والأماكن العادية، كما اشتهرت اليمن بسيوفها، في الجاهلية وفي الإسلام؛ غير أننا لا نعرف الآن المواطن التي كانت تستغل لاستخراج الحديد منها، وقد ذكر الرّحّالة "نيبور" أنه كان في "صعدة" منجم، يستخرج منه الحديد، وأن أماكن أخرى كانت تستغل لإنتاج هذه المادة١.
وذكر "الهَمْداني" من معادن اليمن الذهب والفضة، وقال: إنه كان يستخرج من "الرضواض" ولا نظير لفضته، والحديد، وكان يستخرج من "نقم" و "غمدان" و "فصوص البقران"، وتستخرج من جبل أنس. و "فصوص السعوانية" وتستخرج من "وادي سعوان" جنب صنعاء، وهو فص أسود فيه عرق أبيض ومعدنه بشهارة وعيشان من بلد حاشد إلى جنب هنوم وظليمة والجمش من شرف همدان، وحجر "العشاري"، وهو الحجر العشاري من عشار بالقرب من صنعاء، والبلور، والمسنى الذي تعمل منه أنصاب السكاكين والعقيق الأحمر، والعقيق الأصفر من الهان والجزع الموشى والمسير، والشزب تُعمل منه ألواح وصفائح وقوائم سيوف وأنصاب سكاكين ومداهن وقحفة وغير ذلك٢. وعرفت اليمن بعقيقها الذي يقال له "عقيق يماني" و "حجر يماني" وهو "الجزع"٣ "onyx".
وقد بقيت بعض المواضع المذكورة تستغل معادنها في الإسلام؛ إلّا أن تغيّر الوضع في جزيرة العرب في الإسلام وهجرة كثير من القبائل إلى البلاد المفتوحة، ووجود صناعات فيها ومعادن أثمانها أرخص من أثمان معادن الجزيرة، ثم تقدم العالم بعد ذلك وظهور الثورة الصناعية، كل هذا وأمثاله أثر في وضع التعدين وفي صناعة المعادن في جزيرة العرب، فدثرها، أو تركها مشلولة لا تعمل إلا في حدود مرسومة ضيقة وفي مجال محلي.
وليست دولة الحيوان في جزيرة العرب دولة ضخمة عظيمة، وكيف تكون ضخمة وأكثر أرض الجزيرة عدو للحيوان ولكل ذي روح؟ والجمل هو الحيوان الأليف الوحيد الذي استطاع بعناده وبصلابته على السير بجبروت وبتبختر فوق
стр. 212
رمال الصحاري، غير عابئ بالرياح العاتية التي تَذْرُو الرمال في الأعين، وتنقل أكوامًا منها معها، تكفي لدفن الجمل ومن عليه أو من معه ومع ذلك فإن هذا الحيوان الصبور العنيد. لم يتوفق أيضًا في تحطيم جبروت البوادي في كل مكان؛ فظلّ بعضها أرضًا حراما عليه وعلى السابلة، تحطم من يريد التجاوز عليها والاعتداء على استقلالها، بأن تميته عطشا، فتفتح ذرات رملها الناعم، وعندئذ تغوص قوائم الجمل فيها فيبقى في مكانه حتى ينفق.
والجمل، هو أيضًا من أقدم الحيوانات التي سمعنا بها عند العرب، وأعزّها وقد صوّر في النصوص الأشورية، عند ذكر معركة "قرقر" ومعارك أخرى، وقعت بين العرب والأشوريين. وطبيعي أن يقرن الجمل بالبادية، وأن يُجعل رمزًا لها، فليس لحيوان آخر القدرة على اجتياز البوادي واختراقها وتحمل مشقّاتها وعطشها مثل الجمل. ثم إنه مركب العرب، يحملهم، ويحمل تجارتهم وماءهم، وهو ممونهم بالوبر لصنع البيوت حتى قيل للأعراب "أهل الوبر" ومنه يصنعون أكسيه عديدة. ولبن الإبل، هو لبن أهل البادية، وإذا احتاجوا إلى لحم، ذبحوا الجمل، فأكلوه، وأفادوا من جلده.
والجمل ثروة، والثري العربي هو من يملك عددًا كبيرًا من الإبل، وتقدّر ثروته بقدر ما يملكه منها. وقد كان الجمل مقام "النقد"، أي مقام الدينار والدرهم في الغالب؛ فبعدد من الإبل يقدر مهر الفتاة، وبعدد من الإبل تُفَضُّ الديات والخصومات. وهكذا يتعامل به كما نتعامل اليوم بالنقود.
ويرى العلماء أن الإنسان ذلّل الجمل حتى صيّره أليفًا مطيعًا له في الألف الثانية قبل الميلاد١. وقد ذهب بعضهم إلى أن العربية الشرقية كانت الموطن الذي ذلّل فيه هذا الحيوان في الشرق الأدنى، استدلوا على ذلك بإطلاق العراقيين القدماء على الجمل اسم "حمار البحر"، وقالوا إن قصدهم من "البحر" الخليج، وأن لفظة "الجمل" "جملو" "كَمَلو" في الأكادية"؛ إنما وردت من بادية الشأم، ومعظم سكان البادية هم من العرب، وقد كانوا يستعملون الجمل استعمال الناس للسيارات ولوسائل الركوب في هذا الزمن. وقد استعملوه في الألف
стр. 213
الثانية قبل الميلاد، فدخوله من البوادي إلى العراق هو دليل على أن العرب كانوا قد استخدموه أولًا ومنهم انتقل إلى العراق والبلاد الأخرى١.
ويرى "إلبريت" أن البداوة الحقيقية على نحو ما نعرفها اليوم من السكنى في البوادي والتنقل فيها من مكان إلى مكان، لم تظهر في جزيرة العرب إلا في أواخر النصف الثاني من الألف الثانية قبل الميلاد، وذلك بتذليل الإنسان للجمل وبترويضه له لخدمة أغراضه، ففتح له بذلك أبواب البوادي، وتمكن من التوغّل فيها واجتيازها بفضل جمله خادمه المطيع. أما ما قبل الجمل؛ فقد كان العربي لا يستطيع اجتياز البوادي واختراقها لأن حماره الذي كان واسطة الركوب عنده، لا يتحمل ولوج البادية، ولا يستطيع أن يعيش فيها، وأن يصبر عن شرب الماء أو الأكل صبر الجمل؛ لذلك كان عرب الجزيرة في الألف الثانية، وقبل وقت تذليل الجمل رعاة في الغالب، وسائط ركوبهم الحمير، ولم يكونوا قد طرقوا البوادي أو توغّلوا فيها توغّل العرب أصحاب الوبر فيما بعد٢.
فالجمل إذن هو الذي فتح لأهل جزيرة العرب آفاق البوادي، ووسع البداوة عندهم، حتى جعلها علمًا خاصًا يقابل عالم الحضارة في الجزيرة. وهو الذي صار أهم واسطة لنقل الأموال بالطرق البرية الطويلة التي تربط أجزاء الجزيرة بعضها ببعض، وتربط طرق الجزيرة مع الطرق الخارجية. وبفضل الجمل القادر على تحمل العطش والصبر على الجوع، وعلى تحمل الصعاب صار في إمكان العرب التنقل إلى مسافات بعيدة من الجزيرة وحمل أثقاله معه. فاستخدام العرب له هو في الواقع ثورة كبيرة في ذلك العهد بالنسبة على وسائط النقل والحمل وفي عالم التجارة والاقتصاد. ومن حق العربي إذا ما عبّر عن الغنى أن يعبر بكثرة ما عند الإنسان من إبل.
وقد عرف الجمل بوجود غريزة الانتقام فيه، وبعدم نسيانه أذى من يؤذيه؛ لذلك زعم أنه يبقى حاقدًا على المسيء إليه حتى ينتقم منه ولو بعد زمن طويل. ويظن أن لتفسير اشتقاق اسمه دخلًا في ظهور هذه الفكرة، فقد فسرت لفظة الجمل بأنها من فعل "كَمَلَ" "جَمَلَ" كامل" "جامل"، أي انتقم، مع أنها تعني "حَمَلَ" أيضًا. وقالوا إن معنى "الجمل" "المنتقم"،
стр. 214
وقالوا إنه سُمي بذلك لأنه حيوان منتقم، ومن ثم وصف "أرسطو" و "أريان"، الجمل بأنه حيوان لا ينسى الأذى، سريع الانتقام. وقد يكون لأقوالهما ولأقوال غيرهم في الجمل دخل في تكوّن هذه الفكرة عنه عند الناس حتى اليوم١.
الجمل المعروف في جزيرة العرب، هو الجمل ذو السنام الواحد. وهناك نوع من الجمال يقال للواحد منها "الهجين"، وهو الجمل المُضرب، ويكون أصغر حجمًا من الجمل العربي الأصيل؛ إلا أنه أسرع عدوًا منه٢. وقد عدّ الجمل عند العبرانيين من موارد الثروة والغنى كذلك، ولذلك عُدّ "أيوب" من أغنياء زمانه لأنه كان يملك ألفي جمل، وعد "المديانيون" "أهل مدين" وهم من العرب، أغنياء، لأنهم كانوا يملكون عددًا كبيرًا من الجمال٣.
وللجمل في العربية أسماء كثيرة. أما في العبرانية وفي اللغات السامية الأخرى، فلا نجد فيها مثل هذه الكثرة. ويقال للجمل "كمل" و "بكرة". ويراد بـ "كمل" الجمل. أما "بكرة" فالجمل الصغير. والجمل من أقدم الحيوانات المذكورة في التوراة، وذكر أنه كان لإبراهيم عدد كبير من الجمال٤.
وبالرغم من اشتهار جزيرة العرب بجمال خيلها، وبتربيتها لأحسن الخيل، وبتصديرها لها. فإن الخيل في جزيرة العرب إنما هي من الحيوانات الهجينة الدخيلة الواردة عليها من الخارج، ولا ترتقي أيام وصولها إلى الجزيرة إلى ما قبل الميلاد بكثير. قيل إنها وردت إليها من العراق. ومن بلاد الشام، أو من مصر٥، وإن وطنها الأصلي الأول هو منطقة "بحر قزوين". ولهذا لا نجد في الكتابات الأشورية، أو في "العهد القديم" أو في المؤلفات "الكلاسيكية"، إشارات إلى تربية الخيل في جزيرة العرب، أو استعمال العرب لها في حلهم وترحالهم وفي حروبهم.
وقد بقي العرب إلى ما بعد الميلاد، بل إلى ظهور الإسلام، لا يملكون عددًا كبيرًا من الخيل. وفي غزوات النبي ومعاركه مع المشركين، كان عدد الخيل التي اشتركت في المعارك محدودًا معدودًا، مع أنها كانت مهمة جدًّا وعدة
стр. 215
حاسمةً في إحراز النصر. وذلك بسبب قلتها إذ ذاك، وعدم تمكن كل الناس من اقتنائها؛ إلا من كان موسرًا منهم، أو في حال حسنة. فقد كانت تكاليف الخيل كثيرة لا يتحملها إلا ذَوُو الدخل الحسن، فالخيل في حاجة إلى عناية ورعاية، وطعامها للمحافظة على صحتها يكلف باهظًا. فلا بد من تقديم الحشائش والحبوب لها ثم إن مجال استعمالها في البادية محدود لأنها لا تستطيع تحمل جوع الصحراء وعطشها تحمل الجمل، كما أنها لا تستطيع السير في رمال البوادي المهلكة المتعبة مسافات بعيدة لهذا لم يقبل الأعرابي العادي على شرائها أو تربيتها في تلك الأيام، فصارت من نصيب أهل اليسر والحال الحسنة، يمتلكها ويعتني بها من يملك السيارات في هذه الأيام. كثرتها عند الرجل علامة على ثرائه ووجاهته بين الناس.
ونظرًا لسرعة الخيل وخفّتها في الكرّ والفرّ، صارت أهم سلاح لنجاح الغزو وإلحاق الأذى بالعدو، يغِير عليها المغير فيبَاغِت خصمه بهجوم سريع خاطف، فيربكه، ولهذا أخذت القبائل، ولا سيّما القبائل الساكنة في مضارب قريبة من الأرياف ومن الحضر، تشتري الخيل وتعتني بها للمحافظة على حياتها في الدفاع والهجوم. وعدّت القبائل القوية، هي التي تملك عددًا كبيرًا من الخيل، وصار للفارس مقام خطير في ذلك الزمن، لشجاعته وصبره في الدفاع عن مواطنيه؛ فهو بمثابة "الكومندو" في هذه الأيام١.
واستعملت الخيل للتسلية واللهو واللعب، فتسابق على ظهورها الفرسان في حلبات السباق، وتراهن الناس على السابق، ولعب الفرسان بعض الألعاب: ألعاب الفروسية وخرجوا على ظهورها للصيد، فالصياد الراكب، أقدر من الصياد الراجل على مطاردة الصيد.
وفي القرآن ذكر للخيل كمصدر من مصادر القوة، يرهب بها المسلمون أعداءهم ومصدر من مصادر الثروة، ومصدر من مصادر الزينة وبهجة الحياة الدنيا٢. وفي الحديث ذكر لها كذلك وثناء عليها. وعُدّت الخيول من الحيوانات
стр. 216
الشريفة الرفيعة في التوراة١، وصوّرت على شكل خيول من نار فيها، تهبط على أعداء الرب لتنزل بهم الهلاك والدمار٢.
أما البغال، فإنها من الحيوانات المعروفة بتحملها للمشقّات، وقدرتها على السير في المناطق الوَعِرة، مثل الهضاب والأرضين المتموجة والجبال. وقد استعملت في الحمل وفي الركوب، وهي تؤدي خدمات في هذه المناطق يَعْسُر على الجمل القيام بها، وقد يعجز عنها. أما هي: فإن من الصعب عليها العمل في البوادي ذات الرمال، كما أنها لا تستطيع الصبر صبر الجمل على تحمل الجوع والعطش أيامًا متوالية عديدة؛ لذلك لم يقبل عليها أهل البادية، ولم يعتنوا بها.
وقد حرم قدماء العبرانيين على أنفسهم تربية البغال، وأول من أباح ذلك وجوز لهم استعمالها هو "داود"، ومنذ ذلك الحين، أقبلوا على تربيتها والاستفادة منها في أرض فلسطين٣. ويظهر أن قدماء العبرانيين لم يكونوا يعرفون البغال، فلما وجدوها عند أمم وثنية غريبة عنهم، كرهوا استعملها فحرموها على أنفسهم، حتى انتبه "داود" لفائدتها ومنافعها، فاستعملها، ثم قلده في ذلك بقية العبرانيين بالتدريج.
ويظهر أن البغال لم تكن كثيرة الاستعمال في جزيرة العرب حتى ظهور الإسلام. فقد ورد في كتب السير أن "دلدلًا"، بغلة النبي، "أول بغلة رُئِيتْ في الإسلام أهداها له المقوقس، وأهدى معها حمارًا يقال له عُفير"٤. وورد أيضًا: "أُهْدِيَ لرسول الله، ﷺ ، بغلة شهباء فهي أول شهباء كانت في الإسلام"٥.
وورد: "أهدى فروة بن عمرو إلى النبي، ﷺ ، بغلة يقال لها فضة"٦.
стр. 217
وورد في القرآن الكريم: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً......﴾ ١؛ مما يدل على أن من الناس من استعمل البغال للركوب وللزينة. وقد كان من الأشراف والوجهاء من يتخذ البغال للركوب في الطرق الوَعِرة. أما مَنْ هم دونهم في المنزلة، فكانوا يتخذون الحمير.
وقد ورد في شعر ل "بشر بن أبي خازم الأسدي" ما يفيد أن البغال كانت معروفة في بعض المواضع، وأن أبوالها كانت تترك وَقِيعًا أي أثرًا على الأرض٢. والظاهر أنه قصد بعض الأرضين الوعرة التي كان من الصعب على غير البغال السير بها، وذلك مثل بلاد اليمن التي كانت تستعمل البغال للركوب ولرفع الأثقال.
والحمير هي أول واسطة للركوب وللحمل عند الحضر وأهمها، هي للحضري مثل الجمال للبدوي، وهي مركب مريح لا يسبب إزعاجًا، ولا سيّما إذا كان أتانًا؛ لأنها أهدأ وآمَنْ من العثار. هذا، إلى أنها صبور تتحمل المشقّات، ولعل صبرها وتحملها وسكوتها عند ضربها، قد حمل كل الناس على وسمها بالبلادة. فشُبِّه البليد بالحمار، فإذا أريد تعبير شخص بالبلادة وعدم الفهم قيل إنه "حمار". ليس ذلك عند العرب وحدهم، بل عند غيرهم من الشعوب القريبة منهم مثل العبرانيين، والبعيد عنهم. فشهرة الحمار بالبلادة شهرة عالمية٣. ويقال للحمار "حامور" "hamor" في العبرانية. أما الأنثى. فإنها "أتون" "athon" أي "أتان" في العربية. وأما الحمار الصغير، وهو ما يقال له "الكر" أو "الجحش"؛ فإنه "عير" "ayir" في العبرانية٤.
ويظهر من ملاحظات بعض الباحثين أن الحمار في جزيرة العرب هو أقدم عهدًا من الجمل ومن الخيل والبغل؛ إذ كان واسطة الركوب والنقل في أوائل الألْف الثانية قبل الميلاد. فلما حلّ الجمل محله خفف من واجباته وأعماله، وصار عند العرب في منزلة هي دون منزلة الجمل بكثير.
стр. 218
والبقر من الحيوانات القديمة في بلاد العرب، وهي من الحيوانات الملازمة لأهل الحضر في الغالب، ولا سيّما لأهل الريف، أما الأعراب فإن استفادتهم منها غير ممكنة وتكاليفها كثيرة بالنسبة إليهم، ثم إنها لا تستطيع تحمل طبيعة البادية، لذلك لم يقبلوا عليها، ولم يعتنوا بتربيتها، بل ربما نظروا إلى أصحابها نظرة ازْدِرَاء وعدم احترام. ويستفاد من ألبانها ومن لحومها وجلودها، كما يستفاد منها في حرث الأرض، وفي سحب الماء من الآبار، وفي جر العربات. وقد عُثر على ألواح مكتوبة بالمسند وعليها صور ثيران تقوم بحراثة التربة لتهيئتها للزرع.
والأغنام، هي المادة الرئيسية لتمويل الناس باللحوم والصوف. تربى في كل أنحاء جزيرة العرب، ويستفاد من ألبانها كذلك. أما "المعز" فيربى في المناطق المتموجة، أي ذات التلال، وفي الأرضين الجبلية بصورة خاصة. ويستفاد منها مادة للحوم وللحليب وللجلود، ويستعمل شعرها للخيام السود المصنوعة من شَعْرها في تلك الأزمنة١. ولكن هذه الأنواع من الماشية، لا تستطيع العيش في البادية؛ لذلك كانت من نصيب أهل المدن وحدهم. أما أهل الوبر الضاربون في البادية فإن ماشيتهم الوحيدة الإبل.
وعرفت جزيرة العرب الأسد، الذي قلّ وجوده فيها في الإسلام، ويظهر من كثرة أسمائه في اللغة ومن ورود اسمه في الشعر الجاهلي، أنه كان كثيرًا فيها، وقد اشتهرت أماكن خاصة منها بكثرة أُسُودها حتى قيل لها "مآسد" والواحدة "مأسدة". ومن هذه الأماكن "عثّر"، وإليها نسبت "أسود عثر"، و "عتود" وهي قرية نسبت إليها الأسود كذلك٢. وقد عرف الأسد بشدة بطشه وبقوته وبسيادته على سائر مملكة الحيوان في القوة، ولهذا لقبوا الشجاع الذي لا يقهر أسدًا.
أما بقية الحيوانات المعروفة باسم الحيوانات الوحشية، أي التي لم تألف الإنسان، فمنها النمر٣ والفهد والثعلب والذئب والقط الوحشي والضبع والبقر
стр. 219
الوحشي١، أو الرئم والحمار الوحشي، وقد كان الجاهليون يصطادونه ويأكلونه عند الحاجة، حتى حرمه الإسلام، والنعامة٢ والغزال والضَبّ، وله ذنب معقد، ويأكله الأعراب. والورل والوزغ، واليربوع، والقنفد. ولا تزال مواضع من اليمن والحجاز وحضرموت تحتضن قردة تتيه وحدها على الجبال والمرتفعات، فخورة بأنها من نسل تلك القرود التي عاشت قبل الإسلام بأمد طويل.
وعرف العقاب والبازي والنسر والصقر واليوم من بين الكواسر التي تنقض على الطيور الضعيفة والهوام فتعيش عليها، والغراب بأنواعه معروف في جزيرة العرب وله قصص في الأساطير العربية، ولهذا الطائر قصص في الآداب الأعجمية كذلك، لها علاقة كما هي عند العرب بالتفاؤل والتشاؤم بصورة خاصة وكان من الحيوانات التي تركت أثرًا في أساطير الشعوب القديمة وما برح الناس يتطيّرون من نعيبه.
والهدهد المذكور في القرآن الكريم، من الطيور الجميلة المحبوبة، وهناك أنواع عديدة من الحمام والعصافير والقطط والعنادل، وغيرها من الطيور الجميلة ولبعضها أصوات جميلة أخاذة ساحرة، كما أن لبعضها ألوانًا زاهية.
والجراد، وإن كان طعامًا شهيًّا لكثير من البدو، بلاء على أهل الحضر؛ يأكل زرعهم ويأتي على ما غرسوه فتحل بهم المجاعة، ويزيد في قساوة الطبيعة علىالإنسان. ولذلك عُدّ نقمة توجهها الآلهة على البشر، وتعبيرًا عن الغضب الإلهي على الخارجين على طاعة الآلهة، ولما كان يحدثه من أضرار بالزرع والأثمار والأشجار٣.
والعقارب ذات أحجام وألوان، وهي تلدغ من تصيبه فتؤذيه وتؤلمه إيلامًا شديدًا، وهي مثال الحقد واللؤم عند العرب، فيضرب المثل بطبيعتها، على عكس الأفاعي والحيّات، مع أنها مؤذية كذلك، وقد تميت من تلدغه.
والسبب في ذلك أنها أكبر حجمًا من العقرب، وفي استطاعة الإنسان رؤيتها وتجنبها، ثم إنها لا تقدم على الإنسان ولا تلدغه إلا إذا شعرت أنها في وضع
стр. 220
حرج مخيف بالنسبة إليها. ولهذا ورد في الأمثال: "نحو العقرب لا تقرب، نحو الحية افرش ونم"، وزعم أن العقرب عمياء مع أنها ترى مثل سائر الحيوانات؛ ولكن صغر حجمها ولونها الذي يقرب من لون التراب، وكثرة وجودها في البيوت، هي عوامل تجعل الإنسان لا يميزها بسهولة، ولا يشعر بها إلا وقدمه عندها أو فوقها، فتلدغه عندئذ دفاعًا عن نفسها، كما يفعل أي حيوان آخر باستعمال ما عنده من وسائل الدفاع عن النفس.
وقد تركت الأفاعي والحيّات أثرًا كبيرًا في القصص العربي ولما كان بعضها كبير الحجم، ويقفز على من يهاجمه بسرعة خاطفة، أفزع الناس في البوادي والأودية، وترك في مخيلاتهم آثارا باقية لا تنسى. جعلهم يربطون بين الحيّات والأفاعي والعفاريت، وبين الجن "الجان"، بأن جعلت فصائل منها.
وتعيش في الرمال وفي الغابات وبين الصخور، فصائل من الحيّات مختلفة الأحجام، بعضها صغير، يقفز قفز بعض السمك فوق سطح البحر، أو الهوام وبعض الحشرات فوق سطح الأرض. فلا يشعر المارّ إلا وأمامه حية قافزة تفزعه وترعبه. وقد طار صيتها وانتشر خبرها خارج حدود جزيرة العرب؛ فوصفت بلاد العرب بكثرة الحيات الطائرة، حتى زعم أن لبعضها أجنحة، وأنها ذات ألوان متعددة، وكوّن وجودها قصصًا في مخيلة الأشوريين واليونان والرومان، نرى أثره فيما ذكره "هيرودتس" و "سترابو" عن تلك الحيات١.
وقد فزع جيش "أسرحدون" في أثناء اختراقه البادية من كثرة الثعابين والحيات التي كانت تثور عليه وتقفز أمامهم كما يقول نص "أسرحدون".
وذكر أن من بينها ثعابين ذات رأسين، وأن من بينها ما له جناح فيطير. ولما مرّ الجيش بأرض "بوزو" "بازو" "bozu" "bazu"، وجد الأرض مغطاة بالثعابين والعقارب، وهي في كثرتها مثل الذباب والبعوض٢. والظاهر أن البوادي كانت منازل طيبة للثعابين. وقد تذمر الإسرائيليون من "الثعابين الطائرة" وفزعوا منها عندما كانوا يقطعون البوادي والفيافي في طريقهم إلى
стр. 221
فلسطين١. وقد أفزعت السياح المحدثين والمستشرقين، ومنهم "لورنس" الذي هاله ما رأى من كثرة الثعابين في الأماكن التي نزل بها وفي جملتها "وادي السرحان٢".
والسمك هو من أهم مواد العيش لسكان سواحل الجزيرة، يعيشون عليه ويبيعونه لحمًا جافًّا ويصدرونه إلى الأماكن البعيدة ويحملون الطري منه إلى الأماكن التي لا تبعد كثيرًا عن الساحل. ويجفف ويدق ليكون طعامًا عند الحاجة إليه، كما يكون طعامًا لحيواناتهم كذلك. ولا يزال سكان السواحل يصيدون السمك بالطرق التي تعوّد أهل الجاهلية استعمالها في السمك. ويأتي سمك "السردين" أي السمك الصغير في مواسم الشتاء إلى السواحل بكثرة، فيصاد بسهولة وتغذى به الحيوانات. وطالما تنبعث الروائح الكريهة ويتراكم الذباب بدرجة منفرة من تكدس الأسماك المعرضة للشمس لتجفيفها، فتكون من شر الأماكن لمن لم يتعود دخولها.
ومن أنواع السمك الكبير الذي يوجد في البحر الأحمر وفي البحر العربي والخليج، نوع يقال له "القرش"، يحتاج صيده إلى مهارة وبراعة، ويحمل لبيع لحمه مقطعًا في الأسواق.
وقد اشتهر اليمن والطائف في الحجاز ومواضع أهل الحضر الأخرى بدباغة الجلود ومعالجتها لتحويلها إلى مادة نافعة لصنع الأحذية أو الدلاء أو القُرَب وما شابه ذلك. وقد تصدَّر الجلود مدبوغة أو غير مدبوغة، إلى العراق أو إلى بلاد الشام لبيعها هناك.
وليست لدينا في الزمن الحاضر دراسات علمية دقيقة عن أنواع الحيوانات التي عاشت في جزيرة العرب في العصور السحيقة لما قبل الإسلام. فما عثر عليه من بقايا عظام قديم، أو أصداف ومحار، هو قليل لا يكفي لإعطاء أحكام علمية عن حيوانات جزيرة العرب في العصور البرنزية والحديدية والحجرية، أو ما قبل هذه العصور التأريخية. فليس لنا إلا الانتظار، حتى تأتي الفرص الملائمة التي يقوم فيها العلماء المتخصصون بالتجوال في مختلف بحثًا عن آثار عظام
стр. 222
وهياكل، تكشف القناع عن ذلك العالم الحي، الذي عاش في هذه البقاع قبل آلاف السنين.
وإذا كان الجمل، هو رمز جزيرة العرب، لالتصاقه بها؛ فإن النخيل هي رمز آخر لها، وكناية عن أهم حاصل ومنتوج زراعي تصدره تلك البلاد، ولهذا صارت رمزًا لها. وصار "التمر"، عند كثير من المسلمين من أهم ما يتناولونه في شهر رمضان للإفطار به؛ لأنه رمز الإسلام ورمز المدينة التي عاش وتوفي فيها الرسول.
وكما أفاد الجمل أهله الفوائد المذكورة المعلومة، من ناحية حمله ولحمه وجلده ووبره، كذلك أفادت النخلة سكان جزيرة العرب فوائد عديدة، حية وميتة، أفادتهم في تقديم ثمرة صارت إدامًا للعرب، وطبًّا يستطبُّون بها لمعالجة عدد من الأمراض. ومادة استخرجوا منا دبسًا وخمرًا وشرابًا، وأفادهم كل جزء من أجزائها، حتى أنهم لم يتركوا شيئًا من النخلة يذهب عبثًا. فهي إذن رمز الخير والبركة بكل جدارة وحق لأهل جزيرة العرب، لا يدانيها في ذلك أي نوع من أنواع النباتات النامية في هذه البلاد.
وكائن له هذه الفوائد والمنفعة، ينمو ويثمر بسهولة ويسر، لا بد أن يثمن ويقدر، ويميز على غيره. ولهذا صارت النخلة سيدة الشجر، لا عند العرب وحدهم بل عند قدماء الساميين أيضًا، وأحيطت عندهم بهالة من التقديس والتعظيم١. وزخرفت معابدهم بصورها واستعمل سعفها الأخضر في استقبال الأعياد والأبطال والملوك وكبار الضيوف؛ لأنه علامة على اليُمن والبركة والسعادة والفرح. ولا يزال السعف زينة تزين بها الشوارع في المناسبات العامة المهمة حتى اليوم. وقد عثر على صورها وصور سعفها على النقود القديمة وفي جملتها نقود العبرانيين الذين يحترمون النخلة احترامًا لا يقل عن احترام العرب لها، ولهذا ورد ذكرها في مواضع عديدة من التوراة والتلمود٢.
والنخيل، هي مثل الجمال ثروة ورأس مال يَدِرّ على صاحبه ربحًا وافرًا. ومن كان له نخل وافر كان غنيًّا ثريًّا. وقد ربح يهود الحجاز أرباحًا طائلة من
стр. 223
اشتغالهم بزراعة النخيل هناك؛ فالتمر هو مادة ضرورية للأعراب يعيش عليها ويأتدم بها، وإذ هو لم يكن يفْلَح ولا يزرع، كان يشتريه مقايضة في الغالب من تجار التمور، فيكسب أصحاب النخيل أرباحًا طائلة من بيعهم التمور. ولا يوجد مكان في جزيرة العرب فيه ماء، إلا والنخلة هي سيدة المزروعات فيه، بل تكاد تكون النبات المتفرد بالزرع في أكثر تلك الأمكنة. لا يزاحمها نبات آخر من النبات.
والنخلة هي من أقدم الأشجار التي احتضنها الساميون، ولعل الفوائد التي حصل الساميون عليها من هذه الشجرة، هي التي حملتهم على تقديسها وعدّها من الأشجار المقدسة، فنجد النخلة مقدسة عند قدماء الساميين وعدّوا ثمرها وهو التمر من الثمار المقدسة التي تنفع الناس١.
أما الكروم، فقد غرست في مناطق من الجزيرة اشتهرت، وعرفت بها مثل الطائف واليمن. وأما الأشجار المثمرة الأخرى مثل الرمان والتفاح والمشمش وأمثالها، فقد غرست في مناطق عرفت بالخصب، وبتوافر الماء فيها، ويميل أهلها إلى الزراعة والاستقرار، مثل مدينة "الطائف" مصيف أهل مكة منذ الجاهلية، واليمن. وقد ذكر أن الكروم دخلت إلى بعض المناطق حديثًا، فورد أنها دخلت إلى "مسقط" مثلًا في القرن السادس عشر للميلاد، على أيدي البرتغاليين٢، ودخلت إلى الحجاز في القرن الرابع بعد الميلاد غريبة من بلاد الشام. ويرى بعض الباحثين أن النبط واليهود كانوا الوسطاء في نقل الأشجار المثمرة إلى الحجاز٣.
أما أشجار ضخمة تمد الناس بالخشب على نحو ما نجده في الهند أو في إفريقية، فلجفاف الجزيرة لا نجد فيها مثل تلك الأشجار. لذلك استورد العرب خشب سفنهم ومعابدهم وبيوتهم من الخارج في الغالب، من إفريقية ومن الهند، خلا الأمكنة القريبة من الجبال والمرتفعات التي يصيبها المطر، وتصطدم بها الرطوبة، فقد نبتت فيها أشجار كونت غابات وأيكات، أفادت مَنْ في جوارها؛ إذ
стр. 224
أمدتهم بما احتاجوا إليه من خشب لاستعماله في مختلف الأغراض. وقد كانت منطقة "حسمى" وأعالي الحجاز ذات غابات، وقد تعبّد أهلها لإله اسمه "ذو غابة"، إله الغابات، كما كست الأحراج الطبيعية والغابات جبال اليمن وجبال حضرموت وعمان.
وما زال أهل العروض ولا سيما سكان الخط، يستوردون أخشاب سفنهم من الهند، لعدم وجود الخشب الصالح لبناء السفن عندهم أو في أماكن قريبة منهم. وهم في ذلك على سنة أجدادهم الذين عاشوا قبل الإسلام بل قبل الميلاد، يذهبون بسفنهم الشِّرَاعية إلى سواحل الهند وسيلان تحمل إليها التمور وحاصلات جزيرة العرب والعراق وتعود بهم محملة بحاصلات الهند ومنها الخشب الثمين للاستفادة منه في بناء السفن ولاستعماله في المعابد الضخمة المهمة وفي قصور الملوك.
والسدر من الأشجار المعروفة في جزيرة العرب، وترتفع شجرته أمتارًا عن سطح الأرض، وتكوّن ظلًّا يقي من يجلس تحته لهيب الشمس ووهجها المحرق. وتكون له ساق قوية متينة. وهو لا يحتاج إلى سقي دائم، لأن جذوره تمتد عميقة في باطن الأرض، فتمتص الرطوبة، ويعطي ثمرًا هو "النبق"، ويستعمل ورقه استعمال الصابون في تنظيف الجسم.
وأشجار مثل السّدر ذات ارتفاع وظلّ، وهي أشجار ذات نفع كبير لأهل البلاد التي تغلب عليها طبيعة الجفاف، لا يمكن أن يقدر أهميتها وفائدتها إلا من ركب الصحراء في يوم حار، ثم جاء فجأة فجلس تحت ظل شجرة تقيه وتقي حيوانه من لهب الشمس، سيرى نفسه في جنة وسط جهنم. فلا عجب إذا ما عبد بعض العرب وبعض الساميين مثل هذه الأشجار، وتقرّبوا إليها بالنذور والقرابين، وتوسّلوا إليها، أو عدّوها من الأشجار المباركة، من أشجار طوبى، الأشجار التي وُعِد بها المتقون في الجنة.
وقد عبد قدماء العبرانيين بعض الأشجار المثمرة، وعدّوها إلاهة أنثى، لا إلهًا ذكرًا، وذلك لخاصية الحمل التي فيها، وقد تصوّروا أن للقمر أثرًا في حمل الأشجار، أي في إعطاء الثمرة١.
стр. 225
وقد ذكرت أسماء بعض الفواكه والأثمار والأشجار في القرآن الكريم، ويدل ذلك على وجودها في الحجاز، واستعمال الناس لها، ووقوفهم عليها، مثل التين والزيتون والأعناب والطلح والسّدر الرومان وعلى وجودها وزرعها في الحجاز، قبل الإسلام بأمد. ولم يكن الحجاز مثل اليمن وحضرموت في كثرة الأشجار والفواكه، وذلك لجفافه بالقياس إلى جو العربية الجنوبية الذين ساعد على نموّ الأشجار.
والأَثْلِ والأراك والغَضَى الذي يستخرج منه الفحم، والمعروف بجمره، و "السنط"، والسمح، و "الصعتر"، وأمثالها، هي من الأشجار التي لا تزال تنمو وتعيش في مواضع متعددة من الجزيرة، وبعضها في الأقسام الغربية والجنوبية؛ حيث تنمو وتنبت على المرتفعات، يستخرج منها الناس وقودًا، أو ثمرًا بريًّا يأكلونه، وقد يستفيدون من ورقه فيجفِّفُونه ويسحقونه فيبيعونه.
وأما الحبوب والخضر والبقول، فتحتاج كلها إلى سقي، لهذا انحصرت زراعتها في الأماكن التي تتوافر فيها المياه أو تتساقط عليها الأمطار في المواسم المناسبة. لذلك نجدها في الحجاز وفي اليمن وفي العربية الجنوبية وفي مواضع المياه من نجد والعروض. والحبوب هي الحنطة والشعير والذرة والأرز، وسأتحدث عنها وعن بقيتها في باب الزراعة عند الجاهليين. وبعض الخضر، مستورد من الخارج، أُدخل من العراق أو من بلاد الشام أو من إفريقية والهند، فالبطيخ مثلا المعروف بـ "الخربز" عند أهل المدينة مستورد كما يدل عليه اسمه الفارسي من العراق: استورد قبل الإسلام بأمد. ويمكن الاستدلال من أسماء الأثمار والخضر، ومن دراسة توزيعها وأماكن وجودها، على الأماكن التي جاءت منها، فدخلت جزيرة العرب قبل الإسلام.
أما "البخور" واللبان -بترول العالم في ذلك الزمان- والصموغ والمرّ والمنتوجات الزراعية الأخرى التي اشتهرت بها العربية الجنوبية، وكانت مصدر رخائها، ومصدر تنافس الدول الكبرى عليها في ذلك الزمان، فقد زالت أهميتها بالتدريج، وذهب أثر سحرها بتبدل الأيام. و "ظفار" والمناطق الأخرى، وإن كانت لا تزال ترى أشجار البخور تنبت على الفطرة حتى اليوم، قد زالت دولتها الآن فلا تأتي للسكان بالذهب والفضة؛ فقد تغير ذوق العالم، وتبدلت تجارته، وصار يفتش عن الذهب الأسود، منتوج الطبيعة في باطن الأرض.
стр. 226
وفي هذه المواضع من العربية الجنوبية وفي الأودية وحافات الهضاب والجبال التي كانت تنبت بها تلك الموارد الثمينة، والتي لا تزال تنبت على الطبيعة، تشاهد كهوف ومغَاوِر غريبة وآبار وكتابات جاهلية بالمسند، وآثار مقابر تتحدث كلها عن قوم كانوا قد استوطنوا هذه الأماكن قبل الإسلام بزمان طويل١. أما الآن فهي خرائب، ترجو من الأحياء توجيه نظرهم إليها لإحيائها ولاستنطاق آثارها وكنوزها لتحدثهم عن ماضيها القديم.
وقد حبت الطبيعة اليمن بمزية جعلتها تحتضن كل النباتات المذكورة، وتنبت أكثرها أنواع المزروعات، وذلك بأنعامها عليها بجبال وبمرتفعات وبمنخفضات حارة رطبة، هيأت لها ثلاثة جواء، تنتج محصولات ثلاثة أنواع من المناخ: منتوج المناخ المرتفع البارد، ومنتوج المناطق المعتدلة، ومنتوج المناطق الحارة.
وقد عرف أهل اليمن الأذكياء كيف يستغلون تربتهم، فعلموا مدارج على سفوح جبالهم وعلى المرتفعات، أصلحوا تربتها، وذلك لحصر مياه المطر عند نزوله، ضمانًا لدخوله التربة وإروائها، وزرعوا تلك المدارج أو السلالم العريضة بمختلف المزروعات وذلك قبل الإسلام بأمد طويل، فأمنوا بذلك خيرًا وافرًا لهم، جعل اليمن من أسعد بلاد جزيرة العرب، فهي العربية السعيدة والعربية الخضراء بكل جدارة، وهي موطن الحضارة وأرقى مكان نعرفه في الجزيرة في أيام ما قبل الإسلام.
ومن النبات ما هو دخيل استورد من الخارج، من العراق أو من بلاد الشام، وقد احتفظ قسم منه باسمه الأعجمي القديم. ويظهر أن بعضه قد دخل بعد الميلاد. وقد يكون من المفيد دراسة نبات جزيرة العرب قبل الإسلام، لمعرفة الدخيل منه وكيفية وصوله إلى الجزيرة، كما يستحسن دراسة الكتابات الجاهلية لاستخراج ما ورد فيها من أسماء النبات.
وأما البوادي فإن ظروف الخصب والنماء فيها محدودة، تركزت في مواضع المياه وفي الأماكن الرطبة التي تكون المياه الجوفية فيها على حافة القشرة، وفي أعقاب الأمطار، حيث تخضر الأرض وتلبس حلة خضراء سندسية جميلة، لكن لبسها لا يدوم طويلًا، فسرعان ما تمزقها الرياح الجافة والأهوية الحارة، فتقضي
стр. 227
عليها وتظهر حقيقة ما تحتها من تربة جافة عبوس، لا مكان للنبات فيها ولا مجال لزرع فيها في مثل هذه الظروف.
والواحات ومواضع الآبار والمياه في البوادي، هي رحمة للإنسان حقًّا، ومنظر تقرّ به العين. فالواحة في البادية، لؤلؤة وكنز وجنة وسط جحيم، لا يدرك جمالها ولا يعرف قدرها إلا من اضطر ركوب البوادي وتعرض لرياح السموم ووهج الشمس وعواصف الرمال تستقبل الأوجه بذات الأرض الناعمة، تهاجم العيون والأنوف والأفواه، وتضطر حتى الجمل إلى البطء في سيره وإلى التوقف، ثم تأتي على ما لدى الإنسان من ماء حرص على حمل أكبر كمية يستطيع حملها للوصول إلى مكانه المقصود لضمان حياته في هذه البادية وحياة حيوانه الذي هو فيها جزء من حياته أيضًا. ولولا الآبار والواحات في هذه البوادي، لما كان من الممكن طرقها وسلوكها، وإلا كان الدمار والهلاك.
وفي هذه المواضع التي حبتها الطبيعة بـ "إكسير الحياة" يستعيد المسافر نشاطه ويتجدد أمله، ويسترد قواه، يعطيه ماؤها قوة تعيد إليه كبرياءه وعظمته وجبروته، ثم تنسيه كل ما تعرض له من مصاعب ومشقات، وما أبداه من عجز وضعف تجاه القوى الخفية القادرة المهيمنة على الصحراء. وعندئذ يتذكر حكمة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ١. ويشعر ببحر الماء والخضراء، يسحر هذه الأشجار والشجيرات والأعشاب النامية في هذه التربة بفضل "إكسير الحياة". ومهما كان الإنسان في هذا المكان من السذاجة والبلادة والجهل، فلا بد أن يستولي عليه شعور من حيث لا يشعر بعظمة سحر هذا المكان.
أما الغرباء الذين يعجبون من تقاتل العرب فيما بينهم على موضع صغير فيه بئر أو بركة ماء أو عشب، فإنهم سيدركون سر هذا التقاتل في حياة أهل البادية لو كلفوا أنفسهم يومًا اجتياز تلك البوادي الواسعة العابسة. عندئذ فقط، يدركون أن ذلك القتال الذي وسم أهل البادية بسمة حب الغزو والغارات لم يكن سببه فردية وأنانية، وإنما غريزة إنسانية تنبت في كل إنسان متى عاش في هذه الظروف القاسية العابسة الفقيرة. إنها غريزة المحافظة على الحياة.
ولا غرابة بعدُ إذا ما تغنى العربي بمواضع المياه والبادية بعد نزول الغيث
стр. 228
عليها، وإذا ما أظهر الحنين إليها، وتوجع في شعره وفي غنائه على الليالي المقمرة يقضيها في باديته يناجي سماءه الصافية ونور قمره الساطع يغازله ويوحي إليه، ويرسل إليه النسمات العليلة، وإلى جانبه حبيبته. يذكر حسّه هذا في شعره وفي غنائه وفي موسيقاه، حتى ليبدو للغريب، وكأن ما يقوله العربي ويحسّ به نغمة واحد ساذجة مكررة تعاد تعاد من غير معنى ولا سبب. ولكن حسّه هذا حس الصحراء، وليس في الصحراء غير نغم واحد، تترنم به الطبيعة، فإما هدوء شامل، وإما نسمة واحدة عليلة مستمرة، وإما عواصف رملية، إذا هدأت عاد إلى الصحراء هدوءُها المعهود.
ومناخ جزيرة العرب -على العموم- حار شديد الحرارة، جاف، إلا على السواحل، ولا سيما في التهائم، فإن الرطوبة تكون عالية فيها، ولهذا يتضايق الناس من أثر الحر فيهم، مع أن الحرارة ذاتها فيها لا تكون عالية كثيرًا، وإنما مبعث هذا التضايق هو من الرطوبة المصحوبة بالحرارة، ولهذا صار بعض مواضع التهائم من شر الأمكنة على وجه هذه الأرض.
ولهذا الجو الرطب الحار أثر في حالة الناس، في صحتهم وفي نشاطهم. فانتشرت الأمراض في الأماكن التي تكثر فيها السباخ والمستنقعات، وفتكت بالناس، وتكدس فيها الذباب وتجمعت الحشرات لملاءمة مثل هذه الأجواء لمعيشة هذه المخلوقات.
ولهذا السبب المذكور، عاشت في هذه الأرضين ونمت النباتات التي تألف المناطق الحارّة الرطبة، والأعشاب التي تعيش على المستنقعات وفي الأرض الرطبة، من حشائش وقصب وأعشاب.
أما في الداخل، فإن الحرارة فيها تكون جافة، ولهذا فإنها لا تكون حديدة الطبع، على نحو حر السواحل. ويتلطف الجو في الليالي في النجاد، فيكون الليل رحمة للناس ينسيهم قسوة النهار وشدة حرارته، وفقر الحياة، لا سيما إذا كمل القمر، وصار قرصًا يسحر الناظرين. فإن سحره يكون عامًّا، يشمل الغني والفقير، ويبعث في النفوس الرقة والحنان، ويثير فيها عواطف الشجن المنبعثة من قسوة الحياة وشحّها وفقر الأرض، فتأخذ النفوس الرقيقة في مناجاته بقيثارة بسيطة ذات ثقوب، ينفخ فيها لتخرج منها أصواتًا تسمع القمر فعل سحره في نفس الإنسان المعذب في النهار المحروم من طيب الحياة التي ينعم بها
стр. 229
أهل الأرضين الآخرون، أو بآلات بسيطة أخرى صنعوها بأيديهم لتعبر أناملهم وأوتار آلاتهم الساذجة عن إحساسهم الحزين، ثم لا يكتفي أصحاب هذه النفوس الرقيقة في الغالب بإرسال نغمات الحس العميقة من آلة، بل يقرنون تلك النغمات الحزينة بنغمات بشرية تنطق بما في قلب الإنسان من حس وألم دفين يوحيه إليه ألم الحرمان، ودغدغة النسيم العليل، وسحر القمر وتلألؤ مصابيح السماء. فتخرج نغمات شجية حزينة، تعاد وتكرر، لتسبح السماء على هذا الجمال الساحر، ولتفسر للسامع نوع الحياة في هذه البقاع التي وهبتها الطبيعة عاطفة عميقة، وسحرًا فاتنًا في الليل، وحرمتها خيرات الدنيا في أثناء النهار، ولتخبره بهذه النغمات المعادة أن الحياة هنا بسيطة لا تعقيد فيها ولا التواء وأنها معدودة محدودة، وعودة وتكرار.
وقد يعجب الغريب من تغزل العرب ب" ريح الصبا"، ومن مدحهم لها إلى حد بلغ الإفراط، فليس في أشعار العالم، ولا في نثرهم، شعر أو نثر فيه هذا القدر من التغزل بريح من الرياح. وقد لا يفهم الغريب أي تعليل يقدم إليه ولا يقبله، وخير جواب يقدم إليه هو حضوره بنفسه إلى جزيرة العرب للاستمتاع بلذة "الصبا" في ليلة مقمرة من ليالي الجزيرة، وسيعرف عندئذ سحر دلال "الصبا" وسحر تغزل العرب بها، على عكس "السموم"، التي تشوي الوجوه، وتعمي العيون، فتجعل الشعراء يلعنونها، والناس يتذاكرون ثقلها وشدتها عليهم وما ألحقته بهم من مهالك وأضرار.
والمطر هو غوث ورحمة لسكان جزيرة العرب، يبعث الحياة للأرض، فتنبت العشب والكلأ والكمأة والأزهار، ويحوّل وجهها العابس الكئيب إلى وجه مشرق ضحوك، فيفرح الناس وتفرح معهم ماشيتهم، ويخرج أهل الحضر إلى البادية للتمتع برؤية البساط الأخضر المطرز بالأزهار، وللاستمتاع بالمنظر الساحر الذي كسا الربيع به وجوه البوادي، ولصيد الغزلان والحيوانات الأخرى التي جاءت هي أيضًا من مآويها لتشارك الطبيعة في فرحتها، ولتشبع نفسها بعد جوع وعطش. وتفرج الإبل، ويَدِرّ لبنها، ويكثر نسلها، وتتضاعف بذلك ثروة أصحابها، ويسير الجمل متبخترا فخورًا بنفسه معتزًّا، بطرًا لا يَقْضَم منها إلا ما يعتقد أنه طعام لذيذ له، يَقْضَم من موضع ثم يتركه بطرًا إلى موضع آخر، وقد كان قبل ذلك من جوعه يأكل كل ما يقع بصره ويراه. أفليس من حقّ العرب
стр. 230
إذن تسمّي المطر "غيثًا"؟ وأن تفزع وتتوجع من انحباسه، وأن تفزع إلى آلهتها تتوسل إليها لإرسال سحب المطر إليها، وتتقرب إليها بالدعاء وبصلوات "الاستسقاء"و "الاستمطار"، لترسل إليها غيثًا يغيثها ويفرج كربتها يدرأ عنها مصيبة تنزل بها إن انحبس المطر؟ لذلك كان انحباس "الغيث" عند العرب كارثة يتألم منها الناس، ويكابد من فداحتها الحيوان.
والجفاف هو الصفة الغالبة على جوّ جزيرة العرب؛ فالأمطار قليلة والرطوبة منخفضة في الداخل إلا التهائم والسواحل، فإنها ترتفع فيها كما ذكرنا. ولكنّ الطبيعة رأفت بحال بعض المناطق، فجعلت لها مواسم تنزل فيها الغيث، لإغاثة كل حي، وأهمها اليمن. أما عمان، فينزل فيها مقدار منه، ينفع الناس ويعينهم على تصريف أمورهم. وأما باقي الأقسام، فإن أكثرها حظوةً ونصيبًا من المطر، هي النفود الشمالي، وجبل شمر، فتنزل بها الأمطار في الشتاء، فتنبت أعشاب الربيع. وأما الصحاري الجنوبية فلا يصيبها من المطر إلا رذاذ، وقد تبخل الطبيعة عليها حتى بهذا الرّذاذ١.
وينهمر المطر أحيانًا من السماء وكأنه أفواه قرب قد تفتحت، فيكوّن سيولًا عارمة جارفة تكتسح كل ما تراه أمامها، وتسيل إلى الأودية فتحوّلها إلى أنهار سريعة الجريان. وقد لاقت "مكة" من السّيول مصاعب كثيرة، وكذلك المدينة والمواضع الأخرى٢ وقد يهلك فيها خلق من الناس، وتسيل مياه السيول إلى مسافات حتى تصب في البحر، وقد تبتلعها الرمال فتغوص فيها وتجري في باطن الأرض مكوّنة مجاري جوفية، تقترب وتبتعد عن قشرة الأرض على حسب قربها أو بعدها منها، وعلى حسب قرارة المكان الذي تسيل عليه. وقد تبلغ البحر فتدفق عيونًا في قاعة، كالذي نشاهده في الخليج بين الساحل والبحرين.
وقد استفاد أهل اليمن بصورة خاصة وأهل حضرموت والحجاز من السّيول بأن بنوا سدودًا للسيطرة عليها، ولحبسها إلى حين الحاجة. وسدّ "مأرب" الشهير هو خير تلك السدود شهرةً وصيتًا، وقد غذى بإكسير الحياة مساحات واسعة من أرض سبأ. وقد وجد السياح آثار سدود قديمة في نواحي من الحجاز ونجد والعربية الجنوبية تعود إلى ما قبل الإسلام، بنيت في مواضع ممتازة تصلح
стр. 231
جيّدًا لمنع مياه السّيول من الذهاب عبثًا، حتى إن المهندسين المحدثين رأَوْا إنشاء سدود جديدة في هذه الأَمْكنة للاستفادة من مياه السيول لإحياء أرضين موات في الزمان الحاضر، يمكن قلبها إلى مزارع وجنان خضر.
إن أرض اليمن التي صادقتها الطبيعة فأحسنت إليها ووهبتها هبات تحسدها المناطق الأخرى عليها، وهبتها أمطارًا موسميّة ووهبتها جوًّا حارًّا رطبًا في تهامة
منظر يمثل المدرجات المقامة على الجبال والتلال لزراعتها
من كتاب "Jemen, das Verbotene Land" لمؤلفه Guenther Pawelke (الصفحة ٥٦)
اليمن وجوًّا معتدلا في المرتفعات، وجوًّا لطيفًا في الجبال، ووهبتها نباتات كثيرة تناسب تنوع هوائها وحيوانات عديدة كثيرة، ومعادن متنوعة، هي
стр. 232
أرض ذات حظ كذلك بعدد سكانها؛ فإنها حتى اليوم من أكثف مناطق جزيرة العرب وأكثرها سكانًا. وسكانها ثروة مهمة ومصنع غذى بلاد العرب والبلاد الإسلامية بموجات من القبائل، نشرت الإسلام والثقافة العربية في البلاد المفتوحة، كما أنه موّن العراق وبلاد الشام في الجاهلية بقبائل، استوطنت هناك؛ فكوّنت حكومات مثل حكومة الحيرة وحكومة الغساسنة، ونسب المناذرة ونسبة الغساسنة يرجع إلى اليمن. ولا تزال اليمن تقذف بالألوف من أنبائها كل عام، تقذف بهم في شتى الأنحاء إلى سواحل إفريقية المقابلة، حتى بلغ بعضهم الولايات المتحدة وإنكلترة، فكوّنوا فيها جاليات يمانية. ويعيش اليوم زَهَاء مليون يماني خارج اليمن، هاجروا من بلادهم لظروف مختلفة لا مجال للبحث فيها في هذا المكان. وقد سبقهم أجدادهم قبل الإسلام، فطفروا حدود جزيرة العرب وذهبوا إلى مصر وإلى بعض جزر اليونان.
ويعَدّ سكان "الجبل الأخضر" سعداء حقًّا بالقياس إلى سكان جزيرة العرب الساكنين في العربية الشرقية أو في البوادي الواقعة في جنوب المملكة العربية السعودية، فإن الغيوم المثقلة بالأبخرة تصطدم بمرتفعات هذا الجبل فتضطر إلى تفريغ شحنتها عليه. ولهذا توافرت المياه فيها، فاستغلها السكان وزرعوا عليها. وصارت الأودية من مواطن الحضارة القديمة التي تعود إلى ما قبل الإسلام بزمان طويل، كما صارت سفوح الجبال والمرتفعات موارد رزق للزرّاع، يستهلكون من الحاصل ما يحتاجون إليه، ويصدرون الباقي لمن يحتاج إليه من أهل بقية جزيرة العرب. وما زال أهل البلاد يزرعون على سنة آبائهم وأجدادهم الأقدمين. وقد شاهد السياح آثار سدود في هذه المناطق شيّدها الأقدمون للتحكم في الأمطار التي تسقط بغزارة وتجري سيولًا.
وفي مثل هذه الأمكنة نجد كتابات دوّنها أصحابها شكرًا لآلهتهم على إنعامها عليهم بالغلّة الوافرة وبالحصاد الغزير، أو لإنعامها عليهم بأرض مخصبة ولمساعدتها إيّاهم على حفر بئر زودتهم بماء للسقي وللزرع، ووجود هذه الكتابات دليل ناطق على وجود الحضارة فيها في تلك الأيام.
أما مواطن الحضارة، فقد وزّعتها الطبيعة بيدها، وما برح هذا التوزيع معترفًا به. وزّعتها عليها توزيعها للنبات والمعادن والماء. ففي المحلات ذوات الحظ التي أحبها الماء، فظهر فيها واحاتٍ وعيونًا وأحساء أو رطوبات أو
стр. 233
نهيراتٍ أو مطرًا موسميًا، ظهر الاستقرار، وتولّدت الحضارة على قدر إسعاف الماء ومقدار استعداده لوضع نفسه في خدمة الأهلين وفي خدمة حيواناتهم وزراعتهم لا فرق بين أن يكون الماء في باطن الجزيرة أو في الأودية أو في السواحل، ولو أن لموقعة دخلًا في ازدياد ثروة أصحابه وفي تمكينهم من الاتصال بالخارج، فتنفتح عندئذ لهم أبواب العالم، كأن يكون الموضع على طريق، أو على مفترق طُرُق، أو على ساحل أو مرفأ بحري، أو على مقربة من بلد متحضر مثل العراق أو بلاد الشام. أما إذا كان واحة منعزلة ومحلّا نائيًا، فإن الحضارة لا يمكن أن تظهر بالطبع فيه ظهورها في الأماكن المذكورة.
ومن هنا نرى الحضارة والاستقرار والميل إلى الاستقرار في بلاد اليمن وحضرموت أظهر وأبرز من أي مكان آخر، نرى فيها حكومات بالمعنى المفهوم من الحكومة قبل الميلاد بأمد طويل، ونرى فيها مُدنًا فيها عامرة مسوّرة لها حصون وقِلاع وتنظيمات وتشكيلات حكومية، ونرى فيها مؤسسات دينية ترعى المسائل الروحية والروابط التي تربط بين البشر وخالقهم، ونرى أنظمة وقوانين مكتوبة وسُدُودًا وأبنية عالية مرتفعة وفنًّا ما زالت جذوره ومظاهره خالدة باقية في دم الناس. ثم نرى مثل ذلك أو قريبًا منه في أعالي الحجاز وفي الأرضين الداخلة في هذا اليوم في المملكة الأردنية الهاشمية. أما الواحات والعيون والآبار؛ فقد صارت مستوطنات لتمويل المستقر والقادم بالماء والتمر وبشيء من الحبوب والخضر، وإذا كانت على طريق صارت مأوى للقوافل، ولهذا لم يكن من الممكن قيام حكومات كبيرة بها، لعدم توفر الشروط اللازمة لإنشاء الحكومات الكبيرة بها، واضطرت إلى توثيق علاقاتها بأهل البادية، وإلى الارتباط بهم بروابط العهود والمواثيق ودفع الإتاوة لمنعهم من التعرض لهم بسوء.
فالحياة في جزيرة العرب، هي هبة الماء، ولهذا انحصرت في هذه الأماكن المذكورة، وصار فرضًا على رجال القوافل وأصحاب التجارات المرور بها، وهو أي الماء، الذي رسم لأصحاب الجمال خطوط سيرهم إلى المواضع التي يريدون السير إليها، وحدد لهم معالم الطرق. وأقام لهم أماكن الراحة، وما زال الأعراب والتّجّار يسلكون تلك الطرق، للوصول إلى الأماكن النَّائية بالوسائل القديمة التي استعملها سكان الجزيرة قبل الإسلام، وبالمركب القديم، بطوله وبعرضه وهو الجمل. ولكن وسائط النقل الحديثة التي نافسته وأحالته مكرهًا على التقاعد.
стр. 234
واضطرته إلى الانسحاب من بعض الطرق، لا تزال تطارده وتنافسه في الطرق الأخرى، وعندئذ لا بد من حدوث مشكلات بالنسبة إلى تربية هذا الحيوان الصحراوي القديم الذي أخلص للبادية، وبقي على إخلاصه لها، ولكن الأمر ليس بيد البادية؛ وإنما هو بأيدي قاهر البوادي والأرضين والجواء، السيد الإنسان.
أما السواحل، فخلقت من سكانها رجال بحر، يحبّون ركوب البحر واستخراج ما فيه للتعيّش به ولبيعه وتصريفه في الأسواق، كما جعلتهم أصحاب ضيافة، يقدمون الماء وما عندهم من طعام إلى السفن القادمة إليهم، ويعرضون ما عندهم من سلع فائضة لبيعها لهم، ويشترون من أصحاب تلك السفن ما عندهم من بضاعة نافعة، فتحولت إلى أسواق للبيع والشراء، المتعاملون بها مزيج من القادمين إليها من أنحاء الجزيرة ومن الوافدين الأجانب القادمين إليها من الخارج، وقد اجتذبت هذه الأمكنة إليها الغرباء، فسكنوا بها، واختلطوا بسكانها، وتولّدت بها أجيال مختلطة ممتزجة الدماء، كلما كانت قريبة من ساحل مقابل، كان مظهر الاختلاط والامتزاج أظهر وأكثر، ولهذا احتضنت تهامة والسواحل العربية الجنوبية عددًا كبيرًا من الإفريقيين، هاجروا إليها من السواحل الإفريقية المقابلة واستقروا فيها بكثرة، واختلطوا بأصحاب البلاد الأصليين. أما سواحل عمان والخليج، فقد اجتذبت إليها الهنود والفرس، وقد عُثر في مواضع من سواحل عمان على بقايا عظام بشرية اتَّضَح أنها من بقايا الهنود "الدراوديين"، سكّان الهند القدماء. ولم ينسَ البحّارة وأصحاب السفن اليونان سواحل جزيرة العرب، فأقاموا مستعمرات يونانية في مواضع متعددة منها سيأتي الكلام عليها فيما بعد.
وقذفت الطبيعة بالأعراب في كل مكان من أمكنة الجزيرة، حتى زاد عددهم على الحضر، والصفة الغالبة عليهم، أنهم لا يرتبطون بالأرض ارتباط المُزَارع بأرضه، ولا يستقرون في مكان إلا إذا وجدوا فيه الكلأ والماء؛ فإذا جفّ الكلأ وقلّ الماء، ارتحلوا إلى مواضع جديدة. وهكذا حياتهم حياة تنقل وعدم استقرار، لا يحترفون الحرف على شاكلة أهل الحضر، ولذلك صارت حياتهم حياة قاسية، يتمثل مجتمعهم في القبيلة. فالقبيلة هي الحكومة والقومية في نظر البدوي.
وإن حياة على هذا الشكل والطراز، حياة لا تعرف الراحة والاستقرار، ولا تعترف إلا بمنطق القوة. حياة جلبت المشقة لأصحابها، والمشقة لمن يقيم على
стр. 235
مَقْرَبة منهم من الحضر. فهم نزاع دائم فيما بينهم، ثم هم في نزاع مع الحضر، ولهذا كان خطر البداوة على العرب، يوازي خطر الغرباء البعداء عليهم، وصارت البداوة مشكلة عويصة لكل حكومة، ولا تزال مشكلة حتى اليوم، ولن تُحَلّ إلا بإقناع الأعراب بأن حياة الاستقرار خير لهم وأفضل من حياتهم التي يحبونها، وذلك بوسائل لا يدخل الكلام عليها في حيّز هذا الكتاب.
стр. 236
الطرق البرية:
من نتائج غَلَبَة الطبيعة الصحراوية على أرض جزيرة العرب، أن انحصر امتداد شرايين المواصلات فيها في أماكن خططتها الطبيعة نفسها للإنسان، فجعلتها تسير بمحاذاة الأودية ومواضع المياه والآبار، وهي السبل الوحيدة التي يستطيع المسافر ورجال القوافل أن يستريحوا في مواضع منها ويحملون منها الماء. وتنتهي رءوس هذه الطرق بالعراق وببلاد الشام في الشمال وبالعربية الجنوبية وبموانئها في الجنوب، وهناك طرق أخرى امتدت من العربية الشرقية إلى العربية الغربية، ولها مراكز اتصال بالطرق الطولية الممتدة من الشمال إلى الجنوب في الغالب. وقد أقيمت في مواضع من هذه الطرق مواضع سكنى ذات مياه من عيون أو آبار، عاشت ونمت بفضل منة مائها عليها؛ فصارت منازل مريحة لرجال القوافل يحمدون آلهتهم عليها، ويحمد أصحاب ذلك الماء آلهتهم على منتها عليهم بإعطائهم ذلك الكنز العظيم الذي أعانهم على العيش وجلب لهم كرم التجار.
وفي العقد الحساسة من هذه الطرق نشأت المستوطنات، ومواطن السكنى القديمة انتشرت في أماكن متباعدة بعضها عن بعض في الغالب؛ فكان لهذا التوزيع أثر كبير في الحياة الاجتماعية والحياة السياسية والعسكرية، ولا شك. وما الطرق الحالية التي يسلكها الناس اليوم إلا بقية من بقايا تلك الطرق القديمة التي ربطت أجزاء الجزيرة بعضها ببعض، كما ربطت الجزيرة بالعالم الخارجي. ونجد في مخلفات تلك المستوطنات مواد مستوردة من مواضع بعيدة، هي دليل بالطبع على أن الإنسان كان يقطع الطرق قبل الميلاد بمئات من السنين ليتاجر ويبيع ويشتري دون أن يبالي المسافة وطول الشُّقَّة وصعوبة الحصول على وسائل النقل وما يتعرض له، وهو في طريقه إلى هدفه، من مخاطر وأهوال.
стр. 237
وتُعَدّ "نجران" من أهم المواضع المهمة الحساسة في شبكة المواصلات البرية قبل الإسلام، ففيها تلتقي طرق المواصلات الممتدة في الجنوب، وفيها يتصل الطريق البري التجاري المهم الممتد إلى بلاد الشام، فيلتقي بطريق العربية الجنوبية ومنها يسير الطريق المارّ إلى "الدواسر" فالأفلاج فاليمامة أو ساحل الخليج ومنه إلى العراق.
ولم تموّن الطرق المارة بالعربية الشرقية أي "ساحل الخليج" العراق بتجارة جزيرة العرب وبالمواد المستوردة إليها من الهند، بل موّنتها بموجات من البشر منذ آلاف السنين قبل الميلاد. فقد كانت القبائل العربية النازحة من الجنوب لأسباب متعددة تحطّ على هذا الساحل، انتهازًا لفرصة ملائمة ترحل خلالها إلى العراق لتستقر فيه. وقد سلكت أكثر القبائل العربية التي استوطنت العراق هذا السبيل حينما هاجرت إليه قبل الميلاد وبعده أيضا.
стр. 238
الفصل السادس: صلات العرب بالساميين
مدخل
...
الفصل السادس: صلات العرب بالساميين
لاحظ المعنيون بلغات "الشرق الأدنى" وجود أوجه شبه ظاهرة بين البابلية والكنعانية والعبرانية والفينيقية والأرمية والعربية واللهجات العربية الجنوبية والحبشية والنبطية وأمثالها؛ فهي تشترك أو تتقارب في أمور أصلية وأساسية من جوهر اللغة، وذلك في مثل جذور الأفعال، وأصول التصريف، تصريف الأفعال، وفي زمنيّ الفعل الرئيسيين، وهما: التام والناقص، أو الماضي والمستقبل، وفي أصول المفردات والضمائر والأسماء الدالة على القرابة الدموية والأعداد، وبعض أسماء أعضاء الجسم الرئيسيَّة١، وفي تغير الحركات في وسط الكلمات الذي يحدث تغيّرًا في المعنى، وفي التعابير التي تدل على منظمات الدولة والمجتمع والدين٢، وفي أمور مشابهة أخرى، فقالوا بوجوب وجود وحدة مشتركة كانت تجمع شمل هذه الشعوب، وأطلقوا على ذلك الأصل، أو الوحدة "الرس السامي" أو "الجنس السامي"، أو "الأصل السامي"، أو "السامية،٣ "semites" "semitic race" "semites" وعلى اللغات التي تكلمت وتتكلم بها هذه الشعوب
стр. 239
"اللغات السامية"١، "semitic languages".
وقد أخذ من أطلق هذه التسمية، تسمية هذه من التوراة٢. أخذها من اسم "سام بن نوح"، جدّ هذه الشعوب الأكبر، كما هو وارد فيها. وأول من أطلقها وأذاعها بين العلماء عَلَمًا على هذه الشعوب، عالم نمساوي اسمه "أوغست لودويك شلوتسر" august ludwing schloetzer أطلقها عام "١٧٨١م" فشاعت منذ ذلك الحين، وأصبحت عند العلماء والباحثين في موضوع لغات الشرق الأدنى عَلَمًا للمجموعة المذكورة من الشعوب٣ وقد أخذ "آيشورن" "joh. Cotte. Eichhorn" هذه التسمية، وسعى لتعميمها بين العلماء علمًا على الشعوب المذكورة٤.
وفي عام "١٨٦٩م" قسم العلماء اللغات السامية إلى مجموعتين: المجموعة السامية الشمالية، والمجموعة السامية الجنوبية٥ وتتألف المجموعة الشمالية من العبرانية والفينيقية والأرمية والآشورية والبابلية والكنعانية. وأما المجموعة الجنوبية، فتتألف من العربية بلهجات والحبشية. وعمّ استعمال هذا الاصطلاح بينهم وأصبح موضع "الساميات" من الدراسات الخاصة عند المستشرقين، تقوم على مقارنات وفحوص "أنتولوجية" و "بيولوجية" وفحوص علمية أخرى؛ فضلًا عن الدراسات التأريخية واللغوية والدينية٦.
وهذه القرابة الواردة في التوراة، وذلك التقسيم المذكور فيها للبشر، لا يستندان إلى أسس علمية أو عنصرية صحيحة، بل بُنِيت تلك القرابة، ووضع ذلك التقسيم على اعتبارات سياسية وعاطفية وعلى الآراء التي كانت شائعة عند شعوب
стр. 240
العالم في ذلك الزمان عن النسب والأنساب وتوزع البشر١. فحشرت التوراة في السامية شعوبًا لا يمكن عدّها من الشعوب السامية، مثل "العيلاميين" "elam" و "اللوديين" "ludim" "lud"، وأقصت منها جماعة من الواجب عدّها من الساميين، مثل الفينيقيين" و "الكنعانيين"٢.
ويرى "بروكلمن" أن العبرانيين كانوا قد تعمدوا إقصاء الكنعانيين من جدول أنساب سام، لأسباب سياسية ودينية، مع أنهم كانوا يعلمون حق العلم ما بينهم وبين الكنعانيين من صلات عنصرية ولغوية٣.
وقد رَجَع الإصحاح العاشر من التكوين نسب الفينيقيين والسبئيين إلى حام، جد الكوشيين، ذوي البشرة السوداء، مع أنهم لم يكونوا من الحاميين، وقد يكون ذلك بسبب وجود جاليات فينيقية وسبئية في إفريقية، فعدّ كتبة التوراة هؤلاء من الحاميين٤.
وقد عرف المسلمون اسم "سام بن نوح"، وقد كان لا بد لهم من البحث عن أولاد "نوح" لما لذلك من علاقة بما جاء عن "نوح" وعن الطوفان في القرآن الكريم. وقد روي أن رسول الله قال: "سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أو الحبش"٥، وقد روى "الطبري" جملة أحاديث عنه في هذا المعنى. وقد لاحظت أنها كلها وردت من طريق "سعيد بن أبي عروبة" عن "قتادة" عن "الحسن" عن "سمرة بن جندب"، وهي في الواقع حديث واحد، ولايختلف إلا اختلافًا يسيرًا في ترتيب الأسماء أو في لفظ أو لفظين٦.
ومن هنا يجب أن يدرس هذا الحديث وكل الأحاديث المنسوبة إلى الرسول في هذا الباب دراسة وَافِية، لنرى مدى صحة نسبتها إلى الرسول، كما يجب دراسة ما نسب إلى عبد الله بن عبّاس أو غيره في هذا الشأن، فإن مثل هذه الدراسات تحيطنا علمًا برأي المسلمين أيام الرسول وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى في نسبتهم إلى سام بن نوح٧.
стр. 241
وقد قسم بعض علماء الساميّات المحدثين اللغات السامية إلى أربع مجموعات هي: المجموعة السامية الشرقية ومنها البابلية والآشورية، والمجموعة الشمالية ومنها الأمورية والأرمية، والمجموعة الغربية ومنها الكنعانية والعبرانية والموابية والفينيفية، والمجموعة الجنوبية ومنها المعينية والسبئية والأثيوبية والعربية والأمهرية١. ويلاحظ أن واضعي هذا التقسيم لم يراعوا في وضعه التطورات التأريخية التي مرت بها هذه اللغات بل وضعوا تقسيمهم هذا على أسس المواقع الجغرافية لتلك الشعوب.
والسامية بعد، ليست رسًا "race" بالمعنى المفهوم من الرس عند علماء الأحياء، أي جنس له خصائص جسميّة وملامح خاصة تميّزه عن الأجناس البشرية الأخرى. فبين الساميين تمايز وتباين في الملامح وفي العلامات الفارقة يجعل إطلاق "الرس" عليهم بالمعنى العملي الحديث المفهوم من "علم الأجناس"، أو الفروع العلمية الأخرى نوعا من الإسراف واللغو، كما أننا نرى تباينًا في داخل الشعب الواحد من هذه الشعوب السامية في الملامح والمظاهر الجسمية، وفي هذا التمايز والتباين دلالة على وجود اختلاط وامتزاج في الدماء، سأتحدث عنه في الفصل الخاص بالأنساب وبانقسام العرب إلى قحطانيين وعدنانيين.
ولقد وجد بعض علماء "الأنثروبولوجي" مثلًا أن بين اليهود تباينًا في الصفات وفي الخصائص التي وضعها هذا العلم للجنس، مع ما عرف عن اليهود من التقيد بالزواج وبالابتعاد عن الزّواج من غير اليهود٢. وكذلك وجد العلماء الذين درسوا العرب دراسة "أنثروبولوجية" أن بين العرب تباينًا في الملامح الجسمية. وقد اتَّضح وجود هذا التباين عند الجاهليين أيضًا، كما دلت على ذلك الفحوص التي أجريت على بقايا العظام التي عُثر عليها في مقابر جاهلية٣. كذلك وجد علماء "الأنثروبولوجي" من فحص العظام التي عُثِر عليها في الآثار الآشورية والبابلية أن أصحابها يختلفون أيضًا فيما بينهم في الملامح التي تعد أساسًا في تكوين جنس من الأجناس.
стр. 242
ولهذا، فإني حين أتحدث عن السامية لا أتحدث عنها على أنها جنس، أي رس صاف بالمعنى "الأنثروبولوجي"، بل أتحدث عنها على أنها مجموعة ثقافية وعلى أنها مصطلح أطلقه العلماء على هذه المجموعة لتمييزها عن بقية الأجناس البشرية؛ فأنا أجاريهم لذلك في هذه التسمية، ليس غير.
إن بحوث العلماء في موضوع السلالات البشرية وفي الأجناس البشرية وفي توزع الشعوب وخصائص ومميزات الأجناس لا تزال بحوثًا قلقة غير مستقرة. ولهذا نجد نتائج بحوثهم في تعريف الجنس وفي صفات الأجناس وفي المسائل الأخرى المتعلقة بهذا الموضوع مختلفة، ولا سيما أن هنالك عدة أمور تؤثر في حياة الإنسان وفي خصائصه الروحية والجسمية. والنواحي اللغوية وبعض الخصائص الروحية الأخرى، وإن كانت مهمة وضرورية لدراسة الناحية العقلية للإنسان؛ إلا أنها ليس الأسس الوحيدة لتكوين رأي في الأجناس البشرية١.
فالسامية إذن، بهذا المعنى هي مجرد اصطلاح، قصد به التعبير عن هذه الروابط أو الظواهر التي نراها بين الشعوب المذكورة، أما البحث على أن الساميين جنس من الأجناس بالتعبير الذي يعنيه أهل العلوم من لفظة جنس، فإن ذلك في نظري موضوع لا يسع علماء الساميّات أو علماء التاريخ أن يبتّوا فيه ويصدروا حكمًا في شأنه، لأنه بحث يجب أن يستند إلى تجارب وبحوث مختبرية، وإلى دارسات للشعوب الباقية من السامية، بأن ندرس جماجم قدماء الساميين وعظامهم في جزيرة العرب وفي المواطن الأخرى التي انتشر فيها الساميون، وعند اكتمال مثل هذه الدراسات ووصولها إلى درجات كافية ناضجة يمكن العلماء حينئذ أن يتحدثوا عن السامية من حيث أنها جنس بالمعنى العلمي، أو جنس بالمعنى الاصطلاحي.
هذا وقد عني بعض الباحثين المحدثين بدراسة ما عثر عليه في بعض القبور العادية من عظام، لتعيين أوصافها وخصائصها والجنس الذي تعود إليه، كما قام بعضهم بدراسة أجسام الأحياء وإجراء فحوص عليها وتسجيل قياسات الرءوس
стр. 243
وملامح الأجسام وما إلى ذلك مما يتعلق بموضوع "الأجناس البشرية"، وإذا ما استمر العلماء على هذه الدارسة وتوسعوا فيها، فسيكون لها شأن خطير في وضع نظريات علمية عن تأريخ أجناس الشرق الأدنى وفي جملتهم الساميين.
وممن بحث في "أنثروبولوجية" الشرق الأدنى "كبرس ariens kappers"، وقد وضع مؤلفًا قيّمًا في دراسة شعوب الشرق الأدنى١. و "الدكتور سلكمن"٢ "dr. seligman"، و "شنكلن w. shanklin" الذي عني بدراسة "أنثروبولوجية" سكّان شرقي الأردن وتقسيماتهم وحالات أعصابهم٣، و٤ "a. mochi"، و "برترام توماس" الذي قام بدراسات علمية عديدة من هذه الناحية لنماذج من أفراد القبائل العربية الجنوبية٥، والبعثة الأمريكية التي أرسلها متحف "فيلد:" بشيكاغو لدراسة "أنثروبولوجية" القبائل العراقية النازلة على مقربة من "كيش"، عدا دراسات أخرى عديدة قام بها علماء آخرون٦.
وقد أجريت أكثر هذه البحوث في مناطق عرفت باتصالها منذ القديم بالعالم الخارجي، وفي أرضين استضافت الغرباء، فهي لذلك لا يمكن أن تعطينا فكرة علمية عن "أنثروبولوجية" داخل جزيرة العرب، فلا بد من القيام بدراسات دقيقة في قلب الجزيرة لتكوين رأي علمي عن عرب هذه الأماكن.
وقد لاحظ الفاحصون للعظام التي عُثِر عليها في الأقسام الجنوبية الشرقية من جزيرة العرب وجود تشابه كبير بين جماجم أهل عمان وجماجم سكان السواحل الهندية المقابلة لهذه البقاع، كما لاحظوا تشابهًا كبيرًا في الملامح الجسمية بين العرب الجنوبيين أهل عدن وبقية العربية الجنوبية الغربية وتهامة وسكان إفريقية الشرقية.
стр. 244
وقد اتخذ القائلون إن أصل العرب الجنوبيين من إفريقية هذه التشابه حجة، تذرّعوا بها في إثبات نظرياتهم هذه١.
غير أن هذه الفحوص أشارت من جهة أخرى إلى حقيقة تخالف النظرية الإفريقية؛ إذ بيّنت أن أشكال جماجم العرب الجنوبيين ورءوسهم هي من النوع الذي يقال له"٢ "brachycephaly". أما أشكال جماجم سكان إفريقية الشرقية ورءوسهم، فمن النوع الذي يعرف باسم "dolichocephaly" في الغالب٣. وهذا التباين لا يشير إلى وحدة الأصل. وقد تبين من هذه الفحوص أن أشكال جماجم العرب الشماليين ورءوسهم، هي من نوع "dolichocephaly" كذلك، أي أنها نوع مشابه لأشكال جماجم الإفريقيين الشرقيين ورءوسهم٤.
وقد حملت هذه النتائج بعض الباحثين على التفكير في أن العرب الجنوبيين كانوا في الأصل في المواطن التي تكثر فيها الرءوس المستديرة، وأن هذه المواطن هي من آسية الصغرى إلى الأفغان؛ فزعموا أنهم كانوا هناك ثم هاجروا منها إلى مواطنهم الجديدة في العربية الجنوبية٥، كما زعموا أن سكان "عمان" قد تأثروا تأثرًا كبيرًا بالدماء "الدراوبدينية" "dravidian" الهندية، لهذا نجد أنهم يختلفون بعض الاختلاف عن بقية العرب الجنوبيين٦.
وإذا قامت بعثات علمية بالبحوث "الأنثروبولوجية" في مواضع أخرى من جزيرة العرب ولا سيما في باطن الجزيرة، وإذا ما استمر العلماء والسياح في البحث عن العظام والأحداث، وفي دراستها دراسة مختبرية، واستمروا في إجراء فحوصهم على الأحياء، وقورنت نتائج فحوصها بنتائج فحوص العلماء في بقية أنحاء الشرق الأدنى، فإن البحث في الساميات وفي علاقات الشعوب القديمة بعضها ببعض، سيتقدم كثيرًا، وسيأتي ولا شك بنتائج علمية مقبولة في موضوع السامية والجنس السامي.
стр. 245
وطن الساميين:
وتساءل العلماء الباحثون في الأجناس البشرية: من أين جاء الساميون الأول، آباء الشعوب السامية؟ وأين كان موطنهم الأول وبيتهم القديم، الذي ضاق بهم في الدهر الأول، فغادروه إلى بيوت أخرى؟ أما أجوبتهم، فجاءت متباينة غير متفقة لعدم اهتدائهم حتى الآن إلى دليل مادي يشير إلى ذلك الوطن، أو يؤيد نظرية وجود مثل هذا الوطن، فقامت آراؤهم على نظريات وفرضيات، وبحوث لغوية وعلى آراء مستمدة من الروايات الواردة في التوراة عن أصل البشر، وعن أبناء نوح، والأماكن التي حلّ بها هؤلاء الأبناء وأحفادهم ثم أحفاد أحفادهم، وهكذا على نحو ما تصورته مخيلة العبرانيين. فرأى نفر منهم أن أرض بابل، كانت المهد الأول للساميين، ورأى آخرون أن جزيرة العرب هي المهد الأول لأبناء سام، وخصص فريق آخر موطنًا معينًا من جزيرة العرب، ليكون وطن سام وأبنائه الأُوَل، وذهب قسم إلى إفريقية فاختارها لتكون ذلك الوطن، لما لاحظه من وجود صلة بين اللغات السامية والحامية، ورأى قوم في أرض "الأموريين" الوطن الصالح لأن يكون أرض أبي الساميين، على حين ذهب قوم آخرون إلى تفضيل أرض "أرمينية" على تلك الأوطان المذكورة. وهكذا انقسموا وتشعّبوا في موضوع اختيار الوطن السامي، ولكل حجج وبراهين.
وحتى القائلون بنظرية من هذه النظريات وبرأي من هذه الآراء، هم قَلِقُون غير مستقرين في نظرياتهم هذه، فتراهم يُغَيّرون فيها ويبدلون. يفترضون وطنًا أصليًّا لجدّ الساميين، ثم يفترضون وطنًا ثانيًا يزعمون أن قدماء الساميين كانوا قد تحوّلوا من الوطن الأول إليه، فصار الموطن الأقدم لهم. فقد ذهب "فون كريمر" مثلًا، وهو عالم ألماني إلى أن إقليم "بابل" هو موطن الساميين الأُوَل، وذلك لوجود ألفاظ عديدة لمسمّيات زراعية وحيوية "حياتية" أخرى تشترك فيها أكثر اللغات السامية المعروفة، وهي مسميات لأمور هي من صميم
стр. 246
حياة هذا الإقليم، إلا أنه عاد فذكر أنه وجد أن لفظة "الجمل" لهذا الحيوان المعروف هي لفظة واردة في جميع اللغات السامية وفي ورود هذه التسمية في جميع هذه اللغات دلالة على أنها من بقايا اللغة "السامية" الأولى. ولكن الجمل حيوان أصله وموطنه الأول الهضبة المركزية التي في آسيا على مَقْرَبة من نهر سيحون ونهر جيحون، ولما كان قد لازم الساميين من فجر تأريخيهم واقترن اسمه باسمهم، وجب أن يكون موطن الساميين الأقدم إذن هو تلك الهضبة، إلا أن أجداد الساميين غادروها في الدهر الأول، وارتحلوا عنها فانحازوا إلى الغرب مُجْتَازِين إيران والأرضين المأهولة بالشعوب "الهند أوروبية" حتى وصلوا إلى إقليم "بابل"، فنزلوا فيه، فصار هذا الإقليم الوطن الأقدم أو الأول للساميين.
وطريقة "فون كريمر" في هذه النظرية، دراسة أسماء النبات والحيوان في اللغات السامية وتصنيفها وتبويبها للتمكن بذلك من معرفة المسميات المشتركة والمسميات التي ترد بكثرة في أغلب تلك اللغات. والتوصّل بهذه الطريقة إلى الوقوف على أقدم الحيوان والنبات عند تلك الشعوب، فإذا اهتدينا إليها صار من السّهل على رأيه التوصل إلى معرفة الوطن الأصل الذي جمع في يومٍ ما شمل أجداد الساميين١.
أما "كويدي"، وهو من القائلين أيضا أن إقليم بابل هو الموطن الأول للساميين؛ فقد سار على نفس أسلوب "فون كريمر" نفسه وطريقته، ولكن بصورة مستقلة عنه. درس الكلمات المألوفة في جميع اللغات السامية عن العمران والحيوان والنبات ونواحي الحياة الأخرى، وقارن بينها وتتبّع أصولها ثم قال قوله المذكور، إلا أنه اختلف عن "فون كريمر" في الوطن الأول؛ حيث رأى أن مواطن الساميين الأُوَل كانت الأرضين في جنوب بحر قزوين وفي جنوب شرقيه إلا أنهم غادروها بعد ذلك وارتحلوا عنها إلى إقليم بابل٢.
وأما "هومل"، وهو من العلماء الألمان الحاذقين في الدراسات اللغوية، فقد
стр. 247
ذهب أولًا إلى أن موطن الساميين هو شمال العراق، ثم عاد فقرر أن إقليم بابل هو الوطن الأصل، وذهب أيضا إلى أن قدماء المصريين هم فرع من فروع الشجرة التي أثمرت الثمرة السامية، وهم الذين نقلوا على رأيه الحضارة إلى مصر نقلوها من البابليين١.
وقد ناقش "نولدكه" آراء هؤلاء العلماء المذكورين القائمة على المقابلات والموازنات اللغوية، وعارضها معارضة شديدة، مبيِّنًا أن من الخطأ الاعتماد في وضع نظريات مهمة كهذه على مجرد دراسة كلمات وإجراء موازنات بين ألفاظ لم يثبت ثبوتًا قطعيًا أن جميع الساميين أخذوها من العراق، وأورد جملة أمثلة اختلف فيها الساميون، مع أنها أجدر المعاني بأن يكون لها لفظ مشترك في جميع اللغات السامية٢.
ومن أوجه النقد التي وجهت إلى نظرية القائلين إن العراق، أو إقليم بابل منه بصورة خاصة، هو موطن الساميين، هو أن القول بذلك يستدعي تصوّر انتقال الساميين من أرض زراعية خِصْبَة ذات مياه إلى بوادٍ قفرة جردٍ، وإبدال حياة زراعية بحياة خشنة بدوية، ومثل هذا التصور يخالف المنطق والمعقول والنظم الاجتماعية.
وأما القائلون إن الموطن الأصلي لجميع الساميين هو جزيرة العرب، فكان من أولهم "شبرنكر". فقد رأى أن أواسط جزيرة العرب، ولا سيّما نجد، هو المكان الذي يجب أن يكون الوطن الأول للساميين، وذلك لأسباب وعوامل شرحها وذكرها. ومن هذا الوطن خرج الساميون في رأيه إلى الهلال الخصيب فطبعوه بالطَّابع السامي، ومن هذا الهلال انتشروا إلى أماكن أخرى٣.
وقد أيَّدَ هذه النظرية جماعة من المستشرقين الباحثين في هذا الموضوع من
стр. 248
أمثال "سايس"١و "أبرهرد شرادر"٣، و "دي كويه"٣ و"هوبرت كرمه"٤ و "كارل بروكلمن"٥ و "كينغ"٦و "جول ماير"٧و "كوك"، وآخرين٨.
وقد مال إلى تأييدها وترجيحها "دتف نلسن"، وهو من الباحثين في التأريخ العربي قبل الإسلام٩. وكذلك "هوكو ونكلر". و "هومل" الذي يرى أن موطن جميع الساميين الغربيين هو جزيرة العرب١٠.
وقد ذهب نفر من القائلين بهذه النظرية إلى أن العروض ولا سيما البحرين والسواحل المقابلة لها، هي الوطن السامي القديم. ويستشهد هذا النفر على صحة نظريته ببعض الروايات والدراسات التي قام بها العلماء فكشفت عن هجرة بعض الأقوام كالفينيقيين وغيرهم من هذه الأماكن.
أما "فلبي"؛ فذهب في دراساته المسهبة لأحوال جزيرة العرب إلى أن الأقسام الجنوبية من جزيرة العرب هي الموطن الأصلي للساميين، وفي هذه الأرضين نبتت السامية، ومنها هاجرت بعد اضطرارها إلى ترك مواطنها القديمة لحلول الجفاف بها الذي ظهرت بَوَادره منذ عصر "البالثوليتيك" "palaeolithic" هاجرت في رأيه، في موجات متعاقبة سلكت الطرق البرية والبحرية حتى وصلت إلى المناطق التي استقر فيها. هاجر وقد حملت معها كل ما تملكه من أشياء ثمينة، حملت معها آلهتها، وأولها الإله "القمر"، وحملت معها ثقافتها وخطها
стр. 249
الذي اشتقّت منه سائر الأقلام، ومنه القلم الفينيقي، وطبعت تلك الأرضين الواسعة التي حلت فيها بهذا الطابع السامي الذي ما زال باقيًا حتى اليوم. وقد أخذ "فلبي" رأيه هذا من دراسات العلماء لأحوال جزيرة العرب ومن الحوادث التأريخية التي تشير إلى هجرة القبائل من اليمن نحو الشمال١.
فاليمن في رأي "فلبي" وجماعة آخرين من المستشرقين، هي "مهد العرب" ومهد الساميين، منها انطلقت الموجات البشرية إلى سائر الأنحاء. وهي في نظر بعض المستشرقين أيضًا "مصنع العرب"، وذلك لأن بقعتها أمدّت الجزيرة بعدد كبير من القبائل، قبل الإسلام بأَمَدٍ طويل وفي الإسلام٢. ومن اليمن كان "نمرود" وكذلك جميع الساميين٣.
والذين يقولون إن نجدًا هي موطن الساميين الأُوَل، يفترضون أن موجات هجرة الساميين اتجهت نحو الشمال كما اتجهت نحو الجنوب والشرق والغرب٤، فكأن نجدًا معين ماء يفيض فيسيل ماءُه إلى أطرافه.
غير أن هنالك جماعة من الباحثين ترى أن نجدًا لا يمكن أن تكون الموطن الأول للساميين، وذلك لأن شروط الحياة اللازمة لم تكن تتوفر بها، اللهم إلّا في المواضع التي توجد بها آبار أو واحات، وهي قليلة متناثرة، وذلك حتى في العصور "الباليوثية" "palaeolithic ages". أما المراعي التي كانت بها في تلك الأوقات فلم تكن دائمة الخضرة، بل كانت مع المواسم ولهذا فإن السكن فيها لا يمكن أن يكون سكنًا دائميًّا مستمرًا، ثم إن السكن في نجد يقتضي وجود الجمل فيها ولم يكن الجمل موجودًا عند الساميين في العهود القديمة بل كان الحمار هو واسطة الركوب والنقل عندهم. ولما كان الحمار لا يتحمل العيش في البوادي الواسعة الفسيحة؛ لذلك لم يتمكن الساميون إذا ذاك من التوغّل في
стр. 250
الصحراء والسكن بعيدًا عن مواضع الماء، فانحصر سكنهم في أسياف البوادي أي في مناطق قريبة من الحضر، ولهذا السبب رفض العلماء رأي من يقول إن نجدًا هي الموطن الأول للساميين١.
ويمكن تلخيص الحجج والبيانات التي استند إليها هؤلاء العلماء لإثبات نظريتهم في الأمور الآتية:
١- لا يعقل أن ينتقل سكان الجبال والمزارعون من حياة الحضارة والاستقرار إلى البداوة، بل يحدث العكس. ولما كانت الشعوب السامية قد قضت في أطوارها الأولى حياة بدوية، فلا بد أن يكون وطنها الأول وطنًا صحراويًّا، وجزيرة العرب تصلح أن تكون ذلك الوطن أكثر من أي مكان آخر.
٢- ثبت أن معظم المدن والقرى التي تكوّنت في العراق أو الشام إنما كوّنتا عناصر بدوية استقرار في مواضعها، واشتغلت بإصلاح أراضيها وعمرانها، واشتغلت بالتجارة، فنشأت من ذلك تلك المدن والقرى. ولما كانت أكثر هذه العناصر البدوية قد جاءت من جزيرة العرب، فتكون الجزيرة قياسا على ذلك الموطن الذي غذّى العراق وبادية الشام وبلاد الشام بالساميين، وأرسل عليها موجات متوالية منها.
٣- هناك أدلة دينية ولغوية، وتأريخية وجغرافية، تشير بوضوح إلى أن جزيرة العرب هي مهد السامية ووطن الساميين٢.
٤- إننا نرى أن جزيرة العرب قد أمدّت العراق وبلاد الشام بالسكان، وأن القبائل الضاربة في الهلال الخصيب قد جاءت من جزيرة العرب، فليس بمستبعد إذن أن يكون الساميون قد هاجروا منها إلى الهلال الخصيب.
وقد عارض هذه النظرية طائفة من علماء الساميات، وحجتهم: أن كل ما قيل وذكر من حجج وبيّنات، لا يدل يقينا على أن جزيرة العرب كانت هي المهد الأصلي للأمم السامية، ونظرت إلى إفريقية على أنها المكان المناسب لأن يكون الوطن الأول للساميين. ومن هذه الطائفة من علماء الساميات "بلكريف"،