← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

حياة هذا الإقليم، إلا أنه عاد فذكر أنه وجد أن لفظة "الجمل" لهذا الحيوان المعروف هي لفظة واردة في جميع اللغات السامية وفي ورود هذه التسمية في جميع هذه اللغات دلالة على أنها من بقايا اللغة "السامية" الأولى. ولكن الجمل حيوان أصله وموطنه الأول الهضبة المركزية التي في آسيا على مَقْرَبة من نهر سيحون ونهر جيحون، ولما كان قد لازم الساميين من فجر تأريخيهم واقترن اسمه باسمهم، وجب أن يكون موطن الساميين الأقدم إذن هو تلك الهضبة، إلا أن أجداد الساميين غادروها في الدهر الأول، وارتحلوا عنها فانحازوا إلى الغرب مُجْتَازِين إيران والأرضين المأهولة بالشعوب "الهند أوروبية" حتى وصلوا إلى إقليم "بابل"، فنزلوا فيه، فصار هذا الإقليم الوطن الأقدم أو الأول للساميين. وطريقة "فون كريمر" في هذه النظرية، دراسة أسماء النبات والحيوان في اللغات السامية وتصنيفها وتبويبها للتمكن بذلك من معرفة المسميات المشتركة والمسميات التي ترد بكثرة في أغلب تلك اللغات. والتوصّل بهذه الطريقة إلى الوقوف على أقدم الحيوان والنبات عند تلك الشعوب، فإذا اهتدينا إليها صار من السّهل على رأيه التوصل إلى معرفة الوطن الأصل الذي جمع في يومٍ ما شمل أجداد الساميين١. أما "كويدي"، وهو من القائلين أيضا أن إقليم بابل هو الموطن الأول للساميين؛ فقد سار على نفس أسلوب "فون كريمر" نفسه وطريقته، ولكن بصورة مستقلة عنه. درس الكلمات المألوفة في جميع اللغات السامية عن العمران والحيوان والنبات ونواحي الحياة الأخرى، وقارن بينها وتتبّع أصولها ثم قال قوله المذكور، إلا أنه اختلف عن "فون كريمر" في الوطن الأول؛ حيث رأى أن مواطن الساميين الأُوَل كانت الأرضين في جنوب بحر قزوين وفي جنوب شرقيه إلا أنهم غادروها بعد ذلك وارتحلوا عنها إلى إقليم بابل٢. وأما "هومل"، وهو من العلماء الألمان الحاذقين في الدراسات اللغوية، فقد

стр. 247

ذهب أولًا إلى أن موطن الساميين هو شمال العراق، ثم عاد فقرر أن إقليم بابل هو الوطن الأصل، وذهب أيضا إلى أن قدماء المصريين هم فرع من فروع الشجرة التي أثمرت الثمرة السامية، وهم الذين نقلوا على رأيه الحضارة إلى مصر نقلوها من البابليين١. وقد ناقش "نولدكه" آراء هؤلاء العلماء المذكورين القائمة على المقابلات والموازنات اللغوية، وعارضها معارضة شديدة، مبيِّنًا أن من الخطأ الاعتماد في وضع نظريات مهمة كهذه على مجرد دراسة كلمات وإجراء موازنات بين ألفاظ لم يثبت ثبوتًا قطعيًا أن جميع الساميين أخذوها من العراق، وأورد جملة أمثلة اختلف فيها الساميون، مع أنها أجدر المعاني بأن يكون لها لفظ مشترك في جميع اللغات السامية٢. ومن أوجه النقد التي وجهت إلى نظرية القائلين إن العراق، أو إقليم بابل منه بصورة خاصة، هو موطن الساميين، هو أن القول بذلك يستدعي تصوّر انتقال الساميين من أرض زراعية خِصْبَة ذات مياه إلى بوادٍ قفرة جردٍ، وإبدال حياة زراعية بحياة خشنة بدوية، ومثل هذا التصور يخالف المنطق والمعقول والنظم الاجتماعية. وأما القائلون إن الموطن الأصلي لجميع الساميين هو جزيرة العرب، فكان من أولهم "شبرنكر". فقد رأى أن أواسط جزيرة العرب، ولا سيّما نجد، هو المكان الذي يجب أن يكون الوطن الأول للساميين، وذلك لأسباب وعوامل شرحها وذكرها. ومن هذا الوطن خرج الساميون في رأيه إلى الهلال الخصيب فطبعوه بالطَّابع السامي، ومن هذا الهلال انتشروا إلى أماكن أخرى٣. وقد أيَّدَ هذه النظرية جماعة من المستشرقين الباحثين في هذا الموضوع من

стр. 248

أمثال "سايس"١و "أبرهرد شرادر"٣، و "دي كويه"٣ و"هوبرت كرمه"٤ و "كارل بروكلمن"٥ و "كينغ"٦و "جول ماير"٧و "كوك"، وآخرين٨. وقد مال إلى تأييدها وترجيحها "دتف نلسن"، وهو من الباحثين في التأريخ العربي قبل الإسلام٩. وكذلك "هوكو ونكلر". و "هومل" الذي يرى أن موطن جميع الساميين الغربيين هو جزيرة العرب١٠. وقد ذهب نفر من القائلين بهذه النظرية إلى أن العروض ولا سيما البحرين والسواحل المقابلة لها، هي الوطن السامي القديم. ويستشهد هذا النفر على صحة نظريته ببعض الروايات والدراسات التي قام بها العلماء فكشفت عن هجرة بعض الأقوام كالفينيقيين وغيرهم من هذه الأماكن. أما "فلبي"؛ فذهب في دراساته المسهبة لأحوال جزيرة العرب إلى أن الأقسام الجنوبية من جزيرة العرب هي الموطن الأصلي للساميين، وفي هذه الأرضين نبتت السامية، ومنها هاجرت بعد اضطرارها إلى ترك مواطنها القديمة لحلول الجفاف بها الذي ظهرت بَوَادره منذ عصر "البالثوليتيك" "palaeolithic" هاجرت في رأيه، في موجات متعاقبة سلكت الطرق البرية والبحرية حتى وصلت إلى المناطق التي استقر فيها. هاجر وقد حملت معها كل ما تملكه من أشياء ثمينة، حملت معها آلهتها، وأولها الإله "القمر"، وحملت معها ثقافتها وخطها

стр. 249

الذي اشتقّت منه سائر الأقلام، ومنه القلم الفينيقي، وطبعت تلك الأرضين الواسعة التي حلت فيها بهذا الطابع السامي الذي ما زال باقيًا حتى اليوم. وقد أخذ "فلبي" رأيه هذا من دراسات العلماء لأحوال جزيرة العرب ومن الحوادث التأريخية التي تشير إلى هجرة القبائل من اليمن نحو الشمال١. فاليمن في رأي "فلبي" وجماعة آخرين من المستشرقين، هي "مهد العرب" ومهد الساميين، منها انطلقت الموجات البشرية إلى سائر الأنحاء. وهي في نظر بعض المستشرقين أيضًا "مصنع العرب"، وذلك لأن بقعتها أمدّت الجزيرة بعدد كبير من القبائل، قبل الإسلام بأَمَدٍ طويل وفي الإسلام٢. ومن اليمن كان "نمرود" وكذلك جميع الساميين٣. والذين يقولون إن نجدًا هي موطن الساميين الأُوَل، يفترضون أن موجات هجرة الساميين اتجهت نحو الشمال كما اتجهت نحو الجنوب والشرق والغرب٤، فكأن نجدًا معين ماء يفيض فيسيل ماءُه إلى أطرافه. غير أن هنالك جماعة من الباحثين ترى أن نجدًا لا يمكن أن تكون الموطن الأول للساميين، وذلك لأن شروط الحياة اللازمة لم تكن تتوفر بها، اللهم إلّا في المواضع التي توجد بها آبار أو واحات، وهي قليلة متناثرة، وذلك حتى في العصور "الباليوثية" "palaeolithic ages". أما المراعي التي كانت بها في تلك الأوقات فلم تكن دائمة الخضرة، بل كانت مع المواسم ولهذا فإن السكن فيها لا يمكن أن يكون سكنًا دائميًّا مستمرًا، ثم إن السكن في نجد يقتضي وجود الجمل فيها ولم يكن الجمل موجودًا عند الساميين في العهود القديمة بل كان الحمار هو واسطة الركوب والنقل عندهم. ولما كان الحمار لا يتحمل العيش في البوادي الواسعة الفسيحة؛ لذلك لم يتمكن الساميون إذا ذاك من التوغّل في

стр. 250

الصحراء والسكن بعيدًا عن مواضع الماء، فانحصر سكنهم في أسياف البوادي أي في مناطق قريبة من الحضر، ولهذا السبب رفض العلماء رأي من يقول إن نجدًا هي الموطن الأول للساميين١. ويمكن تلخيص الحجج والبيانات التي استند إليها هؤلاء العلماء لإثبات نظريتهم في الأمور الآتية: ١- لا يعقل أن ينتقل سكان الجبال والمزارعون من حياة الحضارة والاستقرار إلى البداوة، بل يحدث العكس. ولما كانت الشعوب السامية قد قضت في أطوارها الأولى حياة بدوية، فلا بد أن يكون وطنها الأول وطنًا صحراويًّا، وجزيرة العرب تصلح أن تكون ذلك الوطن أكثر من أي مكان آخر. ٢- ثبت أن معظم المدن والقرى التي تكوّنت في العراق أو الشام إنما كوّنتا عناصر بدوية استقرار في مواضعها، واشتغلت بإصلاح أراضيها وعمرانها، واشتغلت بالتجارة، فنشأت من ذلك تلك المدن والقرى. ولما كانت أكثر هذه العناصر البدوية قد جاءت من جزيرة العرب، فتكون الجزيرة قياسا على ذلك الموطن الذي غذّى العراق وبادية الشام وبلاد الشام بالساميين، وأرسل عليها موجات متوالية منها. ٣- هناك أدلة دينية ولغوية، وتأريخية وجغرافية، تشير بوضوح إلى أن جزيرة العرب هي مهد السامية ووطن الساميين٢. ٤- إننا نرى أن جزيرة العرب قد أمدّت العراق وبلاد الشام بالسكان، وأن القبائل الضاربة في الهلال الخصيب قد جاءت من جزيرة العرب، فليس بمستبعد إذن أن يكون الساميون قد هاجروا منها إلى الهلال الخصيب. وقد عارض هذه النظرية طائفة من علماء الساميات، وحجتهم: أن كل ما قيل وذكر من حجج وبيّنات، لا يدل يقينا على أن جزيرة العرب كانت هي المهد الأصلي للأمم السامية، ونظرت إلى إفريقية على أنها المكان المناسب لأن يكون الوطن الأول للساميين. ومن هذه الطائفة من علماء الساميات "بلكريف"،

стр. 251

وقد يكوّن رأيه من وجود تشابه في الملامح، وفي الخصائص الجنسية، وصلات لغوية بين الأحباش والبربر والعرب دَفَعَتْه إلى القول بأن الوطن الأول للساميين هو إفريقيا١. وذهب إلى هذا الرأي "جيرلند gerland"، مستندًا إلى الدراسات "الفيزيولوجية" مثل تكوين الجماجم، والبحوث اللغوية. وقد زعم أن شمال إفريقية هو الموطن الأصلي للساميين، وادَّعى أن الساميين والحاميين من سلالة واحدة ودوحة تفرعت منها جملة فروع، منها هذا الفرع السامي الذي اختار الشرق الأدنى موطنًا له٢. وهناك نفر من العلماء أيّدوا هذه النظرية ودافعوا عنها أو استحسنوها، مثل "برتن٣ bertin" و "نولدكه"٤ و "موريس جسترو"٥ و "كين" و "ربلي" وغيرهم٦. ولكنهم اختلفوا أيضًا في تعيين المكان الذي نبت فيه الساميون أول مرة في القارة الإفريقية، واختلفوا كذلك في الطريق الذي أوصل الساميين إلى جزيرة العرب٧، فاختار "برنتن" brinton شمال غربي إفريقيا، ولا سيما منطقة جبال "الأطلس" فجعلها الموطن الأصلي للساميين٨. واختار نفر آخر إفريقية الشرقية موطنًا أول للساميين، للعلاقات "الأنثولوجية" الظاهرة التي تلاحظ على سكان هذه المنطقة والساميي٩. وزعم أن الساميين سلكوا في عبورهم إلى آسية أحد طريقين: إما طريق سيناء حيث هبطوا في العربية

стр. 252

الحجرية وأناخوا فيها مدة ثم انتشروا منها١، وإما طريق المندب حيث دخلوا العربية السعيدة من مواضع مختلفة من الحبشة ومن أرض "فنط٢ punt". وهي الصومال الحديثة٣. وقد أكسبتهم إقامتهم في بلاد العرب خصائص جديدة، ووسمتهم بسمات اقْتَضَتْهَا طبيعة الوطن الثاني، ولكنها لم تتمكن من القضاء على الخصائص الأولى التي تشير إلى الوطن الأول قضاءً تامًا، ولا على الصلة بين اللغات الحامية والسامية التي تشير إلى الأصل المشترك كذلك٤. وهذه النظرية، بالرغم من دفاع بعض كبار علماء اللغات والأجناس عنها لا تخلو من ضعف، ومن مواطن ضعفها أنها غَضّتْ الطرف عن الاعتبارات التأريخية، واستسلمت لدراسات لم تنضج بعد، فمن الممكن مثلا إرجاع ما لاحظه علماء اللغات السامية واللغة المصرية القديمة إلى عوامل الهجرات السامية من جزيرة العرب وعن طريق سيناء إلى إفريقيا، مثل هجرة "الهكسوس" وهم من أصل سامي جاءوا مصر من بلاد العرب. وقد ثبت أيضا من تحقيقات العلماء أن كثيرًا من الأسماء المصرية القديمة التي كانت تطلق على الأقسام الشرقية من الديار المصرية هي أسماء سامية. وإذا سوّغ علماء النظرية الإفريقيا لأنفسهم الاستدلال على إفريقيا الساميين من وجود القرابة اللغوية بين اللغة المصرية واللغات السامية مثلا، فإن من الممكن إرجاع هذه القرابة إلى أثر الهجرات السامية في اللغة المصرية

стр. 253

وأما تقارب الحبشية من اللهجات العربية الجنوبية وكتابة الأحباش حتى اليوم بقلم شبيه بالمسند، فلا يكون دليلًا قاطعًا على هجرة الساميين من إفريقية عن طريق الحبشة إلى جزيرة العرب؛ إذ يجوز العكس، وقديمًا هاجر الساميون من العربية الجنوبية إلى الحبشة. والساميون هم الذين كوّنوا دولة "أكسوم" التي كانت تتكلم باللغة "الجعزية"، وهي لغة سامية، كما أن قلمها الذي يشبه قلم المسند هو وليد القلم العربي الجنوبي. وكتابات "يها" "يحا" المكتوبة بالمسند، في حد ذاتها دليل على أثر العرب الجنوبيين في الإفريقيين "الكوشيين"، وهذه الكتابات حديثة عهد بالنسبة إلى كتابات السبئيين١، كما يمكن اعتبار تشابه أسماء بعض الأماكن القديمة في الحبشة مع نظائر لها في اليمن ووجود معبد في الحبشة خُصّ بالإله "المقّة" إله سبأ العظيم٢، وأمور أخرى دينية ولغوية وأثرية، واعتراف الأحباش بأنهم من نسل مكلة سبأ "بلقيس" "ماقدة"٣، من "سليمان الحكيم"، وأن "حبشت" التي أخذ الأحباش منها اسمهم في اللغة العربية هي مقاطعة تقع في العربية الجنوبية في رأي أكثر العلماء٤، وأن "الأجاعز" أصحاب اللغة الجعزية هم أقدم مَنْ هاجر من اليمن إلى الحبشة، ووجود صلات قديمة بين الساحلين الإفريقي والعربي، إذا نظرنا إلى كل هذه الأمور نظرة علمية دقيقة، نجد أنها تجعل أمام القائلين إن أصل الساميين من إفريقية صعوبات ليس من السهل التغلب عليه، ولا سيما إذا أضفنا إليها الأثر الذي تركته اليهودية والنصرانية في الأحباش وفي الشعوب الكوشية الأخرى، فقرب ثقافتها من الثقافة السامية وأثر في لغتها، وهو أثر يجب أن يقام له وزن عند بحث هذا الموضوع. ثم إن كثيرًا من علماء "الأنثروبولوجي" يرون أن إفريقية تأثرت بالدماء الآسيوية. أما تأثيرها في دماء أهل الشرق الأدنى وفي دماء سكان جزيرة العرب،

стр. 254

فقد كان قليلًا لقد دخلت إليها دماء شعوب الشرق الأدنى من البحر المتوسط ومن طور سيناء ومن مضيق باب المندب. ويظهر أثر هذا الاختلاط واضحًا في إفريقية الشرقية وإفريقية الشمالية، وما زال هذا التأثر واضحًا حتى اليوم١. ولهذا فإن من الصّعب تصوّر هجرة الساميين من إفريقية إلى جزيرة العرب وبلاد الشام والعراق على وَفْق نظرية هؤلاء العلماء. ومن القائلين إن المهد الأصلي للساميين هو أرض إرمينية "جون بيترس"، وحجته في ذلك أن هذا المحل هو أنسب مكان يتفق مع رواية التوراة في الطوفان، وهو المحل الأصلي للأمم السامية والآرية٢. ثم إن الأنف الحَثِيّ يشبه كل الشبه الأنف العبراني، وفي هذه التسمية دلالة على المكان، وقد نسي أن العرب وهم من الساميين لم يُرزقوا هذا الأنف٣. وقد ذهب "أنكناد" "ungnad" إلى أن أصل الساميين من أوروبة، وقد تركوها وهاجروا منها إلى آسية الصغرى، ثم هاجروا منها إلى أرض "أمورو" "amurru"، وذهب قسم منهم في الألف الرابعة قبل الميلاد إلى بابل وبقية أنحاء العراق٤. وذهب "كلي" إلى أن الوطن الأصلي للساميين هو أرض "أمورو" "amurru" "الأموريين" وتشمل هذه الأرض، في رأيه، بلاد الشام ومنطقة الفرات٥. من هذه المنطقة هاجر الساميون، وهو قد توصل إلى نظريته هذه من الدراسات اللغوية٦، ولكنها لا تستند في الواقع إلى أدلة قوية. والأموريون من الشعوب السامية القديمة التي سكنت في فلسطين والشام وإقليم بابل٧.

стр. 255

وذهب آخرون إلى أن الوطن الأول الأصل للساميين هو أرض "قفقاسية"؛ إذ كان البشر من ثلاثة أجناس أساسية، هي: الجنس القفقاسي "caucassides" والجنس المنغولي "mongoloids" "الآسيويين"، والجنس الزنجي negroids. وقد قصدوا بالجنس القفقاسي أصحاب البشرتين البيضاء والسمراء، أي الآربيين والساميين. فوطن هذين الجنسين الأول هو "قفقاسية" على هذا الرأى. منه انتقل الساميون إلى أوطانهم الجديدة، بهجرتهم إلى الجنوب واستقرارهم فيما يقال له "الهلال الخصيب"، ثم فيما وراءه إلى السواحل الجنوبية لجزيرة العرب، ومنه انتقل الآريون إلى الجنوب الشرقي لقفقاسية وإلى الغرب والشمال، أي إلى آسية وأوروبة ثم إلى أماكن أخرى فيما بعد١. وهجرات على هذا النحو، لا بد أن تكون لها أسباب ومسبّبات؛ إذ لا يعقل ترك إنسان لوطنه من غير سبب. وقد بحث القائلون بهذا الرأي عن الأسباب التي أدت إلى وقوع تلك الهجرات، فوضعوا لهم جملة فرضيات. ظهر الساميون على مسرح الوجود في الألف الثالثة قبل الميلاد، واستقروا في هذه الأرضين التي اصطبغت بالصبغة السامية، وهي الهلال الخصيب وشبه جزيرة سيناء وجزيرة العرب، حيث تعدّ اليوم المواطن الرئيسية للساميين٢. وقد توسط بعض الباحثين بين الآراء المتباينة، عن الوطن الأول للجنس السامي، فذهب إلى أن الهلال الخصيب وأطراف جزيرة العرب هي الموطن الأول للساميين والميدان الذي وجدوا فيه منذ أقدم أيامهم، وقد كان هذا الميدان موضع صراع بين البداوة والحضارة، فقد كان البدو يهاجمون الحضر سكان القرى والمدن، والبدو هم من الساميين، وكثير من الحضر كانوا من الساميين أيضًا، ومن هذا التنازع على الحياة تكوّن تاريخ الساميين في هذه المنطقة الواسعة من الهلال الخصيب التي تُحِدُّها من الشرق والشمال والغرب الجبال والتي تمتد فتشمل كل جزيرة العرب٣.

стр. 256

الهجرات السامية: تقول كل النظريات التي رأيناها عن أصل الوطن السامي، بهجرات الساميين من ذلك الوطن الأم إلى أوطان أخرى في أزمان مختلفة متباينة، وذلك لأسباب عديدة منها: ضيق أرض الوطن من تحمل عدد كبير من الناس، وتزاحم الناس على الرزق، مما دعاهم إلى التحاسد والتباغض والتفتيش عن وطن جديد، وظهور تغيّرات في طبيعة ذلك الإقليم، إلى عوامل أخرى. وقد تصوّر القائلون أن جزيرة العرب هي مهد الجنس السامي، بلاد العرب كخزَّان هائل يفيض في حِقَب متعاقبة، تبلغ الحُقبة منها زهاء ألف عام، بما يزيد على طاقته من البشر إلى الخارج، يقذف بهم موجات أطلقوا عليها "الموجات السامية"١. وفي علّل القائلون بنظرية أن جزيرة العرب هي مهد الجنس السامي، سبب هذه الهجرات بعدم استطاعة جزيرة العرب قبول عدد كبير من السكان يزيد على طاقتها، فلا يبقى أمامهم غير سلوك طريق الهجرات إلى الأماكن الخِصْبَة في الشمال. وقد كانت الطرق الساحلية من أهم المسالك التي أوصلت المهاجرين إلى أهدافهم. وفي جملة أسباب ضيق جزيرة العرب عن استيعاب العدد الكبير من السكان تغيّر مستمر طرأ عليها، أدى إلى انحباس الأمطار عنها وشيوع الجفاف فيها مما أثّر على قشرتها وعلى أحيائها، فهلك من هلك وهاجر من هاجر من جزيرة العرب، وقد استمر هذا التغير آلافا من السنين حتى حوّل بلاد العرب أرضين غلبت عليها الطبيعة الصحراوية، وقلّت فيها الرطوبة، وغلب على أكثر بقاعها الجفاف٢. وقد رأى بعض العلماء أن جزيرة العرب كانت في عصر "البلايستوسين" "pleistocene" خصبة جدًّا كثيرة المياه، تتساقط عليها الأمطار بغزارة في جميع فصول السنة، وذات غابات كبيرة وأشجار ضخمة، كالأشجار التي نجدها في الزمان

стр. 257

الحاضر في الهند وإفريقية، وأن جوّها كان خيرًا من جوّ أوروبة في العصور الجليدية التي كانت تغطي الثلوج معظم تلك القارة، ثم أخذ الجوّ يتغير في العالم، فذابت الثلوج بالتدريج، وتغير جوّ بلاد العرب بالطبع، حدث هذا التغير في عصر ال"نيوليتك neolithic" أو في عصر ال "كالكوليتك" "chalcolithic"، ولم يكن هذا التغير في مصلحة جزيرة العرب، لأنه صار يقلّل من الرطوبة ويزيد من الجفاف، ويحوّل رطوبة التربة إلى يبوسة فيُمِيت الزرع بالتدريج، ويهيج سطح القشرة فيحوّلها ورمالا وترابا ثم صحاري لا تصلح للإنبات ولا لحياة الأحياء١. فاضطر سكان الجزيرة الذين كانوا من الصيادين إلى أن يكيفوا أنفسهم بحسب الوضع الجديد، فأخذ ناس منهم يهاجرون إلى مناطق أخرى ملائمة توائم حياتهم ومزاجهم، وأخذ ناس آخرون يعتمدون على الزرع وتدجين الحيوانات، وعلى الاكتفاء بصيد ما يرونه من حيوانات تحملت الجو الجديد متنقّلين من مكان إلى مكان حيث الكلأ والماء. وهكذا تعرض حياة الأجسام الحية من نبات وحيوان لتغيرات تدريجية مستمرة، فرضها عليها تغير الجو. وقد أدى انحباس المطر وازدياد الجفاف ويبوسة الجو إلى انخفاض الرطوبة من سطح الأرض، وهبوط مستوى الماء بالتدريج عن قشرة الأرض، وظهور الأملاح في الآبار، وجفاف بعض الآبار، فأدى ذلك إلى ترك الناس هذه الأماكن، إذ صعب عليهم استغلالها بالزراعة، وإصلاحها بحفر آبار لا تساعد مياهها الملحة على نمو النبات، ومعيشة الحيوان. حدث ذلك حتى في العصور الإسلامية حيث نسمع شكاوى مريرة من هذه العوارض الطبيعية٢.

стр. 258

وقد تحدث "فلبي" عن هبوط مستوى مياه بعض الآبار التي زارها عام ١٩١٧م في الخرج١، كما تحدث غيره من السياح عن حوادث مشابهة حدثت في تهامة والحجاز وأماكن أخرى٢. ويعزو علماء طبقات الأرض انخفاض مستوى سطح الماء في جزيرة العرب إلى عوامل أخرى، إضافة إلى الجفاف مثل هبوط درجات الضغط على قشرة الأرض. وقد رأى الخبير الأمريكي "تويجل" "twitchell"، أن الماء قد انخفض زهاء سبع وعشرين قدمًا عن مستواه الذي كان عليه قبل ألفي عام٣. ومن العلماء من يرى أن مستوى سطح الماء في البحر الأحمر وفي الخليج العربي قد انخفض كذلك، فذهب بعض علماء دراسة التوراة إلى أن مستوى سطح الماء في خليج السويس قد انخفض "٢٥" قدمًا عما كان عليه في "أيام الخروج٤- exodus". وذهبت جماعة منهم إلى أن هذا الهبوط لم يكن كبيرًا، وإنما بلغ زهاء ست أقدام أو أقل من ذلك في خلال ثلاثة آلاف سنة٥. أما مستوى سطح الخليج العربي، فقد هبط على رأي بعضهم زهاء عشر أقدام أو خمس أقدام خلال ألفي عام، وإن ماء البحر قد تراجع في هذه المدة، ويستدلون على ذلك بوجود السباخ في الأحساء والقطيف، وهي، في رأيهم، من بقايا تأثر البحر في الأرض وربما ذهب إليه بعضهم من أن الربع الخالي، وقد عثر فيه على بقايا بحر واسع في السهل المنخفض الذي يقال له أبو بحر، كان متصلًا بالبحر العربي٦. ومهما يكن من شيء، فإن هبوط مستوى سطح الماء مهما كان مقداره قد أثر في سطح الأرض. وقد وجد السياح محارًا من النوع الذي يكون في المياه العذبة، وأدوات من الصوان ترجع إلى ما قبل التأريخ والعصور الحجرية، وبقايا عظام ترجع إلى هذه العصور في مناطق صحراوية، ويدل وجودها فيها على أنها كانت مأهولة، وأنها لم تهمل إلا لعوارض طبيعية قاهرة لم يكن من الممكن التغلب عليها، حولت

стр. 259

تلك المناطق الخصبة في ألوف من السنين على مناطق لا تتوفر فيها شروط الحياة، فهُجِرت١. كما أننا نجد في الكتب العربية ذكر أشجار ضخمة كانت تنمو في مناطق لا تُنْبِت شيئًا ما في الزمان الحاضر، وذكر مناطق كان تحمي، يقال لها "الحمى" وقد جفّ معظمها، وعاد أرضين قفرة جرداء، فهلاك هذه النباتات وجفاف هذه الأرضين، لا يمكن أن يعزى إلى سوء الأوضاع السياسية وهجرة القبائل والمزارعين إلى أماكن أخرى لفساد الإدارة في الأماكن البعيدة حسب، بل لا بد أن يكون للطبيعة يد في هذا التحوّل ونصيب. إن هذا التغيّر الذي حدث في جوّ جزيرة العرب، فساعد على ازدياد الجفاف وانحباس الأمطار، قد أباد النباتات، وقاوم نموّ المزروعات، وعفى على الأشجار الضخمة التي كانت تعيش من امتصاص جذورها العميقة للرطوبة من أعماق الأرض، كما أثّر في حياة الحيوان كالأسد الذي قلّ وجوده، وقد كان كثير الوجود، ويدل على كثرة وجوده هذه الأسماء الكثيرة التي وضعت له وحفظت في كتب اللغة٢. وحمار الوحش وقد كان من الحيوانات التي يخرج الناس لصيدها في الحجاز وفي نجد، والنعامة٣. والرّئْم أو بقر الوحش، والفهد، والنَّسر٤. ومن العلماء الذين نسبوا هجرة السامين من جزيرة العرب إلى خارجها، إلى عامل الجفاف والتغيّر الذي وقع في جوّ جزيرة العرب، العالم الإيطالي "كيتاني" "l.caetani". لقد تصوّر "كيتاني" بلاد العرب في الدورة الجليدية جنة، بقيت محافظة على بهجتها ونضارتها مدة طويلة وكانت سببًا في رسم تلك الصورة البديعة في مَخِيلَة كتّاب التوراة عن "جنة عدن". وجنة عدن المذكورة في العهد القديم هي هذه الجنة التي كانت في نظر "كيتاني" في جزيرة العرب،

стр. 260

غير أن الطبيعة قست عليها، فأبدلتها صحاري ورمالًا، حتى اضطر أصحابها إلى الارتحال عنها إلى أماكن تتوافر فيها ضروريّات الحياة على الأقل فكانت الهجرات إلى العراق وبلاد الشام ومصر والمواطن السامية الأخرى. وكانت هذه الهجرات كما يقول قويّة وعنيفة بين سنة ٢٥٠٠ وسنة ١٥٠٠ قبل الميلاد، فدخل الهكسوس أرض مصر، وهاجر العبرانيون إلى فلسطين، ثم ولي ذلك عدد من الهجرات١. ويرى "كيتاني" أن هذا التغير الذي طرأ على جوّ جزيرة العرب؛ إنما ظهر قبل ميلاد المسيح بنحو عشرة آلاف سنة، غير أن أثره لم يبرز ولم يؤثر تأثيرا محسوسا ملموسا إلا قبل ميلاد المسيح بنحو خمسة آلاف سنة. وعندئذ صار سكّان بلاد العرب، وهم الساميون، ينزحون عنها أمواجًا، للبحث عن مواطن أخرى يتوفر فيها الخصب والخير، وحياة أفضل من هذه الحياة التي أخذت تضيق منذ هذا الزمن٢. وقد تصوّر "كيتاني" أودية جزيرة العرب، مثل وادي الحمض ووادي السرحان ووادي الرمة ووادي الدواسر، أنهارًا كانت ذات مياه غزيرة تنساب إليها من المرتفعات والجبال في الدهور الغابرة، أثّرت فيها التغيرات الطبيعية المذكورة، فقلّلت من مياهها حتى جفت، فصارت أودية، لا تجري فيها المياه إلا أحيانًا، إذ تسيل فيها السيول بعد هطول الأمطار٣. وقد ذهب إلى هذا الرأي المستشرق الألماني "فرتز هومل" أيضا، فرأى أن الأنهر المذكورة في التوراة على أنها أنهر جنة "عدن"، هي أنهر تقع في بلاد العرب، وأن الأنهر المشار إليها، هي وادي الدواسر، ووادي الرمة، ووادي السِّرحان، ووادي حَوْران٤. وأما "كلاسر"، فذهب إلى أن نهري

стр. 261

"جيحون"و "فيشون"، وهما من أنهر "جنة عدن" الأربعة في رواية التوراة١، هما في جزيرة العرب٢. ويعتقد "كيتاني" أن الفيلة والحيوانات الضخمة التي يندر وجودها اليوم في بلاد العرب، كان موجودة فيها بكثرة، ولا سيما في أرض "مدين". وكان الصيّادون يخرجون لاصطيادها لأكل لحومها٣. وقد جاء بأمثلة لتأييد رأيه من كتب "الكلاسيكيين"٤. وقد قسم "كيتاني" جزيرة العرب إلى قسمين: غربي وشرقي. أما القسم الغربي، فهو الذي على ساحل البحر الأحمر الشرقي، وفيه سلاسل جبلية ومرتفعات. وأما القسم الشرقي، فالأرضون التي تأخذ في الانحدار والميل. وهي عند السفوح الشرقية للجبال، وتمتد نحو الخليج. وقد كان سكان المناطق الغربية –في رأيه- في مستوى راقٍ من المدنية، وكان لهم سلطان كبير على المناطق الشرقية، وعلى سكانها الذين كان يغلب عليهم الفقر. وقد كان فعل الجفاف أشد وأسرع في الأرضين الشرقية منه في الأقسام الغربية، لذلك بدأت الهجرات من هذه المناطق قبل المناطق الغربية، وظهرت فيها البداوة بصورة أوضح من ظهورها في الأرضين التي على ساحل البحر الأحمر والمتصلة باليمن وبلاد الشام. ولما توسعت منطقة الجفاف وأخذت الرطوبة تقل في جو بلاد العرب الغربي، ظهرت أعراض الصحراوية في تلك الأرضين كذلك، واضطر السكان إلى الهجرة منها إلى مناطق أخرى٥. وقد لاقت نظرية "كيتاني" هذه رواجًا بين عدد كبير من المستشرقين، واعتدها "السير توماس أرنولد" من أهم النظريات التي اكتشفها المؤرخون الحديثون بالنسبة إلى التأريخ العربي٦. غير أن المستشرق "الويس موسل"، يرى أنها لا تستند إلى أسس تأريخية، ولا إلى أدلة علمية، وأن القائلين بها قد بالغوا

стр. 262

فيها مبالغة كبيرة، ويرى أنه ما دامت البحوث "الجيولوجية" التي قام بها العلماء في مراحلها الأولى، وقد جرت في مناطق محدودة فلم تفخص أكثر مناطق جزيرة العرب فحصًا علميًّا فنيًا، حتى الآن، فلا يصح الاعتماد على فرضيات، تبنى عليها آراء ثابتة. ولهذا فهو يرى أن الأدلة "الجيولوجية" التي استشهد بها "كيتاني" ضعيفة وغير كافية، فهي لا تستحق مناقشة، واكتفى بمناقشة الأدلة التأريخية١. يرجع "موسل" سبب الهجرات، وتحوّل الأرضين الخصبة صحاري، وإلى عاملين هما: ضعف الحكومات، وتحوّل الطرق التجارية٢. فضعف الحكومات ينشأ عنه تزعم سادات القبائل والرؤساء، وانشقاقهم على الحكومات المركزية، ونشوب الفتن والاضطرابات واشتعال نيران الحروب، وانصراف الحكومة والشعب عن الأعمال العمرانية، وتلف المزارع والمدن، وتوقف الأعمال التجارية وحصول الكساد، وانتشار الأمراض والمجاعة، والهجرة إلى مواطن أخرى يأمن فيها الإنسان على نفسه وأهله وماله. فخراب سدّ "مأرب" مثلًا لا يعود إلى فعل الجفاف الذي أثّر على السدّ كما تصوّر ذلك "كيتاني"٣، بل يعود إلى عامل آخر لا صلة له بالجفاف، هو ضعف الحكومة في اليمن، وتزعم "الأقيال" و "الأذواء" فيها، وتدخل الحكومات الأخرى في شئون العربية الجنوبية كالحبشة والفرس؛ مما أدى إلى اضطراب الأمن في اليمن، وظهور ثورات داخلية وحروب، كالذي يظهر من الكتابات التي تعود إلى النصف الثاني من القرن السادس للميلاد٤، فألهى ذلك الحكومة عن القيام بإصلاح السد، فتصدعت جوانبه، فحدث الانفجار، فخسرت منطقة واسعة من أرض اليمن مورد عيشها الأول، وهو الماء، ويبست المزارع التي كانت ترتوي منه، واضطرت القبائل وأهل القرى والمدن الواقعة فيها إلى الهجرة إلى مواطن جديدة. وتصدّع السدّ بسبب ضغط الماء على جوانبه، هو في حد ذاته دليل على فساد نظرية الجفاف٥.

стр. 263

ويرى "موسل" أن التقدم الذي حدث في البلاد العربية بعد القرن التاسع عشر دليل آخر على فساد نظرية "كيتاني"، فقد ظهرت مدن حديثة، وعُمّرت قُرَى، وشُقَّت ترعٌ، وحُفِرَت آبار، وعاش الإنسان والحيوان والنبات في مناطق من العراق وسورية ولبنان وفلسطين والأردن كانت تعدّ من الأرضين الصحراوية١، فليس الجفاف هو المانع من عمارة هذه المناطق، والسبب في تكوّن هذه الصحاري، بل السبب شيء آخر، هو ضعف الحكومات وانصرافها عن العمارة وعن المحافظة على الثروة الطبيعية وضبط الأمن، ووقوفها موقف المُتفرّج تجاه قطع الناس للأشجار واستئصالها لاستخراج الفحم منها، أو لاستعمالها خشبها في أغراض أخرى، وقتال القبائل بعضها ببعض، هذا وإن من الممكن إعادة قسم من الأرضين الجرد إلى ما كانت عليه، إذا ما تهيأت لها حكومة قوية رشيدة تنصرف إلى حفر الآبار، وإقامة السدود، وغرس الجبال، وإنشاء الغابات، والاستفادة من مياه العيون٢. ويرى "موسل" أيضًا أن ما ذكره "كيتاني" عن الأنهار في جزيرة العرب مسألة لا يمكن البت فيه الآن لقلّة الدراسات العلمية٣. كما أن ما ذكره عن انعدام أجناس من الحيوانات، ليس مردّه إلى الجفاف وعدم احتمال تلك الحيوانات الجوّ الجديد، فهلكت، أو هاجرت إلى مواطن جديدة، بل مَرَدُّه في نظره إلى اعتداء الإنسان عليها، وقتله إياها. ودليله على ذلك أن الحيوانات التي ورد ذكرها في كتب "الكلاسيكيين" لا تزال تعيش في المناطق التي عيّنها أولئك الكتّاب، ولكنها بقلّة. كذلك نجد الهمداني وغيره ينكر وجود الأسد وحيوانات أخرى في مواضع قلَّ فيها وجودها الآن، وهذا مما يشير إلى أن هذه الحيوانات لم تنقرض أو تقل بفعل تبدّل الجو، بل بفعل اعتداء البشر عليها، وأن اعتداء البشر على الحيوان شرٌّ من اعتداء الطبيعة عليه٤. ولا يوافق "موسل" على نظرية "كيتاني" في هجرة القبائل العربية من الجنوب إلى الشمال، أو من الشرق إلى الشمال. وقد رأى "كيتاني" كما سبق

стр. 264

أن ذكرنا تقسيم جزيرة العرب إلى قسمين: قسم غربي وهو الممتد من فلسطين إلى اليمن، وينتهي بالبحر العربي، وتكون حدوده الشرقية"السّراة" والغربية البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وقسم شرقي، وهو ما وقع شرقي "السّراة" إلى الخليج والبحر العربي١. وقد ظهر الجفاف في رأي "كيتاني" في القسم الشرقي قبل الغربي، ولهذا صار سكانه يهاجرون منه بالتدريج إلى مواطن جديدة صالحة للاستيطان مثل العراق والشام، كما صار سببًا لظهور الصحاري الشاسعة في هذا القسم بصورة لا نعهدها في القسم الغربي٢. ويرى "موسل" أن هذا تقسيم لا يستند إلى أسس طبيعية وجغرافية، ولا إلى آراء "الكلاسيكيين"، أو علماء الجغرافية العرب، أو غيرهم، وأنه مجرد رأي لا يمكن أن يكون حجة لإثبات مثل هذا الرأي٣. ولموسل رأي في الهجرات، يرى أن ما قاله "كيتاني" وغيره عن الهجرات من جزيرة العرب، من اليمن أو من نجد إلى الشمال، قول لا يستند إلى دليل تأريخي قوي. فليست لدينا حتى الآن براهين كافية تثبت -على حد قول موسل- أن أصل "الهكسوس" أو "العبرانيين" مثلا من جزيرة العرب٤. كما أن ما ادّعاه "كيتاني" عن استمرار الهجرات من الألف الثالث أو قيل ذلك قبل الميلاد إلى القرن السابع بعد الميلاد قول لا ينطبق مع المنطق. فَلِمَ ظلّت هذه الهجرات مستمرة إلى أن توقفت بعد القرن السابع للميلاد؟ أزادت الرطوبة وتحسن الجو؟ أم أن القبائل الكبيرة كانت قد تجزَّأت إلى قبائل صغيرة، وعشائر وأفخاذ، فأصبح في إمكانها العيش بعض الشيء في محالّ صغيرة، لا تحتاج إلى مراعي شاسعة، ولا إلى مياه غزيرة؟ فلم تدفعها الحاجة منذ هذا العهد إلى الهجرة في شكل موجات كبيرة. وهل كان الجفاف هو المانع من مهاجمة حدود الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية اللتين كانتا قد سدّتا أبواب جزيرة العرب على أهلها، فلم تسمحا للقبائل بتخطِّي هذه الحدود؟ ويرى أن

стр. 265

ما ادّعاه "كيتاني" من أن الجفاف والجوع حملَا قبائل اليمن على الهجرة إلى الهلال الخصيب؛ حيث نزلت في أرضين كانت خالية مهجورة على أطراف الفرات والشام، فألفت حكومتي "المناذرة" و "الغساسنة"، قول لا يؤيّده ما جاء في الكتب "الكلاسيكية" وفي المصادر "السريانية" من أن تلك الأرضين كانت عامرة، آهِلَة بالسكان، تمرّ بها الطرق التجارية العالمية. ويرى "موسل" أن الحكومتين "اللخمية" و "الغسانية" إنما ظهرتها بعد سقوط "تدمر" وقد أسس الدولتين "مشايح" من أهل الهلال الخصيب، ولم يكونوا مهاجرين وَرَدُوا من الجنوب، أو من العروض على نحو ما تَزَعّمه بعض الرويات١. ويأخذ "موسل" على "كيتاني" تصديقه الرواية العربية عن هجرة القبائل ونظريتها في الأنساب، واعتدادها من جملة الأدلة التي تثبت نظرية الجفاف. ويرى أنها -مع التسليم بحصتها- تنطبق على الوضع الذي كان في القرن السابع للميلاد وفي الجاهلية القريبة من الإسلام، وأنها رواية تستند إلى خير مسوغ لا يصحّ إن يكون سندًا في إثبات الهجرات لما قبل الميلاد٢. ويمكن تفسير انتساب القبائل -على حد قول موسل- بصورة أخرى، هو أن العرب الجنوبيين كانوا قد هيمنوا في الجاهلية وقبل الإسلام بقرون على الطريق التجارية التي تصل الشام باليمن وعلى الطرق التجارية الأخرى، وكانت لهم حاميات فيها لحماية القوافل من غارات الأعراب، فلما ضعف أمر حكومات اليمن، استقلت هذه الحاميات، وكان كثيرًا من أفرادها قد تزاوجوا مع من كان يجاورهم من القبائل، واتّصلوا بهم. ولما كان لليمن مقام عظيم وشرفٌ بين القبائل، انتسب هؤلاء إلى اليمن، وصاروا يعدّون أنفسهم مهاجرين، يتصل نسبهم بنسب اليمن. ومن هنا نشأت، في رأي "موسل" أسطورة الأنساب! ثم جاء علماء الأنساب في "المدينة" و "الكوفة" فسجّلوها على أنها حقيقة واقعة، ومنهم انتقلت إلى كتب التأريخ، فتوسّعت وتضخمت في الإسلام٣. ويدّعي "موسل" أنه لو كانت هنالك هجرات حقًّا، لرأينا أثرها في لغة

стр. 266

القبائل النازحة إلى الشمال وفي عقيدتها الدينية وفي ثقافتها وفي أساطيرها وفي قصصها الشعبي، ولوجدنا في أقل الأحوال إشارةً في الكتابات العربية الجنوبية التي تعود إلى ما قبل الإسلام. ولكننا لا نجد شيئًا من ذلك، وهذا ما يفنّد رأي القائلين بالهجرات، وبأن أصل كثير من القبائل التي كانت تقيم في شمال جزيرة العرب، ومن هؤلاء الغساسنة والمناذرة، هم من اليمن١. ويعترض "موسل" أيضًا على دعوى "كيتاني"، وغيرها من المستشرقين؛ ممن زعموا أن الفتح الإسلامي هو آخر هجرة سامية قذفت بها جزيرة العرب إلى الخارج، وأنها كانت بسبب الجفاف والجوع، ويرى أن ما جاء في هذه الدعوى لا يتفق مع الحقيقة، وأن ما ذكره "كيتاني" عن عدد نفوس الحجاز مبالغ فيه، وأن الجيوش التي اشتركت في فتح العراق والشام وفلسطين لم تكن حجازية أو نجدية حسب، بل كانت فيها قبائل عراقية وشامية نصرانية، ساعدت أبناء جنسها العرب مع اختلافها مع المسلمين في الدين، وحاربت الروم والفرس، ولذلك فليست الفتوحات الإسلامية هجرة من جزيرة العرب إلى الخارج على نحو ما تصوّره "كيتاني" بدافع الفقر والجوع٢. والرأي عندي أن ما يسمّى بموضوع تغيّر الجوّ في جزيرة العرب وبالهجرات السامية والاستشهاد بآثار السكنى عند حافات الأودية وفي أماكن مهجورة نائية؛ لاتخاذ ذلك دليلًا على الوطن السامي وعلى هجرة الساميين، هو موضوع لم ينضج بعدُ، وهو لا يزال بعدُ يحتاج إلى دراسات علمية وإلى نتائج أبحاث علماء "الجيولوجيا" والعلوم الأخرى، ليقولوا كملتهم في هذا الموضوع. فعلى بحث هؤلاء يتوقّف الحكم في موضوع تطوّر الجوّ وتغيّر الإقليم. أما الحدس والتخمين، وأما الاعتماد على حوادث وعلى بحوث لغوية ومقابلات ومطابقات في أمور دينية وثقافية أخرى، فإنها لا تكفي في نظري للبتّ في قضايا يجب أن يكون فيها الحكم والكلمة للعلوم لا للحدس والتصور والتخمين. هذا هو رأيي الآن في هذا الموضوع، وفي كل الآراء الواردة عن مواطن الساميين. فقد رأينا أن بعض تلك الآراء إنما قيلت لاعتقاد أصحابها بما ورد في التوراة،

стр. 267

فجاءت بكل ما عندها من حجج وأدلة لإثبات رأيها هذا، ورأينا أن في بعض الأدلة متناقضات واستشهادات ضعيفة، ورأينا أن الاستشهاد باشتراك اللغات في الألفاظ لا يمكن أن يكون دليلًا قاطعًا على الأصل المشترك، ثم إننا لا نملك سجلًّا تاريخيًّا للنَّبات والحيوان ولظهور الألفاظ حتى نستشهد به في إثبات نظرية من النظريات، وكل ما لدينا من هذا النوع إنما هو مجرد رأي وحدس، والرأي لا يكون رأيًا علميًّا إلى بحجة قاطعة وبدليل علميٍّ دامغ وبحوث مختبرية وآثار تثبت ذلك للعِيَان، فمن حقي إذن أن ألتزم التريّث والانتظار وأستعجل العلماء المتخصصين في دراسة طبقات الأرض، لنرى نتائج بحوثهم لنستنير بها في إعطاء أحكام في هذه الآراء. أما بعض الأمثلة التي استُشهد بها لإثبات تغير جو جزيرة العرب، فهي أمثلة لا يمكن أن تكون دليلًا للتغيّر، وإنما ترجع إلى عوامل أخرى مثل تغير طريق القوافل، وتغير اتجاهات السفن البحرية، وإلى الفتن والحروب وغارات القبائل المتوالية التي هي من شر الأوبئة التي فتكت بالمجتمع العربي، فسبّبت هرب الحضر من أماكن إقامتهم إلا أماكن أخرى، لعدم وجود قوّات نظامية وحكومة ترد اعتداءات الأعراب عليهم، ثم الحروب الأهلية التي وقعت في اليمن بين الحبش وأهل اليمن وأمثال ذلك مما وقع بين الفرس والعرب. أما في الإسلام، فقد كان للفتوحات دخل كبير في هجرة القبائل لنشر الإسلام وللاستمتاع بخيرات بقاع جديدة في العراق وفي بلاد الشام وفي أمكنة أخرى لا يوجد لها مثيل في جزيرة العرب، فتخربت لذلك بعض القرى والسدود القديمة التي كانت في الإسلام، وهي اليوم خراب. أضف إلى ذلك الحروب والفتن التي وقعت في اليمن وفي باقي العربية الجنوبية والعروض في أيام الأمويين والعباسيين وفي الأيام التي تلتهم فنشرت في تلك الديار الخراب، ثم إهمال الأمويين ومن جاء بعدهم من خلفاء وملوك وحكّام شأن جزيرة العرب، لفقرها وعدم وجود موارد غنيّة فيها، وانتقال أصحابها أصحاب الجاه والنفوذ إلى البلاد الغنية، فلم يبقَ من يدافع عنها ويتحدث بلسانها باعتبارها مهد العرب الأول ومهد الإسلام، فتقوى الخراب بذلك على العمار، وأخذ يبتلع ما يجده أمامه من مستوطنات حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم. والدليل على ذلك، ورود أسماء مواضع عديدة في اليمامة وفي الحجاز وفي

стр. 268

نجد واليمن وفي كل أنحاء جزيرة العرب الأخرى في الموارد العربية الإسلامية، كانت مأهولة مزروعة في صدر الإسلام، خَرِبَت وهُجِرَت وصارت أثرًا، وقد ذهب عن أكثرها حتى الاسم. فلما كتب عنها الجغرافيون لم يجدوا من عمرانها شيئًا. بل نجد في كتب الجغرافيين أسماء مواضع نزلوا بها وأقاموا فيها، وكانت معمورة مسكونة. أما اليوم فلم يبقَ من أكثرها شيئًا، فهل نُرجع فعل هلاكها إلى الجفاف وتغير الجو وإلى اندثار الواحات والبحيرات والأنهار؟ إن الجغرافيين المذكورين لم يشيروا إلى وجود واحات وبحيرات وأنهار حتى نقول بفعل الجو فيها، بل هنالك عوامل أخرى عديدة اضطرت الناس إلى ترك مواطنهم تلك التي ذكرتها، وفي مقدمتها الفتن والغزو وتغير الطريق وعدم قيام حكومة قوية تحمي الأمن. وأما موضوع الاستشهاد بالهجرات، فإنه موضوع غامض يحتاج إلى دراسة علمية عميقة، فالذين يرون أن جزيرة العرب كانت مهد الجنس السامي، وضعوا نظريتهم هذه قياسًا على روايات أهل الأخبار من أمر هجرة العرب إلى تلك الأرضين، ومن الفتح الإسلامي الذي جرف قبائل عدنانية وقحطانية فساقها إلى بلاد العراق وبلاد الشام وإلى ما وراء هذه الأرضين، ومن هجرة قبائل من جزيرة العرب إلى تلك البلاد حتى الزمن القريب، ومن أخبار عن هجرة الفينيقيين من البحرين إلى بلاد الشام. ولكننا نجد من ناحية أخرى أن التوراة تذكر أن الإسماعيليين هم سكان أرضين تقع في الأقسام الشمالية الغربية من جزيرة العرب وفي شرق فلسطين في البادية وفي طور سيناء، والأخباريون يذكرون أن العدنانيين هم من سلالة إسماعيل أي أنهم إسماعيليون، ويذكرون أنهم جاءوا من الشمال فسكنوا الحجاز، وأن جدّهم رفع قواعد البيت الحرام. ونرى أن اليهود زحفوا من فلسطين نحو الحجاز، وأن أقوامًا من سكان العراق زحفوا نحو الجنوب فسكنوها في العروض. وأن قبائل عراقية كالقبائل العبرانية هاجرت من العراق إلى بلاد الشام ثم إلى مصر ثم عادت إلى بلاد الشام، فمثل هذه الهجرات تلفت النظر وتجعل الباحث يبحث عن أمثلة أخرى من هذا القبيل، لعلّه يجد غيرها أيضا. وهي تجعله يشعر أن الهجرات لم تكن دائما في اتجاه واحد، بل كانت حركة دائمة تتجه مختلف الاتجاهات، لعوامل سياسية واقتصادية وحربية ساحتها من شمال بلدية الشام إلى سواحل البحر العربي في الجنوب، ومن سواحل البحر

стр. 269

الأحمر إلى سواحل الخليج العربي، فهي ليست هجرات بالمعنى الذي نفهمه من الهجرات في لغة علماء الساميات، ذات أزمان معينة لها أمد محدود كألف عام أو أكثر من ذلك أو أقل، وبمقياس ضخم كبير، بل هي حركة دائمة لقبائل أو لجماعات تنتقل من مكان إلى مكان طلبا للمعاش أو لأحوال سياسية وحربية، فهي هجرة بهذا المعنى إذن ليس غير. فهذه الأرضون التي تشمل كل جزيرة العرب والعراق إلى حدود الجبال وكل البادية الواسعة حتى سواحل البحر الأبيض فطور سيناء إلى نهر النيل، هي مواطن الساميين، ومسارحهم التي كانوا وما زالوا يَدْرُجُون عليها. وقد درجت عليها أقوام أخرى أيضا ليست بأقوام سامية، قبل الميلاد وبعده، بل حتى في زمن الإسلام، ولكنها غلبت على أمرها، وصهرت في بوتقة الساميين، أمثال الفرس واليونان والرومان والصليبيين. فقد بقي من هؤلاء خلقٌ اندمجوا بهم وتخلقوا بأخلاقهم وتكلموا بألسنتهم بمرّ السنين، حتى صاروا مثلهم ومنهم، وبذلك امتزجت دماء الساميين بدماء غريبة عنهم. فدمهم من هنا ليس بدم صافٍ نقي، وليس في الأجناس البشرية جنس يستطيع أن يفخر فخرًا مطلقًا بكونه الجنس النقي الخالص الذي لم يختلط قط بأي دم غريب. أضف إلى ما تقدم أن العلماء القائلين بتبدل الجو وبتغيّره، هم على خلاف بينهم في الأزمنة وفي الأسباب. فمنهم من بالغ، ومنهم من أفرط حتى قال إن الجو في جزيرة العرب كان يختلف في أيام اليونان والرومان عنه في الأيام الحديثة١. ومنهم من قال إن الجو لم يتبدّل تبدّلًا محسوسًا مؤثّرًا فيها منذ حوالي ألفي عام، ومنهم من عَزَا أسباب انخفاض مستوى الماء الأرضي في جزيرة العرب إلى عوامل ليست لها صلة بتبدل الجو، وعَزَا خراب القرى والمدن واندثار السّدود إلى عوامل أخرى لا علاقة لها بتبدل الجو٢، ومع كل ذلك، فإن هذه الدراسات لم تنضج بعدُ، ودراسة أرض جزيرة العرب وجوّها لم تتم بصورة علمية مختبرية بعدُ، وأكثر ما ذكرته هو ملاحظات مؤرخين أو باحثين علميين، على نحو من الحدث والتخمين، ولا يمكن بناء نظريات معقولة مقبولة على مثل هذا الآراء.

стр. 270

إن هذه الملاحظات تدفعني إلى التريّث في البتّ في وطن الجنس السامي، حتى تتهيّأ دراسات أخرى علمية دقيقة عنه، لأن الأخذ بالقياس، وبمجرد الملاحظات والمشاهدات، لا يمكن أن يكون دليلًا علميًا مقنعًا في تثبيت الوطن الأول الذي ظهر فيه هذا النسل الذي نسميه بالنسل السامي. وإن كنت أجد أن جزيرة العرب قد أمدّت الأقسام العليا منها، وهي بلاد العراق والبادية وبلاد الشام يفيض من الناس، بصورة دائمة مستمرة، وذلك لأسباب عديدة عسكرية واقتصادية، وأنها لم تأخذ من تلك الأرضين مثل هذا الفيض. إن نظرية موطن الجنس السامي، هي في نظري جزء من مسألة كبرى معقدة، هي مسألة موطن الجنس البشري بكامله، هل هو موطن واحد في الأصل، أو جملة مواطن، وإذا كان ذلك الموطن موطنًا واحدًا، فأين كان؟ وكيف ظهرت هذه الأجناس البشرية بألونها المتعددة وبسِحَنها المختلفة؟ إن هذه بحوث، على البشرية أن تضني نفسها في البحث عنها! وكل بحوثنا الآن حدس وتخمين، حتى يترقّى العلم البشري إلى درجات فدرجات.

стр. 271

اللغة السامية الأم: تدفعنا هذه النظريات التي قالها العلماء عن السامية وعن القرابة اللغوية التي نراها في مجموعة اللغات السامية، وعن اشتراكها في كثير من أسس النحو والصرف، إلى التفكير في أن جميع هذه اللغات تفرّعت من لغة واحدة هي أم اللغات السامية، "URSEMITICSCH"، كما يعبر عنها بالألمانية. ويدفعنا ذلك إلى البحث عن أقدم النصوص المدونة في اللغات السامية، وعن الخصائص الأساسية المشتركة بين كل هذه اللغات، للوقوف على اللغة السامية الأولى التي انقرضت، وبقيت آثارها في هذه الجذور التي غذت اللغات السامية القديمة منها والحديثة بالخصائص السامية، وعن أقرب الفروع التي انفصلت من الأم. لقد بحث المستشرقون في هذا الموضوع ولا يزالون يبحثون فيه؛ فمنهم من وجد أن العبرانية أقدم اللغات السامية، وأقربها عهدًا بالأم، ومنهم من رأى أن العربية على حداثة عهدها جديرة بالدراسة والعناية، لأنها تحمل جرثومة السامية، ومنهم من رأى القِدَم للآشورية أو البابلية، وهناك من رأى غير

стр. 272

ذلك١. وبالجملة، لم يدّعِ أحد من العلماء أنه توصل إلى تشخيص لغة "سام"، وتمكن من معرفة اللغة التي تحدث بها مع أبيه "نوح" أو مع أبنائه الذين نسلوا هذه السلالات السامية. وكان من جملة العوامل التي ألهبت نار الحماسة في نفوس علماء التوراة والساميات للبحث عن اللغة السامية الأولى أو أقرب لغة سامية إليها، القصص الوارد في التوراة عن سام وعن لغات البشر، وبابل ولغاتها والطوفان وما شاكل ذلك، ثم وجد المستشرقون المعاصرون أن البحث في هذا الموضوع ضربٌ من العبث، لأن هذه اللغات السامية الباقية حتى الآن هي محصول سلسلة من التطورات والتقلّبات لا تُحْصَى، مرّت بها حتى وصلت إلي مرحلتها الحاضرة، كما أنها حاصل لغات ولهجات منقرضة. واللغة السامية القديمة لم تكن إلا لغة محكية زالت من الوجود، دون أن تترك أثرًا. ومن الجائر أن يهتدي العلماء في المستقبل إلى لغات أخرى، كانت عقدًا بين اللغات السامية القديمة التي لا نعرف من أمرها شيئًا وبين اللغات السامية المعروفة. والأفضل أن ننصرف الآن إلى دراسة اللغات السامية والموازنة بينها؛ لنستخلص المشتركات والأصول. ومتى تتكون هذه الثروة اللغوية، يسهل البحث في اللغة السامية الأم، كما تستحسن الموازنة بين هذه اللغات واللغات التي ظهرت في القارة الإفريقية، مثل المصرية القديمة والبربرية والهررية وبقية اللهجات الحبشية، لتكوين فكرة علمية عن الصلات التي تربط بين الحاميين والساميين وكانت من جملة العوامل التي دفعت بعض العلماء إلى القول بأن أصل الجنسين واحد، كان يقيم في قارة إفريقية. وبالجملة إن هناك جماعة من المستشرقين ترى أن اللغة العربية على حداثة عهدها بالنسبة إلى اللغات السامية الأخرى، هي أنسب اللغات السامية الباقية للدراسة وأكثرها ملاءمة للبحث، لأنها لغة لم تختلط كثيرا باللغات الأخرى، ولم تتصل باللغات الأعجمية قبل الإسلام، فبقيت في مواطنها المعزولة صافية، أو أصفى من غيرها في أقل الأحوال، ثم إنها حافظت على خواص السامية القديمة مثل المحافظة على الإعراب على حين فقدت هذه الخاصة المهمة أكثر تلك اللغات،

стр. 273

ولهذه الأسباب وغيرها رَأَوا أن دراستها تفيد كثيرًا في الوقوف على خصائص السامية القديمة ومزاياها١. وقد شغل علماء العرب أنفسهم بموضوع اللغة السامية أو لغة سام بن نوح بتعبير أصحّ، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، ذهبوا إلى البحث في لغة آدام أبي البشر وفي لغة أهل الجنة. وقد سبق لليهود والنصارى أن بحثوا في هذا الموضوع أيضًا، في موضوع لغة آدام أي لغة البشر الأولى، التي تفرّعت منها كل لغات البشر حتى اليوم. وقد ذهب بعض علماء العربية إلى أن العربية هي اللسان الأول، هي لسان آدم؛ إلا أنها حُرّفت ومُسِخَت بتطاول الزمن عليها، فظهرت منها السريانية، ثم سائر اللغات. قالوا: "كان اللسان الأول الذي نزل به آدم من الجنة عربيًّا، إلى أن بَعُد العهد وطال، فحُرِّف وصار سريانيًّا. وهو يشاكل اللسان العربي إلا أنه محرف"٢. وقد أدركوا ما أدركه غيرهم من وجود قرابة وصلة بين العربية وبين السريانية، فقال المسعودي: "وإنما تختلف لغات هذه الشعوب "أي شعوب جزيرة العرب" من السريانيين اختلافًًا يسيرًا"٣. وقد أخذ علماء العربية نظريتهم هذه من أهل الكتاب. ولما كانت السريانية هي لغة الثقافة والمثقفين، ولغة يهود العراق وأكثر أهل الكتاب في جزيرة العرب في ذلك العهد؛ فلا يستغرب إذن قول من قال إن السريانية هي أصل اللغات وأنها لسان آدام ولسان سام بن نوح.

стр. 274

العقلية السامية: وتحدث المشتغلون بالتأريخ الثقافي و "علم الأجناس" عن عقلية خاصة بالشعوب السامية، دعوها "العقلية السامية"، كما تحدثوا عن عقلية "آرية" وعن عقليات أخرى، وحاولوا وضع حدود لأوصاف العقلية السامية، ورسم صورة خاصة بها تميّزها عن صور العقليات البشرية الأخرى.

стр. 275

وقد شاعت هذه النظرية نظرية خصائص العقلية السامية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، ووجدوا لها رواجًا كبيرًا، لظهور بعض الآراء والمذاهب التي مجّدت العقلية الأوروبية، وسبّحت بحمدها، وقالت بتفوق العقل الغربي الخلّاق المبدع على العقل الشرقي الساذج البسيط! ورمز العقل الشرقي هو العقل السامي، فهو لذلك عقل ساذج بسيط. ومن أشهر مروّجي هذه النظرية الفيلسوف الفرنسي "رينان" "ernest renan" "١٨٢٣- ١٨٩٢"، و "كراف كوبينو" "graf arthur gobineau" "١٨١٦- ١٨٨٢م"، وهو من القائلين بتمايز العنصريات البشرية وبتفوق بعضها على بعض وبسيادة العقلية الآرية على سائر العقليات١، و "هوستن ستيورات شامبرلن housten stewart chamberlain" "١٨٥٥- ١٩٢٧م" صاحب كتاب "أسس القرن التاسع عشر"٢. ومن هذه الموارد أَخَذت "النازية" نظريتها في تفوق العرق الآري على سائر أعراق البشر، وتفوق الجنس "الجرماني" خاصة من العراق الآري على سائر الأجناس والأعراق البشرية. ومن هنا وضع "هتلر" "قوانين نورنبرك" لحماية الدم الآري من الاختلاط بالدماء الأخرى، ولصيانته ولبقائه دمًا نقيًّا صافيًا. ولترسيخ هذه النظرية في نفوس الناس ولترويجها بين الألمان والأوروبيين، شجع البحث في موضوع "الأجناس البشرية"، وحشد عددًا كبيرًا من الأساتذة لإجراء بحوث ودراسات فيه، وأوحى إلى أساتذة التأريخ كتابة التأريخ بطريقة تظهر دائما أن الحضارة البشرية هي حاصل عمل الشعوب الآرية وحدها، وناتج من نتاجها، بتلك الشعوب بدأت وبها تستمر. وقرر أن ما يقال عن حضارات الشرق الأدنى القديمة هو لغو وهراء؛ ولهذا أوجب كتابة تأريخ هذه الشعوب على نحو جديد، وعلى أساس هذه الفلسفة. وبحوث مثل هذه تقوم في ظروف كهذه أو في ظروف مشابهة لها، لا يمكن أن تكون إلا دراسات فجّة مغرضة، مبعثها عاطفة وقصد مبيت، لذلك لا يمكن الاطمئنان إليها ولا الاعتماد عليها. والبحث في خصائص جنس من

стр. 276

الأجناس وفي مميزاته وسماته الظاهرة والباطنة، يقتضي تقصّي ملامح الجنس في الحاضر والماضي، وذلك بدراسة ملامح الباقين وبفحص أجسامهم وخصائصهم بطرق علمية حديثة، وبدراسة عظام الماضين وما تخلّف من أجسامهم في باطن الأرض بالأساليب العلمية الحديثة أيضًا، ليكون بحثنا شاملًا للماضي والحاضر، ومثل هذه البحوث لم تجرِ حتى الآن لا على العرب، ولا على غير العرب من هذه الشعوب التي نسميها "الشعوب السامية". ثم إن البحوث العلمية على قلتها وضآلتها تدل على وجود فروق بارزة بين الساميين في الملامح الجسمية، في مثل شكل الجمجمة والأنف. ووجود مثل هذه الفروق، لا يمكن أن يكون علاقة على وجود "جنس" بالمعنى العلمي المفهوم من "الجنس" يضم شمل الساميين. وعلى وجود عقلية خاصة بالساميين ذات حدود ورسوم تختلف عن عقليات الأجناس البشرية الأخرى. والصفة العامة التي يراها علماء الساميات في الساميين، أن الساميين يحبون الحركة والتنقل والهجرة من مكان إلى مكان على طريقة الأعراب، وأنهم ميّالون إلى الغزو والأخذ بالثأر، وعاطفيون تتحكم العواطف في حياتهم، ويغضبون لتافه الأمور ويرضون بسرعة، يحبون فيسرفون في حبّهم، ويظهرون الوَجْد فيه، ويبغضون فيبالغون في بغضهم حتى ليصلوا إلى حدّ القساوة والعنف لأسباب تافهة لا تستوجب كراهيةً ولا بغضًا، فرديون في طِبَاعهم، تتغلب عليهم الفردية، لذلك تراهم في الأصل قبائل، إذا اتحدت وكوّنت حكومة قوية كبيرة، لا تلبث أن تتعرض للانفصال والتفتت، الحياة عندهم على وتيرة واحد. موسيقاهم وشعورهم العام بما في ذلك الشعر والغناء وكل وسائل التعبير عنه، حزن ونغم معدود مكرر١. قضاؤهم قضاء قبلي، يقوم على القصاص بالمثل، على أساس السن بالسن والعين بالعين والقتل بالقتل، ونظام الحكم عندهم نظام، أُسُسُه الفكرة القبلية، وديانتهم متشابهة، تتجلى عندهم الغريزة الدينية واتّقاد المَخِيلَة وقوة الشعور الفردي والقسوة٢. وتتغلب عليهم السطحية في التكفير، فلا يميلون إلى التعمق في درس الأشياء للوصل إلى كنهها وجوهرها، كما فعل اليونان.

стр. 277

وليست لهم قابلية في فهم الأمور المعقدة، ولهذا صارت أحكامهم عامة شاملة ساذجة لا تعقيد فيها، لأن تفكيرهم تفكير ساذج غير معقّد. وتفكيرهم هذا هو الذي جعلهم يبشرون بالتوحيد على حين كانت الأديان الآبة –على حد قولهم- أديانًا معقدة تعتقد بوجود أكثر من إله١!! ويرى هؤلاء العلماء أن البدوي هو خير ممثل للعقلية السامية، فقد عاش الساميون بدوًا أمدًا طويلًا، ومرّوا في حياتهم بحياة البداوة ولهذا صارت عقليتهم عقلية بداوة، تجمع بينهم صفات مشتركة نتجت من اشتراكهم في تلك الحياة٢. وقد وضع المتعصبون للنظرية العنصرية كتبًا في موضوعات متعددة، تعالج الجسم والروح عند السامين والآريين، وعنوا عناية خاصة بدارسة الحياة الروحية ومظاهرها عند الجنسين، فبحثوا في الناحية القانونية والتشريعات المختلفة عند الساميين والآريين، وقارنوا بين التشريع عند الجماعتين٣. كذلك عالجوا مختلف النواحي الأخرى من الحياة، حتى إن بعضهم ألف كتابًا في موضع حُرْمَة أكل لحم الخنزير عند الساميين. مع أنه من اللحوم الشهيّة عند الآريين، وعدّ ذلك من مميزات الجنس٤. وهناك جماعة من العلماء، رَدّت على هذه النظرية التي تحدد العقليات، وترسم لها حدودًا وتضع لا معالم، رأت أن ما يذهب إليه أصحابها من وجود عقليات صافية خالصة للأجناس البشرية المذكورة، يستوجب وجود أجناس بشرية صافية خالصة ذات دماء نقية، لم تمتزج بها دماء غريبة، ويقتضي ذلك افتراضنا اعتزال الأجناس بعضها عن بعض عزلة تامة، وهو افتراض محال، لأن البشرية لم تعرف العزلة منذ القِدم، ولم تَبْنِ حولها أسوارًا مرتفعة لتحول بينها وبين الاختلاط ببقية الأجناس، والشواهد التأريخية والبحوث العلمية المختبرية تشير إلى العكس، تشير إلى الاختلاط والامتزاج، كما ذكرنا آنفًا، فما يقال عن اختلاف العقليات، هو حديث أَوْحَته العواطف والنزوات. أما ما نشاهده من اختلاف في أساليب

стр. 278

الفكر وفي فهم الأمور، فليس مرجعه ومردّه إلى الدم، بل إلى البيئات الطبيعية والاجتماعية والثقافية، فهي التي أثرت وكوّنت هذه الفروق. وعلى الباحث دراسة كل ما يؤثر على الإنسان من محيط ومن مؤثرات طبيعية مثل الضغوط الجوية والحرارة والبرودة والرطوبة، ومن تركيب الأجسام وأشكالها. وألوان الشعر والبشرة والعين وبنية الجسم بصورة عامة، ومن أنواع الأغذية التي يتناولها والمحيطات الثقافية التي يعيش فيها إلى غير ذلك من مؤثرات يدرسها علماء الأجناس اليوم، وذلك لإصدار أحكام معقولة عن أجناس البشر.

стр. 279

الفصل السابع: طبيعة العقلية العربية لكل أمة عقلية خاصة بها، تظهر في تعامل أفرادها بعضهم مع بعض وفي تعامل تلك الأمة مع الأمم الأخرى، كما أن لكل أمة نفسية تميزها عن نفسيات الأمم الأخرى، وشخصية تمثل تلك الأمة، وملامح تكون غالبة على أكثر أفرادها، تجعلها سمة لتلك الأمة تميزها عن سمات الأمم الأخرى١. والعرب مثل غيرهم من الناس لهم ملامح امتازوا بها عن غيرهم، وعقلية خاصة بهم. ولهم شمائل عُرفوا واشتهروا بين أمم العالم، ونحن هنا نحاول التعرف على عقلية العربي وعلى ملامحه قبل الإسلام، أي قبل اندماجه واختلاطه اختلاطًا شديدًا بالأمم الأخرى، وهو ما وقع وحدث في الإسلام. وقد بحث بعض العلماء والكتّاب المحدثين في العقلية العربية، فتكلموا عليها بصورة عامة، بدوية وحضرية، جاهلية وإسلامية. فجاء تعميمهم هذا مغلوطًا وجاءت أحكامهم في الغالب خاطئة. وقد كان عليهم التمييز بين العرب الجاهليين والعرب الإسلاميين، وبين الأعراب والعرب، والتفريق بين سكان البواطن أي بواطن البوادي وسكان الأرياف وسكان أسياف بلاد الحضارة. ثم كان عليهم البحث عن العوامل والأسباب التي جبلت العرب من النوعين: أهل الوبر وأهل الحضر، تلك الجبلة، من عوامل إقليمية وعوامل طبيعية أثرت فيهم، فطبعتهم بطابع خاص، ميّزهم عن غيرهم من الناس.

стр. 280

بل إن الحديث عن العقلية العربية، حديث قديم؛ ففي التوراة شيء عن صفاتهم وأوصافهم، كوّن من علاقات الإسرائيلين بهم، ومن تعاملهم واختلاطهم بالعرب النازلين في فلسطين وطور سيناء أو في البوادي المتصلة بفلسطين. ومن أوصافهم فيها: أنهم متنابذون يغزون بعضهم بعضًا، مقاتلون يقاتلون غيرهم كما يقاتلون بعضهم بعضًا "يده على الكل، ويد الكل عليه"١. يُغِيرُون على القوافل فيسلبونها ويأخذون أصحابها أسرى، يبيعونهم في أسواق النِّخاسَة، أو يسترقّونهم فيتخذونهم خدمًا ورقيقًا يقومون بما يُؤْمَرون به من أعمال، إلى غير ذلك من نعوت وصفات. والعرب في التوراة، هم الأعراب، أي سكان البوادي، لذلك فإن النعوت الواردة فيها عنهم، هي نعوت لعرب البادية، أي للأعراب، ولم تكن صِلاتهم حسنة بالعبرانيين. وفي كتب اليونان والرومان والأناجيل، نعوت أيضا نُعِت بها العرب وأوصاف وُصِفوا بها، ولكننا إذا درسنا وقرأنا المواضع التي وردت فيها، نرى أنها مثل التوراة، قصدت بها الأعراب، وقد كانوا يغيرون على حدود إمبراطوريتيّ الرومان واليونان، ويسلبون القوافل، ويأخذون الإتاوات من التجار والمسافرين وأصحاب القوافل للسماح لهم بالمرور. وقد وصف "ديودورس الصقلي" العرب بأنهم يعشقون الحرية، فيلتحفون السماء. وقد اختاروا الإقامة في أرضين لا أنهار فيها ولا عيون ماء، فلا يستطيع العدو المغامر الذي يريد الإيقاع بهم أن يجد له فيها مأوى. إنهم لا يزرعون حبًّا، ولا يغرسون شجرًا، ولا يشربون خمرًا، ولا يبنون بيوتًا. ومن يخالف العرف يقتل. وهم يعتقدون بالإرادة الحرة، وبالحرية٢. وهو يشارك في ذلك رأي "هيرودوتس" الذي أشاد بحب العرب للحرية، وحفاظهم عليها ومقاومتهم لأية قوة تحاول استرقاقهم واستذلالهم٣؛ فالحرية عند العرب هي من أهم الصفات التي يتصف بها العرب في نظر الكَتَبَة اليونان واللاتين. وفي كتب الأدب وصف مناظرة، قيل إنها وقعت بين "النعمان بن المنذر"

стр. 281

ملك الحيرة وبين "كسرى" ملك الفرس في شأن العرب: صفاتهم وأخلاقهم وعقولهم، ثم وصف مناظرة أخرى جرت بين "كسرى" هذا وبين وفد أرسله "النعمان" لمناظرته ومحاجّته فيما جرى الحديث عليه سابقًا بين الملكين١. وفي هذه الكتب أيضا رأى "الشعوبيين" في العرب، وحججهم في تصغير شأن العرب وازدرائهم لهم، ورد الكتّاب عليهم٢. وهي حجج لا تزال تقرن بالعرب في بعض الكتب. ومجمل ما نسب إلى "كسرى" من مآخذ زُعم أنه أخذها على العرب، هو أنه نظر فوجد أن لكل أمة من الأمم ميزة وصفة؛ فوجد للروم حظا في اجتماع الألفة وعظم السلطان وكثرة المدائن ووثيق البنيان، وأن لهم دينًا يبين حلالهم وحرامهم ويرد سفيههم ويقيم جاهلهم، ورأى للهند، نحوًا من ذلك في حكمتها وطبّها مع كثرة أنهار بلادها وثمارها، وعجيب صناعاتها ودقيق حسابها وكثرة عددها. ووجد للصين كثرة صناعات أيديها وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب وصناعة الحديد، وأن لها ملكًا يجمعها، وأن للترك والخزر، على ما بهم من سوء الحال في المعاش وقلة الريف والثمار والحصون ملوك تضم قواصيهم وتدبر أمرهم. ولم يرَ للعرب دينًا ولا حزمًا ولا قوةً. همتهم ضعيفة بدليل سكنهم في بوادي قفراء، ورضائهم بالعيش البسيط، والقوت الشحيح، يقتلون أولادهم من الفاقة ويأكل بعضهم بعضًا من الحاجة. أفضل طعامهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها. "وإن قَرَى أحدهم ضيفًا عدّها مكرمة. وإن أطعم أكلة عدّها غنيمة تنطق بذلك أشعارهم، وتفتخر بذلك رجالهم"٣. ثم إنهم مع قلتهم وفاقتهم وبؤس حالهم، يفتخرون بأنفسهم، ويتطاولون على غيرهم وينزلون أنفسهم فوق مراتب الناس٤. "حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكًا أجمعين"، وأبوا الانقياد لرجل واحد منهم يسُوسُهم ويجمعهم.

стр. 282

إذا عاهدوا فغير وافين١. سلاحهم كلامهم، به يتفنَّنون، وبكلامهم يتلاعبون. ليس لهم ميل إلى صنعة أو علم ولا فن، لا صبر لهم، إذا حاربوا ووجدوا قوة أمامهم، حاولوا جهدهم التغلب عليها، أما إذا وجدوها قوة منظمة هربوا مشتتين متبعثرين شراذم، يخضعون لحكم الغريب ويهابونه ويأخذون برأية فيهم، ما دام قويًّا، ويقبلون بمن ينصبه عليهم، ولا يقبلون بحكم واحد منهم، إذا أراد أن يفرض سلطانه عليهم٢. وقد ذُكر أن أحد ملوك الهند كتب كتابًا إلى "عمر بن عبد العزيز"، جاء فيه "لم تزل الأمم كلها من الأعاجم في كلّ شق من الأرض لها ملوك تجمعها ومدائن تضمّها وأحكام تدين بها وفلسفة تنتجها وبدائع تفتقها في الأدوات والصناعات، مثل صنعة الديباج وهي أبدع صنعة، ولعب الشطرنج وهي أشرف لعبة، ورمّانة القبّان التي يوزن بها رطل واحد ومائة رطل، ومثل فلسفة الروم في ذات الخلق والقانون والاصطرلاب الذي يعدل به النجوم ويدرك به الأبعاد ودوران الأفلاك وعلم الكسوف وغير ذلك من الآثار المتقنة، ولم يكن للعرب ملك يجمع سوادها ويضم قواصيها، ويقمع ظلمها وينهي سفيهها، ولا كان لها قط نتيجة في صناعة ولا أثر في فلسفة إلا كان من الشعر. وقد شاركتها فيه العجم، وذلك أن للروم أشعارًا عجيبة قائمة الوزن والعروض فما الذي تفتخر به العرب على العجم فإنما هي كالذئاب العادية، والوحوش النافرة، يأكل بعضها بعضًا ويغير بعضها على بعض. فرجالها موثقون في حَلَق الأسر، ونساؤها سبايا مردفات على حقائب الإبل، فإذا أدركهن الصريخ استنقذن بالعشي، وقد وطئن كما توطأ الطريق المهيع٣". إلى آخر ذلك من كلام. وقد تعرض "السيد محمود شكري الألوسي" في كتابه "بلوغ الأرب"، لهذا الموضوع، فجاء بما اقتبسته منه، ثم جاء برأي "ابن قتيبة" على الشعوبية، في كتابه: "كتاب تفضيل العرب"، ثم أنهاه ببيان رأيه في هذه الآراء وفي رد "ابن قتيبة" عليها٤.

стр. 283

ولابن خلدون رأي معروف في العرب، خلاصته "أن العربي متوحش نهّاب سلّاب إذا أخضع مملكة أسرع إليه الخراب، يصعب انقياده لرئيس، لا يجيد صناعة ولا يحسن علمًا ولا عنده استعداد للإجادة فيهما، سليم الطباع، مستعد للخير شجاع"١. وتجد آراءه هذه مدوّنة في مقدمته الشهيرة لكتابه العام في التأريخ. وقد رمى بعض المستشرقين العرب بالمادية وبصفات أخرى، فقال "أوليري": "إن العربي الذي يعد مثلا أو نموذجًا ماديًا، ينظر إلى الأشياء نظرة مادية وضيعة، ولا يقوّمها إلا بحسب ما تنتج من نفع، يتملك الطمع مشاعره، وليس لديه مجال للخيال ولا للعواطف، لا يميل كثيرًا إلى دين، ولا يكترث بشيء إلا بقدر ما ينتجه من فائدة عملية، يملؤه الشعور بكرامته الشخصية حتى ليثور على كل شكل من أشكال السلطة، وحتى ليتوقع منه سيد قبيلته وقائده في الحروب الحسد والبغض والخيانة من أول يوم اختير للسيادة عليه ولو كان صديقا حميما له من قبل، من أحسن إليه كان موضع نقمته، لأن الإحسان يثير فيه شعورا بالخضوع وضعف المنزلة وأن عليه واجبًا لمن أحسن. يقول لامانس "إن العربي نموذج الديمقراطية"، ولكنها ديمقراطية مبالغ فيها إلى حد بعيد، وإن ثورته على كل سلطة تحاول أن تحدد من حريته ولو كانت في مصلحته هي السر الذي يفسر لنا سلسلة الجرائم والخيانات التي شغلت أكبر جزء في تأريخ العرب، وجهل هذا السر هو الذي قاد الأوروبيين في أيامنا هذه إلى كثير من الأخطاء، وحملهم كثيرا من الضحايا كان يمكنهم الاستغناء عنها، وصعوبة قيادة العرب وعدم خضوعهم للسلطة هي التي تحول بينهم وبين سيرهم في سبيل الحضارة الغربية، ويبلغ حب العربي لحريته مبلغًا كبيرًا، حتى إذا حاولت أن تحدها أو تنقص من أطرافها هاج كأنه وحش في قفص، وثار ثورة جنونية لتحطيم أغلاله والعودة إلى حريته. ولكن العربي من ناحية أخرى مخلص، مطيع لتقاليد قبيلته، كريم يؤدي واجبات الضيافة والمحالفة في الحروب كما يؤدي واجبات الصداقة مخلصًا في أدائها بحسب ما رسمه العرف.. وعلى العموم، فالذي

стр. 284

يظهر لي أن هذه الصفات والخصائص أقرب أن تعد صفات وخصائص لهذا الطور من النشوء الاجتماعي عامة من أن تعد صفات خاصة لشعب معين، حتى إذا قر العرب وعاشوا عيشة زراعية مثلا، تعدلت هذه العقلية"١. ويوافق المستشرق "براون أوليري" في رمي العرب بالمادية المفرطة٢. ورماهم "أوليري" أيضًا بضعف الخيال وجمود العواطف٣. أما "دوزي" فقد رأى بين العرب اختلافًا في العقلية وفي النفسية، وأن القحطانيين يختلفون في النفسية عن نفسية العدنانيين٤. وقد تعرض "أحمد أمين" في الجزء الأول من "فجر الإسلام" للعقلية العربية، وأورد رأي الشعوبيين في العرب، ثم رأي "ابن خلدون" فيهم، وتكلم على وصف المستشرق "أوليري" لتلك العقلية، ثم ناقش تلك الآراء، وأبان رأيه فيها وذلك في الفصل الثالث من هذا الجزء، وتحدث في الفصل الرابع عن "الحياة العقلية للعرب في الجاهلية". وخصص الفصل الخامس بـ "مظاهر الحياة العقلية"، وتتجلى عنده في: اللغة والشعر والمثل والقصص. أوجز "أحمد أمين" في بداية الفصل الثالث آراء المذكورين في العرب، وبعد أن انتهى من عرضها وتلخيصها ناقشها بقوله: "لسنا نعتقد تقديس العرب، ولا نعبأ بمثل هذا النوع من القول الذي يمجدهم ويصفهم بكل كمال، وينزههم عن كل نقص، لأن هذا النمط من القول ليس نمط البحث العلمي، إنما نعتقد أن العرب شعب ككل الشعوب، له ميزاته وفيه عيوبه، وهو خاضع لكل نقد علمي في عقليته ونفسيته وآدابه وتأريخه ككل أمة أخرى، فالقول الذي يمثله الرأي الخاص لا يستحق مناقشة ولا جدلًا، كذلك يخطّئ الشعوبية أصحاب القول الأول الذين كانوا يتطلبون من العرب فلسفة كفلسفة اليونان، وقانونًا كقانون الرومان، أو أن يمهروا في الصناعات كصناعة الديباج، أو في المخترعات كالاصطرلاب، فإنه إن كان يقارن هذه الأمم بالعرب في جاهليتها كانت مقارنة خطأ، لأن المقارنة إنما تصح بين أمم في طور واحد من الحضارة، لا بين أمة

стр. 285

متبدّية وأخرى متحضرة، ومثل هذه المقارنة كمقارنة بين عقل في طفولته وعقل في كهولته، وكل أمة من هذه الأمم كالفرس والروم مرت بدور بداوة لم يكن لها فيه فلسفة ولا مخترعات. أما إن كان يقارن العرب بعد حضارتها، فقد كان لها قانون وكان لها علم وإن كان قليلًا.."١ ثم استمر يناقش تلك الآراء إلى أن قال: فلنقتصر الآن على وصف العربي الجاهلي٢، فوصفه بهذا الوصف: "العربي عصبي المزاج، سريع الغضب، يهيج للشيء التافه، ثم لا يقف في هياجه عند حد، وهو أشد هياجًا إذا جرحت كرامته، أو انتهكت حرمة قبيلته. وإذا اهتاج، أسرع إلى السف، واحتكم إليه، حتى أفنتهم الحروب، وحتى صارت الحرب نظامهم المألوف وحياتهم اليومية المعتادة. "والمزاج العصبي يستتبع عادة ذكاء، وفي الحق أن العربي ذكي، يظهر ذكاؤه في لغته، فكثيرًا ما يعتمد على اللمحة الدالة والإشارة البعيدة، كما يظهر في حضور بديهته، فما هو إلا أن يُفجأ بالأمر فيفجؤك بحسن الجواب، ولكن ليس ذكاؤه من النوع الخالق المبتكر، فهو يقلب المعنى الواحد على أشكال متعددة، فيبهرك تفننه في القول أكثر مما يبهرك ابتكاره للمعنى، وإن شئت فقل إن لسانه أمهر من عقله. "خياله محدود وغير متنوع، فقلما يرسم له خياله عيشة خيرًا من عيشته، وحياة خيرًا من حياته يسعى وراءها، لذلك لم يعرف "المثل الأعلى"، لأنه وليد الخيال، ولم يضع له في لغته لفظة واحدة دالة عليه، ولم يشرْ إليه فيما نعرف من قوله، وقلما يسبح خياله الشعري في عالم جديد يستقي منه معنى جديدًا، ولكنه في دائرته الضيقة استطاع أن يذهب كل مذهب. "أما ناحيتهم الخلقية، فميل إلى حرية قلّ أن يحدّها حدّ، ولكن الذي فهموه من الحرية هي الحرية الشخصية لا الاجتماعية، فهم لا يدينون بالطاعة لرئيس ولا حاكم، تأريخهم في الجاهلية -حتى وفي الإسلام- سلسلة حروب داخلية، وعهد عمر بن الخطاب كان عصرهم الذهبي، لأنه شغلهم عن حروبهم الداخلية بحروب خارجية، ولأنه، ﵁، مُنح فهمًا عميقًا ممتازًا لنفسية العرب.
следующие страницы →