرمز بن نرسي" "٣٧٩-٣٨٣م" وسابور بن سابور "سابور الثالث" "٣٨٣-٣٨٨م"٦. وقد نعته بعض الأخباريين بموقد الحرب "مسعر حرب". وذكروا أنه حكم خمسًا وعشرين سنة٧. ونعت الأخباريين له هذا النعت، يدل على أنه كان محاربًا، ولكنهم لم يذكروا شيئًا من تلك الحروب.

стр. 1609

وقد ذهب بعض الأخباريين إلى أن مارية التي ضرب المثل بقرطيها فقيل قرطًا مارية، هي مارية هذه أم عمرو١. وقد وضع اليعقوبي بعد امرئ القيس شقيقه الحارث بن عمرو بن عدي ملكًا وجعل مدة ملكه سبعًا وثمانين سنة، ثم وضع عمرًا ابن امرئ القيس ملكًا من بعده. وحكم هذا على زعمه مدة أربعين عامًا٢. ولا نعرف من أعمال عمرو هذا شيئًا. وللأخباريين في مدة حكمه أقوال عدة تتراوح عندهم من٢٥ سنة إلى٦٠ سنة٣. وقد ذكر الطبري أن عمرًا "بقي في عمله بقية ملك سابور وجميع أيام أردشير بن هرمز بن نرسي، وبعض أيام سابور بن سابور"، ثم قال أن جميع مدة ملكه فيما ذكره ابن الكلبي ثلاثين سنة٤. وإذا أخذنا برواية الطبري المذكورة، تكون مدة حكمه حوالي الستين سنة، ومعنى هذا أن عمرًا كان قد عمر أكثر من ستين سنة، وأنه توفي بعد وفاة سابور ذي الأكتاف وبعد سنة "٣٨٣م"؛ لأن حكم "سابور بن سابور" المعروف عند المؤرخين بـ "سابور" الثالث كان في حوالي السنة "٣٨٣م". فقد تولى سابور هذا الحكم فيما بين "٣٨٣" حتى سنة "٣٨٧" أو "٣٨٨م"٥. وإذا أخذنا برواية من يقول أنه حكم "٢٥" سنة، أو "٣٠"، وجب أن تكون وفاته في أيام "سابور ذي الأكتاف". وقد جعل الطبري في موضع آخر من تأريخه وفاة "عمرو" في عهد "سابور ابن سابور"، أي "سابور" الثالث٦. وبذلك يكون قد أطال مدة حكمه وعمره. ويذكر الطبري أن "سابور بن سابور" استخلف "على عمله أوس بن قلام في قول هشام"، وذلك بعد مهلك "عمرو"٧. ولم يذكر الأسباب التي حملت سابور على هذا التعيين. ويظهر أنه كان من أسرة غريبة عن أسرة "آل لخم"

стр. 1610

الحاكمة. ويرجع ابن الكلبي نسبه إلى العماليق، فيقول إنه من "بني عمرو بن عمليق"١. وذكر حمزة نسبه على هذه الصورة: أوس بن قلام بن بطينا بن جمهير بن لحيان العمليقي٢. وجعله ابن خلدون من بني عمرو بن عملاق٣. ويتبين من خبر ورد في "الأغاني" أن أوسًا كان من أسرة كانت تقيم في الحيرة، وهي من بني الحارث بن كعب٤. وقد ورد اسم رجل آخر من هذه الأسرة، ذكر أنه بنى ديرًا في الحيرة٥. ولا نعرف من أعمال أوس هذا شيئًا، وكل ما نعرفه عنه أنه حكم خمس سنوات٦. وأن امرءًا اسمه "جحجبن بن عتيك بن لخم" "جحجبا" ثار به فقتله على رواية لابن الكلبي ذكرها الطبري٧. أما حمزة فذكر اسمه ونسبه على هذه الصورة، "ححجنا بن عبيل أحد بني فاران". وقال: "قال ابن الكلبي: وهو فاران ابن عمرو بن عمليق، وهم بطن بالحيرة يقال لهم بنو فاران، وححجنا منهم. فقتل ححجنا أوسًا، فرجع الملك إلى آل بني نصر"٨. فنحن إذن أمام روايتين في أصل جحجبي "جحجبا" أو ححجنا: رواية ترجعه إلى لخم، ورواية أخرى ترجعه إلى بني فاران، وترجع بني فاران إلى "عمرو بن عمليق"، أي إلى العشيرة التي رجع الأخباريون نسب أوس بن قلام إليها، إذن فهو بموجبها من العماليق. أما هذا الاختلاف الذي نراه بين الرواة في كيفية ضبط اسم هذا الثائر في جحجبا أو حججنا، وفي عتيك أو عبيل، فيمكن رجعه إلى خطأ وقع في تدوين الروايات، إما سهوًا وإما جهلًا بحقيقة الاسم، فمن هذين نشا لدينا هذا الاختلاف. ولم يذكر الأخباريون الأسباب التي حملت "جحجبى" على الثورة والمنافع

стр. 1611

التي جرها لنفسه منها، وكل ما ذكروه عنه أنه ثار به جحجبى فقتله، وأن هلاكه كان في عهد "بهرام بن سابور" "٣٨٨-٣٩٩م"، وأن "بهرام" استخلف بعده في عمله "امرئ القيس البدء بن عمرو بن امرئ القيس البدء" خمسًا وعشرين سنة. وكان هلاكه في عهد يزدجرد الأثيم١. فيتبين من ذلك أن "جحجبا" "جحجبى"، قاتل أوس، لم يحكم الحيرة وأن حكمها عاد فانتقل إلى آل نصر. ولم يذكر اليعقوبي أوس بن قلام ولا الثورة التي قام بها جحجبا "جحجبى"، بل نصب رجلًا آخر بعد عمرو بن امرئ القيس هو المنذر بن امرئ القيس، ونعته بالمحرق، نعته بذلك؛ لأنه أخذ قومًا حاربوه، فحرقهم، فسمي لذلك محرقًا، وجعل بعده النعمان٢. ولم يذكر المسعودي كذلك أوس بن قلام ولا جحجبا "جحجبى"، بل ذكر النعمان بن امرئ القيس رأسًا بعد عمرو بن امرئ القيس، وقال أنه قاتل الفرس خمسًا وستين سنة، وأن أمه الهيجانه بنت سلول، وكانت من مراد أو من إياد٣. وقد نعت الطبري امرأ القيس هذا بالبدء٤. أما حمزة فلقبه بالبدن٥. وأظن أن مرد هذا الاختلاف خطأ وقع في الروايات من الرواة أو الكتابة للحرف الأخير من كلمة البدء أو البدن، فصارت الكلمة الواحدة في الأصل كلمتين. وذكر ابن الأثير أن بهرام بن سابور استخلف من بعد أوس امرأ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الكندي، فبقي خمسًا وعشرين سنة، وهلك في أيام يزدجرد الأثيم٦، وإضافة الكندي إلى امرئ القيس خطأ، ولا شك، فلم يرو أحد من الأخباريين أن امرأ القيس هذا كان كنديًّا. ومن المعروف أن ابن الأثير قد اعتمد على تأريخ الطبري اعتمادًا كليًّا، حتى ليمكن أن يقال أنه اختصره، والعبارتان خلا زيادة كلمة "الكندي" متشابهتان، ففي استطاعتنا أن نقول بحدوث هذه الزيادة في تأريخ ابن الأثير إما من النساخ وإما من ابن الأثير نفسه، إذ

стр. 1612

استعجل دون تفكير فأضاف كلمة الكندي إلى نسب امرئ القيس، لشهرة امرئ القيس الكندي. ولا نعرف من خبر امرئ القيس شيئًا يذكر. وقد ذكر حمزة أنه هو محرق الأول، وأنه أول من عاقب بالنار. وفي روايته هذه أنه حكم إحدى وعشرين سنة١. أما الطبري، فذكر أنه حكم خمسًا وعشرين سنة٢. وذكر الطبري أن "يزدجرد" المعروف بالأثيم "٣٩٩-٤٢٠م"، الذي في أيامه كان هلاك "امرئ القيس" استخلف مكان "امرئ القيس" ابنه "النعمان". وهو فارس حليمة، وصاحب الخورنق٣. وهذا النعمان المعروف عند المؤرخين بالنعمان الأول، هو أول ملك نستطيع أن نتحدث عنه بشيء من التأكيد والتحقيق والتفصيل، وهو كما يقول الأخباريون: النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي، أما أمه، فهي شقيقة ابنة أبي ربيعة ابن ذهل بن شيبان٤، وهي أخت عمرو المزدلف. وقد عرف النعمان بالنعمان الأعور كذلك، كما عرف أيضًا بالسائح٥. وكان له شقيق من أمه شقيقة، هو "حسان بن زهير"٦. ويظهر من وصف الأخباريين للنعمان أنه كان رجلًا حازمًا قويًّا، محاربًا من أشد الناس نكاية في عدوه. غزا عرب الشأم مرارًا كثيرة فسبى منهم وغنم. وكان يغزو بكتيبتين كانتا عنده: دوسر وأهلها تنوخ، والشهباء وأهلها الفرس. يغزو بهما من لا يدين له من العرب٧. وقد اشتهرت دوسر بشدة ضربتها حتى قيل أبطش من دوسر٨. وقد نسب بعضهم له خمس كتائب، هي: الرهائن

стр. 1613

والصنائع والأشاهب، والكتيبتان المذكورتان، أما الرهائن، فذكروا أنها كانت تتألف من خمسمائة رجل رهائن لقبائل العرب، يقيمون على باب الملك سنة، ثم يجيء بدلهم خمسمائة أخرى، وينصرف أولئك إلى أحيائهم، فكان الملك يغزو بهم ويوجههم في أموره. وأما الصنائع، فهي: بنو قيس وبنو تيم اللات بن ثعلبة، وكانوا خواص الملك لا يبرحون بابه. وذكر أنه كانت له كتيبة تسمى "الوضائع"، وقوامها ألف رجل من الفرس يضعهم ملوك الفرس بالحيرة نجدة لملوك العرب، وكانوا يقيمون سنة، ثم يأتي بدلهم ألف رجل، وينصرف أولئك١. وقيل إن وجوه العرب وأصحاب الرهائن كانوا يفدون عند رأس كل سنة، وذلك في أيام الربيع، إلى النعمان وبقية من تولى الملك بعده، وقد صير لهم أكلًا عنده، وهم ذوو الآكال، فيقيمون شهرًا، ويأخذون آكالهم ويبدلون رهائنهم وينصرفون إلى أحيائهم. والآكال هم سادة الأحياء. وكانوا يأخذون المرباع، أي ربع الغنيمة في الحرب والغزو٢. ونعت بعض المؤرخين مثل الطبري وحمزة النعمان بأنه فارس حليمة٣، أي معركة حليمة المعروفة التي وقعت في أيام المنذر بن ماء السماء، لا في أيام النعمان على روايات آخرين٤. وإلى النعمان هذا ينسب أكثر الأخباريين بناء قصر الخورنق الشهير في الأدب العربي. قيل: أنه بناه لبهرام جور بن يزدجرد الأول "٣٩٩-٤٢٠م" المعروف بالأثيم. وكان يزدجرد لا يبقى له ولد، فسأل عن منزل بريء مريء صحيح من الأدواء والأسقام، فدل على ظهر الحيرة، فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان هذا، وأمره ببناء الخورنق مسكنًا له، وأنزله إياه، وأمره بإخراجه إلى بوادي العرب٥.

стр. 1614

وذكر "السهيلي" أن الخورنق قصر بناه النعمان الأكبر ملك الحيرة لسابور كون ولده فيه عنده، وبناه بنيانًا عجيبًا لم تر العرب مثله، واسم الذي بناه له سنمار، وكان بناه في عشرين سنة١. ويذكر بعضهم أنه بني على نهر "سنداد"٢. وقد ارتبط اسم الخورنق في القصص الذي شاع حوله باسم بانيه المسمى سنمار، هو في زعم الأخباريين بناء رومي كلفه النعمان بناء القصر، فلما انتهى منه وكمل تعجب من حسنه وإتقان عمله، وبدلًا من أن يوفيه النعمان وفاءً حسنًا، أمر به فطرح من رأس الخورنق، فمات في قصص يرويه الأخباريون. ويضرب بهذه لنهاية المثل في الأدب العربي في الجزاء السيئ، فيقال "جزاه جزاء سنمار"٣. وقد وردت قصة سنمار في أبيات تنسب لعبد العزى بن امرئ القيس الكلبي، وكان أهدى أفراسًا إلى الحارث بن مارية الغساني ووفد عليه، فأغره وأكرمه، ثم عاقبه لما بلغه خبر وفاة ولد للحارث وكان قد استرضعه لدى بني الحميم بن عوف من بني عبد ود من كلب، نهشته حية فتوفي، فظن الملك أنهم اغتالوه، لذلك طلب من عبد العزى أن يجيء بهم إليه. فلما أبى، أنزل به العقاب، وقد

стр. 1615

ورد في هذه الأبيات أن سنمار صرف عشرين حجة في بنائه البنيان بالقرميد والسكب، فلما كمل البناء وآض كمثل الطود، وظن سنمار أنه سينال من صاحبه المودة والقرب، إذ بصاحب القصر يأمر بقذفه من فوق برجه فيموت. ولم يذكر الشاعر اسم الملك ولا اسم الخورنق، وهو يخاطب في هذه الأبيات ابن جفنة، كما أشير إلى "المرء حارث" ويقصد به الحارث الغساني١. وقد نسب بعض أهل الأخبار قصة نهاية "سنمار" إلى "أحيحة بن الجلاح". فذكروا أن أحيحة أراد بناء أطم له، فبناه له "سنمار". فلما كمل، عجب من بنائه، فقال له "سنمار": "إني لأعرف فيه حجرًا لو انتزع لتقوض من عند آخره، فسأله عن الحجر، فأراه موضعه، فدفعه أحيحة من الأطم، فخر ميتًا٢. وقد ذكر "جزاء سنمار" في شعر لأبي الطمحان القيني، وآخر لسليط بن سعد وآخر ليزيد بن إياس النهشلي٣. واقترن اسم هذا القصر في الغالب باسم قصر آخر نسب بناؤه أيضًا إلى هذا النعمان، هو السدير٤. ويتبين من روايات أهل الأخبار عن "الخورنق" و"السدير" أن القصر الأول لم يكن بعيدًا عن الحيرة، وإنما كان على مقربة منها، وربما كان على مسافة ميل من الحيرة. أما "السدير"، فكان على مسافة بعيدة، وقد ورد أنه كان في وسط البرية التي بينها وبين الشأم.
следующие страницы →