← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وأرض "عوص" هي موطن "أيوب" الشهير صاحب السفر المعروف باسمه، والذي ورد ذكره في القرآن الكريم، وضُرب به المثل في الصبر. وأكاثر "جاثر" "gether"، فلا يعلم من أمره شيء١، ويجب أن تكون مواطن "الكاثريين" في الهلال الخصيب، أو في بادية الشام، أو في التخوم الشمالية لجزيرة العرب، وذلك نظرًا لوروده مع "عوص" و "ماش". وقد جعل أهل الأخبار "النبط" من نسل "نبيط بن ماش"، وجعلوا أهل الجزيرة والعال من ولد "ماش" كذلك٢. أما النبط في التوراة، فإنهم "نبيوت"٣ نسبة إلى الابن الأكبر لأبناء "إسماعيل" المسمى بـ "نابت" عند أهل الأخبار٤ وليس ل "ماش" علاقة به وبالنبط. وأما "ماش"، فإنه كناية عن موضع سكنه جماعة عُرفوا بهذا الاسم، لعله "بادية ماش" "صحراء ماش" المذكورة في الكتابات الأشورية، وهي في البادية الكبيرة المسماة "بادية الشام"٥.

стр. 317

العرب البائدة: ونحن جريًا مع عادة أهل الأخبار في تقسيم العرب إلى الطبقات الثلاث المذكورة، نبدأ بذكر الطبقة الأولى من طبقات العرب، وهي طبقة العرب البائدة. وقد شك كثير من المستشرقين في حقيقة وجود أكثر الأقوام المؤلفة لهذه الطبقة، فعدّها بعضهم من الأقوام الخُرافية التي ابتدعتها مَخِيلةُ الرواة، وخاصة حين عجزوا عن العثور على أسماء مشابهة لها أو قريبة منها في اللغات القديمة أو في الكتب الكلاسيكية، وقد اتضح الآن أن في هذه الأحكام شيئا من التسرّع؛ إذ تمكن العلماء من العثور على أسماء بعض هذه الأقوام، ومن الحصول على بعض

стр. 318

المعلومات عنها، ومن حلّ رموز بعض كتاباتهم مثل الكتابات الثمودية. وقد اتّضح أن بعض هذه الأقوام أو أكثرها قد عاشوا بعد المسح ولم يكونوا مُمْعِنِين في القدم على نحو ما تصوّر الرواة. ولعلّ هذا كان السبب في رسوخ أسمائهم في مَخِيلة الأخباريين. وأبدأ الآن بالتحدث عن "عاد": عاد: وإذا جارينا الأخباريين، وسرنا على طريقتهم في ترتيب الشعوب العربية، وجب علينا تقديم طسم وعمليق وأميم وأمثالهم على عاد وثمود، لأنهم من أبناء "لاوذ بن سام" شقيق "إرم"، وعاد وثمود من حَفَدة "إرم بن سام". ولكن الأخباريين يقدمون عادًا على غيرهم، ويبدءون بهم، وهم عندهم أقدم هذه الأقوام، ويضربون بهم المثل في القدم١. ومثلهم في ذلك مثل أخباريي العبرانيين الذين عدّوا العمالقة أول الشعوب٢. ولعلّ هذه النظرية تكوّنت عند الجاهليين من قدم عاد، أو من ورود اسم عاد في القرآن الكريم في سورة الفجر٣ ثم مجيء اسم "ثمود" بعد ذلك. ولهذا صاروا إذا ذكروا "عادا" ذكروا "ثمودا" بعدها في الترتيب. فلورودهما في القرآن الكريم قدما على بقية الأقوام. وقد أورد "الطبري" ملاحظة مهمة عن قوم "عاد" وعن رأي أهل الكتاب فيهم؛ إذ قال: "فأما أهل التوراة، فإنهم يزعمون أن لا ذكر لعاد ولا ثمود ولا لهود وصالح في التوراة، وأمرهم عند العرب في الشهرة في الجاهلية، والإسلام كشهرة إبراهيم وقومه٤". ويظهر من ذلك أن المسلمين حينما راجعوا اليهود يسألونهم علمهم عن عاد وأمثالهم، أخبروهم بعدم وجود ذكرهم في التوراة. والواقع أن التوراة لا علم لها فيهم. فأحاديث عاد وثمود وهود وصالح إنما هي أحاديث عربية، تحدث بها الجاهليون، وليس لها ذكر في كتب يهود، ولكن أهل الأخبار ربطوا مع ذلك بينها وبين التوراة، وأوجدوا لها صلةً ونسبًا

стр. 319

بأسماء أعيان وردت في التوراة. ولكن عملهم هذا لا يخفى بالطبع على مَن له وقوف على التوراة. وأكثر هذه الأقوام أقوام متأخرة عاشت بعد الانتهاء من تدوين التوراة، عاشت بعد الميلاد في الغالب، ولعلّ منها مَن عاش إلى عهد غير بعيد عن الإسلام. ثم إن التوراة والكتب اليهودية الأخرى لم تهتم إلا بالشئون التي لها علاقة بالعبرانيين، وهي ليست كتبًا في التواريخ العامة للعالم حتى تكتب عنهم وعن أمثالهم من قبائل. أما بقاء أخبار قوم عاد ومَن كان على شاكلتهم من العرب البائدة في ذاكرة أهل الأخبار، فلأنهم عاشوا بعد الميلاد، وفي عهد غير بعيد عن الإسلام، ومع ذلك، فقد أخذتْ أخبارهم طباع القصص والأساطير. وقد ذهب بعض أهل الأخبار إلى أن عادًا هي "هدورام" في التوراة١. ودليلهم على ذلك اقتران عاد بإرم في الكتب العربية، وبعض القراءات التي قرأت "بعاد إرم" في الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ٢ على الإضافة، أو مفتوحتين، أو بسكون الراء على التخفيف، أو بإضافة إرم إلى ذات العماد. وبين "عاد إرم" و "هدورام" تشابه كبير في النطق٣. ولكن التوراة تشير إلى أن "هدورام" من نسل "يقطان"، أي قحطان في الكتب العربية، وهذا لا يستقيم مع الروايات. ويردّ "جرجى زيدان" على هذا الاعتراض بقوله، "ولعل كاتب سفر الخليقة رأى مقر تلك القبيلة في بلاد اليمن؛ فقال إنها من نسل قحطان، لأن مقام عاد في الأحقاف بين حضرموت واليمن، وكثيرًا ما التبس علماء التوراة في هدورام أو هادرام ومقر نسله، ولم يهتدوا إلى شيء عنه، مع أنهم اهتدوا إلى أماكن أكثر أبناء قحطان، وكلها بجوار الأحقاف، فعاد هي "هدروام" في التوراة. وإما أن يكون كاتب سفر الخليقة أراد بيان القبائل التي سكنت اليمن، وكلها ينسب إلى قحطان، فرأى عاد إرم في جملتها، فجعله من أولاد قحطان وبعبارة أخرى: من القبائل

стр. 320

المتفرعة عن قبيلة قحطان، وإما أن يكون بالحقيقة من نسل قحطان، وهم العرب في نسبته إلى آرام"١. ورأى "فورستر" وجود صلة بين "عادة"، وهو اسم زوجة "لامك"، وبين "عاد"، وهي والدة "يابال" الذي كان أبًا لسكان الخيام ورعاة المواشي٢، ونسلها من الأعراب. وقوم عاد من الأعراب كذلك. وذهب أيضا إلى أن هؤلاء هم oaditae وهو اسم "قوم ذكرهم "بطليموس"٣" على أنهم كانوا يقيمون في الأرضين الشمالية الغربية من جزيرة العرب٤، ولعلّهم كانوا يقيمون عند موضع "بئر إرم"، وهي من الآبار القديمة في منطقة "حسمى" على مقربة من جبل يعرف بهذا الاسم في ديلر جُذام بين أيلة وتيه بني إسرائيل٥. ولا يبعد هذا الموضع عن أماكن ثمود الذين ارتبط اسمهم باسم عاد. وقد أيّد هذا الرأي "شبرنكر" وجماعة من المستشرقين، وهو أقرب الآراء إلى الصواب. وذهب الأخباريون إلى وجود طبقتين لقوم عاد هما: عاد الأول، وعاد الثانية، وكانت عاد الأولى، في زعم أهل الأخبار، من أعظم الأمم بطشًا وقوة، وكانت مؤلفة من عدة بطون تزيد على الألف، منهم: رفد، ورمل، وصد، والعبود٦. والظاهر أن فكرة وجود طبقتين لعاد قد نشأت عند الأخباريين من الآية: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ ٧، فتصوّروا وجود عاد ثانية، قالوا إنها ظهرت بعد هلاك عاد الأولى٨. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن "عادًا الأولى"، هو "عاد بن عاديا بن سام بن نوح"، الذين أهلكهم الله، وأوردوا في ذلك بيت شعر ينسب

стр. 321

إلى "زهير"١. وأما عاد الأخيرة، فهم "بنو تميم" وينزلون برمال عالج٢. وذهب الطبري إلى أن عادًا الأولى، هم نسل بن عوص بن إرم بن سام بن نوح٣، وأن عادًا الأخيرة هم رهط قيل بن عتر، ولقيم بن هزّال ابن هزيل بن عُتَيل بن صد بن عاد الأكبر، ومرشد بن سعد بن عفير، وعمرو بن لقيم بن هزّال، وعامر بن لقيم، وعمرو بن لقيم بن هزّال، وكانوا في أيام "بكر بن معاوية"٤ صاحب "الجرادتين"، وهما قينتان له تغنّيان٥. وقد هلكوا جميعا إلا "بني اللوذية"، وهم "بنو لقيم بن هزّال ابن هزيل بن هزيلة ابنة بكر"، وكانوا سكانًا بمكة مع أخوالهم "آل بكر بن معاوية"، ولم يكونوا مع عاد بأرضهم فهم عاد الأخيرة، ومن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد٦. وجعل بعض أهل الأخبار عدد قبائل عاد ثلاث عشرة قبيلة٧، ذكروا منها: "رفد" و "زمل" و"صد" و "العبود"٨. وجعلها "الهمداني" أحد عشر قبيلة وهي: العبود، والخلود، وهم رهط هود النبيّ المرسل، وفيهم بيت عاج وشرفهم، وهم بنو خالد. وقيل: بنو مخلد، وبنو معبد، ورفد، وزمر وزمل، وضد وضمود٩، وجاهد، ومناف، وسود، وهوجد١٠. وقد ذهب العلماء مذاهب في تفسير المراد من "إرم ذات العماد" في الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ١١ فذهب بعضهم إلى أن

стр. 322

"إرم ذات العماد" مدينة في "تيه أبْيَنَ" بين عدن وحضرموت، وذهب آخرون إلى أنها دمش١ أو الإسكندرية٢. والذي دعاهم إلى هذا الرأي -على ما أرى- هو كثرة وجود المباني ذوات العماد في هاتين المدينتين وما عرف عنهما من القدم، فوجد الأخباريون فيهما وصفًا ينطبق على وصف إرم ذات العماد٣. وقد خلقت "باب جيرون" من أبواب دمشق قصة "جيرون بن سعد ابن عاد" الذي قالوا فيه إنه ملكًا من ملوكهم، وإنه الذي اختط مدينة دمشق، وجمع عُمُد الرخام والمرمر إليها، وسماها "إرم"٤. وهناك مناسبة أخرى جعلت بعض العلماء يذهبون إلى أن دمشق هي "إرم" أو "إرم ذات العماد"، فقد كانت دمشق -كما هو معروف- من أهم مراكز الإرميين "الآراميين"، وكانت عاصمة من عواصمهم. ولهذا السبب أيضا قال نفر من الباحثين إن "إرم" تعين "أرام"، وأن عادًا من "الآراميين"، وأن "عاد إرم" إنما تعني "عاد أرام"، فالتبس الأمر على المؤرخين وظنوا أن ذات العماد صفة، فزعموا أنها مدينة بناها عاد٥. غير أنه قول لا يؤيده دليل يثبت أن "إرم" في هذا الموضع تعني "أرام"٦. ومن الجائز أن تكون "إرم ذات العماد"، هي التي أوحت إلى النسّابين فكرة جعل "عاد" من نسل "عوص بن إرم"، لتشابه اسم "أرام" و "إرم" عند العرب التي هي "آرآم" فأصبحت عاد من الإرميين.

стр. 323

ويرى بعض المستشرقين أن الذي حمل الأخباريين على القول إن "الإسكندرية" هي "ارم ذات العماد"، هو أثر قصص الإسكندر في الأساطير العربية الجنوبية ذلك الأثر الذي نجده في كتب القصاص اليمانيين، في مثل كتاب "التيجان" المنسوب إلى وهب بن منبه، وفي الرواية اليمانية. وقد حاول الإسكندر كما نعرف احتلال اليمن، فغدا "شداد بن عاد" بانيًا للإسكندرية، وأصبح "الإسكندر" مكتشفًا لها١. وقد فسر العلماء لفظة "إرمي" الواردة في بيت الحارث بن حلزة اليشكري: ارَميّ بمثله جالت الجن ... فآبت لخصمها الأجلاء بأنها نسبة إلى "إرم عاد" في قدم ملكه، وقيل في حلمه٢. ونسب بعض أهل الأخبار ل "عاد" ولدًا، دعوه "شدادا" قالو: أنه كان قويًا جبارًا، سمع بوصف الجنة، فأراد بناء مدينة تفوقها حسنا وجمالا، فأرسل عمّاله، وهم: "غانم بن علوان"، و "الضحاك بن علوان"، و "الوليد بن الريان"، إلى الآفاق، ليجمعوا له جميع ما في أرضهم من ذهب وفضة ودرّ وياقوت، فابتنى بها مدينته، مدينة "إرم" باليمن، بين حضرموت وصنعاء، ولكنه لم ينعم بها إذ كفر بالله، ولم يصدق بنبوة "هود"، فهلك. وتولّى من بعده ابنه "شديد"٣. وزعم بعض النسّابين أن نسب "شداد" هو على هذه الصورة: "شداد ابن عمليق بن عويج بن عامر بن إرم"، فأبعدوه بذلك عن "عاد". وقيل في نسبه غير ذلك٤. ويفهم من القرآن الكريم أن مساكن "عاد" بالأحقاف، ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ ٥. والأحقاف: الرمل بين اليمن وعُمان إلى

стр. 324

حضرموت والشحر١. وديارهم بالدوّ والدهناء وعالج ويبرين ووبار إلى عمان إلى حضرموت إلى اليمن. وقد اندفع أكثر الأخباريين يلتمسون مواضعهم في الصحاري؛ لأنها أنسب المواضع التي تلائم مفهوم الأحقاف، فوضعوا من أجل ذلك قصصًا كثيرًا في البحث عن مواطن عاد وقبور عاد، ورووا في ذلك كثيرًا من قصص المغامرات التي تشبه قصص مغامرات لصوص البحر٢. وفي بعض الأخبار: أن "عادا" لحقت بالشحر، فسكنت به، وعليه هلكوا بوادٍ يقال له "مغيث". فلحقتهم بعد "مهرة" بالشحر٣. وقد سبق أن قلت: إن oaditae الذين ذكرهم "بطلميوس" هم قوم "عاد"، وإنهم كانوا يسكنون في الأرضين الشمالية الغربية من جزيرة العرب في منطقة "حسمي"، أي في أعالي الحجاز، وعلى مقربة من مناطق ثمود. وهو أقرب إلى الصواب، إذ اقترن ذكر عاد في القرآن بذكر ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ ٤. "حسمى" أقرب إلى هذا الوصف من الرمال. ولم يعيّن القرآن موضع الأحقاف، وإنما عيّنه المفسرون، ولا يحتم تفسيرهم تخصيص الأحقاف بهذا المكان، حيث جعلوا رمال "وبار" في جملة المناطق التي كانت لعاد٥. وقد ذهب "موريتس" إلى أن موضع "aramaua" الذي ورد عند "بطلميوس"، وهو "إرم"، أو "إرم ذات العماد". ويقال له الآن "رم"٦. وقد أيد "موسل" رأي "موريتس" غير أنه لم يذهب إلى ما ذهب إليه من أنه "إرم"٧. وقد أظهرت الحفريات التي قام بها "المعهد الفرنسي" في القدس، صحة هذا الرأي؛ إذ ورد في الكتابات "النبطية" التي عثر عليها في خرائب معبد اكتشف في "رم" أن اسم الموضع هو "إرم"٨. فيتضح من

стр. 325

ذلك أن هذا الموضع حافظ على اسمه القديم، غير أنه صار يُعرف أخيرًا ب"رم" بدلا من "إرم". وفي سنة ١٩٣٢ قام "هورسفيلد" horsfield من دائرة الآثار في المملكة الأردنية الهاشمية بحفريات في موضع جبل "رم"، ويقع على مسافة "٢٥" ميلا إلى الشرق من العقبة، ويقع المكان الذي بحث فيه عند وادٍ، وعلى مقربة منه "عين ماء"، ووجد في جانب الجبل آثارًا جاهلية قديمة١. وقد حملت اكتشافاته هذه واكتشافات "سافينياك" savignac واكتشافات "كليدن" h. w. glidden على القول: إن هذا المكان هو موضع "إرم" الوارد ذكره في القرآن، والذي كان قد حلّ به الخراب قبل الإسلام، فلم يبقَ منه عند ظهور الإسلام غير عين ماء كان ينزل عليها التجار وأصحاب القوافل الذين يمرون بطريق الشام -مصر- الحجاز٢. وذكر "ياقوت الحموي" اسم مكان سمّاه "جش إرم"، قال إنه اسم جبل عند "أجأ" أحد جَبَليْ طيء، أملس الأعلى، سهل ترعاه الإبل، وفي ذروته مساكن لعاد وإرم، فيه صور منحوتة من الصخر٣. ففرّق "ياقوت" هنا بين عاد وإرم، وجعلها قومين: قوم عاد وقوم إرم، وقد تكوّن الواو بين الكلمتين زيادة من الناسخ، فيبطل حينئذ الاستدلال على تفريق ياقوت بينهما. وفي الكتب العربية أسماء محلات أخرى قديمة عثر فيها على نقوش وتماثيل، وُصفت أنها من مساكن قوم عاد. وبالإضافة إلى المواضع التي أشير فيها إلى "عاد" في القرآن الكريم٤، فقد أشير إليهم في الشعر الجاهلي كذلك في شعر طرفة٥ وفي شعر النابغة٦ وفي شعر

стр. 326

زهير١ وفي شعر الهُذَليين٢، وفي شعر طفيل بن عوف الغنوي٣، وفي شعر "متمم بن نُوَيْرَة" شقيق "مالك بن نويرة"، وهو من الشعراء المخضرمين الذين عاشوا في الجاهلية وأدركوا الإسلام٤، وفي شعر "أمية بن أبي الصلت"، وهو ممن عاش في أيام الرسول كذلك٥، وفي شعر غيرهم من الشعراء الجاهليين المخضرمين٦. وورد في شعر لزهير بن أبي سُلمي "أحمر عاد"٧، وضرب المثل بشؤم أحمر عاد، فقيل: أشأم من أحمر عاد٨. وجعل الشاعر "أبو خداش الهذلي" "كليب وائل" كأحمر عاد في الشؤم، وذلك بسبب الحرب التي هاجت بين

стр. 327

بكر وتغلب١. وقد نص "ابن قتيبة الدينوري" على أن المراد من "أحمر عاد" "أحمر ثمود" الذي عقر الناقة٢. ويدل ورود خبر "عاد" في القرآن الكريم وفي الشعر الجاهلي على أن القصة كانت شائعة بين عرب الجاهلية معروفة عندهم، وأنهم كانوا يتصوّرون أن قوم "عاد" كانوا من أقدم الأقوام، ولذلك ضُرب بقدمهم المثل حتى إنهم كانوا ينسبون الشيء الذي يريدون أن يبالغوا بقدمه، إلى عاد، فيقولون إنه "عادي". وإذا رأوا أثرًا قديمًا أو أطلالًا قديمة عليها نقوش لا يعرفون صاحبها، قالوا إنها عاديّة، أي من أيام عاد٣. وإذا رأوا بناءً قديما لا يعرفون صاحبه، قالوا إنه بناء عادي٤. وقد تحدث "المسعودي" عن أشجار عادية، أي قديمة جدًا٥. ولهذا السبب رأى "ولهوزن"٦ أن كلمة "عاد" لم تكن اسم علم في الأصل، بل كان يراد بها القدم، وأن كلمة "عادي" تعني منذ عهد قديم جدًّا، وكذلك كلمة "من عاد" أو "من العاد"، أو من "عهد عاد". وأن المعنى هو الذي حمل الناس على وضع تلك الأساطير عن أيام "عاد"٧. وقد جعل بعض الشعراء أيام "عاد" من أوليات الزمان، التي جاءت بعد نوح"٨ وجعل بعض آخر لفظة "إرمي"؛ بمعنى "عادي"، أي قديم

стр. 328

كأنه من عهد إرم وعاد، أو كأنه في الحكم من عاد١. وقد ضرب المثل في القرآن الكريم بقدم "قوم نوح" وقوم "عاد وثمود" حتى إن أخبارهم خفيت عن الناس فلا يعلمها إلا الله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ ، وفي ذلك دلالة على أن الناس في أيام الرسول كانوا يرون أن الأقوام المذكورة هي من أقدم الأقوام، ولهذا ذُكّروا بهم للاتعاظ٢. وقد ورد ذكر عاد في الكتاب الذي وجهه "يزيد بن معاوية" إلى أهل المدينة يهددهم فيه بمصير يشبه مصير" عاد وثمود"؛ حيث ينزل بهم عقابًا شديدًا ويصيّرهم حديثًا للناس، "وأترككم أحاديث تنسخ بها أخباركم مع أخبار عاد وثمود"٣. وقال: سبيع" لأهل اليمامة: "يا بني حنيفة بعدًا كما بعدت عاد ثمود"٤. وضُرب المثل برجل من "عاد" اسمه "ابن بيض"، زعموا أنه كان من عاد، وكان تاجرًا مكثرًا عقر ناقة له على ثنية، فسدّ بها الطريق على السابلة، فضُرب به المثل٥. وزعم أهل الأخبار أن رجلًا غنيًّا من بقية "عاد" اسمه "حمار" كان متمسكا بالتوحيد، فسافر بنوه، فأصابتهم صاعقة فأهلكتهم، فأشرك بالله وكفر بعد التوحيد، فأحرق الله أمواله وواديه الذي كان يسكن فيه فلم ينبت بعده شيء. ويزعمون أن "امرأ القيس" الشاعر ذكر ذلك الوادي في شعر له٦. ويذكر أهل الأخبار أن المكان الذي كان فيه "حمار" المذكور هو "جوف"، وهو موضع في ديار عاد، وقد نسب إليه، فقيل "جوف حمار"، نسبة إلى

стр. 329

"حمار بن مويلع"، فلما أشرك بالله وكفر، أرسل الله نارًا عليه فأحرقته وأحرقت الجوف أيضًا، فصار ملعبًا للجنّ لا يستجرئ أحد أن يمرّ به، والعرب تضرب به المثل، فتقول: "أخلى من جوف حمار"١.

стр. 330

هود: ويرد مع قوم "عاد" ذكر نبي منهم، هو "هود"، وقد نعت في القرآن الكريم بـ "أخي عاد": ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ١. كما نعت القرآن عادًا بقوم هود: ﴿أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ ٢. ﴿قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ ٣. وقد نسبه الناسبون إلى "الخلود بن معيد بن عاد"٤، وإلى "عبد الله بن رباح ابن جاوب بن عاد بن عوص بن إرم"٥، وإلى "عبد الله بن رباح بن الخلود ابن عاد بن عوص بن إرم"٦، ومن أهل الأنساب من زعم أنه "عابر بن شالخ ابن أرفخشذ بن سام بن نوح"، إلى غير ذلك من روايات٧. وقد وردت قصته مع قومه ونهيه لهم عن عبادة الأصنام في القرآن الكريم٨. وقد ضُرب المثل بكفر رجل من عاد، اسمه "حمار"، فقيل: "أكفر من حمار"، قالوا: "هو رجل من عاد، مات له أولاد، فكفر كفرًا عظيمًا، فلا يمر بأرضه أحد إلا دعاه إلى الكفر، فإن أجابه، وإلا قتله"٩. وذلك على نحو ما ذكرته عنه قبل قليل. وهي قصة واحدة، رويت بطرق متعددة،

стр. 331

تختلف في التفاصيل، لكنها متفقة من حيث الفكرة والجوهر، وعليها طابع قصص الوعّاظ وأهل الأخبار. وقد ذكر أصحاب الأخبار أن غالبية "عاد" كفرت بنبوة "هود"، ولم تؤمن به، لهذا أصابها العذاب والهلاك. ولم ينجَ منهم إلا من آمن بـ "هود" واتّبعه وسار معه حين ترك قومه: قوم عاد. وقد نبّه المستشرقون إلى وجود شبه بين هود و "هود" الواردة في القرآن أيضًا بمعنى "يهود"١: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ ٢. وأشاروا إلى أن "هودا" تعني التهوّد، أي الدخول في اليهودية، كما لاحظوا أن بعض النسّابين قالوا إن هودا هو "عابر بن شالح بن أرفكشاد" جدّ اليهود، فذهبوا إلى أن هودًا لم يكن اسم رجل، وإنما هو اسم جماعة من اليهود هاجرت إلى بلاد العرب، وأقامت في الأحقاف، وحاولت تهويد الوثنيين، وعُرفوا بيهوذا، ومنها جاءت كلمة "هود"٣، وأنها استعملت من باب التجوّز عَلَمًا لشخص٤. وزعم الرواة أن هودا ارتحل هو ومن معه من المؤمنين بعد النكبة التي حلّت بقومه الكافرين من أرض عاد إلى الشحر. فلما مات دفن بأرض حضرموت٥. ويدّعي الرواة أنه قبر في وادٍ يقال له "وادي برهوت" غير بعيد عن "بئر برهوت"التي تقع في الوادي الرئيسي للسبعة الأودية٦. وهي من الآبار القديمة

стр. 332

التي اشتهرت في الجاهلية بكونها شر بئر في الأرض، ماؤها أسود منتن، تتصاعد من جوفها صيحات مزعجة، وتخرج منها روائح كريهة، ولذلك تصور الناس أنها موضع تتعذب أرواح الكفار فيه١. ويذهب السياح الذين زاروا هذا المكان ودرسوه إلى أنه موضع بركان قديم، يظهر أنه انفجر، فأهلك من كان حوله. ويؤيده هذا الرأي ما ورد في الكتب العربية من أنه كان يسمع لهذا المكان أصوات كالرعد من مسافات، وأنه كان يقذف ألوانًا من الحمم يُسمع لها أزيز راعب٢. ومن هنا نشأت قصة قبر هود، وعذاب عاد في هذا الموضع، على رأي المستشرق "فون كريمر"٣. ولا يزال هذا الموضع الذي يقال له "قبر هود"، يزار حتى الآن يقصده الناس من أماكن بعيدة في اليوم الحادي عشر من شعبان للزيارة، وربما كان من الأماكن التي كان يقدسها الجاهليون٤. وفي هذه المناطق آثار مدن بائدة، وقرى جاهلية، وتشاهد كهوف ومغاوِر على حافتي الوادي، وكتابات وصور منقوشة على الصخور تدل كلها على أنها كانت من المناطق المأهولة، وأنها تركت لسبب آفات وكوارث طبيعية نزلت بهذه الديار٥. ورأى نفر من المستشرقين أن هذا المكان الذي فيه قبر "هود" هو الموضع الذي سماه الكتّاب اليونان styx أو stygis، والذي زعم الرومان أن قبيلتين من قبائل جزيرة "اقريطش" "كريت" وهما قبيلة minos و "رودومانتس"

стр. 333

rhodomantys تركتا موطنهما الأصلي، وارتحلتا إلى هذا المكان الذي ضم مئات من القبائل العربية، فكانتا من أقواها. وقد سكنتا في رأيهم، على مقربة من موضع سماه "بلينيوس" stygis aguniae fossa١. أما الأخباريون الذين زعموا أن "هودًا" اعتزل قومه بعد يأسه من قبول دعوته، وأنه ذهب مع من آمن به إلى مكة؛ فقد ذهبوا إلى أنه عاش فيها أمدًا، ثم مات هناك، فقبره بمكة مع قبور ثمانية وتسعين نبيًّا من الأنبياء٢. وذكر جماعة أنه بدمشق في المسجد الأموي٣. ولعلّ القصص الوارد عن "دمشق"، وأنها "إرم ذات العماد" هو الذي أوحى إلى هؤلاء فكرة جعل قبر "هود" بدمشق. ومهما يكن من شيء فإن هناك جماعة من أهل الأخبار قبرت بعض الأنبياء في هذه المدينة، واختارت المسجد الأموي نفسه مقبرة لهم. ولعلّ ذلك بسبب أن هذا المسجد كان كنيسة معظّمة قديمة عند أهل دمشق قبل دخولهم في الإسلام، وكان قد قبر فيها جماعة من قديّسيهم ورجال دينهم؛ فلما تحوّلت الكنيسة إلى جامع تحوّلت قبور هؤلاء بعواطف الناس القديمة إلى قبور أنبياء. وقد ظهر مثل هذه الروايات التي تمجد الجامع الأموي في الوقت الذي تحصن فيه "ابن الزبير" بمكة، وتحزّب أهل الحجاز على الأمويين. وقد اتخذ القحطانيون هودًا جدًّا من أجدادهم، وألحقوا نسبهم به، وتفاخروا به٤. فعلوا ذلك بدافع العصبية والمفاخرة على العدنايين الذين كانوا يقولون إن فيهم الأنبياء، ولم يكن في قحطان نبيّ، فأوجد نسّابوهم نسبًا يوصلهم إلى الأنبياء، كما أوجدوا لهم نسبًا احتكر لهم العروبة، وجعلهم الأصل والعدنانيون من الطارئين عليهم، كما سيأتي الحديث عن ذلك.

стр. 334

وإذا صحّ أن الشعر المنسوب إلى حسّان بن ثابت الذي افتخر فيه بانتسابه إلى "هود بن عابر"، وبأن قومه وهم من "قحطان" منهم، هو لهذا الشاعر حقا، يكون لدينا أول دليل يثبت أن هذا الانتساب كان معروفًا عند ظهور الإسلام١. وأن أهل "يثرب"، وهم من الأوس والخزرج، وهم من قحطان في عُرف النَّسّابين، كانوا قد انتسبوا إليه قبل الإسلام. أخذوا ذلك من اليهود النازلين بينهم، الذين كانوا يحاولون التقرب إلى أهل يثرب، للعيش معهم عيشة طيبة. فأشاعوا بين الناس أن "عابرا"، وهو جدّ العبرانيين، ووالد ولدين هما "فالغ" و"يقطان" كان جدّهم وجدّ أهل يثرب، لأن أصلهم من يقطان، وأن علاقتهم لذلك بهم هي علاقة أبناء عمّ بأبناء عمّ. ولما نزل الوحي بخبر "هود"، وتفاخر المكّيّون على أهل يثرب الإسلام، استعار أهل يثرب "هودا"، وصيّروه "قحطانًا"، أو ابنًا له، وانتسبوا إليه، ليظهروا بذلك أنهم كانوا أيضا من نسل نبي، وأن نبوءة قديمة كانت فيهم، وقد كان "حسان بن ثابت" من المتعصبين للأزد قوم أهل يثرب، والأزد من قحطان، وكان من المتباهين بيمن وقحطان.

стр. 335

لقمان: ومن قبائل عاد قبيلة كان فيها "لقمان" الذي ورد ذكره في القرآن الكريم وفي الشعر الجاهلي وفي القصص١. وقد ضُرب به المثل بطول العمر، فعُدّ في طليعة المُعَمّّرين٢، وعدّه "أبو حاتم السجستاني" ثاني المُعَمّّرين في العالم بعد

стр. 336

الخضر١. وقد كان عرب الجاهلية يعرفون قصص "لقمان"، وكانوا يصفونه بالحكمة. وقد وُصف في القرآن الكريم بهذه الصفة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ ٢. ولهذا السبب عُرف بين الناس وفي الكتب بـ "لقمان الحكيم". وذُكر عنه أنه كان "حكيمًا عالمًا بعلم الأبدان والأزمان"٣ وأنه طلب من الله أن يُعَمَّر طويلا فأعطاه طلبه: وعُمّر عمر سبعة أنسر، وذكر الأخباريون أن آخر نسر أدركه، وهلك بهلاكه اسمه "لبد". قالوا وإليه يشير "النابغة" بقوله: أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخنى على لبد٤ وقد أكثرت العرب في صفة طول عمر النسر، وضربت به الأمثال. وبلبد، وبصحة بدن الغراب. وذكروا في ذلك شعرًا، منه ما نسب إلى "الخارجي" في طول عمر "معاذ بن مسلم بن رجاء"، مولي القعقاع بن حكيم: يا نسر لقمان، كم نعيش، كم ... تلبس ثوب الحياة يا لُبَدُ؟ قد أصبحت دار حمْيَر خربت ... وأنت فيها كأنك الوتد تسأل غربانها إذا حَجَلت ... كيف يكون الصداع والرمد٥؟ ويذكر أهل الأخبار أن "لقمان" قد عرف لذلك بـ "لقمان النسور"، لأنه عَمّر عمر سبعة نسور٦. وذكر بعض أهل الأخبار أنه عَمّر مائة وخمسين سنة، وأنه لما مات قبر بحضرموت، أو بالحجر من مكة٧. وهو عمر لا يتناسب مع ما يذكره أهل الأخبار من طوله، ومن أنه يعادل عمر سبعة نسور. أما

стр. 337

"السجستاني"، فجعل عمره خمسمائة سنة وستين. وهو عدد أخذ من عمر النسور المذكورة؛ إذ عاش كل نسر ثمانين عامًا، والعدد المذكور هو مجموعة عمر تلك النسور السبعة. غير أن من الأخباريين من أعطاه عمرًا قدّره بثلاثة آلاف وخمسمائة سنة١. وهو عمر يؤهله ولا شك لأن يكون في عِدَاد المُعَمَّرين. وقد ورد اسم لقمان على أنه اسم خمّار في شعر منسوب للنابغة حيث يقول: كأن مشعشًعا من خمر بصرى ... نمته البخت مشدود الخيام حملن قلاله من بين رأس ... إلى لقمان في سوق مقام٢ وجعلوا للقمان نسبًا هو "لقمان بن عاد"٣، وصيّروه "لقمان بن ناحور بن تارخ"، وهو "آزر" أبو "إبراهيم"٤. وقال بعضهم: بل هو ابن أخت "أيوب"، أو ابن خالته، وجعله آخرون من حمير، فقالوا له: "لقمان الحميري"٥، وصيّره آخرون قاضيًا من قضاة "بني إسرائيل"٦. وقد اشتهر عند المسلمين بالقضاء، ويظهر أن هذا السبب هو الذي جعل الواقدي يقول: إنه كان قاضيا في بني إسرائيل. ولم يفطن الأخباريون إلى هذه الأخبار المتناقضة التي تخالف روياتهم في عاد، وأنها من أمم العرب البائدة، إلا إذا جعلناه من الطائرين على قوم عاد الداخلين فيهم، فهو غريب بين قوم عاد. ويظهر من روايات أهل الأخبار، أن الأخباريين كانوا يرون وجود لقمان آخر، هو غير لقمان عاد. فقد زعموا أنه كان في عهد "داود" لقمان، عُرف بـ "لقمان الحكيم". وقد نسبه بعضهم على هذا النحو: "لقمان بن عنقاد"، وقد زعم "المسعودي"، أنه كان نوبيًّا، وأنه كان مولى للقين بن جسر، ولد على عشر سنين من ملك داود، وكان عبدًا صالحًا، منّ الله عليه بالحكمة، ولم يزل باقيًا في الأرض مظهرًا للحكمة في هذا العالم إلى

стр. 338

أيام يونس بن متّى حين أرسل إلى أرض نينوى في بلاد الموصل١. وهنالك من فرَّق بين "لقمان بن عاد" وبين "لقمان" المذكور في القرآن، قال الجاحظ: "وكانت العرب تعظِّم شأن لقمان بن عاد الأكبر والأصغر، ولقيم بن لقمان في النباهة والقدر وفي العلم والحكم، في اللسان وفي الحلم، وهذان غير لقمان الحكيم المذكور في القرآن على ما يقوله المفسّرون"٢. وقد أورد الجاحظ جملة أبيات للنمر بن تولب في لقمان ولقيم٣. وقد ذكر الجاحظ أنه كانت للقمان أخت محمقة؛ تلد أولادًا حمقى، فذهبت إلى زوجة لقمان، وطلبت منها أن تنام في فراشها حتى يتصل بها لقمان، فتلد منه ولدًا كيِّسًا على شاكلته، فوقع عليها فأحبلها ب"لقيم" الذي أشرت إليه؛ فهو ابن لقمان إذن من أخته. وقد أورد الجاحظ في ذلك شعرًا جاء به على لسان الشاعر المذكور، أي: "النمر بن تولب"، زعم أنه نظمه في هذه القصة٤، وزعم الجاحظ أيضا أن لقمان قتل ابنته "صُحرا" أخت "لقيم"، وذلك أنه كان قد تزوّج عدة نساء كلّهن خنّه في أنفسهنّ، فلما قتل أخراهنّ ونزل من الجبل، كان أول من تلقاه "صُحرا" ابنته فوثب عليها فقتلها، وقال: "وأنت أيضا امرأة". وكان قد ابتلي بأخته على نحو ما ذكرت، فاستاء من النساء. وضربت العرب في ذلك المثل يقتل لقمان ابنته صُحرا، وقد أشير إلى ذلك في شعر لـ "خفاف بن ندبة"٥. وقد أشير إلى "حي لقمان" في شعر لأبي الطحان القيني٦، كما أشير إليه

стр. 339

في شعر ينسب إلى "لبيد بن ربيعة الجعفري"١. وفي شعر للفرزدق٢، وفي شعر لبنت وثيمة بن عثمان ترثي به أباها٣. وأضافوا إلى "لقمان" أمثالًا كثيرة نسبت إليه في الإسلام، ولم تكن معروفة في الجاهلية٤. ونسب إليه بعض الأخباريين الميل إلى إنشاء المدن والبناء، وضربوا به أيضا المثل في كثرة الأكل، فقالوا: "آكل من لقمان"٥. وزعم "وهبة بن منبّه" أنه قرأ من حكمة "لقمان" نحوًا من عشرة آلاف باب٦، وزعم الرواة أن عرب الجاهلية كانت عندهم "مجلة لقمان"، وفيها الحكمة والعلم والأمثلة٧، وأن جماعة منهم كانوا قد قرءوها وامتلكوها، ذكروا من جملتهم "سُوَيْد بن الصامت". وقد رووا أنه كان يقرأها، وأنه أخبر الرسول بها لما قدم عليه٨. وقد جمع الناس، فيما بعد، حكمته وأمثاله والقصص المروي عنه، ويشبه ما نسب إليه المنسوب إلى "أيسوب" aesop صاحب الأساطير والحِكَم والأمثال الموضعة على لسان الحيوانات عند اليونان٩. وبالغوا في حكمته وفي علمه حتى زعم أنه كان يدرك من الأشياء ما يعجز عن إدراكه الإنسان السويّ١٠. وضرب المثل في أيساره، وعظم أمره، حتى قيل "أيسار لقمان"، كالذي ورد في شعر "طرفة". وورد في الأخبار: "إذا شرف الأيسار، وعظم أمرهم قيل: هم أيسار لقمان. يعنون لقمان بن عاد". واستشهدوا على ذلك ببيت طرفة: وهم أيسارُ لقمانٍ، إذا ... أغلت الشتوةُ أبداء الجُزُر١١

стр. 340

وقد زعم أن "زرقاء اليمامة"، التي اشتهرت بحدة بصرها وقوة رؤيتها حتى إنها كانت ترى من مسيرة ثلاثة أيام، كانت امرأة من بنات لقمان بن عاد، وكانت ملكة اليمامة واليمامة اسمها، فسميت الأرض باسمها. وقد زعم أن النابغة الذبياني أشار إليها في شعره١. وقد ورد في بعض الأشعار "لقمان بن عاد". إذ جاء: تراه يطوف الآفاق حرصًا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد وهناك أمثلة عديدة ينسبها الرواة إلى "إحدى حظيات لقمان"، ووردت على لسانها وعلى لسان لقمان وعلى لسان فتى اسمه عمرو٢. وقد زعم بعض أهل الأخبار أن لقمان بن عاد، هو الذي بنى سد مأرب، وأن مأرب اسم قبيلة من عاد وقد سمّي باسمها هذا الموضع٣ لم يبقَ بعد هلاك عاد الأولى، على رأي أهل الأخبار إلا هود ونفر ممن آمن به والوفد الذي سار إلى مكة للاستقاء، وفيهم لقمان وكان من أكابر العاديين. فأنشأ هؤلاء عادا الثانية، وخالف لقمان "الخلجان" ملك عاد الأولى، الذي خالف هودًا، فهلك. وخاف العاديون انحباس المطر والجفاف، فارتحلوا إلى أرض سبأ، وبنى لقمان سدّ "العرم" قرب مأرب، وبقيت عاد الثانية قائمة، إلى أن تغلبت عليها قبائل قحطان، ثم انقرضت وبادت٤. ويذكر أهل الأخبار أن عادا لما رأوا انحباس المطر عنهم، أرسلوا وفدًا، بلغ سبعين رجلا في قول بعض الرواة، إلى مكة يستسقون، وكان أصحابها هم العمالقة يومئذ، ورئيسهم "معاوية بن بكر"، فأكرمهم وأضافهم، وأقاموا عنده شهرًا. يشربون الخمر وتغنيهم "الجرادتان" وهما قينتان لمعاوية بن بكر، وفي الوفد المذكور لقمان. ونسوا أنفسهم هناك، ولم يفطنوا لما جاءوا إليه،

стр. 341

إلا بعد أن ذكرتهم "الجرادتان" بما جاءوا به إليها، فاستسقوا، فأرسل الله عليهم ريحًا عاتية، أهلكت عادا في ديارها١، ودمرت كل شيء، فهلكت، ولم يبقَ من عاد إلا مَن كان خارج أرضهم بمكة، وهم من "آل لقيم بن هزّال بن هزيل بن هزيلة ابنة بكر"، فهم عاد الآخرة، ومن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد٢. وقد ذكر المؤرخون وأصحاب الأخبار أن "عادا" تعبدوا لأصنام ثلاثة، يقال لأحدها: صداء، وللآخر صمود، وللثالث الهباء٣. ولم نعثر على أسماء هذه الأصنام حتى الآن في الكتابات. وكان هلاك "عاد" واندثارهم بسبب انحباس المطر عنهم سنين ثلاثا، أعقبه هبوب رياح عاتية شديدة استمرت ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ ٤ فهلك الناس واقتلعتهم الرياح وصارت ترميهم من شدتها، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ٥ ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ٦ وخلت ديارهم منهم، وصارت أماكنهم أثرًا. ويجمع أهل الأخبار على أن هلاك عاد، إنما كان بفعل عوارض طبيعية نزلت بهم فأهلكتهم، وهي على اختلاف رواياتهم في وصفها وفي شرحها، انحباس الأمطار عنهم، وهبوب رياح شديدة عاتية عليهم. وقد تحدث المفسرون عنها لورود ذكرها في القرآن الكريم٧. وروي أن النبي أشار إلى أن هلالكهم وهلاك ثمود كان بالصواعق، والصواعق من العوارض الطبيعية بالطبع٨. ويرجع قسط من أخبار "عاد" إلى الجاهليين، فهو من القصص الشعبي القديم الموروث عنهم، ويعود قسط آخر منه إلى الإسلاميين، وهو القسط الذي

стр. 342

جاء شرحًا لما جاء موجزًا في القرآن الكريم، ويرجع بعضه إلى "الحارث بن حسان البكري" و "الحارث بن يزيد البكري"، وتزعم راوية وردت في تأريخ الطبري أنه قصّ على الرسول قصصًا عن أمر "عاد"١، ويرجع بعض آخر إلى "كعب الأحبار" وإلى "وهب بن منبّه"، وهما من مسلمة يهود٢، وإلى "السّدّي"٣، وإلى أشخاص آخرين تجد ذكرهم في سند الروايات المذكورة عند "محمد بن إسحاق" صاحب السيرة، وعند الطبري وعند آخرين من أهل الأخبار والتواريخ ممن ساروا على طريقة ذكر المسند مع الروايات. ويظهر أن كثيرًا من أخبار "عاد" وضعت في أيام "معاوية" الذي كان له ولع خاص بأخبار الماضين، فجمع في قصره جماعة اشتهرت برواياتها هذا النوع من القصص، وفي مقدمة هؤلاء "عبيد بن شَرْيَة الجُرْهُمي" و "كعب الأحبار"٤. ويذكر بعض أهل الأخبار أن رجلا قصّ في أيام معاوية، أن إبلًا له ظلت في تيه أيمن، وهو غائط بين حضرموت وأبين، فالتقطها من هناك، ووجد فيه موضع "إرم ذات العماد"، ووصف أبنيته العجيبة، وهذا الرجل هو في جملة من موّن العاشقين للأساطير بأخبار عاد. قد ذكر الطبري أن "وهب بن منبه" قص أنه سمع من رجل اسمه "عبد الله بن قلابة" أن إبلًا له كانت قد شردت، فأخذ يتعقبها؛ فبينما هو في صحاري "عدن"، وقف على موضع "إرم ذات العماد"، وقد وصف ذلك الموضع على النحو المألوف عن "وهب"، من إغراقه في الأساطير وفي القصص الخيالي البعيد عن العقل٥.

стр. 343

ثمود: ويرد اسم ثمود في الكتب العربية مقرونًا باسم "عاد"، وبعد هذا الاسم

стр. 344

في الغالب، والروايات العربية الواردة عنهم لا تعرف من تأريخهم شيئًا، إنما روت عنهم قصصًا أوردتها لمناسبة ما ذكر عنهم في القرآن الكريم على سبيل العظة والاعتبار والتذكير، وقد وردت إشارات عنهم في الشعر الجاهلي١. وجاء اسم "ثمود" في مواضع عديدة من القرآن الكريم، جاء منفردا، وجاء مقرونًا باسم شعوب أخرى مثل قوم "نوح" وقوم "عاد"، فبدأ بقوم نوح ثم عاد ثم ثمود٢. وجاء مع ثمود في موضعين "أصحاب الرسّ"، جاءوا بعد "ثمود:"٣. كما جاء اسمهم قبل "ثمود"٤. ووردت أيضا ذكر قوم "لوط" و"أصحاب الأيكة"، وقد تقدم في هذا الموضع اسم "ثمود"، ودعت الآية أولئك: "الأحزاب"٥، كما ورد ذكر "ثمود" مع "عاد"٦. وقد تقدم اسم "عاد" على ثمود إلا في آية واحدة تقدم فيها اسم ثمود على اسم "عاد": ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ ٧، وورد اسم "ثمود" في آيات

стр. 345

أخرى من القرآن الكريم١. وقد ذكر الطبري أن شعراء الجاهلية ذكرت في شعرها عادًا وثمود، وأن أمرهما كان معروفًا عند العرب في الشهرة قبل الإسلام، وأن من يظن أن الجاهليين لم يكونوا يعرفون عادًا أو ثمودًا فإنه على وهم وخطأ٢. ويظهر من ورود ذكر "ثمود" في مواضع متعددة من القرآن، لترهيب "الكفار" من العاقبة التي آلت إليها حالة "ثمود" بعد أن استحبّوا العمى على الهدى، واستمروا بطغواهم كما استمر طغيان "فرعون"٣ وقوم "مدين"٤ وغيرهم ممن ذكرناهم، أن الجاهليين كانوا يعلمون مصير ثمود ومصير عاد الذي كان من نوع مصير ثمود٥، وأنهم كانوا يعرفون منازلهم كالذي يظهر بجلاء من الآية: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ ٦ معرفة جيدة، ولم يعيّن القرآن الكريم موضع منازل "ثمود"، وإنما يظهر من آية: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ ٧، أن مواضعهم كانت في مناطق جبلية، أو في هضبات ذات صخور. وقد ذكر المفسرون أن معنى "جابوا الصحر" قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا٨، وأن "الواد" هو وادي القرى. فتكون مواضع ثمود في هذه الأماكن. وقد عين أكثر الرواة "الحجر" على أنه ديار ثمود، وهو قرية بوادي القرى. وقد زارها بعض الجغرافيين وعلماء البلدان

стр. 346

والسيّاح، وذكروا أن بها بئرا تسمى بئر "ثمود"١، وقد نزل بها الرسول مع أصحابه في غزوة "تبوك"٢. وقد ذكر المسعودي أن منازلهم كانت بين الشام والحجاز إلى ساحل البحر الحبشي، وديارهم بفج الناقة، وأن بيوتهم منحوتة في الجبال، وأن رمميهم كانت في أيامه باقية، وآثارهم بادية، وذلك في طريق الحاج لمن ورد الشام بالقرب من وادي القرى٣. وينسب النسابون ثمود إلى "ثمو بن جاثر أو كاثر بن إرم سام بن نوح"٤، ويكتفي بعضهم بإرجاع نسبهم إلى عاد، فيقولون عنهم إنهم من بقية عاد٥. وينسبهم بعض آخر إلى "عابر بن إرم بن سام بن نوح"، وزعموا أن ثمود هو أخو جديس٦. وقد استطاع المستشرقون التعرف على الثموديين من الكتابات والمؤلفات "الكلاسيكية"، فوجدوا اسم ثمود في النصوص الأشورية: وجدوه في نص من نصوص "سرجون الثاني"، مع أسماء شعوب أخرى سوف أتحدث عنها. وقد دعوا بـ "tamudi" "thamudi"٧، وذلك بمناسبة معركة جرت بين الآشوريين وبين هذه الشعوب، انتصر فيها الآشوريون، كما وجدوه في النصوص والكتابات الثمودية، وقد عُثر عليها في مواضع متعددة من جزيرة العرب، وفي النصوص "الكلاسيكية" حيث عرفوا باسم "thamudeni" thamudenoi" "thamydenoi" "thamyditai"٨

стр. 347

ولقد وصف مؤلف كتاب: "الطواف حول البحر الأريتري" مواضع الثموديين "thamudeni" مستندًا إلى مورد آخر، أخذ منه، أقدم عهدًا منه فذكر أن "thamudeni"، كانوا يقيمون على ساحل صخري طويل، لا يصلح لسير السفن، وليست فيه خلجان تستطيع أن تأوي إليه القوارب فتحتمي بها من الرياح، ولا ميناء تتمكن من الرسو فيه، ولا موضع أو جزر عنده تقبل إليه القوارب الهاربة من الأخطار١. فيظهر من وصف هذا المؤلف أن مواطن ثمود كانت في الحجاز على ساحل البحر الأحمر. وقد ذكر هذا الوصف، ولكن بشيء من التحوير" ديودورس"٢. وأما "بلينيوس"، فذكر "tamudaei" بين "domata"و "haegra" ومدينة دعاها "badanatha" "baclanaza". وأما "بطلميوس"٣، فقد جعل قوم ثمود "thamuditae" "thamudeni" بين ال "sarakenoi" وبين "apatae"٤ ويظهر من كل ذلك أن ديارهم في شمال غربي "العربية السعيدة"٥، أي في المواضع التي عينتها المصادر العربية. يظهر من جغرافية "بطلميوس" إذن، أن ديار ثمود كانت غير بعيدة عن ديار"عاد"، ليس بينها وبين ديار عاد "oaditae" إلا ديار "سره كيني" "sarakeni" وكلها في أعالي الحجاز في هذه المنطقة الجبلية التي تخترقها الطرق التجارية التي توصل الشام ومصر بالحجاز واليمن. وفي هذا تأييد للروايات العربية القائلة إن ديار ثمود كانت على مقربة من ديار عاد. فإذا كانت "الحجر" وما والاها هم مواطن ثمود: وجب أن تكون ديار "عاد" على مقربة من هذه المواضع. وأما تأريخ قوم "ثمود"، فيعود إلى ما قبل الميلاد بزمان. وقد ذكرت قبل قليل أنهم كانوا في جملة الشعوب التي حاربت الآشوريين في عهد "سرجون

стр. 348

الثاني"، وقد ذُكر هذا الملك في النصوص التأريخية التي سجلها، أنه تغلب عليهم، وأنه أجلاهم من مواطنهم إلى "السامرة" "samaria"١. ولم يكن أولئك الثموديون الذين حاربوه من أبناء الساعة، بل لا بد أن يكون لهم أسلاف عاشوا قبلهم عدة قرون. وقد عرفت المنطقة التي حارب بها قوم ثمود والشعوب الأخرى الأشوريين باسم "بري" "bari"، ويظهر أنها تعني لفظة "بر" , و"برية" العربية، أي "البادية" فحرفت إلى "بري" إلى وفق الآشوري٢. ويرى بعض الباحثين أن آخر ذكر ورد في الوثائق لقوم "ثمود" كان في القرن الخامس للميلاد، حيث ورد أن قوما منهم كانوا فرسانا في جيش الروم٣. وقد كان الثموديون يقطنون بعد الميلاد في مواطنهم المذكورة في أعالي الحجاز في "دومة الجندل" و "الحجر" وفي غرب "تيماء". وقد ذكر أنهم كانوا يمتلكون في منتصف القرن الثاني للميلاد حَرّتّيْ "العوارض" و "الأرحاء"٤. ويرى "دوتي" أن "الحجر" التي سكن بها قوم ثمود، هي موضع "الخريبة" في الزمن الحاضر، لا "مدائن صالح" التي هي في نظره "حجر" النبط. وتقع "مدائن صالح"، وهي عاصمة النبط، على مسافة عشرة أميال من موضع "الخريبة"٥. ولم يرد في الموارد العربية الإسلامية، ما يفيد وجود قبائل ثمودية قبيل الإسلام، أو في الإسلام، غير ما ذكره بعضهم من نسب "ثقيف" الذي رجعوه إلى ثمود، ولكن ذلك لم يرضِ الثقفيين. فقد كان الحجاج بن يوسف يكذب ذلك٦، والظاهر أن أعداء ثقيف ولا سيما معارضي الحجاج وضعوا ذلك على ثقيف بغضًا

стр. 349

كتابات ثمودية من أعالى الحجاز من كتاب: "آنو ليتمن": Zur Entzifferung: Taf.٣.

стр. 350

للحجاج، الذي كان قاسيًا عاتيًا شديدًا. وقد روى "دوتي" أن بدو نجد يذكرون أن قبيلة "بني هلال" هي من نسل عاد وثمود١. ونجد في كتاب: "mission archeologique en arabie" لمؤلفيه "jaussen" و "savignac"، عددًا من الكتابات الثمودية، عثرَا عليها في "العلا" وفي مواضع أخرى من الأرضين التي هي اليوم في المملكة الأردنية الهاشمية وفي أعالي الحجاز من المملكة العربية السعودية، كما عثر غيرهما قبلهما وبعدهما على عدد آخر، أغلبه من هذه الكتابات القصيرة، التي كتبت على مختلف الأحجار، بالمناسبات، مثل تذكّر شخص، أو تسجيل اسم لمناسبة وجود صاحبه في هذا المكان، كما يفعل كثير من الناس في أيامنا٢. وتمكن "لانكستر هاردنك" محافظ مديرية الآثار العتيقة في المملكة الأردنية الهاشمية من تصوير ما يزيد على خمسمائة كتابة ثمودية أرسلها إلى المستشرق "أنوليتمان"، يعود بعضها إلى ما قبل الميلاد، ويعود قسم منها إلى ما بعد الميلاد، ومن بينها نص أرخ بسنة "٢٦٧" للميلاد، ونص آخر رسمت فيه دائرة في داخلها صورة تشبه الصليب، وكتابة قرأها المستشرق "أنوليتمان": "يشوعة" أو "ليشوعة"، أي "ليسوع"، وهو النص الذي رُقّم بـ "٤٧٦". والظاهر أن صاحبه كتبه تيمنًا باسم المسيح، ولا يعرف تأريخه بالضبط. ويعتقد "ليتمان" أنه أقدم شاهد عرف حتى الآن عن انتشار النصرانية في شمال جزيرة العرب٣. وقد قرأها المستشرق "فان دين برندن": "بوايوب" أي لأيوب"، أو "بأيوب"، أو "أيوب". وبالجملة فإن العلماء لم يتمكنوا من ترجمة تلك الكتابات ترجمة صحيحة حتى الآن٤. وفي المتاحف الأوروبية وفي مكتبات بعض الجامعات وفي أوراق المستشرقين مجموعة من النصوص الثمودية، جميعها في أمور شخصية وفي موضوعات دينية وأدعية لآلهة ثمود. وأما المناطق التي وجدت فيها هذه النصوص، أو أخذت

стр. 351

صورها، فهي مناطق "حائل" بنجد، وأرض "تبوك" وتيماء ومدائن صالح والسلاسل الجبلية الممتدة بين هذه المنطقة والحجاز، وعثر في الطائف على بعض النصوص الثمودية أيضا وفي السواحل الحجازية الشمالية للبحر الأحمر عند "الوجه" وفي "طور سيناء" وفي "الصفا" شرقي دمشق وفي مصر١. وفي "الحرة" و "الرحبة" وفي شمال غربي تدمر٢. وقد عثر على نقوش ثمودية في اليمن، ويدل وجود هذه الكتابات هنالك على وجود صلات بين اليمن وثمود، ولعلهم كانوا يقيمون في اليمن كذلك. وقد عثرت البعثة المصرية التي زارت اليمن على مخربشات ثمودية في "حجر المعقاب" عند جبل "حليل" على مسافة ليست بعيدة من "بيت حميد" بوادي شرع بالخارد٣. ويشك المستشرق "هوبرت كريمه" "hubert grimme" في صحة نسبة كثير من هذه النصوص إلى ثمود، ويرى أنها لأناس غيرهم؛ إذ لا دليل علميا هناك يثبت كون هذه النصوص تعود إلى هؤلاء. وهناك عدد غير قليل من النصوص الثمودية يعود عهدها إلى العهد النبطي، ويشغل حيزًا من الزمن يقع بين حوالي مائتي سنة قبل المسيح وثلاثمائة سنة بعده، وتمتزج في مثل هذه النصوص الثمودية بالنبطية. وقد عثر على بعض نصوص نبطية في الحجاز ظن أنها نصوص ثمودية، مثل نص: hu. ٤١٨ = eu. ٧٧٢، ونص آخر يعود إلى سنة ٢٦٧ للميلاد٤ إلا أن هناك نصوصًا ثمودية يظهر عليها أثر عبادة "صلم" "salm". وقد كانت "تمياء" من أهم الأماكن التي كانت تقدس هذا الإله سنة "٦٠٠" ق. م، ويرمز أهل تيماء إلى "صلم" برأس ثور، وقد وجد هذا الرمز

стр. 352

على النقوش الثمودية، كما وجدت أسماء بعض الآلهة التي كان يتعبد لها أهل تيماء منقوشة في النصوص الثمودية، مما يدل على أن قوم ثمود كانوا يتعبدون لها كذلك، وأن هنالك صلات ثقافية ودينية بين تيماء وثمود. ويرجع بعض الباحثين تأريخ عدد من الكتابات الثمودية إلى القرن السابع قبل الميلاد. وهناك كتابات يرون أنها أقدم عهدًا من القرن السابع. غير أن أكثر ما عثر عليه يعود تأريخه إلى ما بعد الميلاد. وهي بالجملة في أمور شخصية لا تفيد المؤرخ الذي يريد تدوين تأريخ ثمود: فائدة كبيرة. ولكنها نافعة على كل حال من نواحٍ أخرى، فهي تفيد اللغوي الذي يريد الوقوف على لغة الثموديين ومعرفة أسمائهم ولهجاتهم، وتفيد الباحثين في اللهجات العربية الجاهلية وفي الساميّات. والكتابات الثمودية في نظر الباحثين نوعان: كتابات قديمة وقد دوّنت بالقلم الثمودي القديم، وكتابات حديثة وقد كتبت بقلم ثمودي متطور تختلف أشكال حروفه ورسومها بعض الاختلاف عن القلم القديم. وللقلم الثمودي صلة بقلم "طور سيناء"، كما أن له علاقة بالقلم المسند. وتفيد دارسته من هذه الناحية في الوقوف على تأريخ تطور الكتابة في جزيرة العرب قبل الميلاد، وفي تطور الأقلام بوجه عام١. ويلاحظ وجود بعض الخواص في الكتابات الثمودية التي عثر عليها في الحجاز، لا نجدها، أو قلما نجدها في كتابات ثمودية أخرى، عثر عليها في نجد وفي اليمن. ويعود سبب ذلك إلى تأثير البيئات، ولا شك في هؤلاء الثموديين الذين تأثروا بلهجات جيرانهم وبثقافاتهم، فظهر ذلك الأثر في هذه الكتابات٢. ويظهر من الكتابات الثمودية أن قوم ثمود كانوا زُرّاعا وأصحاب ماشية، وأنهم كانوا أقرب إلى الحضر، منهم إلى أهل الوبر، فقد كانت لهم مستوطنات ثابتة استقروا فيها، وكانت لهم معابد ثابتة أيضًا، أي مبنية، وبينهم قوم اشتغلوا بالتجارة. ولعلّ الأيام ستجود علينا بكتابات ثمودية تتحدث عن أمور عامة، وعندئذ نستطيع أن نستنبط منها شيئًا عن أحوالهم من مختلف الوجوه.

стр. 353

ومن أصنام ثمود التي ورد ذكرها في كتاباتهم، الصنم "ود"، وهو من الآلهة القديمة عند العرب١. والصنم "جد- هد" أو "جد- هدد"، وله عندهم معابد وسدنة يخدمونه، ويعرف سادن الأصنام عندهم بـ "قسو" أي "قس". عرفنا أسماء بعضهم، ومنهم السادن "إيليا" "إيلية"٢. ويظهر أنه كان من الآلهة العربية العتيقة؛ غير أن سعده أخذ في الأفول، فأخذت مكانه آلهة أخرى، ثم عفي أثره من الذاكرة، فلم يرد اسمه بين الأصنام التي كان يعبدها الجاهليون قبيل الإسلام. وقد بقيت مع ذلك أسماء مثل ""عبد جد" تشير إلى اسم الإله العربي القديم٣. و"شمس"و "مناف" و "مناة" و"كاهل" و "بعلة" "بعلت" و "بعل" و "يهو" و "رضو" أو "رضى"، هي أيضا من أصنام ثمود، سأتحدث عنها كلها في أثناء بحثي في الديانة العربية قبل الإسلام. ومن بقية آلهة ثمود "عثيرت" "عثيرة"، و "وتن" "وت"، و "يثع" "سمع" و "سميع" و "هبل" و "سحر"، و "سين" و "عم" و "قين" و "يغوث" و "إله" و "ألى" و "إلهي" و "الت" و "اللآت" و "حول" "حويل" و "ذو شري" و "سمين" و "هلال" و "صلم" و "نهى" و "عثتر سمين" و "كاهل" "كهل"، و "ملك" و "مالك"، و "هادي" "هدى"، و "بحل"، و "رتل"، و "هيّج"، و "شوع"، و "ستار"، و "طنفت"، و "سعى"، و "غم"، و "عس"، و "عسحرد"، و "عثير"، و "عطير"، و "تجر"، و "دبر"٤. وبعض هذه الأسماء ليست في الواقع أسماء آلهة، وإنما هي من قبيل ما يقال له "الأسماء الحسنى" عندنا أو صفات الله، فلفظة "سمع" مثلًا، وهي بمعنى "سميع" أو "السميع" في عربيتنا ليست اسم إله معين، إنما هي صفة للإلَه، بمعنى أن الإله هو سميع يسمع دعوات الداعين. ولذلك يخاطبه المؤمنون ويقولون له "سمع" "يا سميع"، ليسمع دعاءهم وليجيب طلباتهم، وهناك ألفاظ

стр. 354

أخرى هي من هذا القبيل. ووصلت إلينا أسماء ثمودية كثيرة، مثل: "أوس" و "سعد" و "عفير" و "وائل" و "بارح" و "كربال" "كرب إبل" و "عش" "عائش" و "مالك" "ملك" و "عذرال" "عذرايل"، و "عوذ"، و "أسعد"، و "عياش"، و "إياس"، و "قيس بن وائل" "قس بن وال" وغيرها؛ مما يخرجنا ذكرها عما نحن فيه. وهي أسماء لا يزال بعضها مستعملًا١. ويلاحظ أن بعض هذه الأسماء مثل "كرب ال" و "عذرال"، وما شاكله، قل استعمالها عند العرب قبيل الإسلام، بينما كانت من الأسماء الشائعة في الجاهلية البعيدة عن الإسلام، ولا سيما بين الجاهليين في العربية الجنوبية، حيث ترد بكثرة في كتابات المسند. ويرى "برو" brau أن ثمودا أُصيبوا بكارثة عظيمة، من ثوران براكين أو هزّات أرضية، بدليل ورود كلمة "رجفة"٢ وكلمة "صيحة" في القرآن الكريم، وذلك محتمل جدًّا، لأن البقاع التي كانوا يقطنونها هي من مناطق الحِرَار٣. ويشبه مصير "عاد" و "ثمود" مصير "سدوم" "sodom" وعمورة "جمورة" "كمورة" "gomorrah" وبقية مدن الدائرة في عمق السديم٤ التي تقع -على رأي كثير من علماء التوراة- في جنوب البحر الميت، فقد لاقت هذه المدن، وهي خمس على سهل "دائرة الأردن" المصير الذي لقيه قوم عاد وثمود، حيث أرسل الله عليهم عذابا "فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتا ونارًا من عند الرب من السماء، وقلب تلك المدن وكل الدائرة وجميع سكان المدن ونبات الأرض"٥. وأصحاب هذه المدن هم: قوم "lot" "لوت".

стр. 355

و "لوت "هو "لوط" المذكور في القرآن الكريم. وقد رأيت أن القرآن الكريم قد أشار إلى مصير "قوم لوط"، وأطلق على ثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة "الأحزاب". و ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ ١. وقد تعرّض المفسرون لقوم "لوط" وما حلّ بهم من العذاب، وبحث عنهم أهل الأخبار والتأريخ، باعتبار أن أخبارهم هي صفحة من صفحات التأريخ القديم العام قبل الإسلام. وفي الرواية التي ذكرها "الطبري" في تأريخه عنهم، وسندها مرفوع إلى "محمد بن كعب القَرَظَمي" ذكر للقرى الخمس الواقعة حول "سهل دائرة الأردن"، وقد دعاها بـ "المؤتفكات" المأخوذة من القرآة الكريم من ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ ٢، وهي: صبعة، وصعرة، وعمرة، ودوما، وسدوم، بحسب رواية الطبري هذه ٣. وفي هذه الأسماء تحريف وتغيير في الترتيب الذي وردت به في التوراة، إذ هي فيها على هذا الشكل: سدوم "SODOM"" و "عمورة" "gomorrah"و "أدمة" "admah"" و "صبوبيم" "zeboim"و "بالع" "bela" وتُسمّى أيضًا بـ "صوغر" "zoar"٤. وقد نبّه القرآن قريشًا إلى مصير يشبه مصير "ثمود"، إذ كفروا بنبوة نبيهم "صالح"، وعقروا "الناقة" التي أرسلت لهم آية تحذرهم من عاقبة كفرهم ومن استمرارهم في تكذيبهم نبوة نبيهم. فلما استمروا في غيّهم وضلالهم، أرسل الله عليهم "الصيحة"، فأهلكتهم، ورجفت الأرض بهم، فلم يبقَ من كفّارهم على الأرض إلا رجل واحد، هو "أبو رغال" كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله٥. ويذكر أهل الأخبار أن رسول الله لما غزا غزاة تبوك، نزل "الحجر"، ونهى الناس من دخول القرية، ومن شرب مائها، وأراهم مرتقى الفصيل.
следующие страницы →