← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

وزنًا ولا تعطي أهمية للعقود في مثل هذه المواقف, إن رأت هواها في القتال قد تغير وتحول، وأن الأمن في كسب مغنم قد تضاءل، انسحبت منه بعذر قد يكون تافهًا وبغير عذر أيضًا. وقد لا تنسحب، وإنما تبدل الجبهة، بأن تذهب إلى الجانب الآخر فتحارب معه، وتقاتل عندئذ من كانت تقاتل معه؛ لأنها وجدت أن الربح من هذا الجانب مضمون، وأن ما ستناله منه من فائدة أكثر. وذلك بعد مفاوضات سرية تجري بالطبع, وهذا ما أزعج الروم والفرس وجعلهم لا يطمئنون إلى قتال العرب معهم وفي صفوفهم، فرموهم بالغدر، فكانوا إذا كلفوهم بالحرب معهم عهدوا إليهم القيام فيها بأعمال حربية ثانوية، أو الانفراد بحرب الأعراب الأعداء الذين هم من أنصار الجانب الآخر. فقد حدث مرارًا أن هرب الأعراب من ساحة القتال حين سعرت نار الحرب، وارتفع لهيبها، فأحدث هروبهم هذا ارتباكًا في جانب من كان يقاتلون معه, أدى إلى هزيمته هزيمة منكرة، لما أحدثه فرارهم هذا من فجوة في صفوف المقاتلين، وقد أشارت إلى هذه الحوادث مؤلفات الكتاب اليونان واللاتين. وهو صارم عبوس، إذا ضحك ضحك بقدر، وكأنه يدفع بضحكته هذه ضريبة فرضت عليه. يكره الدعابة، ويرى فيها تبذلًا لا يليق صدوره من إنسان كريم، بقي هذا شأنه حتى في الإسلام فلما وصف "أبو عبد الله المصعب بن عبد الله بن المصعب الزبيري" "عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق" قال عنه: "كان امرأً صالحًا. وقد كانت فيه دعابة"١, حتى إن من العلماء من عد "الدعابة" من الشوائب التي تنقص المروءة، وتؤثر في صاحبها، وتطعن فيه، فلا تجعله أهلًا لأن يؤخذ عنه الحديث، أي جعلوه شخصًا غير موثوق به. وقد بحث "غوستاف لبون" و"رينان" و"الأب لامانس" في عقلية الأعرابي، وما رأوه فيه من وجود "فردية" متطرفة عنده، إلى درجة تجعله يقيس كل شيء بمقياس الفائدة التي يحصل عليها من ذلك الشيء. ثم ما وجدوه فيه في الوقت نفسه من خوفه من الإمعان في القسوة، ومن الإمعان في القتل، لما يدركه من رد الفعل الذي سيحدث عند أعدائه ضده إذا تمكنوا منه، ومن

стр. 2277

نتائج الأخذ بالثأر. كما بحثوا عن ميل الأعرابي إلى المبالغة؛ المبالغة في كلامه والمبالغة في إعطائه إذا أعطى، والمبالغة في مدح نفسه، والتباهي بشجاعته وبكرمه وبشدة صبره إلى غير ذلك، مع وجود تناقض فيه بالنسبة إلى دعاويه هذه. وهو يحب المديح كثيرًا, وهو على حد قولهم إذا أعطى، صور ذلك غاية الجود، وبالغ فيه، ويظل يذكره في كل وقت ويحب أن يطرى عليه، لا سيما إذا كان من شاعر وهو صحافي ومذيع ذلك الوقت١. وللفوارق الموجودة بين العرب والأعراب، بين الحضر وبين أهل البوادي رأى "الأزهري" وجوب التفريق بين الاثنين. إذ قال: "والذي لا يفرق بين العرب والأعراب والعربي والأعرابي، ربما تحامل على العرب، بما يتأوله في هذه الآية. وهو لا يميز بين العرب والأعراب, ولا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب، إنما هم عرب؛ لأنهم استوطنوا القرى العربية، وسكنوا المدن, سواء منهم الناشئ بالبدو ثم استوطن القرى, والناشئ بمكة ثم هاجر إلى المدينة. فإن لحقت طائفة منهم بأهل البدو بعد هجرتهم واقتنوا نعمًا ورعوا مساقط الغيث بعد ما كانوا حاضرة أو مهاجره، قيل: قد تعربوا أي: صاروا أعرابًا بعد ما كانوا عربًا, وفي الحديث تمثل في خطبته مهاجر ليس بأعرابي؛ جعل المهاجر ضد الأعرابي، قال: والأعراب، ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة. وقال أيضًا: المستعربة عندي قوم من العجم دخلوا في العرب فكانوا بلسانهم وحكوا هيئاتهم وليسوا بصرحاء فيهم. وتُعربوا مثل استعربوا"٢. وقد ذهب هذا المذهب "ابن خلدون", إذ رأى أن الأعراب يختلفون عن العرب؛ ولذلك فإن ما أشار إليه "ابن خلدون" من أن العرب إذا دخلوا بلدًا أسرع إليه الخراب إنما قصد به الأعراب, لا العرب الحضر. ولكي نكون منصفين في الأحكام عادلين غير ظالمين علينا التفريق بين الأعراب وبين العرب, فما يقال عن الأعراب يجب ألا يتخذ قاعدة عامة تطبق على العرب؛ لما بين العرب والأعراب من تباين في الحياة وفي النفسية والعقل. ثم علينا لكي

стр. 2278

نكون منصفين أيضًا أن نفرق بين عرب وعرب؛ لما أصاب عرب كل أرض من أرض العرب من أثر تركه الأجانب فيهم، ومن امتزاج الأعاجم في العرب ودخولهم فيهم واندماجهم بهم حتى صاروا منهم تمامًا. والامتزاج والاندماج يؤثران بالطبع في أخلاق أهل المنطقة التي وقعا فيها, أضف إلى ذلك عوامل البيئة والمحيط؛ ولهذا يرى المرء تباينًا بينًا بين عرب كل قطر، تباينًا يلمسه حتى الغريب. فبين أهل العراق وأهل بلاد الشام العرب تباين وفروق في الملامح الجسمية وفي المظاهر العقلية والاجتماعية وغيرها, مع أنهم جميعا عرب يفتخرون بانتسابهم إلى العروبة، وبين عرب العربية الجنوبية وبين عرب عالية نجد فروق واضحة جلية, هكذا قل عن بقية بلاد العرب. بل نجد هذا التباين أحيانًا بين أجزاء قطر واحد, فإذا كان هذا هو ما نراه ونلمسه في الجاهلية وفي الإسلام، فهل يجوز لأحد التحدث عن عقلية عامة جامعة تشمل كل العرب؟! وقد أدرك المتقدمون علينا بالزمن اختلاف العرب في الصفات والشمائل، فتحدثوا عن "حلم قريش"، وعن لينها ورقة ذوقها وعن براعتها في التجارة, وتحدثوا عن عمق تفكير أهل اليمن وعن اشتهارهم بالحكمة، حتى قيل: الحكمة يمانية. وورد أن "علي بن أبي طالب" لما وافق على اختيار "أبي موسى الأشعري" ليكون ممثله في التحكيم، قال له "أبو الأسود الدؤلي": "يا أمير المؤمنين لا ترض بأبي موسى، فإني قد عجمت الرجل وبلوته، فحلبت أشطره، فوجدته قريب القعر، مع أنه يمان"١.

стр. 2279

الحنين إلى الأوطان: ومع فقر البادية وغلظ معاشها وشحها، فإن الأعرابي يحن إليها، ولا يصبر عن فراقها حتى وإن أخذ إلى جنان الريف. قال الجاحظ: "وترى الأعراب تحن إلى البلد الجدب, والمحل القفر, والحجر الصلد, وتستوخم الريف"١. "واعتل أعرابي في أرض غربة، فقيل له: ما تشتهي؟ فقال: حل

стр. 2280

فلاة، وحسو قلات"١. ويروى أن "ميسون بنت بحدل" الكلبية، زوجة معاوية، كانت تحن إلى وطنها، وقد سمعها زوجها وهي تنشد أبياتًا فيها شوق وحنين إلى البادية، فخيمتها التي تلعب الأرياح بها خير عندها وأحب لها من العيش في قصر منيف، ورجل من بني عمها نحيف أحب إليها من "علج عليف", أي: حضري سمين من كثرة الأكل٢, وانتقل أعرابي من البداوة إلى الحضارة، فرأى المكاء في الحضر، فقال يخاطبه: فارق هذا المكان؛ فإنه ليس لك فيه الشجر الذي تعشش عليه, وأشفق من أن تمرض كما مرضت٣. والعربي الذي ألف الحضارة وأمعن في الترف وتفنن في العيش بالمدن، لا يفقه سحر البادية الذي يجلب إليه أهل البادية؛ لأنه يرى أن كل ما فيها ضيق وجوع وحر شمس وفقر, فيسخر من الأعرابي ويضحك عليه لحنينه إلى باديته. ولما استظرف "الوليد بن عبد الملك" أعرابيا واستملحه، فأبقاه عنده وسأله عن سبب حنينه إلى وطنه, أجابه جوابًا خشنًا مثل جفاء الأعراب وصلفهم. فقال الوليد، وهو يضحك: أعرابي مجنون٤. ولم يتأثر منه؛ لأنه أعرابي، والأعرابي في حكم المجانين, وقد سقط حكم القلم عنه. ويروي أهل الأخبار حديثًا لكسرى أنوشروان مع وفد وفدَ عليه فيه بعض خطباء العرب, فسألهم عن سبب تفضيلهم السكن بالبادية وعن حياتهم بها وعن طبائعهم إلى غير ذلك من أسئلة وأجوبة دونوها على أنها أسئلة كسرى وأجوبة العرب عليها٥, وفيها أمور مهمة عن حياة الأعراب. وقد يكون الخبر قصة موضوعة، غير أننا لا ننظر إليها من جهة تأريخية, إنما نأخذها مثالًا على ما كان يدور في خلد من صنعها عن نفسية الأعراب, وعن نظرة الحضر إلى أهل البوادي. وللمسعودي كلام في اختيار العرب سكنى البادية وسبب ذلك, كما تحدث

стр. 2281

عن أثر البوادي في صحة أجسام العرب وفي تكوين أخلاقهم، مما جعلهم يختلفون بذلك عن بقية الناس. والعرب وإن عرفوا بالترحل والتنقل؛ بسبب البداوة، إلا أنهم يحنون إلى أوطانهم، ولا ينسون موطنهم القديم، يستوي في ذلك العربي والأعرابي. وهم يرون أن في الغربة كربة، وأن الإنسان إذا صار في غير أهله ناله نصيب من العذل١. "وكانت العرب إذا غزت وسافرت حملت معها من تربة بلدها رملًا وعفرًا تستنشقه عند نزلة أو زكام أو صداع"٢, "وقيل لأعرابي: كيف تصنع في البادية إذا اشتد القيظ وانتعل كل شيء ظله؟ قال: وهل العيش إلا ذاك، يمشي أحدنا ميلًا فيرفضّ عرقًا, ثم ينصب عصاه ويلقي عليها كساءه, ويجلس في فيئة يكتال الريح، فكأنه في إيوان كسرى"٣. وجاء أن "الوليد بن عبد الملك" استظرف أعرابيا فاحتبسه عنده وحباه, فمرض فبعث إليه "الوليد" بالأطباء، وعالجوه، ورأى من الخليفة كل رعاية, لكن هواه بقي في وطنه، ولم يطق على هذه المعيشة الراضية الطيبة صبرًا، فهلك بعد قليل٤, إلى غير ذلك من قصص وشعر ورد في الحنين إلى الأوطان, وفي تفضيل الوطن على كل منزل آخر، ولو كان آية في الجمال ومثالًا من الراحة والاطمئنان. وهو يعجب من لغة أهل الحضر, ولا سيما حضر ريف العراق وريف بلاد الشام, ومن الأكرة الذين لا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم، فكان يجد نفسه وكأنه في سجن مطبق، يريد الخلاص منه. حدث ذلك حتى في الإسلام، وقد ذكر "أبو عثمان الجاحظ"، أنه رأى أعرابيًّا، وكان عبدًا حبشيًّا لبني أسيد، وقد صار "ناظورًا"، وكأنه أصيب بمس من الجن، فلما رآه، قال له: لعن الله أرضًا ليس بها عرب٥.

стр. 2282

حياة الأعراب: وحياة الأعراب حياة تكاد تكون حياة واحدة لا تغير فيها ولا تبدل، فهي على وتيرة واحدة, على تعدد القبائل وابتعاد مواضع بعضها عن بعض. ذلك لأن الظروف المخيمة عليهم، ظروف واحدة لا اختلاف فيها ولا تبدل, إلا ما كان منها بالنسبة إلى أعراب الضواحي والحواضر, فإن ظروفهم تختلف عن هؤلاء، ومجال تفكيرهم أوسع من مجال تفكير الأعراب؛ بسبب نوع المعيشة المتغير، المتصل بالأرض، وقربهم من الحضر. ولو درسنا حياة القبائل في الجاهلية, وجمعنا دراستنا من المروي عنها في الكتب, وجدنا أن بين الماضي البعيد وبين الحاضر شبهًا في نمط الحياة، وأن ما ذكرته عن قبائل الجاهلية يكاد ينطبق على حياة قبائل البادية في وقتنا هذا؛ ذلك لأن الظروف والمؤثرات بالنسبة إلى حياة الأعراب الممعنين في البادية لا تزال كما كانت عليه, ولكنها سوف لن تبقى على ما هي عليه وإلى أبد الآبدين بالطبع؛ لأن التقدم الحضاري والاكتشافات المادية، قد أخذت تغزو الأعراب وتضيق الخناق عليهم، لتغير من حالهم. فبعد أن كان البدو قوم غزو، أكرهتهم الحكومات القوية على الابتعاد عن الغزو ونبذه، حتى اضطروا إلى توديعه إلى الأبد أو كادوا وصاروا مغزوين، تغزوهم الحضارة الحديثة والآليات بما لا قبل لهم بمقاومته، لتفرق الغزو الجديد عليهم. وهم سيكونون ولا شك بمرور الوقت على شاكلة النصف الآخر من العرب, أي: إخوانهم الحضر, يوائمون أنفسهم مع التطور الجديد. وسوف يبدل هذا من حياتهم ولا شك، ومن أهم ما سيفعله فيهم، تحويل حياتهم من حياة غير مرتبطة بالأرض، إلى حياة ترتبط بها ارتباطًا وثيقًا, فتتحول البداوة عندئذ إلى حضارة, وسيشعر الأعرابي عندئذ أنه مواطن له أرض ووطن وقوم هم إخوة له يشعرون بشعوره, وأن من يعزل نفسه عن العالم، فلن يعزل بذلك إلا نفسه، ولن يضر إلا بصالحه, وأن الإنسان بغير عمل ولا إنتاج، إنسان تافه لا قيمة له، وأن العنتريات والعبية الجاهلية من جملة مؤخرات الحياة في كل الأزمنة والأوقات.

стр. 2283

ملامح العرب: والعرب وإن كانوا من الجنس السامي، إلا أنهم يختلفون عن بقية "أبناء سام" في الملامح الجسمانية وفي فصائل الدم، وفي أمور أخرى؛ ذلك لأن السامية

стр. 2284

كما سبق أن قلت, جنسية ثقافية. أما من الناحية "البيولوجية" وهي تتعلق بالملامح وبأمور بيولوجية أخرى فليست بجنسية خاصة يمكن تمييزها من بين قبائل الأجناس البشرية، لما نراه فيما بين شعوبها من تباين. ثم إن بين العرب أنفسهم، تباينًا واختلافًا في الملامح، بسبب قرب العرب وبعدهم من الأعاجم, وأثر فعل الرقيق والأسرى في امتزاج الدم بينهم, ثم أثر فعل الطبيعة وعملها في الإنسان، وما تقدمه له من غذاء ونوع ماء وحر وبرد ومطر وضغط جوي ونوع تربة. واليهود هم من الجنس السامي، جنس خليط كذلك في القديم وفي الحديث, فقد دخل اليهود دم غريب أيضًا، ونجد في التوراة وفي أسفار المكابيين والكتب العبرانية الأخرى، إكراه اليهود للشعوب التي استولوا على أرضها على التهود, فدخلت في اليهودية، وهي ليست من أصل يهودي، وصارت من يهود. وقد دخلت اليهودية في حمير وبني كنانة وبني الحارث كعب وكندة، وهم من العرب١, ودخل آخرون في اليهودية، وصاروا يهودًا. فاليهود مثل غيرهم، فيهم اليهودي الخالص، وفيهم اليهودي الغريب, وفي ملامحهم المتباينة ما هو دليل على وجود الاختلاط في الدم. وأنا إذ أتكلم عن ملامح العربي، فإني لا أزعم أن لدي أو لدى الباحثين مقاييس خاصة ثابتة نستطيع أن نقيس بها ملامح العرب, بحيث نحددها في حدود ونرسم لها رسومًا لا تتعداها ولا تتخطاها. فحدود مثل هذه لا يمكن أن توجد ولا يمكن أن ترسم؛ لأن بين العرب تباينًا وتنابزًا في الصور وفي الملامح بحيث يكون من الصعب علينا وضع حدود ثابتة لملامح العرب، يخضع لها كل العرب أو أكثرهم. وسبب ذلك اتساع جزيرة العرب, ووجود سواحل طويلة جدا تقابل قارتين: قارة سوداء هي إفريقيا، وقارة أخرى هي آسيا، لون بشرة سكان سواحلها الجنوبية الشرقية السواد والسمرة الغامقة. وهي سواحل مفتوحة غذَّت جزيرة العرب بعناصر ملونة اختلط دمها بالدم العربي حتى أثر ذلك اللون في سحن الناس هناك, فبان السواد أو اللون الداكن على السواحل العربية المقابلة لسيلان وللهند, وظهرت الملامح الإفريقية على سحن الساحل الغربي لجزيرة العرب من تهامة فيما بعد حتى ساحل عمان، وظهرت سحن وملامح أقوام بيض من روم

стр. 2285

ورومان وأهل فارس في مواضع أخرى من جزيرة العرب، بسبب سياسة الحكومات القاضية بالتهجير نكاية بالمهجرين، أو بسبب تنقلات الجيوش والحروب، أو التجارة، أو الخطط العسكرية القاضية بحماية المصالح الاقتصادية, وذلك بوضع حاميات عسكرية على سواحل الجزيرة لحماية السفن من غارات الأعراب ولصوص البحر. ثم يحدث أن تنقطع الأسباب برجال تلك الحاميات، وتنقطع صلاتهم بالأم لعوامل عديدة، فيستقروا في مواضعهم ويتعربوا حتى صاروا عربًا نسوا أصلهم وعدوا من خلص العرب, ولكن العرق دساس كما يقول الناس، فبقي أثره بارزًا ظاهرًا على الوجوه، نراه حتى اليوم في تغاير وتمايز سحن سكان السواحل فيما بينها، وفي تغايرها عن سحن أهل باطن جزيرة العرب تغايرًا ملحوظًا. وقد أشرت في كتابي "تأريخ العرب قبل الإسلام" وفي الجزء الأول والثاني من هذا الكتاب إلى أثر المستعمرات اليونانية في سحن العرب، كما هو الحال في جزيرة "فيلكة" في الكويت وإلى أثر الرقيق والتجارة في باطن جزيرة العرب مما يجعلني في غنى عن إعادة الكلام عن ذلك مرة أخرى. وقد ذكر أهل الأخبار أن الروم سكنت في الجاهلية جبل "ملكان" وهو جبل في بلاد طيء١, فلا يستبعد بقاء هؤلاء فيه وسكنهم فيه، وتحولهم إلى عرب بتعربهم كما تعرب غيرهم من اليونان ممن نزل المستوطنات اليونانية في بلاد العرب. ونجد بمكة ويثرب وبمواضع أخرى من جزيرة العرب موالي أصلهم من الفرس أو الروم, برز منهم بعض الصحابة مثل: "سلمان الفارسي" و"رومان الرومي", وهو من موالي الرسول٢, وغيرهم. وقد ترك هؤلاء الموالي أثرًا في ملامح الناس ولا شك. ثم يلاحظ أن أجسام سكان السواحل أقصر من أجسام أبناء الجبال والنجاد, وأن أهل التهائم والسواحل الجنوبية لجزيرة العرب أقصر قامة من أهل نجاد اليمن أو أهل نجد. كما نجد اختلافًا بين ملامح القبائل لا زال بارزًا حتى اليوم، اختلافًا يتحدث عن طبيعة الامتزاج الذي وقع في الدم في أيام الجاهلية أيضًا،

стр. 2286

لاختلاط الدماء وامتزاجها بالعوامل التي ذكرتها، وإن ذهب البعض إلى أن جزيرة العرب كانت في عزلة عن العالم, فهذه العزلة التي يتحدثون عنها، هي عزلة لم تكن عامة ولا يمكن أن نسميها عزلة صحيحة إلا بالنسبة للقبائل المتبدية التي عاشت في صميم البوادي، غير أن تلك القبائل لم تتمكن مع ذلك من عزل نفسها عن الرقيق والأسرى الغرباء. ثم نجد فروقًا بين العرب والأعراب، سببه اختلاف المحيط والظروف والغذاء, فالعربي ممتلئ الجسم بالقياس إلى الأعرابي الرشيق القليل اللحم، الدقيق العظم. وتظهر هذه النحافة في وجه الأعرابي أيضًا، فوجهه ممشوق قليل اللحم، دقيق ممتد, ذو ذقن بارز، وأنف دقيق، وعينين براقتين. وتعد الرشاقة في جسم العربي من محاسنه؛ لأنها تجعله معتدل القوام، خفيف الحركة، وقد مدح "امرؤ القيس" الغلام الخف، أي: الخفيف الجسم، السريع الحركة الذي ينزل عن صهواته ويلوي بأثواب العنيف المثقل, أي: الثقيل الجسم السمين. وقيل: الخفيف في الجسم والخفاف في التوقد والذكاء١, ويعد ثقل الجسم من المعيبات. ومن المجاز التخفيف ضد التثقيل والخفيف ضد الثقيل, وقد اعتبروا الثقل ذمًّا في الإنسان, فقيل: هو ثقيل على جلسائه، وهو ثقيل الظل، ويقال: مجالسة الثقيل تضني الروح، حتى ألف بعض العلماء في أخبار الثقلاء٢. و"الربع" من الرجال، أي المتوسط القامة، النموذج الأوسط للإنسان وحد الكمال في الجسم عند العرب, ويقال له: "ربعة", و"مربوع". وقد نعت رسول الله بأنه "ربعة" من الرجال، وورد أنه كان أطول من المربوع وأقصر من المشذب٣. والوسط عند العرب هو بين الجيد والرديء, وأوسط الشيء أفضله وخياره, ومنه الحديث: "خيار الأمور أوساطها"٤. وقد هابت العرب أصحاب الطول في الجسم، والكبر في الرأس, واحترموا أصحاب الهيبة والتأثير في النفس، وقد ذكر بعض منهم في كتب أهل الأخبار. وقد رموا القصير

стр. 2287

بالمكر والخديعة، ولكنهم اعتبروا القصر في الجسم من العيوب، لا سيما إذا كان ذلك القصير غليظ البطن, وقد عرف الإنسان الموصوف بهذه الصفة بالدحداح وبالداح وبالدودح وبالذحذاح١. والدودحة القصر مع السمن٢, وأما "الدرحاية"، فالرجل الكثير اللحم القصير السمين البطين، اللئيم الخلقة, وعرف الرجل المسن الذي ذهبت أسنانه بـ"الدردح"٣. واعتبر العرب طول العنق من سمات المدح؛ ولذلك وصف رؤساء العرب بطول العنق. وعُبر عن الرؤساء والكبراء والأشراف بـ"الأعناق"، و"أعناق", وعبر عن الجماعة الكثيرة بـ"الأعناق" كذلك٤. وذكر الشاعر "عروة بن الورد" عنق الآرام في شعر له, وصفه للناشئات الماشية بتبختر. إذ قال: والناشئات الماشيات الخوزرى ... كعنق الآرام أوفى أو صرى٥ والعرب مثل غيرهم لا يحبون الصلع، ويكثر ظهوره بين العجزة والمسنين والأشراف. وقد ذكر أن أكثر الأشراف من العرب كانوا من الصلع، وتفسير ذلك أن أكثر الأشراف هم من ذوي الأسنان، وأن الإنسان إذا تقدمت به السن، أخذ الصلع يجد له مكانًا في رأسه فيلعب فيه. ومن ذلك قول الناس يوم بدر: "ما قتلنا إلا عجائز صلعًا" أي: مشايخ عجزة عن الحرب. وأنشد "ابن الأعرابي": "يلوح في حافات قتلاه الصلع" أي: يتجنب الأوغاد ولا يقتل إلا الأشراف٦. وهم يفضلون "الأفرع" على الأصلع, والأفرع هو الكثير الشعر, وكان "أبو بكر" أفرع، وكان عمر أصلع, وكان رسول الله أفرع ذا جمة٧. والصلع خير من "القرع"؛ لأن القرع داء يصيب الرأس، فيؤثر في منظره

стр. 2288

ويسبب سقوط شعره وحدوث أثر دائم فيه، وقد تنبعث رائحة كريهة منه١. وقد ذكر الإخباريون أسماء عدد من الأشراف عرفوا بقرعهم. وقد اشتهر بعض العرب بطول القامة، حتى زعم أن بعضًا منهم كان إذا ركب الفرس الجسام خطت إبهاماه في الأرض, وذكروا من هؤلاء: "جذيمة بن علقمة بن فراس"، المعروف بـ"جذل الطعان" الكناني، و"ربيعة بن عامر بن جذيمة بن علقمة بن فراس"، وكان يماشي الظعينة فيقبلها، فسمي "مقبل الظعن"، و"زيد الخيل بن المهلهل الطائي"، و" أبا زيد حرملة بن النعمان الطائي"، وعدي بن حاتم بن عبد الله الطائي، وقيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وأباه سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وعبد الله بن أبي بن سلول، وبشير بن سعد أخا بني الحارث بن الخزرج، وجبلة بن الأيهم الغساني، وحمل بن مرداس النخعي، ومالكًا الأشتر بن الحارث النخعي, وعبد الله بن الحصين ذي الغصة الحارثي، وعامر بن الطفيل الجعفري، وقيس بن سلمة بن شراحيل بن أصهب الجعفي٢.

стр. 2289

العرب أفخر الأمم: يرى الجاحظ أن العرب أفخر الأمم، وأرفعها وأحفظها لأيامها، وينسب ذلك إلى طبيعة بلادهم، إذ "كانوا سكان فيافٍ وتربية العراء, لا يعرفون العمق ولا اللثق، ولا البخار ولا الغلظ ولا العفن ولا التخم، أذهان حداد، ونفوس منكرة، فحين حملوا حدهم ووجهوا قولهم لقول الشعر وبلاغة المنطق, وتشقيق اللغة وتصاريف الكلام، بعد قيافة الأثر وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآفاق، وتعرف الأنواء، والبصر بالخيل وآلة الحرب، والحفظ لكل مسموع والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن المثالب والمناقب، بلغوا في ذلك الغاية، وحازوا كل أمنية. وببعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر، وهممهم أرفع من جميع الأمم وأفخر، ولأيامهم أحفظ وأذكر"١. وهم

стр. 2290

لطبيعة الأرض التي وُلدوا بها صاروا على هذه الحال, ولم يصيروا كاليونان في الحكمة وفي العلوم، ولا كالصين في السبك والصياغة والإفراغ والإذابة والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط والنحت والتصاوير، ولا كالهنود أو الفرس١. وقد وصف الأعرابي بالتفاخر وبالتباهي، فهو فخور معجب بنفسه مترفع عن غيره حتى لكأنه النمر، مع أنه من أفقر الناس؛ ولهذا صاروا إذا أرادوا وصف شخص متغطرس متجبر مع أنه لا يملك شيئًا يفوّق به نفسه على غيره, قالوا عنه: "نبطي في حبوته, أعرابي في نمرته، أسد في تامورته"٢.

стр. 2291

العجم: ويطلق العرب على غيرهم ممن لا ينتمون إلى العرب، لفظة "أعاجم", و"العجم" عندهم خلاف العرب, والرجل الواحد "أعجمي", ولعلماء اللغة آراء في تفسير هذه اللفظة١. وهي من الألفاظ الجاهلية؛ لورودها في القرآن الكريم, ففيه: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ ٢, و ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ ٣, و ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ٤، و ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ, فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥. ففي هذه الآيات دلالة واضحة على أن المراد من "أعجمي" خلاف العربي, وأن هذا المصطلح كان معروفًا عند العرب قبل الإسلام. ويطلق العرب على العجم "الحمراء" لبياضهم, ولأن الشقرة أغلب الألوان عليهم. وكانت العرب تقول للعجم الذين يكون البياض غالبًا على ألوانهم مثل الروم والفرس ومن صاقبهم: إنهم الحمراء، والعرب إذا قالوا: فلان أبيض

стр. 2292

وفلانة بيضاء، فمعناه الكرم في الأخلاق لا لون الخلقة. وإذا قالوا: فلان أحمر وفلانة حمراء عنوا بياض اللون, والعرب تسمي الموالي: الحمراء١. جاء في الحديث: "بعثت إلى الأحمر والأسود"، أي: إلى العجم والعرب كافة٢. وورد أن العرب تقول: جاء بغنمه حمر الكلى وجاء بها سود البطون، معناهما المهازيل، وهو مجاز٣. ويذكرون أن معنى حمر الكلى الامتلاء والسمن، والسواد بمعنى الهزال والرشاقة. ولما كان الأعاجم ممتلئي الجسم بالنظر إلى العرب، قالوا لهم "الحمراء". وقد كان العرب يطلقون على الموالي "الحمراء"، واذا سبُّوا أحدهم قالوا: "يابن حمراء العجان, أي: يابن الأمة، كلمة في السب والذم"٤. ولعلهم فعلوا ذلك بسبب امتلاء أجسام الموالي ولا سيما العجان، الذين لا يتحركون ولا يتنقلون من أماكنهم، ويأكلون الخبز فامتلأت لذلك بطونهم وتكرشوا. ولم يشرح علماء العربية الأسباب التي حملت العرب على تلقيب العجم بـ"رقاب المزاود" "رقاب المزود"٥. وقد ذكر بعض العلماء، أن العرب إنما لقبت العجم بـ"رقاب المزاود"؛ لطول رقابهم أو لضخامتها كأنها ملأى٦. ويكنى العرب بـ"السبط" عن العجمي, وبـ"الجعد" عن العربي٧؛ وذلك لأن سبوطة الشعر هي الغالبة على شعور العجم من الروم والفرس وجعودة الشعر هي الغالبة على شعور العرب. ولكنهم كانوا يفرقون بين جعودة شعر العرب وجعودة شعر الزنج والنوبة؛ لأنهم ينظرون إلى الزنج والسود على أنهم دونهم في المنزلة والمكانة؛ ولهذا قالوا: إن العرب تمدح الرجل إذ تقول: رجل جعد، أي: كريم جواد كناية عن كونه عربيًّا سخيًّا؛ لأن العرب موصوفون بالجعودة، وتذم الرجل أيضًا حين تقول: رجل جعد، إذ يقصدون بذلك

стр. 2293

رجلًا لئيمًا لا يبض حجره، وقد يراد به رجل قصير متردد الخلق, فهو من الأضداد؛ لذلك فالجعد في صفات الرجال يكون مدحًا وذمًّا. وإذا قالوا: رجل جعد السبوطة فمدح، إلا أن يكون قططًا مفلفل الشعر فهو حينئذ ذم١. ومن المجاز قول العرب: الأعداء صهب السبال وسود الأكباد، وإن لم يكونوا كذلك، أي صهب السبال، فكذلك يقال لهم. ورد في الشعر: جاءوا يجرون الحديث جرًّا ... صهب السبال يبتغون الشرَّا وإنما يريدون أن عداوتهم كعداوة الروم, والروم صهب السبال والشعر، وإلا فهم عرب وألوانهم الأدمة والسمرة والسواد٢. ويذكر علماء اللغة أن العرب تصف ألوانها بالسواد، وتصف ألوان العجم بالحمرة, وقد افتخر الشعراء بذلك في الجاهلية وفي الإسلام. من ذلك قول الفضل بن عباس بن عتبة اللهبي: وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة في بيت العرب يقول: أنا خالص؛ لأن ألوان العرب السمرة. ومن ذلك قول مسكين الدارمي: أنا مسكين لمن يعرفني ... لوني السمرة ألوان العرب٣ قال "الجاحظ": "والعرب تفخر بسواد اللون ... وقد فخرت خُضر محارب بأنها سود، والسود عند العرب الخضر". ثم ذكر أمثلة من أمثلة افتخار بعض القبائل والأشخاص بكونهم "خضرًا", حتى قال: "وخضر غسان بنو جفنة الملوك, قال الغساني: إن الخضارمة الخضر الذين ودوا ... أهل البريص ثمانى منهم الحكم وقد ذكر حسان أو غيره الخضر من بني عكيم، حين قال: ولست من بني هاشم في بيت مكرمة ... ولا بني جمح الخضر الجلاعيد

стр. 2294

قالوا: وكان ولد عبد المطلب العشرة السادة دُلمًا ضخمًا، نظر إليهم عامر بن الطفيل يطوفون كأنهم جمال جون، فقال: بهؤلاء تمنع السدانة. وكان عبد الله بن عباس أدلم ضخمًا، وآل أبي طالب أشرف الخلق، وهم سود وأدم ودلم"١. واشتهر بعض سودان العرب بالشجاعة والإقدام، منهم أربعة عرفوا بـ"أغربة العرب" وذؤبان العرب, منهم: عنتر وخفاف بن ندبة السلمي، سار فيه السواد من قبل أمه، وهو من حرة بني سليم، أدرك النبي، وكان شاعرًا شجاعًا، وقل ما يجتمع الشعر والشجاعة في واحد. ومنهم السليك بن السلكة٢. وهناك قبائل غلب على لونها السواد، حتى عبر عنها بـ"دلم", والدلم: الرجل الشديد السواد٣. جاء إليها السواد؛ لكون أصلها من إفريقيا على ما يظهر، وكانت قد استقرت بجزيرة العرب وتعربت، حتى عدت من العرب, أما الأسر والأفراد الدلم، فقد ظهر السواد على لونهم بالتزاوج من الملونين. فقد كان من عادة الأشراف الاتصال بالإماء السود، فإذا ولدن منهم أولادًا نجبًا شجعانًا ألحقهم آباؤهم بهم، ونسبوهم إليهم كالذي كان من أمر عنترة العبسي، وقد مال قوم من قريش إلى التزوج بالإماء السود، وقد ظهرت هذه النزعة بين السادات والأشراف. وقد ذكر "الجاحظ" في معرض حجج السودان على البيضان، وعلى لسان الزنج قولهم للعرب: "من جهلكم أنكم رأيتمونا لكم أكفاء في الجاهلية في نسائكم، فلما جاء عدل الإسلام رأيتم ذلك فاسدًا, وما بنا الرغبة عنكم، مع أن البادية منا ملأى ممن قد تزوج ورأس وساد، ومنع الذمار، وكَنَفَكم من العدو"٤. وفي هذا القول إشارة إلى التزاوج الذي كان بين العرب والزنج, أي: السودان المجلوبين من إفريقيا، في أيام الجاهلية، وإلى انصراف العرب عنه

стр. 2295

في الإسلام، ما خلا البادية؛ وذلك بسبب إقبالهم على التزوج بالفارسيات والروميات وبغيرهن على ما يظهر، بسبب الفتوح وتوسع أسواق النخاسة في هذا الوقت, وارتفاع مستوى الوضع الاقتصادي للعرب في الإسلام عنه في الجاهلية؛ مما مكنهم من التزوج بالأجنبيات البيض الجميلات وتفضيلهن على السودانيات. وظهور نظرة الازدراء إلى السودان في الإسلام؛ بسبب الأعاجم المسلمين الذين كانوا يزدرون العبيد وينظرون إليهم على أنهم دونهم في المنزلة، فانتقلت هذه النظرة منهم إلى العرب. ويظهر من رسالة الجاحظ: "فخر السودان على البيضان"، أن نزاعًا كان قد دبَّ بين السودان والعرب في الإسلام؛ بسبب نظرة الازدراء التي أخذ الفاتحون ينظرون بها إليهم, فصاروا يترفعون عنهم ولا يخالطونهم، وهذا مما أغاظهم، وحملهم على نبش الماضي، والإتيان بالأخبار وبالأشعار عن دور الحبش في جزيرة العرب قبل الإسلام، وكيف أنهم كانوا قد ملكوا "بلاد العرب من لدن الحبشة إلى مكة"١، وهزموا ذا نواس، وقتلوا أقيال حمير، فملكوا العرب ولم يملكهم العرب٢, إلى غير ذلك من دعاوٍ تجدها في قصيدة الشاعر الزنجي "الحيقطان", التي يفتخر فيها بالحبش على العرب, على نحو فخر الشعوبية بأصولهم على العرب. وهي قصيدة شهيرة، قالها يوم سمع "جرير" يسخر منه بشعر قاله في وصفه, فرد عليه ردًّا شديدًا بقصيدته هذه التي نظمها وهو باليمامة٣. وقد عُرفت بعض القبائل ببياض بشرتها، واشتهرت نساؤها ببياض البشرة، ورد "في الحديث: أنه لما خرج من مكة قال له رجل: إن كنت تريد النساء البيض والنوق الأدم, فعليك ببني مدلج"٤. ويقال للمرأة التي يغلب على لونها البياض: "الحمراء"، وقد لقب الرسول زوجته "عائشة" بـ"الحميراء"؛ لبياض لونها.

стр. 2296

القبيلة: والقبيلة هي عماد الحياة في البادية، بها يحتمي الأعرابي في الدفاع عن نفسه وعن ماله، حيث لا "شُرَط" في البوادي تؤدب المعتدين، ولا سجون يُسجن فيها الخارجون على نظام المجتمع، وكل ما هناك "عصبية" تأخذ بالحق و"أعراف" يجب أن تطاع. والرابط الذي يربط شمل القبيلة ويجمع شتاتها هو "النسب", ويفسر ذلك بارتباط أبناء القبيلة كلها بنسب واحد وبدم واحد وبصلب جد أعلى, من صلبه انحدر أفراد القبيلة في اعتقادهم؛ ولهذا نجد أهل الأنساب يرجعون نسب كل قبيلة إلى حد أعلى، ثم يرجعون أنساب الجدود، أي: أجداد القبائل إلى أجداد أقدم، وهكذا حتى يصلوا إلى الجدين العرب: قحطان وعدنان. وقد حفظت الكتابات العربية الجنوبية أسماء عدد كبير من القبائل، لم يعرف أسماء أكثرها أهل الأخبار. وهي تفيدنا من هذه الناحية فائدة كبيرة في الوقوف على هذه القبائل، وبعضها كان قد هلك وانحلَّ واختلط في القبائل الأخرى قبل الميلاد وبعضها بعد الميلاد وقبل الإسلام بأمد. وتتألف القبيلة من بيوت، يختلف عددها باختلاف حجم القبيلة، وباختلاف المواسم. ففي مواسم الربيع، تضطر أحياء القبيلة إلى الانتشار والابتعاد؛ لتتمكن إبلها من الرعي ومن إملاء بطونها بالعشب, فتتجمع على شكل مستوطنات يتراوح عدد بيوت كل مستوطنة منها ما بين الخمسين والمائة والخمسين بيتًا. أما في المواسم الأخرى، حيث تنحبس الأمطار وتجف الأرض، فتعود أحياء القبيلة إلى تكتلها وتجمعها، فتكون كل مجموعة حوالي "٥٠٠" بيت أو أكثر, تتجمع حذر وقوع غزو عليها، وللتعاون فيما بينها عند الشدة والعسر١. والقبيلة في عرف علماء اللغة: جماعة من أب واحد، والقبائل في نظرهم من قبائل الرأس لاجتماعها، أو من قبائل الشجرة وهي أغصانها٢، فهي إذن جماعة من الناس تضم طوائف أصغر منها، وهي تنتمي كلها إلى أصل واحد، وجذر

стр. 2297

راسخ، ولها نسب مشترك يتصل بأب واحد هو أبعد الآباء والجد الأكبر للقبيلة. فالرابط الذي يربط بين أبناء القبيلة ويجمع شملها ويوحد بين أفرادها هو "الدم"، أي النسب، والنسب عندهم هو القومية ورمز المجتمع السياسي في البادية. والقبيلة هي الحكومة الوحيدة التي يفقهها الأعرابي, حيث لا يشاهد حكومة أخرى فوقها. وما تقرره حكومته هذه من قرارات يطاع وينفذ، وبها يستطيع أن يأخذ حقه من المعتدي عليه. وهذه النظرة الخاصة بتعريف القبيلة, هي التي حملت أهل الأنساب والأخبار على إطلاق لفظة "القبيلة" على الحضر أيضًا, مع أنهم استقروا وأقاموا. فقريش عندهم قبيلة، والأوس والخزرج قبيلة، وثقيف قبيلة؛ ذلك لأن هؤلاء الناس وإن تحضروا واستقروا وأقاموا وتركوا الحياة الأعرابية، إلا أنهم بقوا رغم ذلك على مذهب أهل الوبر ودينهم في التمسك بالانتساب إلى جد أعلى وإلى أحياء وبطون, وفي إجابة النخوة والعصبية، وما شابه ذلك من سجايا البداوة، فعدوا في القبائل، وإن صاروا حضرًا وأهل قرار، وقد طلقوا التنقل وانتجاع الكلأ. وتشارك الشعوب السامية العرب في هذه النظرة؛ لأن نظامها الاجتماعي القديم هو كالنظام العربي قائم على القبيلة, والقبيلة عندها جماعة من بيوت ترى أنها من أصل واحد، وقد انحدرت كلها من صلب جد واحد. فهم جميعًا أبناء الجد الذي تتسمى به القبيلة، وهم مثل العرب في النداء وفي النسب, قد يذكرون الاسم فقط, فيقولون مثلًا: أدوم ومؤاب وإسرائيل ويهوذا، أو أبناء إسرائيل وأبناء يهوذا، وبنو إسرائيل وبنو يهوذا، وقد يقولون: بيت إسرائيل وبيت يوسف وبيت خمرى وبيت أديني بمعنى أبناء المذكورين، تمامًا كما نقول: غسان، وآل غسان، وأبناء غسان, وأولاد غسان, ومن غسان، وغساني، وما شاكل ذلك، ويريدون بها شيئًا واحدًا، وهو النسب، أي: الانتماء إلى جد واحد, به تسمى القبيلة وإليه يرجع نسبها. وهم يشعرون كالعرب أن أبناء القبيلة هم إخوة وهم من دم واحد, ومن لحم ودم ذلك الجد. وهم يخاطبون بعضهم بعضًا بقولهم: "أنت من لحمي ودمي", وفي التوراة أمثلة عديدة من هذا القبيل. فلما ذهب "أبو مالك بن

стр. 2298

يربعل" إلى عشيرة أمه خاطب أبناءها بقوله: "أيما خير لكم! أن يتسلط عليكم سبعون رجلًا جميع بني يربعل، أم أن يتسلط عليكم رجل واحد, واذكروا أني أنا عظمكم ولحمكم"١. وقد اعتبر "داود" جميع أبناء عشيرته إخوة له٢, وخاطب "شيوخ يهوذا" بقوله: "أنتم إخوتي، أنتم عظمي ولحمي"٣. فأبناء القبيلة هم إخوة من دم واحد, يسري في أجسامهم جميعًا ما دامت القبيلة حية باقية. ووحدة الدم هذه هي الرابط الذي يجمع شمل القبيلة, وهي صلة رحم، وعصبية، والحكومة الصحيحة التي يجب أن تطاع. والعربي مثل بقية الساميين لم يفهم الدولة إلا أنها دولة القبيلة, وهي دولة صلة الرحم التي تربط الأسرة بالقبيلة، دولة العظم واللحم، دولة اللحم والدم, أي: دولة النسب. فالنسب هو الذي يربط بين أفراد الدولة ويجمع شملهم، وهو دين الدولة عندهم وقانونها المقرر المعترف به. وعلى هذا القانون يعامل الإنسان، وبالعرف القبلي تسير الأمور، فالحكام من القبيلة، وأحكامهم أحكام تنفذ في القبيلة، وإذا كانت ملائمة لعقلية القبيلة والبيئة، وهذا هو ما يحدث في الغالب, تصير سنة للقبيلة، نستطيع تسميتها بـ"سنة الأولين". ووطن القبيلة هو بالطبع مضارب القبيلة حيث تكون، وحيث يصل نفوذها إليه، فهو يتقلص ويتوسع بتلقص وبتوسع نفوذ القبيلة. وقد واجه المسلمون في أيام الفتوح صعوبة كبيرة في فتوحهم؛ بسبب العقلية القبلية وضيق أفقها، وعدم تمكنها من التخلص من مثلها الجاهلية بسهولة. فقد كان على القائد أن يقاتل عدوه بجيش يحارب على شكل كتل قبائل، تتكون كل كتلة من مقاتلي قبيلة واحدة، لا من جنود ينتمون إلى أمة هي فوق الكتل والقبائل. وكان على رأس كل وحدة مقاتلة رؤساء من القبيلة التي ينتمي إليها الجنود، وقد واجه الإمام "علي" صعوبة حينما حارب في معركة الجمل وفي معركة صفين وغيرها، إذ اشترطت عليه القبائل المحاربة، ألا تحارب إلا رجال قبيلتها الذين يكونون ضده، فالهمدانيون الذين معه يحاربون الهمدانيين الذين يحاربون مع خصمه. وهكذا فعلت بقية القبائل، للعصبية القبلية؛ لأنهم لم يكونوا يستطيعون رؤية قبيلة غريبة تفتك

стр. 2299

بإخوانهم من قبيلتهم، وهم ينادون بشعار العصبية، شعار القبيلة. أما هم فإن قاتلوا إخوانهم من قبيلتهم، فإن قتالهم هذا يختلف عن قتال الإخوة حين يقتتلون قتالًا قد يكون أشد ضراوة من قتال الغرباء، لا يلتفت فيه إلى وجود دم واحد بين المتقاتلين، وإلى أنهم من بيت أب وأم، يحتم عليهم التكتل والتعصب، إذ لا غريب هنا أمامهم في هذا القتال. ولست بحاجة وأنا في هذا المكان، لتكرار قول سبق أن قلته في الجزء الأول من هذا الكتاب, من أن أسماء القبائل لا تعني بالضرورة أنها أسماء أجداد حقيقيين عاشوا وماتوا. فبينها كما سبق أن قلت أسماء مواضع، مثل غسان، وبينها أسماء أصنام مثل "بني سعد العشيرة", وبينها أسماء أحلاف مثل "تنوخ", وبينها نعوت وألقاب ... إلى آخر ذلك من أسماء قبائل وصلت إلى علم علماء الأنساب, فأوجدوا لها معاني واعتبروها أسماء رجال حقيقيين تزوجوا ونسلوا ومنهم من كان عاقرًا فلم ينسل، فذهب أثره، ولم تبق له بقية١. والمفهوم من لفظة "القبيلة" في العادة: القبائل التي تتألف من عمائر وما وراء العمائر من أقسام. فإذا ذكرت القبيلة انصراف الذهن إلى آلاف من البيوت تجتمع تحت اسم تلك القبيلة. ولكن الناس يتجوزون في الكلام، وفي الكتابة أحيانًا فيطلقونها على عدد قليل من الناس, قد يبلغ ثلاثة نفر أو أربعة مثل: "بني عبد الله بن أفصي بن جديلة"، و"بني جساس بن عمرو بن خوية بن لوذان" من "بني فزارة"، و"كليب بن عدي بن جناب بن هبل"، و"بني شقرة" من تميم. وقد يطلقونها على أكثر من ذلك، ولكن على عدد قليل من الناس أيضًا، كأن يكون خمسين رجلًا أو ستين٢, وهذا الاستعمال، هو على سبيل التجوز لا الاصطلاح. ويرى علماء العربية أن هناك تجمعات، هي في نظرهم أكبر حجمًا من القبيلة, أطلقوا عليها "الشعوب". فذكروا أن الشعوب فوق القبائل، ومثاله: بنو قحطان، وبنو عدنان، فكل منهما شعب, وما دونهما قبائل. وذهب بعض منهم إلى أن "الشعوب" للعجم، فإن الشعوب بالنسبة لهم، مثل القبائل

стр. 2300

للعرب، ومنه قيل للذي يتعصب للعجم "شعوبي"، وقيل: بل هي للعرب وللعجم. والذي عليه أكثر علماء الأنساب أن الشعب أكبر من القبيلة، وأن الشعب أبو القبائل الذي ينتسبون إليه، أي: يجمعهم ويضمهم١. ويظهر أن مرد هذا الاختلاف هو ما ورد في القرآن الكريم من قوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ٢. فقدم "الشعوب" على القبائل, فذهب أكثر المفسرين والعلماء إلى أن هذا التقديم يعني أن الشعب أكبر من القبيلة، وأن الشعوب الجمَّاع والقبائل البطون، أو الشعوب الجمهور والقبائل الأفخاذ، أو الشعوب: النسب البعيد، والقبائل: دون ذلك، كقولك فلان من بني فلان، وفلان من بني فلان. وتأول بعض آخر هذا المعنى، فذهبوا إلى أن هذا التقديم أو التأخير، لا علاقة له بالكبر، أي: بحجم الشعب أو القبيلة، والآية لا تريد ذلك، وإنما تريد الأنساب، وأنها نزلت في بيان أن الإنسان لا بنسبه، وإنما بعمله. وعلى هذا, فإن الشعب في نظرهم دون القبيلة في الترتيب, والشعب بعد القبيلة في الدرجة٣. وقد أخذ العلماء بالتأويل الأول للفظة "الشعب" حتى صار هذا المعنى هو المعنى المفهوم منها عند الناس في الإسلام، فهي إنما تعني اليوم جنسًا من أجناس البشر له خصائصه ومميزاته، كالشعب العربي والشعب اليوناني والشعب التركي والشعب البريطاني والشعب الأمريكي، وهكذا, أو جزءًا كبيرًا مستقلًّا من أجزاء أمة واحدة، كأن نقول: الشعب العراقي، والشعب السوري، والشعب السعودي، والشعب المصري، أي: وحدة جغرافية سياسية ذات كيان. ولفظة "الشعب" من الألفاظ الواردة في نصوص المسند, وهي فيها بمعنى قبيلة، وتكتب "شعبن"، بمعنى "الشعب"، وحرف النون في أواخر الأسماء أداة للتعريف في العربيات الجنوبية. فهي إذن مرادف "قبيلة" بالضبط, والجمع "أشعب"، أي "شعوب". ورد "سباواشعبهمو"، أي "سبأ وشعوبهم",

стр. 2301

أو "سبأ وقبائلهم" بتعبير أدق وأصح. وورد "شعبن معن"، أي "قبيلة معين"، و"شعين همدان", أي "قبيلة همدان". والظاهر أن أهل مكة وقفوا في الجاهلية على هذه اللفظة أيضًا فاستخدموها, وأن قبائل حجازية مجاورة لمكة، كانت تستعمل لفظة "شعب" و"الشعب" بمعنى قبيلة، ونظرًا لورودهما معًا في القرآن الكريم، فرَّق العلماء بين اللفظتين، باعتبار أن ذكرهما معًا يعنى وجود بعض الاختلاف في المراد منهما. فوقع من ثَمَّ بين المسلمين هذا التمييز، وصارت لفظة "الشعب" تدل على معنى يختلف عن معنى كلمة "قبيلة" و"القبيلة". ويلي الشعب في اصطلاح أهل النسب: القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة. فالشعب النسب الأبعد مثل عدنان وقحطان، والقبيلة مثل ربيعة ومضر، والعمارة مثل قريش وكنانة، والبطن مثل بني عبد مناف وبني مخزوم، ومثل بني هاشم، وبني أمية، والفصيلة مثل بني أبي طالب وبني العباس١. وجعل "ابن الكلبي" مرتبة بين الفخذ والفصيلة هي مرتبة العشيرة, وهي رهط الرجل٢. وورد أن البطن دون القبيلة أو دون الفخذ وفوق العمارة. وذكر بعضهم أن أول العشيرة: الشعب ثم القبيلة ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ٣. وذلك على رأي من جعل العشيرة: العامة، مثل: بني تميم وبني عمرو بن تميم، أي: الجماعة العظيمة٤. وزاد بعض العلماء الجذم قبل الشعب، وبعد الفصيلة العشيرة، ومنهم من زاد بعد العشيرة الأسرة، ثم العترة. ورتبها آخرون على هذه الصورة: جذم, ثم جمهور، ثم شعب، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم عشيرة,

стр. 2302

ثم فصيلة، ثم رهط، ثم أسرة، ثم عترة، ثم ذرية. وزاد غيرهم في أثنائها ثلاثة هي: بيت، وحي، وجماع١. وذكر بعض علماء اللغة أن "الجذم"، الأصل في كل شيء؛ فيقال: جذم القوم: أهلهم وعشيرتهم, ومنه حديث حاطب: "لم يكن رجل من قريش إلا له جذم بمكة"٢. وذكر بعض العلماء أن العمارة الحي العظيم يقوم بنفسه٣, وأن الفرق بين الحي والقبيلة هو أن الحي لا يقال فيه: بنو فلان نحو قريش وثقيف ومعد وجذام, والقبائل يقال فيها: بنو فلان مثل بني نعيم وبني سلول٤. وذكر أيضًا أن العمارة: الحي العظيم الذي يقوم بنفسه، ينفرد بظعنها وإقامتها ونجعتها, وقيل هو أصغر من القبيلة. وفي الحديث: "أنه كتب لعمائر كلب وأحلافها كتابًا". قال التغلبي: لكل أناس من معد عمارة ... عروضٌ، إليها يلجئون، وجانب٥ وقسم "النويري" النظام القبلي عند العرب إلى عشر طبقات٦, وابتدأ بـ"الجذم" وهو الأصل, وهو قحطان وعدنان، والطبقة الأولى، ثم الجماهير وهي الطبقة الثانية، ثم الطبقة الثالثة: الشعوب، والطبقة الرابعة: القبيلة، وهي التي دون الشعب تجمع العمائر، ثم الطبقة الخامسة: العمائر، وهي التي دون القبائل، وتجمع البطون، ثم الطبقة السادسة: البطون، وهي التي تجمع الأفخاذ, والطبقة السابعة: الأفخاذ, وهي أصغر من البطن، والفخذ تجمع العشائر, والطبقة الثامنة: العشائر، واحدها عشيرة، وهم الذين يتعاقلون إلى أربعة آباء, والطبقة التاسعة: الفصائل، واحدها فصيلة، وهم أهل بيت الرجل وخاصته، والطبقة العاشرة: الرهط، وهم الرجل وأسرته٧.

стр. 2303

ما ذكرته يمثل مجمل آراء علماء النسب عند العرب في موضوع كيان القبيلة وفروعها التي تتفرع منها درجة درجة، حتى تصل إلى البيت الذي يتكون من الأب والأم وأولادهما. وقد رأينا أنهم قد اختلفوا فيما بينهم وتباينوا في الترتيب وفي العدد, منهم من يقدم، ومنهم من يؤخر، ومنهم من يزيد، ومنهم من ينقص. واختلافهم هذا فيما بينهم، هو دليل يشعرنا أن التقسيم المذكور لم يكن تقسيمًا ثابتًا عند كل القبائل وأنه لم يكن تقسيمًا جاهليًّا بل كان تقسيمًا محليًّا اختلف بين قبيلة وأخرى، وأن أسماء أجزاء القبيلة، لم تكن أسماء عامة متبعة عند الجميع، أي أسماء مقررة عند كل قبيلة، بل هي أسماء أخذها العلماء من هنا وهناك، ولهذا وقع بينهم هذا الاختلاف، ولو كان عند الجاهليين تقسيم واحد لأجزاء القبيلة فما كان من المعقول أن يقع علماء النسب واللغة فيما رأينا من تباين واختلاف, ولوجب اتفاقهم في الترتيب وفي العدد. فالتقاسيم المذكورة إذن، هي من وضع وترتيب وجمع علماء النسب واللغة في الإسلام. وأصغر وحدة من وحدات القبيلة هي: الأسرة، أي "البيت". فهي نواة القبيلة وبذرتها وجرثومتها، ومن نموها ظهرت شجرة القبيلة التي يختلف حجمها وتختلف كثرة أغصانها وفروعها باختلاف منبت الشجرة والظروف والعوامل التي أثرت في تكوينها، من بذرة جيدة ومن تربة صالحة وماء كافٍ. والبيت هو نواة القبيلة عند العرب، وهو نواة القبيلة عند كل الشعوب القبلية, بل هو نواة المجتمع في كل مجتمع إنساني.

стр. 2304

القحطانية والعدنانية: تحدثت في الجزء الأول من هذا الكتاب عن القحطانية والعدنانية بما فيه الكفاية١, وأعود هنا فأقول: إن ما ذكرته عن أهل المدر وأهل الوبر، أي: عن الحضر والبدو أو الأعراب وهم أهل البادية، لا يعني أن الحضر هم القحطانيون، وأن الأعراب هم العدنانيون, كما ذهب إلى ذلك بعض المستشرقين باعتبار أن غالبية من نسميهم القحطانيين هم حضر، أو أقرب من غيرهم إلى الحضر، وأن غالبية العدنانية

стр. 2305

أعرابية متبدية، والصواب عندي: أن في القحطانيين عربًا وأعرابًا، وفي العدنانيين حضرًا وبادية، وإن غلبت البداوة على العدنانيين؛ لأن من وجد الماء الدائم تنخ عليه وتحضر، قحطانيًّا كان النازل أو عدنانيًّا، فالحضارة تنبت حيث يكون الماء، والماء لا يعرف النسب والقبائل, من وجده وظفر به وأقام عليه تحضر واستقر فصار حضريًّا. ولهذا نجد أن في حضر جزيرة العرب أقوامًا يحشرهم أهل الأنساب في قحطان, ونجد في حضرها أقوامًا يرجعون نسبهم إلى عدنان. ونحن إذا ما رسمنا خارطة لكيفية توزع الحضر والأعراب, أو كيفية انتشار القبائل، فإننا نجد أن منازل القبائل متداخلة مشتبكة، ليست بينها حدود ولا أسوار حاجزة تحجز القبائل القحطانية عن القبائل العدنانية, إلا في العربية الجنوبية حيث يرجع النسابون نسب أكثر قبائلها إلى أصل قحطاني. أما في الأماكن الأخرى، فإن القبائل القحطانية وكذلك القبائل العدنانية منتشرة انتشارًا لا يدل على وجود تكتل وتحزب, بل نجد القحطانية تجاور العدنانية وتخالطها ونجد القحطانية في جوار القحطانية، والعدنانية في جوار العدنانية، مما يدل على أن هذا التوزيع لم يقم ولم يستند على عنصرية وحزبية وعلى هجرات منتظمة، وإنما قام على حق القوة وتحكم القوي في الضعيف، مهما كان عنصر القوي وأصله, وأن التكتل قد حدث بدوافع سياسية عسكرية لعبت دورًا خطيرًا في تكون النسب. وظاهرة أخرى نراها عند القبائل، تتجلى في أن القبائل وإن تنقلت وارتحلت من مكان إلى مكان، سعيًا وراء الماء والكلأ، كما يذكر أهل الأخبار، إلا أن ذلك لا يعني أن هذه الحركة هي حركة دائمية مستمرة، وأن القبائل كانت تنتقل دومًا من مكان إلى مكان، بحيث صار الترحل لها سنة دائمة لازمة. فلو ثبتنا منازل القبائل على "خريطة" صورة جزيرة العرب، استنادًا إلى روايات أهل الأخبار عنها، وجدنا أن منازل القبائل لم تتبدل إلا للضرورات ولأسباب قاهرة تكره القبيلة على ترك ديارها والارتحال عنها إلى منازل جديدة، كأن تغزوها قبائل كثيرة العدد أقوى منها أو ينحبس عنها المطر سنين، تهلك الضرع، أو تحاربها قوة نظامية أقوى منها، كالذي وقع لـ" إياد"، حيث أزاحها "بنو عبد القيس" عن مواطنها في البحرين، ثم شتت الفرس شملها في العراق فعندئذ تضطر القبيلة وهي مكرهة مجبورة على ترك ديارها للبحث عن ديار أخرى

стр. 2306

جديدة. وتكاد تكون أكثر أسباب هجرات القبائل وارتحالها من أماكنها إلى أماكن أخرى هي الأسباب المذكورة. وطراز حياة القبائل في جزيرة العرب باستثناء العربية الجنوبية، متشابه، بحيث يصعب أن نجد فروقًا واضحة ظاهرة بين القبائل التي ينسبها النسابون المسلمون إلى قحطان أو إلى عدنان، فهي متشابهة وعلى وتيرة واحدة. وأما اللغة، فإننا لا نجد فيما بين القبائل العدنانية والقحطانية أي خلاف يذكر على ما يظهر من روايات علماء اللغة، بل نجد أن لهجات القبائل القحطانية الشمالية هي لهجات عدنانية، مخالفة للهجات أهل اليمن المعروفة التي كانت سائدة في اليمن إلى ظهور الإسلام. فلهجات أهل اليمن من الحميرية وغيرها، بعيدة عن لهجات القبائل القحطانية والعدنانية بعدًا متساويًا، حتى بالنسبة إلى القبائل اليمانية التي غادرت اليمن في عهد متأخر، كما سأبحث عن ذلك فيما بعد، وفي القسم الخاص بلغات أهل الجاهلية. ولهذه الظاهرة أهمية كبيرة بالنسبة إلى دراسة اللغة والنسب عند العرب الجاهليين. وعندي أن ما يذهب إليه المستشرقون من تقسيم العرب إلى عرب جنوبيين وعرب شماليين، هو تقسيم لا يمكن اعتباره تقسيمًا علميًّا؛ فإن ما نشاهده من فروق في الملامح والمظاهر بين أهل العربية الجنوبية من أهل اليمن وحضرموت ومسقط وعمان, وبين أهل الحجاز ونجد والعرب الشماليين الآخرين، وإن كان واضحًا ظاهرًا ولا مجال إلى نكرانه, إلا أن هذه الفروق لا يمكن اعتبارها مع ذلك حدًّا فاصلًا يقسم العرب إلى مجموعتين: مجموعة شمالية ومجموعة جنوبية، لسبب بسيط جدا سبق أن بينته في الجزء الأول من هذا الكتاب، وتحدثت عنه في مواضع أخرى منه، وهو أن كل مجموعة من المجموعتين لا تكون في نفسها وحدة متناسقة متجانسة، بل تتألف من مجموعات يختلف بعضها عن بعض في السحن وفي الملامح؛ بسبب عوامل الاتصال بالعالم الخارجي، وبسبب اختلاف الظروف الطبيعية التي يعيش فيها أفراد كل مجموعة. فأهل جبال اليمن والجبال المتصلة بها الممتدة إلى عمان، يختلفون اختلافًًا بينًا عن أهل السواحل والأرضين المنخفضة، ليس في الملامح والسحن فحسب، بل وفي العمل وفي النشاط وفي المدارك أيضًا. وأهل السراة في العربية الغربية يختلفون عن أهل تهامة وبقية ساحل البحر الأحمر، وأهل نجد يختلفون عن أهل ساحل الخليج. يختلفون عنهم في السحن والملامح كما

стр. 2307

يختلفون عنهم في المدارك وفي حدة الذهن. وهذا الاختلاف هو شيء واقعي بين العيون، يراه كل إنسان حين يزور بلاد العرب، وهو في حد ذاته شاهد على فساد نظرية المستشرقين في تقسيم العرب إلى مجموعتين. وبعد، فهذه الطبيعة طبيعة جزيرة العرب؛ من جو وأرض، من انحباس مطر ومن ارتفاع في درجات الحرارة, ومن يبوسة في الهواء، وقلة في الرطوبة, ومن اختلاف في ضغط الجو اختلافًًا يخل بتوازنه فيثير فيه أعاصير وعواصف، تعتدي على حرمة التربة الهادئة الراقدة، فترتفع رمالها إلى ارتفاعات متباينة، وتلفح الأوجه والأجسام بـ"سموم" وبما شاكله من أهوية مزعجة تثير الغضب وتلهب العصب، وتجعل الجو داكنًا أظلم مغبرا. أضف إلى ذلك ما نراه من نور ساطع وأشعة لامعة تحمل أمواجًا غير مرئية تؤثر في خلايا البشرة وفي النفس، ثم هذه الرطوبة المفرطة المتحكمة في التهائم، وهذه الندرة في الأنهار، والإسراف في ظهور البوادي والصحاري، وتحكم الطبيعة تحكمًا جائرًا في توزيع النبات والحيوان على أهل جزيرة العرب, كل هذه الأمور وأمثالها أثرت أثرًا كبيرًا في نفس أهل جزيرة العرب، وفي شكل أجسامهم، وفي حالة معيشتهم, فجعلتهم يختلفون عن غيرهم بأمور، ويتباينون فيما بينهم بأمور، وذلك لاختلاف طبيعة أجزاء الجزيرة نفسها. ونحن لن نستطيع فهم العرب فهمًا صحيحًا دقيقًًا إلا إذا درسنا هذه الأمور المذكورة وأمثالها دراسة علمية دقيقة؛ وعندئذ فقط نستطيع فهم سبب تفشي البداوة بين العرب، وسبب تطبع العرب بطباع خاصة, واتسامهم بسمات وعلامات خاصة وبملامح ومظاهر جسمية متباينة، وأمثال ذلك مما تعرضت له في بحث الجنس والسامية، وفي بحث طبيعة العقلية العربية، وما قيل في حقها من أقوال، وما ورد في العرب من مدح أو ذم, ومن وصف صادق أو كاذب.

стр. 2308

أركان القبائل: يرجع كل العرب من حيث النسب إلى ركن من "أركان القبائل". فقد اصطلح علماء النسب على أن للنسب عند العرب بعد قحطان وعدنان أربعة أركان:

стр. 2309

ربيعة ومضر ويمن وقضاعة١. وذلك على رأي من جعل قضاعة ركنًا قائمًا بذاته, ولا يمكن أن يخرج نسب عربي أصيل عن أصل من هذه الأصول. وورد أن العرب في النسب على أربع طبقات: خندفي, وقيسي، ونزاري، ويمني٢, ويمن هي قحطان. وكان العرب يتعززون بانتسابهم إلى اليمن، فكان من ينقلب على نسبه يتخذ لنفسه نسبًا يمانيًّا. "وأكثر العزوة لمن ينقلب عن نفسه إلى اليمن، لأجل أن الملوك كانت في اليمن مثل: آل النعمان بن المنذر من لخم، وآل سليح من قضاعة، وآل محرق، وآل العرنج، وهو حِمْيَر الأكبر ابن سبأ كالتبابعة والأذواء, وغيرهم. والعرب يطلبون العز ولو كان في شامخات الشواهق، وبطون الأمالق البوالق، فينتسبون إلى الأعز لحماية الحمية وإباءة الدنية ... "٣. ورجع بعض النسابين المعروفين نسب العرب إلى ثلاث جراثيم: نزار، واليمن, وقضاعة٤. ويمثل رأيهم هذا رأي القائلين بالأركان الأربعة للقبائل بالضبط؛ لأن نزارًا هو في عرفهم والد ربيعة ومضر، وكل ما فعلوه هنا هو أنهم حذفوا اسمي الولدين وأحلوا اسم والدهما في محلهما. ورجع "المأمون" الخليفة العباسي، أصول العرب إلى: قيس ويمن وربيعة ومضر. فلما تعرض عربي بالمأمون وهو في زيارته لبلاد الشام، ولامه في تقديم أهل خراسان على العرب، بقوله: "يا أمير المؤمنين, انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم خراسان"، أجابه الخليفة: "أكثرت عليَّ يا أخا أهل الشام، والله ما أنزلت قيسًا عن ظهور الخيل إلا وأنا أرى أنه لم يبق في بيت مالي درهم واحد. وأما اليمن فوالله ما أحببتها ولا أحبتني قط. وأما ربيعة فساخطة على ربها منذ بعث الله نبيه من مضر، ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شاربا, اغرب عني فعل الله بك......"٥. فأركان العرب في رأي المأمون أربعة: قيس ويمن وربيعة ومضر. وهي كتل

стр. 2310

كانت على عادة العرب متنافسة متحاسدة متباغضة، ترى كل واحدة منها نفسها وكأنها أمة دون سائر الأمم، و"يمن" كناية عن العرب الجنوبيين من همدان وحمير وكندة وأمثالها، وأما قيس وربيعة ومضر، فكناية عن تكتلات وتجمعات العرب من غير اليمن. وذهب "ابن حزم" إلى أن جميع العرب من أب واحد، سوى ثلاث قبائل هي: تنوخ، والعُتق، وغسان، فإن كل قبيلة منها مجتمعة من عدة بطون؛ وذلك أن تتوخًا اسم لعشر قبائل اجتمعوا وأقاموا بالبحرين، فسموا تنوخًا, والعتق: جمعٌ اجتمعوا على النبي، فظهر بهم فأعتقهم فسموا بذلك، وغسان عدة بطون نزلوا على ماء يسمى غسان فسموا به١. ولما جاء "خالد بن الوليد" إلى العراق كان جيشه من "ربيعة" و"مضر"٢ ومن قبائل يمانية، ومعنى هذا وجود ثلاثة أركان قبائل محاربة. ولما قال "خالد بن الوليد" لـ"عدي بن عدي بن زيد العبادي: "ويحكم! ما أنتم! أعرب, فما تنقمون من العرب؟ أم عجم, فما تنقمون من الإنصاف والعدل؟ قال عدي: بل عرب عاربة وأخرى متعربة، فقال: لو كنتم كما تقولون لم تحادونا وتكرهوا أمرنا, فقال له عدي: ليدلك على ما نقوله أنه ليس لنا لسان إلا بالعربية، فقال: صدقت"٣. ولا تعني جملة "بل عرب عاربة وأخرى متعربة" معنى: أن العرب عربان، عرب عاربة وعرب متعربة، على النحو المفهوم منها عند أهل الأخبار. بل هي تعبر عن واقع أصل أهل الحيرة, فقد كان أهلها بين عرب صرحاء وبين عرب متعربة أي جماعة لم تكن عربية في الأصل, وإنما كانت من أصل عراقي وفارسي أقامت في الحيرة، وتأثرت بأهلها العرب فتكلمت العربية حتى صارت العربية لسانها، فهي من العرب المتعربة. وقد كان كل عرب العراق على هذا النحو في ذلك الوقت، فهم بين عرب خلص وبين عرب متعربة، لم تكن أصولها من منبت عربي، وإنما دخلت في العرب فتطبعت بطباعهم وأخذت لسانهم حتى نسيت ألسنتها القديمة، وصارت من العرب.

стр. 2311

وقد ذكر بعض المؤرخين أن العرب من "نزار" ملكتهم الفرس, وأن العرب من غسان ملكتهم الروم١, فجعل "نزارًا" في مقابل غسان، ولم يكن كل عرب العراق من "نزار", يدلك على ذلك أن ملوك الحيرة على رأي أهل الأخبار من قحطان. والذي يلاحظ من كيفية توزيع القبائل على حسب رواية أهل الأخبار أن معظم قبائل العراق، هي من قبائل "نزار" أو من "ربيعة" و "مضر" بتعبير آخر. أما معظم قبائل بلاد الشام فهي من "يمن", أي على عكس الحال في العراق, فهل يمثل هذا التقسيم توزيعًا تأريخيًّا صحيحًا, بمعنى أن أكثر قبائل العراق، قد وردت العراق من العربية الشرقية والعربية الوسطى، أي: من سواحل الخليج ونجد، وأن عرب بلاد الشام إنما جاءوا إلى هناك من اليمن، عن طريق الحجاز ونجد؟ أم أنه تقسيم سياسي اصطلاحي، نشأ قبل الإسلام بعهد طويل من المنافسة التي كانت بين العراق وبلاد الشام، المنافسة التي ظلت باقية في الإسلام, فقد كان بين العراق وبين بلاد الشام عداء وتباغض، لعوامل لا مجال للبحث فيها في هذا المكان؟. وقد استولت حكومات العراق من حكومات وطنية وأجنبية على بلاد الشام مرارا، مما ولد مرارة وأوجد حقدًا بين أهل العراق وأهل الشام، فانتقل ذلك إلى عرب القطرين أيضًا. فحارب عرب العراق عرب بلاد الشام، حتى وصل هذا العداء إلى دعوى وجود فرق بين أصل عرب العراق وأصل عرب بلاد الشام, فصارت أكثر قبائل العراق في عرف أهل الأنساب من ربيعة ومضر ونزار، وصار معظم بلاد الشام في عرفهم من اليمن، قياسًا على ما كان عليه العرب عند ظهور الإسلام من أنصار ومهاجرين، أو من يمن وعدنان، أو قحطان وعدنان وما شابه ذلك من أسماء. أما رأيي، فإن لأهل الأخبار يدًا طولى في هذا التقسيم الذي ظهر وأينع في الإسلام، وإن الجاهلية لم تكن تخلو من تجمعات وتكتلات قبلية، ولكنها كانت تختلف عن التجمعات التي أثارتها النعرة القبلية الجديدة التي برزت في الإسلام، والتي أثرت على ظهورها عوامل عديدة إلى أن ثبتت ودونت في كتب أهل الأنساب والأخبار. وجعل بعض أهل الأخبار العرب يمنًا ونزارًا، وذكر أن اليمن أصحاب بحر وبني نزار أصحاب بر٢. وقصدوا باليمن أصحاب الساحل، الذين عركوا البحر

стр. 2312

وخبروه، عكس "نزار"، عرب البر، وهم قوم لا علم لهم بالبحر، إنهم لم يتعودوا على ركوبه؛ إذ سكنوا البر ولم يعركوا البحر، فخافوا منه وتجنبوه. والآراء المتقدمة في تقسيم العرب إلى أركان وكتل، هي آراء عربية محضة أخذت من واقع الحال, ولم تستمد من التقسيم المألوف للعرب إلى قحطانيين وعدنانيين، التقسيم المأخوذ من التوراة على نحو ما شرحت ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب؛ وذلك لأن الحياة في بلاد العرب هي حياة تكتل وتحزب, فكان لا بد للقبائل من عقد أحلاف فيما بينها للمحافظة على نفسها من افتراس القبائل الكبيرة لها، ومن استذلالها وأخذ ما تملكه. وبهذه الأحلاف حافظت القبائل الضعيفة على حياتها، وحدَّت من طمع القبائل الضخمة في القبائل الهزيلة، وصار في الإمكان السيطرة على الأمن والتقليل من حمى غزو القبائل بعضها بعضًا. وحاجة الأعراب إلى الأحلاف أكثر وأشد من حاجة الحضر إليها، وذلك بسبب أن الغزو في البادية ضرورة من ضرورات الحياة لفقر البادية وشحها؛ لانبساط أرضها وعدم وجود حواجز طبيعية تعوق الغزو وتحمي المغزو منه. فاضطرت القبائل إلى خلق حماية طبيعية لها هي الأحلاف, والأحلاف هي لغاية حماية المال والنفس في الغالب، ولكبح جماح المعتدين إذن. أما الأحلاف الهجومية التي تعقد لتحقيق أغراض هجومية مثل غزو حلف حلفًا آخر أو قبيلة ضخمة قبيلة ضخمة أخرى، فإنها لا تعمر طويلًا كما تعمر الأحلاف الدفاعية؛ لأن أسباب انعقادها تزول بتنفيذ ما اتفق عليه، وقد يتحطم الحلف بسبب ظهور اختلافات مصالح لم تكن في حسبان المتحالفين يوم عقدوا حلفهم، فيتصدع بنيان الحلف ويتهدم ويزول الحلف ليظهر محله حلف آخر جديد. أما الحضر، فإن لهم من حماية أرضهم لهم, ومن طبيعة الحياة التي يحيونها ما يخفف من حاجتهم إلى الحلف القبلي، ويجعل أحلافهم أحلافًًا من طراز آخر. فقد منحت الطبيعة الحضر حجرًا صلدًا بنوا به أبراجًا وحصونًا ومعاقل حموا بها مستوطناتهم، من طمع الطامعين فيهم، ولا سيما من الأعراب الذين لا يسهل عليهم اقتحام الحصون ولا تهديمها لعدم وجود أسلحة تؤثر فيها، ومنحتهم تربة صار من الممكن عمل الآجر واللبن منها لبناء المحافد والآطام وما شاكل ذلك من وسائل الدفاع، كما أمدتهم بمواد بناء مكنتهم من إنشاء الحيطان والأسوار حولها،

стр. 2313

وهي مانع يصد الأعراب عن الحضر. وهم بالإضافة إلى ذلك أقدر على الدفاع عن أنفسهم وعلى اللجوء إلى الحيل للتخلص من الأعراب؛ بسبب تحضرهم وتقدمهم في التفكير على عقلية الفطرة التي جبل البدو عليها. وغاية ما فعله الحضر من الأحلاف، هو تحالفهم مع من أحاط بهم من الأعراب لضمان عدم تحرشهم بهم أو لمنع الأعراب الآخرين من التحرش بهم, وعقد حبال مع القبائل لمرور تجارهم من أرضها بأمن وسلام مقابل هدايا أو أرباح أو أموال تعين، تدفع إلى ساداتها تأليفًا لقلوبهم وضمانًا منهم لهم بعدم تحرش أحد بهم. ولما تقدم انحصرت الأحلاف الكبرى أو التكتلات القبلية الضخمة بالأرضين المكشوفة التي غلب عليها الطابع الصحراوي، وبين القبائل التي غلبت البداوة عليها. والأحلاف الكبرى، هي في نظري كناية عن النسب الأكبر عند العرب؛ فربيعة ومضر وإياد وأنمار وقضاعة، هي في الواقع تكتلات قبلية تكونت من قبائل غلبت البداوة على طبعها، وقد ظهرت خارج العربية الجنوبية، أي: خارج الأرضين التي غلب علي سكانها طابع الارتباط بالأرض والقرار. أما القبائل القحطانية، التي هي في التوراة كناية عن قبائل عربية جنوبية مستقرة، فكتل أخذت أسماءها من الأرضين التي كانت تحكمها أو من اسم القبيلة التي سميت باسمها, وبين أسماء القبائل وأسماء الأرضين صلة متينة، بحيث يصعب الحكم فيما إذا كانت الأرض قد أخذت اسمها من اسم القبيلة, أو أن القبيلة أخذت اسمها من اسم الأرض. وقد لعبت فكرة "قحطان" و"عدنان" دورًا مهمًّا في حصر الأنساب عند العرب في الإسلام. يذكر الجاحظ أن رجلًا اسمه "شويس الساسي التميمي العدوي" المعروف بـ"أبي فرعون"، كان قد قدم البصرة، فذهب إلى رجل منها اسمه "كهمس" يلتمس العون منه، فأعطاه رغيفًا من الخبز الحواري، ثم ذهب إلى رجل آخر اسمه "عمر بن مهران"، فلم يعطه ما كان يريد، فضاق ذرعًا من هذا الرغيف، وذهب إلى حلقة "بني عدي" فوقف عليهم وهم مجتمعون، وأخرج الرغيف من جرابه وألقاه في وسط المجلس, وقال: يا بني عدي, استفحلوا هذا الرغيف؛ فإنه أنبل نتاج على وجه الأرض! ثم قال شعرًا سخر فيه من أهل البصرة, ومن تشدقهم في الانتساب إلى قحطان

стр. 2314

أو عدنان، وفحش بهما ومن انتساب الناس إليهما، بينما الناس هنالك ما بين نبط أو خوزان.١ ومن أهم القبائل القحطانية التي كان لها شأن يذكر عند ظهور الإسلام وفي الإسلام, حمير وكهلان, ومن مجموعة حمير قضاعة، في رأي من جعل قضاعة من اليمن, ومن قضاعة كلب وأسد ومن أسد تنوخ. وأما مجموعة كهلان، فتتألف من الأزد وهمدان ومذحج وطيء، ومن الأزد: غسان والأوس والخزرج. وربيعة من القبائل العربية الكبيرة العدد، وقد سبق أن تحدثت عنها في مواضع من الأجزاء السابقة من هذا الكتاب. وقد عرفت "ربيعة" بـ"ربيعة الفرس"، ويعلل أهل الأخبار اشتهارها بذلك بقولهم: "وربيعة الفرس, هو ابن نزار بن معد بن عدنان، أبو قبيلة. وإنما قيل له ربيعة الفرس؛ لأنه أعطي من ميراث أبيه الخيل، وأعطي أخوه مضر الذهب, فسمي مضر الحمراء. وأعطي أنمار أخوهما: الغنم، فسمي أنمار الشاة٢. وذكروا أيضا: أن نزارًا لما حضرته الوفاة، آثر إيادًا بولاية الكعبة، وأعطى مضر ناقة حمراء، فسمي مضر الحمراء، وأعطى ربيعة فرسه، فسموا ربيعة الفرس، وأعطى أنمارًا جارية له تسمى: بجيلة فحضنت بنيه، فسمي بجيلة أنمار"٣. وذكر أيضًا أن نزارًا لما حضرته الوفاة قسم ماله بين بنيه، "وهم أربعة: مضر وربيعة وإياد وأنمار، وقال: يا بني، هذه القبة, وهي من أدم, حمراء وما أشبهها من المال لمضر، وهذا الخباء الأسود وما أشبهه من المال لربيعة، وهذه الخادمة وما أشبهها من المال لإياد, وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه". ولما مات توجهوا إلى "الأفعى بن الأفعى الجرهمي" وكان ملك نجران، وصادفوا في طريقهم أعرابيا ضل بعيره، فوصفوه له، فقال لهم: دلوني عليه. ولما حلفوا له أنهم لم يروه وإنما وصفوه من أثره، لم يصدقهم بل أخذهم إلى "الأفعى" ليحلفوا أمامه أنهم لم يروه، فلما بلغوه قصوا قصتهم مع الأعرابي، وذكروا أنهم إنما وصفوه من أثره على الأرض، فحكم لهم "الأفعى" بأنهم صادقون، وأنهم لم يشاهدوه، ثم احتفل بهم بعد أن عرفهم وجرب ذكاءهم، وحكم بأن لمضر القبة الحمراء والدنانير

стр. 2315

والإبل، وهي حمر فسميت: مضر الحمراء، وأن لربيعة الخباء الأسود من دابة ومال، فصارت له الخيل، وهي دهم، فسميت ربيعة الفرس. ثم قال: وما أشبه الخادم، وكانت شمطاء، فهو لإياد، فصارت له الماشية البلق من الخيل وغيرها، وقضى لأنمار بالدراهم والأرض١. و"مضر" من القبائل الكبيرة، وقد عرفت بـ"مضر الحمراء" كما ذكرت. وفسر علماء اللغة والنسب اشتهار "مضر" على نحو ما ذكرت قبل قليل، وفسره بعضهم بقوله: ومضر الحمراء؛ لأنه أعطي الذهب من ميراث أبيه, وأخوه ربيعة أعطي الخيل، فلقب بالفرس, أو لأن شعارهم في الحرب الرايات الحمر٢. وقال بعض علماء اللغة: وإنما سمي مضر بمضر: "لولعه بشرب اللبن الماضر أو لبياض لونه"، و"العرب تسمي الأبيض أحمر؛ فلذلك قيل مضر الحمراء"٣. وذكر بعض أهل الأخبار أن مضر مضران: مضر الحمراء لسكناها قباب الأدم، ومضر السوداء لسكناها المظال٤. ويظهر من هذه التفسيرات، أن "مضر" كانت قد نعتت بـ"الحمراء" قبل ظهور الإسلام. وأن "ربيعة" كانت قد عرفت بـ"ربيعة الفرس"، ولعل هذا بسبب أن "مضر" كانت إذ ذاك قبائل ذات إبل وتجارة ومال، ومنها "قريش" التي عرفت بتجارتها وبما جمعته من مال، فقالوا "مضر الحمراء". وأما "ربيعة"، فكانت قبائل متبدية غازية محاربة، لها خيل وفرسان؛ لهذا عرفت بـ"ربيعة الفرس". وقد أشار الشاعر "لبيد" إلى ربيعة ومضر في شعره, حين تعرض لذكر الموت، فقال: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر٥
следующие страницы →