← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

و"المسالح" مواضع المخافة. والمسلحة كالثغر والمَرْقب يكون في أقوام يرقبون العدو لئلا يطرقهم على غرة، فإذا رأوه أعلموا أصحابهم ليتأهبوا له. ومسلحة الجند خطاطيف لهم بين أيديهم ينفضون لهم الطريق، ويتجسسون خبر العدو ويعلمون علمهم، لئلا يهجم عليهم، ولا يدعون واحدًا من العدو يدخل بلادهم. وذكر أنه كان أدنى مسالح فارس إلى العرب "العُذيب"١. فالمسالح إذن، هي الخطوط الأمامية من خطوط الدفاع عند بلد ما، ونقاط الأمان فيها، ومحل جمع المعلومات عن تحركات ونيّات العدو. بها حاميات مقيمة وظيفتها الأولى الاستطلاع وإخبار الجيش بقدوم عدو ما، ومشاغلته إلى وصول القوات المدافعة الكبيرة. و"المنظرة" "موضع الربيئة" وهي المرقبة، وتكون في مواضع مشرفة مثل رأس تل أو جبل يبنى عليه بناء يجعل فيه رقباء ينظرون العدو ويحرسونه، ليتوقوا غدره وشره. فإذا أراد الغارة، أرسلت "النظيرة" "النظورة" رسالة تحذير للتهيؤ لصد العدو. والظاهر أن اتخاذ المناظر في المواضع العالية المشرفة، هو الذي جعل علماء اللغة يفسرون المناظر بأنها أشراف الأرض لأنه ينظر منها٢. و"المراقب" و"المرقبة" الموضع المشرف، يرتفع عليه الرقيب، و"الرقيب" الحارس الحافظ، و"رقيب القوم": حارسهم، وهو الذي يشرف على مرقبة ليحرسهم. وذكر علماء اللغة أن المرقبة هي المنظرة في رأس جبل أو حصن٣، فهي في المعاني المتقدمة. و"الثغر" الموضع الذي يكون حدًّا فاصلًا بين الحكومتين. وهو موضع المخافة من أطراف البلاد. و"الثغرة": الثلمة وكل فرجة في جبل أو بطن أو طريق مسلوك٤. ويظهر من هذا التعريف أن الثغور هي المواضع الخطيرة من الحدود؛ لأنها تكون بمثابة الفرجة أو الثلمة فيها يتسنى للعدو منها التسلل بسهولة إلى أرض عدوه، ولهذا تجب حراستها والعناية بها، بوضع حاميات بها لتشغل العدو ولتصده من الولوج إليها.

стр. 3152

وقد أقام الفرس والروم "مناظر" على حدودهم، على أبعاد لا يكون ما بينها بعيدًا حتى يكون في وسع حماة "المناظر" أن يتعاونوا، ويقدموا العون للمنظرة التي تهدد بالخطر. وأقام الروم "طرقًا" ممهدة بين هذه المناظر، ليسهل على القوات السير عليها بسرعة لنجدة المناظر وحماية الحدود. وتلجأ الحكومات إلى إقامة استحكامات أخرى لوقاية الحدود من مهاجمة عدو لها، مثل إقامة الخنادق في بعض المواضع الخطيرة المهددة من الحدود لمنع المغيرين من عبورها، كالذي يذكره أهل الأخبار عن "خندق سابور" الذي أقامه لمنع الأعراب من العبور بقصد الغزو، ومثل إقامة بعض الحواجز والأسوار في الممرات والأودية، وربايا في المواضع المشرفة، لمراقبة حركات الأعداء وصدهم من المرور من هذه الأماكن.

стр. 3153

ضرب النقود: ذكرت فيما سلف أن ملوك العرب الجنوبين، ضربوا النقود، وأن في المتاحف وفي الخزائن الخاصة ببعض الناس نقودًا تعود إلى أولئك الملوك. أما بالنسبة إلى الأماكن الأخرى مثل مكة أو يثرب؛ فإننا لا نستطيع أن نتحدث بأي شيء عن ضرب النقود عندهم، لعدم عثور العلماء على نقد ضرب في هذه الأماكن، ولعدم ورود إشارة إلى وجود ذلك في موارد أهل الأخبار. والذي يستخلص من هذه الموارد أن أهل تلك المواضع، كانوا يتعاملون بعملة الروم والفرس. وهي الدنانير والدراهم. كما سأتحدث عن ذلك في الموضع المناسب عندما سأتحدث عن الأحوال الاقتصادية. ولم أجد في روايات أهل الأخبار ما يشير إلى تعامل أهل مكة أو يثرب بنقود حبشية أو بنقود ضربت في العربية الجنوبية، ولم أجد فيها ولا في كتب السير والتواريخ أن المسلمين ضربوا النقد في أيام الرسول. ولم أسمع بضرب ملوك الحيرة أو الغساسنة للنقود، ولم يعثر الباحثون -كما أعلم- على نقد ضرب في عهود هؤلاء الملوك. والظاهر أنهم كانوا يتعاملون بالعملات الفارسية والرومية. وربما كان الفرس والروم قد منعوا أولئك الملوك من ضرب النقود، لبواعث سياسية واقتصادية. ولكني لا أريد أن أجزم بأن "آل لخم" و"آل غسان" لم يضربوا النقد بتاتًا، استنادًا إلى عدم وصول

стр. 3154

نقد ضرب في أيامهم إلينا حتى هذه الأيام، أو إلى عدم إشارة أهل الأخبار إلى وجوده عندهم، فقد يعثر في المستقبل على نقود تعود إلى أيامهم، هي الآن في مخابئها، مدفونة تحت الأتربة. ثم إن أهل الأخبار لم يتحدثوا عن كل شيء، حتى نتخذ سكوتهم عن ضرب ملوك الحيرة والغساسنة للنقود حجة على عدم وجود ضرب السكة عندهم. والسكة: حديدة منقوشة كتب عليها، يضرب عليها الدراهم١. والضرب الطبع، يقال: ضرب الدرهم، أي: طبعه، على سبيل المجاز. و"اضطرب، بمعنى سأل أن يضرب له. وفي الحديث أنه ﷺ ، اضطرب خاتمًا من حديد. أي: سأل أن يضرب له ويصاغ"٢. والنقد تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها٣ وأما الطبع فالسك. يقال: طبع السكاك الدرهم؛ أي: سكه٤. وهناك مصطلحات أخرى لها صلة بالنقد، ترد في كتب الحديث واللغة يظهر منها، أنه قد كان للجاهليين ولأهل مكة بصورة خاصة وقوف على النقد، وأنهم كانوا يتعاملون بها، ولهم علم بكيفية صنعها.

стр. 3155

قواعد السلوك: وللجاهليين آداب اصطلحوا عليها بالنسبة لتعاملهم مع الملوك وسادات القبائل، فمن قواعدهم المقررة: أن الملوك لا تجز نواصيها١. وذلك لأن جزّ النواصي بالنسبة للعرب تعبير عن الازدراء بالشخص الذي جزت ناصيته، ولما كان للملوك حرمة، فلا تجز نواصيهم، ولا تجز نواصي سادات القبائل كذلك. وقد حدث أن جزّت نواصي بعض الملوك، أو إخوتهم، أو أبنائهم، أو سادات القبائل، إلا أن هذا العمل هو عمل شاذ، لا يقدم عليه، إلا لأن العداوة بين الملك وبين من قبضوا عليه أو على أقربائه أو سادات القبائل، كانت عداوة شديدة عميقة، بحيث تجاوزت حد العرب فخضعت لأحكام العواطف والأهواء.

стр. 3156

ومن قواعد آداب السلوك التي يجب على الملوك وسادات القبائل بل على كل إنسان التأدب بها والتمسك بقواعدها، تجنب الغدر١ وإذا كان الغدر عيبًا بالنسبة للسوقة وللسواد، فكم يكون الغدر معيبًا بالنسبة للملوك ولسادات القبائل ولكرام الناس!.

стр. 3157

العلاقات الخارجية: لم تصل إلينا حتى الآن نصوص في أصول آداب السلوك بالنسبة للعلاقات الخارجية بين الدول، أي: علاقات ما بين حكومات الدول العربية والدول الأجنبية. ولا نعرف لذلك طرق العرف السياسي الذي كان متبعًا عندهم في استقبال "الرسل" و"الوفود" الذين كانوا يفدون على قصور الملوك بأمر من ساداتهم ملوك الحكومات الأجنبية من أعاجم وعرب. ولكننا نستطيع أن نقول قياسًا على المألوف عند العرب، أنهم كانوا يبالغون في إكرامهم وفي ضيافتهم، وفقًا للتقاليد العربية ولظروفهم وإمكانياتهم المحلية. وكانوا يستمعون بإنصات إلى كلامهم، ثم يردون عليهم ردًّا جميلًا، إن حاز كلامهم موقعًا حسنًا في نفوس الملوك، وردًّا يناسب ما جاء في خطاب الرسل من تهديد أو وعد ووعيد، إن استعملوا التهديد والوعيد في خطبهم. ومتى عادوا أكرموا إكرامًا خاصًّا، ومنحوا ألطافًا وهدايا على الطريقة المتبعة في ذلك العهد، وقد يحملون أولئك الرسل هدايا خاصة لمن أوفدهم إليهم، يرفقونها بكتب جوابية في بعض الأحيان، أو برسائل شفوية تبلغ للرسل ليبلغوها هم لسانًا أو كتابة إلى موفديهم. و"الوفد"، القوم القادمون للقاء العظماء، وجماعة مختارة للتقدم في لقاء العظماء. ويقال: وفده الأمير إلى الأمير الذي فوقه، أي: ورد رسولًا١. وقد كان سادات القبائل يرسلون وفودًا عنهم إلى الملوك أو إلى سادات قبائل أخرى في مهام مختلفة، مثل عهد حلف أو تفاوض أو تهديد بإعلان حرب أو لتهنئة أو لتعزية أو لبيعة وما شاكل ذلك من أمور. وقد أخذت الوفود تترى على الرسول بيثرب لما استحكم واشتد أمر الإسلام.

стр. 3158

وقد يكون الرسول المرسل إلى بلاد العرب لا يعرف العربية، فيكون من الضروري إرسال مترجم معه يتقن العربية، ليقوم بأعمال الترجمة. وقد دونت الموارد اليونانية أسماء بعض الرسل الذين أرسلهم ملوك البيزنطيين إلى اليمن أو إلى الغساسنة أو المناذرة، للقيام بمهمات خاصة، ولإجراء مفاوضات في أمور تتعلق بالمصالح اليونانية العربية، وقد نصوا أيضًا على أسماء بعض المترجمين الذين رافقوهم إلى ملوك العرب أو إلى سادات القبائل. ويظهر أنهم كانوا يختارونهم من رجال الدين النصارى الذين كانت لهم صلات وعلاقات وثيقة بالعرب، ومنهم من كان من أصل عربي. وكان من عادة سادات القبائل والملوك العرب، أنهم إذا أرادوا إرسال ممثل عنهم إلى الحكام الأجانب، لمفاوضاتهم في أمور تخصهم، اختاروا من عرف بالذكاء والشيطنة من أتباعهم للقيام بهذه المهمات التي تحتاج إلى ذكاء ولباقة وحسن تصرف. وهم في هذا الباب مثل غيرهم يراعون أن يكون رسولهم ممن يتقنون لغة من سيرسل إليه، وأن يكون من خواصهم ومن أتباعهم، حتى لا يبوح بأسرار مهمته لأعدائهم. وأما إذا تعذر هذا الشرط، فكانوا يختارون مترجمين ثقات عربًا أو عجمًا لمرافقة الرسول، وللتكلم بلسانه، ولنقل ما يقوله الأعاجم للرسول. ونجد في الموارد اليونانية أن عرب بلاد الشام، أرسلوا رجال دين عنهم إلى حكام بلاد الشام أو إلى القسطنطينية لمفاوضة الروم في المهمات التي كانوا يكلفون بها. ويظهر أنهم إنما لجأوا إلى هؤلاء، لأنهم كانوا يتقنون اليونانية ولأنهم نصارى، والروم نصارى كذلك، ولبعضهم صلات برجال الكنيسة في القسطنطينية، فيساعد الدين في تسهيل حل المشكلات. وقد يذهب ملك عربي أو سيد قبيلة لزيارة الحكام الأعاجم في مواضع حكمهم، أو في أماكن أخرى يتفقون عليها. فإذا لم يكن متقنًا ذلك الملك أو سيد القبيلة للغة الحاكم الذي سيزوره أخذ مترجمًا معه، ليكون لسانه الناطق باسمه وأذنه التي تفسر له أقوال الحكام والأجانب ويظهر من الموارد اليونانية أن من الملوك الغساسنة من كان يتقن اليونانية، فلما زار بعض منهم القسطنطينية، تكلم بها وتباحث مع رجال الدين البيزنطيين في أمور اللاهوت بهذه اللغة. والقاعدة العامة في العرف السياسي عند الجاهليين، أن الموفد لا يهان ولا يعتدى عليه ولا يقتل وكذلك كان هذا العرف ساريًا على رسل الملوك إلى سادات القبائل،

стр. 3159

وعلى الوفود التي ترسلها القبائل إلى الملوك أو الرسل الذين يرسلهم سادات القبائل بعضهم إلى بعض. وطالما نقرأ في كتب أهل الأخبار جملًا مثل: "لولا أنك رسول لقتلناك"، تشير إلى احترام العرب لرسالة الرسل والموفدين. وقد كان بعض الرسل يسيئون الأدب أو لا يحسنون التصرف مع من أرسلوا إليه، فيثيرونهم، ومع ذلك، فإن من يهاج منهم يحاول جهد إمكانه ضبط نفسه، والتحكم في أعصابه، حتى لا يتهور على الرسول، فيتهم بسوء الأدب بإهانته ضيفًا، أو يتهم بالغدر. وإذا كان بعضهم قد غدر بالرسل، فإن هذا الغدر لا يمثل العرف العام، وإنما هو غدر، والغدر لؤم، وقد يقع اللؤم من لئيم. ولفظة "رسول" والجمع "رسل" هي من الألفاظ العربية القديمة المستعملة في عالم السياسة عند العرب. وردت في نص "أبرهة"، الذي أشار فيه إلى وفود أتت إليه من مأرب لتهنئته بمناسبة إتمامه سد "مأرب"، فكان من بينهم رسل النجاشي وملك الروم وملك الفرس وملك الحيرة "المنذر" وملك الغساسنة "الحارث بن جبلة" و"أبو كرب بن جبلة"١. وفي هذا النص ملاحظة مهمة جدًّا جديرة بالعناية إذا أطلق هذا النص على مندوب النجاشي وملك الروم لفظة "محشكت" أما رسل الملوك العرب المذكورين فقد أطلق عليهم اللفظة العربية "رسل". أي: أنه استعمل ثلاثة مصطلحات سياسية في هذا النص لمفهوم واحد، هو رسل أرسلوا من ساداتهم لحضور ذلك الاحتفال. وقد يذهب الظن إلى أن النص إنما استعمل تلك المصطلحات الثلاثة، لأنها مصطلحات للغات أولئك الموفدين، فاستعمل لفظة "محشكت" لأن الحبش كانوا يطلقونها على معنى "رسول" في لغتهم وهذا كلام معقول، ولكن ما باله أطلق تلك اللفظة على رسول ملك الروم أيضًا مع أنها كلمة غريبة عن اليونانية لم يستعملها اليونان، ولم يستعمل النص المصطلح الرسمي اليوناني المستعمل في اليونانية للسفير؟ ثم ما بال النص يطلق لفظة "تنبلت" على رسول ملك الفرس، واللفظة أيضًا غير فارسية وغير مستعملة عند الساسانيين؟ أفلا يدل ذلك على أن النص لم يأخذ بالمصطلحات السياسية المقررة عند الحبش والروم والفرس للسفير، وإنما أخذ بشيء.

стр. 3160

آخر، هو أهم من ذلك بكثير، لا صلة له بما ذهب هذا الظن إليه، بل لسبب سياسي مهم، هو أن مندوب ملك النجاشي في نظر أبرهة، أهم وأقدم في المنزلة من أي مندوب آخر من المندوبين الذين وصلوا إليه، لذلك قدّمه في الذكر على بقية المندوبين، وأطلق عليه لفظة "محشكت"، لأنها في معنى رسول ذي أهمية كبيرة، وله ميزات على الرسل الآخرين، فهو رسول ملك له صلة خاصة قوية به، ثم ثنى بذكر رسول ملك الروم؛ لأن الروم أصدقاء وحلفاء الحبش وأبرهة ولهم صلات قوية به، ثم إن ملك الروم مثل ملك الحبشة وأبرهة على النصرانية، فبينه وبين الروم رابطة الأخوة بالدين، فذكر لذلك مندوبهم بعد مندوب النجاشي واستعمل لفظة "محشكت"، لما لهذه الكلمة من معنى خاص في معجم ألفاظ السياسة. وذكر مندوب ملك الفرس بعد مندوب ملك الروم؛ لأن صلة الفرس بالحبش لم تكن على درجة صلة الروم بهم، ثم إنهم يختلفون عنهم في الدين ويعارضونهم في السياسة، لذلك أخره عن مندوب الروم، وأطلق عليه لفظة تشير إلى أنها دون لفظة "محشكت" في الدرجة والتقدير. ولكنها فوق لفظة "رسل" "رسول" "رسل" في الأهمية والدرجة والمكانة على كل حال. لأن ملوك الفرس أكبر شأنًا في عالم السياسة من المنذر ومن الحارث ومن أبي كرب لذلك استعمل هذه اللفظة لرسول ملك فارس واستعمل كلمة "رسل" لمندوبي الملوك العرب. وفي العربية لفظة أخرى تؤدي معنى "رسول"، هي لفظة "سفير". ويذكر علماء العربية أن السفير: الرسول والمصلح بين القوم١. وكان أهل مكة إذا وقعت بينهم وبين غيرهم حرب أو خصومة، بعثوا سفيرًا. وكانت السفارة في "بني عدي"٢. ويقال للرسول "اسى" في العربيات الجنوبية، تعبيرًا عن رسول يرسل بمهمة خاصة٣. ولجلوس رجال الوفود عند الملوك وسادات القبائل أهمية كبيرة عند العرب، فالمقدم على الناس يكون أيمن الملك أو أيمن سيد القبيلة، وهكذا. وجلوسه هذا

стр. 3161

على هذا النحو وعلى هذا العرف، هو علامة تفضيل له على غيره. ويقوم الحجاب أو من إليه أمر استقبال الوفود بتطبيق هذه القاعدة مراعاة شديدة، وقد يتولى الملك ذلك بنفسه، فيطلب من كبير القوم أو ممن يريد تشريفه وتفضيله على غيره الجلوس إلى جانبه الأيمن، ويفتخر عندئذ من ناداه الملك بالجلوس إلى أيمنه فخرًا شديدًا، ويتباهى بهذا التقديم على غيره، وتعتز قبيلته به، فتقدم الرجال عند الملوك والسادات من أمارات الشرف والعز. وقد يخلق مثل هذا التقديم للملك مشكلات خطيرة، إذ "يزعل" الباقون من هذا التفضيل، خاصة إذا كانت بينهم وبين من قدم عليهم عداوة أو منافسة، فيرون في هذا التقديم ازدراء بهم وإهانة متعمدة قد وجهت إليهم. وقد يتركون مجلس الملك، ويقع ما يقع بين الملك وبين المنزعجين، أو بين من قدم ومن قدم عليهم. ومن آيات تكريم رئيس الوفد، أن الملك كان إذا وضع الشراب، بدأ بالشرب أولًا، فإذا انتهى اسقى من كأسه من يراه أفضل القوم، وهو رئيسهم، أو أنه يأمر السقاة أو يشير إليهم إشارة واضحة أو خفية بتقديم من يراه أهلًا للتقديم، ومعنى هذا أنه أفضل الوفد. وقد أثار هذا التقديم مشكلات خطيرة للوفود المنافسة التي كانت تفد على الملوك، وإلى الملوك أنفسهم، ولا سيما الملوك الذين تحكمت أعصابهم بهم، مثل "عمرو بن هند" و"النعمان بن المنذر". وقد قتل "عمرو بن هند"، كما سبق أن تحدثت عن ذلك بسبب تهوره وانسياقه لعواطفه إذا دعا الشاعر "عمرو بن هند" وأمه لزيارته، وكان ينوي الإساءة إليه، لأنه كان فخورًا متعززًا بنفسه، فأمر الملك أمه بأن تكلف أم الشاعر بخدمتها، وهي من أعز النساء في قومها ولأنها من بيت رئاسة، فلما صرخت "وا ذلاه"، وسمع ابنها الصرخة، ثار على الملك فقتله. وكان من عادة ملوك الحيرة، أنهم يتخذون للوفود عند انصرافهم مجلسًا: يطعمون فيه ضيوفهم، ويسقونهم الخمور، وقد تغني فيه القيان١، ثم يعطي الملوك الخلع والهدايا لأعضاء الوفود، وقد يخلعون عليهم الخلع الملكية، يعطونها لخاصة من حضر دلالة على زيادة تقديرهم لهم. ويتباهى من يناله هذا الحظ السعيد بتلك الملابس ويحتفظ بها للاعتزاز.

стр. 3162

وقد جرت العادة بإنزال الوفود في دار الضيافة، ليعتني بالضيوف الوافدين ولينالوا حريتهم وراحتهم بها. ويظهر أن من عادة العرب إذ ذاك أن الوفد منهم إذا انتهت مهمته وقرر الرجوع إلى أهله، عملت له وليمة في آخر يومه، وقدمت له هدية، وتسلم له رسالة إن احتيج إلى ذلك. وقد اتبعت هذه العادة في يثرب حينما أخذت الوفود تترى على الرسول لمبايعته بالإسلام. فقد اتخذ الرسول دارًا خاصة بيثرب لتكون دارًا تنزل بها الوفود، عرفت بـ"دا رملة بنت الحارث" امرأة من بني النجار. ويظهر أنها كانت دارًا واسعة، بدليل ما ورد من أن الرسول حبس بها "بنو قريظة" لما نزلو إلى حكمه١. ولا يمكن إنزال عشرات من الناس بها لو لم تكن دارًا واسعة كبيرة. كما كان الرسول يأمر المكلف بأمر الوفود بإعطائهم جوائز يعينها له، فيعطى مقدار ما يأمره به الرسول، وما يكتبه لهم من إقطاع٢.

стр. 3163

صكوك المسافرين: هي جواز السفر في اصطلاح هذا اليوم. كان على المسافر حمله معه لئلا يتعرض به أحد١. يمنحها الملوك وسادات القبائل، وتختم بختمها، فلا يتحرش أحد بحاملها ويؤمن على سلامته. وإذا اعتدى عليه معتد طالب صاحب الجواز بحقه من المعتدي عليه. وتعطى مثل هذه الصكوك للوفود وللنابهين من الناس من أصحاب المكانة والجاه. وقد يكون الجواز شيئًا غير مكتوب. فقد كان "جواز" أهل مكة ومن كان في حلفهم لحاء شجر الحرم، يعقدونه في أعناقهم أو في أعناق إبلهم، ليكون علامة على أنهم من "قريش" أو من قوم لهم عهد وعقد معهم فلا يتجاسر أحد على التحرش بهم. للعهود المعقودة بين قريش وبين سادات القبائل، بعدم تحرش أحد برجل من أهل مكة أو بمن يكون في جوارهم ومن له عقد معهم. وقد يكون الجواز شيئًا بسيطًا: عصًا أو سهم، أو أي شيء آخر. يعطيه شخص شخصًا آخر ليكون له جواز أمن وسلام، إذا أبرزه لم يتحرش أحد به. ويكون محرمًّا، أي: مسالمًا لا يجوز لأحد الاعتداء عليه، لأنه في حرمة صاحب

стр. 3164

الجواز، ولا تهتك لصاحبه حرمة. ولما جاء الإسلام، جعل المسلمين محرمًا. جاء في الحديث: "كل مسلم عن مسلم محرم"، و"كل مسلم عن مسلم محرم، أخوان نصيران". معناه: أن المسلم ممسك عن مال المسلم وعرضه ودمه. وأنه معتصم بالإسلام ممتنع بحرمته ممن أرداه وأراد ماله١. فكل واحد هو في الإسلام آمن. ومن عادة ملوك الحيرة إعطاء "القطوط" للناس، وهي صكوك الجوائز، أي: كتب تخرج للناس فيها جوائز الملك، فيقبضون مقدار ما كتب فيها. وقد ذكرها الأعشى في قوله: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق وذكر أن القطَّ: الصَّك بالجائزة والكتاب، وقيل: هو كتاب المحاسبة، وفي ذلك يقول أمية بن أبي الصلت: قوم لهم ساحة العِرا ... ق جميعًا والقِطّ والقلم٢

стр. 3165

فهرس الجزء التاسع: الفصل الخمسون البيوت ٥ الفصل الواحد والخمسون فقر وغنى وأفراح وأتراح ٧٩ الفصل الثاني والخمسون الدولة ١٧٨ الفصل الثالث والخمسون حقوق الملوك وحقوق سادات القبائل ٢٥٣

стр. 3166

المجلد العاشر الفصل الرابع والخمسون: الغزو وأيام العرب الغزو ... الفصل الرابع والخمسون الغزو وأيام العرب الغزو: والغزو في تعريف علماء اللغة: الطلب. وهو مورد من أهم موارد الرزق عن الأعراب، لا سيما في سني انحباس السماء وانقطاع الغيث وغضب السماء على الأرض ونفورها منها، حيث تقطع غرامها بها، فتحبس عنها دموعها المعبرة عن شوق السماء إلى الأرض وعن مكانهم المنكوب إلى مكان آخر فيه ماء: بئر أو ماء جار، أو عين دائمة والاستيلاء عليه عنوةً وقهرًا، أو صلحًا بغير قتال، وذلك إذا وجد أصحاب الماء أن من غير الممكن لهم، مقاومة الغزاة، وأن خير ما يفعلونه للحفاظ على حياتهم، هو ترضية الغازين والتودد إليهم، وإرضائهم من غير حرب ولا قتال، وفي ذلك توفيق بين مصلحة الغازين والقارين. وقد يقع الغزو لأسباب أخرى لا علاقة لها بانحباس المطر، بل بسبب طمع القبائل بعضها في بعض، ولا سيما القبائل التي ترتبط بروابط حلف مع قبائل أخرى. والعادة أن القبائل القوية تطمع في القبائل الضعيفة لتأخذ منها ما عندها من مال ورزق. فتغزوها لتستولي على ما طمعت به، وقد تنجح وقد تفشل وتخسر. والقبائل الضاربة على أطراف الحضارة، تطمع في الحضر لما عندهم من رزق حرمت منه، من رزق وافر ومن ماء ومن وسائل عيش رغيدة، فتغزوهم ولهذا صار من اللازم على الحضر تعزيز أنفسهم، بناء حصون وآطام ومناظر لمراقبة

стр. 3167

الغزاة, وبشراء سلاح لا يتوفر عند الأعراب من سيوف ماضية صلبة حادة، ومن اتخاذ حرس من الرقيق والمرتزقة ليساعدهم في الدفاع عن حاضرهم، أضف إلى ذلك شراء سادات القبائل الضاربين حولهم بالمال وبالهدايا وبالألطاف، لمنع أعرابهم من التحرش بهم، ولمنع الأعراب الغرباء الذين قد يطمعون فيهم من الدنوّ منهم. أضف إلى ما تقدم من أسباب وقوع الغزو: أثر العلاقات الشخصية بين سادات القبائل، من زواج وطلاق، ومن حسد وتنافس، ومن كلمة نابية قد تثير حربًا بين قلبي شخصين متنافرين، ومن عمل سفيه جاهل يثير غزوًا وحربًا بسبب عصبية قومه له، ودفاع الجانب الآخر عن صاحبهم حمية وغيرة. إلى غير ذلك من عوامل معقولة مفهومة وعوامل تافهة سخيفة تجد لها مع ذلك مكانة في القلوب؛ فتثير غزوًا وتسبب نكبة لأناس مساكين فقراء، لا دخل لهم في كل خصومة، وكل ما لهم أنهم من قوم غضب عليهم قوم آخرون، فزادوا في تعاسة إخوانهم المغزوين، والغازي والمغزو مع ذلك معدم محروم من النعم التي وهبتها الطبيعة لغيرهم من البشر، بأن جعلتهم في أرضين خصبة ذات ماء وخيرات وجو حسن، أما هؤلاء التعساء أبناء البادية، فلم يجدوا أمامهم من رزق متيسر سهل سوى الترزق عن طريق هذا الغزو. فالغزو إذن هو: حاصل ظروف طبيعية واقتصادية واجتماعية، ألمت بالأعراب وأجبرتهم على ركوب هذا المركب الخشن. كارهين أما مختارين فليس للأعرابي للمحافظة على حياته ولتأمين رزقه غير هذا الغزو. وقد بقي يغزو حتى في الإسلام، مع منع الإسلام له لا يجد فيه مع ذلك غصاضة ولا بأسًا. وهو إن امتنع اليوم منه وطلقه. فإنه لم يتركه عن إرادة واختيار وطيب خاطر، وإنما امتنع منه؛ لأنه يعلم أنه إن قام به, فإن هنالك حكومات أقوى منه، لها أسلحة لا يملكها ولا يستطيع التغلب عليها، وعلى رأسها الطائرات، ستفتك به فتكًا ذريعًا، وتكرهه على الخضوع لأحكامها، وعلى الاستسلام لها، وعلى تجريده مما يملكه ومما يستولي عليه لذلك خنس وسكت عن الغزو. ومن هذا الغزو، غزو وقع في الجاهلية بين قبائل صغيرة، لذلك لم ينل من أهل الأخبار حظًّا من الذكر والرعاية والعناية، ولم يجد له مكانًا بارزًا في صفحات كتب الأخبار، وغزو كبير خلد الشعر الجاهلي ذكره، فأخذ رواة الشعر يتسقطون

стр. 3168

أخباره، ويجمعون ما وعته ذاكرة رواة الأخبار من أمره، فوجد له مكانًا فسيحًا رحبًا في شروح الشعر الجاهلي وفي كتب الأخبار والأدب, وقد عرف مثل هذا الغزو الخالد بـ"أيام العرب" وبـ"أيام القبائل". وقد ذكر صاحب كتاب "الفهرست" أسماء جماعة من علماء الأخبار ألَّفوا فيها، وشغلوا أنفسهم بجمع أخبارها, دوَّنوها في كتب وفي جملتها مدونات عن أخبار أيام وقعت بين بطون قبيلة واحدة. وقد تداول الجاهليون أخبار الغزو، وصيرت القبائل المنتصرة الأيام التي انتصرت فيها ملاحم، تعيد قصها في مجالسها وأنديتها، وقد زخرفت قصصها بأخبار الشجعان الذين برزوا فيها، وبالغت في أخبار شجاعتهم حتى طغت على أخبار الغزو نفسه، وصار البطل رمزًا للقبيلة، تستمد منه الشجاعة والإقدام في النصر وفي الهزائم والخسائر. فالنصر كما نعلم لا يدوم لأحد. وربَّ قبيلة وكر عليها طير السعد فسعدها الحظ بالنصر، ثم طار عنها؛ لأن الأيام الحلوة لا تدوم أبدًا. وقد تصاب القبيلة المنتصرة بنكسة، فتعوض عن ذكرى خسارتها، بذكرها انتصارها في الماضي، فيكون الماضي خير مسل لها عن مرارة الهزيمة، وأحسن مشجع وباعث على النصر في غزو المستقبل. وقد أمدتنا أخبار الغزو بأسماء عدد من أبطال الجاهلية عرفوا بالشجاعة، لا تزال أخبار بعضهم تروى وتقص على الناس، وتقرأ قصتهم في المجالس مثل: قصة "عنترة" التي حصلت على النصيب الأوفر من الشهرة والذكر من بين القصص المروي عن أبطال الجاهلية، وهو قصص، مهما قيل عنه، وعما ورد فيه من مبالغات، فإنه لا يصل إلى درجة القصص المروي عن أبطال الفرس القدماء أو اليونان أو الرومان أو العبرانيين في المبالغة بشجاعتهم وبقوة أجسامهم الخارقة. لقد فرضت الطبيعة على العربي أن يكون محاربًا غازيًا، فقد حرمته من خيرات هذه الدنيا ومن طيبات ما تنبت الأرض. حرمته من وجود حكومة تحميه وتدافع عنه, وحرمته حتى من وسائل الدفاع عن النفس. فجعلته لا يملك شيئًا يكنّ إليه في البوادي ليحمي به نفسه من الرياح السموم ومن أشعة الشمس القاسية ومن الحيوانات الوحشية، وجعلته يقابل المرض بمفرده، إذا ليس في البادية طبيب حاذق دارس. فلم يكن أمامه والحالة هذه إلا أن يعلم نفسه الصبر، وأن يصير محاربًا غازيًا لا يبالي بالنصر أو بالخسارة، بالحياة أو بالموت. إن خسر هذه

стр. 3169

المرة، حاول تعويض الخسارة بجولة جديدة وهكذا؛ لأنه إن يئس وجلس واستسلم للزمان، أكله جار له يطمع في ماله مهما كان، فهو لا بد له من استعداد لغزو جديد. وفقر البادية قد حدد في الوقت نفسه من غرام الأعراب في الغزو. إذ جعل أسلحتهم محدودة وإمكانياتهم في القتال دون إمكانيات الحضر بكثير. لذا صار غزوهم للحضر كرًّا سريعًا وفرًّا بأقصى ما يكون من السرعة، للنجاة بما حصلوا عليه من سلب، أو للنجاة بأنفسهم من القتل في حالة الخسارة والهزيمة. ولهذا كانوا يحسبون ألف حساب حين يريدون غزو حدود الحكومات الكبيرة، ولا يقدمون عليه إلا بعد درس وتأمل ووقوف على مواطن الضعف والثغرات في خطوط الدفاع لتلك الحكومات. أما غزوهم بعضهم بعضًا، فإن أسلحتهم فيه متساوية متكافئة. سيوف ورماح ورمي بالسهام. والذي يكسب النصر فيه، من له عدد وافر كثير وخيل وفرسان شجعان، يأخذون الخصم بمباغتة ومفاجأة.

стр. 3170

الخيل: وللخيل نصيب كبير ولا شك في الغزو وفي إكثاره في جزيرة العرب إذ صارت سببًا من أسباب توسيع رقعة الغزو والحروب، فالقبيلة التي تملك عددًا كبيرًا من الخيل يكون لها النصر في الغالب؛ لأن الخيل سريعة الحركة وهي تمكن الفارس من مقارعة خصمه بسرعة، ومن ملاحقة الراجل والوصول إليه بسهولة، فلا يكون أمامه عندئذ سوى المقاومة أو القتل أو الوقوع في الأسر. وبفضل الخيل ظهر الأبطال الفرسان، الذين نقرأ أسماءهم في أخبار الأيام. والحصان مثل البطل، يجب عده من أبطال معارك تلك الأيام. فقد مكَّن القبائل الغنية من بسط نفوذها على القبائل الضعيفة، فالجمل ثقيل الحركة بطيء السير بالنسبة إلى الفرس، وفي إمكان من لديه عدد كبير من الخيل غزو القبائل التي لا تمتلك مثل هذا العدد من الخيل، حتى وإن امتلكت عددًا كبيرًا من الإبل والرجال. لما ذكرته من سرعة حركة الخيل ومن مرونتها في القتال وفي الكر وفي الفر، ثم لصبرها ولتحمل أعصابها على ضبط نفسها في القتال بالنسبة إلى الجمل الذي يهيج بسرعة فتثور أعصابه، فيولي لا يبالي إلى حيث يوجهه هياجه، ملقيًا براكبه على ظهره في بعض الأحيان،

стр. 3171

أو يذهب طائشًا مسرعًا، لا يخضع لتوجيه راكبه له. والجمل إذا هاج صار من الصعب على صاحبه الإمساك بزمامه، وتوجيهه حيث يريد. وقد اشتهر بعض الناس بالعدو، من هؤلاء: "سليك بن السلكة" المعروف بـ"سليك المقانب". وكانت أمه سوداء. وهو أحد أغربة العرب، وأعدى الناس، لا يشق غباره، وقد أشير إليه في الشعر ١. وقد استفيد منهم في الغزو, فكان منهم المخبرون المتلصصون لأخبار الغزاة أو المغزوين. وكان منهم من يباغت ويفر، فلا يلحق به ماش. فإذا لحقه أحد أتعبه في عدوه، حتى إذا تعب انقض عليه.

стр. 3172

الجمل: وقد أكون مقصرًا هنا إذا أهملت الحديث عن صديق جزيرة العرب وأليفها الحبيب: الجمل. لقد تحدثت عنه في الجزء الأول من هذا الكتاب في أثناء تحدثي عن جزيرة العرب وعن ثرواتها بما فيه الكفاية. ولكنني لا زلت بحاجة إلى التحدث عنه بشيء لم أذكره في ذلك المكان ١، وسأذكره هنا لما له من صلة بهذا الموضع. والإبل هي المال عند العرب. وبها كانوا يقدرون أثمان الأشياء ويتعاملون في تجارتهم وفي أسواقهم. فالجمل عندهم هو وحدة قياسية في البيع وفي الشراء وفي تقدير الحقوق كالديات والفدية والمهور والأراشة وما شاكل ذلك. وبمقدار ما يملك الإنسان من جمال تقدر ثروته وينظر إلى غناه؛ لأنه الحيوان الوحيد الذي في إمكانه قطع البوادي بخيلاء، رافع الرأس، غير عابئ بما يكون تحت أخفاف أرجله من رمال، هازئ بالعطش إذ هو صبور عليه، لمدة لا يمكن أن يباريه في طولها حيوان آخر. ثم هو يحمل الإنسان ويحمل متاعه. وهو طعام الإنسان إن مضه الجوع، أو جاءه ضيف كبير. وهو يشرب حليب النوق ويجد فيه شفاءً وعافية وتعويضًا عن الماء والطعام. فلا عجب إذن إن اتخذ الأعرابي الجمل مقياسًا للثروة والمال.

стр. 3173

والإبل على منازل ودرجات فيها: الجمل الأصيل المقدر, وفيها الجمل الحرود المبتذل. وخير الإبل عندهم: الإبل الحمراء؛ لأنها أصبر من غيرها على الهواجر، والعرب تفتخر بعدد ما عندها من الجمال الحمر. لغلاء ثمنها بالنسبة إلى الجمال الأخرى ومن هنا ضرب العرب بها المثل حين قالوا: "ما أحب أن لي بمعاريض الكلم حمر النعم"١. فالمراد بحمر النعم: الإبل الحمراء. والإبل الصهباء من الإبل الجيدة الشريفة في نظر العرب. "قال ابن الأعرابي: تقول قريش: الإبل صهبها وأدمها، يذهبون في ذلك إلى تشريفها على سائر الإبل. وقد أوضحوا ذلك بقولهم: خير الإبل: صهبها وحمرها. فجعلوها خير الإبل"٢. وقيل: الأصهب من الإبل الذي يخالط بياضه حمرة. وهو أن يحمر أعلى الوبر ويبيض أجوافه. وقد عرفت هذه الإبل بسرعتها. والصهباء الناقة الصهابية. وفي الحديث: كان يرمى الجمار على ناقة صهباء. وإبل صهابية منسوبة إلى فحل اسمه "صهاب"، أولد الإبل الصهابية٣. وعدت الإبل الرمكاء، من أبهى إبل العرب. وأما النوق الحور، فهي النوق التي تمتاز عن غيرها بكثرة ألبانها، وتكون ألوانها بين الغبرة والحمرة وفي جلودها رقة، وقد عدت من الجمال الرقيقة الحسنة، قالت العرب: الحمر من الإبل أطهرها جلدًا والورق أطيبها لحمًا والحور أغزرها لبنًا. وقد قال بعض العرب: "الرمكاء بهياء والحمراء صبراء والحوارة غزراء"٤. ويقسم أهل الأخبار الإبل ثلاثة أصناف: يماني، وعرابي، وبختي. فاليماني هو: النجيب وينزل بمنزلة العتيق من الخيل. والعرابي كالبرذون. والبختي كالبخل. وذكر أن في الإبل ما هو وحشي, وأنها تسكن أرض وبار، وهي غير مسكونة بالناس. وتسمى الإبل الوحشية "الحوشي". ويذكرون أنها من بقايا إبل "عاد" وثمود. والمهرية منسوبة إلى "مهرة"، وهي سريعة العدو، ويعلقونها من قديد

стр. 3174

سمك يصطاد من بحر عُمان ١. وذكروا أن "الحوشى" الوحشيّ من الإبل وغيرها منسوب إلى بلاد الجن من وراء رمل "يبرين"، لا يمر بها أحد من الناس. وقيل: هم من بني الجن. وقيل: هي فحول جن، تزعم العرب أنها ضربت في نعم بني مهرة بن حيدان فنتجت النجائب المهرية من تلك الفحول الوحشية، فنسبت إليها، فهي لا يكاد يدركها التعب٢. ولتحمل الإبل الجوع والعطش ولصلاحها على المشي في البوادي صارت خير أليف للعرب. وقد اشتهر بعض منها؛ لاشتراكه في الغزو والحروب. وكانوا يسابقون بين الإبل. وسابق الرسول بين الإبل، وكانت ناقته القصواء سريعة الجري فسبقت مرارًا. وتعد لحوم الإبل من اللحوم الطيبة عند الجاهليين. أما اليهود، فكانوا يحرمون عليهم أكل لحومها. وذكر "النويري" أن من الناس من قال: "إن العرب إنما اكتسبت الأحقاد لأكلها لحوم الجمال ومداومتها"٣، لاتهامهم الجمل بالحقد واللؤم، وبعدم نسيانه الإساءة. والجمل من الحيوانات القانعة الصابرة. وهو الحيوان الوحيد الذي رضي بمرافقته الأعراب ومصادقتهم منذ آلاف السنين. ولولا هذا الجمل لما كان في استطاعة العرب اختراق جزيرتهم، والتنقل فيها من مكان إلى مكان. وبفضله اتصل عرب جزيرة العرب بعضهم ببعض وقامت المستوطنات في مواضع نائية منعزلة من بلاد العرب, وقهر العربي ظهر باديته. وتكونت فيها تجارة برية. وطرق برية طويلة يخترقها الجمل بغير كلل ولا ملل. صابرًا على العطش حتى يصل إلى مرحلة بعيدة فيها يكون فيها ماء, وفي استطاعة الجمل تحمل العطش مدة أربعة أو خمسة أيام في الصيف، ومدة خمسة وعشرين يومًا في الشتاء؛ لأنه يختزن الماء في جوفه ويعيش عليه. حتى صار هذا الماء المخزون في جوف البعير سندًا للأعراب وأملهم الوحيد في إنقاذ حياتهم عند اشتداد العطش بهم، وانقطاع الماء عنهم. ولما عبر خالد بن الوليد البادية لفتح بلاد الشأم اختزن الماء في أجواف الإبل، لقلة الماء في البادية، فلما اشتد العطش بجيشه، ذبح بعض الإبل وأسقى من الماء المخزون في أجوافها، وبفضله تمكن الجيش من الصمود أمام أهوال العطش ومن الوصول

стр. 3175

إلى بلاد الشأم بسلام. وهكذا ساهم هذا الحيوان في انتصار خالد على جيش الروم. ولا زال الجمل عماد الأعراب في حياتهم. ولا يمكن أن نتصور وجود أعرابية بغير جمل وقد أناط إنسان القرن العشرين به أعمالًا جديدة لم يمكن يعرفها، فعهد إليه نقل الآلات الحديثة ومنتوجات حضارة هذا القرن في البوادي, فنجح في أدائها أحسن نجاح. ومع ذلك، فإن الزمن ضده، فالجمل بطيء لا تتناسب سرعته وسرعة عصور السرعة وطفرات التطور الحديث، ولا بد وأن يأتي عليه يوم سيحال فيه على التقاعد عن العمل، فيقل بذلك وجوده، ويصير مكانه في حدائق الحيوان. ولتمييز الإبل وتعيين أصحابها، وُسمت بسمات وعلمت بعلامات عرفت عندهم بـ"سمة" و"سمات"، توسم في الحد والعنق والفخذ، على صور شتى، مثل: المشط والدلو والخطاف، أي: على صورة هذه الأشياء ١. ويكون وسم الإبل بالميسم: حديدة تحمى فيكوى بها، فتترك أثرًا على الموضع الذي كوي. وذكر أن الوسم أثر؛ أثر كيّة, يقال: موسوم, أي: قد وسم بسمة يعرف بها, إما كيّة وإما قطع إذن، أو قرمة تكون علامة له. والوسام والسمة ما وسم به الحيوان من ضروب الصور. وفي الحديث أنه كان يسم إبل الصدقة، أي: يعلم عليها بالكي ٢. وسمات الإبل: السطاع، والرقمة، والخباط، والكشاح، والعلاط، وقيد الفرس، والشعب، والمشيطفة، والمعفاة، والقرمة، والجرفة، والخطاف، والدلو، والمشط، والفرتاج، والثؤثور، والدماغ، والصداع، واللجام، والهلال، والحراش، والعراض، واللحاظ، والتلحيظ، والتحجين، والصقاع، والدمع٣. ويقع الغزو في وجه الصباح في الغالب، ولذلك يقال: "صبحوا بـ ... " أي: أتوا صباحًا. وقد يقال: "صبحه بكذا"، أي: بعدد يذكر من رجال الغزو. ومن ذلك قول بجير بن زهير المزني: صبحناهم بألف من سليم ... وسبع من بني عثمان وافى أي: أتيناهم صباحًا بألف رجل من "بني سليم"٢.

стр. 3176

أيام العرب: عرفت الحروب والمناوشات التي وقعت بين القبائل بعضها مع بعض، أو بين ملوك اليمن والقبائل أو بين الفرس والعرب أو بين الملوك العرب والقبائل بـ"الأيام" وبـ"أيام العرب"١. وهذه الأيام تؤلف -في الواقع- القسط الأكبر من علم الأخباريين بتأريخ الجاهلية، ومادتها القصص الذي تناقله الناس عمن شهدوها، وحفظوه في صدورهم، إلى أن كان التدوين فدوِّن. وهو مادة محبوبة تناولها الناس في الجاهلية والإسلام بلذة وشوق، فكانت هي والشعر الجاهلي من أهم المجالس. "قيل لبعض أصحاب رسول الله، ﷺ : ما كنتم تتحدثون به إذا خلوتم في مجالسكم؟ قال: كنا نتناشد الشعر، ونتحدث بأخبار جاهليتنا"٢، وأهم أخبار الجاهلية هي هذه الأيام. ومادة هذه الأيام عربية خالصة، يتخللها شعر قيل بالمناسبة في تلك الأيام في الفخر والحماسة وفي هجاء الخصم والانتقاص منه. والفضل هو لهذا الشعر في حفظ أخبار تلك الأيام، وصيانتها من النسيان، لاضطرار الراوي والسامع إلى الاطلاع على المناسبة التي قيلت فيها تلك الأشعار. وعلى هذه المادة العربية اعتماد المؤرخ في تدوين تأريخ العرب في الجاهلية، وتتبع التطورات السياسية التي حدثت قبيل الإسلام. وفي شعر المخضرمين وشعر الشعراء الإسلاميين الذين نبغوا في العهد الأموي مادة تفيدنا في الوقوف على خبر تلك الأيام، فقد حفظ تفاخر الشعراء بقبائلهم ومهاجاة بعضهم لبعض آثار تلك الأيام، فدونت في شعر الهجاء والتباهي والتفاخر، وزاد بذلك علمنا الذي أخذناه من أخبار الأيام ومن الشعر الجاهلي الذي أشير فيه إليها. وموضوع كموضوع الأيام، لا بد أن يُقبل العلماء عليه إقبالًا كبيرًا، وهذا ما وقع، فألف فيه جماعة، منهم "أبو عبيدة" المتوفى سنة "٢١٠" أو "٢١١" للهجرة، وأدخله قوم في مؤلفاتهم، فأفردوا له بابًا أو أبوابًا، ولكنا لا نملك حتى اليوم كتابًا قديمًا قائمًا بذاته في الأيام. وكل ما نملكه هو هذه الأبواب الداخلة

стр. 3177

في بطون كتب الأدب في الغالب وفي بعض كتب التأريخ والجغرافيا، سأشير إليها في أثناء حديثي عن الشهير من هذه الأيام١. وقد أشار "ابن النديم" وغيره إلى أسماء مؤلفين ألفوا كتبًا في أيام العرب٢. منهم من ألف عنها كلها، ومنهم من ألف عن بعضها. ومنهم من ألف في أيام قبائل معينة. لكنها لم تطبع، ولعل من بينها من قد يطبع في المستقبل. وقد ورد أن "أبا الفرج الأصبهاني" قد استقصى أيام العرب في كتاب أفرده لذلك، فكانت أيامه ألفًا وسبعمائة يوم٣. ولكن هذه الأيام غير منسقة ويا للأسف، ولا مبوبة على حسب ترتيب الوقوع، وتسلسل الزمن. ثم إن من الصعب استخراج مستند منها يمكن الاعتماد عليه في تصنيف هذه الأيام، وتنظيمها على أساس تأريخي، مع أنها مادة المؤرخ الذي يريد كتابة تأريخ جزيرة العرب قبل الإسلام ودراسة التطور السياسي فيها. وقد حاول المستشرقون تنسيقها وترتيبها على أساس تواريخ الوقوع، فلم يفلحوا إلى الآن في الوصول إلى نتيجة مرضية. ولو كانت لدينا معارف عن أحوال من أسهم فيها وأجج نارها ومن قال شعرًا فيها٤، تنير لنا السبيل لتثبيت التأريخ وضبط السنين، لصار في إمكاننا ضبطها وتعيين تواريخها استنادًا إلى هذا المروي عن أولئك. ولكن ما نعرفه عن هؤلاء الرجال، وهم أبطالها وأصحابها، ولا يقل غموضًا وإبهامًا من حيث التواريخ والسنين عن غموض تواريخ تلك الأيام وإبهامها، ولذلك فكل ما يقال عن تواريخ الأيام وترتيبها والسنين التي وقعت فيها، هو حدس وتخمين. وسيبقى الحال على ذلك، حتى تتهيأ مادة جديدة كنصوص جاهلية مدونة أو موارد أخرى قد تتعرض لتلك الأيام بتأريخها أو بتأريخ من اشترك فيها على وجه مضبوط صحيح. وعندئذ يكون في الإمكان تدوينها على نحو علمي يشرح لنا تطور الحوادث عند العرب قبيل الإسلام. ولوجود مجال واسع للعب العاطفة في أخبار الأيام، تجب دراسة الروايات على حذر، والتفتيش -على قدر الإمكان- عن روايات متعددة عن اليوم الواحد،

стр. 3178

للمقارنة والمقابلة والغربلة، وليس هذا بأمر ميسور؛ لأن الروايات والأخبار محدودة، وهي ترجع بأخرةٍ إلى نفر تستطيع حصرهم. فهذه الأبواب، وإن كانت متعددة منثورة بين مؤلفات، دونها مؤلفون مختلفون، إلا أنها أخذت من ذلك النفر، فهي لم تأت لهذا السبب في ثناياها بشيء جديد. وفي هذا النفر المذكور، نفر منحاز متحزب، يشايع قومه، ويريد نسبة الغلب والتفوق لهم، والغض جهد إمكانه من خصوم قومه ومن الأطراف التي خاصمت قومه واشتبكت معها في قتال، وهو مكثر بالنسبة لجماعته، مبالغ يسند مبالغاته بكلام منثور ومنظوم، ليثبت صحة قوله. ولهذا وجب الانتباه لهذه الناحية والحذر من تصديق كل رواية وإن نسبت إلى خيرة من نثق بعلمهم من الرواة. وهذه الأيام ليست حروبًا بالمعنى المفهوم من الحرب، فإن منها ما هو مجرد مناوشات أو مهاترات وغزوات لم يسقط فيها إلا بضعة أشخاص، ومنها أيام وقعت في عدة سنين كانت تثار فيها الحرب حينما تتجدد المناسبات، وتنتهي بتسوية يتفق فيها على دفع ديات القتلى وإنهاء المشكلات التي كانت السبب في إثارة تلك الحرب، فإذا ما انتهت، بقيت القبيلة المنتصرة تفتخر بيومها وبأيامها، وبأسماء أبطالها الذين رفعوا اسمها فيها، وطالما جرَّ التباهي والتفاخر القبائل إلى حرب جديدة، بسبب جواب قد يصدر من سفيه عابث لا يرضيه سماع ذلك الفخر، أو من قبيلة مغلوبة لم يكن من السهل عليها أو على أفرادها سماع هذا الكلام. والنابه من هذه الأيام، معدود عند بعض العلماء محدود. وقد حصرها "أبو عبيدة" في الأيام الكبيرة العظيمة, التي ساهم فيها عدد كبيرمن الفرسان. وجعلها: يوم الكلاب، ويوم ربيعة، ويوم جبلة, ويوم ذي قار١. وأكثر أسباب هذه الأيام، هو عسف حكام القبائل القوية في القبائل الضعيفة الخاضعة لهم، بسبب الإتاوة التي كانوا يلحون في جبايتها غير مفكرين في الظروف والأوقات، أو بسبب نزاع على ماء ومرعى، أو أخذ بثأر. أو محاولة للتخلص من حكم القبائل على القبيلة بظهور شخصية قوية فيها، وأمثال هذه من أسباب قد يكون بينها سبب تافه سخيف، يؤدي إلى إزعاج المتخاصمين بسبب النزعات العاطفية التي تتغلب عند القبائل في غالب الأحوال على العقول.

стр. 3179

والعادة أن يُعَنْون اليوم باسم الموضع الذي حدثت فيه المعركة، أو بالشيء البارز في تلك الحرب، أو باسم القبائل التي اشتركت فيه. ومن هذه الأيام ما وقع بين قبائل قحطانية، ومنها ما وقع بين قبائل عدنانية، ومنها ما وقع بين قبائل قحطانية وقبائل يرجع النسابون نسبها إلى مضر وربيعة، وإلى معد، وإلى عدنان، فهي أيام وقعت إذن بين جماعتين هما في عرف النسابين من جدَّين، هما: قحطان وعدنان. وهما جدَّا كل العرب الأحياء. ومن الأيام التي وقعت بين القبائل القحطانية: يوم البردان، ويوم الكُلاب الأول وعين أباغ ويوم حليمة ويوم اليحاميم، وأيام الأوس والخزرج. وأما أيام القحطانيين والعدنانيين. فمنها: يوم البيضاء، ويوم طخفة, ويوم أوارة الأول، ويوم أوارة الثاني، ويوم السلان، ويوم خزار ويوم حجر، ويوم الكلاب الثاني، ويوم فيف الريح، ويوم ظهر الدهناء ١. وأما الأيام التي وقعت بين القبائل العدنانية، فمنها ما وقع بين قبائل ربيعة فيما بينها، ومنها ما وقع بين ربيعة وتميم، ومنها ما وقع بين قبائل قيس فيما بينها، ومنها ما وقع بين قيس وكنانة، ومنها ما وقع بين قيس وتميم، ومنها أيام ضبة وغيرهم٢. وهناك أيام وقعت بين العرب والفرس مثل يوم الصفقة ويوم ذي قار. وقد تحدثت عن الأيام التي وقعت بين القبائل القحطانية، وعن الأيام التي وقعت بين العرب والفرس في الأماكن المناسبة الخاصة بها. فلست أجد حاجة ها هنا إلى الكلام عليها مرة ثانية، وسأقتصر هنا على الأيام الأخرى٣. والأيام بين ما يسمى بالقبائل العدنانية أكثر بكثير من الأيام التي وقعت بين القبائل القحطانية، وسبب ذلك هو أنها أكثر بداوة وأعرابية من القبائل الثانية، وأن من طبع البداوة: الفردية والخصومة والتنازع والتحاسد، بسبب ضيق العيش وقلة المال وتحول القبائل من مكان إلى مكان وراء الماء والكلأ. لذلك قل اجتماع العدنانيين تحت رئاسة رئيس واحد، وتقاتلوا وتخاصموا، وفضلوا الخضوع لحكم

стр. 3180

رئيس بعيد عنهم على الخضوع لرئيس منهم؛ لأن النفسية الأعرابية ترى في خضوع أعرابي لأعرابي من جنسه استكانة ومذلة. أما خضوعها لحكم غريب عنها فليس فيه شيء من ذلك، ولهذا خضعت لملوك المناذرة أو الغساسنة أو لكندة أو للتبابعة، ونفرت من الخضوع لرئيس عدناني لعقدة التنافس والتناحر بين ذوي القربى. والقبائل العدنانية، قبائل خشنة شديدة المراس، القتال عندها طبيعة، ولو اتحدت وجمعت كلمتها ووحدت أمرها، لكانت قوة لا تغلب، ولكنها، وهي على هذه الصفة من التخاذل والتنافر، صارت خاضعة لحكم القحطانيين، وأخصهم التبابعة على ما يذكره الرواة. فكانوا يعينون عليهم حكامًا وينصبون عليهم أمراء منهم، بل يذكر أهل الأخبار أن العدنانيين كانوا يذهبون هم أنفسهم إلى أولئك التبابعة أحيانًا يطلبون منهم تنصيب شخص منهم، أو تعيين أمير عليهم من أصحاب المنزلة والمكانة؛ لأنهم سئموا من التقاتل والتشاحن، بقوا على ذلك دهرًا حتى سئموا حكم التبابعة والقحطانيين لهم، فثاروا عليهم كما يذكر أهل الأخبار. وسأقتصر في هذا الفصل على الأيام المهمة التي كان لها في شئون السياسة القبلية شأن وخطر. أما الأيام الصغيرة التي لم يكن لها شأن يذكر. فأدع الحديث عنها إلا بقدره. وأما الحامل منها، فسأترك أمره إلى كتب الأخبار والأدب، لعدم وجود مكان لها في حديثنا العام عن تأريخ العرب قبل الإسلام. ومن أمهات الأيام التي وقعت بين القحطانيين والعدنانيين: يوم طخفة، ويوم أوراة الأول، ويوم أوراة الثاني، ويوم السلان، ويوم خزاز، ويوم حجر، ويوم الكلاب الثاني، ويوم فيف الريح، ويوم ظهر الدهناء. وقد تحدثت عن بعضها في أثناء كلامي على ملوك الحيرة أو الغساسنة، وسأتحدث عما لم أتناوله من قبل. ومن الأيام التي وقعت بين قبائل قحطانية وقبائل عدنانية، يوم يسمى بـ"يوم البيضاء" "البيداء"١ وكان سببه مجيء مذحج، وهي قبيلة قحطانية من اليمن، قاصدة متسعًا من الأرض وموطنًا جديدًا صالحًا، فاصطدمت بقبائل معد النازلة بتهامة، وتهامة هي موطن معد القديم في عرف أهل الأخبار، فبرزت لها قبيلة

стр. 3181

عدوان ورئيسها يومئذ عامر بن الظرب العدواني. جمع عامر هذا من كان في تهامة من قبائل معد، وهاجم مذحجًا فغلبها في موضع "البيضاء" ويقول الأخباريون: إن هذا اليوم هو أول يوم اجتمعت فيه معد تحت راية واحدة، هي راية عامر بن الظرب. وقد اجتمعت بعدها مرتين تحت راية واحدة: مرة تحت راية ربيعة ابن الحارث في قضاعة، ومرة أخرى تحت راية كليب بن ربيعة١. فهذه المعركة هي من المعارك القديمة التي وقعت بين العدنانيين والقحطانيين على رأي الأخباريين. وعامر بن الظرب هذا، رجل يعده الأخباريون من قدماء حكماء العرب وأئمتهم الذين تحاكم إليهم الناس، وصارت أحكامهم سنة يتبعونها. وقد ذكر أهل الأخبار أنه أول من قرعت له العصا. ويرون في تفسير ذلك أنه كان قد كبر وهرم، وكان الناس يأتون مع ذلك إليه ليحكموه فيما يقع بينهم من خلاف. فقال له أحد أولاده: "إنك ربما أخطأت في الحكم فيحمل عنك"، فقال عامر: "فاجعلوا لي أمارة أعرفها، فإذا زغت فسمعتها رجعت إلى الصواب": فجعلوا قرع العصا أمارة ينبهونه بها. فكان يجلس قدام بيته ويقعد ابنه في البيت ومعه العصا. فإذا زاغ أو هفا قرع له الجفنة فيرجع إلى الصواب٢. ولأهل الأخبار قصص عن عامر، فقد ذكروا أنه كان أول من جلس على منبر أو سرير وتكلم، ولجلوسه على منبر، سموه ذا الأعواد، ونسبوا إليه أحكامًا وحكمًا وأقوالًا وعمرًا طويلًا. وعدوه من الفصحاء البلغاء، وجعلوا أقواله مضربًا للأمثال ٣. وأخذ رؤساء معد على عاتقهم الخروج على طاعة حكام اليمن، أو من عينه هؤلاء الحكام عليهم، وذلك بعد ما تبين لهم من ضعف الحكم في اليمن ومن تقاتل المتنفذين فيها بعضهم مع بعض، ومن تدهور الأحوال هناك. وكانت اليمن قد ولت "زهير بن جناب" زعيم كلب على قبائل معد. وكلب من قبائل قضاعة، فوافقت معد على تعيينه وخضعت لحكمه، وأخذت تؤدي الإتاوة له. وكان يخرج في حاشية لجمع الإتاوة، فأصاب معدًا ضيق شديد، وأجدبت أرضهم، فتأخروا عن الدفع، فجاءهم زهير وألحَّ في مطالبتهم، فشكوا عجزهم، وطلبوا

стр. 3182

إمهالهم والتخفيف عنهم. فما كان منه إلا أن منعهم النُّجْعَة والمرعى، فنقموا منه، وأصابهم من ذلك بلاء، فغضب عليه رجل منهم من بني "تيم الله"، اسمه زيابة، واندس إليه وهو نائم فطعنه، وظن أنه قتله، ورجع إلى قومه فأخبرهم بخبره، ولكن "زهيرًا" لم يصب بسوء، ونجا من الطعنة، وكان قد أخمد أنفاسه ولم يتحرك حتى يوهم "زيابة" أنه قتله ومات، ثم أوعز إلى حاشيته أن يعلنوا أنه مات، وشاع خبر موته بين الناس ولكنه كان قد فرَّ مع حاشيته إلى قومه، حيث جمع جمعهم، ثم هجم بهم على بكر وتغلب، وقاتلهم قتالًا شديدًا أدى إلى هزيمة بكر، ثم إلى هزيمة تغلب من بعدها، وأسر "كليبًا" و"مهلهلًا" ابني ربيعة، وجماعة من أشراف تغلب. فتأثرت قبائل ربيعة من هذه الهزيمة، وعينت "ربيعة بن مُرّة بن الحارث بن زهير التغلبي"، والد "كليب" و"مهلهل" رئيسًا عليها، فحمل ربيعة ومن انقاد إليه على زهير، واسترجع الأسرى، ولكن زهيرًا لم يلبث أن عاد إلى ما كان عليه من جمع الإتاوة من معد ١. وإذا أخذنا برأي الأخباريين القائلين: إن تعيين زهير بن جناب على بكر وتغلب ابني وائل كان بأمر أبرهة الذي غزا نجدًا، وتوسع فيها، فجاءه زهير ليتقرب إليه، وليعينه على بعض القبائل، يكون حكم زهير على هذا القول في القرن السادس للميلاد٢. وفي عهد رئاسة "كليب بن ربيعة"، جددت قبائل ربيعة محاولاتها للتخلص من حكم اليمن. وكان "كليب" شخصية قوية، فاختارته قبائل معد رئيسًا عليها، واجتمعت تحت لوائه، والتقت باليمن في "يوم خزاز"، فانتصرت معد فيه، وعد من أيامها الكبرى قبل الإسلام٣. ونظرت معد إلى كليب نظرة تجلة واحترام، وجعلت له قسم الملك وتاجه وطاعته؛ لأنه وحَّدهم وأنقذهم من

стр. 3183

تعسف اليمن بهم١. وقد داخل "كليب بن ربيعة" زهو شديد بعد هذا النصر، وبعد سيادته بني معد، فبغى على قومه، وصار يتعسف في إحماء الحمى، فلا يرعى حماه أحد، ولا يصاد فيه ولا تَرِدُ إبل مع إبله، ولا توقد نار مع ناره، وبقي كذلك حتى قتله "جسّاس بن مرّة الوائلي"، فتوالت الحروب بين تغلب وبكر ووائل بسبب ذلك٢. وقد اختلف الأخباريون في هذا اليوم، واختلفوا في اسم قائد قبائل معد فيه، واختلفوا في اسم ملك اليمن الذي في عهده وقع، واختلفوا في زمن وقوعه، وفي سببه، فقالوا: إن رئيس معد فيه هو "كليب بن ربيعة"، وقالوا: بل هو زُرارة بن عدس، وقالوا: لا، وإنما هو ربيعة بن الأحوص بن جعفر. ويذكر بعضهم أنه وقع بعقب يوم السلان، وأنه كان لجموع ربيعة ومضر وقضاعة على مذحج وغيرهم من اليمن٣. وذكر جماعة من أهل الأخبار، أن "الأحوص بن جعفر بن كلاب"، كان على نِزار كلها يوم خزاز، ثم ذكرت ربيعة أخيرًا من الدهر أن كليبًا كان على نزار. وتوسطت جماعة بين الرأيين، فقالت: كان كليب على ربيعة، وكان الأحوص على مضر٤. وسبب اختلافهم في ذلك هو دور العصبيات القبلية، والنزعات العاطفية عند الرواة. ذكر أهل الأخبار أن جماعة من وجوه أهل البصرة، كانوا يتجالسون يوم الجمعة ويتفاخرون ويتنازعون في الرياسة يوم خزاز، فتعصب كل قوم لرئيس من الرؤساء الذين ذكرت. وقد تحاكموا إلى "عمر بن العلاء" وكانوا في مجلسه، فقال: ما شهدها عامر بن صعصعة ولا دارم بن مالك، ولا جُشَم بن بكر، اليوم أقدم من ذلك، ولقد سألت عنه، فما وجدت أحدًا من القوم يعلم من رئيسهم ومَن الملك٥. وقد أنكر بعضهم أن يكون لكليب بن ربيعة دور

стр. 3184

بارز فيه. والظاهر أن روايات الرواة عن هذا اليوم، وهي شفوية بالطبع، كانت متضاربة تضاربًا كبيرًا بسبب بعد عهد ذاكرتهم عنه، كما كانت متنافرة بسبب العواطف والنزعات القبلية، وتعصب كل راوٍ لقبيلته. فلما جاء مدوِّنو الأخبار لجميع ما في حافظة رواة القبائل عن هذا اليوم، وجدوا اختلافًا كبيرًا، حاولوا جهد إمكانهم التوفيق بينه، واستخراج قصة موحدة عنه، فجاءوا بهذا الذي جاءوا به. وترجع رواية من روايات أخبار هذا اليوم، سبب وقوعه إلى جباية أهل اليمن لقبائل معد. "كان الرجل منهم يأتي، ومعه كاتب وطنفسة يقعد عليها، فيأخذ من أموال نزار ما شاء، كعمال صدقاتهم اليوم، وكان أول يوم امتنعت معد عن الملوك: ملوك حمير"١. فلما ضجرت نزار وبقية قبائل معد من هذه الجباية القاسية، ومن هذا التعسف، هاجت على اليمن، وأعلنت عصيانها على القحطانيين، فوقع هذا اليوم. أوقدت نارًا على خزاز ثلاث ليال، ودخنت ثلاثة أيام. فلما أحست مذحج باجتماع "معد"، سارت على نزار ومن انضم إليها من معد، فوقع يوم خزاز. وجاء في رواية أخرى. أن سبب هذا اليوم هو احتباس ملك من ملوك اليمن أسرى من مضر وربيعة وقُضاعة، وامتناعه عن فك أسرهم، وذلك في عهد "كليب". فجاءه وفد من بني معد فيهم: سَدُوس بن شيبان بن ذُهْل، وعوف بن محلم بن ذهل بن شيبان، وعوف بن عمرو بن جشم بن ربيعة بن زيد مناة، وجشم بن ذهل بن هلال. فلقبهم رجل من بهراء يسمى عبيد بن قُراد. وكان في الأسر وكان شاعرًا، فسألهم أن يدخلوه في عدة من يسألون. فكلموا الملك فيه وفي الأسرى، فوهبهم لهم، وأبقى الملك بعض أفراد الوفد رهائن حتى يأتي الباقون برؤساء قومهم ليأخذ عليهم مواثيق الطاعة. فرجع الباقي إلى قومهم وأخبروهم الخبر، فاجتمعت ربيعة ومعد تحت راية "كليب بن ربيعة" "كليب وائل"، فسار ومعه "السفاح التغلبي" وهو سلمة بن خالد بن كعب بن زهير بن تيم بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن تغلب، وقد جعله "كليب" على مقدمة معد، وأمر "كليب" أن توقد النار على خزاز، ليهتدوا

стр. 3185

بها. فلما سمعت مذحج باجتماع ربيعة، استعدت هي ومن يليها من قبائل اليمن للقتال، وساروا إليهم، فلما سمع أهل تهامة بذلك انضموا إلى ربيعة، وساروا كلهم إلى خزاز. فلما التقى الطرفان، اقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزمت مذحج شر هزيمة فيه١. ولياقوت الحموي رواية أخرى في سبب وقوع هذا اليوم، فهو يقول: إن مضر وربيعة اجتمعت على أن يجعلوا منهم ملكًا يقضي بينهم، فكلٌّ أراد أن يكون منهم، ثم تراضوا أن يكون من ربيعة ملك ومن مضر ملك، ثم أراد كل بطن من ربيعة ومن مضر أن يكون الملك منهم، ثم اتفقوا أن يتخذوا ملكًا من اليمن، فطلبوا ذلك إلى بني آكل المرار من كندة، فملكوا أولاد الحارث بن حجر الكندي عليهم، ثم ما لبثوا أن ثاروا عليهم وقتلوهم، فكان حديث يوم الكلاب. ولم يبق من ولد الحارث غير سلمة، فجمع جموع اليمن وسار ليقتل نزارًا، وبلغ ذلك نزارًا فاجتمع بنو عامر وبنو وائل، وتغلب وبكر، وبلغ الخبر كليب وائل، فجمع ربيعة، وقدم على مقدمته السفاح التغلبي، فكان يوم خزاز، وقد انتصر بنو نزار فيه على القبائل اليمانية٢. وهذه الرواية قريبة جدًا من رواية "اليعقوبي" عن هذا اليوم٣. وقد أشار "عمرو بن كلثوم التغلبي" إلى هذا اليوم، وافتخر به، كما افتخر بـ"كليب وائل"، وذكر أن قومه أعانوا نزارًا في محاربتهم اليمن في ذلك اليوم٤. وذكر بعض أهل الأخبار أنه "لولا عمرو بن كلثوم ما عُرف يوم خزاز"٥. وذلك لذكره له في شعره. وقد ذكر هذا اليوم عدد أخر من الشعراء منهم "زهير"٦.

стр. 3186

والسفاح التغلبي، وهو سلمة بن خالد بن الجرارين للجيوش، وقد قاد قومه يوم كاظمة، وقيل له السفاح؛ لأنه سفح المزاد أي صبَّها في ذلك اليوم حتى يقاتل قومه قتال المستميت، وكان من خطباء حرب بكر وتغلب١. وذهب بعض أهل الأخبار إلى أن يوم خزاز هو "أعظم يوم التقت فيه العرب في الجاهلية"٢. وهو رأي يعبر عن وجهة نظر العدنانيين بالطبع، ففي هذا اليوم انتصرت نزاز ومن انضم إليها من قبائل مذحج ومن انضاف إليها من قبائل اليمن ولم يسبق لقبائل نزار، وهي مضر وربيعة وبقية معد أن تغلبت على القبائل الكبرى المنظمة المنتمية إلى اليمن. فكان يوم نصرها هذا من أعظم الأيام عندها، بعث فيها روح المقاومة والاعتماد على النفس في مقاومة القبائل القوية التي تنسب نفسها إلى اليمن. وإذا أخذنا برأي القائلين: إن يوم خزاز كان عقب يوم السلان، يكون هذا اليوم قد وقع أيام النعمان بن المنذر، أي في أواخر أيام المناذرة وفي النصف الثاني من القرن السادس للميلاد، إذا يذكر الأخباريون أن سببب وقوع يوم السلان هو أن بني عامر بن صعصعة كانوا قومًا حمسًا، أي متشددين في دينهم، لقاحًا لا يدينون للملوك, وكان من عادة النعمان بن المنذر أن يجهز كل عام لطيمة لتباع بعكاظ، فتعرَّض لها بنو عامر، فغضب النعمان، وبعث عليهم وَبْرة الكلبي أخاه لأمه ومعه الصنائع والوضائع وجماعة من بني ضبة بن أد والرباب وتميم، وانضم إليهم ضرار بن عمرو وأولاده، وهم فرسان شجعان، وحبيش ابن دلف، وطلب منهم أن يذهبوا إلى عكاظ فإذا فرغوا من البيع، وانسلخت الأشهر الحرم، قصدوا بني عامر بنواحي السلان. فلما فرغوا من عكاظ. علمت بخطتهم قريش، وأرسل عبد الله بن جُدعان قاصدًا أخبر بني عامر بغرض القوم، فحذروا وتهيئوا للحرب. وتحرزوا ووضعوا العيون، وسلموا قيادتهم لفارس شهير معروف هو عامر بن مالك المعروف بملاعب الأسنة، فلما التقوا تغلبوا على قوة النعمان وهزموها، وأخذوا وبرة أسيرًا. ولم يفكوه من أسره إلا بألف بعير وفرس٣.

стр. 3187

ويدخل يوم الكلاب الثاني في عداد هذه الأيام. وقد وقع عقب يوم الصفقة، وقع بين تميم وبني سعد والرباب وبين مذحج ومن التلف حولها من قبائل اليمن. فلما بلغ مذحج ما حل بتميم بالمشقر وبهجر بعد الصفقة، وما سمعته من تخوفهم من انتقام كسرى مرة ثانية منهم ومن دوران العرب عليهم، مشى رجال مذحج بعضهم إلى بعض، وقالوا: اغتنموا بني تميم، ثم بعثوا الرسل في قبائل اليمن وأحلافها من قضاعة، ثم سألت مذحج كاهنها المأمور "الحارثي" في أمر هذا الهجوم فنهاها، ولكنها لم تأخذ برأيه، بل سارت طامعة في تميم، وقد جمعت اثنى عشر ألف مقاتل، من مذحج وهمدان وكندة: وهو أعظم جيش أخرجه العرب كما يقول علماء الأخبار١. وكان من رجالهم يزيد بن عبد المدان، ويزيد ابن المخرم، ويزيد بن الكيشم "الكيسم" "اليكسم" بن المأمور "المأموم"، ويزيد بن هوبر. وهم كلهم حارثيون، ومعهم عبد يغوث الحارثي، وأقبلت بنو سعد والرباب. ورئيس الرباب النعمان بن جساس ورئيس سعد بن قيس بن عاصم، والتقت في أوائل الناس بجموع مذحج وهمدان وكندة، واختلطوا واقتتلوا قتالًا شديدًا انتهى في آخر النهار بمقتل "النعمان بن جساس". وقد دفع مقتله بني تميم على الثبات والوقوف للأخذ بالثأر، حتى تمكنت من الانتقام لنفسها، بأن انتصرت على اليمن. فأسر "عبد يغوث بن وقاص الحارثي"، "عبد يغوث ابن صلأة الحارثي" سيد "بني الحارث"، وقتل خمسة من أشراف اليمن، وأخذت الرباب "عبد يغوث" وقتلته بقتل "النعمان بن جساس". وهكذا انتهى هذا اليوم بفوز بن تميم. وكان رئيسها في هذا القتال: قيس بن عاصم، ويسمى الكلاب الثاني: يوم جز الدوابر٢. ودعاه "ابن رشيق القيرواني" بـ"يوم الشعيبة"٣. ونعت بعض أهل الأخبار اليزيديين الأربعة المذكورين وهم قادة القوم: يزيد بن هوبر، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المأموم، ويزيد بن المخرم،

стр. 3188

بـ"أربعة أملاك"١. ويدل ذلك على أنهم كانوا يلقبون بلقب ملك، وأن "بني الحارث" كانوا قد نصبوهم عليهم، وإن كان لقب "ملك" لا يتجاوز في الواقع لقب "شيخ" في عرف هذا اليوم. وكان من أبرز رجال تميم في هذا اليوم سبعة من رؤسائهم، هم: أكثم بن صيفي، والأحيمر "الأعيمر" بن يزيد بن مُرة المازني، وقيس بن عاصم المنقري، وأبير بن عصمة التيمي، والنعمان بن جساس "الحسحاس" التيمي، وأَبين بن عمرو السعدي، والزبرقان بن بدر السعدي٢. وبرز فيه اسم "مصاد بن ربيعة بن الحارث"، و"عصمة بن أبير التيمي" وهو الذي أسر "عبد يغوث" و"قبيصة بن ضرار الضبي"، وهو الذي شد على "ضمرة بن لبيد الحماسي الكاهن" فطعنه وخر صريعًا، فقال له قبيصة: ألا أنبأك تابعك بمصرعك اليوم٣. وأما "الكلاب الأول"، فكان لسلمة بن الحارث بن عمرو المقصور، ومعه: بنو تغلب والنمر بن قاسط، وسعد بن زيد مناة والصنائع، على أخيه "شرحبيل ابن الحارث بن عمرو"، ومعه بكر بن وائل بن حنظلة بن مالك، وبنو أسد، وطوائف من بني عمرو بن تميم، والرباب، فقتل "شرحبيل"، قتله "أبو حنش عاصم بن النعمان الجشمي" ويقال: بل قتله "ذو الثنيّة حبيب ابن عُتبة الجشمي" ٤. ومن هذه الأيام يوم "فيف الريح"، وهو موضع بأعلى نجد، وقع بين مذحج وعامر, وسببه أن "بني عامر" كانوا يطلبون "بني الحارث بن كعب" بأوتار كثيرة، فجمع لهم الحصين بن يزيد الحارثي، وكان يغزو بمن تبعه من قبائل مذحج وأقبل في بني الحارث وجُعْفي، وزبيد، ومراد، وقبائل سعد العشيرة، ومراد، وصداء، ونهد، واستعانوا بقبائل خَثعم وعليهم أنس بن مدرك، فخرج شهران وناهس وأكلب عليهم أنس بن مدرك، وأقبلوا يريدون بني عامر، وهم منتجعون "فيف الريح"، ومع مذحج النساء والذراري، حتى لا يفروا، إما ظفروا وإما ماتوا جميعًا. فاجتمعت بنو عامر كلها إلى

стр. 3189

عامر بن الطفيل "عامر بن مالك ملاعب الأسنة"، والتقى الجمعان في قتال لم يعط نصرًا بينًا لأحد الطرفين، إذ وقع القتل في الفريقين، ولم يستقل بعضهم عن بعض غنيمة، وكان الصبر والشرف لبني عامر. وممن قتل أو جرح فيه: الصُميل بن الأعور الكلابي، وحسيل بن عمرو الكلابي، وخليف بن عبد العزى النهدي، وكعب الفوارس بن معاوية بن عبادة بن البكاء، وعامر بن الطفيل١. ومن أيام القحطانيين مع العدنانيين "يوم ظهر الدهناء". كان أوس بن حارثة بن لأم سيدًا في قومه طيء، مطاعًا فيهم، جوادًا معروفًا، حباه النعمان ابن المنذر حلة على العادة المتبعة عند ملوك الحيرة في تكريم الرؤساء الذين يفدون عليهم، وفضله على غيره، بأن طلبه وكان غائبًا دون قوم من السادة الأشراف, فاغتاظ حساده من ذلك وأوعزوا إلى بعض الشعراء بهجائه، فهجاه بشر بن أبي خازم وهو من بني أسد، وأسرف في هجائه، فاغتاظ أوس من ذلك، وجمع قومه من طيء، وأوقع ببني أسد بظهر الدهناء، وقتل منهم قتلًا ذريعًا، فانهزمت منه، وهرب بشر، فجعل لا يأتي حيًّا يطلب جوارهم إلا امتنع من إجارته على أوس إلى أن التجأ إلى أم أوس، فأجارته، وأجاره أوس عندئذ، وعفا عنه، ومن عليه وأعطاه وحباه، فانقلب مادحًا له٢. والأيام التي ذكرها الأخباريون عن حروب العدنانيين مع ملوك اليمن للحصول على استقلالهم، قليلة، ولا يعني حكم اليمن للعدنانيين أن تبابعة اليمن كانوا يحكمون تلك القبائل حكمًا مباشرًا، وإنما هو في الواقع وكما يظهر من غربلة هذه الروايات حكم كان يتسع ويتقلص تبعًا لقدرة الحكام وشخصياتهم، ولاتفاقاتهم مع سادات تلك القبائل؛ ولأن القبائل العدنانية هي قبائل بدوية في الغالب لا تستقر على حال، ومن طبع البداوة التنازع والتخاصم. ثم إن سادات القبائل كانوا كما هو شأنهم في كل وقت متنافسين متخاصمين، لذلك وجد ملوك اليمن، وهم ملوك

стр. 3190

شعب أكثريته مستقرة، من السهل عليهم التدخل في شئون تلك القبائل بتأييد هذا الرئيس على منافسه، وبتعيين رئيس من رؤساء القبائل الكبيرة على قبيلة أو جملة قبائل أخرى ضعيفة أو متخاصمة، لتهيئة الحال وإقرار الأمن. فصار من العادة بين القبائل العدنانية، بل بين القبائل القحطانية كذلك، أو بين كبار سادات القبائل، أن يلجئوا إلى التبابعة للتدخل في الخصومات وإقرار الأمن بالحكم بين المتخاصمين، أو بتعيين رجل محترم كبير من اليمن أو من غير اليمن عليهم. ونجد بين روايات الأخباريين روايات تؤيد هذا الرأي. ويدخل الأخباريون في أيام العدنانيين مع القحطانيين الأيام التي وقعت بين القبائل العدنانية وبين ملوك الحيرة لاعتدادهم من قحطان. وكذلك يدخل أهل الأخبار في أيام القحطانية مع العدنانية الأيام التي وقعت بين ملوك بني سليح والغساسنة من بعدهم وبين القبائل العدنانية، والأيام التي وقعت بين كندة وبين القبائل العدنانية. وإذ أسلفت الكلام على أيام تلك الحكومات مع القبائل العدنانية في المواضع المناسبة، فإني أكتفي بالإشارة إليها، على أمل الرجوع إلى تلك الأماكن لمن يريد الوقوف عليها. أما أشهر أيام القحطانيين، فالأيام التي وقعت بين المناذرة والغساسنة، والأيام التي وقعت بين هؤلاء الملوك وملوك كندة وأمرائها. ثم الأيام التي وقعت بين القبائل المنتسبة إلى اليمن، مثل الأيام التي وقعت بين الأوس والخزرج، والأيام التي وقعت بين قبائل طيء، وأمثال ذلك. ولما كنت قد تحدثت عن معظم هذه الأيام، فسأكتفي بما تحدثت عنها، وأتحدث عن النابه من بقية الأيام فقط مما لم أتحدث عنه سابقًا. وتؤلف الأيام التي وقعت بين القبائل العدنانية الجزء الأكبر من أيام العرب، وهي أهمها وأغناها بالشعر والأمثال والقصص. وكان لتميم وبكر وتغلب أثر خطير فيها. وأشهر هذه الحروب، الحرب المسماة بحرب البسوس، وقعت بين بكر وتغلب ودامت أربعين عامًا على ما يذكره الأخباريون. وتغلب وبكر هما من قبائل ربيعة، لذلك تكون حرب البسوس من الحروب التي وقعت بين قبائل ربيعة؛ لأن أيام العدنانيين هي أيام وقعت بين قبائل ربيعة وحدها، وأيام وقعت بين قبائل من ربيعة وقبائل من مضر، وأيام وقعت بين
следующие страницы →