بطانة الملك:
والبطانة السريرة يسرها الرجل، والصاحب للسر الذي يشاور في الأحوال.
стр. 3117
وقد أشير إليها في الحديث. ويقال لها الوليجة، وهو الذي يختص بالولوج والاطلاع على باطن الأمر. وذكرت "البطانة" في القرآن. بمعنى مختصين بقوم، ويستبطن بهم الأمور١. فهم النخبة الخاصة التي يركن إليها في السراء والضراء وفي أخذ الرأي.
ولـ"سقاة" الملوك حظوة عند الملوك بحكم قربهم منهم واتصالهم بهم، ولا سيما وقت شرابهم، ويسمعون من أفواههم وبخاصة في أوقات الشراب أمورًا لا يبيحون بها في وقت صحوهم وشعورهم. وقد كانت "السقاية" منزلة رسمية كبيرة عند الفرس والأشوريين والعبرانيين٢. وقد استعمل اللخميون والغساسنة السقاة، لإسقائهم الشراب ولإسقاء ضيوفهم أيضًا.
ولا يستبعد وجود "الخصيان" في قصور الملوك والأشراف. فقد كان من عادة الناس في ذلك الوقت استخدامهم في البيوت. فكانوا يدخلون على مخدرات الملوك والسادات، ويتصلون بهن، لخدمة البيت. ولهذا لجأ الملوك إلى شراء الخصيان، أو إخصاء مماليكهم حتى يكونوا بمأمن من اتصالهم بالقصر ودخولهم على نسائهم.
стр. 3118
إدارة المملكة:
لا نستطيع أن نتكلم بوجه صحيح مضبوط عن كيفية إدارة المملكة عند الجاهليين وعن طرق توزيع العمال وتقسيم المملكة إلى وحدات إدارية يديرها الموظفون، وعن أسماء تلك الوحدات. إذ لم يصل أي شيء عن ذلك إلينا في كتابات المسند أو الكتابات الجاهلية الأخرى. كما لم يصل إلينا أي شيء عن النظم الإدارية الجاهلية في كتب أهل الأخبار والتواريخ.
وفي كتب اللغة والأدب مصطلحات ذات معان إدارية مثل "الطسوج" و"الكور" وردت فيها عرضًا، غير أن ما أورده علماء اللغة عنها لا يبين لنا بوضوح استعمالها ولا الأزمنة التي استعملت فيها، ولا المراد منها. فهم يقولون.
стр. 3119
عن "الطسوج"، الطسوج: الناحية وربع الدانق. وقيل: مقدار من الوزن، وقيل: معرب واحد من طساسيج السواد. فنحن إذن أمام معان ثلاثة: هي جزء من دانق أو درهم، ومقدار من الوزن وجزء من أرض١. والمعنى الثالث هو المعنى الملائم لبحثنا، لأنه يدل على وحدة إدارية، كانت مستعملة في العراق بتأثير الحكم الفارسي.
وأما "الكور" فجمع "كورة". قال علماء اللغة: إنها المدينة والصقع، والمخلاف. وهي القرية من قرى اليمن٢ والكلمة من أصل يوناني، هو "خورة" Khora. بمعنى ناحية من بلد، أي مصر. ولم يشر علماء اللغة إلى أنها كانت مستعملة في جزيرة العرب. ولعل العربية أخذتها من التقسيمات الإدارية لبلاد الشأم.
وجاء في أثناء حديث "الطبري" عن فتح "أمغيشيا" وعن سير خالد بن الوليد إليها، أنها كانت مصرًا كالحيرة٣. وورد في كتب اللغة والأخبار أن "عمر" كان قد مصر الأمصار منها البصرة والكوفة. وذكر علماء اللغة أن المصر الحد٤.
ويظهر من ذلك أن "أمغيشيا" كانت مصرًا، أي: من إمارات الحدود، التي أقيمت على الحدود المغربية للدولة الساسانية لحمايتها من الروم ومن غارات الأعراب وغزوهم. وكان أهلها على النصرانية. وأن لفظة "مصر" كانت تؤدي هذا المعنى عند ظهور الإسلام.
ولا تظهر التقسيمات الإدارية إلّا في حكومة كبيرة تحكم مساحة واسعة نوعًا ما.
لذا نستطيع أن نتحدث باطمئنان عن وجود تقسيمات إدارية في العربية الجنوبية، لأن حكوماتها كانت قد حكمت أرضين متسعة نوعًا ما، وجعلت البلاد في حكم موظفين تولوا إدارتها. وقسموها إلى وحدات إدارية. أما في الحجاز، فلما كان الغالب عليها عند ظهور الإسلام نظام حكم القرى والمدن، لذلك، فلا يمكن أن نجد فيه شيئًا من هذا التقسيم. وأما ملوك الحيرة، فقد عينوا عمالًا على الأقاليم التي حكموها. ولكن أهل الأخبار لم يذكروا شيئًا عن أنواع العمالات وعن درجات حكامها. لذلك لا نستطيع التحدث عنها بشيء.
стр. 3120
ولقد سبق لي أن ذكرت أسماء بعض الوظائف والمناصب في الممالك العربية الجنوبية.
فقلت: مثلًا إن درجة "كبر" أي: "كبير" هي من المناصب العالية عند العرب الجنوبيين، و"الكبر" هو في مقام "محافظ" و"متصرف" و"عامل" في مصطلحات الدول العربية في يومنا هذا. ولا أسبتعد أن تكون تلك الدول قد أطلقت لفظة "كبر" على الوحدة الإدارية التي كانت تحت حكم الكبير.
و"المخلاف"، هي الكلمة التي ترد في كتب علماء اللغة والأخبار عن التقسيمات الإدارية الجغرافية لليمن، إذ يذكرون أن "المخلاف" مثل "الكورة" بالنسبة لأهل اليمن، وأن اليمن كانت مقسمة على مخاليف١.
ويعبر عن القرى بالأعراض، والواحد عرض جاء في بعض كتب عبد الملك بن مروان لعماله: "وليتك المدينة وأعراضها"، أي: قراها ونواحيها٢.
وللقرى والمدن حدود ومعالم. خارجها ضاحيتها. وأما داخلها فجوفها، وهو من شعاب، ومن "ربعات". والربع و"الربعة" المحلة والشِعب وجماعة الناس٣.
وقد أشير إلى "الرباع" في الكتاب الذي أمر الرسول بتدوينه بين "قريش" وأهل يثرب.
ويظهر أن الجاهليين قد عرفوا لفظة "الدسكرة"، بدليل ورودها في الحديث.
وقد ذكر بعض علماء اللغة أنها بناء كالقصر حوله بيوت ومنازل للخدم والحشم.
وخصصه بعضهم بالملوك. وقال قوم: القرية٤. ويظهر أنهم أخذوها من الفارسية، فهي فيها مدينة وضيعة كبيرة.
و"الضواحي" النواحي، وضواحي الروم ما ظهر من بلادهم. وضواحي مدينة أو قرية، ما كان خارج السور أو خارج حدود المدينة أو القرية. وضواحي قريش، النازلون بظواهر مكة، ولذلك قيل لقريش: النازلة بظواهر مكة، قريش الظواهر. وأهل الضاحية، أو أهل الضواحي، هم أهل البادية، والساكنون على سيف الحضارة وحدودها٥. وكانت الحكومات تحسب لهم حسابات، وتراقب أحوالهم، خشية مهاجمتهم الحضر.
стр. 3121
موارد الدولة:
ولا بد لكل دولة من موارد تستعين بها في إدارة أمورها وفي الإنفاق على التابعين لها المكلفين القيام بأعمالها من موظفين ومستخدمين مدنيين وعسكريين ويدخل في هذه الموارد كل ما يحصل عليه الملك أو سيد القبيلة من أرباح ودخل يرد من استغلال الأرض والأملاك الخاصة، ومن الاتجار، ومن الضرائب التي تفرض على التجار والمواطنين والزراع، ومن الغنائم، إلى غير ذلك من واردات تجمع وتقدم إلى الحكام ملوكًا كانوا أو سادات قبائل أو رؤساء مدن. أضف إلى ذلك "الجزية" التي كانت الحكومات تفرضها على من تحاربه أو تغزوه فتنتصر عليه، ثم تنسحب من أرضه على أن يدفع "جزية" يقررها المنتصر تتناسب مع حال المغلوب.
ولم يكن من المعتاد في تلك الأيام التفريق بين "الخزينة الخاصة" و"الخزينة العامة"، أو بين الوارد الخاص بالملك، مما يجبى عن أملاكه وعن اتجاره وبين الوارد الذي يجب أن يصرف وينفق على الأعمال العامة التي تمس الشعب كله، مثل إنشاء الطرق والحصون وإدامة الجيش وإغاثة المحتاج وما شابه ذلك، فإن الحاكم في ذلك الزمن كان يرى أن كل ما يجبى يعود إليه، لا فرق عنده بين الخزينة الخاصة والخزينة العامة، وأن الإنفاق يتوقف على رأيه، إن شاء وهب هذا مالًا وأقطع هذا أرضًا، وإن شاء صادر مال شخص وضمه إليه، ولا حق لأحد أن يعترض عليه. فأموال الدولة هي أمواله والخزينة هي خزينته، وهو الذي يأمر بالإنفاق. وما يعطيه للشعراء ثوابًا على مدحهم له، أو ما يقدمه من أموال للمنافع العامة وللنفقات الخاصة بالجيش وبمرافق الدولة، يكون كله بأمره وبموافقته، يتصرف كما يتصرف أي مالك كان بملكه.
وقد اختار الملوك لهم رجالًا وكلوا لهم أمر إدارة أملاكهم واستثمارها، كما وكلوا لآخرين أمر الاتجار بأموالهم، إذ كان الملوك يتاجرون أيضًا في الداخل وفي الخارج، كما وكلوا للموظفين أمر جباية الضرائب واستحصالها من الزرّاع ومن التجار، فكانوا يذهبون إلى المزارع لتقدير حصص الحكومة كما كانوا يقفون في الأسواق لأخذ العشر من المبيعات. وهناك موظفون يقيمون عند الحدود وعند ملتقى الطرق لأخذ حق المرور من القوافل.
стр. 3122
وقد وجدت بعض الحكومات مثل حكومة "رومة" أن طريقة تعيين الجباة لجباية الضرائب، هي طريقة تكلف الدولة أموالًا تزيد على الأموال التي تردها من الجباية، لأن الجباة كانوا يسرقون أموال الجباية، ويسيئون الاستعمال، وأن الشدة معهم لم تنفع شيئًا، لذلك عمدت إلى وضع الجباية في "المرابذة العلنية" بأن يعلن عنها، فيتقدم من يرغب في أخذها، فيزيد على غيره ممن ينافسه، وهكذا حتى ترسو على آخر المتزايدين، فيتولى هو جمع الجباية عن طريق تعيينه موظفين يقومون بجباية الضرائب المقررة، فيقدم هو للحكومة المبلغ الذي رسا عليه، ويأخذ الفضل لنفسه. وقد تألفت في "رومة" شركات كبيرة خصصت نفسها بأمور جباية الضرائب من المقاطعات الواسعة التابعة لإمبراطورية "رومة" وكانت تتزايد فيما بينها حينما تعرض الحكومة جباية الضرائب في "المزاد".
وقد فعلت هذه الشركات كل ما أمكنها فعله لجمع أكثر ما يمكن جمعه من أموال من المكلفين لتغطية مبلغ التعهد الذي أعطته للحكومة وللحصول على أرباح مفرطة لها، بأن أرهق كاهل المكلف بأخذ أضعاف ما حدد من مقدار الضريبة، ولم تنفع الرقابة الحكومية التي وضعتها الحكومة على هذه الشركات وعلى الجباة، ذلك لأن "الحكام" حكام الولايات ومن بيدهم أمر الرقابة المالية ومن كان بيده أمر النظر في عرض الجباية على المتزايدين كانوا مرتشين، فكانوا يغضون الطرف عن تعسف الجباة ولا ينصفون المشتكين من الناس منهم. وقد ضج الناس من أصحاب المكس، وأشير إلى ظلمهم في الإنجيل، وعدوا من أصحاب الإثم أهل الخطيئة Sinners فكانوا من المُبغَضين١. وقد ندد بهم وبظلمهم في كتب الحديث.
وقد عين "الأباطرة" أحيانًا عمالًا Procurator على المقاطعات للإشراف على جمع الجباية، وعينوا موظفين في الموانئ والثغور لجباية الضرائب عن الأموال المصدرة التي تصدر إلى الخارج، وعن الأموال التي تستورد إلى الامبراطورية، ومن التجار الرومان، أوالتجار الأجانب.
وقد وردت في النصوص العربية الجنوبية مصطلحات لها علاقة بالضرائب وبالأرباح، منها مصطلح "نعمت"، أي: "نعمة"، وتعني هنا: ما أنعم به على الإنسان، أي: ما يحصل عليه من السوق، وما يربحه من تجارته، فهي
стр. 3123
بمعنى الربح. وللحكومة أو القبيلة أو لأصحاب السوق حق أخذ نصيب مقرر من هذه "النعم"، أي: الأرباح. ويعبر عن النصيب الذي تأخذه الحكومة من الأرباح "زعرتم" "زعرت" "زعرة"، من أصل "زعر". وتعني "زعر": قَلّ وتفرَّق١، فكأن العرب الجنوبيين عبروا عن نصيب الحكومة بهذه اللفظة؛ لأن ما يدفع للحكومة هو مما يقلل من المبلغ ويصغره، فالربح إذن هو "نعمتم"، "نعمة"، "نعمت"، وهو كل ربح يصيب أحدًا.
وأما ما يؤخذ عن الأرباح ويدفع للحكومة: فهو "زعرتم" "زعرت" "زعرة"٢، أي: ضريبة.
وترد لفظة "همد" بمعنى: الضريبة في العربيات الجنوبية، أي: ما يفرز ويعطى للحكومة أو للمعبد أو للسادات سادات القبائل والأرضين التي يهيمنون عليها.
و"الهميد" في عربية القرآن الكريم "المال المكتوب عليك في الديوان" و"المال المكتوب على الرجل في الديوان" فيقال: هاتوا صدقته، وقد ذهب المال و"الصدقة"٣. وهذا التفسير قريب من المعنى المقصود من اللفظة في العربيات الجنوبية.
وقد أخذت حكومات العربية الجنوبية بطريقة تعيين موظفين خاصين بجمع الضرائب وبالإشراف على الجباة وعلى كيفية الجباية، كما أخذت بطريقة إيداع الجباية إلى الإقطاعيين وسادات القبائل، فهم الذين يجمعون الحقوق من أتباعهم، ويقدمونها إلى الحكومة. وذلك بالالتزام. وللحكومة موظفون واجبهم التحقق من أن هؤلاء الملتزمين لا يأكلون حق الحكومة، ويأخذون من أموال الجباية النصيب الأكبر، ولا يقدمون للدولة إلا شيئًا قليلًا من استحقاقها.
وفي كل الحالات المذكورة كان المكلف يرهق بدفع الضرائب إرهاقًا، ويجبر على دفع ضرائب تزيد على طاقته خاصة، وقد كانت الضرائب متنوعة عديدة.
ضرائب للحكومة، وضرائب للمعبد، وضرائب للسيد صاحب الأرض أو سيد القبيلة، ثم عليه السخرة؛ أي: العمل الإجباري دون مقابل، وعليه الانخراط في سلك
стр. 3124
المحاربين حين الطلب، فأثر كل ذلك في الوضع الاقتصادي، وفي المجتمع العام تأثيرًا كبيرًا، ونهك السواد الأعظم من الناس، مما جعلهم يتذمرون من الحكام والحكومة والسادات، ولا يؤدون ما عليهم من واجبات وخدمات عامة إلا مكرهين.
ولعل هذا الإرهاق الذي نزل بالرعية في دفع الضرائب، هو الذي حملها على إطلاق "الآكل" و"الآكال" و"آكال الملوك" و"مآكل الملوك" على ما يجعله الملوك مأكلة لهم؛ لأنهم جعلوا أموال الرعية لهم مأكلة، وأما "المأكول"، فهو الرعية، لأن الملوك تأكل أموالهم١، فالملوك تأخذ ولا تعطي، والرعية تعطي ولا تأخذ ولا تستفيد مما تدفعه لملوكها من ضرائب أية فائدة.
والضريبة في تعريف علماء اللغة: ما تؤخذ في الأرصاد والجزية ونحوها، مثل ما يؤديه العبد إلى سيده من الخراج المقرر عليه، ومن الضرائب: ضرائب الأرضين وهي ضرائب الخراج عليها، وضرائب الإتاوة التي تؤخذ من الناس٢.
وعرف علماء اللغة الإتاوة: أنها الرشوة والخراج، وقال بعضهم: كل ما أخذ بكره، أو قسم على موضع الجباية وغيرها، فهو إتاوة. وفي ذلك قال "حُنَيّ بن جابر التغلبي":
ففي كل أسواق العراق إتاوةٌ ... وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم٣
وذكر "ابن فارس" أن "الإتاوة" من الألفاظ التي زالت بزوال معانيها، فهجرت لذلك٤.
ويقال للإتاوة: الأريان. والأريان بمعنى: الخراج أيضًا٥. وقد ذكرت اللفظة في شعر "الحيقطان"، شاعر اليمانية، وكان قد قال قصيدة يرد فيها على الشاعر "جرير"، فهجا بها قريشًا، وكان مما قال فيها:
وقلتم لقاح لا نؤدي إتاوة ... فأعطاه أريان من الفرّ أيسر٦
стр. 3125
فقال: قلتم إنا لقاح ولسنا نؤدي الخراج والأريان، فإعطاء الخراج، أهون من الفرار وإسلام الدار للأحابيش، وأنتم مثل عدد من جاءكم المرار الكثيرة١.
ويقصدون باللقاح الحي لم يدينوا للملوك ولم يملكوا ولم يصبهم في الجاهلية سبأ٢.
والإتاوة في الأصل الجباية عامة. أي: جباية كل شيء. وهي كلمة عامة تشمل أخذ كل عطاء، أي: كل ما يؤخذ طوعًا أو كرهًا عن شيء، فتشمل الخراج والجزية والجباية والرشوة، وما يفرض تعنتا وزوروًا، والمكوس والخراج إتاوة. يقال: أدى إتاوة أرضه، أي: خراجها، والجباية إتاوة. يقال: ضربت عليهم الإتاوة، أي: الجباية، وهي بمعنى الرشوة. يقال: شكم فاه بالإتاوة، أي: الرشوة. وتدخل فيها الرشوة على الماء. وجاء في قول الجعدي:
موالي حلفٍ لا موالي قرابة ... ولكن قطينًا يسألون الإتاويا
أي: هم خدم يسألون الخراج٣
وقد ذكر "الجاحظ" الإتاوة في جملة ما ترك الناس في الإسلام من ألفاظ الجاهلية، إذ تركوها، وأحلوا لفظة "الخراج" محلها٤.
وكانت قريش تأخذ ممن نزل عليها في الجاهلية شيئًا كانت تأخذ بعض ثيابه أو بعض بدنته التي ينحر، إتاوة. ولما خرج "ظويلم" الملقب بـ"مانع الحريم" في الجاهلية يريد الحج، فنزل على المغيرة بن عبد الله المخزومي، فأراد المغيرة أن يأخذ منه ما كانت قريش تأخذ ممن نزل عليها في الجاهلية، امتنع عليه "ظويلم" وقال:
يا رب هل عند من غفيره ... إنّ مني مانعه المغيره
ومانع بعد مني ثبيره ... ومانعي ربي أن أزوره
وذلك سُمي "الحريم" وظويلم الذي منع "عمرو بن صرمة" الإتاوة التي كان يأخذها من غطفان٥.
стр. 3126
ويعبر في عربية القرآن الكريم عن الشيء الذي يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم بـ"الخرج" وبـ"الخراج"، فهو إتاوة تؤخذ من أموال الناس١.
و"الخرج" كما يقول علماء اللغة أعم من الخراج، وجعل الخرج بإزاء الدخل.
والخراج مختص في الغالب بالضريبة على الأرض. وقيل: العبد يؤدي خرجه، أي: غلته، والرعية تؤدي إلى الأمير الخراج٢. وقد خصصت لفظة "الخراج" في الإسلام بما وضع على رقاب الأرض، وخصصت الجزية بما يدفع عن الرأس.
و"الخرج" بما يدفعه الرقيق إلى سيده وماله عن خراجه٣. وقيل: هو الأجرة، وأن الخرج من الرقاب، والخراج من الأرض. وأرض الخراج تتميز عن أرض العشر في الملك والحكم٤
ويقابل "الخراج" بالمصطلح الإسلامي لفظة Pnoros في اليونانية، فهي ضريبة الأرض عند اليونان٥. وقد كان البيزنطيون قد فرضوا "الخراج" على غلة الأرض يدفعها كل من خضع لهم. وكان يدفعها عرب الشأم لهم أيضًا، لأنهم كانوا في حكمهم. وأما عرب العراق، فقد دفعوا "الخراج" إلى الفرس٦.
ويقال للخراج: "خرجًا" في لغة بني إرم، ووردت في "التلمود" بلفظ: "خرجه" و"خرجًا". وهي عند الساسانيين خراج الأرض، أي: الضريبة الخاصة بحاصل الأرض. ولكن الفرس القدماء لم يكونوا في القديم يفرقون بين الخراج والجزية، أي: ضريبة الرأس، بل كانوا يطلقونها على الضريبتين. وقد وردت لفظة "خرجًا" في التلمود بمعنى ضريبة الرأس٧.
وأطلق "التلمود" على ضريبة الأرض اسم "طسقه" "طسقا" Taska
стр. 3127
"ط س ق". وهي بهذا المعنى عند الفرس١. وقد أخذ العبرانيون اللفظة من الفرس. وقد كتب "عمر" إلى "عثمان بن حنيف" في رجلين من أهل الذمة أسلما: "ارفع الجزية عن رءوسهما، وخذ الطسق من أرضيهما". وعرف علماء العربية "الطسق" بأنه شبه الخراج، له مقدار معلوم، وما يوضع من الوظيفة على الجريان من الخراج المقرر على الأرض. وقد ذكروا أن اللفظة فارسية معربة٢.
وقد وردت لفظة "الخرج" و"الخراج" في القرآن الكريم٣، مما يدل على أن اللفظتين كانتا معروفتين عند أهل الحجاز قبل نزول الوحي على الرسول، وأنهما كانتا من الألفاظ المستعملة عندهم في الأمور المالية المتعلقة بدفع الضرائب إلى الحكومات وإلى ذوي السلطان. ويرى بعض المستشرقين أن الجاهليين أخذوا اللفظة من "بني إرم"، وأنهم وقفوا على "خرجه"، "خرج" و"خرجا"، وحولوهما إلى "خرج" و"خراج".
ولما فتح المسلمون العراق والشأم، أبقوا النظم المالية والإدارية على ما كانت عليه في أول الأمر، لأنها نظم قديمة، لم يكن من السهل تغييرها وتبديلها، فكان "الخراج" في جملة ما أبقي من النظم المالية.
وقد دفع عينًا، أي: غلة، فكان محتسب الخراج، يذهب إلى القرى عند دنو أجل دفع الخراج، فيأخذه من المزارعين عينًا، كأن يدفع برًّا أو شعيرًا، أو مالًا، أي: نقدًا بالدنانير أو الدراهم. ثم غلب الدفع نقدًا على الدفع عينًا، وصار هذا النقد موردًا مهمًّا من موارد بيت المال٤.
والجزية من الألفاظ المستعملة عند الجاهليين كذلك، بدليل ورودها في القرآن الكريم٥. وقد خصصت في الإسلام بما يؤخذ من أهل الذمة على رقابهم٦.
стр. 3128
وقد كان الجاهليون يأخذون الجزية من المغلوبين، وكانت عندهم الضريبة التي تؤخذ عن رءوس المغلوبين، يدفعونها إلى الغالب. فدفعتها القبائل المغلوبة للقبائل الغالبة، على أساس الرءوس.
والظاهر أن المسلمين في صدر الإسلام لم يكونوا يفرقون بين الخراج والجزية، فقد استعملوا الخراج عن الرءوس وعن الأرض كما استعملوا لفظة "الجزية" بمعنى خراج الأرض١، ورد في الحديث: "من أخذ أرضًا بجزيتها"٢.
وأشار الطبري إلى أن "المثنى"، وضع على أهل الحيرة بعد كفرهم وارتدادهم "أربعمائة ألف سوى الحَرَزة"٣. ويذكر علماء اللغة أن "الحرزة" خيار المال؛ لأن صاحبها يحرزها ويصونها. والحرائز من الإبل التي لا تبع نفاسة بها٤.
وجعلها بعضهم "الخرزة".وقالوا: إنها نوع من جزية الرءوس، كانت معروفة في زمن الأكاسرة، يؤديها كل من لم يدخل في جند الحكومة٥.
و"المكس"، دراهم تؤخذ من بائع السلع في أسواق الجاهلية. ويقال لجابي المكس: صاحب المكس، والماكس والمكّاس٦. والمكس الجباية. و"الماكس" الذي يتولى المكس. قال العبديُّ في الجارود:
أيا ابن المعلى خلتنا أم حسبتنا ... صراريَّ نعطي الماكسين مكوسا٧
وكان "الماكس"، ويقال له: العشّار، يشتط في كثير من الأحيان، ويظلم الناس في الجباية، إذ يزيد عليهم في المقدار، فكانوا لذلك مكروهين، حتى لقد ورد في الحديث: "لا يدخل صاحب مكس الجنة"٨.
وقد أشير إلى المكس وإلى الإتاوة التي تؤخذ من أسواق العراق في شعر "جابر بن حُنَي".
стр. 3129
أفي كلّ أسواق العِراق إتاوة ... وفي كلّ ما باع امرؤٌ مكسُ درهم١
فإن ملوك العرب كانت تأخذ من التجار في البرّ والبحر، وفي أسواقهم، المكس، وكانوا يظلمونهم في ذلك. ولذلك قال جابر بن حنَيّ، وهو يشكو ذاك في الجاهلية ويتوعد، وهو قوله:
ألا تستحي منّا ملوك وتتقي محارمنا ... لا يبوو الدم بالدم
وفي كل أسواق العِراق إتاوة ... وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم٢
ولهذا زعم الأعراب أن الله لم يدع ماكسًا إلا أنزل به بلية، وأنه مسخ منهم اثنين ضبعًا وذئبًا. فلهذه القرابة تسافدا وتناجلا، وإن اختلفا في سوى ذلك.
فمن ولدهما السمع والعِسبار. وفي هذا المعنى قول الشاعر:
مَسَخَ الماكسين ضبعًا وذئبًا ... فلهذا تناجلا أم عمرو
وضريبة "العشر" هي ضريبة معروفة بين الجاهليين، فقد كانت الحكومات تتقاضى عشر ما يحصل عليه التاجر من ربح في البيع والشراء، وكان المتولون أمور الأسواق يتقاضون العُشر كذلك. وقد أشير إليها في كتابة قتبانية، حيث كانت حكومة قتبان تتقاضى هذه الضريبة من المتعاملين في البيع والشراء، إذ كانت تأخذ عشر الأموال٣، وتوسعت في ذلك حتى عمت هذه الضريبة على كل ربح أو وارد يصيبه الرجل سواء أكان ذلك من البيع والشراء أم من الإجازة والإرث٤.
وقد كانت هذه الضريبة مقررة في كل جزيرة العرب وفي خارجها، ففي كل سوق من الأسواق عشارون يجبون العشر ممن يبيع ويشتري، بأمر المشرف على السوق ومن في أرضه تقام، ويقدم ما يجمع إليه. ومن أخذ العشر من التاجر، قبل
стр. 3130
لجابيه: العشار والمعاشر، وهو الذي يعشر الناس١.
وقد كان التجار العرب الذين يقصدون بلاد الشأم للاتجار في أسواقها يدفعون العشر إلى العشارين، ففي "بُصْرى" وغزة، وهما أشهر الأسواق في تلك البلاد بالنسبة إلى العرب، كان تجار العرب يؤدون ضريبة العشر إلى الجباة الذين عيّنهم الروم، كذلك كان يعشر أصحاب الأسواق من يفد عليها من التجار.
ويؤخذ العشر عينًا أو نقدًا بحسب الثمن. ولما كان النقد قليلًا إذ ذاك كان الدفع عينًا هو الغالب في أداء هذه الضريبة. وقد أبطل الإسلام هذه الضريبة، وعدّها من سيماء أهل الجاهلية، وجعل رفعها من التخفيف الذي جاء به دين الله. وقد ذكر المحدثون أحاديث في إبطالها وفي ذم من يعشر الناس. بل ورد في بعضها جواز قتل العشّار٢. ويظهر أن أهل الجاهلية كانوا يشتطون في أخذها ويسرفون في ظلم التجار وأصحاب السوق في أخذها، فذموا العشار وهجوه. ودعوا عليه. وقد ذكر بعض أهل الأخبار أن "سهيلًا" كان عشارًا على طريق اليمن ظلومًا، فمسخه الله كوكبًا٣.
وكان مما يفعله العشارون وضع "المآصر" على مفترقات وملتقيات الطرق وعلى المواضع المهمة من الأنهار ليؤصروا السابلة وأصحاب السفن، ولتؤخذ منهم العشور٤.
وقد عرف من كان يقوم بالتقدير والخرص بـ"الحازر" و"الخارص". لأنه كان يحزر المال ويقدر ما يجب أخذه منه ومن غلة الزرع بالحدث والتقدير.
وكان الحاذر يشتدل في أخذ الحزرة ويتعسف على الناس. وقد نهى النبي عن ذلك والحاذر مثل العشار والخارص من المكروهين عند الجاهليين٥.
و"الخارص" المقدر والمخمّن، ومنه خرص النخل والتمر، لأن الخرص، إنما هو تقدير بظن لا إحاطة. وما يدفع عن الأرض والنخل الخرص. يقال: كم خرص أرضك.
стр. 3131
وكم خرص نخلك، وفاعل ذلك الخارص. وكان النبي يبعث الخراص لخرص نخيل خيبر عند إدراك ثمرها، فيحزرونه رطبًا كذا وثمرًا كذا١.
وكان أهل الحجاز وبقية جزيرة العرب، يدفعون العشر عن غلات أرضهم.
فلما جاء الإسلام، أقر ذلك، وجعل أرض العرب أرض عشر. ولم يدخلها الخلفاء في أرض الخراج٢.
ويعبر عن الضريبة التي تقابل ضريبة "الكمارك" في مصطلحنا، بلفظة Telos، وبـ Telonion عن "الكمرك"، أي: الموضع الذي تؤخذ به الضرائب "الكمركية" من التجار٣. وكان الرومان واليونان قد أقاموا "كمارك" على حدودهم مع البلاد العربية وضعوا فيها جباة لجباية العرب القادمين من جزيرة العرب للاتجار.
ولما كان من الصعب على الروم جباية العشور والحقوق الأخرى من العرب، وكلوا أمر الجباية إلى سادات القبائل والأمراء في الغالب، ممن يعتمدون عليهم وممن لهم قبيلة قوية تخشاها القبائل الأخرى، وقد كان أمد هذا الإيكال يتوقف على أهمية الشخص ومكانته ومنزلة قبيلته، فإذا مات وترك خلفًا ضعيفًا، أو فقدت قبيلته سلطانها، حتى طمعت فيها قبائل أخرى أقوى منها، ووجدوا ألا أمل لهم في هذا الشخص، فإنهم ينبذونه ويعطون الجباية إلى شخص آخر. وقد كان "سلامة بن روح بن زنباع الجذامي"، أحد من أولى إليهم الروم العشور، وقد هجاه "حسان بن ثابت" فوصفه بأنه "دمية" في لوح باب، وأنه بئس الخفير، وأنه غادر خدّاع، ولا ينفك -أي: جذامي- يغدر ويخدع ما دام "ابن روح" حيًّا٤.
وقد أقر العشر في الإسلام، ولكن بأسلوب آخر، فأخذ من "خثعم"، كما أخذ من أهل "دومة الجندل". وأخذ أيضًا من حمير، فقد جاء في كتاب الرسول إلى رؤسائهم الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان، قيل: ذي رعين ومافر وهمدان: "وأعطيتم من المغانم خمس الله، وسهم الرسول وصفيه، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار، عشر ما سقت العين
стр. 3132
وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب١ نصف العشر. وإن في الإبل الأربعين ابنة لبون، وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفي كل خمس من الإبل شاة، وفي كل عشر من الإبل شاتان ... "٢. وعقد مثل ذلك مع بني الحارث بن كعب٣.
والكلام على العشر في الإسلام، وعلى الأرضين التي كانت تدفع العشر، يخرجنا من بحثنا هذا، وللفقهاء كلام طويل مسهب في هذا الموضوع، فعلى كتب الخراج مثل كتاب الخراج للقاضي أبي يوسف وكتاب الخراج ليحيى بن آدم القرشي، وكتب الفقه والأحكام أحيل القارئ الراغب في الوقوف على العشر في الإسلام.
والعشر من الضرائب القديمة المعروفة عند الشعوب القديمة من ساميين وغيرهم، وتكاد تكون من أقدم الضرائب المعروفة في التاريخ، وهي "أشرو" Ish-ru-u في النصوص الأشورية٤ و"معشير" Ma'asher في العبرانية٥. وقد كان الأشوريون يتقاضون العشر من التمر والحبوب عينًا، كما كانوا يتقاضونه ذهبًا٦.
وقد كانت معظم الشعوب الهندوجرمانية والسامية وغيرها تعشر أموالها: تعشر الماشية، والأثمار، وكل ما تملكه وما تغنمه في الحرب، وتخصصه باسم آلهتها.
فالعشر زكاة قديمة أدتها الشعوب إلى آلهتها تقربًا إليها وتطهيرًا لأموالها، فهي من أقدم الضرائب عند الإنسان٧.
وقد خصص العشر بـ"يهوه" إله إسرائيل وحده، يجمعها اللاويون باسمه، ولكننا نجد أن العبرانيين دفعوا العشر في بعض الأحيان إلى الملوك كذلك٨.
ويمكن رد الأسباب التي دعت العبرانيين إلى تخصيص العشر بالله "يهوه" إلى اعتقاد العبرانيين أن الله هو مالك كل شيء، وأن الأرض والعالم كله له، وأنه
стр. 3133
مانح الخصب والحياة، وأنه الكائن الأعلى، ولهذا خصصوا عشر ما ينتجه العبراني لله، ثم لسبب آخر نشأ فيما بعد، هو تقرب العبرانيين إلى إلههم بهذا العشر، عبادة له وتقربًا إليه. وذلك كما يفهم من الآيات الواردة عن العشر في التوراة١.
وتدفع القبائل الضعيفة إتاوة إلى القبائل أو إلى الملوك، تكون بمثابة حق الحماية والاعتراف بالسيادة. ولهذا كانت القبائل التي لا تدفع إتاوة تتباهى وتفتخر؛ لأن ذلك يدل على عزتها ومنعتها، ويقال: إن الأوس والخزرج ابني قيلة، لم يؤديا إتاوة قسط في الجاهلية إلى أحد من الملوك. فلما كتب إليهم تبع يدعوهم إلى طاعته ويتوعدهم، لم يجيبوه، وتحارب معهم، ثم ارتحل عنهم٢.
وكانت للغطاريف على دوس إتاوة يأخذونها كل سنة، حتى إن الرجل منهم كان يأتي بيت الدوسي، فيضع سهمه أو نعله على الباب ثم يدخل٣.
ويقال للقوم الذين قهروا على أمرهم، واضطروا إلى أداء ضريبة لمن قهرهم، "النخة"، وصاروا "نخة" له٤.
ولا بد لي من الإشارة هنا إلى جباية كانت الحكومات تأخذها عينًا عن الحبوب والزراعة، للإنفاق منها على إعاشة الجيش. وقد عرفت بـ"س اول ت"، "ساولت". ذكرت في النصوص السبئية والقتبانية. فهي ضريبة عينية تؤخذ من الزراعة، يجبيها موظفون يعرفون بـ"ساولت"٥، فهم جمّاع هذه الضريبة.
وكان ملوك الجاهلية قد وضعوا "الوضائع" على رعيتهم، من الزكوات والمغنم في الحروب، يستأثرون به. وقد أشير إليها في الحديث. ورد في حديث "طهفة بن زهير النهدي"، أن الرسول قال: "لكم يا بني نهد ودائع الشرك ووضائع الملك" أي: ما وضع عليهم في ملكهم من الزكوات. أي: لكم الوظائف التي نوظفها على المسلمين لا نزيد عليكم فيها شيئًا. وقيل: معناه ما كان من ملوك الجاهلية يوظفون على رعيتهم ويستأثرون به في الحروب وغيرها من المغنم. أي
стр. 3134
لا نأخذ منكم ما كان ملوككم وظفوه عليكم، بل هو لكم"١.
والوضائع: أثقال القوم. وأما الوضائع الذين وضعهم كسرى، فهم شبه الرهائن، كان يرتهنهم وينزلهم بعض بلاده. وقيل: الوضائع قوم كان كسرى ينقلهم من أرضهم فيسكنهم أرضًا أخرى، حتى يصيروا بها وضيعة أبدًا. وهم الشحن والمسالح٢.
والودائع: العهود والمواثيق. ويحتمل أن تكون كل ما يستودع من رهائن، من مال وبنين، ليكون رهينة على الوفاء بالعهد والموعد٣.
وذكر "الجاحظ" أن في جملة ما ترك من ألفاظ الجاهلية التي لها صلة بالجباية والمال "الحُملان" ويراد بها الرشوة وما يؤخذ للسلطان٤. والحُملان ما يحمل على الشيء من أجر، و"الحمالة" الدية أو الغرامة التي يحملها قوم عن قوم٥.
ويظهر من شعر العبديّ:
أيا ابن المعلّى خلتنا أم حسبتنا ... صراريَّ نعطي الماكسين مُكوسا
أن أصحاب السفن وهم "الصراريون"، كانوا يعطون المكس عن البضائع التي تحملها سفنهم، حين وصولها إلى المواني٦.
стр. 3135
الأشناق والأوقاص:
ودفع الجاهليون ضرائب أخرى، منها: "الأشناق" و"الأوقاص". وقد خص بعض العلماء "الأشناق" بالإبل: فإذا كانت من البقر، فهي "الأوقاص"١.
وقد تحدث العلماء عن حدود الأشناق والأوقاص في الإسلام. وفي كتب الفقه أبواب خاصة بهما.
стр. 3136
وكان منهم من تحايل في سبيل التخلص من أداء ما عليه من الأشناق والأوقاص.
وقد كتب الرسول إلى "وائل بن حجر": لا خلاط، ولا وراط، ولا شناق ولا شغار. وعيّن الرسول الحدود فيهما. والوراط: الخديعة والغش١.
وليس في استطاعتنا تعيين الضرائب المجباة، وتحديدها تحديدًا مضبوطًا، فقد كانت تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة. ثم إن العادة أن تؤخذ الضريبة من القبيلة أو العشيرة مجتمعة، أي: أن رئيس القبيلة أوالعشيرة هو الذي يتولى تقديم ما على القبيلة من ضرائب إلى الحكومة، ويختلف ذلك أيضًا بحسب صلة الرئيس بالحكومة، وبحسب قوته ومركزه السياسي لدى المسئولين. والرئيس هو الذي يعين نصيب أفراد القبيلة من الضرائب، وذلك بعد اتفاقه مع الحكومة على ما هو مفروض على القبيلة دفعه لها، وبعد موافقة مجلس القبيلة على ما فرض على القبيلة دفعه إلى الحكومة.
هذه هي الضرائب التي كانت تدفع عن التعامل والإتجار. وهناك ضرائب أخرى أوجب دفعها إلى سادات القبائل في مقابل حماية القوافل وضمان مرور التجارة في أرضهم بأمان وسلام، وهي ضرائب حق المرور. وإلا تعرضت التجارة للنهب والسلب، وتعرض أصحاب القافلة للخطر والهلاك. ولحماية التجارة يتفق التجار عادة مع سادات القبائل التي تمر القوافل في أرضهم على دفع جعالة في مقابل تقديم الحماية لها والمحافظة على سلامتها، وبذلك تمر بأمن وسلام.
وفي "قتبان" نجد نفوذ المعبد على الأهلين كبيرًا. وللمعبد أرضون واسعة تدر عليه دخلًا كبيرًا، وله ذرائب تبلغ عشر الدخل والميراث والمشتريات.
بالإضافة إلى النذور والعطايا التي يتبرع بها الأغنياء له. وقد حفظت النصوص القتبانية وثائق عديدة تتعلق بما كان يتقاضاه المعبد من الناس من زكاة وأموال تزكية لأعمالهم ولأنفسهم، باسم الآلهة التي لها سلطان كبير على الناس.
ولما كانت النقود قليلة إذ ذاك، كان دفع الضرائب عينًا في الغالب. ويعبر عن ذلك بـ"دعتم". أما إذا كان الدفع نقدًا. فيعبر عن ذلك بـ"ورقم". أي: "ورق".
وقد كانت الحكومة تضع يدها على المحصول أحيانًا أو على البضاعة المهربة أو البضاعة التي يمتنع أصحابها عن دفع الضريبة عنها ويعبر عن ذلك بـ"رزم".
стр. 3137
تقدير الغلات الزراعية:
وكان تقدير حصة الحكومة من الغَلات الزراعية، بواسطة خبراء الحكومة وموظفيها المسئولين عن جمع الضرائب، وذلك لأنهم كانوا يذهبون إلى المزارع والبساتين إبان إدراك النبات وقبل حصاده أو جَنْيه، ثم يخمّنونه ويقدرون مقدار ما يجب دفعه للحكومة. وطالما أدت هذه الطريقة إلى الإضرار بالفلاح، إذ يجوز أن يتعرض الزرع لآفات زراعية وللتلف والضرر، فيقل الحاصل كثيرًا، ولا يستطيع تحمل دفع ما قدر عليه، ولكن جباة الضرائب يأخذون حصة الحكومة منه كما قدروها دون نقص، فإذ امتنع المكلف، أخذ حاصله حتى يستوفى منه ما قدروه عليه.
ولم يكن من حق الفلاح حصاد زرعه وحمله إلى مخزنة أو جني ثمر زرعه ونقله إلى الأسواق والتصرف به ما لم يره جباة الضرائب لأخذ حصة الحكومة العينية.
وقد استتبع هذا النظام تعيين عدد كبير من جباة الضرائب، وإنشاء مخازن لنقل حصص الحكومة إليها. وتستهلك الحكومة جزءًا من هذا الحاصل، وتدفع قسمًا منه إلى موظفيها فالمدفوع لهم، هو مرتباتهم وأجر عملهم. أما الباقي فيباع في الأسواق، أو يصدر لبيعه في البلدان الخارجية، ولا سيما الحاصل المهم الثمين.
ويتقاضى المعبد في "معين" جملة ضرائب من الرؤساء وسائر الناس. لكل ضريبة اسم، مثل "كبودت" و"اكرب" و"عشر" و"فرع". وبعض هذه الضرائب تجبى عن حاصل الأرض وغلتها، وبعضها عن التجارة والأعمال الأخرى مثل الصناعات. ولم يشترط دفعها كلها عينًا أو نقدًا، بل كانت تدفع عملًا أحيانًا، أي: أن المكلفين بدفع الضرائب وجمعها من أتباعهم يقدمون الفعلة والصناع وعمال البناء أحيانًا إلى الحكومة، أو إلى المعبد، للقيام بالأشغال العامة بالمجان بدلًا من تقديم الضرائب نقدًا أو عينًا. وذلك متى وافق المعبد على ذلك واعتبر الآلهة راضية عن إنشاء ذلك العمل١.
стр. 3138
وكانت الحكومات العربية الجنوبية تتقاضى ضرائب عن المغازل ودور النسيج.
ويظهر أن أهل الحجاز كانوا يعرفون هذه الضريبة أيضًا. وقد ورد أن الرسول فرض في كتاب لقوم من اليهود ربع المغزل، أي: ربع ما غزل١.
стр. 3139
الركاز:
أغلب العلماء في الإسلام أن الركاز دفين أهل الجاهلية، أي الكنز الجاهلي.
وقال بعض الفقهاء: الركاز المعادن كلها. فمن استخرج منها شيئًا فلمستخرجها أربعة أخماسه ولبيت المال الخمس. وكذلك المال العادي يوجد مدفونًا، هو مثل المعدن سواء، فحكم الركاز تأدية خمسه لبيت المال١. أما بالنسبة إلى الجاهليين، فلا توجد عندنا نصوص جاهلية في بيان نصيب الحكومات منه. ويظهر من مطالبة سادات أهل مكة "عبد المطلب" بنصيبهم من الكنز الذي عثر عليه عند حفره بئر زمزم، أن حجتهم في المطالبة لم تكن تستند على قانون سابق، بل ارتكزت على أن الكنز لم يعثر عليه في أرض ملك، رقبتها لعبد المطلب، حتى يستأثر به، وإنما عثر عليه في أرض مقدسة مشاعة، تخص البيت الحرام وأهل مكة كلهم، لذلك وجب إشراك غيره به ومعنى هذا أن من يعثر على كنز في ملك له، يكون من حقه ونصيبه، لا تشاركه قريش فيه. وقد وجد "عبد الله بن جدعان" كنزًا، سبق أن أشرت إليه، فلم يعط سادة قريش منه شيئًا، وكان من عادة أهل مكة نبش المواضع العادية بحثًا عن الكنوز، ولم نجد في الأخبار المروية عن ذلك ما يفيد بمشاطرة قريش لمن يعثر على كنز، بمعنى أن من يستخرج شيئًا من الدفائن يكون ما يستخرجه من نصيبه، لا تأخذ مكة منه نصيبًا. وكيف تتمكن من ذلك، لأن من يعثر على كنز لا يظهره للناس، خشية اغتصابهم له. وأن من شاهد أحدًا يستخرج كنزًا استعمل حق القوة في الاستحواذ عليه أو على نصيب منه.
стр. 3140
النذور والصدقات:
وما تحدثت عنه هو الضرائب المفروضة التي يجب على من تشمله دفعها. أما النذور والصدقات، فهي هبة يقدمها المتمكن طوعًا للتقرب إلى آلهته أو شعورًا بمسئولية أدبية يقتضيه واجب المروءة تجاه الضعفاء. والصدقة: ما تصدقت به على الفقراء وقد أشير إليها في القرآن الكريم. وقد تؤدي معنى "الزكاة" ووردت في معنى "المهر" أيضًا أي: الصداق الذي يقدم إلى المرأة١. ويظهر أن الجاهليين كانوا يستعملونها في معنى التصدق على المحتاج والسائل.
وأما الزكاة، فهي ما يخرج من المال لتطهيره، فهي تزكية اختيارية للمال وطهارة له. وقد جعلها الإسلام فريضة على المسلم المتمكن بحسب الأنصبة المقررة في الشرع. وهي "زكوتو" Zakutu عند البابليين. وقد نص عليها في العهد القديم٢. وهي أن يقدم أصحاب الزرع من أول ثمرهم إلى الكاهن ليقدمه إلى الرب، وأن يسمح للفقراء بالتقاط ما يجدونه على الأرض مهملًَا من بقايا الزرع، وأن يعطي الكهنة واليتامى والفقراء والغرباء والأرامل والمحتاجين عشر محاصيل الأرض. وقد كثرت الإشارة إليها في العهد الجديد٣.
وإذا اعتددنا العشر الذي كان يقدمه العرب الجنوبيون إلى المعبد من حاصل عملهم، لصرفه على المعبد وفي الأعمال الخيرية زكاة، ففي استطاعتنا أن نقول إنها كانت مفروضة على المتمكن فرضًا، أي: على نحو ما نجده في الإسلام. غير أن من الجاهليين من كان يقدم زكاة المال من ماشية وإبل وزرع طوعًا واختيارًا تقربًا إلى الآلهة، يقدمها إلى المعابد تخصيصًا باسم الأصنام. ومن هذا القبيل السائبة والحامي الوصيلة ونحو ذلك، مما خصصه الجاهليون لآلهتهم تطوعًا، وذلك تزكية لأموالهم وأملًا في نماء أموالهم الجديدة وحدوث البركة فيها.
стр. 3141
السخرة:
وكان من حق الدولة وسادات الأرض والقبائل تسخير الناس في الأعمال التي
стр. 3142
يريدون القيام بها بلا عوض ولا أجر ولا دفع مقابل عن العمل الذي يؤمرون القيام به. ونظام السخرة شائع معروف عند جميع الأمم. وقد كان معمولًا به عند بعض الشعوب إلى عهد قريب. فكان من حق الحكومة إكراه أتباعهم وأخذهم بالقوة وسوقهم للقيام بأداء أي عمل تريده. وفي ضمن ذلك المباني العامة والقصور.
وبها تم إنشاء معظم المباني الفخمة مثل الأهرام والمعابد، حيث لا يكلف العمل بهذه الطريقة الحكومة كثيرًا، فالعمال مسخرون لا يدفع لهم شيء، وعليهم أداء عملهم بسعة وحمل أكثر ما يمكن حمله، وإلا انهالت عليهم سياط المراقبين.
ويدخل في هذه السخرة، السخرة العسكرية، أي: القبض على أي شخص عند الحاجة وسوقه إلى القتال، وذلك من غير مقابل أيضًا. وقد كابد سواد الناس منها عنتًا شديدًا لفقرهم ولعدم وجود شيء عندهم تعتمد أسرهم عليه في معيشتها إذا غاب المعيل أو مات، ولهذا لم يحارب المحاربون إلا قسرًا وخشية ورهبة، وكانوا يهربون من هذه "السخرة" بالرغم مما قد يتعرض له الهارب من عقوبة شديدة قد تصل إلى القتل.
стр. 3143
واجبات الدولة:
واجبات الدولة كثيرة: فإن عليها أن تحفظ الأمن في الداخل، وتحمي الحدود من مهاجمة الأعداء لها، وتصد كل غزو يقع عليها، وعليها أن تحقق العدالة، وتقتص من الجناة وتعاقب المجرمين، وعليها أن تقيم الأبنية العامة وتفتح الطرق، على غير ذلك من الواجبات التي نعرفها عن الغاية من نشوء الحكومات.
ونحن لا نستطيع أن نتحدث في الزمن الحاضر عن جهاز حفظ الأمن الداخلي، أي: جهاز "الشرطة" الذي تناط به مهمة القبض على المجرمين، وتعقب اللصوص والقتلة، وما إلى ذلك من شئون لعدم ورود شيء عن هذا الموضوع في الكتابات.
ولكننا لا نستطيع نفي وجود علم للجاهليين الحضر بالشرطة. فلا بد وأن يكون لهم علم بأجهزة الأمن المخصصة بالقبض على المجرمين وتعقب آثارهم، أي: الشرطة. وقد كان لهم اتصال بالعراق وببلاد الشام. ويظهر من كتب اللغة أن لفظة "الشرطي" و"شرطة" كانت معروفة بين الناس عند ظهور الإسلام. "وفي حديث ابن مسعود: وتشرط شرطة للموت لا يرجعون إلا
стр. 3144
غالبين. وهم أول طائفة من الجيش تشهد الوقعة، وقيل: بل صاحب الشرطة في حرب بعينها"١.
وقد كان لملوك الحيرة سجون يسجنون بها من يتجاسر عليهم ومن يخالف أمرهم ويعارضهم ويخرج على العرف. ومن سجونهم "الصنّين". وفيه سجن "عديّ بن زيد العبادي". وقد ذكر أنه كان موضعًا بظاهر الكوفة٢. وذكر بعضهم أنه بلد، ذكره الشاعر بقوله:
ليتَ شعري متى تَخِبّ بي النا ... قة بين العُذَيْب فالصِنّين
ولم يعين موضعه٣. ويظهر أنه لم يكن بعيدًا عن الحيرة. ولعله كان حصنًا حصينًا منعزلًا عن الناس، به حرس كثيرون يحرسونه، لهذا اتخذ سجنًا ومحبسًا.
ويظهر من شعر لعدي بن زيد العبادي، أن ملوك الحيرة، كانوا قد نظموا لهم حرسًا يحرسونهم ويحرسون مؤسسات الحكومة المهمة مثل "السجون"، والأشخاص المسئولون عن الأمن والأخبار، ليرسلوا ما قد يحدث من أمور إلى الملوك والحكام.
وقد عرف "العسس" عند الجاهليين أيضًا، وهم المسئولون عن حفظ الناس من أهل الريبة والكشف عنهم. والعُس: نفض الليل عن أهل الريبة. وكان الخليفة "عمر" يعس بالمدينة، أي: يطوف بالليل يحرس الناس ويكشف أهل الريبة٤.
стр. 3145
البريد:
وقد عرف "البريد" بين الجاهليين. ويذكر علماء اللغة أن اللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وأن أصلها "بريده دم"، أي: محذوف الذنب، لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها، ثم سُمي الرسول الذي يركبه
стр. 3146
بريدًا، والمسافة التي بين السكتين بريدًا. والسكة موضع كان يسكنه "الفُيُوج" المرتبون من بيت أو قبة أو رباط، وكان يرتب في كل سكة بغال، وبعد ما بين السكتين فرسخان، وقيل: أربعة١. فالبريد إذن بمعنى رسول، وموضع البريد، والشيء الذي يرسل مع البريد، أي: الرسول حامل البريد، ودابة البريد.
قال الشاعر:
إني أنصُّ العيس حتى كأنني ... عليها بأجواز الفلاة بريدا٢
ومن أعمال صاحب البريد إرسال الأخبار إلى من عينهم في هذا المنصب، فهم موظفون مخبرون، من أعمالهم إطلاع كبار الموظفين والأمراء والملوك على الأحوال العامة للمكان الذي يقع في ضمن عملهم واختصاصهم، وأخبار الجهات المسئولة عن الأعمال المشبوهة التي قد تدبر ضد الدولة، وعن تصرفات كبار الموظفين، خشية انفرادهم في الحكم وإعلانهم العصيان على الدولة.
ونسب "الجاحظ" إلى "امرئ القيس" قوله:
ونادمت قيصر في ملكه ... فأوجهني وركبت البريدا
إذا ما ازدحمنا على سكة ... سبقت الفرانق سبقًا بعيدا٣
وقد نسب غيره إلى "امرئ القيس" أيضًا قوله:
على كل مقصوص الذنابي معاودٍ ... بريد الشُرى بالليل من خيل بربرا٤
ومعنى هذا -إن صح بالطبع- أن الشعر المذكور هو لامرئ القيس حقًّا، أنه عرف البريد واستعمله، وقد رأى خيل البريد. وهي تقص ذنابها ليكون ذلك علامة على أنها من خيل البريد.
وقد أشير إلى البريد في الحديث: جاء "لا تقصر الصلاة في أقل من أربعة
стр. 3147
برد"، وهي ستة عشر فرسخا، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع. وورد في الحديث أيضًا "لا أخيس بالعهد ولا أحبس البُرد"، أي: لا أحبس الرسل الواردين عليّ١. وورد إذا أبردتم إلي بريدًا فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم. وعرفت الطرق التي يسير بها رسل البريد بـ"سكك البريد".
كل سكة منها اثني عشر ميلًا٢.
وقد أشير إلى البريد في شعر إلى "ورقة بن نوفل"، يقال: إنه قاله حينما مات "عثمان بن الحويرث" عند "ابن جفنة الغساني"، فاتهمت بنو أسد "ابن جفنة" بقتله٣. وعرف "أبو قيس" بـ"راكب البريد"٤.
وتحدث "الجاحظ" عن "البريد" في أيام الساسانيين، فقال: "وكانت البُرد منظمة إلى كسرى، من أقصى بلاد اليمن إلى بابه، أيام وهرز، وأيام قتل مسروق عظيم الحبشة"٥. "وكذلك كانت برد كسرى إلى الحيرة: إلى النعمان وإلى آبائه. وكذلك كانت برده إلى البحرين: إلى المكعبر مرزبان الزارة، وإلى مشكاب، وإلى المنذر بن ساوى، وكذلك كانت برده إلى عمان، وإلى الجلندي بن المستكبر.
فكانت بادية العرب وحاضرتها مغمورتين ببرده، إلا ما كان من ناحية الشام؛ فإن تلك الناحية من مملكة خثعم وغسان الروم، إلا أيام غلبت فارس على الروم، ولذلك صرنا نرى النواويس بالشامات إلى القسطنطينية.
وهل كانت برد كسرى إلى وهرز، وباذام، وفيروز بن الديلمي والي اليمن، وإلى المكعبر مرزبان الزارة، وإلى النعمان بالحيرة، إلا البغال؟ وهل وجدوا شيئًا لذلك أصلح منها"٦.
فالبغال هي وسيلة نقل البريد في ذلك الوقت. تتوقف في محطات البريد لتبدل البغال التعبة ببغال أخرى، وليبدل حملة البريد كذلك. وهكذا إلى آخر محطة.
فهي سكك تمتد مسافات طويلة. ولما كان من الصعب على البغل اختراق الصحارى
стр. 3148
ذات الرمال البعيدة الغور والتي تقل فيها المياه، لزم أن تكون طريق البريد ممتدة في الأرضين التي يكثر وجود الماء فيها، وتتوفر فيها الآبار، وفي مواضع مأمونة قليلة الرمال.
ويظهر أن الجاهليين قد أخذوا نظم بريدهم من الفرس، وأن ملوك الحيرة وغيرهم استخدموها في إدارتهم لدولتهم، بدليل ما يذكره علماء اللغة من أن لفظة "البريد" كلمة فارسية عربت فصارت على هذا النحو. وأصلها "بريدة دم"، أي: محذوف الذنب؛ لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها، فأعربت وخففت، ثم سُمي الرسول الذي يركبه بريدًا. والمسافة التي بين السكتين بريدًا، والسكة موضع كان يسكنه الفيوج المرتبون من بيت أو قبة أو رباط، وكان يرتب في كل سكة بغال، وبعد ما بين السكتين فرسخان، وقيل: أربعة١ ولعل ما ورد في شعر امرئ القيس من "على كل مقوص الذنابي"، إشارة إلى تفسير كلمة "بريده دم".
وقد ذكر علماء اللغة أن "الفيج" رسول السلطان على رجله، فارسي معرب.
وقيل: هو الذي يسعى بالكتب. والجمع "فيوج". وأشاروا إلى ورودها في شعر لعدي بن زيد، زعموا أنه قاله هو:
أم كيف جزتَ فيوجًا حولهم حرسٌ ... ومريضًا بابه بالشك صُرّار
قيل: الفيوج الذين يدخلون السجن ويخرجون يحرسون٢.
ويظهر أنهم فرقوا هنا بين "البريد"، أي: الرسول الراكب، الذي ينقل البريد إلى مسافات، وبين "الفيج" الرسول الذي يسير على رجليه، وهو لا يمكن بالطبع أن يقطع أميالًا كثيرة. فهو بريد محلي، ينقل الأخبار إلى مسافات غير بعيدة. وقد يكون مخبرًا، ينقل ما يحدث ويقع بسرعة إلى المراجع العالية.
فالفيوج، لصوص الأخبار وبريد ماش ينقل الكتب إلى الجهات المختصة في الوقت نفسه. ويظهر من شعر "عدي" المذكور، أن "الفيوج" كانوا يقفون للناس بالمرصاد، يراقبون الحركات ويدرسون السكنات حولهم حرس منتبه،
стр. 3149
يحرسونهم من احتمال محاولة أعداء الحكومة إيقاع أي أذى بهم، أو الدخول أو الخروج إلى الأماكن الحساسة التي كانوا يلازمونها، ويسترقون أخبارها وأخبار من يدخل ويخرج منها.
وأما الأبنية العامة، مثل المباني الحكومية، فقد كانت الحكومات العربية الجنوبية تقوم مستقلة بإنشائها، وتنفق عليها أموالها ومن مواردها الخاصة. وتقوم بإنشائها بالاتفاق مع السلطات الدينية في أحيان أخرى. بأن تسهم تلك السلطات في تحمل نفقات البناء كلها أو جزء منها وقد يكون ذلك في مقابل نزول الحكومة عن بعض الحقوق إلى المعبد. وقد تقوم الحكومة بإنشائها بالاتفاق مع كبار المتمولين، أصحاب الأرض والثراء.
وتقوم المدن والقبائل والحكومات بالاستدانة من أموال المعبد ومن الضرائب التي تدفع إليها، للإنفاق منها على إقامة الأبنية العامة والمشروعات الأخرى، على أن تعاد تلك الديون إلى المعبد. ولم ترد في الكتابات إشارات إلى موقف المعابد من هذه الديون: أكانت تتقاضى أرباحًا عليها -أي: ربًا- أم كانت تعطيها قرضًا حسنًا من غير فائض. ويعبر عن ضرائب المعبد التي تجبى من الناس بلفظة "كبودت". وأما الدين فيعبر عنه بـ"دينم" "دين" كذلك، كما جاء في هذه الجملة: "بكبودت دين عثتر"١، أي: "بالضرائب التي داينها "أقرضها" الإله عثتر".
стр. 3150
حماية الحدود:
ومن واجبات الدولة تثبيت حدودها والمحافظة عليها من كل اعتداء، وذلك بمراقبة الحدود ووضع حاميات عسكرية عليها، من "مسالح" و"مناظر" وبناء قلاع في الثغور لحمايتها من المغيرين وصدهم. وتبني هذه التحصينات في الخطوط الأمامية وعلى مبعدة من الأماكن الكبيرة المأهولة حتى يكون في وسعها صد المغيرين، أو وقفهم حتى تأتي نجدات كبيرة من الجيوش لمحاربة الغزاة، ويكون في وسع أهل القرى والمدن الهرب بأنفسهم وأموالهم إلى مواضع آمنة.
стр. 3151
و"المسالح" مواضع المخافة. والمسلحة كالثغر والمَرْقب يكون في أقوام يرقبون العدو لئلا يطرقهم على غرة، فإذا رأوه أعلموا أصحابهم ليتأهبوا له.
ومسلحة الجند خطاطيف لهم بين أيديهم ينفضون لهم الطريق، ويتجسسون خبر العدو ويعلمون علمهم، لئلا يهجم عليهم، ولا يدعون واحدًا من العدو يدخل بلادهم. وذكر أنه كان أدنى مسالح فارس إلى العرب "العُذيب"١. فالمسالح إذن، هي الخطوط الأمامية من خطوط الدفاع عند بلد ما، ونقاط الأمان فيها، ومحل جمع المعلومات عن تحركات ونيّات العدو. بها حاميات مقيمة وظيفتها الأولى الاستطلاع وإخبار الجيش بقدوم عدو ما، ومشاغلته إلى وصول القوات المدافعة الكبيرة.
و"المنظرة" "موضع الربيئة" وهي المرقبة، وتكون في مواضع مشرفة مثل رأس تل أو جبل يبنى عليه بناء يجعل فيه رقباء ينظرون العدو ويحرسونه، ليتوقوا غدره وشره. فإذا أراد الغارة، أرسلت "النظيرة" "النظورة" رسالة تحذير للتهيؤ لصد العدو. والظاهر أن اتخاذ المناظر في المواضع العالية المشرفة، هو الذي جعل علماء اللغة يفسرون المناظر بأنها أشراف الأرض لأنه ينظر منها٢.
و"المراقب" و"المرقبة" الموضع المشرف، يرتفع عليه الرقيب، و"الرقيب" الحارس الحافظ، و"رقيب القوم": حارسهم، وهو الذي يشرف على مرقبة ليحرسهم. وذكر علماء اللغة أن المرقبة هي المنظرة في رأس جبل أو حصن٣، فهي في المعاني المتقدمة.
و"الثغر" الموضع الذي يكون حدًّا فاصلًا بين الحكومتين. وهو موضع المخافة من أطراف البلاد. و"الثغرة": الثلمة وكل فرجة في جبل أو بطن أو طريق مسلوك٤. ويظهر من هذا التعريف أن الثغور هي المواضع الخطيرة من الحدود؛ لأنها تكون بمثابة الفرجة أو الثلمة فيها يتسنى للعدو منها التسلل بسهولة إلى أرض عدوه، ولهذا تجب حراستها والعناية بها، بوضع حاميات بها لتشغل العدو ولتصده من الولوج إليها.
стр. 3152
وقد أقام الفرس والروم "مناظر" على حدودهم، على أبعاد لا يكون ما بينها بعيدًا حتى يكون في وسع حماة "المناظر" أن يتعاونوا، ويقدموا العون للمنظرة التي تهدد بالخطر. وأقام الروم "طرقًا" ممهدة بين هذه المناظر، ليسهل على القوات السير عليها بسرعة لنجدة المناظر وحماية الحدود.
وتلجأ الحكومات إلى إقامة استحكامات أخرى لوقاية الحدود من مهاجمة عدو لها، مثل إقامة الخنادق في بعض المواضع الخطيرة المهددة من الحدود لمنع المغيرين من عبورها، كالذي يذكره أهل الأخبار عن "خندق سابور" الذي أقامه لمنع الأعراب من العبور بقصد الغزو، ومثل إقامة بعض الحواجز والأسوار في الممرات والأودية، وربايا في المواضع المشرفة، لمراقبة حركات الأعداء وصدهم من المرور من هذه الأماكن.
стр. 3153
ضرب النقود:
ذكرت فيما سلف أن ملوك العرب الجنوبين، ضربوا النقود، وأن في المتاحف وفي الخزائن الخاصة ببعض الناس نقودًا تعود إلى أولئك الملوك. أما بالنسبة إلى الأماكن الأخرى مثل مكة أو يثرب؛ فإننا لا نستطيع أن نتحدث بأي شيء عن ضرب النقود عندهم، لعدم عثور العلماء على نقد ضرب في هذه الأماكن، ولعدم ورود إشارة إلى وجود ذلك في موارد أهل الأخبار. والذي يستخلص من هذه الموارد أن أهل تلك المواضع، كانوا يتعاملون بعملة الروم والفرس. وهي الدنانير والدراهم. كما سأتحدث عن ذلك في الموضع المناسب عندما سأتحدث عن الأحوال الاقتصادية. ولم أجد في روايات أهل الأخبار ما يشير إلى تعامل أهل مكة أو يثرب بنقود حبشية أو بنقود ضربت في العربية الجنوبية، ولم أجد فيها ولا في كتب السير والتواريخ أن المسلمين ضربوا النقد في أيام الرسول.
ولم أسمع بضرب ملوك الحيرة أو الغساسنة للنقود، ولم يعثر الباحثون -كما أعلم- على نقد ضرب في عهود هؤلاء الملوك. والظاهر أنهم كانوا يتعاملون بالعملات الفارسية والرومية. وربما كان الفرس والروم قد منعوا أولئك الملوك من ضرب النقود، لبواعث سياسية واقتصادية. ولكني لا أريد أن أجزم بأن "آل لخم" و"آل غسان" لم يضربوا النقد بتاتًا، استنادًا إلى عدم وصول
стр. 3154
نقد ضرب في أيامهم إلينا حتى هذه الأيام، أو إلى عدم إشارة أهل الأخبار إلى وجوده عندهم، فقد يعثر في المستقبل على نقود تعود إلى أيامهم، هي الآن في مخابئها، مدفونة تحت الأتربة. ثم إن أهل الأخبار لم يتحدثوا عن كل شيء، حتى نتخذ سكوتهم عن ضرب ملوك الحيرة والغساسنة للنقود حجة على عدم وجود ضرب السكة عندهم.
والسكة: حديدة منقوشة كتب عليها، يضرب عليها الدراهم١. والضرب الطبع، يقال: ضرب الدرهم، أي: طبعه، على سبيل المجاز. و"اضطرب، بمعنى سأل أن يضرب له. وفي الحديث أنه ﷺ ، اضطرب خاتمًا من حديد. أي: سأل أن يضرب له ويصاغ"٢. والنقد تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها٣ وأما الطبع فالسك. يقال: طبع السكاك الدرهم؛ أي: سكه٤. وهناك مصطلحات أخرى لها صلة بالنقد، ترد في كتب الحديث واللغة يظهر منها، أنه قد كان للجاهليين ولأهل مكة بصورة خاصة وقوف على النقد، وأنهم كانوا يتعاملون بها، ولهم علم بكيفية صنعها.
стр. 3155
قواعد السلوك:
وللجاهليين آداب اصطلحوا عليها بالنسبة لتعاملهم مع الملوك وسادات القبائل، فمن قواعدهم المقررة: أن الملوك لا تجز نواصيها١. وذلك لأن جزّ النواصي بالنسبة للعرب تعبير عن الازدراء بالشخص الذي جزت ناصيته، ولما كان للملوك حرمة، فلا تجز نواصيهم، ولا تجز نواصي سادات القبائل كذلك. وقد حدث أن جزّت نواصي بعض الملوك، أو إخوتهم، أو أبنائهم، أو سادات القبائل، إلا أن هذا العمل هو عمل شاذ، لا يقدم عليه، إلا لأن العداوة بين الملك وبين من قبضوا عليه أو على أقربائه أو سادات القبائل، كانت عداوة شديدة عميقة، بحيث تجاوزت حد العرب فخضعت لأحكام العواطف والأهواء.