وجاء وفد "خثعم" وفيه "عثعث بن زحر" و"أنس بن مدرك", فأسلموا، وكتب النبي لهم كتابا١. وقد دون "ابن سعد" صورة كتاب ذكر أن الرسول كتبه لـ"خثعم" "من حاضر بيشة وباديتها"، وأن الذي كتبه له وشهد عليه "جرير بن عبد الله" ومن حضر٢. ودون "ابن سعد" صورة كتاب آخر، أمر الرسول بكتابته لـ"مطرف بن الكاهن الباهلي", جاء فيه: "هذا كتاب من محمد رسول الله لمطرف بن الكاهن, ولمن سكن بيشة من باهلة"٣. ويظهر منه أن "مطرفًا" المذكور وقومه من باهلة كانوا يقيمون إذ ذاك بـ"بيشة", ودون "ابن سعد" صورة كتاب آخر كتبه الرسول إلى "نهشل بن مالك الوائلي" من "باهلة"٤, ولم يذكر الكتاب مواضع منازلهم.
وكان من رجال "جُعْفى" الذين وفدوا على الرسول: "قيس بن سلمة بن شراحيل" و"سلمة بن يزيد"، فأسلما واستأذنا الرسول بالعودة إلى منازلهما. فلما كانا في الطريق، لقيا رجلًا من أصحاب رسول الله، معه إبل من إبل الصدقة، فطردا الإبل، وأوثقا الراعي. ومن "جعفي" "أبو سيرة", وهو "يزيد بن مالك بن عبد الله الجعفي" وابناه "سبرة" و"عزيز"، قدم بهما أبوهما على الرسول، وأسلموا٥.
وأما "تهامة"، فكان بها عك والأشعرون، وكانوا قد ارتدوا بعد سماعهم خبر وفاة الرسول، ولكنهم غُلبوا على أمرهم، وعادوا إلى الإسلام٦.
ولما توفي الرسول، كان أول منتقض بعد النبي بتهامة عك والأشعرون, وذلك أنهم حين بلغهم موت النبي تجمعوا وأقاموا على الأعلاب طريق الساحل, فسار إليهم "الطاهر بن أبي هالة" ومعه "مسروق المكي" فهزمهم وقتلهم كل قتلة, وعرفت الجموع من عك ومن تأشب إليهم: الأخابث, وسُمِّي
стр. 2172
الطريق الذي تجمعوا به "طريق الأخابث"١.
وجاء وفد من الأشعريين، فيه "أبو موسى الأشعري" ومعه رجلان من "عك", قدم في سفن في البحر، ثم نزلوا الساحل وذهبوا برًّا إلى المدينة, فرأوا الرسول وبايعوه٢.
وأرسلت "جبشان" نفرًا إلى المدينة فيهم "أبو وهب الجشاني"، فأسلموا٣.
وكان الحكم في حضرموت إلى الأقيال كذلك. وفي أيام الرسول قدم عليه "وائل بن حجر" راغبًا في الإسلام، وكانت له مكانة كبيرة في بلده، وقد نعته كتاب الرسول الذي كتبه إليه بـ"قيل حضرموت"٤. وقد كان لكندة والسكاسك والسكون والصدف أثر كبير في تأريخ حضرموت في هذا العهد الذي نتحدث عنه.
وذكر "ابن سعد" أن الرسول كتب إلى أقيال حضرموت وعظمائهم؛ كتب إلى "زرعة" و"فهد" و"البسّي" و"البحيري" و"عبد كلال" و"ربيعة" و"حجر"٥.
وكانت كندة هي القبيلة المتنفذة بحضرموت. كان "الأشعث بن قيس بن معد يكرب الكندي" من رؤساء هذه القبيلة البارزين, وقد مدح الأعشى "قيس بن معد يكرب" بقوله:
وجُلُنداء في عُمان مُقيمًا ... ثم قيسًا في حضرموت المُنيف٦
وكان "الأشعث بن قيس" على رأس وفد كندة الذي وفد على الرسول سنة عشر، فأسلم مع قومه على يديه٧. وقد كان رجال الوفد قد رَجَّلوا جمعهم واكتحلوا، ولبسوا جباب الحبرة قد كَفّوها بالحرير، وعليهم الديباج ظاهر مخوص بالذهب، فأمرهم الرسول بترك ذلك، فألقوه٨.
стр. 2173
وذكر "أبو عبيدة"، أن "الأشعث بن قيس" لم يكن كِنديًّا، وإنما صار في كندة بالولاء. وزعم أن والد "قيس" وهو "معد يكرب" كان علجًا من أهل فارس إسكافًا اسمه "سيبخت بن ذكر", قطع البحر من توج إلى حضرموت, وللفرزدق شعر في ذلك قاله في حق "عبد الرحمن" حين خالف عبد الملك بن مروان. كما زعم أن "وردة بنت معد يكرب" عمة الأشعث كانت عند رجل من اليهود، فماتت ولم تخلف ولدًا، فأتى الأشعث "عمر بن الخطاب" يطلب ميراثها، فقال له عمر: لا ميراث لأهل ملتين١.
وقد عرف ملوك كندة الذين راسلهم الرسول بـ"بني معاوية"٢، وهم الذين عرفوا بـ"بني معاوية الأكرمين" في شعر مُدحوا به.
وكان مخوص "مخوس" ومشرح وجمد "حمدة" وأبضعة, بنو معد يكرب بن وليعة بن شرحبيل بن معاوية من الرؤساء الملقبين بلقب ملك؛ لأن كل واحد منهم قد اختص بوادٍ ملكه، ولقب نفسه بلقب ملك٣. وقد نزلوا المحاجر، وهي أحماء حموها، وقد عرف هؤلاء بالملوك الأربعة من بني عمرو بن معاوية وقد لعنهم النبي٤. وعرفوا بـ"بني وليعة" ملوك حضرموت وقد جاءوا إلى الرسول مع وفد كندة فأسلموا٥.
ووفد رئيس آخر من رؤساء حضرموت على الرسول اسمه "وائل بن حجر"، ويظهر أنه كان ذا منزلة كبيرة عند قومه، فلما وصل المدينة أمر الرسول "معاوية بن أبي سفيان" باستقباله وبإنزاله منزلا خاصا بـ"الحرة", وأمر بأن ينادى ليجتمع الناس: الصلاة جامعة، سرورًا بقدومه، ولما أراد الشخوص إلى بلاده كتب له الرسول كتابًا دعاه فيه بـ"قيل حضرموت"، وذكر فيه أنه جعل له في يديه من الأرضين والحصون. ولما أمر الرسول معاوية بأن ينزل "وائلًا" بالحرة، مشى معاوية معه ووائل راكب, فقال معاوية: الق إليَّ
стр. 2174
نعليك أتوقَّ بهما من الحر، فقال له: لا يبلغ أهل اليمن أن سوقة لبس نعل ملك، ولما قال له: فأردفني، قال: لستَ من أرداف الملوك، ولكن إن شئتَ قصرت عليك ناقتي فسرتَ في ظلها، فأتى معاوية النبي، فأنبأه بقوله، فقال رسول الله: "إن فيه لعُبَيّة من عُبَيّة الجاهلية"١.
وكان "الأشعث الكندي" وغيره من "كندة" نازعوا "وائل بن حجر" على وادٍ بحضرموت فادعوه عند رسول الله، فكتب به رسول الله لوائل بن حجر, بعد أن شهد له أقيال حمير وأقيال حضرموت. فكتب له بذلك، وأقره على ما في يده من الأرضين٢.
ومن قرى حضرموت: تريم ومشطة والنجير وتنعة وشبوة وذمار٣.
وكان الرسول قد استعمل "المهاجر بن أبي أمية" على كندة والصدف, و"زياد بن لبيد البياضي" من "بني بياضة" على حضرموت، و"عكاشة بن محصن" على "السكاسك" و"السكون"٤. ولما توفي الرسول, خرج "بنو عمرو بن معاوية" إلى محاجرهم، ونزل "الأشعث بن قيس الكندي" محجرًا، و"السمط بن الأسود" محجرًا، وطابقت "معاوية" كلها على منع الصدقة وأجمعوا على الردة، إلا ما كان من "شرحبيل بن السمط" وابنه، فإنهما خالفاهم في رأيهم، فهجم المسلمون على المحاجر، وقتلوا الملوك الأربعة, وساروا على "الأشعث" ومن انضم إليه من "كندة", والتقوا بمحجر الزرقان، فهزمت كندة وعليهم الأشعث, فالتجأت إلى حصن النجير، ومعهم من استغووا من السكاسك وشذاذ من السكون وحضرموت والنجير، فلحقتهم جيوش المسلمين ومنعت المدد عنهم، وأخضعت من بقرى "بني هند" إلى "برهوت"، وأهل الساحل وأهل "محا"، فخاف من بالحصن على نفسه، واستسلم الأشعث وانتهت
стр. 2175
فتنته١. وأُخذ إلى المدينة، فحقن "أبو بكر" دمه، وزوَّجه أخته، ثم سار إلى الشام والعراق غازيًا ومات بالكوفة٢.
وكان "شرحبيل بن السمط" الكندي مقاومًا للأشعث بن قيس الكندي في الرئاسة، وانتقل العداء إلى الأولاد٣.
وينسب "الصدف" إلى الصدف بن مالك بن مرتع بن معاوية بن كندة, فهم إذن من كندة.
وذكر أن من سادات حضرموت في هذا العهد: "ربيعة بن ذي مرحب الحضرمي", وقد كتب إليه الرسول كتابًا أقره فيه وأقر أعمامه وإخوته وكل "آل ذي مرحب" على أرضهم وأموالهم ونحلهم ورقيقهم وآبارهم ونخلهم وشجرهم ومياههم وسواقيهم ونبتهم وشراجعهم وأن "أموالهم وأنفسهم وزافرًا حائط الملك الذي كان يسيل إلى آل قيس" هو لهم. وكتب الكتاب للرسول معاوية بن أبي سفيان٤.
وكان يتنازع على رئاسة مهرة رجلان منهم عند ظهور الإسلام، أحدهما "شخريت" وهو من "بني شخراة"، وكان بمكان من أرض مهرة يقال له: "جَيْروت" إلى "نضون"، وأما الآخر فبالنجد. وقد انقادت مهرة جميعًا لصاحب هذا الجمع, عليهم "المصبح" أحد بني محارب, والناس كلهم معه، إلا ما كان من شخريت، فكانا مختلفين، كل واحد من الرئيسين يدعو الآخر إلى نفسه. وقد قتل "المصبح" في أثناء ردة مهرة، أما شخريت الذي كان قد أسلم ثم ارتد، فقد سلم على نفسه بعودته إلى الإسلام، وأرسل مع الأخماس إلى "أبي بكر"٥.
ويذكر أهل الأخبار أن بعض رجال "مهرة" وفدوا على الرسول، منهم "مَهْري بن الأبيض", وقد كتب له الرسول كتابًا, و"زهير بن قِرْضم
стр. 2176
ابن العُجيل بن قباث بن قمومي"، وقد أسلم، وكتب له الرسول كتابًا حين همَّ بالانصراف إلى قومه١.
ومن مواضع "مهرة" "رياض الروضة", بأقصى أرض اليمن من مهرة, و"جيروت" و"ظهور الشحر" و"الصبرات" و"ينعب" و"ذات الخيم"٢.
وأما عمان، فكان المتنفذ والحاكم فيها "الجلندي بن المستكبر"، وكان قد نصب نفسه ملكًا عليها، ويفعل في ذلك فعل الملوك، فيعشر التجار في سوق "دبا" و"سوق صحار". وكانت سوق دبا من الأسواق المقصودة المشهورة, يأتي إليها البائعون والمشترون من جزيرة العرب ومن خارجها، فيأتيها تجار من السند والهند والصين٣.
وورد في باب الرسل الذين أرسلهم رسول الله إلى الملوك، أنه أرسل "عمرو بن العاص" إلى "جيفر بن جلندي" و"عباد بن جلندي" "عبيد" "جيفر بن جلندي بن عامر بن جلندي" "عبدا" الأزديين صاحبي عمان٤. مما يدل على أنهما كانا هما الحاكمين على عمان في هذا الوقت. وتعني لفظة "جلنداء" الواردة في شعر الأعشى في مدح "قيس بن معد يكرب" "الجلندي" صاحب عمان٥, وتذكر الروايات أن "جيفر"، كان هو الملك منهما, وكان أسن من أخيه٦.
وكان يُسامي "الجلندي" "ذو التاج" "لقيط بن مالك الأزدي"، وقد ارتد وادعى بمثل ما ادعى من تنبأ, وغلب على عمان، والتجأ "جيفر" و"عباد" إلى الجبال". فأرسل "أبو بكر" إليهما مددًا، فتغلبا عليه وعلى من
стр. 2177
التف حوله١. ويظهر أن "لقيطا" كان ينافس ال الجلندي بن المستكبر" على السلطان، وقد اعتصم ال الجلندي" بالإسلام, وانتصروا بفضل المدد الذي وصل إليهم عليه. وقد قتل "لقيط" وسبي أهل "دبا".
وكلمة "الجلندي" على ما يظهر من روايات الإخباريين ليست اسمًا لشخص, وإنما هي لقب، وقد تعني "لقبا" أو "قيلا" أو "كاهنا" في لهجات أهل عمان. ويؤيد ذلك ما ورد من أنه "ادعى به من كان نبيا"٢.
وارتدت طوائف من أهل "عمان"، ولحقوا بالشحر، وارتد جمع من "مهرة بن حيدان بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة"، فجهز عليهم "أبو بكر" "عكرمة بن أبي جهل بن هشام المخزومي" و"حذيفة بن حصن البارقي" من الأزد، فتغلبا عليهم جميعًا، وعادوا عن ردتهم إلى الإسلام٣.
ودون "ابن سعد" صورة كتاب ذكر أن الرسول كتبه لرجل من "مهرة" اسمه "مهري بن الأبيض", كتبه له "محمد بن مسلمة الأنصاري"٤.
وغالب أهل عمان من الأزد, وهم من القحطانيين على رأي أهل الأنساب" من نسل "أزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان بن سبأ". وقد عرفوا بـ "أزد عمان"، تمييزًا لهم عن أزد شنوءة وأزد السراة وعن أزد غسان. وذكر أن أصل كلمة "أزد" هي "أسد"، وأن "أسد" أفصح من "أزد"٥, وأن الأزد نزلت عمان بعد سيل العرم، فغلبت على من كان بها من ناس٦. وأما أزد "شنوءة" فقد اتجهوا نحو الشمال، فذهب قوم منهم إلى العراق، وذكر أنهم سموا "شنوءة" لشنآن، أي: تباغض وقع بينهم أو لتباعدهم عن بلدهم٧. وإذا أخذنا بهذا التفسير، قلنا: إنه يعني أن هذه الجماعة من الأزد، كانت مستبدية أعرابية، عاشت متباغضة يقاتل بعضها بعضًا، وهذا ما دفع فلولها إلى الارتحال
стр. 2178
عن مواضعها الأصلية وعلى الانتشار والتفكك والذهاب إلى أماكن بعيدة عن مواطنها شأن الأعراب المتقابلين المتخاذلين.
ثم نراهم يذكرون أن أول من لحق بعمان من الأزد: "مالك بن فهم بن غانم بن دوس بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن مالك" وكان سبب خروجه عن قومه إلى عمان: أن كان له جار وكان لجاره كلبة، وكان بنو أخيه "عمرو بن فهم بن غانم يسرحون ويروحون على طريق بيت ذلك الرجل، وكانت الكلبة تعوي عليهم وتفرق غنمهم، فرماها أحدهم بسهم فقتلها, فشكا جار مالك إليه ما فعل بنو أخيه، فغضب مالك وقال: لا أقيم في بلد ينال فيه هذا من جاري، ثم خرج مراغمًا لأخيه عمرو ابن فهم، ثم لحقت به قبائل أخرى من الأزد"١.
ويذكر الإخباريون أن "عمان" نسبة إلى رجل اسمه "عمان بن قحطان", وكان أول من نزلها بولاية أخيه يعرب، وذكر أيضًا أن "عمان" اسم وادٍ، كان ينزل الأزد عليه حين كانوا بمأرب، وأن الفرس كانوا يسمون "عمان" "مزون"٢. وذكر أن العرب كانت تسمي "عمان" المزون. وذكر أن "أردشير بابكان" جعل الأزد ملاحين بشحر عمان قبل الإسلام بستمائة سنة، وقيل: إن المزون، قرية من قرى عمان يسكنها اليهود والملاحون ليس بها غيرهم٣.
ونزل بعمان ناس من غير الأزد, منهم جمع من "بني تميم"، ومنهم "آل جذيمة بن حازم"، وقوم من "بني النبيت" من الأنصار، ومنازلهم في قرية يقال لها "ضنك" من أعمال "السر"، و"بنو قطن"، من أهل يثرب كذلك، ومنازلهم "عبرى" و"السليف" و"تنعم" من أرض السر، وقوم من "بني الحارث بن كعب"، وآخرون من "قضاعة"، وفروع من "عبس"٤.
وكان في جملة من وفد من أزد عمان على الرسول، "أسد بن يبرح
стр. 2179
الطاحي، خرج في وفد، فبايعوا الرسول وطلبوا منه أن يرسل إليهم رجلًا يقيم أمرهم، فأمر رسول الله "مخربة العبدي"، واسمه "مدرك بن خُوط" بأن يذهب إليهم، ويعلمهم القرآن والأحكام. وجاء بعده وفد آخر فيه "سلمة بن عياذ "عباد" الأزدي"١.
ومن عمان "صحار"، وقد اشتهرت بسوقها, و"قلهات" وهي فرضة عمان على البحر، إليها ترفأ أكثر سفن الهند٢, و"دبا" "دمار", و"مهرة"٣. ويعقد سوق صحار في أول يوم من رجب، ولا يختفر فيها بخفير، ثم يرتحلون إلى سوق دبا، فيعشرهم "آل الجلندي"٤.
ودون "ابن سعد" صورة كتاب ذكر أن الرسول كتبه إلى وفد "ثُمالة" و"الحُدان", جاء فيه: "هذا كتاب من رسول الله لبادية الأسياف ونازلة الأجواف مما حاذت صحار"، ثم ورد بعدها ما وضع عليهم الرسول من حقوق. وقد كتب الصحيفة "ثابت بن قيس بن شماس"، وشهد عليها: سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة.
وأما البحرين، فجلُّ سكانها من "بني عبد القيس" وبكر بن وائل وتميم, وهم بين أهل شرك أو نصرانية وبين شراذم من يهود ومجوس. أما الوالي عليها في أيام ظهور الرسول، فكان "المنذر بن ساوي"٥, وهو من بني عبد الله بن زيد من "بني تميم". وكانوا ملوك المشقر بهجر، وكانت ملوك الفرس قد استعملتهم عليها٦. و"عبد الله بن زيد" هذا هو "الأسبذي"، نسبة إلى قرية بـ"هجر" يقال لها "الأسبذ"، ويقال: إنه نسب إلى "الأسبذيين"، وهم قوم كانوا يعبدون الخيل بالبحرين٧.
стр. 2180
و"المشقر" حصن آخر من حصون البحرين المعروفة، وهو من الحصون العادية لذلك نسب بعض أهل الأخبار بناءه إلى "سليمان بن داود" على عادتهم في إرجاع نسب الأبنية العادية إليه في الغالب, عند عجزهم عن معرفة أصل الأبنية. وذكر بعض آخر أنه من بناء "طسم", وقد كان لعبد القيس، ولهم حصن آخر يليه اسمه "الصفا" قبل مدينة "هجر"، وبين الصفا والمشقر نهر يجري يقال له "العين"، ويذكر أهل الأخبار أن "بني عبد القيس" لما جاءوا بها "إيادًا" فأخرجوهم عنها قهرًا، وأخذوا مكانهم, وأن "كسرى" حبس "تميما" بهذا الحصن، وفيه فتك "المكعبر" والي "كسرى" ببني تميم. وعرف الموضع لذلك بـ"فج بني تميم"١.
وقد ورد اسم هذا الحصن في شعر "لبيد بن ربيعة العامري"، إذ قال:
وأعوصن بالدومي من رأس حصنه ... وأنزلن بالأسباب رب المشقر
وقد ذكر شارح الديوان أن الشاعر "لبيدًا" قصد بالدومي ملك دومة الجندل, وأن المشقر حصن بالبحرين. "قال أبو عمرو: كان ربه رجلًا من الفرس"٢. وجاء في هامش التحقيق أن "المشقر: قصر بالبحرين بناه معاوية بن الحارث بن معاوية الملك الكندي، وكانت منازلهم ضرية، فانتقل أبوه الحارث إلى الغمر، وبنى ابنه المشقر، وقال ابن الأعرابي: المشقر بمدينة قديمة في وسطها قلعة، وهي مدينة هجر"٣.
وتقع ديار "عبد القيس" إلى الشمال من ديار "أزد عمان"، وهي تشرف على الخليج، وتمتد نحو الشمال حتى تصل إلى منازل قبائل "بكر بن وائل"، وقد خالطتها قبائل أخرى، وسكنت إلى الغرب من ديار "عبد القيس" قبائل "تميم" التي تمتد ديارها موازية لديار "بني عبد القيس" الواقعة إلى شرقها حتى تصل إلى ديار "بكر بن وائل" وديار "أسد" التي تؤلف الحدود الشمالية الغربية لها. وأما القبائل النازلة إلى الغرب من ديار تميم، فهي: أسد وهوازن
стр. 2181
و"غني" و"باهلة"، وأما القبائل النازلة إلى الجنوب من بلاد تميم، فهي: "أزد عمان" و"عبد مناة" و"ضبة".
ويظهر من دراسة الروايات التي يرويها أهل الأخبار عن هجرة القبائل، أن "بني عبد القيس" لما جاءوا إلى البحرين، كانت البلاد إذ ذاك لإياد، فجلت إياد من البحرين ونزحت نحو العراق، فكان ما كان لها من مواقف هناك مع الفرس١.
وسبب غدر "المكعبر" ببني تميم، هو وثوبهم على قافلة كانت محملة بالطرف والأموال أرسلها "وهرز" عامل كسرى على اليمن إلى كسرى، فاغتاظ "كسرى" من ذلك، وأراد إرسال جيش عليهم، فأخبر أن بلادهم بلاد سوء، قليلة الماء، وأشير إليه أن يرسل إلى عامله بالبحرين أن يقتلهم، وكانت تميم تصير إلى هجر للميرة، فلجأ العامل إلى الغدر بهم، فأمر مناديه أن ينادي: لا تطلق الميرة إلا لتميم، فأقبل إليه خلق كثير، فأمرهم بدخول المشقر وأخذ الميرة، والخروج من باب آخر، فدخل قوم منهم فقتلهم, ثم أجهز على الباقين، وبعث بذراريهم في سفن إلى فارس٢.
وذكر أن "المكعبر" واسمه "فيروز بن جشيش"، تحصن بـ"الزارة" وانضم إليه مجوس كانوا تجمعوا بالقطيف، وامتنعوا عن أداء الجزية، فحاصرها "العلاء" وفتحها في أول خلافة "عمر". وفتح "العلاء" "السابون" و"دارين" في الساحل المقابل من الخليج٣.
وتميم من القبائل الكبيرة التي كان لها شأن عند ظهور الإسلام، وقد سكنت في مواضع متعددة من جزيرة العرب وفي العراق وبادية الشام. وكان من أشرافها عند ظهور الإسلام: عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي، والأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، وقيس بن عاصم٤,
стр. 2182
وربيعة بن رفيع، وسبرة بن عمرو، والقعقاع بن معبد، ووردان بن محرز, ومالك بن عمرو، وحنظلة بن دارم، وفراس بن حابس١، وقيس بن الحارث, ونعيم بن سعد، ورباح بن الحارث٢, و"سفيان بن الحارث بن مصاد"٣.
وكان "الزبرقان بن بدر" على الرباب وعوف والأبناء، وقيس بن عاصم على "مقاعس" والبطون، و"صفوان بن صفوان" على "بهدى"، و"سبرة بن عمرو" على "خضم" من "بني عمرو", و"بهدى" و"خضم" قبيلتان من "بني تميم"، و"وكيع بن مالك"، و"مالك بن نويرة" على "بني حنظلة", و"وكيع" على "بني مالك"، و"مالك" على "بني يربوع". ولما وقعت "الردة"، ارتبك موقف زعماء "تميم"، وكانوا متخاصمين غير متفقين فيما بينهم، وبينهم تحاسد وتباغض، منهم من أدى الصدقة ومنهم من امتنع، وتخاصموا فيما بينهم بسبب ذلك. وزاد في ارتباكهم هذا قدوم "سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان" من الجزيرة، وكانت ورهطها في "بني تغلب" تقود أفناء "ربيعة"، ومعها "الهذيل بن عمران" في "بني تغلب" و"عقة بن هلال" في النمر، و"تاد" في إياد، و"السُّليل بن قيس" في "شيبان"، وحاروا في أمرهم، منهم من انضم إليها ومنهم من خالفها وقاتلها، ثم اتجهت نحو"مسيلمة" باليمامة واتفقت معه، ثم غادرته راجعةً إلى قومها٤.
ولما امتنع "مالك بن نويرة" عن دفع الصدقة، سار إليه "خالد بن الوليد", إلى "البطاح"، وكان قد فرق قومه، وأمرهم بعدم التعرض والمقاومة، ولكنه قتل، وانتهى بذلك أمر تميم٥.
وكان "الأقرع بن حابس بن عقال" المجاشعي الدارمي في جملة المؤلفة
стр. 2183
قلوبهم١, وهو من سادات تميم. وذكر أنه كان على دين المجوس٢.
ولقبيلة تميم صلات بملوك الحيرة، وقد كانت "الردافة" إليها, وهي مكانة ودرجة مهمة جدا، لا تعطى إلا للقبائل المتنفذة القوية. ومع ذلك فقد وقعت بينها وبينهم خطوب ومعارك, لما في طبع القبائل من شق عصا الطاعة عند شعورها بوجود وهن في الحكم, وبأن في إمكانها الانفراد بنفسها في الحكم. كما كانت لها صلات متينة برجال مكة التجار، ولها معهم أعمال وتجارة وعهود وحبال؛ لحماية قوافل قريش ولتأمين وصولها سالمة إلى الأماكن التي كانت تقصدها.
ونجد تميمًا تحارب "بكر بن وائل" ومن يشد أزرها ويعاونها من "الأساورة" وذلك يوم "الصليب". وقد انتصر "بنو عمرو" وهم من تميم على "بني بكر"، وقُتل "طريف" "رأس الأساورة"٣. وقد كانت "بكر بن وائل" من القبائل المؤيدة للساسانيين, وكان الفرس يقومونهم ويجهزونهم، ويشرف على تجهيزهم عاملهم على "عين التمر"٤.
وتظهر صلات "تميم" الطيبة بقريش من أخبار أهل الأخبار عن تجارة قريش وعن الطرق التي كان يسلكها تجارهم لوصولهم إلى الأسواق، مثل سوق دومة الجندل والمشقر والأسواق الأخرى. لقد كانت الطرق المؤدية إلى تلك الأسواق تمر بأرضين هي لأحياء من تميم، ولم تكن هذه الأحياء تتعرض لتجار مكة أو للتجار المتحالفين معهم والذين يتاجرون باسمهم، بأي سوء. على العكس كانت تحترمهم وتقدم لهم المعونة؛ لوجود حبال وعهود عقدها ساداتهم مع سادات قريش. ونظرًا إلى ما كان من حلف بين "كلب" و"تميم"، فقد صار في وسع تاجر مكة ومن هو في حلفه أو يتاجر بحماية تجار مكة، المرور في منازل "كلب" بأمن وسلام٥.
ومن ديار تميم "الحزن"، وهو لـ"بني يربوع", وهو مرتع من مراتع
стр. 2184
العرب، فيه رياض وقيعان، وقيل: هو صقع واسع نجدي بين الكوفة وفيد، وقيل: هو قف غليظ، ومربع من مرابع العرب، بعيد عن المياه، فليس ترعاه الشياه ولا الحمر، فليس فيها دمن ولا أرواث١, وعرف بأنه بلاد بني يربوع. وهناك حزن آخر ما بين زبالة فما فوق ذلك مصعدًا في بلاد نجد, وفيه غلظ وارتفاع. وقد ورد ذكر "الحزن" في شعر للأعشى، حيث يقول:
وما روضة من رياض الحزن، معشبة ... خضراء جاد عليها مُسبل هطل
وذكر أنه موضع كانت ترعى فيه إبل الملوك، وهو من أرض "بني أسد"٢.
وكانت قوافل قريش إذا قصدت "دومة الجندل"، وسلكت السبل التي تمر بـ"الحزن"، فإنها تكون آمنة مطمئنة؛ لأنها تمر ببلاد مضر، ولا يتحرش مضري بمضري. وكان إذا عادت وأرادت سلوك مواضع الماء، مرت بديار كلب، فتكون عندئذ آمنة مطمئنة؛ لأن لكلب حلفًا مع "تميم" و"تميم" من مضر ولها صلات وعلاقات بمكة. وإذا مرت بحزن أسد، فإنها تكون آمنة كذلك؛ لأن "بني أسد" من مضر. وإذا دخلت ديار "طيء"، صارت آمنة أيضًا؛ لأن لطيء حلفًا مع بني أسد.٣
ويظهر أنه قد كانت لتميم صلات بقريش وبمكة تعود إلى أيام سابقة على الإسلام, إذ نجد في روايات أهل الأخبار أن نفرًا منهم كانوا يذهبون إلى مكة ومنهم من كان يذهب إليها للاتجار. فقد ذكر أن تميميا كان متجره بمكة، وقد اختلف مع "حرب" فاعتدى عليه "حرب", فذهب التميمي إلى "بني هاشم" واستجار بهم، فأجاره "الزبير بن عبد المطلب" رئيس "بني هاشم"٤, وذكر أن نفرًا من "بني دارم" كانوا في جوار رجال من "بني هاشم"٥.
بل يظهر أنه قد كان لهذه القبيلة علاقة بمكة نفسها وبسوق عكاظ، وهو
стр. 2185
سوق مهم تقصده قريش، وكانت تتحكم في شئونه، فلتميم صلة بـ"الإفاضة"، ولها صلة بالحكومة في سوق عكاظ، وقد ذكر أهل الأخبار أسماء عدد من حكام تميم حكموا بعكاظ. وكانت هي وقريش وكنانة، تدير مراسم الحج وتحافظ على شعائره، مما يدل على أنها كانت ذات صلة قديمة بمكة، ولا سيما بعض أحياء منها، مثل "بني دارم" الذين ظهروا على أكثر أحياء تميم. ولعل ابتعادها عن مكة وارتحال أحيائها إلى مواطن بعيدة عن مكة، قد باعد فيما بينها وبين قريش، وقلل من صلاتها بهم.
وتتجلى هذه العلاقة في تزوج قريش من "تميم"، مع ما عرف عن قريش من الامتناع من التزوج من غير قريش، وقد روى أهل الأخبار أسماء جماعة من أشراف مكة، كانت أمهاتهم من "تميم". ونجد في مكة رجالًا من تميم تحالفوا مع رجال من مكة، فصاروا من حلفائهم١.
وقيام "تميم" بمهمة "الحكومة" قي سوق عكاظ، وبـ"الإجازة"، يدل على أهمية مركز هذه القبيلة بالنسبة لقريش, وما كانت قريش تعطي "الإجازة" لتميم لولا ما كان لها من نفوذ ومن علاقات طيبة بقريش. وقد افتخر "بنو تميم" بالحكومة في "عكاظ", وبالإجازة في الجاهلية وفي الإسلام٢.
وكان "بنو عبد القيس" من قبائل البحرين المتنفذة, وكانت غالبيتهم على النصرانية، ومنهم كان "الجارود بن عمرو بن حنش بن المعلي"، الذي قدم في وفد عبد القيس إلى الرسول، فأسلم على يديه، وقد رفض الدخول فيما دخل فيه قومه من الردة عن الإسلام والعودة إلى النصرانية وتأييد "الغرور": المنذر بن النعمان بن المنذر٣. وكان في جملة الوفد الذي قدم على الرسول عام الفتح: "عبد الله بن عوف الأشج"، و"منقذ بن حيان"، وهو ابن أخت الأشج، فأسلما وعادا إلى ديارهما٤.
ودون "ابن سعد" صورة كتاب ذكر أن الرسول وجهه إلى "الأكبر بن عبد القيس", ولم يشر إلى المراد من "الأكبر بن عبد القيس". ومما جاء فيه
стр. 2186
أن "العلاء بن الحضرمي" "أمين رسول الله على برها وبحرها وحاضرها وسراياها وما خرج منها، وأهل البحرين خفراؤه من الضيم وأعوانه على الظلم وأنصاره في الملاحم"١.
وكان الرسول قد أرسل "العلاء بن الحضرمي" سنة ثمانٍ قبل فتح مكة إلى "المنذر بن ساوي العبدي"، يدعوه إلى الإسلام، فأسلم، فهلك بعد وفاة الرسول بشهر، وارتد بعده أهل البحرين٢. واجتمعت "ربيعة" بالبحرين وارتدت، وملكوا عليهم "المنذر بن النعمان بن المنذر الغرور"، وكان يعاونه "الغرور بن سويد" أخي النعمان بن المنذر، ويسمى "المنذر بن سويد بن المنذر"٣, وكان رأس أهل الردة "الحطم بن ضبيعة" أخو بني قيس بن ثعلبة، فجمع من اتبعه من بكر بن وائل، حتى نزل القطيف وهجر، واستغوى الخط ومن فيها من الزط والسيابجة، وبعث بعثًا إلى "دارين" وبعث على "جواثي" فحصرهم٤, وكان قد منى "سويد بن المنذر" بأن يجعله كالنعمان بالحيرة، غير أنه فشل وغلب المسلمون أهل الردة، وقتل "الحطم"٥.
وكان "المنذر بن النعمان" يسمى "الغرور"، فلما ظهر المسلمون قال: لست بالغرور ولكني المغرور، ولحق هو وفُلّ "ربيعة" بالخط، فأتاها "العلاء" ففتحها وقتل المنذر ومن معه. وذكر أنه نجا فدخل إلى "المشقر"، ثم لحق بسليمة فقتل معه. وذكر أنه قتل "يوم جواثا"، وذكر أنه استأمن ثم هرب فلحق فقتل٦, وقيل: إنه أسلم.
والمنذر بن ساوي هو رجل عربي من "بني تميم" من "بني دارم" على رأي أكثر أهل الأخبار، وقد ذهب بعضهم إلى أنه من "بني عبد القيس". ولكن أكثرهم على أنه "المنذر بن ساوي بن الأخنس بن بيان بن عمرو بن عبد الله بن زيد بن عبد الله بن دارم التميمي الدارمي"٧. وكان هو المتولي على البحرين في أيام الرسول.
стр. 2187
ونجد في طبقات ابن سعد صورة كتاب أرسله الرسول إلى "المنذر بن ساوي", يذكر فيه أن رُسُل رسول الله قد "حمدوك، وأنك مهما تصلح أصلح إليك وأثبتك على عملك وتنصح لله ولرسوله"، كما نجد للرسول كتابًا آخر، يخبر "المنذر" فيه أنه قد بعث إليه "قدامة" و"أبا هريرة"، و"فادفع إليهما ما اجتمع عندك من جزية أرضك". وأرسل كتابًا مثله إلى "العلاء بن الحضرمي" يخبره فيه، أنه بعث إلى المنذر بن ساوي من يقبض منه ما اجتمع عنده من الجزية، فعجله بها, وابعث معها ما اجتمع عندك من الصدقة والعشور, وكاتب الكتابين أبي١. وكتب المنذر كتابًا إلى الرسول، جاء فيه: "إني قرأت كتابك على أهل هجر، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه"٢.
وفي طبقات ابن سعد كتاب من الرسول، ذكر أنه أرسله إلى "الهلال صاحب البحرين"، فيه دعوة لهلال إلى الإسلام وإلى عبادة الله وحده والدخول في الجماعة فإن ذلك خير له٣. ويظهر أن هلالًا هذا كان أحد سادات البحرين في هذا الوقت، وأنه كان قد تأخر عن "الجماعة" أي: قومه, في الدخول في الإسلام، فكتب الرسول له ذلك الكتاب.
وأما "هجر"، فكان عليها عند ظهور الإسلام مرزبان يدعى "سيبخت" وإليه ذهب أيضًا العلاء بن الحضرمي يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وأسلم معه جميع العرب وبعض العجم٤, وأما أهل الأرض هناك من اليهود والنصارى والمجوس، فقد صالحوا العلاء على الجزية٥. وهَجَر سوق من أسواق الجاهلية، يؤمها "بنو محارب" من "عبد القيس"٦. ويظهر من كتاب أمر رسول الله بتدوينه إليه، أنه لما أسلم وصدق أرسل إلى رسول الله رسولًا يخبره بذلك اسمه "الأقرع"، فكتب إليه الرسول كتابًا حمله إليه الأقرع صاحبه، ويذكر رسول الله فيه أنه
стр. 2188
علم بما جاء في كتاب "سيبخت" إليه، وأنه يحثه ويدعوه إلى القيام بشعائر الإسلام١.
وقد ذهب بعض أهل الأخبار إلى أن هجرًا كانت قاعدة البحرين، وقال بعض آخر: إنها اسم لجميع أرض البحرين، وقد اشتهرت بالتمر، فقيل في المثل: كمُبضِع التمر إلى هجر، كما عرفت بأوبئتها. وقد رُوي أن الخليفة عمر قال: "عجبت لتاجر هجر وراكب البحر"، كأنه أراد ذلك لكثرة وبائها، فعجب من تاجر يذهب لذلك إليها، كما عجب من راكب البحر؛ لأنه سواء في الخطر. ويظهر أنها كانت كثيرة المياه ذات مستنقعات؛ لذلك تفشت بها الأوبئة. وذكر الإخباريون أنها عرفت بـ"هجر"، نسبة إلى "هجر بنت المكفف"، وكانت من العماليق، أو من العرب المتعربة، وكان زوجها محلم بن عبد الله صاحب النهر الذي بالبحرين، ويقال له: نهر محلم, وهناك عين ماء عرفت بعين هجر وبعين محلم٢.
وذكر أهل الأخبار أن "ملك هجر"، ولم يشيروا إلى اسمه، كان قد سوَّد "زُهرة بن عبد الله بن قتادة بن الخوية"، ووفده على النبي، وأنه كان في جيش "سعد بن أبي وقاص" الذي أرسله إلى العراق، فجعله "سعد" من "أمراء التعبية"٣. ولعلهم قصدوا بذلك المرزبان "سيبخت"، الذي ذهب إليه "العلاء بن الحضرمي" بأمر الرسول ليدعوه إلى الإسلام، فأسلم على يديه.
ويعرف الساحل المقابل لجزيرة "أوال" من جزر البحرين، بـ"السيف" سيف البحر، والسيف في اللغة: ساحل البحر٤, ويليه "الستار": "ستار البحرين"٥.
و"كاظمة" جو على سيف البحر، وفيها ركايا كثيرة وماؤها شروب٦.
стр. 2189
وعرفت بـ"كاظمة البحور"١, وقد أكثر الشعراء من ذكرها٢. وهي موضع مجهول في الوقت الحاضر، يظن أن مكانه على ساحل الجون المقابل لموضع "الجهرة"، ويعرف ذلك الموضع بـ"دوحة كاظمة"٣.
وكان على الأبلة وما والاها "قيس بن مسعود بن خالد"، فلما علم بما فعله كسرى بملك الحيرة، تفاوض سرًّا مع بكر، واتفق معها على مساعدتها. فلما انتهت معركة "ذي قار" لم يجرؤ كسرى أن يلحق به أذى ما هو في أرضه، فعمد إلى الحيلة للانتقام منه، بأن كتب إليه يطلب منه المجيء لرؤيته، فلما ذهب إليه، قبض عليه وحبسه في قصره بالأنبار أو بساباط٤. وقد عده أهل الأخبار في المعدودين من "أجواد الجاهلية", وذكروا أنه كانت له مائة ناقة معدة للأضياف, إذا نقصت أتمها؛ وقد مدحه لذلك الشعراء. وعد من "ذوي الآكال", وذكر أن كسرى كان قد أطعمه "الأبلة" وثمانين قرية من قراها٥.
وكان على اليمامة "هوذة بن علي الحنفي"، وكان ملكًا على دين النصرانية، وإليه أرسل رسول الله "سليط بن عمرو" "سليط بن قيس بن عمرو الأنصاري" يدعوه إلى الإسلام. فأرسل "هوذة" وفدًا إلى الرسول ليقول له: "إن جعل الأمر له من بعده أسلم، وسار إليه ونصره، وإلا قصد حربه، فقال رسول الله ﷺ : لا، ولا كرامة"٦. ثم مات بعد قليل، وذكر أنه كان شاعر قومه وخطيبهم، وكانت له مكانة عند العرب٧.
وذكر أنه كان من "قُرَّان" من مواضع اليمامة، وأهلها أفصح بني حنيفة.
стр. 2190
وأنه كان من وجهاء قومه. وقد نسب على هذه الصورة: "هوذة بن علي بن ثمامة بن عمرو الحنفي" من بكر بن وائل١. وورد أن تميمًا كانت قد قتلت والد "هوذة"، وأن هوذة كان يكره بني تميم كرهًا شديدًا حتى إن كسرى حين سأله عنهم, أجابه: "بيني وبينهم حساء الموت، فهم الذين قتلوا أبي". وورد أن كسرى سأل هوذة عن عيشه وعن ماله، فقال: "أعيش عيشة رغيدة، وأغزو المغازي، وأحصل على الغنائم"٢. ولكن الظاهر أنه لم يكن كفؤًا لبني تميم, وأن ملكه لم يتجاوز حدود اليمامة.
وزعم أهل الأخبار أن "كسرى" توجَّه إلى اليمامة، أو أنه سمع بجوده وكرمه، فاستدعاه إليه، ولما وجد فيه عقلًا وسياسة ورجاحة رأي توَّجه بتاج من تيجانه؛ ولذا لقب هوذة بـ"صاحب التاج"، وأقطعه أموالًا بـ"هجر"، وكان نصرانيا. وقيل: إن كسرى دعا بعقد من الدر فعقد على رأسه وكساه قباء ديباج مع كسوة كثيرة، فمن ثم سمي هوذة ذا التاج. وذكر أن سبب استدعاء كسرى له، أنه أكرم رجال العير التي حملت ألطاف وهدايا وأموال "وهرز" التي أرسلها من اليمن إلى "كسرى"، وكانوا قد انتُهبوا حتى لم يبق عندهم شيء، فصاروا إلى "هوذة"، فأكرم مثواهم وآواهم وكساهم وزودهم وحماهم، وسار معهم إليه، فأكرمه كسرى على النحو المذكور٣. وقيل: إنه لم يكن صاحب تاج، وإنما كان يضع على رأسه إكليلًا رصعه بأحجار ثمينة كأنه التاج تشبهًا بالملوك٤.
ويروي أهل الأخبار أن الشاعر الأعشى قال في حق هوذة:
له أكاليل بالياقوت فصَّلها ... صوَّاغها لا ترى عيبًا ولا طبعا
стр. 2191
وذكر أنه كان أول معدّيّ لبس التاج، ولم يلبس التاج معدي غيره١.
ويظهر من روايات أهل الأخبار عن يوم الصفقة وعن يوم المشقر، أن نفوذ "هوذة" لم يكن واسعًا بعيدًا، بل كان محدودًا بحدود قبيلته، وأنه لم يكن في مستوى ملوك الحيرة أو آل غسان، بل كان سيد قومه إذ ذاك، حتى إنه لما طمع في الجعالة التي كان الفرس يعطونها لمن يتولى خفارة قوافلهم الآتية من اليمن إلى العراق أو الذاهبة من العراق إلى اليمن، ووافق الفرس على أن يعطوه ما أراد، وسار مع القافلة خفيرًا لها من "هجر" حتى "نطاع"، وبلغ "بني سعد" ما صنعه "هوذة", خرجوا عليه وأخذوا ما كان مع الأساورة والقافلة وما معه، وأسروه، حتى اشترى منهم نفسه بثلاثمائة بعير، وقد عُيِّر في ذلك، وتغنى شاعر "بني سعد" بذلك اليوم، الذي سيق فيه هوذة, وهو مقرون اليدين إلى النحر، فلما استلم بنو سعد الإبل المذكورة جاءوا به إلى اليمامة فأطلقوه٢.
ويذكر أهل الأخبار أن هوذة سار مع من تبقى من الأساورة وبقية فلول القافلة إلى "كسرى"؛ ليخبره بما حدث له، وبما فعلت به بنو تميم، ودخل على ملك الفرس فأكرمه، وأمر بإسقائه بكأس من ذهب، ثم أعطاه إياه وكساه قباء, له ديباج منسوج بالذهب واللؤلؤ وقلنسوة قيمتها ثلاثون ألف درهم وحباه ثم عاد إلى بلاده. ولو كان هوذة قد جاء كسرى بخبر انتصار وإنقاذ للقافلة جاز لنا أخذ هذا الوصف على محمل الصدق، أما وأن الرواية هي في موضوع هزيمة واندحار، فإن من الصعب علينا التصديق بها، ولا سيما وأن ملوك الفرس كانوا أصحاب غطرسة وكانوا إذا جاءهم أحد بخبر هزيمة قابلوه بالازدراء والتبكيت وبإنزال اللعنات عليه في الغالب، وليس في هذا الموقف ما يدعو إلى إسقاء هوذة بكأس من ذهب.
ويذكر أهل الأخبار أن اليمامة من نجد، وقاعدتها "حجر"، وكانت
стр. 2192
تسمى "جدا" في الأصل، كما عرفت بـ"جو". وذكروا أنها سميت "يمامة" نسبة إلى "اليمامة بنت سهم بن طسم"، وكانت منازل طسم وجديس في هذا المكان, وقد تناولتها الأيدي حتى صارت في أيدي "بني حنيفة" عند ظهور الإسلام, في قصص من قصص أهل الأخبار١.
واليمامة من الأماكن الخصبة في جزيرة العرب، وبها "وادي حنيفة", وبه مياه ومواضع كانت عامرة ثم خربت، وهي اليوم خراب أو آثار, وقد اشتهرت قراها ومزارعها، وكانت من أهم الأرضين الخاضعة لمملكة كندة. ويظهر أن سيلًا جارفًا أو سيولًا عارمة اكتسحت في الإسلام بعض قراها فهجرت, إذ ترى في هذا اليوم آثار أسس بيوت مبنية من اللبن ومن الطين، يظهر أنها اكتسحت بالسيول وجاءت الرمال فغطتها بغطاء لتستر بقاياها عن رؤية النور٢. وقد ذكر أهل الأخبار أن اليمامة كانت من "أحسن بلاد الله أرضًا وأكثرها خيرًا وشجرًا ونخيلًا"٣, وبها مياه كثيرة, وقد عرف أهلها بالنشاط وبالتحضر، وذلك بسبب وجود الماء بها، إذ أغرى سحر الماء الناس على الإقامة عند مواضع المياه، فنشأت مستوطنات كثيرة. ولا زال أهل اليمامة يعدون من أنشط سكان المملكة العربية السعودية.
وحدود اليمامة من الشرق البحرين ومن الغرب تنتهي إلى الحجاز، وأما من الشمال فتتصل بوادٍ متصل بالعذيب والضرية والنباج وسائر حدود البصرة وجنوبها بلاد اليمن, هذا على تعريف "ابن رستة", وتبعد "جو" وهي الحضارم عن حجر يومًا وليلة٤. ومن مواضع اليمامة "منفوحة"، وهي قرية مشهورة كان يسكنها الأعشى وبها قبره, وهي لبني قيس بن ثعلبة بن عكابة٥. ومن مواضع اليمامة الأخرى "المعلاة" من قرى "الخرج"٦.
стр. 2193
ومن أبرز قبائل اليمامة في أيام الرسول "بنو حنيفة"، و"حنيفة" لقب "أثال بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل". ويذكر أهل الأخبار، أن "الأحوى بن عوف" المعروف بجذيمة، لقي أثالًا فضربه فحنفه، فلقب حنيفة، وضربه أثال فحذمه جذيمة, فقال جذيمة:
فإن تَكُ خنصري بانت فإني ... بها حنفت حاملتي أثال١
وقد وفدَ وفدٌ منهم، فيه "مسيلمة بن حبيب" الذي عرف بـ"الكذاب" لادعائه النبوة، وكان قد طلب من الرسول أن يشركه معه في الأمر, وادعى النبوة، ثم قتل, وكان يسجع السجعات مضاهاة للقرآن٢. وممن كان في هذا الوفد: "رحال بن عنفوة"، وقد شهد لمسيلمة أن رسول الله أشركه في الأمر فافتتن الناس به، و"سلمي بن حنظلة السحيمي" و"طلق بن علي بن قيس" و"حمران بن جابر بن شمر" و"علي بن سنان" و"الأقعس بن مسلمة" و"زيد بن عبد عمرو"، وعلى الوفد "سلمي بن حنظلة"٣.
ويذكر أن "سجاح"، وهي "سجاح بنت أوس بن العنبر بن يربوع" التميمية التي تكهنت وادعت النبوة، أتت "مسيلمة الكذاب"، وهو بـ"حجر", فتزوجته، وجعلت دينها ودينه واحدًا، وكان قد اتبعها قوم من "بني تميم" وقوم من أخوالها من "بني تغلب"٤.
ومن "بني حنيفة": "عُمير" و"قُرين" ابنا "سلمي". وكان "عمير" أوفى العرب، قتل أخاه "قرينًا" بقتيل قتله من جيرانه٥. ومنهم "مجاعة بن مرارة بن سلمي"، وكان رسول الله قد أقطعه "الغورة" و"غرابة" و"الحبل", ثم أقطعه "أبو بكر" "الخضرمة" ثم أقطعه "عمر" "الرياء", ثم أقطعه "عثمان" قطيعة أخرى٦.
стр. 2194
ومن رجال اليمامة "محكم بن الطفيل بن سبيع" الذي يقال له "محكم اليمامة"، وقد ارتد وقتل مع من قتل من المرتدين١.
ومن قبائل اليمامة: بنو باهلة بن أعصر، وبنو نمير, وأحياء من تميم. واستقرت بطون من بكر وعنزة وضبيعة في القسم الشرقي من اليمامة حتى البحرين، واتصلت منازل بطون منها بالعراق٢, كما كان بها "بنو هزان" وهم من قطنة اليمامة القدامى, إذ نجد أهل الأخبار يرجعون تأريخهم بها إلى أيام طسم، أي: إلى أيام العرب العاربة أو العرب البائدة الأول. والظاهر أن أهل الأخبار قد حاروا في أمر "هزان", فجعلوهم من العرب البائدة ودعاهم الهمداني بـ"هزان الأولى"٣, وجعلوهم من اليمن ونسبوهم إلى "قحطان" وجعلوهم من "معد", وهم الذين بقوا في يارهم اليمامة إلى الإسلام وفي الإسلام٤.
ويظهر من روايات أهل الأخبار، أنهم قصدوا قبائل مختلفة لا قبيلة واحدة هي "هزان" التي ظلت باقية ولها بقية في اليمامة حتى اليوم. ولكننا نستبعد كون القبائل الثلاث قبيلة واحدة في الأصل, بدليل أن أهل الأخبار يذكرون أن هزان اليمانية الأصل كانت تقيم في اليمامة, وأن هزان "معد" هم من أهل اليمامة أيضا، أي: إن مواطن القبيلتين واحدة، بل إن منهم من يرجع مواطن هزان الأولى إلى اليمامة كذلك، وهذا ما يحملنا على القول: إن الهزانيين كلهم من قبيلة واحدة، بقيت فروعها في مواطنها القديمة اليمامة حتى اليوم، ولا قيمة لما يرويه أهل الأنساب من سرد نسب كل قبيلة من القبائل الثلاث إلى العرب البائدة أو إلى العرب العاربة أو إلى العرب المستعربة.
والظاهر أن "بني حنيفة" ضغطوا على الهزانيين، فاغتصبوا معظم أرضهم باليمامة، فقل بذلك شأنهم، وصاروا دون "بني حنيفة" في القوة. ومن "بني هزان" تزوج الأعشى، ثم أكرهوه على تطليقها، فطلقها حين ضربوه، وأصروا عليه بلزوم تخليه عنها ففعل، فقال في ذلك شعرًا، رواه الرواة.
стр. 2195
ومنهم نفر أسروا "الحارث بن ظالم المري"، ولم يكونوا يعرفونه، وظنوه صعلوكًا، ثم باعوه إلى نفر من القيسيين بزق خمر وشاة، وقيل: من بني سعد. ومنهم كان قاتل حيان بن عتبة بن جعفر بن كلاب، وهو المعروف بصاحب الرداع١.
ومن مواطن "هزان" العلاة، وهو جبل من جبال اليمامة، وبرك, ونعام، وشهوان، وماوان، والمجازة. ويلاحظ أن أخلاطًا من قبائل أخرى جاورت "بني هزان" وسكنت معهم, منهم "بنو جرم" و"بنو جشم" و"الحارث بن لؤي بن غالب بن فهر" من قريش، و"ربيعة" وهم من اليمن٢.
وأما منازل طيء عند ظهور الإسلام فجبلَا طئ: أجأ وسلمى، غير أن هناك بطونًا من طيء كانت قد انتشرت في أماكن أخرى، فنزلت في العراق وفي بلاد الشام وفي أماكن أخرى في جزيرة العرب.
وطيء من القبائل التي كان لها شأن كبير قبل الإسلام, ولعلها كانت من أشهرها وأعرفها قبيل الميلاد وفي القرون الأولى للميلاد، بدليل إطلاق السريان كلمة "طيايا" على كل العرب، من أي قبيلة كانوا, أي: إنها استعملت عندهم بمعنى "عرب"، وأصلها من اسم القبيلة التي نتحدث عنها وهي قبيلة "طيء".
ولم تكن طيء متصافية فيما بينها متحابة، فوقعت بين عشائرها حروب، حتى تداخل "الحارث بن جبلة" الغساني فيما بينها, فأصلح حالها، فلما هلك عادت إلى حربها، فالتقت جديلة وغوث بموضع تحاربتا فيه، قتل فيه قائد بني جديلة، وهو أسبع بن عمرو بن لأم، وأخذ رجل من سنبس أذنيه فخصف بهما نعليه، فعظم ما صنعت الغوث على أوس بن خالد بن لأم، وعزم على لقاء الغوث بنفسه، وحلف ألا يرجع عن طيء حتى ينزل معها جبليها أجأ وسلمى، وتجبى له أهلها، وكان لم يشهد الحروب المتقدمة، لا هو ولا أحد من رؤساء طيء، كحاتم، وزيد الخيل، وغيرهما من الرؤساء. فلما أقبلت جديلة وعلى
стр. 2196
رأسها أوس بن حارثة بن لأم، وبلغ الغوث جمع أوس لها، أوقدت نارًا على ذروة أجأ، وذلك في أول يوم توقد فيه النار، فأقبلت قبائل الغوث، كل قبيلة وعليها رئيسها، ومنهم زيد الخيل، وحاتم، وتلاحمت بجديلة في يوم اليحاميم ويعرف أيضًا بقارات حوق، الذي انتهى بهزيمة منكرة حلت بجديلة, فلم تبق لها بقية للحرب، فدخلت بلاد كلب، وحالفتهم وأقامت معهم١.
وكان سيد طيء في أيام الرسول "زيد الخيل بن مهلهل الطائي"٢, وهو ممن قدم على الرسول في وفد طيء, وقد قطع له الرسول فيدًا وأرضين معه، وكتب له بذلك، ولكنه توفي في موضع يقال له "فردة" من بلاد نجد من حمى علقت به أثناء إقامته بيثرب، فلما يبلغ مكانه٣. وقد مدحه الرسول وأثنى عليه٤, و"زيد الخيل" الذي سماه الرسول "زيد الخير" هو من "بني نبهان" من "طيء". وكان في الوفد رجال آخرون منهم: "وزر بن جابر بن سدوس" من "بني نبهان"، و"قبيصة بن الأسود بن عامر" من "جرم طيء"، و"مالك بن عبد الله بن خيبري"، من "بني معن"، و"قُعين بن خليف بن جديلة"٥.
ومن "طيء" الرجل الذي ضرب بجوده المثل، والذي لا زال الناس يذكرون اسمه على أنه المثل الأعلى في الكرم، وهو "حاتم الطائي", مقري الضيوف ومغيث الفقراء. فمدحه لجوده الشعراء: عبيد بن الأبرص والنابغة الذبياني وبشر بن أبي حازم وغيرهم, وكان مضربه ملجأ للمحتاجين ولمن يسلك الطريق يريد "الحيرة". ونظرًا لجوده وكرمه هابته العرب وصارت له دالة ومكانة عند ملوك الحيرة وعند آل غسان٦. وذكر أنه "إذا أسر أطلق، ومر في سفره على عنزة وفيهم أسير، فاستغاث به الأسير ولم يحضره فكاكه, فاشتراه من العنزيين،
стр. 2197
وأقام مكانه في القدّ حتى أُدي فداؤه١.
وقد توفي "حاتم الطائي" قبل الإسلام، وانتقلت رئاسة طيء منه إلى ابنه "عدي بن حاتم طيء"، وكان نصرانيا يسير في قومه بالمرباع، وكان بمثابة الملك فيهم، فلما جاءت خيل الرسول سنة تسع بلاد طيء، قرر اللحوق بأهل دينه من النصارى بالشام، ثم ترك الشام ولحق بالمدينة فأسلم وأكرمه الرسول٢, وعينه الرسول على صدقة طيء وأسد٣.
وذكر أن "عمرو بن المسبح بن كعب بن عمرو بن عصر بن غنم", الذي كان أرمى العرب، وهو الذي ذكره "امرؤ القيس" في شعره وأشار إليه، هو من "طيء"، كان قد أدرك الرسول، ووفد عليه٤.
وقد وقع بين طيء نزاع أدى إلى وقوع حروب وأيام بينها، ومن بينها يوم عرف بـ"يوم اليحاميم". وقد كان "الحارث بن جبلة الغساني" قد أصلح بين قبائلها، فلما هلك عادت إلى حروبها، فالتقت جديلة والغوث، فقتل "أسبع بن عمرو بن لأم"، وهو من جديلة وقائدها، قُتل في موضع يقال له "غرثان"، وأخذ رجل من "سنبس" أذنيه فخصف بهما نعليه، فغضبت "بنو جديلة"، وأقسم "أوس بن خالد بن لأم" على الانتقام من "الغوث" ومنهم "بنو سنبس", وأخذ في حشد قومه "جديلة"، وبلغ الغوث ذلك، فأوقدت النار على "أجأ"، فأقبلت قبائل الغوث، وعلى رأسها ساداتها ومنهم "زيد الخيل" و"حاتم الطائي"، ووقع القتال بين جديلة والغوث في موضع يقال له "قارات حوق"، فانهزمت جديلة، وقتل فيها أبرح القتل، حتى لم تبق لها بقية للحرب، فدخلت بلاد كلب وحالفوا كلبًا وأقاموا معهم, وعرف هذا اليوم بـ"يوم اليحاميم"٥.
وكتب الرسول كتبًا إلى جماعة من "طيء", منهم "بنو معاوية بن جرول"،
стр. 2198
و"عامر بن الأسود بن عامر بن جوين الطائي"، وجماعة من "بني جوين"، و"لبني معن" الطائيين.١
وتقع إلى الشرق من ديار "طيء" منازل "أسد" وإلى الشمال من ديار أسد منازل "بكر", وأما إلى الجنوب من منازل "أسد" فديار "هوازن"، و"غطفان"، وتتاخم ديار أسد من الشرق قبائل "عبد القيس" و"تميم".
ولما أخذت الوفود تترى على المدينة لمبايعة الرسول والدخول في الإسلام، كان وفد "أسد" في جملة الوفود التي بايعت الرسول ودخلت في الإسلام، وذلك سنة تسع للهجرة. وكان فيه "حضرمي بن عامر" و"ضرار بن الأزور" و"وابصة بن معبد" و"قتادة بن القايف"، و"سلمة بن حبيش" و"طلحة بن خويلد" و"نقادة بن عبد الله بن خلف"، ومعهم قوم من "بني الزنية"، وهم من "مالك بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد".٢
وكتب رسول الله كتابًا إلى "بني أسد" كتبه له "خالد بن سعيد"، ورد فيه: "ألا يقربن مياه طيء وأرضهم, فإنه لا تحل لهم مياههم ولا يلجن أرضهم من أولجوا"، وأمَّر عليهم "قضاعي بن عمرو"، وهو من "بني عذر" بأن جعله عاملًا عليهم٣. وكتب الرسول إلى "حصين بن نضلة الأسدي" "أن له آراما وكسة، لا يحاقه فيها أحد".٤
ومن ديار "بني أسد بن خزيمة"، "قطن"، وهو جبل بناحية "فيد" به ماء. وأمر الرسول "أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي" بغزوه، لما بلغه أن "طليحة" و"سلمة" ابني "خويلد" قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم إلى حرب الرسول، فذهب إلى "قطن", ثم عاد ومعه إبل وشاء.٥
وتقع إلى الشمال الغربي من ديار "طيء"، ديار "بكر"، وهي "بكر بن وائل". وهي قبائل ضخمة ذات فروع عديدة، سكنت في مواضع عديدة أخرى غير هذه المواضع.
стр. 2199
وذكر في خبر فتوح السواد, أن "المثني بن حارثة الشيباني" كان يغير على السواد، فبلغ "أبا بكر" خبره, فسأل عنه، فقال له قيس بن عاصم بن سنان المنقري: هذا رجل غير خامل الذكر، ولا مجهول النسب، وأثنى عليه. ثم إن المثنى قدم على "أبي بكر"، فقال له: يا خليفة رسول الله, استعملني على من أسلم من قومي أقاتل هذه الأعاجم من أهل فارس، فكتب له أبو بكر في ذلك عهدًا, فسار حتى نزل "خفان" ودعا فيه إلى الإسلام فأسلموا. ثم إن أبا بكر أمر "خالد بن الوليد" بالمسير إلى العراق، وكتب إلى "المثنى بن حارثة" يأمره بالسمع والطاعة له وتلقيه. وكان "مذعور بن عدي العجلي", قد كتب إلى أبي بكر يعلمه حاله وحال قومه ويسأله توليته قتال الفرس, فكتب إليه يأمره أن ينضم إلى خالد ويسمع له بالطاعة١.
و"خفان"٢ مأسدة وموضع أشبّ الغياض كثير الأسد، أو أجمة قرب "الكوفة"٣.
ونجد في موارد أخرى أن "المثنى بن حارثة الشيباني" و"سويد بن قطبة العجلي"، وكلاهما من "بكر بن وائل", كانا يغيران على الدهاقين، فيأخذان ما قدرا عليه. فإذا طُلبا أمعنا في البر فلا يتبعهما أحد, وكان المثنى يغير من ناحية الحيرة و"سويد" من ناحية "الأبلة". فكتب إلى "أبي بكر"، يعلمه ضراوته بفارس ويعرفه وهنهم, ويسأله أن يمده بجيش, فكتب إليه "أبو بكر" يخبره أنه مرسل إليه "خالد بن الوليد" وأن يكون في طاعته، فكره "المثنى" ورود خالد عليه، وكان ظن أن أبا بكر سيوليه الأمر، ولكنه لم يتمكن أن يفعل شيئًا فانضم إلى خالد٤.
ومن "بني عجل" "فرات بن حيان العجلي"، كان دليل "أبي سفيان"
стр. 2200
إلى الشام١. وذلك أن قريشًا خافوا طريقهم الذي كانوا يسلكون إلى الشام حين وقعة "بدر"، فكانوا يسلكون طريق العراق، فخرج بهم دليلهم "فرات" في السنة الثالثة من الهجرة، ومعه أبو سفيان, وصفوان بن أمية, وحويطب بن عبد العزى، وعبد الله بن أبي ربيعة، ومعهم مال كثير فيه فضة كثيرة، وهي أعظم تجارتهم. فلما بلغوا موضع "القردة"، وكان "فرات" قد سلك بهم على ذات عرق، اعترض "زيد بن حارثة" القافلة، وكان الرسول قد أرسله للتحرش بها، يوم بلغه أمر القافلة, فهرب أعيانها واستولى زيد على العير, وجاء بها إلى الرسول، وأسر فرات، فأسلم٢.
ويذكر أهل الأخبار أن قبائل مضر كانت تنزع إلى العراق، وكان أهل اليمن ينزعون إلى الشام، وأنه لم يكن أحد من العرب أجرأ على فارس من ربيعة, وقد قيل لها لذلك: ربيعة الأسد، وكانت العرب في جاهليتها تسمى: فارس الأسد٣.
وقد قدم وفد من "بكر بن وائل" على الرسول، فيه "بشير بن الخصاصية" و"عبد الله بن مرثد"، و"حسان بن حوط" "خوط"، فأسلموا وعادوا إلى ديارهم٤, وذهب "حريث بن حسان الشيباني" في وفد من "بكر بن وائل" إلى الرسول، فأسلم على يديه٥. وذكر أن "عبد الله بن أسود بن شهاب بن عوف بن عمرو بن الحارث بن سدوس" قدم مع الوفد المذكور، وكان ينزل اليمامة، فباع ما كان له من مال باليمامة واستقر بالمدينة٦.
وذكر أن رسول الله كتب كتابًا إلى "بكر بن وائل"، فما وجدوا رجلًا يقرؤه حتى جاءهم رجل من "بني صبيعة بن ربيعة" فقرأه. وكان الذي أتاهم بكتاب رسول الله: "ظبيان بن مرثد السدوسي"٧.
وخرج "خالد" إلى العراق، فمر بـ"فيد" و"الثعلبية" وأماكن أخرى
стр. 2201
منها "العذيب" و"خفان"، ثم سار قاصدًا "الحيرة" وهي أهم موضع للعرب في العراق، فخرج إليه ساداتها في هذا الوقت: "عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن بقيلة"، وهو من الأزد وصاحب القصر الذي يقال له: "قصر بني بقيلة" بالحيرة، وهو من "بني سبين", وكان من المعمرين١, و"هانئ بن قبيصة بن مسعود الشيباني"، ويقال: "فروة بن إياس"، وكان "إياس" عامل كسرى أبرويز على الحيرة بعد النعمان بن المنذر، و"عدي بن عدي بن زيد العبادي"، وأخوه "عمرو بن عدي"، و"عمرو بن عبد المسيح" و"حيري بن أكال"، وهم نقباء أهل الحيرة. فصالحوه على دفع الجزية وعلى أن يكونوا عيونًا للمسلمين على أهل فارس٢.
وفيد موضع مهم بطريق مكة في نصفها من الكوفة، به حصن عليه باب حديد، وعليه سور دائر. كان الناس يودعون فيه فواضل أزوادهم وما ثقل من أمتعتهم إلى حين رجوعهم. وذكر أن فيدًا فلاة في الأرض بين أسد وطيء في الجاهلية، فلما قدم "زيد الخيل" الفارس المشهور على رسول الله أقطعه فيدًا, وذكر أهل الأخبار أن فيدًا إنما سميت فيدًا بفيد بن حسام أول من نزلها. والظاهر أنها من المواضع القديمة وقد ورد اسمها في الشعر الجاهلي والإسلامي٣.
و"العذيب" إذ ذاك مسلحة كانت للفرس على طريق البادية، ومن القادسية التي تبعد عن الكوفة "١٥" ميلًا إلى العذيب "٦" أميال، ويؤدي الطريق من العذيب إلى البرية٤, وكان لبني تميم٥. وذكر أهل الأخبار أن "محلم بن سويط الضبي" أخا بني صباع، قاد الرباب كلها, وهو الرئيس الأول: أول من سار في أرض مضر برئاسة، وغزا العراق وبه كسرى حتى بلغ العذيب, فجعلت الإبل تتهيب خرير الماء. ويظهر من شعر لبعض الضبيين أن العذيب كان أحساء، يخرج الماء فيه من باطن الأرض ويندفع مكونًا خريرًا؛
стр. 2202
لذلك هابته الإبل، فكانت تتخوف من الشرب منه١. وبعد العذيب نهاية حد نجد في الشمال٢.
ويذكر "ابن رستة" أن "البطانية"، هو "قبر العبادي"٣، وسماه بعضهم "بطان". وذكر اليعقوبي أن هذا الموضع من ديار "بني أسد"٤.
وكان للثعلبية شأن يذكر، فقد ذكر أنها كانت موضعًا معروفًا، بل ذكر أنها مدينة عامرة عليها سور وفيها حمامات وسوق، وهي على ثلث الطريق للقادم من بغداد إلى مكة. وقد صار لها شأن في صدر الإسلام فيما بعد؛ لأنها تقع على طريق التجارة والحاج، وهي على جادة مكة من الكوفة، ومن منازل أسد بن خزيمة٥.
وكان أهل الحيرة قد تحصنوا بقصورهم: في القصر الأبيض، وهو قصر "النعمان بن المنذر", وقصر ابن بقيلة، قصر العدسيين، والعدسيون من "كلب" نسبوا إلى أمهم وهي كلبية أيضًا٦. وذكر أنه كان في طرف الحيرة, لبني عمار بن عبد المسيح بن قيس بن حرملة بن علقمة بن عدس الكلبي، نسبوا إلى جدتهم "عدسة بنت مالك بن عوف الكلبي"، وهي أم "الرماح" و"المشظ" ابني عامر المذمم٧.
وعدة قصور الحيرة ثلاثة على ما ورد في بعض الروايات, وهي عدة الحيرة وملاجئها أيام الخطر، فإذا سقطت، سقطت الحيرة؛ لأنها هي المكونة لها. وقد صالحت "خالد بن الوليد" لما وجدته أن ليس في استطاعتها الصمود أمام المسلمين٨, ولم يكن لها على ما يظهر من روايات أهل الأخبار سور.
ومن مواضع الحيرة "ربيعة بني مازن"، لقوم من الأزد من بني عمرو
стр. 2203
ابن مازن من الأزد، وهم من غسان١, و"دير هند"، لأم "عمرو بن هند بن ماء السماء"، و"ربيعة بني عدي بن الذميل" من لخم٢.
وقد هدمت قصور الحيرة التي كانت لآل المنذر واستخدمت حجارتها وأنقاضها لبناء المسجد الجامع بالكوفة ولأبنية أخرى، وقد عوض أصحاب القصور عنها, وفقًا لما جاء في "قراطيس هدم قصور الحيرة"٣. وقد هدم بعض الخلفاء العباسيين قصور الحيرة وأزالوا بذلك من معالمها, منهم الخليفة "أبو جعفر المنصور"، فقد هدم "الزوراء"، وهي دار بناها النعمان بن المنذر على ما يذكره أهل الأخبار٤.
وذكر "اليعقوبي" أن الحيرة "هي منازل آل بقيلة وغيرهم"، وأن علية أهل الحيرة نصارى، منهم من قبائل العرب من بني تميم ومن "سليم" ومن "طيء" وغيرهم, وأن "الخورنق" بالقرب منها مما يلي المشرق، وبينه وبين الحيرة ثلاثة أميال، والسدير في برية٥.
وكان الفرس يستعينون بعرب الحيرة في أمر الترجمة فيما بينهم وبين العرب. ومن هؤلاء أسرة "عدي بن زيد العبادي" على نحو ما ذكرت, وترجمان كان يترجم لـ"رستم" اسمه "عبود"، وكان عربيا من أهل الحيرة٦. كما استخدم المسلمون تراجمة؛ ليترجموا ما كان يدور بينهم وبين الفرس من حوار، أو بينهم وبين من يقبضون عليه من أسرى الفرس، ومن هؤلاء رجل اسمه "هلال الهجري". واستخدموا كتبة لكتابة الكتب والأخبار، ذكروا منهم "زياد بن أبي سفيان"٧.
وقد استعان الفرس ببعض "آل لخم" لمحاربة العرب, ولإشغالهم في معارك
стр. 2204
صغيرة، من هؤلاء "قابوس بن قابوس بن المنذر"، وقد كلفه "الآزاذبة مرد بن الآزاذبة" بالذهاب إلى "القادسية" لإشغال المسلمين، وأن يكون للفرس كما كان آباؤه قبله من النصر والعون، فنزل القادسية، وكاتب بكر بن وائل، بمثل ما كان النعمان يكاتبهم به، فلما بلغ خبره المسلمين حاصروه١.
والقادسية موضع مهم جدًّا من الوجهة العسكرية، وقد قال عنه الخليفة "عمر" في كتابه الذي وجهه إلى "سعد" بأنه "باب فارس"، وأجمع أبوابهم لمادتهم٢. وقد وضعوا ما بعده الحصون والقناطر والأنهار لحماية مواقعهم من وقوعها في أيدي من قد يأتي إليهم من البادية، وأهله من العرب، وكان الفرس قد أقاموا فيه مسالح عبئت بجنود من فارس، للدفاع عن خطوطهم الأمامية، ولمشاغلة الغزاة إلى حين وصول المدد الكبير.
وممن ساعد الفرس ودافع عنهم "النعمان بن قبيصة"، وهو ابن "حية الطائي" ابن عم "قبيصة بن إياس بن حية الطائي" صاحب الحيرة، وكان مرابطًا في قصر "بني مقاتل"، وكان منظرة له. وقد قتله "سعد بن عبد الله بن سنان الأسدي" لما سمعه يستخف بقريش وبالقريشيين. فلما سأل عن "سعد بن أبي وقاص"، قيل له: إنه من قريش، قال: "أما إذا كان قرشيًّا فليس بشيء، والله لأجاهدنه القتال، إنما قريش عبيد من غلب، والله ما يمنعون خفيرًا، ولا يخرجون من بلادهم إلا بخفير"٣.
ونجد في "فتوح الشام" للواقدي، خبرًا مفاده أن "سعد بن أبي وقاص" لما وجهه الخليفة "عمر" إلى العراق قدم أرض "الرحبة"، فاتصلت الأخبار بـ"اليعمور بن ميسرة العبسي"، فكتب إلى كسرى يخبره بمجيئه إلى هذا المكان، وأن "سعدًا" لما ارتحل من "الرحبة" إلى "الحيرة البيضاء" في ثلاثين ألفًا من بجيلة والنخع وشيبان وربيعة وأخلاط العرب، وجد هناك جيش "النعمان بن المنذر"، وقد ضرب خيامه والسرادقات إلى ظاهرها، وهو في ثمانين ألفًا من جميع عرب العراق، فكتب "النعمان" إلى "كسرى" بمجيئهم
стр. 2205
وحث عربه على الصمود وعلى مقاومة سعد قائلًا لهم: "إن هؤلاء عرب وأنتم عرب, وهلاك كل شيء من جنسه" "وليس لأصحاب محمد فخر يفتخرون به علينا، ولكن نحن لنا الفخر عليهم. وهم يزعمون أن الله بعث فيهم نبيا وأنزل عليهم كتابًا يقال له القرآن، ونحن لنا الإنجيل وعيسى ابن مريم وجميع الحواريين، ولنا المذبح، ولنا القسوس والرهبان والشمامسة، وعلى كل حال ديننا عتيق ودينهم محدث، فاثبتوا عند اللقاء, وكونوا عند ظن الملك كسرى بكم"١.
ويذكر رواة هذا الخبر أن عم "النعمان بن المنذر"، وكان صاحب حرسه، دخل إليه وقال له: إن أعداءنا قد أنفذوا إلينا رسولًا، فأمر بإدخاله عليه، وكان الرسول "سعد بن أبي عبيد القاري"، فلما وقف بين يدي النعمان صاح به الحجاب والغلمان: قَبِّل الأرض للملك, فلم يلتفت إليهم، وقال: إن الله أمرنا ألا يسجد بعضنا لبعض، ولعمري إن هذه كانت العادة المعروفة في الجاهلية قبل أن يبعث الله نبيه محمدًا، فلما بعث جعل تحيته السلام، وكذا كانت الأنبياء من قبله. وأما السلام، فهو من أسماء الله تعالى، أما تحيتكم هذه، فهي تحية جبابرة الملوك. فقال النعمان: لسنا من الجبابرة، بل نحن أجلُّ منكم؛ لأنكم توحدون في دينكم وتقولون: إن الله واحد وتجحدون ولده عيسى ابن مريم". ويذكرون أن "سعدًا" جادل "النعمان" في طبيعة المسيح"، فأعجب بكلامه، ثم كلمه في الإسلام أو دفع الجزية، فغضب "النعمان"، وقال له: "يا ويح قومك، فليس عندنا جواب إلا السيف"٢.
وتقدمت جيوش المسلمين حتى التحمت بجيش "النعمان" بظاهر الحيرة، وإن "القعقاع بن عمرو التميمي" أو "بشر بن ربيعة التميمي"، أحدهما التقى بالنعمان في كبكبة من الخيل والازدهارات على رأسه، فحمل القعقاع أو بشر على الكبكبة ففرقها، وعلى الكتيبة فمزقها وعلى النعمان بطعنة في صدره فقتل. فلما نظرت جيوش الحيرة إلى الملك النعمان مجندلا ولوا الأدبار يريدون القادسية نحو جيش الفرس. وأخذ المسلمون أسرى وغنائم، واحتوى "سعد" على قصري الخورنق والسدير، وترك جميع ما أخذه بالحيرة, وتحرك نحو القادسية. وكانت أخبار هزيمة النعمان
стр. 2206
وقد وصلت الفرس وهم بالقادسية، وقد وصلت إليهم الفلول المنهزمة من جيش النعمان، فوقع التشويش في عسكر الفرس، وخارت قواهم؛ مما أدى إلى انتصار المسلمين عليهم في هذا المكان١.
ولا نجد هذا الخبر في أي مورد آخر من موارد أهل الأخبار، فقد نصت جميع الموارد الأخرى على أن النعمان كان قد لقي مصرعه على نحو ما تحدثت عنه في أثناء كلامي على مملكة الحيرة, فلعل "النعمان" هذا هو أحد أبناء "آل لخم", واستعان به الفرس للدفاع عن الحيرة ومنّوه في مقابل مساعدته لهم بالملك، كما استعانوا بـ"قابوس بن قابوس". وقد يكون خبره من صنع أهل الأخبار، أقحموا اسمه إقحامًا، وما فطنوا إلى أنه كان قد توفي قبل هذا الوقت بسنين. على كلٍّ, ففي الخبر كلام منمق وحوار وجدل ينبئك لونه أن فيه تكلفًا وصنعة، وأن الخبر قد وضع, وضعه أناس لغايات لا مجال للبحث عنها في هذا المكان.
وسار "خالد" من "الحيرة" إلى الأنبار فحاصرها، وكان أصحاب النعمان وصنائعه يعطون أرزاقهم منها، ثم صالحهم، ثم أتى "خالد" بعد مواقع أخرى "عين التمر"٢.
وكان على رأس العرب الذين عاونوا الفرس وانحازوا إليهم: "عقة بن أبي عقة"، و"هلال بن عقة بن قيس بن البشر" الثمري، على النمر بن قاسط بعين التمر، و"عمرو بن الصعق" و"بجير" أحد بني عتبة بن سعد بن زهير، والهذيل بن عمران، ومعهم رجال من قبائلهم٣. ولكنهم لم يتمكنوا من الوقوف أمام "خالد بن الوليد"، إذ انهزم جندهم, وأُسر "عقة" و"عمرو بن الصعق", وكان "عقة" خفير القوم، وسقط حصن عين التمر في الإسلام٤. وورد في خبر آخر أن "خالدًا" قتل "هلال بن عقة" "هلال بن عقبة" وصلبه، وكان من "النمر بن قاسط"، وكان خفيرًا بعين التمر٥.
стр. 2207
وتعرف "عين التمر" بـ"شفاثا" "شفاثى" وبـ"عين شفتة"، وقد اشتهرت بالقسب والتمر، وكانت تصدرهما إلى البادية وإلى أماكن أخرى، ويقصدها الأعراب للامتيار, وبها حصن يتحصن به وعين ماء. ولما اقترب المسلمون منها، كان بها "مهران بن بهرام جوبين"، في جمع عظيم من الفرس للدفاع عنها ومعه جمع عظيم من النمر وتغلب وإياد ومن لافهم، ولكنهم غلبوا على أمرهم، وفر الفرس١. وكان بعين التمر مسلحة لأهل فارس٢.
وقد وجد "خالد" في كنيسة "عين التمر" جماعة سباهم، ووجد أولادًا كانوا يتعلمون الكتابة في الكنيسة، وقد اشتهر وعرف عدد من هؤلاء الذين سبوا, واشتهر أولادهم أيضًا. وقد كان من هؤلاء من كان من "بني النمر بن قاسط" النازلين بعين التمر٣.
وكانت قُريَّات السواد وهي: بانقيا وباروسما وأُلّيس خليطًا من العرب ومن النبط وسواد العراق، وقد صالح أهلها "خالد بن الوليد" حينما ظهر أمامها، صالحوه على الجزية، وكان الذي صالحه عليها "ابن صلوبا السوادي" المعروف بـ"بصبرى بن صلوبا"، ومنزله بشاطئ الفرات. وقد ورد في كتاب الصلح الذي أعطاه "خالد بن الوليد" له: "وقد أعطيت عن نفسك وعن أهل خرجك وجزيرتك ومن كان في قريتك -بانقيا وباروسما- ألف درهم"٤.
وذكر "البلاذري" أن الخليفة "عمر" وجَّه "أبا عبيدة الثقفي" إلى العراق، فلما وصل إلى هناك، وهزم "جابان" بالعذيب، ثم هزم الفرس في معارك أخرى حتى بلغ "باروسما"، صالحه "ابن الأنذر زعر" "ابن الأندر زعر" عن كل رأس على أربعة دراهم٥, ولم يشر إلى الصلة التي كانت بين "ابن صلوبا" و"ابن الأنذر".
ويرجع أهل الأخبار تأريخ "بانقيا" إلى أيام "إبراهيم"، فهم يذكرون
стр. 2208
أنه كان ينزل بها, وأن اليهود كانوا يدفنون موتاهم بها, ويذكرون أنها أرض بالنجف دون الكوفة، وأن سكانها كانوا على النصرانية عند ظهور الإسلام, وأن الساسانيين كانوا هم الذين يدافعون عنها ويتولون أمر إدارتها، أما شئونها المحلية فكان أمرها بيد ساداتها ورؤسائها١.
وكانت عشائر "إياد" من العشائر التي نزحت إلى العراق قبل الإسلام بوقت طويل، نزل بعضهم بـ"عين أبَّاغ"، ونزل بعض منهم بسنداد. فأمروا هناك، وكثروا، واتخذوا بسنداد بيتًا ذا شرفات تعبدوا له, ثم انتشروا وغلبوا على ما يلي الحيرة، وصار لهم "الخورنق" و"السدير", فلهم "أقساس مالك", وهو مالك بن قيس بن زهر بن إياد، ولهم دير الأعور، ودير السواء، وديرة قرة، ودير الجماجم. وإنما سمي دير الجماجم لأنه كان بين إياد وبهراء القين حرب، فقتل فيها من إياد خلق، فلما انقضت الحرب، دفنوا قتلاهم عند الدير, فكان الناس بعد ذلك يحفرون فتظهر جماجم, فسمي دير الجماجم٢. وقيل غير ذلك مما لا مجال لذكره في هذا الموضع.
وكانت إياد تغير على السواد وتفسد، فجعل "سابور" ذو الأكتاب مسالح بالأنبار وعين التمر وغير هاتين الناحيتين؛ لحماية الحدود منهم. ثم إن إيادًا أغارت على السواد في ملك كسرى أنوشروان، فوجه إليهم جيوشًا كثيفة، فخرجوا هاربين, واتبعوا, فغرق منهم بشر، وأتى فُلُّهم "بني تغلب"، فأقاموا معهم على النصرانية، فأساءت "بنو تغلب" جوارهم, فصار قوم منهم إلى الحيرة، ودخل منهم في جند ملوك الحيرة، ولحق جُلّهم بغسان بالشام, فلما جاء الإسلام دخل بعضهم بلاد الروم، ودخل منهم قوم في خثعم وفي تنوخ وفي قبائل أخرى.
ويقال: إن مواطن إياد قبل نزوحها إلى العراق كانت بالبحرين، واجتمعت عبد القيس والأزد على إياد، فأُخرجوا عن الدار, فأتت العراق٣.
стр. 2209
وقد وصف "ابن قتيبة" إيادًا على هذا النحو: "وكانت إياد أكثر نزار عددًا وأحسنهم وجوهًا وأمدهم وأشدهم، وأمنعهم, وكانوا لقاحًا لا يؤدون خرجًا، وهم أول معدي خرج من تهامة, ونزلوا السواد وغلبوا على ما بين البحرين إلى سنداد والخورنق". فاصطدموا بالساسانيين؛ لأنهم أغاروا على أموال فأخذوها، فهزموهم إلى الجزيرة, ووجه إليهم "كسرى" ستين ألفًا فكتب إليهم "لقيط" ينبههم. وانتصر عليهم كسرى، وانقسموا ثلاث فرق, فرقة لحقت بالشام, وفرقة أقامت بالجزيرة، وفرقة رجعت إلى السواد١.
ولما سار "خالد" من "عين التمر" أتى "صندوداء" وبها قوم من كندة وإياد والعجم، وتركها واتجه نحو جمع من "تغلب" كانوا بـ"المضيح" و"الحصد" مرتدين, عليهم "ربيعة بن بجير", فأتاهم فقاتلوه فهزمهم. ثم أغار "خالد" على "قراقر"، وهو ماء لكلب، ثم فوَّز منه إلى "سُوى" وهو ماء لكلب أيضًا، ومعهم فيه قوم من "بهراء" فقتل "حرقوص بن النعمان البهراني" من "قضاعة". وكان المسلمون لما انتهوا إلى "سوى" وجدوا "حرقوصًا" وجماعة معه يشربون ويتغنون فهجموا عليهم وقتلوا "حرقوصا", وخرج خالد من "سوى" إلى "الكوائل"، ثم أتى "قرقيسيا" وانحاز إلى البر، وأتى "أركة" "أرك"، فأغار على أهلها، وفتحها، وسار منها نحو"دومة الجندل"٢.
وذكر "ابن سعد" أن الرسول كتب إلى "نفاثة بن فروة بن الدئلي ملك السماوة"٣, ولم يشر إلى موضع ملكه من بادية السماوة ومقداره في البادية.
وكانت "دومة الجندل" عند ظهور الإسلام في ملك "أكيدر بن عبد الملك الكندي السكوني"، والسكون من كندة، فهو كندي النسب أيضًا، وكان يتنقل في البادية فيصل إلى الحيرة وإلى أرض الغساسنة، ويقال: إنه ملك "دومة الحيرة"، ونزل بها قبل جلائه عن "دومة الجندل" أو بعده على رأي أهل الأخبار. وكان مثل أكثر رؤساء القبائل في العراق وفي البادية وبلاد الشام على
стр. 2210
النصرانية، وله عقود ومعاهدات مع القبائل العربية الشمالية الضاربة في البادية، تأتي إلى مقره في الموسم أيام افتتاح السوق لتمتار ولبيع ما تحمله من تجارات.
وكان لأكيدر بن عبد الملك أخٌ اسمه "بشر بن عبد الملك", يذكر أهل الأخبار أنه ذهب إلى الحيرة, وتعلم بها الخط، ثم رجع إلى مكة فتزوج "الصهباء بنت حرب" أخت أبي سفيان١.
وقد أرسل الرسول خالد بن الوليد إلى دومة الجندل ليفتحها، فسار خالد على رأس خيل إلى "دومة"، فلما بلغها وجد الأكيدر خارج حصنه يصطاد مع نفر من قومه فيهم أخ له يقال له: حسان، فهجم رجال خالد على الأكيدر وأسروه، وقتل حسان، وأخذ خالد قباء "أكيدر" وكان من ديباج مخوص بالذهب، وبعث به إلى الرسول ليقف عليه المسلمون، فلما رأوه عجبوا منه وجعلوا يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه، فقال رسول الله: "أتعجبون من هذا, فوالذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا" ٢.
وقد زاد عجبهم حين وصل خالد ومعه أسيره "أكيدر"، فحقن له دمه وصالحه الرسول على الجزية، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته٣.
ويذكر الرواة أن الرسول استقبل خالدًا ومعه أسيره "الأكيدر" في المدينة، فعرض الرسول الإسلام على الأكيدر، فقبله وحقن الرسول دمه وكتب له كتابًا، وعاد إلى "دومة". فلما قبض النبي منع الصدقة وارتدَّ إلى النصرانية ديانته الأولى, وخرج من دومة الجندل فلحق بالحيرة وابتنى بها بناء على مقربة من "عين التمر" سماه "دومة" أو "دومة الجندل" على اسم موضعه، وسكن هناك. ثم عاد إلى "دومة الجندل"، وتحصن بها، فأمر "أبو بكر" خالد بن الوليد بالتوجه إليها، فسار إليه وقتله. أما أخوه "حريث بن عبد الملك" فقد أسلم، وحقن دمه, وقد تزوج "يزيد بن معاوية" ابنة له٤.