← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

وقد ذكر بعض المؤرخين أن العرب من "نزار" ملكتهم الفرس, وأن العرب من غسان ملكتهم الروم١, فجعل "نزارًا" في مقابل غسان، ولم يكن كل عرب العراق من "نزار", يدلك على ذلك أن ملوك الحيرة على رأي أهل الأخبار من قحطان. والذي يلاحظ من كيفية توزيع القبائل على حسب رواية أهل الأخبار أن معظم قبائل العراق، هي من قبائل "نزار" أو من "ربيعة" و "مضر" بتعبير آخر. أما معظم قبائل بلاد الشام فهي من "يمن", أي على عكس الحال في العراق, فهل يمثل هذا التقسيم توزيعًا تأريخيًّا صحيحًا, بمعنى أن أكثر قبائل العراق، قد وردت العراق من العربية الشرقية والعربية الوسطى، أي: من سواحل الخليج ونجد، وأن عرب بلاد الشام إنما جاءوا إلى هناك من اليمن، عن طريق الحجاز ونجد؟ أم أنه تقسيم سياسي اصطلاحي، نشأ قبل الإسلام بعهد طويل من المنافسة التي كانت بين العراق وبلاد الشام، المنافسة التي ظلت باقية في الإسلام, فقد كان بين العراق وبين بلاد الشام عداء وتباغض، لعوامل لا مجال للبحث فيها في هذا المكان؟. وقد استولت حكومات العراق من حكومات وطنية وأجنبية على بلاد الشام مرارا، مما ولد مرارة وأوجد حقدًا بين أهل العراق وأهل الشام، فانتقل ذلك إلى عرب القطرين أيضًا. فحارب عرب العراق عرب بلاد الشام، حتى وصل هذا العداء إلى دعوى وجود فرق بين أصل عرب العراق وأصل عرب بلاد الشام, فصارت أكثر قبائل العراق في عرف أهل الأنساب من ربيعة ومضر ونزار، وصار معظم بلاد الشام في عرفهم من اليمن، قياسًا على ما كان عليه العرب عند ظهور الإسلام من أنصار ومهاجرين، أو من يمن وعدنان، أو قحطان وعدنان وما شابه ذلك من أسماء. أما رأيي، فإن لأهل الأخبار يدًا طولى في هذا التقسيم الذي ظهر وأينع في الإسلام، وإن الجاهلية لم تكن تخلو من تجمعات وتكتلات قبلية، ولكنها كانت تختلف عن التجمعات التي أثارتها النعرة القبلية الجديدة التي برزت في الإسلام، والتي أثرت على ظهورها عوامل عديدة إلى أن ثبتت ودونت في كتب أهل الأنساب والأخبار. وجعل بعض أهل الأخبار العرب يمنًا ونزارًا، وذكر أن اليمن أصحاب بحر وبني نزار أصحاب بر٢. وقصدوا باليمن أصحاب الساحل، الذين عركوا البحر

стр. 2312

وخبروه، عكس "نزار"، عرب البر، وهم قوم لا علم لهم بالبحر، إنهم لم يتعودوا على ركوبه؛ إذ سكنوا البر ولم يعركوا البحر، فخافوا منه وتجنبوه. والآراء المتقدمة في تقسيم العرب إلى أركان وكتل، هي آراء عربية محضة أخذت من واقع الحال, ولم تستمد من التقسيم المألوف للعرب إلى قحطانيين وعدنانيين، التقسيم المأخوذ من التوراة على نحو ما شرحت ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب؛ وذلك لأن الحياة في بلاد العرب هي حياة تكتل وتحزب, فكان لا بد للقبائل من عقد أحلاف فيما بينها للمحافظة على نفسها من افتراس القبائل الكبيرة لها، ومن استذلالها وأخذ ما تملكه. وبهذه الأحلاف حافظت القبائل الضعيفة على حياتها، وحدَّت من طمع القبائل الضخمة في القبائل الهزيلة، وصار في الإمكان السيطرة على الأمن والتقليل من حمى غزو القبائل بعضها بعضًا. وحاجة الأعراب إلى الأحلاف أكثر وأشد من حاجة الحضر إليها، وذلك بسبب أن الغزو في البادية ضرورة من ضرورات الحياة لفقر البادية وشحها؛ لانبساط أرضها وعدم وجود حواجز طبيعية تعوق الغزو وتحمي المغزو منه. فاضطرت القبائل إلى خلق حماية طبيعية لها هي الأحلاف, والأحلاف هي لغاية حماية المال والنفس في الغالب، ولكبح جماح المعتدين إذن. أما الأحلاف الهجومية التي تعقد لتحقيق أغراض هجومية مثل غزو حلف حلفًا آخر أو قبيلة ضخمة قبيلة ضخمة أخرى، فإنها لا تعمر طويلًا كما تعمر الأحلاف الدفاعية؛ لأن أسباب انعقادها تزول بتنفيذ ما اتفق عليه، وقد يتحطم الحلف بسبب ظهور اختلافات مصالح لم تكن في حسبان المتحالفين يوم عقدوا حلفهم، فيتصدع بنيان الحلف ويتهدم ويزول الحلف ليظهر محله حلف آخر جديد. أما الحضر، فإن لهم من حماية أرضهم لهم, ومن طبيعة الحياة التي يحيونها ما يخفف من حاجتهم إلى الحلف القبلي، ويجعل أحلافهم أحلافًًا من طراز آخر. فقد منحت الطبيعة الحضر حجرًا صلدًا بنوا به أبراجًا وحصونًا ومعاقل حموا بها مستوطناتهم، من طمع الطامعين فيهم، ولا سيما من الأعراب الذين لا يسهل عليهم اقتحام الحصون ولا تهديمها لعدم وجود أسلحة تؤثر فيها، ومنحتهم تربة صار من الممكن عمل الآجر واللبن منها لبناء المحافد والآطام وما شاكل ذلك من وسائل الدفاع، كما أمدتهم بمواد بناء مكنتهم من إنشاء الحيطان والأسوار حولها،

стр. 2313

وهي مانع يصد الأعراب عن الحضر. وهم بالإضافة إلى ذلك أقدر على الدفاع عن أنفسهم وعلى اللجوء إلى الحيل للتخلص من الأعراب؛ بسبب تحضرهم وتقدمهم في التفكير على عقلية الفطرة التي جبل البدو عليها. وغاية ما فعله الحضر من الأحلاف، هو تحالفهم مع من أحاط بهم من الأعراب لضمان عدم تحرشهم بهم أو لمنع الأعراب الآخرين من التحرش بهم, وعقد حبال مع القبائل لمرور تجارهم من أرضها بأمن وسلام مقابل هدايا أو أرباح أو أموال تعين، تدفع إلى ساداتها تأليفًا لقلوبهم وضمانًا منهم لهم بعدم تحرش أحد بهم. ولما تقدم انحصرت الأحلاف الكبرى أو التكتلات القبلية الضخمة بالأرضين المكشوفة التي غلب عليها الطابع الصحراوي، وبين القبائل التي غلبت البداوة عليها. والأحلاف الكبرى، هي في نظري كناية عن النسب الأكبر عند العرب؛ فربيعة ومضر وإياد وأنمار وقضاعة، هي في الواقع تكتلات قبلية تكونت من قبائل غلبت البداوة على طبعها، وقد ظهرت خارج العربية الجنوبية، أي: خارج الأرضين التي غلب علي سكانها طابع الارتباط بالأرض والقرار. أما القبائل القحطانية، التي هي في التوراة كناية عن قبائل عربية جنوبية مستقرة، فكتل أخذت أسماءها من الأرضين التي كانت تحكمها أو من اسم القبيلة التي سميت باسمها, وبين أسماء القبائل وأسماء الأرضين صلة متينة، بحيث يصعب الحكم فيما إذا كانت الأرض قد أخذت اسمها من اسم القبيلة, أو أن القبيلة أخذت اسمها من اسم الأرض. وقد لعبت فكرة "قحطان" و"عدنان" دورًا مهمًّا في حصر الأنساب عند العرب في الإسلام. يذكر الجاحظ أن رجلًا اسمه "شويس الساسي التميمي العدوي" المعروف بـ"أبي فرعون"، كان قد قدم البصرة، فذهب إلى رجل منها اسمه "كهمس" يلتمس العون منه، فأعطاه رغيفًا من الخبز الحواري، ثم ذهب إلى رجل آخر اسمه "عمر بن مهران"، فلم يعطه ما كان يريد، فضاق ذرعًا من هذا الرغيف، وذهب إلى حلقة "بني عدي" فوقف عليهم وهم مجتمعون، وأخرج الرغيف من جرابه وألقاه في وسط المجلس, وقال: يا بني عدي, استفحلوا هذا الرغيف؛ فإنه أنبل نتاج على وجه الأرض! ثم قال شعرًا سخر فيه من أهل البصرة, ومن تشدقهم في الانتساب إلى قحطان

стр. 2314

أو عدنان، وفحش بهما ومن انتساب الناس إليهما، بينما الناس هنالك ما بين نبط أو خوزان.١ ومن أهم القبائل القحطانية التي كان لها شأن يذكر عند ظهور الإسلام وفي الإسلام, حمير وكهلان, ومن مجموعة حمير قضاعة، في رأي من جعل قضاعة من اليمن, ومن قضاعة كلب وأسد ومن أسد تنوخ. وأما مجموعة كهلان، فتتألف من الأزد وهمدان ومذحج وطيء، ومن الأزد: غسان والأوس والخزرج. وربيعة من القبائل العربية الكبيرة العدد، وقد سبق أن تحدثت عنها في مواضع من الأجزاء السابقة من هذا الكتاب. وقد عرفت "ربيعة" بـ"ربيعة الفرس"، ويعلل أهل الأخبار اشتهارها بذلك بقولهم: "وربيعة الفرس, هو ابن نزار بن معد بن عدنان، أبو قبيلة. وإنما قيل له ربيعة الفرس؛ لأنه أعطي من ميراث أبيه الخيل، وأعطي أخوه مضر الذهب, فسمي مضر الحمراء. وأعطي أنمار أخوهما: الغنم، فسمي أنمار الشاة٢. وذكروا أيضا: أن نزارًا لما حضرته الوفاة، آثر إيادًا بولاية الكعبة، وأعطى مضر ناقة حمراء، فسمي مضر الحمراء، وأعطى ربيعة فرسه، فسموا ربيعة الفرس، وأعطى أنمارًا جارية له تسمى: بجيلة فحضنت بنيه، فسمي بجيلة أنمار"٣. وذكر أيضًا أن نزارًا لما حضرته الوفاة قسم ماله بين بنيه، "وهم أربعة: مضر وربيعة وإياد وأنمار، وقال: يا بني، هذه القبة, وهي من أدم, حمراء وما أشبهها من المال لمضر، وهذا الخباء الأسود وما أشبهه من المال لربيعة، وهذه الخادمة وما أشبهها من المال لإياد, وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه". ولما مات توجهوا إلى "الأفعى بن الأفعى الجرهمي" وكان ملك نجران، وصادفوا في طريقهم أعرابيا ضل بعيره، فوصفوه له، فقال لهم: دلوني عليه. ولما حلفوا له أنهم لم يروه وإنما وصفوه من أثره، لم يصدقهم بل أخذهم إلى "الأفعى" ليحلفوا أمامه أنهم لم يروه، فلما بلغوه قصوا قصتهم مع الأعرابي، وذكروا أنهم إنما وصفوه من أثره على الأرض، فحكم لهم "الأفعى" بأنهم صادقون، وأنهم لم يشاهدوه، ثم احتفل بهم بعد أن عرفهم وجرب ذكاءهم، وحكم بأن لمضر القبة الحمراء والدنانير

стр. 2315

والإبل، وهي حمر فسميت: مضر الحمراء، وأن لربيعة الخباء الأسود من دابة ومال، فصارت له الخيل، وهي دهم، فسميت ربيعة الفرس. ثم قال: وما أشبه الخادم، وكانت شمطاء، فهو لإياد، فصارت له الماشية البلق من الخيل وغيرها، وقضى لأنمار بالدراهم والأرض١. و"مضر" من القبائل الكبيرة، وقد عرفت بـ"مضر الحمراء" كما ذكرت. وفسر علماء اللغة والنسب اشتهار "مضر" على نحو ما ذكرت قبل قليل، وفسره بعضهم بقوله: ومضر الحمراء؛ لأنه أعطي الذهب من ميراث أبيه, وأخوه ربيعة أعطي الخيل، فلقب بالفرس, أو لأن شعارهم في الحرب الرايات الحمر٢. وقال بعض علماء اللغة: وإنما سمي مضر بمضر: "لولعه بشرب اللبن الماضر أو لبياض لونه"، و"العرب تسمي الأبيض أحمر؛ فلذلك قيل مضر الحمراء"٣. وذكر بعض أهل الأخبار أن مضر مضران: مضر الحمراء لسكناها قباب الأدم، ومضر السوداء لسكناها المظال٤. ويظهر من هذه التفسيرات، أن "مضر" كانت قد نعتت بـ"الحمراء" قبل ظهور الإسلام. وأن "ربيعة" كانت قد عرفت بـ"ربيعة الفرس"، ولعل هذا بسبب أن "مضر" كانت إذ ذاك قبائل ذات إبل وتجارة ومال، ومنها "قريش" التي عرفت بتجارتها وبما جمعته من مال، فقالوا "مضر الحمراء". وأما "ربيعة"، فكانت قبائل متبدية غازية محاربة، لها خيل وفرسان؛ لهذا عرفت بـ"ربيعة الفرس". وقد أشار الشاعر "لبيد" إلى ربيعة ومضر في شعره, حين تعرض لذكر الموت، فقال: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر٥

стр. 2316

أراد: هل أنا إلا من أحد هذين الجنسين؟! فسبيلي أن أفنى كما فنيا١. ونسب إليه قوله: فإن لم تجد من دون عدنان والدًا ... ودون معدّ فلتزعك العواذل٢ فأشار بذلك إلى "عدنان" و"معد". ومن أشهر قبائل مضر "قريش"، حتى إن الناس كانوا إذا قالوا: مضري انصرف ذهنهم إلى قرشي, على سبيل الشهرة؛ لاشتهار قريش بالمضرية. فلما رأى رجل "أبا سفيان" واقفًا بباب "عثمان بن عفان" ينتظر الإذن بالدخول عليه, قال له: "يا أبا سفيان، ما كنت أرى أن تقف بباب مضري، فيحجبك! فقال أبو سفيان: لا عدمت من قومي من أقف ببابه فيحجبني"٣.

стр. 2317

القبائل القوية: والقبائل مثل الدول، أنماط ودرجات، منها قبائل قوية نشطة تعتمد على نفسها في الدفاع عن كيانها، ومنها قبائل أقل من هذه القبائل شأنًا وقوة تتحالف مع غيرها في الدفاع عن نفسها؛ لتكون من الحلف كتلة قبلية مهابة, وقبائل صغيرة ليست لها قدرة على الدفاع عن حياضها وحدها؛ لذلك تركن إلى التحالف مع قبائل أخرى أقوى منها لتحافظ بذلك على وجودها. والقبائل القوية هي القبائل الكثيرة العدد والموارد. وإذا ترأسها سادات ذوو كفاءة وقدرة، هابتها القبائل الأخرى، وسادت على غيرها، وكونت منها ومن القبائل التي تستولي عليها مملكة، كالذي فعلته كندة. ولم يورد العلماء شروطًا في الحد الأدني أو الحد الأكبر للقبيلة، وذلك من ناحية عدد العشائر والبطون والأفخاذ، فلم نعثر على حد معين إذا بلغته جماعة من الناس وجب إطلاق لفظة "قبيلة" عليها. بل نجد علماء النسب يطلقونها أحيانًا على بطون وأفخاذ،

стр. 2318

فيقولون: قبائل قريش، ويذكرون أسماءها، بينما هي في الواقع "آل" أو أرهاط وبطون. ويقال للقبائل التي تستقل بنفسها وتستغني عن غيرها "الأرحى"١، وعرفت القبيلة التي لا تنضم إلى أحد بـ"الجمرة". وذكر أنها القبيلة تقاتل جماعة قبائل, وكل قبيل انضموا فصاروا يدًا واحدةً ولم يحالفوا غيرهم، فهم جمرة. وقيل: الجمرة: كل قوم يصيرون لقتال من قاتلهم لا يحالفون أحدًا ولا ينضمون إلى أحد, تكون القبيلة نفسها جمرة تصبر لقراع القبائل كما صبرت عبس لقبائل قيس. ولما سأل "عمر" "الحطيئة" عن عبس ومقاومتها قبائل قيس، قال: "يا أمير المؤمنين, كنا ألف فارس كأننا ذهبة حمراء، لا نستجمر ولا نحالف، أي: لا نسأل غيرنا أن يجتمعوا إلينا لاستغنائهم عنهم". والجمرة: اجتماع القبيلة الواحدة على من ناوأها من سائر القبائل٢. وذكر أن "الجمرة" ألف فارس، أي: القبيلة التي يكون فيها ذلك العدد من الفرسان، وقيل: ثلاثمائة فارس أو نحوها. والذي يستنتج من آراء علماء اللغة والنسب في تعريف "الجمرة"، أنها القبائل المقاتلة القوية التي تعتمد على نفسها في القتال، ولا تركن إلى غيرها، ولا تحالف غيرها لتستفيد من هذا الحلف في قراع القبائل٣. ومن مفاخر هذه القبائل كثرة ما عندها من فرسان، والفرسان في ذلك اليوم هم عماد حركة الجيوش، ومن أسباب القوة والانتصار. وقد عدوا القبيلة التي يكون فيها ثلاثمائة فارس أو نحوها جمرة، وقيل: الجمرة ألف فارس٤. ومن جمرات العرب: ضبة بن أد، وعبس بن بغيض، والحارث بن كعب، ويربوع بن حنظلة٥. وذكر بعض العلماء أن جمرات العرب ثلاث

стр. 2319

جمرات: بنو ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، وبنو الحارث بن كعب، وبنو نمير بن عامر, فطفئت منهم جمرتان؛ طفئت ضبة؛ لأنها حالفت الرباب, وطفئت بنو الحارث؛ لأنها حالفت مذحج. وبقيت "نمير" لم تطفأ؛ لأنها لم تحالف. وورد أن الجمرات: عبس بن ذبيان بن بغيض، والحارث بن كعب، وضبة بن أد، وهم إخوة لأم؛ لأن أمهم امرأة من اليمن, تزوجها كعب بن عبد المدان يزيد بن قطن، فولدت له: الحارث بن كعب، وهم أشراف اليمن، ثم تزوجها "بغيض بن ريث بن غطفان"، فولدت له عبسًا وهم فرسان العرب، ثم تزوجها "أد" فولدت له ضبة. فجمرتان في مضر، وهما عبس وضبة وجمرة في اليمن، وهم بنو الحارث بن كعب. وذكر بعض آخر أن الحارث, هم بنو كعب بن علة بن جلد، ومنهم من عد تميمًا من الجمرات١. "قال الخليل: الجمرة: كل قوم يصبرون لقتال من قاتلهم، لا يحالفون أحدًا، ولا ينضمون إلى أحد، تكون القبيلة نفسها جمرة تصبر لمقارعة القبائل كما صبرت عبس لقيس كلها"٢. وإذا تأملت كلام العلماء في جمرات العرب، تجده يصادم بعضه بعضًا حتى إن الواحد منهم يذكر عددًا، ثم يذكر عددًا غيره في موضع آخر من كتابه. وقد اعتذر عن ذلك بعض العلماء إذ قال: "قلت: فإذا تأملت كلامهم تجده مصادمًا بعضه مع بعض"، ثم ذكر أمثلة من أمثلة هذا التصادم، ثم خلص إلى هذه النتيجة، واعتذر عنهم بقوله: "وإذا تأملت كلامهم, علمت أنه لا مخالفة ولا منافاة، إلا أن البعض فصَّل والبعض أجمل"٣. وعندي أن للعواطف القبلية دخلًا في هذا الاضطراب، فمن النسابين من تعصب لقبيلة، فجعلها من الجمرات؛ بسبب صلته بها، ومنهم من تعصب لغيرها، ومنهم من تعصب على هذه القبيلة أو تلك، فأخرجها من الجمرات، فمن هنا وقع هذا الارتباك عند العلماء, حين سألوا نسابي القبائل ورواة الأخبار عن أيام

стр. 2320

الجاهلية، وعن الأنساب والقبائل، وهي من أهم الأمور حساسية عند العرب, فظهرت العصبية في مؤلفات أهل النسب والأخبار حين شرعوا بالتدوين. وعرفت القبائل القوية الكبيرة التي تفرعت منها جملة قبائل بـ"أم القبائل", ومن هذه القبائل "بكر بن وائل"١. وسبب ذلك أن القبيلة القوية تكبر بسبب انضمام القبائل الصغيرة، فإذا توسعت وتضخم عددها صار من الصعب عليها البقاء في منازلها، فتضطر عندئذ إلى التوسع والانتشار في أرضين جديدة. وقد تغادر أحياء منها منازلها لتجد لها منزلًا طيبًا جديدًا، فتبتعد بذلك عن القبيلة الكبيرة التي جمعت تلك الأحياء, فتكون بمثابة الأم للقبائل النازحة، تربطها بها رابطة ذكرى الأمومة, التي تتحول إلى نسب تحفظه ذاكرة حفاظ الأنساب. وعرفت أربع قبائل بشدتها وبأسها، فقيل لها: "رضفات العرب", وهي: "شيبان وتغلب وبهراء وإياد"٢. وقيل لـ"كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان" من قضاعة، و"طيء بن أدد", و"حنظلة بن مالك بن زيد مناة" من "تميم"، و"عامر بن صعصعة بن معاوية" من "هوازن"، "جماجم العرب"٣. وذكر أن "الجماجم" السادات والرؤساء، وأن القبائل المذكورة كانت من جماجم القبائل، أي: من رؤسائها، وقد دُعيت بـ"جماجم"؛ لأنها بمنزلة جمجمة الرأس بالنسبة للإنسان٤, أي: إن هذه القبائل من القبائل الرئيسة عند الجاهليين. وبين القبائل، قبائل دعاها "ابن حبيب" "أثافي العرب"، وهي: "سليم" و"هوازن" من "قيس عيلان"، و"غطفان"، و"أعصر" و"محارب بن خصفة"٥, و "الإثفية": العدد الكثير والجماعة من الناس٦. والظاهر أنها إنما عرفت بذلك لكثرة عددها.

стр. 2321

ومن مفاخر القبائل اعتزالها القبائل الأخرى وعدم مخالطتها قبيلة ثانية. وتفخر الأحياء بحردها أيضًا, فيقال "حي حريد منفرد"، ومعناه: معتزل عن جماعة القبيلة, لا يخالطهم في ارتحاله وحلوله لعزته؛ لأنه لا ينزل في قوم من ضعف وذلة لما هو عليه من القوة والكثرة١. وذكر أن القوم الذين يكون أمرهم واحدًا يعرفون بـ"الخليط", وذلك أنهم كانوا ينتجعون أيام الكلأ، فتجتمع منهم قبائل شتى في مكان واحد، فتقع بينهم ألفة، ويكونون يدًا واحدة. فإذا افترقوا ورجعوا إلى أوطانهم ساءهم ذلك وريعوا٢. وهناك قبائل ضعيفة، لم تتمكن أن تعيش وحدها؛ لذلك تحالفت مع غيرها من قبائل أقوى منها، واندمجت بها, كما يندمج الأشخاص بالقبائل، بالحلف أو بالجوار أو بالموالاة. وعند انضمام الأحياء والعشائر والقبائل الضعيفة إلى الأقوى منها بطريقة من الطرق، يتم ذلك بطقوس دينية على نحو ما سأتحدث عنه في عقد الأحلاف, بسبب أن العقود في نظر العرب تستوجب البر بها والوفاء؛ ولهذا تعقد في ظروف خاصة أمام الكهنة وفي المعابد.

стр. 2322

ألقاب بعض القبائل: ولقد لُقبت بعض القبائل بألقاب؛ فقد قيل: مازن غسان أرباب الملوك، وحمير أرباب العرب، وكندة كندة الملوك، ومذحج الطعان، وهمدان أحلاس الخيل, والأزد أسد البأس, والذهلان: أحدهما ذهل شيبان بن ثعلبة ويشكر, والآخر ضبيعة وذهل بن ثعلبة, واللهزمتان: إحداهما عجل وتيم اللات، والأخرى قيس بن ثعلبة وعنزة، وكلهم من بكر بن وائل، إلا عنزة بن ربيعة١.

стр. 2323

وبعض هذه الألقاب حسنة جميلة, وبعضها ألقاب تشير إلى قوة وبأس وشدة، وبعض منها مقبول لا بأس به, وهي ألقاب كانت القبائل الملقبة بها تفاخر وتتباهى بها، أو تقبلها ولا ترى فيها أي بأس. وهي على العموم إما أن تكون قد نبعت من القبيلة، كأن ينعت سيد قبيلة قبيلته بنعت، فتتمسك به، أو أن ينعتها بذلك شاعر منها أو شاعر من قبيلة أخرى، فيذهب هذا النعت بين الناس، ويصير سمة للقبيلة. غير أن في الألقاب بعضًا آخر يشير إلى استصغار شأن القبيلة التي نعتت به، مثل "القين"١، و"الأجارب"٢, و"الأقارع"٣, و"قراد"٤، وما شاكل ذلك من ألقاب تحولت إلى مسميات, أي: تحول اللقب فصار اسم علم. وهي نعوت يظهر أن مصدرها شعر الهجاء والقبائل المعادية المنتابزة بالألقاب, وقد شاعت وثبتت؛ لأنها أثرت في القبائل المهجوة وآلمتها، فتمسك قائلوها بها، وشاعت بين الناس حتى نسي سبب قولها، وصارت اسم علم للقبيلة، ولم ير من جاء بعد ذلك بأسًا من الانتماء إلى القبيلة المنبوزة به. وقد رمت بعض القبائل قبيلة إياد بالفسو، وعيرتها به، حتى إذا كان أحد رجالها بعكاظ، ومعه بردا حبرة، قام فقال: من يشتري من عار الفسو بهذين البردين؟ فقام عبد الله بن بيدرة أحد "مَهْو" حي من عبد القيس، فقال: هاتها، واشهدوا أني اشتريتُ عار الفسو من إياد لعبد القيس بالبردين. فلما أتى رحله وسُئل عن البردين، قال: اشتريت لكم بهما عار الدهر، فوثبت عبد القيس وقالت: إن الفساة قبلنا إياد ... ونحن لا نفسو ولا نكاد وتفرق الناس عن عكاظ بابتياع عبد القيس عار الفسو. ثم إن هذا العار زال عن إياد ولصق بعبد القيس، فهُجُوا به كثيرًا. وضرب المثل بـ"عبد الله بن بيدرة"، فقيل: "شيخ مَهْو"، ضرب به المثل في الخسران, وقيل: أخسر صفقة من شيخ مهو٥.

стр. 2324

وبعض هذه النعوت قيل في الإسلام، من ذلك رُمي "تميم" بالبخل واللؤم؛ بسبب هجاء الطرماح لها وقوله فيها: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت١ ونجد لجرير وللفرزدق وللأحابيش ولغيرهم ذمًّا في قبائل الشعراء المتهاجين. ومن القبائل الملقبة: الأحابيش وقد تحدثت عنهم، والمطيبون والأحلاف وهم من قريش، وقد تحدثت عنهم أيضًا, والأراقم, وهم: جشم، ومالك, وعمرو بن ثعلبة، ومعاوية، والحارث، بنو بكر بن حبيب بن غنم بن ثعلب بن وائل٢, وهم أحياء من ثعلب، جعلهم بعضهم ستة, هم: جشم ومالك وعمرو وثعلبة ومعاوية والحارث, بنو بكر بن حبيب بن غنم بن ثعلب بن وائل. وقال بعض علماء اللغة: الأراقم: بطون من بني تغلب يجمعهم هذا الاسم, قيل: سموا بذلك؛ لأن ناظرًا نظر إليهم تحت الدثار وهم صغار، فقال: كأن أعينهم أعين الأراقم، فلج عليهم اللقب٣. وعرفت بعض القبائل بـ"البراجم"، وهم خمسة بطون من بني حنظلة: قيس، وغالب، وعمرو، وكُلفة، والظليم، وهو مرة. قيل: إنهم إنما سموا بذلك؛ لأنهم تبرجموا على إخوتهم: يربوع وربيعة ومالك, وكلهم أبوهم حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرة٤. وذكر أيضا أنهم إنما سموا البراجم؛ وذلك لأن أباهم قبض أصابعه, وقال: كونوا كبراجم يدي هذه, أي: لا تفرقوا، وذلك أعز لكم. وقيل: لا، وإنما سموا بذلك؛ لأنهم تحالفوا أن يكونوا كبراجم الأصابع في الاجتماع٥. وعرف "الثعلبات" بهذه التسمية؛ لأنهم بطون، اسم كل بطن منهم "ثعلبة", وهم: ثعلبة بن سعد بن ضبة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، وثعلبة بن عدي

стр. 2325

فزارة، وأضاف إليهم قوم: ثعلبة بن يربوع١, ويقال لهم "الثعالب" أيضًا. وهم قبائل شتى، فثعلبة في "بني أسد"، وثعلبة في تميم، وثعلبة في ربيعة، وثعلبة في قيس, ومنهما الثعلبتان من طيء, وهما: ثعلبة بن جذعاء بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن قطرة من طيء، وثعلبة بن رومان بن جندب المذكور. وذكر أن الثعالب في طيء يقال لهم مصابيح الظلام، كالربائع في تميم٢. وأما "الرباب" فهم: ضبة بن أد بن طابخة، وتيم، وعدي، وعوف، وهوعكل، وثور، وكل هؤلاء بنو عبد مناة بن أد بن طابخة٣. قيل: إنهم إنما سموا بذلك لتفرقهم، وقيل: سموا ربابًا لترابهم، أي: تعاهدهم وتحالفهم على تميم، وقيل: سموا بذلك؛ لأنهم أدخلوا أيديهم في رُبّ, وتعاقدوا وتحالفوا عليه, فصاروا يدًا واحدة٤. وأما "الأجارب"، فهم خمسة بطون من "بني سعد"، وهم: ربيعة, ومالك، والحارث، وعبد العزى، وبنو حمار٥. وورد الأجارب: حي من بني سعد بن بكر من قيس عيلان، وإذا قيل: الأجربان, فهما: عبس وذبيان٦. و"الحرام", هم: بنو كعب بن سعد بن زيد مناة٧. وذكر أن في العرب بطونًا ينسبون إلى "آل حرام", منهم بطن في تميم وبطن في جذام وبطن في بكر بن وائل. وهناك بطون أخرى عُرفت بـ"حرام"٨. وأما "الضباب"، فهم "بنو عمرو بن معاوية بن كلاب". قال بعض أهل الأنساب: إنهم أربعة بطون من "بني كلاب"، وقال بعض آخر: إنهم أكثر، وأوصلوهم إلى أربعة عشر بطنًا٩.

стр. 2326

واشتهرت بعض القبائل والعشائر والبيوت بنعوت لازمتها في الجاهلية وامتدت إلى الإسلام، فقد عرف بنو مخزوم وبنو جعفر بن كلاب بالتيه والكبر، حتى قيل: "أربعة لن يكونوا ومحال أن يكونوا: زبيدي سخي، ومخزومي متواضع، وهاشمي شحيح، وقريشي يحب آل محمد"١. واشتهرت "طيء" بالجود؛ لكون حاتم وأوس بن حارثة بن لأم منهم٢. وعرفت "باهلة" باللؤم، حتى ضرب بها المثل في اللؤم، فقيل: لؤم باهلة٣. واشتهر "بنو ثعل" بالرمي، وذكروا بذلك في شعر لامرئ القيس٤. واكتسبت "مدلج" شهرة واسعة في القيافة، إذ اختصت بها من بين سائر العرب٥. وبرز "بنو لهب" في العيافة, فهم أزجر العرب وأعينهم٦. وعرفت "إياد" بخطبائها، وملوك غسان بثريدهم، الذي قيل له: "ثريدة غسان"٧. وعرفت كندة بغلاء مهور بناتهم٨, وعرفت "خزاعة" بالجوع والأحاديث، قيل لزهمان: ما تقول في خزاعة؟ قال: جوع وأحاديث٩, أي: فقر ودعاوى فارعة وأضغاث أحلام. وعرفت بعض القبائل بـ"الضبيعات", وهي: "ضبيعة بن قيس بن ثعلبة" أشرفهن, و"ضبيعة أضجم بن ربيعة بن نزار"، و"ضبيعة بن عجل بن لجيم"١٠. وذكر أيضًا أن في العرب قبائل تنسب إلى "ضبيعة": "ضبيعة بن ربيعة بن نزار"، وهو المعروف بـ"الأضجم"، و"ضبيعة بن أسد بن ربيعة"، قال بعضهم: إنما ضبيعة أضجم، و"ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن بكر بن وائل"، وهو أبو رقاش أم مالك وزيد مناة ابني شيبان، وهم رهط الأعشى: ميمون بن قيس، و"ضبيعة بن عجل بن

стр. 2327

لجيم بن صعب بن بكر بن وائل، رهط الوصاف، و"ضبيعة بن فريد", بطن من الأوس من بني عوف بن عمرو، وضبيعة بن الحارث العبسي١. وذكر "ابن حبيب" أسماء قبائل عُرفت بـ"الربائع" وهي في "تميم", وهي: "ربيعة الجوع بن مالك بن زيد مناة بن تميم"، و"ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد بن تميم"، و"ربيعة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم"، كل واحد منهم عم صاحبه، و"ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة"، وهم "الحباق"٢. وورد: في تميم ربيعتان: الكبرى وهي ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وتدعى: ربيعة الجوع, والصغرى وهي ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة من تميم٣.

стр. 2328

أسماء أجداد القبائل: ولكل قبيلة -كما ذكرت- جد تنتمي إليه وتفاخر وتباهي به. وقد يكون هذا الجد جدًّا حقيقًّا, أي: إنسانًا عاش ومات، وساد القبيلة، وترك أثرًا كبيرًا في قبيلته حتى نسبت القبيلة إليه. وقد يكون الجد اسم حلف تكوَّن وتألف من قبائل عديدة، حتى عرفت به، ودعيت بذلك الحلف, وصار وكأنه اسم جد وإنسان عاش. ومن هذا القبيل اسم "تنوخ" على حد زعم أهل الأخبار, فقد رووا أن تنوخًا قبائل عديدة، اجتمعت وتخالفت، وأقامت في مواضعها١. وقد يكون اسم موضع، أقامت قبيلة به، فنسبت إليه, كما يذكر أهل الأخبار من اسم "غسان". وقد يكون اسم إله عبد، فنسب عباده إليه مثل "بني سعد العشيرة"، و"تالب ريام" جد قبيلة "همدان"، وقد يكون اسم حيوان أو نبات أو ما شابه ذلك، مما يدخل في دراسة أصول الأسماء

стр. 2329

ومصادرها واشتقاقها، وهو شيء مألوف نراه عند غير العرب أيضًا، فليس العرب بدعًا وحدهم في هذه الأمور. وما يذكره ويرويه أهل الأخبار عن أزمنة أجداد القبائل، فيه أغلاط وأوهام. فقد يرفعون زمان رجل فيبعدونه كثيرًا عن الإسلام, بينما هو من الرجال الذين عاشوا قبيل الإسلام, وقد يجعلون الرجل من الجاهلية القريبة من الإسلام، بينما يجب وضعه قبل الإسلام بقرون، ثم هناك أخطاء فادحة في سرد سلاسل النسب، وفي أسماء الأشخاص، ولا سيما في الأنساب القديمة، بحيث يصعب على الباحث الأخذ بها والتأكد منها. أما بالنسبة إلى الأنساب القريبة من الإسلام، فإن وضعها يختلف عن وضع الأنساب المذكورة، إذ يغلب عليها طابع الصحة والضبط. وقد ذهب المستشرق "بلاشير" إلى أن طريقة النسابين بالنسبة إلى الأرهاط، هي طريقة إيجابية مقبولة، ولكنها لا تستند إلى أسس صحيحة بالنسبة للقبائل والأحلاف؛ بسبب أن تحالف القبائل وتكتلها راجع إلى عوامل المصلحة الخاصة والمنافع السياسية، وهي تتغير دومًا بتغير المصالح، تتولد تبعًا لذلك أحلاف لم تكن موجودة, وتموت أحلاف قديمة، وتظهر قبائل كبيرة وتموت غيرها. ولهذا التغير فعل قوي في تكوين الأنساب وفي نشوئها, إذ تتبدل وتتغير الأنساب تبعًا لذلك التغير، ومن ثَمَّ فلا يمكن الاعتماد على الأنساب الكبرى، التي دونها علماء النسب وجمعوها في مجموعات، وشجروها حفدة وآباء وأجدادًا١. والمصالح السياسية للقبائل لا تقيم وزنًا للأخوة وللنسب؛ فإذا اختلفت المصلحة فلا تجد القبائل عندئذ أي غضاضة في الانفصال عن قبيلة مؤاخية لها, لتتحالف مع قبيلة غريبة عنها في النسب، ومحاربة أختها التي انفصمت عنها. فعبس مثلًا تحالفت مع "بني عامر" في حرب البسوس على "ذبيان"، وهي أختها, وتحالفت ذبيان مع "تميم" على "عبس"، مع ما بين "تميم" و"عبس" و"ذبيان" من عداء قديم. وقد وقعت أيام بين "تغلب" و"بكر" مع صلة الرحم والقرابة القوية التي ربطت بين القبيلتين الأختين٢. وقع كل ذلك وحدث بسبب تغير المصالح التي كانت تربط فيما بين هذه القبائل.

стр. 2330

أرض القبيلة: ولكل قبيلة أرض تعيش عليها وتنزل بها وتعتبرها ملكًا لها، تنتشر بها بطونها وعشائرها، ولا تسمح لغريب النزول بها والمرور بها إلا بموافقتها وبرضاها. وقد اختص كل بطن منها بناحيته فانفرد بها واعتبرها أرضًا خاصة به. وتكون الأرض التي تحل القبيلة بها "منزلًا" لها، و"منازل" لأبنائها الذين ينزلون بها. يضربون بها خيامهم, فتكون الأرض مضارب لها, تستوطنها وتقيم بها وتصير وطنًا لها، أي: دار إقامة، ما دامت تقيم بها, وموضع بيوتها. لذلك يعبر عن الأرض التي تقيم بها القبيلة بـ"بيوت القبيلة" وبـ"بيوت العشيرة"؛ لأنها مضرب البيوت. وتمتد أرض القبيلة إلى المواضع التي تصل بيوتها إليها, فما يقع إلى الداخل فهو من موطن القبيلة، وما وقع خارج حدود نفوذ القبيلة خرج عن مواطنها. وتعين الحدود بالظواهر الطبيعية البارزة، مثل تلال أو أودية أو رمال أو ما شاكل ذلك, ونظرًا إلى عدم تثبيت القبائل لحدودها على الأرض برسم معالم بارزة لها، صارت الحدود سببًا من أسباب النزاع المستمر والقتال الدائم بين القبائل. وتكون مواضع الماء في أرض القبيلة قبلة أبنائها، يستقون منها ما يحتاجون إليه من "إكسير الحياة", وتكون هذه المواضع آبارًا أو عيون ماء أو حسيًّا وما شاكل ذلك. وتتفق القبيلة فيما بينها على حقوق السقي، ويؤدي الإخلال بحقوق السقي إلى وقوع نزاع، قد يؤدي إلى قتال، ولا سيما في أيام القيظ وانحباس المطر، حيث تشتد الحاجة إلى الماء، ويصير افتقاده سببًا لهلاك الأنفس والمال. والقاعدة أن ماء القبيلة مشاع في القبيلة, أما المياه المحمية: المياه التي تحمى للسادة والرؤساء، والمياه الخاصة، كالآبار التي يحفرها أصحابها، فتكون خاصة بهم, لا يجوز الاستقاء منها إلا بإذن.

стр. 2331

ولكل قبيلة حق حماية أرضها, شأنها في ذلك شأن الدول، وإذا أراد غريب اجتياز أرضها فلا بد من أن يكون في حماية إنسان منها. وإذا كان المجتاز جماعة، كأن يكون قافلة أو قبيلة أو حيا يريد التنقل إلى أرض أخرى، ولا بد له من المرور بأرض هذه القبيلة للوصول إلى هدفه، فعليه أخذ إذن من القبيلة يخوله جواز المرور بها، وإلا تعرض للمنع والقتال. لذا كان لا بد للتجار من ترضية سادات القبائل للسماح لهم بالمرور، بدفع حق المرور، وهي إتاوات تعارفت القبائل آنذاك على أخذها من المارة.

стр. 2332

سادات القبائل: وسيد القبيلة بالنسبة للقبيلة، مثل ملك مملكة بالنسبة لمملكته, فهو الرئيس والمرجع والمسئول عن أتباعه في السلم والحرب, يقصده ذوو الحاجات من أبناء القبيلة إن احتاجوا إلى حاجة. وقد يجمع هذا الرئيس شمل جملة قبائل، ويترأسها، وقد ينصب نفسه ملكًا عليها، كالذي فعله ملوك كندة من بني "آل آكل المرَّار" وغيرهم من الملوك. وقد لا نخطئ إذا ما قلنا: إن أكثر مؤسسي الأسر المالكة في بلاد العرب، كانوا سادات قبائل في الأصل، استغلوا مواهبهم وقابلياتهم، وإمكانية قبيلتهم, وسخروها في سبيل الحصول على الملك، وعلى التلقب بلقب "ملك"، فنالوه. ويقال للسيد: المسوّد, ويذكر علماء اللغة أن السيد يطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم ومحتمل أذى قومه والزوج والمقدم والرئيس. وسيد القبيلة هو رئيسها، تقول العرب: "فلان سيدنا" أي: رئيسنا والذي نعظمه, وتقول: "ساد قومه"١. وهي من الألفاظ المستعملة عند عرب الحجاز ونجد والعراق وبلاد الشام، أما العربية الجنوبية فقد استخدمت ألفاظًا أخرى بدلًا عنها. ويقال لسيد القبيلة "رئيس القبيلة", والرئيس: سيد القوم، والرياسة: السيادة, ويقال: فلان رأس ورئيس القوم٢, ورؤساء القبائل هم سادات القبائل

стр. 2333

والمتولون لأمورها. كما يقال: فلان ساد قومه، وهو سيد القوم وسيدهم, فاللفظتان مترادفتان وفي معنى واحد. ووردت لفظة "زعيم" بمعنى سيد القوم ورئيسهم والمتكلم عنهم، والجمع: زعماء, كما وردت الزعامة: الشرف والرياسة على القوم, وحظ السيد من المغنم١. غير أن استعمال "زعيم القبيلة"، أقل في الكلام من استعمال "سيد" و"رئيس". وأنا حين أستعمل "سيد قبيلة"، أقصد بها الرئيس الفعلي لقبيلةٍ، المسئول عنها، والمدبر لأمورها والمرجع الأخير لها، والذي يكون كالملك أو الحاكم بالنسبة لقبيلته؛ لأن هناك سادات آخرين سادوا في القبيلة وقد عرف خبرهم في كل مكان، وربما اشتهر ذكرهم أكثر من اشتهار اسم سيد قبيلتهم، ومع ذلك فإنهم لا يعدون رأس تلك القبيلة؛ لأن الرأس المسئول عن القبيلة رأس واحد, -ألا إن العرف أن يسود الرؤساء في القبائل- هو كما يترأس الأشراف أمر مدينة، بأن يترأسوا عمائر القبيلة ثم فروعها الدنيا التي تلي العمائر. فهم رؤساء في قبيلة بالمعنى المجازي، الذي جوز إطلاق لفظة "القبيلة" حتى على الأفخاذ والبطون، بل والبيوت, بأن يبزوا الرئيس بالخصال الحميدة، التي تجلب لهم الشهرة والسيادة، وتجعل اسمهم يعلو اسم رئيس القبيلة في كثير من الأحايين.

стр. 2334

صفات الرئيس: وعلى من يسود في قومه أن يتحلى بخلال حميدة وسجايا طيبة، تجعل الناس يعترفون بسيادته عليهم، كأن يحتمل أذى قومه؛ ولذلك قيل للسيد "محتمل أذى قومه"، وأن يكون شريفًا في أفعاله حليما كريما، يغض نظره عن أعمال الحمقى والجهلة، وأن يتجاهل السفلة والسفهاء الجاهلين, قلا يغضب ولا يثور، وأن يكظم غيظه, جاء في المثل: "احلم تسد"١, وأن يحترم الناس مهما كانت منازلهم، وأن يؤلف بينهم ويكتسب محبتهم، وأن يكون ملاذهم، وأن يجعل

стр. 2335

بيته بيتًا للجميع ومضيفا لكل من يفد إليه من كبير أو حقير أو صغير، وأن يفتح قلبه للجميع.١ وعلى الرئيس أن يكون في مقدمة القوم في الحروب والغزو، وأن يكون شجاعًا لا يهاب الموت، حتى يكسب النصر لنفسه ولقومه، وعليه أن يكون قائد قبيلته وواضع خطط الحرب؛ لأنه رمز القبيلة ورمز النصر وباعث الهمم في نفوس أبنائه، وهو أب القبيلة، وإذا لم يكن قدوة لأبنائه في ساعات الشدة والخطر، فترت همم أبناء القبيلة, ولا يثير القبائل إلا الشعارات والنخوة وإلهاب المشاعر، حتى تندفع اندفاعًا في القتال. والرئيس هو روح القبيلة وشعارها، فإذا أصيب بمكروه أو جبن في القتال، وإذا خرَّ صريعًا في المعركة، هربت قبيلته في الغالب, وتراجعت القهقرى, إلا إذا وجد في القبيلة من يؤجج فيها نار الحماسة ويبث فيها العزيمة للوقوف والصمود. ويكون مثل هذا الرجل من الشجعان الأقوياء أصحاب الإرادة القوية الذين يعرفون نفسية قبيلتهم، وإلا فليس من السهل على رجل التأثير على قبيلة, وهي في مثل هذا الوضع. ولأثر الرئيس في مصير الحرب، كان الفرسان يوجهون كل قوتهم نحو الرؤساء؛ لأنهم على علم بأنهم إن تمكنوا من الرئيس فقتلوه, غلبوا عدوهم في الغالب وقضوا عليه. فهو الروح المعنوية عند الأعراب، يليه حامل اللواء فإذا سقط حامل اللواء قتيلًا, أسرع من عُين ليكون خليفته في التقاط الراية وحملها، وإذا سقط هذا أيضًا أسرع من يأتي بعده، وهكذا. فإن سقوط الراية معناه هزيمة منكرة ستحيق بمن سقطت رايته؛ ولهذا كانوا يختارون رجالًا شجعانًا يولونهم أمر اللواء, بحيث إذا سقط أحدهم أخذ من يليه مكانه، وهكذا حتى النصر.

стр. 2336

صعوبة انقياد القبائل: وليست قيادة القبيلة بأمر سهل يسير، لا سيما إذا كانت القبيلة قبيلة كبيرة ذات عشائر وأرهاط منتشرة في مواضع متباعدة. فإن رؤساء العشائر يستغلون فرصة ابتعادهم عن أرض الأم، ويعلنون انفصالهم عنها، وتوليهم أمرهم بأنفسهم،

стр. 2337

فيحدث الانفصام والانقسام، وقد يعلن الرئيس حربًا على العشيرة العاقَّة المنشقة، ولهذا يعد سيد القبيلة الذي تجتمع له رئاسة قبيلة كبيرة من السادات المحظوظين, وحظه هو ثمرة ذكائه ومواهبه وقابلياته, ولا شك. ومن هؤلاء المحظوظين الذين دوَّن أهل الأخبار أسماءهم: "جَهْبل بن ثعلبة اليشكري"، سيد "بكر بن وائل"، فقد اجتمعت "بكر" حوله، و"عمرو بن شيبان بن ذهل"، و"عمرو بن قيس الأصم", و"الكلح", و"بشر بن عمرو بن مسعود"، و"همام بن مرة", و"الحارث بن عباد"١, وقد اجتمعت حولهم "بكر بن وائل"، وانضوت تحت لوائهم, وذلك في مناسبات أشار إليها أهل الأخبار, مثل وقوع بعض الأيام. ولولا هذه الأيام، وتلك المناسبات التي اضطرت القبيلة إلى التكتل والتجمع فيها حول زعيم واحد ليخلصها من المخاطر، لما تجمعت حوله؛ لأن التجمع لا يلتئم مع طبع أهل البادية، الذين جبلتهم الطبيعة على التشتت والتفرق. وذكر أهل الأخبار أن "خالد بن جعفر بن كلاب"، و"عروة الرحال بن عتيبة بن جعفر"، و"الأحوص بن جعفر"، و"عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب"، هم أربعة اجتمعت عليهم "هوازن"، ولم تجتمع "هوازن" كلها في الجاهلية إلا على هؤلاء الأربعة, وهم كلهم من "بني جعفر بن كلاب"٢, مما يدل على صعوبة انقياد عشائر "هوازن" لزعامة رجل واحد. وهذا مثل واحد من أمثلة صعوبة انقياد القبائل لرئاسة رئيس؛ لأن الانقياد لرئيس واحد, معناه في نظر رؤساء العشائر، خضوعهم لغيرهم واستذلالهم له وتنازلهم عن حريتهم وعن استقلالهم في إدارة شئون عشائرهم لغيرهم ولو كان هذا الرئيس منهم، أضف إلى ذلك الخسائر المادية التي قد يصابون بها من هذا الانقياد. وقد عرفت قبائل "ربيعة" خاصة بتخاصمها وبتباغضها وبتحاسد رؤسائها؛ لذلك لم تقبل في الغالب بتملك رئيس منها عليها. بل كان سادتها يراجعون التبابعة -على ما يقوله أهل الأخبار- لتمليك سيد منهم عليهم, كانوا يراجعون اليمن كلما اختلفوا فيما بينهم على تمليك ملك عليهم. وقد ذكر أهل الأخبار أن من جملة

стр. 2338

أسباب تعيين والد الشاعر "امرئ القيس" الكندي ملكًا على بني أسد وتعيين أعمامه ملوكًا على القبائل الأخرى، هو تناحر سادات ربيعة فيما بينهم، وتباغضهم وتفرق كلمتهم، حتى كان كل واحد منهم يرى أنه أولى من غيره بالملك، فدبَّ الخلافُ بين القبائل، وتطاول السفهاء على الأشراف وأهل البيوتات، وعندئذٍ وجد سادات القبائل أن الأمن لا يرجع إليهم إلا بذهابهم إلى كندة لتنصيب ملوك منها عليهم. فكان ما كان من تنصيب والد الشاعر على "بني أسد" وتنصيب أعمامه على القبائل الأخرى، إلا أن الأمن لم يستتب ولم يستقر طويلًا بين هذه القبائل المتنازعة، إذ قرر الرحيل عنها -وعاد الخصام داء "ربيعة"- إلى وطنه, وعادت حليمة إلى عادتها القديمة على ما يقوله أهل الأمثال. وقد أشار أهل الأخبار إلى رجال ذكروا أنهم تمكنوا من حكم معد وربيعة, ومعنى ذلك أنهم كانوا من ذوي الشخصيات القوية, وبذلك تمكنوا من فرض أنفسهم على هذه القبائل المتباغضة. من هؤلاء: حذيفة بن بدر, وهو من سادات غطفان وبيتهم, وهو والد "حصن" أبي عيينة, وقد أدرك "عيينة" النبي، فأسلم ثم ارتد, وأسلم بعد ذلك على يد أبي بكر١. وقد قاد "حذيفة" "بني فزارة" و"مرة" يوم النسار، ويوم الجفار، وفي حرب داحس حتى قتل فيها يوم الهباءة. وقد عرف بـ"رب معد"٢, وما كان ليعرف بذلك لو لم يكن من أصحاب القوة والمكانة حتى ساد قبائل معد. ومن سادات "ربيعة" "الأفكل"، و"عمرو بن جعيد" من "بني الديل", وكان ذا بغي، فسارت إليه "بنو عَصَر" فقتلوه٣, و"الحارث الأضجم بن عبد الله بن ربيعة بن دوفن"، من "بني دوفن", قديم السؤدد فيهم كانت تجبى إليه إتاوتهم٤, و"عامر الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم بن النمر بن قاسط", وكان سيد "النمر بن قاسط" في الجاهلية وصاحب مرباعهم٥.

стр. 2339

وكان "القُدار بن الحارث" رئيس ربيعة في أول الإسلام١. وورد أن "القدار بن عمرو بن ضبيعة" كان رئيس ربيعة، يلي العز والشرف فيهم٢. ويمتاز سيد القبيلة عن سائر رجال قبيلته ببيته الكبير المكون من خيمة ضخمة، والتي قد تتكون من جملة قطع من النسيج خيطت بعضها إلى بعض لتتكون منها خيمة كبيرة, تكون مضيفًا للرئيس, ومجلسًا للقوم يؤمه سادات القبيلة وأشراف الأحياء, وموئلًا لذوي الحاجات من الناس. وله خيام أخرى أعدت لحريمه ولأهله, فهي منازل رئيس القبيلة الخاصة به وبأفراد أسرته. وامتاز الرئيس عن أفراد قبيلته بكثرة عدد نسائه, فسيد القبيلة مزواج في الغالب, عنده المال, وعنده الجاه والرئاسة، فلا يجد صعوبة في الحصول على زوجات صغيرات السن لينجبن له أولادًا، يكونون له حصنًا حصينًا وأمنًا له على ماله, وعونًا له على القبيلة. فيحمي بهم نفسه ممن قد يطمع في الرئاسة وفي انتزاع السيادة منه بالقوة. ومن واجب الرئيس الإشراف على تقسيم الغنائم، ومن حقه المرباع إن كان من ذوي المرباع، وله أن ينفق من جيبه على الضيوف، وأن يفتح بيته للقادمين إليه من مختلف الناس، وأن يستقبل ضيوف القبيلة بوجه فرح بشوش، وأن يرعى شئون قبيلته، ويسأل عن أبنائها. وعليه أن يسعى لفك من يقع من أبناء عشيرته أسيرًا في أيدي قبيلة أخرى، وأن يشارك قومه في تحمل الديات، حين يعجز رجال القبيلة عن حملها. وعليه أن يعين أتباعه في كل جناية يجنونها، فهي وإن صدرت من غيره لكنها تقع في النهاية على رأس سيد القبيلة، فعليه وحده إيجاد حل لها ومخرج. ومن هنا كنَّت العرب عن سيد القبيلة بقولها: "سيد معمم", يريدون أن كل جناية يجنيها أحد من عشيرته معصوبة برأسه٣.

стр. 2340

رئاسة القبائل: لا نملك نصًّا جاهليًّا فيه شيء عن الشروط التي يجب أن تتوفر في الرجل كي

стр. 2341

يكون رئيسًا على قبيلة, ولا نجد في روايات أهل الأخبار أخبارًا واضحة صريحة عن طريقة تولي الرئاسة عند الجاهليين. لذا لا نستطيع البتَّ في موضوع شروط انتقال الرئاسة من رئيس قبيلة متوفى أو مخلوع إلى رئيس جديد, وهل كانت الرئاسة وراثية على طريقة انتقال العروش في النظام الملكي، أم كانت اختيارًا وانتخابًا وشورًى, بمعنى أن اختيار الرئيس يكون برأي من رؤساء القبيلة، وليس بسنة الإرث؟. والذي ظهر لنا من دراسة أخبار أهل الأخبار في هذا الموضوع أن الجاهليين كانوا قد ساروا على سنة الإرث في تولي الرئاسة, كما ساروا على طريقة الاختيار. أما أنها كانت رئاسة وراثية؛ فلأنها رئاسة مثل سائر الرئاسات عند العرب، كرئاسة المكربين والملوك والأقيال والأذواء والأقيان وكل الرئاسات الجاهلية الأخرى. وقد كانت هذه الرئاسات رئاسات وراثية في الأغلب؛ لذا كانت رئاسة القبيلة بالوراثة أيضًا, تنتقل الرئاسة من الأب إلى الابن الأكبر. ويؤيد هذا الاستنتاج ما نجده في أكثر روايات القبائل, وتولي الأبناء رئاستها بعد الآباء. وأما أنها بالنص والتعيين، فكالذي ذكروه من أمر اختيار "حصن بن حذيفة بن بدر" ابنه "عيينة" لرئاسة قومه من بعده. ولم يكن عيينة أليق من غيره بأن يكون سيد قومه، فاستدعى أولاده وقال لعيينة: أنت خليفتي ورئيس قومك من بعدي. ثم قال لقومه "بني بدر": لوائي ورياستي لعيينة، ثم أوصاهم بما يجب أن يفعلوه على عادة السادات عند اشتداد المرض بهم وشعورهم بدنو أجلهم؛ من وجوب التكتل والتهيؤ للقتال وعدم التجرؤ على الملوك، فإن أيديهم أطول من أيدي الرعية، فسمعوا له وأطاعوا، واختاروه رئيسًا عليهم١. وأما أنها شورى ورأي، فعند عدم وجود عقب للرئيس المتوفى، أو عند وجود تنافس وتباغض بين أبناء الرئيس المتوفى بسبب كونهم من زوجات مختلفات فيما بينهن، يخشى عندئذ من انقسام القبيلة على نفسها، ويحسم الخلاف باختيار أحزم الأبناء أو تنصيب رجل قريب أو بعيد عن الرئيس، يجدونه أهلًا وكفؤًا لتولي الرئاسة فيولونها إياه. وقد يلجئون إلى الرأي في حالة تشتت شمل القبيلة, بظهور رجال أشراف فيها, لهم كفاءات وقابليات وشهرة تفوق شهرة أسرة

стр. 2342

الرئيس المتوفى، يطمعون في الرئاسة، فينتخبون أكفأهم وأقواهم ليكون الرئيس الجديد. وقد لا تجتمع كلمة المتنافسين على الرئاسة، ولا تتفق على اختيار رئيس، فلا يكون أمام القبيلة في مثل هذه الحالة سوى اللجوء إلى الملوك في الغالب؛ لتعيين رئيس عليهم يختارونه من جماعتهم وينصبونه سيدًا عليهم. وقد كان هذا شأن قبائل "معد" في الغالب, إذ كانت قبائلها متبدية متنافرة، ذات رؤساء متحاسدين، لا يقرون برئاسة واحد منهم؛ لذلك كانوا يلجئون إلى ملوك اليمن لتعيين رئيس من غيرهم عليهم, وبذلك يحل الخلاف. ونجد في شعر "عامر بن الطفيل"، وهو أحد مشاهير فرسان العرب, تغنيًا بفعاله وبشجاعته وبدفاعه عن قومه, وتبجحًا بسيادته على قومه, واعتزازًا بأن سيادته هذه لم تأت إليه عن وراثة، وإنما جاءته بفعاله وبدفاعه عن قومه وذبه عن حماهم، فسودوه لهذه الخلال عليهم، ولم يسودوه لأنه "ابن سيد عامر". وفي هذا الشعر دلالة على أن الرئاسة كانت بالوراثة, وأن والد "عامر" كان سيدًا, فأراد "عامر" أن يتبجح بنفسه على غيره، بأنه ليس من أولئك الرؤساء الذين يرثون السيادة إرثًا, فلا دخل لهم بمجيئها إليهم، وإنما أخذها عن جدارة واستحقاق، ولو لم يكن أبوه سيدًا, لجاءته السيادة تركض إليه؛ لما فيه من محامد ومكارم. فسيادته سيادة وراثة؛ لأنه ورثها عن أبيه، وسيادة جدارة جاءته لما فيه من خصال السادة الأشراف١.

стр. 2343

خصال السادة: يذكر أهل الأخبار أن أهل الجاهلية كانوا لا يسودون إلا من تكاملت فيه ست خصال: السخاء والنجدة والصبر والحلم والتواضع والبيان, وقالوا: قيل

стр. 2344

لقيس بن عاصم: بِمَ سُدْتَ قومك؟ قال: ببذل الندى وكف الأذى ونصرة المولى وتعجيل القِرَى, وقد يسود الرجل بالعقل والعفة والأدب والعلم. ووصف بعضهم السؤدد بأنه اصطناع العشيرة واحتمال الجريرة. وقد سئل أحد السادات: بأي شيء سدت قومك؟ فقال: "إني -والله- لأعفو عن سفيههم، وأحلم عن جاهلهم، وأسعى في حوائجهم, وأعطي سائلهم، فمن فعل فعلي فهو مثلي، ومن فعل أحسن من فعلي فهو أفضل مني، ومن قصر عن فعلي فأنا خير منه"١. وذكر أهل الأخبار أيضًا، أن العرب كانت تسود على أشياء, فكانت مضر تسود ذا رأيها, وأما ربيعة فمن أطعم الطعام، وأما اليمن فعلى النسب٢. والرئيس الناجح، هو الرئيس الذكي الفطن الذي تكون له قدرة وقابلية على التصرف بذكاء وبحذر وفقًا لعقلية القبائل. فيعرف كيف يعامل كل شخص يأتي إليه المعاملة التي تلائمه وتليق به، بحلم وصبر وأناة، وبقساوة وغلظة أحيانًا؛ من أجل إخافة أتباعه، لخوف القبائل من البطاش الظالم. على ألا يسرف في ظلمه ويمعن في غيه، فيقع له ما وقع لكليب وائل ولأمثاله من الذين أسرفوا في الاعتماد على أنفسهم وعلى قابلياتهم، فأهلكوا أنفسهم. ولهذا كان من شأن عقلاء سادات القبائل عرض المنازعات والخصومات القبلية للحكم فيها, وبذلك يخلصون أنفسهم من مشكلات صعبة كانت ستقع تبعتها على أكتافهم فيما إذا انفردوا بالنظر بها دون سائر الرؤساء. ومن أعراف الحكم عند القبائل، أن سيد القبيلة يستمد رأيه من رأي أشراف قبيلته ووجوهها في الأمور الهامة التي تخص حياة القبيلة؛ ليستنير برأيهم، وليعرف رأي أتباعه في معالجتها. وتساعد هذه المشورة سادات القبائل مساعدة كبيرة في التمكن من إدارة القبيلة إدارة حسنة ترضي الغالبية، وقد توصل الرئيس إلى النجاح والنصر في الغزو، فيرتفع اسمه ويعلو نجمه. ولا زال سادات القبائل يستمعون إلى مشورة رؤساء القبيلة، ويقيمون لرأيهم وزنا إلى يومنا هذا. ورأيهم هذا هو مجرد مشورة ونصح؛ بمعنى أنه لا يلزم سيد القبيلة بوجوب العمل بموجبه, فقد ينبذه ويعمل برأيه وبقراره، لا سيما إذا كان قوي الشخصية متجبرًا عنيدًا.

стр. 2345

وقد يكون النجاح حليفه، فتزداد بذلك هيبته على أتباعه، وقد يمنى بخسارة فادحة فتقضي عليه وعلى حياته أيضًا. والنظام القبلي بعد, هو نظام استشاري, الرأي فيه لأصحاب الرأي فقط, أما الأفراد, أي: أبناء القبيلة وسوادها، فلا رأي لهم في تسيير الأمور، إلا إذا برز أحدهم وظهر في قبيلته بمواهب يعترف بها، كالحكمة أو الشرف، فقد يدخل في عداد أولي الرأي، ويكون له عندئذٍ عندهم رأي مسموع. وعلى الرغم من استبداد بعض السادة برأيهم، وحكمهم بما يوحي إليه به حسهم وشعورهم، وتصرفهم في الأمور تصرفًا كيفيًّا، فإنهم كانوا يقيمون مع كل ذلك وزنًا للرأي، وقد يكون هذا الرأي رأي رجل مغمور من عامة أبناء القبيلة، أو رأي شاعر أو خطيب أو أي شخص آخر من أبناء القبيلة. فالحكم عند القبائل بهذا, حكم فردي استشاري يتوقف الرأي فيه على شخصية وكفاءة رئيس القبيلة، وعلى شخصية وكفاءة رؤساء البطون والأحياء. وقد أدت غطرسة وعنجهية بعض سادات القبائل بهم إلى الموت, فقد لجئوا إلى القسوة والقهر في الحكم واستبدوا برأيهم استبدادًا فرق بينهم وبين رؤساء قبيلتهم؛ مما دفع بعض فرسان القبيلة وشجعانها على قتلهم للتخلص منهم، كالذي كان من أمر "كليب وائل"، الذي تعسف في حكمه وتجبر فاختار خيرة الأرضين الخصبة، فجعلها حمًى له، لا يحق لأحد الرعي بها، إلا بإذن منه. فأزعج عمله هذا من خضع لحكمه، فكانت عاقبته القتل. والحلم عند العرب من أهم الصفات التي تؤهل الإنسان لحكم الناس. وهو عندهم الأناة والعقل، وقيل: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب١, ومعالجة الأمور بهدوء وضبط أعصاب. وهو أحزم سياسة تلائم طبع الحكم، وقد عدوه من خلال الحكماء. وممن عرف واشتهر أكثر من غيره بالحلم: "الأحنف بن قيس"، حتى ضربت العرب به المثل, فقالت: هو أحلم من الأحنف. وقد نسب أهل الأخبار

стр. 2346

له حكمًا كثيرة وأمثالًا، هي من الأمثال التي ينسبونها في العادة إلى الحكماء١. وذكروا من أمثلة حلمه أنه كان قاعدًا يومًا بفناء داره, محتبيا بحمائل سيفه يحدث قومه، حتى أُُتي بمكتوف ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك، فما قطع كلامه حتى انتهى، ثم كلم ابن أخيه وأنبه وعفا عنه، ثم قال لابن آخر له: وارِ أخاك وحل كتاف ابن عمك, وسق إلى أمك مائة ناقة دية ابنها, فإنها غريبة. إلى قصص آخر من هذا القبيل٢.

стр. 2347

النسب: النسب هو جرثومة العصبية وأساسها؛ ولهذا حرص العربي على حفظ نسبه، ولا يزال يحرص عليه، فيروي لك شجرة نسبه حفظًا ويرفعها إلى جملة أجداد. وقد وجد السياح أعرابًا سردوا لهم نسبهم سردًا من غير كتاب مكتوب, إلى عشرات من الأجداد، وقد تأكدوا بعد فحوص واختبارات أن ما قيل لهم وسرد عليهم كان صحيحا في الغالب. وأما أهل المدر، فإن حرصهم على حفظ نسبهم, وإن لم يكن حرص أهل الوبر، غير أن فيهم من يحفظ شجرة نسبه، وفيهم من يحتفظ بها مكتوبة, وقد شهد على صحتها جماعة من النسابين. وفي جملة من يعتني بنسبه اعتناءً كبيرًا، ويأبى الزواج من غير الأسر الكفوءة له, السادة المنتمون إلى الرسول من ذوي الجاه والحسب والنسب، والأشراف السادات من أهل الحضر والوبر. وحفظ النسب هذا هو استمرار لما كان عليه الجاهليون من حرص على حفظ أنسابهم. وإذا كنا لا نملك اليوم جرائد جاهلية في النسب، فإن في بعض الكتابات الجاهلية تأييدًا لما نقول؛ فبين أيدينا في هذا اليوم كتابات جاهلية ذكرت أسماء جملة أجداد لأشخاص دونوا أسماءهم في تلك الكتابات، وقد دون على شاهد قبر "معنو" "معن"، اسم أبيه وجدين من أجداده١. كما عثر على

стр. 2348

أسماء عشرة أجداد في بعض الكتابات الصفوية١. وهنالك أمثلة أخرى من هذا القبيل، تثبت عناية العرب في الجاهلية بتدوين أنسابهم وحفظها, وهي من أهم المزايا التي حافظ عليها العرب إلى هذا اليوم. ويبدأ النسب بالأب في الغالب، وبـ"الأم" في الأقل في حالات تتغلب فيها شهرة الأم على شهرة الأب، ويكون "البيت" إذن جرثومة النسب, وحين ينسب إنسان يقول: إنه "ابن فلان". ويشمل نسب البيت الأب والأولاد والبنات والزوجة أو الزوجات، وهم أكثر الناس التصاقًا بالأب، وقد يقال: إنه من "بيت فلان" تعبيرًا عن الانتساب إلى رئيس ذلك البيت. وقد عرف بعض علماء اللغة النسب: أنه القرابة، أو هو في الآباء خاصة، وأن النسب: أن تذكر الرجل فتقول: هو فلان ابن فلان، وذكر أنه يكون من قبل الأم والأب٢. والبيت هو بيت أب. ولما كان المجتمع مجتمع بيوت، صار النظام فيه نظامًا أبويًّا, السلطة العليا فيه للأب، إليه يُنتسب وهو المسئول قانونًا عن العائلة, يتساوى في ذلك مجتمع الحضر ومجتمع أهل الوبر. ويذكر أهل الأخبار أن العرب تنسب ولد المرأة إلى زوجها الذي يخلف عليها بعد أبيهم، وذلك عنى حسان بن ثابت بقوله: ضربوًا عليًّا يوم بدر ضربة ... دانت لوقعتها جميع نزار أراد بني عليّ هؤلاء من كنانة، وهم بنو عبد مناة. وإنما قيل لهم: بنو على عزوة إلى علي بن مسعود الأزدي, وهو أخو عبد مناة لأمه، فخلف على أم ولد عبد مناة. وهم: بكر وعامر ومرة وأمهم: هند بنت بكر بن وائل النزارية, فرباهم في حجره فنسبوا إليه٣. وإذا توفي والد وله مولود في بطن زوجته، أو كان طفلًا رضيعًا وكان له

стр. 2349

أعمام، تركه أعمامه عند أمه حتى يكبر، ثم يأخذه أعمامه، وقد تأتي أمه معه. ولكن العادة أن الأم تبع أهلها أي: عشيرتها، فإذا توفي زوجها وهي من عشيرة أخرى، تركت عشيرته لتعود إلى عشيرتها، فإذا كبر المولود خُيِّر بين البقاء مع أمه أو الالتحاق بأعمامه، أي: بعشيرة والده. والأغلب أن يختار الولد عشيرة الوالد؛ لأن نسب الولد من نسب والده، فيلتحق المولود بعشيرة الأب, وتقدم عشيرته على عشيرة الأم, إذ يشعر أن عشيرة أمه وإن كانت قريبة منه، إلا أن قربه منها ليس كقربه من عشيرة والده، وقد يعير باختياره عشيرة أمه عشيرة له. ولدينا أمثلة تشير إلى تعيير الأولاد أولادًا آخرين؛ لالتحاقهم بعشيرة أمهم وتركهم عشيرة والدهم، كالذي كان من أمر عبد المطلب يوم كان طفلًا, إذ عيره أطفال عشيرة أمه بلجوئه إلى عشيرتهم، إذ لا عشيرة له, ولو كانت له عشيرة للحق بها؛ مما حمله على ترك يثرب والرجوع إلى أعمامه بمكة. فالعم في نظرهم بمنزلة الوالد، وهو أقرب الناس إليه، وهو وريثه في العصبات. وبهذه الحجة احتج العباسيون على العلويين في تقدمهم عليهم بحق الخلافة. ومن هنا نجد العرب يوصون بأولاد العم خيرًا، وألا يتهاتروا معهم ولا يختلفوا مهما وقع بينهم من خلاف. وفي هذا المعنى يقول أبو الطمحان: إذا كان في صدر ابن عمك إحنة ... فلا تستثرها سوف يبدو دفينها١ وللخئولة مكانة كبيرة في العصبة عند العرب, قد تقوى على العمومة، فإذا هلك إنسان وكان إخوته على خلاف مع زوجته أو كان حالهم ضعيفًا قامت الخئولة مقام العمومة في رعاية الأولاد وحمايتهم ومدهم بالعصبية. بل قد نجد أن عصبية الخئولة أقوى عند العرب في الغالب من عصبية العمومة، وفي تأريخ الجاهلية والإسلام أمثلة كثيرة على ذلك. ومن حسن حظ الإنسان في الجاهلية أن يكون له أعمام وأخوال كثيرون، خاصة إذا كانوا أصحاب جاه وسيادة؛ لأنه سيعتز بهم، ويفتخر بكثرتهم. وكان الجاهليون يقولون: رجل معم ورجل مخوِل وأخول، إذا كان له أعمام

стр. 2350

وأخوال, ويقال: كريم الأعمام والأخوال، على سبيل المدح والتقدير١. ومنه قول امرئ القيس: بجيد معم في العشيرة مخول. وقول الشاعر: تروح بالعشي بكل خرق ... كريم الأعممين وكل خال٢ والنسب نسب أهل، ويقوم على الدم القريب، ونسب قبيلة، ويقوم على العصبية للدم الأبعد، دم جد القبيلة يجري في عروق المنتسبين إليه. والعرب من حيث النسب صرحاء وحلفاء وجيران وموالٍ وشركاء يستلحقون بالنسب. أما الصريح، فهو المحض من كل شيء، والخالص النسب، ويقال: جاء بنو فلان صريحة إذا لم يخالطهم غيرهم٣. والنسب إذن نسب آباء، وهو نسب الصرحاء الخلص من العرب المنحدرين من صلب جد القبيلة، على حد تعبير أهل الأنساب، ونسب حلف أو جوار، أي: نسب استلحاق. والغالب أن يتحول نسب الاستلحاق إلى نسب صريح، حين تطول إقامة الدخيل بين من دخل بينهم, فينسى أصله، ويأخذ أحفاده نسب من دخل جدهم فيهم, ويشمل ذلك نسب القبائل أيضًا. ونجد في كتب أهل الأخبار أمثلة كثيرة من أمثلة تحول الأنساب، حيث نجدها تنص على دخول نسب فلان في نسب بني فلان، ونسب قبيلة في نسب قبيلة أخرى. ويقال للقوم الذين ينتسبون إلى من ليسوا منهم "الدخل", والدخيل هو الرجل الغريب الذي ينتسب إلى قوم ليس هو بواحد منهم. وذكر أيضًا أن "الدخل" بمعنى الخاصة، وأيضًا الحشوة الذين يدخلون في قوم وليسوا منهم, أي: في المعنى المتقدم٤. وفي كتب أهل الأخبار أمثلة عديدة على تنقل الأنساب وإثبات نسب قوم في قوم ليسوا منهم لغاية ومأرب، وقع ذلك في الجاهلية وفي الإسلام. قال "الكندي": "كان أبو رجب الخولاني وفلان وفلان يتحرشون أهل الحرس
следующие страницы →