← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وقد وصلت الفرس وهم بالقادسية، وقد وصلت إليهم الفلول المنهزمة من جيش النعمان، فوقع التشويش في عسكر الفرس، وخارت قواهم؛ مما أدى إلى انتصار المسلمين عليهم في هذا المكان١. ولا نجد هذا الخبر في أي مورد آخر من موارد أهل الأخبار، فقد نصت جميع الموارد الأخرى على أن النعمان كان قد لقي مصرعه على نحو ما تحدثت عنه في أثناء كلامي على مملكة الحيرة, فلعل "النعمان" هذا هو أحد أبناء "آل لخم", واستعان به الفرس للدفاع عن الحيرة ومنّوه في مقابل مساعدته لهم بالملك، كما استعانوا بـ"قابوس بن قابوس". وقد يكون خبره من صنع أهل الأخبار، أقحموا اسمه إقحامًا، وما فطنوا إلى أنه كان قد توفي قبل هذا الوقت بسنين. على كلٍّ, ففي الخبر كلام منمق وحوار وجدل ينبئك لونه أن فيه تكلفًا وصنعة، وأن الخبر قد وضع, وضعه أناس لغايات لا مجال للبحث عنها في هذا المكان. وسار "خالد" من "الحيرة" إلى الأنبار فحاصرها، وكان أصحاب النعمان وصنائعه يعطون أرزاقهم منها، ثم صالحهم، ثم أتى "خالد" بعد مواقع أخرى "عين التمر"٢. وكان على رأس العرب الذين عاونوا الفرس وانحازوا إليهم: "عقة بن أبي عقة"، و"هلال بن عقة بن قيس بن البشر" الثمري، على النمر بن قاسط بعين التمر، و"عمرو بن الصعق" و"بجير" أحد بني عتبة بن سعد بن زهير، والهذيل بن عمران، ومعهم رجال من قبائلهم٣. ولكنهم لم يتمكنوا من الوقوف أمام "خالد بن الوليد"، إذ انهزم جندهم, وأُسر "عقة" و"عمرو بن الصعق", وكان "عقة" خفير القوم، وسقط حصن عين التمر في الإسلام٤. وورد في خبر آخر أن "خالدًا" قتل "هلال بن عقة" "هلال بن عقبة" وصلبه، وكان من "النمر بن قاسط"، وكان خفيرًا بعين التمر٥.

стр. 2207

وتعرف "عين التمر" بـ"شفاثا" "شفاثى" وبـ"عين شفتة"، وقد اشتهرت بالقسب والتمر، وكانت تصدرهما إلى البادية وإلى أماكن أخرى، ويقصدها الأعراب للامتيار, وبها حصن يتحصن به وعين ماء. ولما اقترب المسلمون منها، كان بها "مهران بن بهرام جوبين"، في جمع عظيم من الفرس للدفاع عنها ومعه جمع عظيم من النمر وتغلب وإياد ومن لافهم، ولكنهم غلبوا على أمرهم، وفر الفرس١. وكان بعين التمر مسلحة لأهل فارس٢. وقد وجد "خالد" في كنيسة "عين التمر" جماعة سباهم، ووجد أولادًا كانوا يتعلمون الكتابة في الكنيسة، وقد اشتهر وعرف عدد من هؤلاء الذين سبوا, واشتهر أولادهم أيضًا. وقد كان من هؤلاء من كان من "بني النمر بن قاسط" النازلين بعين التمر٣. وكانت قُريَّات السواد وهي: بانقيا وباروسما وأُلّيس خليطًا من العرب ومن النبط وسواد العراق، وقد صالح أهلها "خالد بن الوليد" حينما ظهر أمامها، صالحوه على الجزية، وكان الذي صالحه عليها "ابن صلوبا السوادي" المعروف بـ"بصبرى بن صلوبا"، ومنزله بشاطئ الفرات. وقد ورد في كتاب الصلح الذي أعطاه "خالد بن الوليد" له: "وقد أعطيت عن نفسك وعن أهل خرجك وجزيرتك ومن كان في قريتك -بانقيا وباروسما- ألف درهم"٤. وذكر "البلاذري" أن الخليفة "عمر" وجَّه "أبا عبيدة الثقفي" إلى العراق، فلما وصل إلى هناك، وهزم "جابان" بالعذيب، ثم هزم الفرس في معارك أخرى حتى بلغ "باروسما"، صالحه "ابن الأنذر زعر" "ابن الأندر زعر" عن كل رأس على أربعة دراهم٥, ولم يشر إلى الصلة التي كانت بين "ابن صلوبا" و"ابن الأنذر". ويرجع أهل الأخبار تأريخ "بانقيا" إلى أيام "إبراهيم"، فهم يذكرون

стр. 2208

أنه كان ينزل بها, وأن اليهود كانوا يدفنون موتاهم بها, ويذكرون أنها أرض بالنجف دون الكوفة، وأن سكانها كانوا على النصرانية عند ظهور الإسلام, وأن الساسانيين كانوا هم الذين يدافعون عنها ويتولون أمر إدارتها، أما شئونها المحلية فكان أمرها بيد ساداتها ورؤسائها١. وكانت عشائر "إياد" من العشائر التي نزحت إلى العراق قبل الإسلام بوقت طويل، نزل بعضهم بـ"عين أبَّاغ"، ونزل بعض منهم بسنداد. فأمروا هناك، وكثروا، واتخذوا بسنداد بيتًا ذا شرفات تعبدوا له, ثم انتشروا وغلبوا على ما يلي الحيرة، وصار لهم "الخورنق" و"السدير", فلهم "أقساس مالك", وهو مالك بن قيس بن زهر بن إياد، ولهم دير الأعور، ودير السواء، وديرة قرة، ودير الجماجم. وإنما سمي دير الجماجم لأنه كان بين إياد وبهراء القين حرب، فقتل فيها من إياد خلق، فلما انقضت الحرب، دفنوا قتلاهم عند الدير, فكان الناس بعد ذلك يحفرون فتظهر جماجم, فسمي دير الجماجم٢. وقيل غير ذلك مما لا مجال لذكره في هذا الموضع. وكانت إياد تغير على السواد وتفسد، فجعل "سابور" ذو الأكتاب مسالح بالأنبار وعين التمر وغير هاتين الناحيتين؛ لحماية الحدود منهم. ثم إن إيادًا أغارت على السواد في ملك كسرى أنوشروان، فوجه إليهم جيوشًا كثيفة، فخرجوا هاربين, واتبعوا, فغرق منهم بشر، وأتى فُلُّهم "بني تغلب"، فأقاموا معهم على النصرانية، فأساءت "بنو تغلب" جوارهم, فصار قوم منهم إلى الحيرة، ودخل منهم في جند ملوك الحيرة، ولحق جُلّهم بغسان بالشام, فلما جاء الإسلام دخل بعضهم بلاد الروم، ودخل منهم قوم في خثعم وفي تنوخ وفي قبائل أخرى. ويقال: إن مواطن إياد قبل نزوحها إلى العراق كانت بالبحرين، واجتمعت عبد القيس والأزد على إياد، فأُخرجوا عن الدار, فأتت العراق٣.

стр. 2209

وقد وصف "ابن قتيبة" إيادًا على هذا النحو: "وكانت إياد أكثر نزار عددًا وأحسنهم وجوهًا وأمدهم وأشدهم، وأمنعهم, وكانوا لقاحًا لا يؤدون خرجًا، وهم أول معدي خرج من تهامة, ونزلوا السواد وغلبوا على ما بين البحرين إلى سنداد والخورنق". فاصطدموا بالساسانيين؛ لأنهم أغاروا على أموال فأخذوها، فهزموهم إلى الجزيرة, ووجه إليهم "كسرى" ستين ألفًا فكتب إليهم "لقيط" ينبههم. وانتصر عليهم كسرى، وانقسموا ثلاث فرق, فرقة لحقت بالشام, وفرقة أقامت بالجزيرة، وفرقة رجعت إلى السواد١. ولما سار "خالد" من "عين التمر" أتى "صندوداء" وبها قوم من كندة وإياد والعجم، وتركها واتجه نحو جمع من "تغلب" كانوا بـ"المضيح" و"الحصد" مرتدين, عليهم "ربيعة بن بجير", فأتاهم فقاتلوه فهزمهم. ثم أغار "خالد" على "قراقر"، وهو ماء لكلب، ثم فوَّز منه إلى "سُوى" وهو ماء لكلب أيضًا، ومعهم فيه قوم من "بهراء" فقتل "حرقوص بن النعمان البهراني" من "قضاعة". وكان المسلمون لما انتهوا إلى "سوى" وجدوا "حرقوصًا" وجماعة معه يشربون ويتغنون فهجموا عليهم وقتلوا "حرقوصا", وخرج خالد من "سوى" إلى "الكوائل"، ثم أتى "قرقيسيا" وانحاز إلى البر، وأتى "أركة" "أرك"، فأغار على أهلها، وفتحها، وسار منها نحو"دومة الجندل"٢. وذكر "ابن سعد" أن الرسول كتب إلى "نفاثة بن فروة بن الدئلي ملك السماوة"٣, ولم يشر إلى موضع ملكه من بادية السماوة ومقداره في البادية. وكانت "دومة الجندل" عند ظهور الإسلام في ملك "أكيدر بن عبد الملك الكندي السكوني"، والسكون من كندة، فهو كندي النسب أيضًا، وكان يتنقل في البادية فيصل إلى الحيرة وإلى أرض الغساسنة، ويقال: إنه ملك "دومة الحيرة"، ونزل بها قبل جلائه عن "دومة الجندل" أو بعده على رأي أهل الأخبار. وكان مثل أكثر رؤساء القبائل في العراق وفي البادية وبلاد الشام على

стр. 2210

النصرانية، وله عقود ومعاهدات مع القبائل العربية الشمالية الضاربة في البادية، تأتي إلى مقره في الموسم أيام افتتاح السوق لتمتار ولبيع ما تحمله من تجارات. وكان لأكيدر بن عبد الملك أخٌ اسمه "بشر بن عبد الملك", يذكر أهل الأخبار أنه ذهب إلى الحيرة, وتعلم بها الخط، ثم رجع إلى مكة فتزوج "الصهباء بنت حرب" أخت أبي سفيان١. وقد أرسل الرسول خالد بن الوليد إلى دومة الجندل ليفتحها، فسار خالد على رأس خيل إلى "دومة"، فلما بلغها وجد الأكيدر خارج حصنه يصطاد مع نفر من قومه فيهم أخ له يقال له: حسان، فهجم رجال خالد على الأكيدر وأسروه، وقتل حسان، وأخذ خالد قباء "أكيدر" وكان من ديباج مخوص بالذهب، وبعث به إلى الرسول ليقف عليه المسلمون، فلما رأوه عجبوا منه وجعلوا يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه، فقال رسول الله: "أتعجبون من هذا, فوالذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا" ٢. وقد زاد عجبهم حين وصل خالد ومعه أسيره "أكيدر"، فحقن له دمه وصالحه الرسول على الجزية، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته٣. ويذكر الرواة أن الرسول استقبل خالدًا ومعه أسيره "الأكيدر" في المدينة، فعرض الرسول الإسلام على الأكيدر، فقبله وحقن الرسول دمه وكتب له كتابًا، وعاد إلى "دومة". فلما قبض النبي منع الصدقة وارتدَّ إلى النصرانية ديانته الأولى, وخرج من دومة الجندل فلحق بالحيرة وابتنى بها بناء على مقربة من "عين التمر" سماه "دومة" أو "دومة الجندل" على اسم موضعه، وسكن هناك. ثم عاد إلى "دومة الجندل"، وتحصن بها، فأمر "أبو بكر" خالد بن الوليد بالتوجه إليها، فسار إليه وقتله. أما أخوه "حريث بن عبد الملك" فقد أسلم، وحقن دمه, وقد تزوج "يزيد بن معاوية" ابنة له٤.

стр. 2211

وتذكر رواية أخرى أن "الأكيدر" بعد أن نقض الصلح وعاد إلى نصرانيته, أجلاه "عمر" من "دومة" فيمن أجلى من مخالفي الإسلام إلى الحيرة، فأقام في موضع قرب "عين التمر"، ابتناه فسماه "دومة" وقيل "دوماء" باسم حصنه١. وهي رواية لا تتفق مع المشهور بين أهل الأخبار من أن خالدًا قتل "الأكيدر" في السنة الثانية عشرة أو السنة الثالثة عشرة من الهجرة، وذلك في أيام "أبي بكر" بعد أن أمره الخليفة بالتوجه إليه، وهي رواية أقوى من الرواية المتقدمة في نظر المؤرخين. ويظهر أن أهل "دومة الجندل" كانوا قد سمعوا بخبر مسير "خالد" إليهم، فأرسلوا إلى حلفائهم وأحزابهم من بهراء وكلب وغسان وقبائل تنوخ والضجاعم ليساعدوهم في الوقوف أمامه. فأتاهم "وديعة" في "كلب" وبهراء وسانده "رومانس بن وبرة بن رومانس" الكلبي، وجاءهم "ابن الحدرجان" في الضجاعم، و"جبلة بن الأيهم" في طوائف من غسان وتنوخ، وكذلك "الجودي بن ربيعة الغساني"، وكان من المتزعمين في "دومة"، وقد احتمى أهل "دومة" بحصنهم وخلف أسوار المدينة، والتفت حول السور من الخارج نصارى العرب الذين جاءوا لمساعدة أهلها. وقد تمكن "خالد" يساعده "عياض" من التغلب على أهل المدينة وحلفائهم, وقتل رؤساءهم, ودخل المدينة منتصرًا فغنم جيشه غنائم كثيرة وقُتل من أهلها خلق كثير، وسبى ابنة "الجودي" وكان الأكيدر في جملة القتلى٢. وكان الرسول قد غزا "دومة الجندل" بنفسه، وذلك في شهر ربيع الأول من السنة الخامسة من الهجرة، وبلغها ولم يلق كيدًا. كان سبب غزوه لها، أن رسول الله أراد أن يدنو إلى أراضي الشام؛ لأن ذلك مما يفزع الروم، ثم إن أهل دومة الجندل كانوا يظلمون من يمر بهم وينزل عندهم، ومن يحل بسوقهم للبيع والشراء، وقد كان الناس يذهبون إليها ويعودون إلى المدينة، فقرر غزوها، فلما وصل الرسول كان أهلها قد فروا وتركوا قريتهم، فنزل بها

стр. 2212

ولم يجد أحدًا، فرجع عنها، وذلك قبل غزو خالد لها١. وورد في سبب غزو الرسول لها، أن جمعًا من قضاعة ومن غسان تجمعوا، وهموا بغزو الحجاز, فسار في ألف انتخبهم، فلما انتهى إلى موضعهم ألفاهم قد تفرقوا أو هربو، ولم يلق كيدًا٢. وفي هذه الغزوة وادع رسول الله "عيينة بن حصن" على أن يرعى بـ"تغلمين" وما والاه إلى "المراض"٣. ويفهم من حديث بعض أهل الأخبار عن "دومة الجندل"، أنها كانت قرية عادية، إلا أن الدهر كان قد لعب بها، فخربت وقل عدد من كان بها، إلى أن نزل بها "أكيدر"، فأعاد إليها رواءها، وغرس الزيتون بها، فتوافد إليها الأعراب. ويذكر هؤلاء أن "أكيدر"، كان ينزل مع إخوته قبل مجيئه إلى "دومة" "دومة الحيرة"، ولما جاء يزور أخواله من "كلب" ونزل بخرائب "دومة الجندل" أعجبته فنزل بها، وأمر بإعادة بناء ما تهدم من حائطها وببعث الحياة بها حتى صارت قرية عامرة يقصدها الأعراب للبيع والشراء٤. وصار "أكيدر" يتردد بينها وبين "دومة الحيرة"٥. ويحمي "دومة" سور قديم، بُني قبل "أكيدر" في زمان لا يحيط علم أهل الأخبار به, يقولون: إنه بني من "الجندل"، وإنه هو الذي جعل الناس يسمون الموضع بـ"دومة الجندل"، ويذكرون أنه كان في داخل السور حصن منيع يقال له "مارد"، وهو حصن "أكيدر بن عبد الملك بن الحي بن أعيا بن الحارث بن معاوية بن خلادة بن أبامة بن سلمة بن شكامة بن شبيب بن السكون بن أشرس بن شور بن عفير، وهو من كندة"، فهو سكوني كندي٦.

стр. 2213

وحصن "مارد"، حصن شهير له ذكر بين أعراب الشمال بُني قبل أيام "أكيدر". قال عنه بعض أهل الأخبار: إنه حصن عادي، أي من الحصون الجاهلية القديمة. وقد رأينا فيما سلف أن "دومة" من المواضع المعروفة التي يعود عهدها إلى ما قبل الميلاد. وذكر أهل الأخبار، أن سكانها كانوا أصحاب نخل وزرع، ويسقون على النواضح، وحولها عيون قليلة وزرعهم الشعير، وأنها "دوماء الجندل" أيضًا١. وكان أكثر سكان "دومة الجندل" من "بني كنانة" من "كلب", ويعدها بعض أهل الأخبار من "القريات" ويقصدون بمصطلح "القريات": دومة وسكاكة وذو القارة٢. وتحيط بدومة مستوطنات وقرى تحتمي بسلطان حاكم "دومة", وكان "أكيدر" يلقب نفسه بلقب "ملك" على عادة ذلك الوقت في تلقيب سادات المواضع أنفسهم بهذا اللقب، وإن كان لا يعني في الواقع أكثر مما يعنيه مصطلح "شيخ" في الوقت الحاضر. وكان أهل "دومة" على النصرانية، شأنهم في ذلك شأن أكثر أهل القرى في العراق وفي بادية الشام وبلاد الشام. وكان أهل "أكيدر" على هذه الديانة أيضًا، إذ ورد أن الرسول أرسل "عبد الرحمن بن عوف" على رأس جيش إلى دومة، فذهب إليها ودخلها، وأسلم "الأصبغ"، وتزوج عبد الرحمن ابنته "تماضر"، إذ كان الرسول قد كتب إليه أن يتزوج ابنة ملكها، أي ملك "دومة" وهو "الأصبغ"٣. فيظهر من هذا الخبر، أن "الأصبغ" كان يلقب نفسه بلقب "ملك أيضًا, وأنه كان يحكم "دومة" في أيام الرسول، في نفس الوقت الذي كان فيه "الأكيدر" يحكم "دومة"، ويلقب نفسه بلقب "ملك".

стр. 2214

وذكر بعض الإخباريين أن أهل دومة الجندل كانوا من عُباد الكوفة١, ويقصدون بذلك أنهم نصارى، فقد كانت عادتهم إطلاق لفظة "عباد" على النصارى العرب، عرب الحيرة بصورة خاصة. وقصدوا بالكوفة, الحيرة؛ لأن الكوفة لم تكن موجودة في الجاهلية، إذ بنيت في أيام الخليفة "عمر". ويظهر من أهل الأخبار أن "أكيدر السكوني" لم يتمكن من تثبيت ملكه على "دومة الجندل" بصورة دائمة، إذ كان ينافسه زعماء كلب الأقوياء. فقد ذكر "محمد بن حبيب" أن ملكها كان بين "أكيدر العبادي ثم السكوني وبين قنافة الكلبي، فكان العباديون إذا غلبوا عليه وليها أكيدر، وإذا غلب الغسانيون ولوها قنافة. وكانت غلبتهم أن الملكين كانا يتحاجيان فأيما ملك غلب صاحبه بإخراج ما يلقى عليه، تركه والسوق فصنع فيها ما شاء. ولم يبع بها أحد شيئًا إلا بإذنه حتى يبيع الملك كل ما أراد بيعه مع ما يصل إليه من عشورها"٢. ويؤيد هذا الخبر ما ذكرته من وجود ملك آخر على دومة، هو "الأصبغ" الكلبي المتقدم الذكر. وهناك خبر آخر يفيد أن "الجودي بن ربيعة"، كان مثل "الأكيدر" رئيسًا على "دومة", وأن الاثنين كانا رئيسين عليها٣. وورد أنه كان من غسان وأن اسمه "عدي بن عمرو بن أبي عمرو الغساني", وأن "عبد الرحمن بن أبي بكر"، "كان يختلف إلى الشام في تجارة قريش في الجاهلية، فرأى هناك امرأة يقال لها: ابنة الجودي من غسان، فكان يهذي بها، ويذكرها كثيرًا في شعره"، "وأصيبت حين غزو الروم ليلى بنة الجودي، فبعثوا بها إلى عبد الرحمن بن أبي بكر لذكره إياها"٤. فهو إذن على هذه الرواية من غسان. ويظهر من غربلة روايات الإخباريين أن هنالك موضعًا آخر عرف بـ"دومة" و"دوماء", يقع في العراق على مقربة من "عين التمر". ذكر الإخباريون

стр. 2215

أن اسمه "دومة" و"دوما" و"دومة الجندل"، ونسبوا كما ذكرت قبل قليل بناءه إلى "الأكيدر". وهو موضع لا نعرف من أمر تأريخه شيئًا يذكر. وذكر أن "حارثة بن قطن"، و"حمل بن سعدانة بن حارثة بن مغفل"، وهما من "كلب" قدما إلى رسول الله وأسلما، فكتب رسول الله لحارثة كتابًا "لأهل دومة الجندل وما يليها من طوائف كلب مع حارثة بن قطن"، ثم بين ما على المذكورين من حقوق وواجبات، وما عليهم من أحكام فرضها الإسلام على المسلمين١. وترك "خالد" "دومة الجندل"، ثم أتى "قصم"، فصالحه "بنو مشجعة بن التيم بن النمر بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة"، وكتب لهم أمانًا، ثم أتى "تدمر"، فأمنهم، ثم أتى "القريتين"، ثم "حوارين" من "سنير"، ثم أتى "مرج راهط"، فأغار على "غسان"٢. وكان "حاضر" "قنسرين" لتنوخ، من أول ما تنخوا بالشام، نزلوه وهم في خيم الشعر. ثم ابتنوا به المنازل، فدعاهم "أبو عبيدة" إلى الإسلام، فأسلم بعضهم وأقام على النصرانية "بنو سليح". وكان بهذا الحاضر قوم من "طيء" نزلوه بعد حرب الفساد التي كانت بينهم حين نزلوا الجبلين، فلما ورد "أبو عبيدة" عليهم أسلم بعضهم وصالح كثير منهم على الجزية، ثم أسلموا بعد ذلك٣. وقضاعة قبائل عديدة، منها "بنو جرم بن ربان" و"بنو سليح" و"تزيد" ابنا "عمران بن إلحاف بن قضاعة" و"كلب بن وبرة"، وهو قبيل عظيم, منهم "الأسبع". ومن قبائل قضاعة "عذرة بن زيد اللآت" و"العبيد بن زيد اللآت", و"بنو كنانة"، و"بنو جناب بن هبل"، و"بنو عليم بن جناب"، و"بنو مصاد"، و"بنو حصن"، و"بنو معقل". ومن "بني جناب" "بحدل بن أتيف"، "يزيد بن معاوية" لأمه، ومن رجالهم "ابن الجلاح"، وكان قائدًا للحارث بن أبي شمر الجفني,

стр. 2216

واسمه "النعمان". وهو الذي أغار على "بني فزارة" و"بني ذبيان"، فاستباحهم وسبى "عقرب" بنت النابغة، ومن عليها، فمدحه "النابغة"١. وقد انتشرت بطون "كلب" في أرضين واسعة، شملت دومة الجندل وبادية السماوة والأقسام الشرقية من بلاد الشام. ولما أُخرج الروم عن ديار الشام، لعبت بطون كلب دورًا بارزًا في السياسة، إذ أيدت الأمويين، وتزوج "معاوية" "ميسون" أم "يزيد" وهي كلبية، فصارت كلب في جانب الأمويين. ومن قبائل "قضاعة"، "بنو عامر الأجدار", ومن رجال "بني وبرة" غير كلب، "بنو القيس بن جسر"، و"بنو مصاد بن مذعور"، و"بنو زهير بن عمرو بن فهم". ومن قبائل "جرم بن ربان": "بنو أعجب" و"بنو طرود" و"بنو شميس", ومن بطون "جرم": "بنو خشين"، ومن رجالهم "رأس الحجر"، وقد رأس في الجاهلية وأخذ المرباع. ومن رجال "جرم"، "عصام بن شهبر"، حاجب النعمان، وكان النعمان إذا أراد أن يبعث بألف فارس بعث بعصام٢. وقد ذهب وفد من "جرم" إلى المدينة، فيه "الأصقع بن شريح بن صريم" و"هوذة بن عمرو"، فأسلما، وكتب الرسول لهما كتابًا٣, وذهب وفد آخر، أخبر الرسول بإسلام حواء من جرم، كان عليه "سلمة بن قيس الجرمي"، ومعه ابنه "أبو زيد عمرو بن سلمة بن قيس الجرمي"٤. وقد ساعد الغساسنة الروم في حروبهم مع المسلمين، وكان على رأسهم "جبلة بن الأيهم الغساني"، الذي حارب مع مقدمة جيش الروم في مستعربة الشام من غسان ولخم وجذام وغيرهم يوم اليرموك، ثم انحاز "جبلة" إلى المسلمين، وأظهر الإسلام, ثم عاد ففر إلى بلاد الروم, واستقر بها, وبها مات٥. وقد استمر "المستعربة" يناصرون الروم، فلما تراجع قوادهم نحو الشمال لضغط

стр. 2217

المسلمين عليهم، التحق بهم هؤلاء "المستعربة" من غسان وتنوخ وإياد، وقد التحموا بالمسلمين في "درب بغراس"١. ويذكر الإخباريون أن "دمشق" كانت منازل ملوك غسان، وبها آثار لآل جفنة. والظاهر، أنهم كانوا قد اشتروا وابتنوا بها قصورًا عاشوا فيها، ومنها كانوا يتصلون بكبار الموظفين الحاكمين البيزنطيين، فإذا أرادوا الاتصال بقومهم الغساسنة عادوا إلى قصورهم بين قومهم. وكانت الغوطة: غوطة دمشق من المناطق التي سكن بها الغساسنة٢. ويظهر من رواية يرجع سندها إلى "محمد بن بكير الغساني" عن قومه "غسان" أن الغساسنة لم يقبلوا على الإسلام إقبال غيرهم من العرب، وأنهم لم يسلموا إلا بعد فتوح الشام. ولما ذهب ثلاثة نفر منهم إلى المدينة، وأسلموا وبايعوا الرسول، لم يستجب قومهم لهم في دعوتهم إلى الإسلام، فكتموا أمرهم عنهم، خوفًا من بطش قومهم بهم٣. وورد في أخبار الرسل الذين أرسلهم الرسول إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام, أن الرسول أرسل "شجاع بن وهب" إلى "الحارث بن أبي شمر الغساني" من غسان، وكان يقيم إذ ذاك بغوطة دمشق في قصر منيف، ليدعوه إلى الإسلام، فلما دفع "شجاع" كتاب رسول الله إلى "الحارث" رمى به، ولم يدخل في الإسلام وبقي على النصرانية حتى توفي عام الفتح٤. وكان "جبلة" مع الروم يوم "اليرموك" ومعه "المستعربة" من غسان وقضاعة وذلك سنة "١٥" للهجرة، وكان قد انضم إلى المسلمين بعض لخم وجذام، فلما وجدوا جدّ القتال فروا ونجوا إلى ما كان قربهم من القرى وخذلوا المسلمين٥. وقد كان "جبلة بن الأيهم" على رأس "العرب المتنصرة" يحارب مع

стр. 2218

الروم، لمنع المسلمين من التقدم نحو "قنسرين"، ويذكر أهل الأخبار أن محاورات جرت بينه وبين المسلمين في موضوع اشتراكه مع الروم, ومنها محاورات مع "خالد بن الوليد" صاغوها بأسلوب قصصي منمق، وذكروا أنه كان جالسًا "على كرسي من ذهب أحمر وعليه ثياب الديباج الرومي وعلى رأسه شبكة من اللؤلؤ وفي عنقه صليب من الياقوت"١. وكان ذلك بعد ارتداده عن الإسلام٢، فلما غلب الروم، "كان جبلة أول من انهزم والعرب المتنصرة أثره"٣. ومن الغساسنة "شرحبيل بن عمرو الغساني"، الذي قتل رسولَ رسولِ الله "الحارث بن عمير الأزدي", الذي كان الرسول قد بعثه إلى ملك "بصرى". فلما نزل "مؤتة" قتله "شرحبيل", فأمر رسول الله بإرسال حملة إليه سنة ثمانٍ للهجرة, جعل أميرها "زيد بن حارثة"، ولما سمع بها "شرحبيل" جمع جمعًا من قومه وتقدم نحوهم، وكانوا قد نزلوا "معان". وبلغ المسلمين أن "هرقل" كان قد نزل "مآب" من أرض البلقاء في جمع من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام والقين، عليهم "مالك بن رافلة" الإراشي من "بلي"، فانحازوا إلى "مشارف"، ولما دنا العدو انحازوا إلى "مؤتة"، وقتل فيها "جعفر بن أبي طالب"، و"عبد الله بن رواحة", و"ثابت بن رواحة", و"ثابت بن أرقم"، ثم "زيد بن حارثة"، ثم تراجعوا إلى المدينة, وقتل من العرب الذين كانوا مع الروم "مالك بن رافلة" "زافلة"٤. واعتزل بعض "حَدَس" وهم "بنو غنم" الحرب، لإشارة كاهنتهم عليهم بذلك، فأخذوا بقولها، فاعتزلوا عن "بني لخم" وصلم الحرب بعض منهم، وهم "بنو ثعلبة"٥. وكان بقرب "حلب" حاضر، عرف بـ"حاضر حلب"، جمع أصنافًا من العرب من تنوخ، فصالحهم "أبو عبيدة" على الجزية٦. ويرجع هذا

стр. 2219

الحاضر إلى أيام الجاهلية، فقد كان العرب قد توغلوا إلى هذه الديار قبل ظهور الإسلام، وأقاموا في الحواضر بظواهر المدن يتعيشون من اتصالهم بأهل تلك المدن. ولم تكن الرابطة الدينية التي ربطت بين أكثر عرب بلاد الشام والبيزنطيين، هي العامل الوحيد الذي جعل أولئك العرب ينضمون إلى صفوف الروم في الدفاع عنهم وفي مقاومة جيوش المسلمين، بل كانت هنالك عوامل أخرى، مثل المنافع المادية التي كان يجنيها سادات الأعرب من البيزنطيين، حيث كانوا ينالون هدايا ورواتب منهم في مقابل حماية الحدود والمحافظة عليها من غارات الأعراب، وفي مقابل الغارات التي كان البيزنطيون يكلفونهم بها لغزو حدود العراق؛ لإزعاج أعدائهم الفرس وقت الحاجة والضرورة، ومثل التسهيلات التي كانوا ينالونها من البيزنطيين في الاتجار مع مدن الشام وفي معاملات البيع والشراء والرواتب السخية التي تدفع للأعراب إذا خدموا في صفوف العساكر المتطوعة، وهي رواتب سخية إذا قِيسَتْ بالنسبة لحالة أهل البادية المنخفضة من الناحية المادية كثيرًا بالنسبة إلى حالة سكان بلاد الشام. وكان "الحيار": "حيار بني القعقاع" بلدًا معروفًا قبل الإسلام، وبه كان مقيل "المنذر بن ماء السماء" اللخمي، ملك الحيرة, فنزله "بنو القعقاع" من "عبس بن بغيض"١. وكانت البلقاء في أيدي قبائل من العرب مثل لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلي، وهي قبائل يطلق عليها المؤرخون اسم "المستعربة"٢. وكانوا على النصرانية في الغالب؛ لذلك كان هواهم إلى جانب الروم, فكانوا معهم في غزوة "مؤتة" يقاتلون مع "هرقل" ضد المسلمين وعليهم "مالك بن رافلة"، وهو من "بلي" ثم أحد إراشة. وكان المسلمون إذ ذاك في "معان"، وهي من أعمال البلقاء يستعدون للروم٣, وكان صاحب هذه المدينة في أيام الرسول رجلًا من "جذام"، هو "فروة بن عمرو الجذامي"، وكان عاملًا للروم على من

стр. 2220

يليهم من العرب، ومنزله بمعان. فلما أرسل فروة رسولًا عنه إلى الرسول يبلغه بإسلامه، قبض الروم عليه وحبسوه، ثم ضربوا عنقه وصلبوه١. ومن "لخم" "بنو الدار بن هانئ". وقد قدم وفد منهم على رسول الله منصرفه من "تبوك"، فيه: "تميم بن أوس بن خارجة الداري"، و"نعيم بن أوس بن خارجة", و"يزيد بن قيس بن خارجة", و"الفاكه بن النعمان بن جبلة بن صفارة"، و"جبلة بن مالك بن صفارة"، و "أبو هند" و"الطيب" ابنا "ذر", وهو "عبد الله بن رزين بن عِمّيت بن ربيعة دراع"، و"هانئ بن حبيب", و"عزيز" و"مرة" ابنا "مالك بن سواد بن جذيمة"، فأسلموا، وأهدى "هانئ بن حبيب" لرسول الله راوية خمر وأفراسًا وقباء مخوصًا بالذهب، فقبل الأفراس والقباء. وقال تميم: لنا جيرة من الروم لهم قريتان, يقال لإحداهما "حِِبرى" والأخرى "بيت عينون"، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لي، فوهبهما رسول الله له. فلما توفي الرسول وقام أبو بكر أعطاه ذلك وكتب له كتابًا٢. ولما أمر الرسول "أسامة بن زيد بن حارثة" أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، تجهز معه المهاجرون الأولون، ولكن وفاة الرسول لم تمكنه من السفر، فكان أول ما فعله خليفته "أبو بكر" أن أمره بتنفيذ ما أمره به رسول الله٣. ولكنه لم يتقدم كثيرًا, بل بلغ الموضع الذي قُتِلَ أبوه زيد بن حارثة فيه، وهو من أرض الشام فرجع؛ لأن الرسول أمره في حياته بالمسير إليه٤. و"الداروم" قلعة بعد غزة للقاصد إلى مصر, يجاورها عربان بني ثعلبة بن سلامان بن ثعل من بني طيء، وهم درماء وزريق٥.

стр. 2221

وكانت "جذام" نازلة في "حسمى" عند ظهور الإسلام، وهي من مواطن "ثمود". و"جُذام" من نسل "جذام" شقيق "عاملة" و"لخم" أبناء "عدي بن الحارث بن مرة بن كهلان", واسم "جذام" الحقيقي في رأيهم "عمرو"١. وتقع أرض جذام في الأقسام الجنوبية من بلاد الشام، وتصل إلى "أيلة" ثم تمتد مع الساحل حتى تبلغ "ينبع"٢. ويرجع بعض النسابين نسب جذام إلى اليمن، ويرجعها بعض آخر إلى مضر، وتوسط قوم فقالوا: إنهم كانوا من مضر في الأصل، ثم غادروا ديار مضر فذهبوا إلى اليمن, وعاشوا بين قبائل قحطان، فنسوا أصلهم بتقادم العهد، وعُدوا في القحطانيين. ويظهر أن هذا الرأي هو محاولة للتوفيق بين الرأيين السابقين، أما الذي عليه غالبية جذام، فهو أنها من قحطان٣. وقد وفد رجال من "جذام" على رسول الله، منهم "رفاعة بن زيد بن عمير بن معبد الجذامي" ثم أحد "بني الضبيب"، فأسلم وكتب الرسول له كتابًا. أما "فروة بن عمرو بن النافرة" الجذامي، فقد كان كما سبق أن ذكرت عامل الروم على ما يليهم من العرب، وكان منزله "معان" وما حولها أو على "عمان"، فلما بلغهم أنه كاتب الرسول وأنه أسلم أخذوه فحبسوه، ثم ضربوا عنقه٤. ويذكر أهل الأخبار أن "فروة" كتب إلى الرسول كتابًا أرسله مع "مسعود بن سعد"، وبعث إليه ببغلة وفرس وحمار وأثواب لِين وقباء سندس مخوص بالذهب٥, وأن الرسول كتب إلى فروة جواب كتابه. ويذكر أهل الأخبار أن الروم لما قبضوا على "فروة"، قال شعرًا يذكر فيه

стр. 2222

نفسه والرسول، وقال مثل ذلك لما نقله الروم إلى موضع يقع على ماء لهم بفلسطين اسمه "عفراء"، فلما أرادوا ضرب عنقه، قال بيتًا من الشعر في إسلامه وفي إيمانه١. وقد انتشرت النصرانية بين كلب، كما انتشرت بين أكثر القبائل النازلة بديار الشام. والظاهر أنها كانت على مذهب القائلين بالطبيعة الواحدة "Monophysities"٢. وفي جوار "الحجر" وفي شرق "حرة ليلي" أقامت بنو عذرة، وهي من قبائل قضاعة، وتنسب إلى "عُذرة بن سعد بن هُذيم بن زيد بن ليث بن أسلم بن إلحاف بن قضاعة"٣. ولا نعلم من تأريخ هذه القبيلة في الجاهلية شيئًا يذكر, ولم يرد اسمها كثيرًا في الأيام, والظاهر أن ذلك لقلة شعرائها، فإن شعر الشعراء هو الذي خلد أسماء القبائل عند الإخباريين، ويظن أنها قبيلة "Adritai" "Adraetai" التي ذكرها "بطلميوس"٤. أما ديار هذه القبيلة, فكانت في وادي القرى وتبوك، ولكنها امتدت حتى بلغت قرب أيلة٥, ويذكر الإخباريون أن هذه القبيلة هاجرت مع من هاجر من قبائل قضاعة بعد حربها مع حمير، فنزلت هذه الديار٥, وتعاهدت مع قوم من يهود على مجاورتهم, وإلا تتحرش بهم وبنخيلهم وبساتينهم. وتجاور ديار عذرة ديار قبائل أخرى من قضاعة مثل: نهد وجهينة وبلي وكلب، كما جاورت من الشمال قبيلة غطفان٦. ولعذرة حلف مع عدد من بطون سعد هذيم، مثل بني ضنة، ويعدهم النسابون بطنًا من عذرة، وكذلك مع بني سلامان، وقد عرفوا بصحار، وكان لهم مع جهينة, ويرجع الإخباريون عهد هذا الحلف إلى أيام حرب قضاعة، وهي الحرب المسماة بـ"حرب القريض"٧.

стр. 2223

وهنالك جملة قبائل ذكر الإخباريون أربعًا أو خمسًا قالوا: إنها كانت تعرف بـ"عذرة"١, وقد سبب تعدد هذه الأسماء للنسابين بعض التشويش. ويظهر من روايات الإخباريين أنه كان لهذه القبيلة صلة بقريش، فزعموا أن أم "قصي" تزوجت رجلًا من "بني عذرة"، وأن أخاه من أمه "رزاح بن ربيعة بن حرام" اشترك مع قريش في الدفاع عن الكعبة وفي طرد خزاعة عنها. ورووا أيضًا أنه كان لها صلة بالأوس والخزرج كذلك؛ لأن أم القبيلتين، وهي "قيلة بنت كاهل أو بنت هالك", كانت من هذه القبيلة٢. ولما قدم وفد "عذرة" على الرسول في صفر سنة تسع، وفيه "حمزة بن النعمان العذري", و"سليم" و"سعد" ابنا مالك، و"مالك بن أبي رباح"، سلموا على الرسول "بسلام أهل الجاهلية، وقالوا: نحن إخوة قصي لأمه، ونحن الذين أزاحوا خزاعة وبني بكر عن مكة، ولنا قرابات وأرحام". وكان من رجال عذرة الذين وفدوا على الرسول "زمل بن عمرو العذري"٣. وذكر "ابن سعد" أن الرسول كتب إلى "عذرة" في "عَسيب", وبعث به مع رجل من "بني عذرة", فعدا عليه "ورد بن مرداس" أحد "بني سعد هذيم"، فكسر العسيب وأسلم واستشهد مع "زيد بن حارثة" في غزوة وادي القرى أو غزوة القردة٤. وكانت مواطنها عند ظهور الإسلام في منطقة مهمة جدا تقع بين الحجاز وبلاد الشام ومصر، فتمتد من منازل "كلب" في "الشمال" حتى منطقة المدينة, وكانت بطونها منتشرة في "وادي القرى" وحول "تبوك" وعند "أيلة" وفي طور سيناء. ولمرور طريق القوافل منها، تولى رجالها حراستها وجباية رسوم المرور منها. ولما رأى بعض المستشرقين أنها تقطن منطقة كان يسكنها "أهل

стр. 2224

مدين" وكذلك النبط، ذهبوا إلى أنها من نسل "مدين" أو من بقايا "النبط"١. ومن المستشرقين من يرى أن "بني النضير" هم فرع من جذام، دخلوا في دين يهود، ودليلهم على ذلك انتشار اليهودية بين بعض بطون جذام التي تقع منازلها على مقربة من "يثرب", وكانت النصرانية قد وجدت لها سبيلًا بين جذام، وذلك باتصالها ببلاد الشام ومصر. وقد كانت مع "المستعربة" أي: النصارى العرب, تحارب المسلمين مع الروم في حروب بلاد الشام٢. وفي أرض جذام موضع يقال له "السلاسل"، وقعت غزوة عرفت بـ"ذات السلاسل". وقد قام بها "عمرو بن العاص"، وكان الرسول قد بعثه إلى أرض "بلي" و"عذرة" يستنفر الناس إلى الشام٣. ومن جذام "رفاعة بن زيد الجذامي" ثم "الضُّبيبي"، وكان قد قدم إلى الرسول فأسلم، وكتب الرسول له كتابًا، وذهب إلى قومه ونزل الحرة: حرة الرجلاء٤, و"ضبيب" بطن من جذام. ولما أغار "الهُنيد بن عوص"، وهو من "الضليع"، بطن من جذام على "دحية بن خليفة الكلبي"، حين قدومه من بلاد الشام، وكان رسول الله بعثه إلى "قيصر" صاحب الروم ومعه تجارة له، فأصاب كل شيء كان مع "دحية" -نَفَرَ "رفاعة" وقومه ممن أسلم إلى "الهنيد"، فاستنقذوا ما كان في يده، فردوه على "دحية"، وكان المعتدون يقيمون بحسمى٥. ومن "جذام" "زنباع بن روح بن سلامة بن حُداد بن حديدة"، وكان عَشَّارًا، مر به "عمر بن الخطاب" في الجاهلية تاجرًا إلى الشام، فأساء إليه في اجتيازه وأخذ مكسه، فقال "عمر" فيه شعرًا يتوعده ويهجوه، فبلغ ذلك "زنباعًا" فجهز جيشًا لغزو مكة، فنُهي عن ذلك وأشير عليه بعدم تمكنه منها، فكف عنها٦.

стр. 2225

وكانت "أيلة" في أيام الرسول، في أيدي "يوحنا بن رؤبة" "يحنة بن رؤبة". ولما سمع "يوحنا" بمجيء الرسول مع جيش إلى "تبوك"، جاء إليه وصالحه على الجزية، وصالحه أهل "جرباء" و"أذرح" على الجزية أيضًا، كما صالح أهل "مقنا" على ربع كروعهم وغزولهم وحلقتهم وعلى ربع ثمارهم، وكانوا يهودًا١. وقد دون "ابن سعد" صورة كتاب ذكر أن الرسول كتبه لـ"يحنة بن رؤبة" "يحنة بن رَوْبَةَ" وأهل أيلة "لسفنهم وسيارتهم في البر والبحر ... ولمن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر"٢. وأورد "ابن سعد" نص كتاب أرسله الرسول إلى "يوحنا بن رؤبة" "يحنة بن روبة" و"سَرَوات" أهل أيلة, جاء فيه أن رسول الله قد أرسل إليه رسلًا هم: "شرحبيل" و "أبي" و"حرملة" و"حريث بن زيد الطائي" و"أن حرملة" قد شفع له ولأهل أيلة لدى الرسول, وأن عليه أن يكسو "زيدا" كسوة حسنة, وأنه قد أوصى رسله بهم. ويظهر من هذا الكتاب أن حامله كان "زيدا"، وجاء فيه "وجهزوا أهل مقنا إلى أرضهم"٣. وكتب الرسول كتبًا إلى أهل "أذرح" و"جربا" ولأهل مقنا، وذكر أن أهل مقنا كانوا يهودًا على ساحل البحر, وأهل جربا وأذرح يهود أيضًا٤. أما "كلب" التي كانت ديارها تتاخم ديار جذام، فينسبها النسابون إلى "كلب بن وبرة", وهي من القبائل التي كانت تنزل ديار الشام عند ظهور الإسلام. غير أننا لا نعرف من تأريخها شيئًا يذكر قبل الإسلام٥. وتتصل بديار كلب من الشرق أرض الحيرة وديار "بني بكر"، ومن الجنوب ديار طيء، ومن الغرب ديار "بنو بلي" و"جذام"، ومن الشمال "بنو بهراء" وقبائل غسان. ويرجع نسب "كلب" في عرف النسابين إلى قبائل "قضاعة". ومن كلب

стр. 2226

الأسبع, وهي بطون ثعلب وفهد ودب والسيد والسرحان وبرك. ومن قبائلها: ثور وكلب ورفيدة وعوذي وعرينة وقبائل أخرى يذكرها النسابون١ وينسب إلى هذه القبيلة "زهير بن جناب الكلبي"، وهو في جملة من يذكرهم الإخباريون من المعمرين. ويذكرون أنه كان رئيسًا من رؤساء هذه القبيلة, وأنه كان شاعرًا، وأنه كان في أيام "كليب وائل" و"المهلهل بن ربيعة"، ومعنى ذلك أنه عاش في القرن السادس للميلاد٢ وقد ذكر الإخباريون أسماء رجال برزوا في الجاهلية، ينتمون إلى بطون هذه القبيلة، منهم "هوذة بن عمرو"، نعتوه بـ"رب الحجاز"٣, وهذا النعت يدل على منزلة الرجل ومكانته التي كان عليها قبل الإسلام. وهو من "حَرْدش" وقد مدحه "النابغة الذبياني". وقد نسب الإخباريون هوذة إلى "عص" أو "عيثر بن لبيد"، وهو في زعمهم من المعمرين في الجاهلية٤ وقد وفد رجل من "كلب" على الرسول اسمه "عبد عمرو بن جبلة بن وائل بن الجَلَّاح الكلبي"، ومعه "عاصم" من "بني وقاش" من "بني عامر"، فأسلما, ووفد "حارثة بن قطن بن زائر بن حصن بن كعب بن عليم الكلبي" و"حمل بن سعدانة بن حارثة بن مغفل بن كعب بن عليم"، فأسلما. وكتب الحارثة بن قطن كتابًا لأهل دومة الجندل وما يليها من طوائف كلب، دوَّن فيه أوامره لهم ونواهيه وشروطه إن أرادوا الدخول في الإسلام٥ وأورد "ابن سعد" صورة كتاب، ذكر أن الرسول كتبه "لبني جناب" من كلب وأحلافهم ومن ظاهرهم. وقد بين فيه الأمور التي يجب عليهم مراعاتها من حقوق وأحكام, وأشهد عليه فيه: سعد بن عبادة، وعبد الله بن أنيس, ودحية الكلبي٦

стр. 2227

ولعذرة عدة بطون، منها: بنو الجلحاء، وبنو جلهمة، وبنو زقزقة، وبنو ضنة، وبنو حردش، وبنو حنّ، وبنو مدلج١. ويظهر من أبيات للشاعر النابغة أن "النعمان بن حارث الغساني" لما همّ بغزو "بني حن" في موضعهم بـ"برقة صادر", نهاه عن ذلك، غير أنه لم ينتهِ، فأصيب غزوه بهزيمة٢. وحن هم الذين قتلوا "الجلاس بن وهب بن قيس بن عبيد" من طيء، في الحجر, وكان الجلاس ممن اجتمعت عليه جديلة طيء٣. وتبوك هي من جملة مواضع بني عذرة، وهي موضع "Thapaua" الذي ذكره "بطلميوس"٤، ولا نعرف من أمرها قبل الإسلام شيئًا يذكر. وقد ذكرت في الفتوح، إذ وصل الرسول إليها، وصالح أهلها على الجزية، مما يدل على أن سكانها كانوا من أهل الكتاب٥. وكان غزو الرسول لها سنة تسع للهجرة، إذ بلغه أن الروم قد جمعت جموعًا كثيرة بالشام، وأنهم قد جمعوا إليهم جمعًا من لخم وجذام وعاملة وغسان وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء، فأراد الرسول مباغتتهم قبل أن يباغتوه، فلما وصل إليها وجد أن الروم بعيدون عنه فرجع٦. ويذكر أهل الأخبار أن "بني عذرة" نصروا قصيا وساعدوه، لوجود صلة له بهم. ويظهر أنه قد كان عند القدامى من "بني عذرة" كتاب في أخبارهم كانوا يرجعون إليه إذا احتاجوا إلى الوقوف على خبر يخص هذه القبيلة, فقد ذكر "أبو عمرو بن حريث العذري"، أنه رجع إلى كتاب من كتب آبائه في أمر "وفد عذرة" الذي ذهب إلى الرسول٧.

стр. 2228

وتقع ديار "غطفان" جنوب "طيء" وشمال "هوازن" و"خيبر", وإلى الغرب من بلي وديار سعد. وهم من القبائل الكبيرة التي يرجع النسابون نسبها إلى "سعد بن قيس بن مضر", فهي من القبائل المضرية في اصطلاح أهل الأنساب, وهم قبائل منهم: ريث وبغيض وأشجع، ومن بغيض ذبيان، وهو والد عبس، وإنما أجداد قبائل كبيرة١. وتقع ديار أشجع على مقربة من المدينة، وأما ديار "بغيض" فتقع عند شربة والربذة، وتجاورها "خصفة بن قيس عيلان"، وسليم الذين تقع ديارهم في جنوبهم. ومن رجال "أشجع": "مسعود بن رخيلة بن نويرة بن طريف"، وقد وفد على الرسول على رأس وفد قوامه مائة رجل، وادعوا رسول الله، ثم أسلموا٢. وقد كانت بين "غطفان" وبين "بني عامر بن صعصعة" وهم بطن من هوازن حوادث وأيام. من ذلك "يوم النفراوات", وفيه قتل خالدُ بن جعفر بن كلاب العامري زهيرَ بن جذيمة سيد عبس، وكانت هوازن تخضع لزهير, وتقدم له الإتاوة كل سنة في سوق عكاظ. فلما استبد بهم زهير، ولم يرعَ لهم حرمة، ولم ينصفهم، نقموا عليه, وأقسم جعفر ليقتلنه، وقد وفى بقسمه في يوم "النفراوات"٣. وقد غزا الرسول قومًا من "غطفان"، هم من "بني محارب"، و"بني ثعلبة"، حتى نزل نخلًا فلقي جمعًا من "غطفان"، ولم تقع بينهم حرب، وعرفت الغزوة بـ"غزوة ذات الرقاع"٤. وكانت هذه الغزوة في أول السنة الثالثة من الهجرة، وعرفت أيضًا بـ"غزوة ذي أمر" ناحية "النخيل". وكان قد جمعهم رجل يقال له: "دعثور بن الحارث" من "بني محارب"، وهم من الأعراب، فلما وصل الرسول إليهم هربوا في رءوس الجبال، ثم

стр. 2229

أسلم "دعثور" ودعا قومه إلى الإسلام١. وقد تجمع جمع من غطفان بالجناب، وأرادوا مباغتة المسلمين، فوصلت الأنباء بذلك إلى الرسول، فأرسل سرية عليهم فلّت ذلك الجمع٢. وقد استجابت "غطفان" لدعوة سادات "بني النضير" أمثال: "سلام بن أبي الحقيق"، و"حيي بن أخطب"، و"كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق"، ودعوة نفر من "بني وائل"، فيهم "هوذة بن قيس الوائلي" و"أبو عمار الوائلي"، ولزعماء مكة وعلى رأسهم "أبو سفيان"، فخرجت وقائدها "عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري" في بني فزارة, و"الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري" في "بني مرة", و"مسعود "مِسْعر" بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة الأشجعي" فيمن تابعه من أشجع, واستجابت لهم "بنو سليم"، يقودهم "سفيان بن عبد شمس" وهو أبو "أبي الأعور السلمي"، وانضمت إليهم "بنو أسد" يقودهم "طليحة بن خويلد الأسدي"، وكونوا الأحزاب, وساروا باتجاه المدينة, فوجدوا المسلمين وقد حفروا خندقًا حولها، حال بينهم وبين اقتحامها. ووقعت مناوشات انتهت برجوع الأحزاب, ونجاح المسلمين في الدفاع عن أنفسهم٣. ومن رجال "عبس" الذين وفدوا على الرسول: "ميسرة بن مسروق"، و"الحارث بن ربيع" وهو الكامل، و"قنان بن دارم"، و"بشر بن الحارث بن عبادة", و"هِدْم بن مسعدة"، و"سباع بن زيد", و"أبو الحصن بن لقمان"، و"عبد الله بن مالك"، و"فروة بن الحصين بن فضالة". وذكر أن رسول الله سأل نفرًا من "عبس" عن "خالد بن سنان", فقالوا: لا عقب له، فقال: "نبي ضيعه قومه"، ثم أنشأ يحدث أصحابه حديث خالد٤.

стр. 2230

وقد كتب الرسول إلى "بني زهير بن أقيش" كتابًا، أمنهم فيه على أنفسهم وأموالهم١. و"بنو أقيش" هم حي من "عكل", و"عكل" من "الرباب", وهم "تيم" و"عدي" و"عكل" و"مزينة". وذكر أن الرسول كتب لبني أقيش في ركية بالبادية٢. ومن ديار "هوازن"، "تربة"، وهي ناحية "العبلاء" على طريق صنعاء ونجران, وتقع في "عجز هوازن". وقد أرسل الرسول عليهم سرية بقيادة "عمر" وذلك سنة سبع للهجرة٣. وتقع ديار هوازن بغور تهامة إلى إلى بيشة والسراة وحنين وأوطاس٤. وفي جنوب شرقي "حسمى" أقامت بطون "فزارة"٥, وتنسب إلى "فزارة بن ذبيان بن بغيض بن غيث بن غطفان". وقد اشتركت في حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان، وفي معارك أخرى، وتعاونت مع يهود خيبر ضد الرسول٦. ومن رجال "فزارة" "خارجة بن حصن"، وكان فيمن وفد على النبي من وفد "بني فزارة" سنة تسع للهجرة٧. ومن "بني فزارة" في أيام الرسول "عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر"، أغار على لقاح رسول الله وهي ترعى بالغابة، وهي على بريد من المدينة، فوجه رسول الله جمعًا إليه، قتل "مسعدة بن حَكَمَة بن مالك بن حذيفة بن بدر الفزاري" و"حبيب بن عيينة"، ثم لحقهم الرسول بـ"ذي قرد" فوجدهم قد مضوا٨. وقد نعت النبي "عيينة" بـ"الأحمق المطاع في قومه"٩. ومن بني فزارة الذين وفدوا إلى الرسول بعد رجوعه من تبوك سنة تسع للهجرة,

стр. 2231

"خارجة بن حصن" و "الحر بن قيس بن حصن". وذكر أن "عيينة بن حصن" كان من المؤلفة قلوبهم، شهد حنينًا والطائف, وكان أحمق مطاعًا دخل على النبي بغير إذن وأساء الأدب، فصبر النبي على جفوته وأعرابيته. وقد ارتد وآمن بطليحة، ثم أسر، فمنَّ عليه الصديق، ثم لم يزل مظهرًا للإسلام. وكان يتبعه عشرة آلاف قناة, وكان من الجرارة, واسمه حذيفة ولقبه عيينة لشتر عينه.١ ولما خرج "زيد بن حارثة" في تجارة له إلى الشام، ومعه بضائع لأصحاب رسول الله، وكان دون "وادي القرى", لقيه ناس من "فزارة" من "بني بدر"، فضربوه وأخذوا ما كان معه، فعاد "زيد" إلى المدينة وأخبر الرسول بما حدث, فأعاده مع سرية لغزوهم، فحاصرهم، ولكنهم كانوا قد هربوا، فأسر منهم "فاطمة بنت ربيعة بن بدر"، وابنتها "جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر"، وقُتل "النعمان" و"عبد الله" ابنا "مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر"٢. وعلى السُّنة الجارية بين القبائل، تشتَّت شمل عشائر غطفان بسبب الحروب التي نشبت بينها من جهة، وبينها وبين بطون خصافة من جهة أخرى, ونعني بخصافة هوازن وسليمًا. وقد استمر التنافس بين عشائر غطفان وعشائر خصافة إلى ظهور الإسلام، وتميز بحوادث الفتك والاغتيالات، وبرز في هذا النزاع اسم "دريد بن الصمة" وهو من هوازن، ومعاوية وصخر أخوي الحنساء, وهما من سليم٣. ولما انتقل الرسول إلى جوار ربه، ارتد كثير من غطفان، وأيد بعضهم طليحة، ولم يرجعوا إلى الإسلام إلا بعد انتصاره على المرتدين. وكان من وجوه "بني عامر بن صعصعة"، عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس بن مالك بن جعفر، "أربد بن ربيعة بن مالك بن جعفر"، وجبار بن

стр. 2232

سلمى بن مالك، وكان هؤلاء رءوس القوم وشياطينهم. وقد وفدوا على الرسول, ولم يسلم "عامر بن الطفيل"، بل رجع كافرًا ومات على الشرك١. وكان معجبًا بنفسه، جريئا على الناس٢, من الفرسان٣، طلب من الرسول أن يجعل الأمر له من بعده في مقابل إسلامه، أو أن يقتسم معه الحكم على الناس مناصفة، فيكون للرسول حكم أهل المدر، وله حكم أهل الوبر. فلما قال له الرسول: "لا, ولكني أجعل لك أعنة الخيل؛ فإنك امرؤ فارس" قال: أَوَلَيست لي؟ لأملأنها خيلًا ورجالًا. ثم ولى، فلما كان في طريقه إلى منازله مرض وهلك٤. وكان "أبو براء عامر بن مالك بن جعفر" المعروف بـ"ملاعب الأسنة الكلابي"، بعث إلى رسول الله أن ينفذ إليهم قومًا يفقهونهم ويعرضون عليهم الإسلام وشرائعه، فبعث إليهم قومًا من أصحابه، فعرض لهم "عامر بن الطفيل" يوم بئر معونة فقتلهم أجمعين, واغتم "أبو براء" لإخفار عامر بن الطفيل ذمته في أصحاب رسول الله، ثم توفي بعد ذلك بقليل, وكان سيد "بني عامر بن صعصعة" في أيامه٥. و"بئر معونة"، أرض بين أرض "بني عامر" و"حرة بني سليم"، وهي إلى حرة بني سليم أقرب٦. وقد استصرخ "عامر بن الطفيل" جماعة من "بني سليم" و"عصية" و"رعلا" و"ذكران" فنفروا معه على المسلمين٧. ولما أرسل "أبو بكر" "خالد بن الوليد" إلى "بني عامر بن صعصعة"، لم يقاتلوه ودفعوا الصدقة. وكان "قرة بن هبيرة القشيري" امتنع من أداء الصدقة، وأمدَّ "طليحة الأسدي"، فأخذه خالد، فحمله إلى "أبي بكر" فحقن أبو بكر دمه٨.

стр. 2233

ومن بني "عامر بن صعصعة"، بنو "رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة", ومنهم "عمرو بن مالك بن قيس" الذي وفد على الرسول فأسلم١, ومنهم "بنو البكاء", ووفدَ وفدٌ من "بني البكاء" على الرسول كان فيه "معاوية بن ثور بن عبادة بن البكاء"، و"الفُجيع بن عبد الله بن جندح بن البكَّاء" و"عبد عمر البكائي"، وهم الأصم٢. وتقع ديار "بني عامر بن صعصعة" في الأقسام الغربية من نجد وتمتد إلى الحجاز. وذكر انهم كانوا يصيفون بالطائف لطيب هوائها، فلما اشتد عود ثقيف وقوي أمرهم، منعوهم منها، واستقلوا بها وحدهم٣. ويرجع نسب "بني سليم" إلى "قيس عيلان"، وتقع منازلها في مواطن حرار ذات مياه ومعادن عرفت بـ"معدن سليم"، وكانوا يجاورون عشائر غطفان وهوازن وهلال. ولخيرات أرضهم ووقوعها في منطقة مهمة تهيمن على طرق التجارة، صارت بنو سليم من القبائل الغنية، وكانت صلاتها حسنة بيهود يثرب، كما كانت صلاتها وثيقة بقريش. وقد تحالف عدد كبير من رجالات مكة مع بني سليم، واشتغلوا معهم في الاستفادة من المعادن والثروة في أرض سليم٤. وقد قدم رجل من "بني سليم" اسمه "قيس بن نسيبة"، على الرسول فأسلم. ذكر أنه كان على علم بلسان الروم وبهينمة الفرس، وبأشعار العرب، وأنه كان ذا حظ بثقافة ذلك اليوم. فلما رجع إلى قومه، وكلمهم بالإسلام، اقتنعوا بحديثه فأسلم منهم عدد كبير، وذهب وفد عنهم إلى الرسول، فيه "العباس بن مرداس" و"أنس بن عياض بن رعل" و"راشد بن عبد ربه"، فأسلموا على يديه. وكان "راشد" يسدن صنمًا لبني سليم، وكان اسمه "غاوي"، وكان قد رأى ثعلبين يبولان على صنمه فشد عليه فكسره، ثم جاء مع الوفد إلى الرسول فأسلم، وسماه الرسول "راشدًا" على طريقته في تغييره

стр. 2234

أمثال هذه الأسماء, وأعطاه الرسول "رهاطا" وفيها عين ماء. ويذكر أهل الأخبار، أن سيدًا من سادات "بني سليم"، اسمه "قِدْر بن عمَّار"، كان قد قدم على النبي بالمدينة فأسلم، وعاهده على أن يأتيه بألف من قومه، فلما ذهب إلى قومه، وعاد ليأتي إلى الرسول برجاله، نزل به الموت، فأوصى إلى رهط من "بني سليم" بالذهاب إلى الرسول، هم "عباس بن مرداس" و"جبار بن الحكيم" و"الأخنس بن يزيد" وأمَّر كل واحد منهم على ثلاثمائة، ليقدموا على الرسول، ثم جاء من بعدهم "المنقع بن مالك بن أمية" وهو على مائة رجل، فصار عددهم ألفًا١. وكتب الرسول إلى "سلمة بن مالك بن أبي عامر السلمي" من "بني حارثة"، أنه أعطاه مَدْفَوًا لا يحاقه فيه أحد٢, وأعطى "العباس بن مرداس" "مدفورا" لا يحاقه فيه أحد، كتبه له العلاء بن عقبة، وشهد عليه٣. ويظهر أن "سلمة بن مالك السلمي" الذي ذكر "ابن سعد" أن الرسول "أعطاه ما بين ذات الحناظى إلى ذات الأساور"٤, هو "سلمي بن مالك بن أبي عامر" المتقدم. وكان العباس بن مرداس يهاجي "خفاف بن ندبة السلمي" أحد الشعراء المعروفين، ثم تمادى الأمر إلى أن احتربا، وكثرت القتلى بينهما. ولما تماديا في هجائهما، ولم يسمعا نصيحة "الضحاك بن عبد الله السلمي"، وهو يومئذ صاحب أمر بني سليم، ولجَّا في السفاهة، خلعتهما بنو سليم. ثم أتاهما "دريد بن الصمة" و"مالك بن عوف النصري" رأس هوازن، وأصلحا بينهما، واستراح منهما بنو سليم٥. وأسلم "العباس بن مرداس" قبل فتح مكة, وحضر مع النبي يوم الفتح في جمع من "بني سليم" بالقنا والدروع على الخيل، وله ولد اسمه جلهمة، روى

стр. 2235

عن النبي١. ويروى أن العباس بن مرداس، شهد حنينًا على فرسه العُبيد، فأعطاه النبي أربع قلائص، فقال العباس: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع؟، فقال النبي: "اقطعوا عني لسانه"، فأعطوه ثمانين أوقية فضة٢. وكان فيمن اشترك مع العباس بن مرداس من قومه في فتح مكة، "أنس بن عباس بن رعل" و"راشد بن عبد ربه" وقد طلب العباس وقومه من الرسول، أن يجعل لهم لوء أحمر، وشعارًا مقدمًا, ففعل ذلك بهم٣. وكان للعباس أخ اسمه "عمرو بن مرداس"، ويعد مثل أخيه في جملة المؤلفة قلوبهم كذلك٤. وأعطى الرسول "هوذة بن نبيشة السلمي" من "بني عُصَيَّة" "ما حوى الجفر كله"٥, وكتب للأجبّ رجل من "بني سليم" أنه أعطاه فالسًا", وكتب كتابه وشهد عليه "الأرقم"٦. وأعطى الرسول "راشد بن عبد السلمي" "غَلْوتين بسهم, وغلوة بحجر برهاط" "لا يحاقه فيها أحد"٧, كما أعطى "حرام بن عبد عوف" من "بني سليم" "إذامًا وما كان له من شواق"٨. ومن "بني سليم" "نبيشة بن حبيب"، قاتل "ربيعة بن مكدم" الكناني, وكان فارس كنانة٩. ويذكر أن الردة لما وقعت بوفاة الرسول، جاءت "بنو سليم" إلى "أبي بكر"، فطلبوا منه أن يمدهم بالسلاح لمقاتلة المرتدين، فأمر لهم بسلاح، فأقبلوا يقاتلون "أبا بكر", فبعث أبو بكر خالد بن الوليد عليهم، وجعلهم في حظائر ثم أضرم عليهم النيران١٠.

стр. 2236

ومن ديار "بني سليم" معدن بني سليم، وهو منزل كثير الأهل فيه أعراب بني سليم، وماؤه من "البرك"، وهي قرى قديمة١. وقد غزا الرسول على رأس ثلاثة وعشرين شهرًا من مهاجره "قرقرة الكدر" "قراقرة الكدر"، ناحية معدن "بني سليم" بينه وبين المدينة ثمانية بُرُد، وذلك لما سمع أن بهذا الموضع جمعًا من "بني سليم" و"غطفان"، فلما لم يجد أحدًا، أخذ ما عثر عليه من جمال تعود إليهم، كانت ترعى هناك، ورجع إلى المدينة٢. وغزا الرسول في السنة الثالثة من الهجرة موضعًا آخر من مواضع "بني سليم" اسمه: "بحران" من ناحية الفرع، وهي قرية من ناحية المدينة؛ لما بلغه أن بها جمعًا كثيرًا من "بني سليم"٣. وكانت منازل عجز هوازن بموضع شربة٤. ومن رجال "هوازن" في أيام الرسول "مالك بن عوف النصري" أحد بني نصر, وهو الذي جمع جموع هوازن وثقيف وأقبل عامدًا إلى النبي، حتى وافاه بـ"حنين" فوقعت غزوة حنين. وقد جمعت نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال، وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء وغابت عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب. وفي جشم "دريد بن الصمة" شيخ كبير، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخًا كبيرًا مجربًا. وفي ثقيف سيدان لهم في الأحلاف: قارب بن الأسود بن مسعود، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه الأحمر بن الحارث في بني هلال٥. وبنو سليم أيضًا قبائل, منها: بنو ذكوان، وبنو بهثة، وبنو سمال، وبنو بهز، وبنو مطرود، وبنو الشريد، وبنو قنفذ، وبنو عصية، وبنو ظفر٦. وقد نجلت هذه القبائل رجالًا عرفوا في الجاهلية والإسلام، منهم: العباس بن مرداس الشاعر الشهير، ممن شهدوا معركة حنين مع الرسول، ومجاشع بن مسعود

стр. 2237

ممن قاد الجيوش، وهو من المهاجرين، والعباس بن أنس الأصم من فرسان الجاهلية، ورجال آخرون. ولسليم شقيق في عرف النسابين اسمه "مازن", أما أبوهما فهو منصور١. و"جهينة" بطن مثل "بلي" و"بهراء" و"كلب" و"تنوخ" من بطون "قضاعة"، كانت ديارها في نجد، ثم هاجرت إلى الحجاز، فسكنت على مقربة من يثرب في المنطقة التي بين البحر الأحمر ووادي القرى، عند ظهور الإسلام. وقد دخلت في الإسلام في حياة الرسول ولم تشترك مع من اشترك في الردة بعد وفاته٢. وينسب النسابون جهينة إلى صحار والد جهينة، ومن بطونها بنو حميس٣. ومن ديار "جهينة" موضع "بواط"، وهو من "جبال جهينة" من ناحية "رضوى" قريب من "ذي خشب" مما يلي طريق الشام, وبين "بواط" والمدينة نحو أربعة برد، ويمر به طريق إلى بلاد الشام. ولما سمع الرسول، وهو على رأس ثلاثة عشر شهرًا من مهاجره، أن قافلة لعير قريش, فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة من رجال قريش وألف وخمسمائة بعير, تمر من هناك، خرج في مائتين لاعتراضها، ولكنها فرت ونجت، فلم تقع في الأسر٤. وكان في جملة من وفد على الرسول من جهينة: "عبد العزى بن بدر بن زيد بن معاوية الجهني" من "بني الربعة بن رشدان بن قيس بن قيس بن جهينة", ومعه أخوه لأمه "أبو روغة". وكان لهم وادٍ اسمه "غويّ". ومن "بني جهينة" "بنو دهمان" ومنهم "عمرو بن مرة الجهني"، وكان سادن صنمهم, فأسلم وكسر الصنم، وقدم المدينة, وأعلن إسلامه أمام الرسول٥. وقد كتب الرسول كتابًا لبني زرعة وبني الربعة من جهينة، أمنهم فيه على أنفسهم وأموالهم٦. كما كتب لعَوْسَجَة بن حرملة الجهني من "ذي المروة"

стр. 2238

وقد "أعطاه ما بين بَلَكثة إلى المصنعة إلى الجفلات إلى الجد جبل القبلة, لا يحاقه أحد"، وشهد على صحة الكتاب وكتبه "عقبة"١. كما كتب الرسول كتابًا لقوم آخرين من جهينة، هم من "بني شنخ"، وقد "أعطاهم ما خطوا من صفينة وما حرثوا"، وكتب الكتاب وشهد عليه "العلاء بن عقبة"٢. كما كتب الرسول كتابًا لبني الجرمز بن ربيعة، وهم من "جهينة"، كتبه المغيرة٣, وكتب كتابًا لـ"عمرو بن معبد الجهني" و"بني الحرفة" من جهينة وبني الجرمز، أهم ما جاء فيه "وما كان من الدين مدونة لأحد من المسلمين قضى برأس المال وبطل الربا في الرهن، وأن الصدقة في الثمار العشر"٤. ويظهر من ذلك أن هذا الكتاب قد دون بعد نزول الأمر بتحريم الربا. وبلي من قبائل قضاعة كذلك، وتنسب إلى بلي بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة, وتقع ديارها على مقربة من تيماء بين ديار جهينة وديار "جذام"، وهي مثل أكثر قبائل قضاعة لا نعرف من تأريخها في الجاهلية شيئًا يذكر. أما في أول ظهور الإسلام, فقد اشتركت مع القبائل النصرانية في جانب الروم ضد المسلمين٥, ومنهم "مالك بن رافلة" قاتل "زيد بن حارثة" يوم "مؤتة"٦. وفي سنة ثمانٍ من الهجرة أرسل الرسول "عمرو بن العاص" إلى أرض "بلي" و"عذرة", فلما بلغ موضع "السلاسل" خاف، فبعث إلى رسول الله يستمده، فأمده بجماعة من المهاجرين الأولين، فيهم "أبو عبيدة بن الجراح" و"أبو بكر" و"عمر", وقد عرفت تلك الغزوة بـ"ذات السلاسل"٧. وقد دخل دين يهود فرعٌ من بلي, ينسب إلى "حشنة بن أكارمة"، وسكن

стр. 2239

على مقربة من تيماء مع يهود، وظل في هذا الدين وفي هذه الديار إلى أن أمر "عمر" بإجلائهم عنها في الإسلام١. وقد وفد نفر من "بلي" على الرسول، وكان "شيخ الوفد" "أبو الضباب" "أبو الضبيب", فأسلم وأسلم من كان معه، ثم عادوا إلى ديارهم٢. وتقع إلى الجنوب من ديار "بلي" ديار "مزينة"، وهي في الشرق من منازل "جهينة" وإلى الغرب من ديار "سعد" وإلى الشمال من بلاد "خزاعة", ويرجع نسب "مزينة" إلى "مضر". وقد وفد قوم منهم إلى الرسول فيهم "خزاعي بن عبد نهم", فبايع الرسول على قومه مزينة، وقدم معه جماعة من أعيان مزينة منهم: "بلال بن الحارث" و"النعمان بن مقرن" و"عبيد الله بن درة"، و"بشر بن المحتقر". و"خزاعي" هو الذي حمل لواء مزينة يوم الفتح، وكانوا يومئذ ألف رجل، وهو أخو المغفل أبي عبد الله بن المغفل, وأخو عبد الله ذي البجادين٣. وأما وادي القرى، فهو وادٍ كثُرت قراه؛ لذلك قيل له وادي القرى, وأهله عرب ويهود. وهو من المواضع المعروفة بالخصب في جزيرة العرب، وبه عيون وآبار؛ لذلك اشتهر بالعمار منذ أيام ما قبل الميلاد، فنزلت به قبائل عديدة، منها قوم ثمود. وقد جلب خصب هذا الوادي أنظار من نزح إليه من اليهود، فحفروا فيه الآبار وأساحوا العيون, وزرعوا فيه النخيل والحبوب, وعقدوا بينهم حلفا وعقدا, ودفعوا عنه قبائل بلي بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة، وغيرهم من القبائل٤, وعقدوا لهم أحلافًا مع القبائل القوية؛ لتحميهم ولتدافع عنهم، مقابل جعل سنوي. وقد غزا الرسول بعد فراغه من خيبر هذا الوادي، فقاتله أهله، ففتحه

стр. 2240

عنوة، وترك الرسول النخل والأرض في أيدي اليهود، وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر١. وكانت "فدك" حكومة مستقلة كسائر الواحات والقرى في أعالي الحجاز، وأهلها من اليهود، وعليهم في أيام الرسول "يوشع بن نون اليهودي"، وإليه بُعث "مُحيصة بن مسعود" لدعوته ولدعوة قومه إلى الإسلام٢, وبها قوم من "بني مرة"٣, وقوم من "بني سعد بن بكر"٤. وكان أهل خيبر من يهود كذلك، يتحكم فيهم رؤساء منهم، ولهم حصون وآطام تحمي أموالهم ومساكنهم، فُتحت في أيام الرسول بسبب معاداة أهلها للإسلام واتفاقهم مع المشركين, وكان يظاهرهم "غطفان". ومن حصونهم "حصن ناعم" و"حصن القموص", حصن "أبي الحقيق"، و"الوطيح" و"السلالم"، وكان آخر حصون خيبر، و"الشق" و"النطاة"٥. وكاتب الرسول "بني غاديا"، وهم قوم من يهود, وكتب كتاب رسول الله إليهم: "خالد بن سعيد"٦. وكتب "خالد" كتابًا آخر إلى "بني عريض" وهم أيضًا قوم من يهود، حدد لهم الرسول ما فرضه عليهم، يؤدونه لحينه في كل عام٧. وكان يهود "بني قينقاع" قد تحالفوا مع الأوس والخزرج، تحالفوا مع "عبد الله بن أبي سلول"، كما تحالفوا مع "عبادة بن الصامت", وكانوا صاغة، ولهم سوق عرف بـ"سوق بني قينقاع"، وكانوا أشجع يهود. فلما كانت وقعة "بدر" أظهروا ميلًا إلى قريش، فحاصرهم الرسول، ثم غلبهم فأجلاهم عن ديارهم ولحقوا بأذرعات٨.

стр. 2241

ومن منازل "بني لحيان" موضع "غُرَّان"، وادٍ بين أمج وعُسفان إلى بلد يقال له "ساية". وهو موضع مرتفع غزاه الرسول غزوته التي عرفت بـ"غزوة بني لحيان" في سنة ست للهجرة١, وكان بنو لحيان ومن لافهم من غيرهم قد استجمعوا، فلما بلغهم إقبال الرسول إليهم هربوا، فلم يلقَ كيدًا٢, واعتصموا في رءوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد, ولم تستطع السرايا أن تقبض على أحد منهم، فرجع الرسول٣. وأقام "القُرطاء"، وهم "بنو قرط"، "قريط" من "بني كلاب"، بناحية "ضرية"، فبعث رسول الله إليهم "محمد بن مسلمة"، فاستاق إبلًا وغنمًا منهم، وهرب القرطاء٤. وقد أرسل الرسول "أبا بكر" لغزو "بني كلاب" بنجد، وذلك سنة سبع للهجرة, وذكر أنه غزا "بني فزارة"٥. وأرسل إليهم سنة تسع "الضحاك بن سفيان الكلابي"، ومعه "الأصيد بن سلمة بن قرط"، فلقيهم بـ"الزج" موضع بنجد، وتغلب على "القرط"٦. ولما غزا الرسول غزوة "الأبواء"، وهي غزوة "ودَّان"، وكانت أول غزوة غزاها الرسول، وادعه "مخشي بن عمرو الضميري"، وكان سيد "بني ضمير" "بني الضمير" في ذلك الوقت. والأبواء قرية من أعمال "الفرع" من المدينة، بينها وبين "الجحفا" مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا٧. وتقع ديار "بني مدلج" بناحية "ينبع"، ومن أرضهم "ذو العشيرة" وهو لبني مدلج. وقد غزاهم الرسول غزوته المعروفة بـ"ذي العشيرة" على رأس ستة عشر شهرًا من مُهاجَره، فوادعهم ووادع حلفاءهم من "بني سمرة"٨.

стр. 2242

ويظهر أن هذا الموضع إنما سمي بـ"ذي العشيرة"، نسبةً إلى الصنم "ذي العشيرة"، كان له معبد في هذا المكان، فعرف به. ومن القبائل التي أقامت على مقربة من مكة "خزاعة"، ومن رجالهم عند ظهور الإسلام "عمرو بن الحمق" الكاهن، صحب النبي وشهد المشاهد مع "علي" وقتله "معاوية" بالجزيرة, وكان رأسه أول رأس نصبت في الإسلام١, و"عمرو بن سالم الخزاعي"، الذي جاء إلى الرسول يشكو تظاهر "بني بكر بن عبد مناة بن كنانة" وقريش على خزاعة، ونكث قريش عهدهم الذي قطعوه للرسول ألا يظاهروا أحدًا على خزاعة، فكان ذلك من عوامل فتح مكة٢. ومن رجال خزاعة "بديل بن ورقاء بن عبد العزى"، شريف كتب إليه النبي يدعوه إلى الإسلام، وكان له قدر في الجاهلية بمكة٣. ومن بطون خزاعة "بنو المصطلق"، وعرفوا بـ"بلمصطلق" أيضًا، وقد كانوا ينزلون بـ"المريسيع"، وهو ماء لهم، من ناحية "قُديد" إلى الساحل. وقد كان قائدهم وسيدهم "الحارثُ بن أبي ضرار"، أبو "جويرية" التي تزوجها النبي بعد أن خرج إليهم في غزوة "بني المصطلق" من سنة ست، وهم من "خزاعة"٤. وكان "الحارث" قد سار في قومه ومن قدر عليه من العرب, ودعاهم إلى حرب الرسول. فلما وصل الرسول إلى "المريسيع"، تفرق من كان مع الحارث من العرب، وتغلب الرسول على "بني المصطلق" وأخذ منهم أسرى وغنائم، وكانت "جويرية" في جملة من وقع في الأسر فتزوجها الرسول. ومن بطون خزاعة "بنو الملوّح"، وكانوا بـ"الكديد"٥. وكان في جمله من يقيم بتهامة "بنو جذيمة بن عامر بن عبد مناة"، ومن مياههم "الغميصاء"٦. ولما توفي الرسول تجمعت بتهامة جموع من مدلج،

стр. 2243

تأشب إليهم شذاذ من خزاعة وأفناء من كنانة، عليهم جندب بن سلمى، أحد "بني شنوق"، من بني مدلج، فحاربهم "خالد بن أسيد"، وشتت شملهم, وأفلت جندب، ثم ندم على ما صنع١. وكتب الرسول لقوم من "أهل تهامة": بديل وبسر وسروات بني عمرو, ذكر فيه أنه لم يأثم مالهم، ولم يضع في جنبهم، ثم قال لهم: "وإن أكرم أهل تهامة علي وأقربهم رحمًا مني أنتم, ومن تبعكم من المطيبين". ثم أخبرهم أن "علقمة بن علاثة" قد أسلم, وأسلم "ابنا هوذة وهاجرا وبايعا على من تبعهم من عكرمة"٢. وينقل "ابن سعد" صورة كتاب كتبه "أبي بن كعب" وجهه "لجماع كانوا في جبل تهامة, قد غصبوا المارة من كنانة ومزينة والحكم والقارة ومن اتبعهم من العبيد"، فلما ظهر رسول الله، وقوي أمره، وفد منهم وفد على النبي, فكتب لهم كتابًا جاء فيه: "هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لعباد الله العتقاء. إنهم إن آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فعبدهم حر ومولاهم محمد, ومن كان منهم من قبيلة لم يرد إليها, وما كان فيهم من دم أصابوه أو مال أخذوه فهو لهم, وما كان لهم من دين في الناس رد إليهم، ولا ظلم عليهم ولا عدوان"٣. ويظهر من مضمون هذا الكتاب, ومن بيان أهل الأخبار عن الذين كانوا قد اعتصموا في جبل تهامة، أنهم كانوا من الخارجين على الأعراف، ومن الرقيق الآبق، تجمعوا في هذا المكان المرتفع وتحصنوا وأخذوا يغتصبون منه المارة. وبقوا على ذلك حتى ظهر الإسلام على أعدائه، فوجدوا إذ ذاك أنهم لن يتمكنوا بعد ظهور الرسول من الاستمرار في التحرش بالمارة والتحرز بهذا الجبل، وأن ظروفًا جديدة فد ظهرت، ستؤمن لهم سبل العيش، وأن الرسول سيعفو عنهم

стр. 2244

ويغفر لهم ما وقع منهم قبل الإسلام، فجاءوا إليه وأسلموا عنده, وكتب لهم كتاب أمان بذلك. ومنازل "كنانة" بتهامة، وهم فيها قبل الإسلام بأمد طويل. و"علقمة بن علاثة" هو "علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب"١. وهو الذي نافر "عامر بن الطفيل" عند "هرم بن قطبة بن سنان"٢. وأما "ابنا هوذة" فهما: العداء وعمرو ابنا خالد بن هوذة, من بني عمرو بن ربيعة بن عامر بن صعصعة٣. وأما "عكرمة"، فعكرمة بن خصفة بن قيس عيلان, وذكر أن مراد الرسول بـ" ومن تبعكم من المطيبين"، "بنو هاشم"، وبنو زهرة، وبنو الحارث بن فهر، وتيم بن مرة، وأسد بن عبد العزى٤. وكتب الرسول إلى "العداء بن خالد بن هوذة"، ومن تبعه من "عامر بن عكرمة"، أنه "أعطاهم ما بين المصباعة إلى الزح ولوابة", يعني لوابة الحرار. وكتب لهم الكتاب: خالد بن سعيد٥. ومن منازل "هذيل" "الرجيع"، وهو ماء لهم٦. ويقع إلى الشرق من "هذيل" ديار "ضبة" وديار "عبد مناة"، أما في جنوبها فتقع ديار "خثعم" وثقيف، وتمتد ديارها في الشمال حتى تتصل بديار "بني سليم"، ومن "هذيل" "سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي"، وكان قد جمع جمعًا ليغزو به الرسول، وكان قد نزل "نخلة" أو "عرنة"، موضعًا بقرب عرفة، أو قرية بوادي عرفة، فأرسل رسول الله إليه "عبد الله بن أنيس"

стр. 2245

فقتله١. ومن القبائل المجاورة لهذيل: "فهم" و"عدوان", وكانت ديارهم بالسراة٢. وممن كتب إليهم الرسول، ودون "ابن سعد" صور كتبه إليهم: "سعيد بن سفيان الرعلي", وقد أعطاه الرسول "نخل السوارقية وقصرها، لا يحاقه فيها أحد", وكتب الكتاب وشهد عليه "خالد بن سعيد"٣, و"عتبة بن فرقد", وقد أعطاه الرسول موضع دار بمكة، يبنيها مما يلي المروة٤. على هذا النحو كان الوضع السياسي في جزيرة العرب عند ظهور الإسلام وفي أوائل أيامه: قوى مستقلة تخشى القبائل المحيطة بها, وأذواء وأقيال في اليمن وحضرموت ورؤساء قبائل يتحكمون في مناطق نفوذ قبائلهم، ويعيشون على ما يأخذونه من أتباعهم من حق الرئيس على المرءوس في السلم وفي الحرب، وهم فيما بينهم في خصام وتنافس، لم تتركهم الخصومة من الانصراف إلى شئون رعيتهم، وهم أنفسهم لم يفكروا في الانصراف إلى ذلك. فتدهورت الأحوال، وظهر أفراد ينادون بإصلاح السال، وبالتفكير في تحسين الأوضاع وبالتعقل, وكان الصراع بين الفرس والروم, قد جسَّر الأعراب على الدولتين, وأخذت النصرانية ترسل المبشرين إلى العرب، لنشر النصرانية بينهم. وتغلب القلم المتصل الحروف، الذي صار قلم العرب والإسلام على القلم المنفصل الحروف, قلم العرب القديم، القلم المسند, وانتشر في مكة ويثرب. ونادى الأحناف بنبذ الوثنية والأوثان, ونزل الوحي على الرسول في أول العشر الثاني من القرن السابع للميلاد. وظهر الإسلام داعيًا العرب وغيرهم إلى الإيمان بإله واحد خالق لهذا الكون, وبرسالة رسوله وبما جاء به من أوامر وأحكام. فكان ظهوره نهاية للجاهلية، وبداية لعهد جديد، عهد الإسلام. وبظهور الإسلام على أعدائه في جزيرة العرب، وبقضائه على أهل الردة، أوجد لجزيرة العرب وجهًا جديدًا من وجوه الحياة، لم تشهده في حياتها ولم
следующие страницы →