← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

صورها، فهي مناطق "حائل" بنجد، وأرض "تبوك" وتيماء ومدائن صالح والسلاسل الجبلية الممتدة بين هذه المنطقة والحجاز، وعثر في الطائف على بعض النصوص الثمودية أيضا وفي السواحل الحجازية الشمالية للبحر الأحمر عند "الوجه" وفي "طور سيناء" وفي "الصفا" شرقي دمشق وفي مصر١. وفي "الحرة" و "الرحبة" وفي شمال غربي تدمر٢. وقد عثر على نقوش ثمودية في اليمن، ويدل وجود هذه الكتابات هنالك على وجود صلات بين اليمن وثمود، ولعلهم كانوا يقيمون في اليمن كذلك. وقد عثرت البعثة المصرية التي زارت اليمن على مخربشات ثمودية في "حجر المعقاب" عند جبل "حليل" على مسافة ليست بعيدة من "بيت حميد" بوادي شرع بالخارد٣. ويشك المستشرق "هوبرت كريمه" "hubert grimme" في صحة نسبة كثير من هذه النصوص إلى ثمود، ويرى أنها لأناس غيرهم؛ إذ لا دليل علميا هناك يثبت كون هذه النصوص تعود إلى هؤلاء. وهناك عدد غير قليل من النصوص الثمودية يعود عهدها إلى العهد النبطي، ويشغل حيزًا من الزمن يقع بين حوالي مائتي سنة قبل المسيح وثلاثمائة سنة بعده، وتمتزج في مثل هذه النصوص الثمودية بالنبطية. وقد عثر على بعض نصوص نبطية في الحجاز ظن أنها نصوص ثمودية، مثل نص: hu. ٤١٨ = eu. ٧٧٢، ونص آخر يعود إلى سنة ٢٦٧ للميلاد٤ إلا أن هناك نصوصًا ثمودية يظهر عليها أثر عبادة "صلم" "salm". وقد كانت "تمياء" من أهم الأماكن التي كانت تقدس هذا الإله سنة "٦٠٠" ق. م، ويرمز أهل تيماء إلى "صلم" برأس ثور، وقد وجد هذا الرمز

стр. 352

على النقوش الثمودية، كما وجدت أسماء بعض الآلهة التي كان يتعبد لها أهل تيماء منقوشة في النصوص الثمودية، مما يدل على أن قوم ثمود كانوا يتعبدون لها كذلك، وأن هنالك صلات ثقافية ودينية بين تيماء وثمود. ويرجع بعض الباحثين تأريخ عدد من الكتابات الثمودية إلى القرن السابع قبل الميلاد. وهناك كتابات يرون أنها أقدم عهدًا من القرن السابع. غير أن أكثر ما عثر عليه يعود تأريخه إلى ما بعد الميلاد. وهي بالجملة في أمور شخصية لا تفيد المؤرخ الذي يريد تدوين تأريخ ثمود: فائدة كبيرة. ولكنها نافعة على كل حال من نواحٍ أخرى، فهي تفيد اللغوي الذي يريد الوقوف على لغة الثموديين ومعرفة أسمائهم ولهجاتهم، وتفيد الباحثين في اللهجات العربية الجاهلية وفي الساميّات. والكتابات الثمودية في نظر الباحثين نوعان: كتابات قديمة وقد دوّنت بالقلم الثمودي القديم، وكتابات حديثة وقد كتبت بقلم ثمودي متطور تختلف أشكال حروفه ورسومها بعض الاختلاف عن القلم القديم. وللقلم الثمودي صلة بقلم "طور سيناء"، كما أن له علاقة بالقلم المسند. وتفيد دارسته من هذه الناحية في الوقوف على تأريخ تطور الكتابة في جزيرة العرب قبل الميلاد، وفي تطور الأقلام بوجه عام١. ويلاحظ وجود بعض الخواص في الكتابات الثمودية التي عثر عليها في الحجاز، لا نجدها، أو قلما نجدها في كتابات ثمودية أخرى، عثر عليها في نجد وفي اليمن. ويعود سبب ذلك إلى تأثير البيئات، ولا شك في هؤلاء الثموديين الذين تأثروا بلهجات جيرانهم وبثقافاتهم، فظهر ذلك الأثر في هذه الكتابات٢. ويظهر من الكتابات الثمودية أن قوم ثمود كانوا زُرّاعا وأصحاب ماشية، وأنهم كانوا أقرب إلى الحضر، منهم إلى أهل الوبر، فقد كانت لهم مستوطنات ثابتة استقروا فيها، وكانت لهم معابد ثابتة أيضًا، أي مبنية، وبينهم قوم اشتغلوا بالتجارة. ولعلّ الأيام ستجود علينا بكتابات ثمودية تتحدث عن أمور عامة، وعندئذ نستطيع أن نستنبط منها شيئًا عن أحوالهم من مختلف الوجوه.

стр. 353

ومن أصنام ثمود التي ورد ذكرها في كتاباتهم، الصنم "ود"، وهو من الآلهة القديمة عند العرب١. والصنم "جد- هد" أو "جد- هدد"، وله عندهم معابد وسدنة يخدمونه، ويعرف سادن الأصنام عندهم بـ "قسو" أي "قس". عرفنا أسماء بعضهم، ومنهم السادن "إيليا" "إيلية"٢. ويظهر أنه كان من الآلهة العربية العتيقة؛ غير أن سعده أخذ في الأفول، فأخذت مكانه آلهة أخرى، ثم عفي أثره من الذاكرة، فلم يرد اسمه بين الأصنام التي كان يعبدها الجاهليون قبيل الإسلام. وقد بقيت مع ذلك أسماء مثل ""عبد جد" تشير إلى اسم الإله العربي القديم٣. و"شمس"و "مناف" و "مناة" و"كاهل" و "بعلة" "بعلت" و "بعل" و "يهو" و "رضو" أو "رضى"، هي أيضا من أصنام ثمود، سأتحدث عنها كلها في أثناء بحثي في الديانة العربية قبل الإسلام. ومن بقية آلهة ثمود "عثيرت" "عثيرة"، و "وتن" "وت"، و "يثع" "سمع" و "سميع" و "هبل" و "سحر"، و "سين" و "عم" و "قين" و "يغوث" و "إله" و "ألى" و "إلهي" و "الت" و "اللآت" و "حول" "حويل" و "ذو شري" و "سمين" و "هلال" و "صلم" و "نهى" و "عثتر سمين" و "كاهل" "كهل"، و "ملك" و "مالك"، و "هادي" "هدى"، و "بحل"، و "رتل"، و "هيّج"، و "شوع"، و "ستار"، و "طنفت"، و "سعى"، و "غم"، و "عس"، و "عسحرد"، و "عثير"، و "عطير"، و "تجر"، و "دبر"٤. وبعض هذه الأسماء ليست في الواقع أسماء آلهة، وإنما هي من قبيل ما يقال له "الأسماء الحسنى" عندنا أو صفات الله، فلفظة "سمع" مثلًا، وهي بمعنى "سميع" أو "السميع" في عربيتنا ليست اسم إله معين، إنما هي صفة للإلَه، بمعنى أن الإله هو سميع يسمع دعوات الداعين. ولذلك يخاطبه المؤمنون ويقولون له "سمع" "يا سميع"، ليسمع دعاءهم وليجيب طلباتهم، وهناك ألفاظ

стр. 354

أخرى هي من هذا القبيل. ووصلت إلينا أسماء ثمودية كثيرة، مثل: "أوس" و "سعد" و "عفير" و "وائل" و "بارح" و "كربال" "كرب إبل" و "عش" "عائش" و "مالك" "ملك" و "عذرال" "عذرايل"، و "عوذ"، و "أسعد"، و "عياش"، و "إياس"، و "قيس بن وائل" "قس بن وال" وغيرها؛ مما يخرجنا ذكرها عما نحن فيه. وهي أسماء لا يزال بعضها مستعملًا١. ويلاحظ أن بعض هذه الأسماء مثل "كرب ال" و "عذرال"، وما شاكله، قل استعمالها عند العرب قبيل الإسلام، بينما كانت من الأسماء الشائعة في الجاهلية البعيدة عن الإسلام، ولا سيما بين الجاهليين في العربية الجنوبية، حيث ترد بكثرة في كتابات المسند. ويرى "برو" brau أن ثمودا أُصيبوا بكارثة عظيمة، من ثوران براكين أو هزّات أرضية، بدليل ورود كلمة "رجفة"٢ وكلمة "صيحة" في القرآن الكريم، وذلك محتمل جدًّا، لأن البقاع التي كانوا يقطنونها هي من مناطق الحِرَار٣. ويشبه مصير "عاد" و "ثمود" مصير "سدوم" "sodom" وعمورة "جمورة" "كمورة" "gomorrah" وبقية مدن الدائرة في عمق السديم٤ التي تقع -على رأي كثير من علماء التوراة- في جنوب البحر الميت، فقد لاقت هذه المدن، وهي خمس على سهل "دائرة الأردن" المصير الذي لقيه قوم عاد وثمود، حيث أرسل الله عليهم عذابا "فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتا ونارًا من عند الرب من السماء، وقلب تلك المدن وكل الدائرة وجميع سكان المدن ونبات الأرض"٥. وأصحاب هذه المدن هم: قوم "lot" "لوت".

стр. 355

و "لوت "هو "لوط" المذكور في القرآن الكريم. وقد رأيت أن القرآن الكريم قد أشار إلى مصير "قوم لوط"، وأطلق على ثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة "الأحزاب". و ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ ١. وقد تعرّض المفسرون لقوم "لوط" وما حلّ بهم من العذاب، وبحث عنهم أهل الأخبار والتأريخ، باعتبار أن أخبارهم هي صفحة من صفحات التأريخ القديم العام قبل الإسلام. وفي الرواية التي ذكرها "الطبري" في تأريخه عنهم، وسندها مرفوع إلى "محمد بن كعب القَرَظَمي" ذكر للقرى الخمس الواقعة حول "سهل دائرة الأردن"، وقد دعاها بـ "المؤتفكات" المأخوذة من القرآة الكريم من ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ ٢، وهي: صبعة، وصعرة، وعمرة، ودوما، وسدوم، بحسب رواية الطبري هذه ٣. وفي هذه الأسماء تحريف وتغيير في الترتيب الذي وردت به في التوراة، إذ هي فيها على هذا الشكل: سدوم "SODOM"" و "عمورة" "gomorrah"و "أدمة" "admah"" و "صبوبيم" "zeboim"و "بالع" "bela" وتُسمّى أيضًا بـ "صوغر" "zoar"٤. وقد نبّه القرآن قريشًا إلى مصير يشبه مصير "ثمود"، إذ كفروا بنبوة نبيهم "صالح"، وعقروا "الناقة" التي أرسلت لهم آية تحذرهم من عاقبة كفرهم ومن استمرارهم في تكذيبهم نبوة نبيهم. فلما استمروا في غيّهم وضلالهم، أرسل الله عليهم "الصيحة"، فأهلكتهم، ورجفت الأرض بهم، فلم يبقَ من كفّارهم على الأرض إلا رجل واحد، هو "أبو رغال" كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله٥. ويذكر أهل الأخبار أن رسول الله لما غزا غزاة تبوك، نزل "الحجر"، ونهى الناس من دخول القرية، ومن شرب مائها، وأراهم مرتقى الفصيل.

стр. 356

والقرية المذكورة هي "الحجر"، وهي "قرية ثمود"١. وقد ورد في شعر "حسّان بن ثابت": "أشقى ثمود"، وقد ذكر الشُّرّاح أنه "قدار بن سالف أحيمر ثمود"، وهي عاقر ناقة صالح٢. وهكذا نجد لثمود "أحيمرًا" على نحو ما وجدنا عند عاد. ويرجع سند روايات "الطبري" عن ثمود إلى "الحسن بن يحيى"، ويتصل سنده بـ "أبي الطفيل"، وإلى "القاسم"، وينهي سنده إلى "عمرو بن خارجة"، و"ابن جريج" عن جابر بن عبد الله و "إسماعيل بن المتوكل الأشجعي" وينتهي سنده ب"عبد الله بن عثمان بن خثتم" عن "أبي الطفيل"٣. وتفيدنا دراسة هذه الأسانيد وأمثالها فائدة كبيرة في الوصول إلى معرفة الموارد التي أمَدَّتْ الأخباريين بأمثال هذه الأخبار.

стр. 357

طسم وجديس: وساق الأخباريون نسب "طَسْم" على هذه الصورة: "طسم بن لاوذ بن إرم" أو "طسم بن لاوذ بن سام"، أو "طسم بن كاثر"، أو ما شابه ذلك من نسب١. ونحن لا نعرف الآن من أمرهم غير ما ورد من القصص المدوّن في الكتب، ولم يردْ لهم ذكر في القرآن الكريم. وقد جعلهم بعض أهل الأخبار من أهل الزمان الأول، أو من عاد٢. وقد شكّ حتى الأخباريون في الأخبار المنسوبة إلى "طسم"، إذ اعتبروها أخبارًا موضوعة، فقال بعضهم: "وأحاديث طسم: يقال لما لا أصل له. تقول لمن يخبرك بما لا أصل له: أحاديث طسم وأحلامها، وطسم إحدى قبائل

стр. 358

العرب البائدة"١. أما مواطن طسم، فكانت اليمامة، وعند بعضهم الأحقاف والبحرين٢. وقد زعم الأخباريون أن طسمًا وجديسًا سكنتا اليمامة معًا, وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها, ثم انتهى الملك إلى رجل ظالم غشوم من "طسم" يقال له "عمليق" أو "عملوق" استذلّ جديسًا, وأهانها, فثارت جديس وقتلت عمليقًا ومن كان معه من حاشيته، واستعانت طسم بـ "حسّان بن تبع" من تبابعة اليمن، فوقعت حرب أهلكت طسمًا وجديسًا, وبقيت اليمامة خالية، فحلّ بها "بنو حنيفة" الذين كانوا بها عند ظهور الإسلام٣. وذهب نفر من المستشرقين إلى أن طسمًا من الشعوب الخرافية التي ابتدعها الأخباريون، غير أنه لا يستبعد أن يأتي يوم قد يعثر فيه على أخبار هؤلاء القوم وعلى اسمهم في الكتابات. وقد وردت في نصّ يوناني عثر عليه في "صلخد"، ويعود تأريخه إلى سنة "٣٢٢م" جملة "أنعم طسم"، فلا يستبعد أن يأتي اليوم الذي نقرأ فيه نصوصًا تعود إلى طسم٤. ويروي أهل الأخبار أن "الأسود بن رباح"، وهو قاتل عمليق، هرب بعد ذلك من اليمامة إلى جلبي طيء، فأقام بهما إلى أن جاءت طيء، وأمر سيدهم "سامة بن لؤي" ابنه الغوث أن يقتل الأسود، بعد أن رأوا ضخامة جسمه بالنسبة إلى أجسامهم، وخافوا منه، فجاء إليه الغوث، ثم أخذ يكلمه، ثم باغته بأن رماه بسهم قتله، واستقرت طيء بالجبلين٥. وذهب "جرجي زيدان" إلى أن "طسمًا" هي لطوشيم"٦، وهي قبيلة من العرب ورد اسمها في التوراة على أنها من نسل "ددان بن يقشان" وورد

стр. 359

معها اسم قبيلة أخرى من قبائل "ددان" دعيت بـ "leummim" "لاميم"، يرى زيدان أنها "أميم"١. ونسب الأخباريون إلى طسم صنمًا سموه "كثرى"؛ لعلّه الصنم "كثرى" الذي أدرك الإسلام، فحُطم مع الأصنام الأخرى التي أمر الرسول بتحطيمها تخلصًا من عبادة الأصنام، فحطمت أينما وجدت، وقد حطم الصنم "كثرى" "نهشل بن الربيس بن عرعرة"، ولحق بالنبي٢. وقد ضرب أهل الأخبار المثل بـ "كلب طسم". وذكروا قصته على هذا النحو: كان لرجل من طسم كلب، وكان يسقيه اللبن ويطعمه اللحم ويسمنه، يرجو أن يصيب به خيرًا ويحرسه، فجاع يومًا فهجم على صاحبه وأكله، فضُرب به المثل فقيل: سمّن كلبك يأكلك٣. وقد جاء ذكر طسم في شعرٍ للحارث بن حلّزة، هو: أم علينا جرى إياد كما ... قيل لطسم أخوكم الأبّاء وقد قال الأصمعي في شرحه: "كان طسم وجديس أخوين، فكسرت جديس على الملك خراجه، فأخذت طسم بذنب جديس"٤. فضُرب لذلك بها المثل، لمن يؤخذ بجريرة غيره.

стр. 360

جديس: وقالوا عن "جديس" إنهم حي من عاد، وهم إخوة طسم، أو إنهم

стр. 361

حيّ من العرب كانوا يناسبون عادًا الأولى١. وقالوا إنهم أبناء "جديس بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح"٢، أو أبناء "جديس" شقيق "ثمود بن غاثر بن إرم بن سام بن نوح"، أو ما شابه ذلك من نسب٣. وقد كانوا أتباعًا لطسم، ويسكنون معهم في اليمامة، ثاروا على "عمليق" "عملوق" ملك طسم، فكانت نهاية طسم كما كانت نهاية "جديس، ولذلك قيل "بوار طسم بيَدَيْ جديس"٤. ويذكر أهل الأخبار أن جديسًا لما قتلتْ "عملوقًا" ومن كان معه من قومه طسم، هرب رجل من طسم اسمه "رباح بن مُرّة"، حتى أتى "حسّان بن تُبَّع" فاستغاث به، فخرج "حسّان" في حِمْيَر، فأباد جديسًا, وخرب بلادهم، وهدم قصورهم وحصونهم٥. يرى "كوسين دي برسفال" أن إغارة حمير المذكورة كانت حوالي سنة "٢٥٠" بعد الميلاد٦. ويرتبط بخبر هذه الإبادة قصة امرأة زعم أنها كانت أقوى الناس بصرًا, ترى من مسافات بعيدة جدًّ, عرفت ب"زرقاء اليمامة". وقد ورد قصص عنها ذكره أهل الأخبار٧. وورد في بعض الأخبار أن "جذيمة الأبرش" كان قد حارب "طسمًا"

стр. 362

و "جديسًا"١. ويذكر أهل الأخبار أن "حسّان بن تُبّع" الذي أوقع بجديس، هو "ذو معاهر"، وهو "تبع بن تبع تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن تبع بن أقرن"، وهو أبو "تبّع بن حسان"، الذي يزعم أهل اليمن أنه قدم مكة ويثرب، وأنه وجّه ابنه "حسان" إلى "السند" وابنه "شمرد الجناح" "سمر"، إلى آخر ذلك من قصص سأتحدث عنه في أثناء الكلام على مملكة "حمير وذي ريدان"٢. ويذكر أهل الأخبار أيضا أن التي أبصرت جند "حسان" اسمها "اليمامة"، وكانت أول من اكتحلت بالإثمد، ولهذا تكوّنت في عينيها عروق سود منه، كانت هي السبب في نشوء حدة البصر عندها, وأن "حسان" أمر ففقئت عيناها لإدراك سبب حدة بصرها, فاكتشف وجود الإثمد بهما, ويزعمون أنه أمر بإبدال اسم "جوّ" مساكن طسم وجديس إلى "اليمامة"، فعرفت بهذه التسمية مذ ذلك الحين٣. وإذا كان ما جاء في شعر الأعشى عن "اليمامة" وعن حسان صحيحاً, فإن ذلك يدل على أن القصة المذكورة كانت شائعة معروفة في أيامه بل وربما قبل أيامه، والظاهر أن أهل الأخبار قد أخذوا اسم اليمامة من اسم المكان، فصيّروه امرأة ذات بصر حديد. ونجد قصة "اليمامة" ومجيء التبع في شعر للنمر بن تولب العُكلي٤. ونجد اتفاقًا بين القول المنسوب إلى اليمامة في سياق القصة وبين قولها في الشعر المنسوب إلى الأعشى وإلى النمر. وقد ذكر "ابن دريد" أن "تبع" أرسل على مقدمته "عبد كلال بن مثوب بن ذي حرث بن الحارث بن مالك بن غيدان" إلى اليمامة، فقتل طسمًا وجديسًا. ولم يذكر اسم ذلك التبع٥.

стр. 363

ويعتقد بعض المستشرقين أن اسم "jolisitae" أو "jodisitae" الوارد في "جغرافيا بطلميوس" إنما يقصد به قوم "جديس"، وأنهم كانوا معروفين في حوالي سنة "١٢٠" بعد الميلاد١. وقد نسب أهل الأخبار أماكن عديدة إلى طسم وجديس، وهي قرى ومدن ذكر أنها كانت عامرة آهلة بالسكان ذات مزارع، وقد بقي بعضها في الإسلام، ووصفه أهل الأخبار. وإذا صحّ أنها لطسم وجديس حقًّا, وأنها كانت من أعمالهم ونتاجهم، فإن ذلك يدل على أن القوم كانوا حضرًا وعلى مستوى من الرقي، ولم يكونوا بدوًا على شاكلة الأعراب. وربما يعثر على كتابات في هذه المواضع تكشف اللثام عن حقيقة أصحاب هذه المواضع وهُوية الأقوام التي عاشت فيها. ومن الأماكن المذكورة "المشقر"، وهو حصن بين نجران والبحرين على تلٍ عالٍ، يقابله حصن سدوس، وهو من أمكنة "طسم". وقد نسب بعض الراوة بناءه -كعادتهم عند جهلهم أسماء الأماكن- إلى سليمان، وقد سكنته عبد القيس أهل البحرين٢. و "معنق" من قصور اليمامة على أكمة مرتفعة٣. و "الشموس" قيل: أنه من بناء "جديس"٤. ومن قرى اليمامة الشهيرة "حجر"، وكانت لطسم وجديس، والظاهر أنها كانت عامرة ذات قصور عالية كثيرة، وأنها كانت محاطة بالمزارع، وأنها بقيت مدة طويلة مهملة في وسط الرمال التي تكوّنت في تلك البقاع المنبتة الخصبة التي تحوّلت إلى صحراء٥. و "القرية" "قرية بني سَدُوس"، وكان بها قصر عظيم من الصخر، وقد زعموا أنه كان من حجر واحد بناه جنّ سليمان٦. و "جعدة" وهي حصن، وبها قصر قديم "عادي" ينسبونه إلى طسم وجديس، ويظهر أنه ظلّ باقيًا إلى أيام "الهمداني"، بدليل وصفه له في كتابه "صفة

стр. 364

جزيرة العرب" والظاهر من وصفه أن الحصن كان عظيمًا, وأنه كان يحيط بالقرية، وأن أساسه من اللبِن وحوله منازل الحاشية للرئيس الذي يكون فيه، وكان فيه الأثل والنخيل، وحوله منازل الناس والسوق، ويحيط بالقرية خندق، وفي السوق آبار. قال الهمداني: إنها مائتان وستون بئرًا ماؤها عذب فرات١. و"خضراء حجر"، وهي حضور "طسم" و "جديس"، وفيها آثارهم وحصونهم وبتلهم، الواحد بتيل، وهو مربع مثل الصومعة مستطيل في السماء من طين. وقد بولغ في وصف ارتفاع هذه "البتل" وطولها, حتى زعم أن ارتفاع ما تبقّى منها إلى أيام الهمداني كان قد بلغ مائتي ذراع في السماء٢. و"الخضرمة"، وكانت لجديس، وبها آثار قديمة كثيرة٣، و "الهدار"٤. و "ريمان"٥.

стр. 365

أميم: وجعل الأخباريون "أميمًا" في طبقة طسم وجديس، وقالوا إنهم من نسل "لاوذ بن عمليق"١، أو "لوذ بن بن نوح"، أو ما شابه ذلك من شجرات نسب٢. وكان من شعوبهم على زعم أهل الأخبار "وبار بن أميم"، نزلوا برمل "عالج" بين اليمامة والشحر، وانهارت عليهم الرمال فأهلكتهم٣. ويزعم أهل الأخبار أن ديار "أميم" كانت بأرض فارس، ولذلك زعم بعض نسّابة الفرس أنهم من "أميم"، وأن "كيومرت" الذي ينسبون إليه هو ابن أميم بن لاوذ٤.

стр. 366

ولا نعرف من أمر أميم شيئا غير هذه النتف، ولم يذكر الأخباريون كيف عدّوهم من طبقة العرب الأولى إذا كانت ديارهم بأرض فارس، ولم يشرحوا لنا كذلك كيف وصلوا نسب "وبار" بأميم، وما العلاقة بينهما. وقد ذكر الهمداني أن وبار هو شقيق "كيومرت" ويقال "جيومرت"، وقد أولدهما "أميم". وبوبار عرفت أرض "وبار"، وهي أرض أميم١. وجاء في جغرفيا "بطلميوس" اسم شعب عربي دُعِي "lobaritai" "jobaritae" "jobabitae"، على أنه من شعوب العربية الجنوبية، ويسكن على مقربة من أرض قبيلة أخرى دعاها sachalitae، وتقطن عند خليج يدعى باسمها "sinus sachalits"٢. وهذا الاسم قريب جدًّا من اسم "وبار"، لذلك ذهب المستشرقون إلى أن "jobaritae"، وهو شعب وبار٣ أو "بنو وبار"٤. غير أن هنالك عددًا من العلماء يرون أن الاسم الأصلي الذي ورد في جغرافيا بطلميوس هو "يوباب"، غير أن النساخ قد أخطئوا في النسخ فحرفوا حرف الباء "b"، الثاني في هذا الاسم وصيّروه راء "R"، فصار الاسم بعد هذا الحريف "jobabitae"٥. فالشعب الذي قصده بطلميوس -على حد قول هؤلاء- هو "يوباب" أو يباب"، إلا أنه لا يوجد هنالك دليل قوي يثبت حدوث هذا التحريف٦. وفي موضع ليس ببعيد عن هذا المكان الذي ذكره بطلميوس تقع أرض وبار الشهيرة، وهي بين رمال يبرين واليمن "ما بين نجران وحضرموت وما بين مهرة والشحر"، أو ما بين الشحر إلى تخوم صنعاء، وقيل: "قرية وبار كانت لبني وبار، وبين رمال بني سعد وبين الشحر ومهرة"، والنسبة إليها

стр. 367

"أباري"١. ونرى أن هذه النسبة قريبة من الاسم الذي ذكره بطلميوس.... ويدّعي "ياقوت الحموي" أنها مسماه بـ "وبار بن إرم بن سام بن نوح"٢. وقد روت الكتب العربية قصصًا كثيرة عن "وبار"، ومن جملة الأساطير التي تروى عنها أسطورة "النسناس". وتتلخص في أنهم "من ولد النسناس بن أميم بن عمليق بن يلمع بن لاوذ بن سام"، وأنهم كانوا في الأصل بشرًا, فجعلهم الله نسناسًا, للرجل منهم نصف رأس ونصف وجه وعين واحدة ويد واحدة ورِجْل واحدة، وأنهم صاروا يرعون كما تُرعى البهائم، وأنهم يقفزون قفزًا شديدًا ويعدون عدوًا منكرًا٣. والظاهر أن لهذه القصص والأساطير أصولًا جاهلية، وقد وضع منها في الإسلام شيء كثير، ووضع معها شعر كثير على لسان ذلك "الإنسان الحيوان"، ولا يزال الناس يَرْوُونَها حتى الآن. وقد أنكر بعض المستشرقين، وجود وبار، وزعموا أنهم من الشعوب التي ابتكر وجودها القصاص قائلين إن تلك الرمال الواسعة المخيفة هي التي أوحت إلى القصاص والأخباريين اختراع شعب "وبار" وقصص النسناس٤. والذي أراه أن هذا لا يمنع من وجود شعب بهذا الاسم، وإن كنا لا نعرف من أمره شيئًا إلا هذه القصص والأساطير. وقديمًا أنكروا وجود عاد وثمود، ثم اتّضح بعد ذلك من الكتابات وجود عاد وثمود. وهكذا قد يعثر في المستقبل على كتابات وبارية لعلها تلقي ضوءًا على حالة ذلك الشعب. ونجد في رواية أهل الأخبار عن عمار "وبار" وكثرة زروعها ومراعيها ومياهها في الجاهلية شيئًا من الأساس؛ فقد أيّد السياح ذلك، وأثبتوا وجود أثر من آثار عمران قديم٥. وهو سند يتخذه القائلون بتطور جوّ بلاد العرب، وسطحها لإثبات رأيهم في هذا التغيير.

стр. 368

ولم يذهب اسم "وبار" من ذاكرة سكان العرب حتى هذا اليوم. فهم يَرَوْن أن في الربع الخالي موضعًا منكوبًا هو الآن خراب، هو مكان "وبار". وقد قاد بعض الأعراب "فلبي" إلى موضع في الربع الخالي، قال له عنه إنه مكان "وبار" المدينة التي غضب الله عليها, فأنزل بها العقاب، وصارت خرابًا. وقد تبين ل "فلبي" أن ذلك الوضع هو فوهة بركان، قذف حميمًا, فبانت الأرض المحيطة به وكأنها خرائب تولدت من حريق١. وتحدث أعراب آخرون للسائح "برترام توماس" عن مكان آخر يقع في جنوب شرقي هذا الموضع بمسافة "٢٠٠" ميل، قالوا له إنه مكان "وبار" المدينة المفقودة المنكوبة كما عثر رجال شركة "أرامكو" على موضع في البادية وذلك في سنة ١٩٤٤، زعم لهم الأعراب أنه مكان وبار مما يدل على أن الأعراب يطلقون اسم وبار على مواضع عديدة تقع في البوادي. والبوادي أنسب مكان يليق في نظرهم بأن يكون موطن وبار٢.

стр. 369

عبيل: و"عبيل" مثل أميم لا نعرف من أمرهم غير نتف ذكرها الأخباريون الذين زعموا أنهم إخوان عاد بن عوص، أو إخوان عوص بن إرم، وأنهم لحقوا بموضع "يثرب" حيث اختطوا يثرب. وكان الذي اختطها منهم رجل يقال له "يثرب بن باثلة بن مهلهل بن عبيل"١. ثم إن قسمًا من العماليق انحدروا إلى يثرب، فأخرجوا منها عبيلًا, فنزلوا موضع "الجحفة"، فأقبل سيل فاجتحفهم فذهب بهم فسميت "الجحفة"٢. وقد ورد في التوراة اسم ولد من أولاد "يقطان"، هو "obal" "عوبال"

стр. 370

أو "ebal"١. وهذا الاسم قريب من "عبيل"، لذلك رأى بعض علماء التوراة أن من الممكن أن يكون "عبيل" هو "عوبال"٢. ونجد في جغرافيا بطلميوس اسم موضع يقال له avalitae على خليج يُدعى بهذا الاسم "avalites sinus" وعليه مدينة تسمى "avalites emporium"، وسكانها يُعرفون باسم "avalites". وقد ورد هذا الاسم عند "بلينيوس" على صورة "abalitae" و "abalites"، ويرى "فورستر" أن من المحتمل أن يكون هؤلاء هم "عوبال"٣ وقد يكون أبناء عوبال هم عبيل. وذكر أن في اليمن مكانًا يقال له عبيل٤، وقرية تقع على طريق صنعاء تعرف بـ "عبال"٥. وهذان الاسمان قريبان من سام عبيل. غير أني لا أريد أن أقول الآن شيئًا فيما يخص "عبيلا"، فلا يجوز الحكم في مثل هذه الأمور لمجرد تشابه الأسماء، وإنما ذكرت ذلك للمناسبة العارضة وللتنبيه. وأما عبد ضخم، فكانت تسكن على قول الأخباريين الطائف، وهلكوا فيمن هلك من الشعوب البائدة، وكانوا أول من كتب بالخط العربي٦. وذكر الطبري أنهم حيّ من عبس الأول٧. ويذكر أهل الأخبار أن "أمية بن أبي الصلت" ذكر "بني عبد ضخم" في شعره، إذ قال فيهم: كما أُفنى بني عبد بن ضخم ... فما يذكو لصاليها شهاب بني بيض ورهط بني معاذ ... وفيهم عزة وهم غلاب٨

стр. 371

وقد ذكر الهمداني أن "ابن الكلبي" يرى أن "عبد ضخم" و "بيض"، وهما حيّان، هما اللذان وضعا الكتاب العربي، وذكر الهمداني أن الشاعر "حاجز الأزدي" ضمن هذا الرأي بقوله: عبد بن ضخم إذا نسبتهم ... وبيض أهل العلوّ في النسب ابتدعوا منطقا لخطهم ... فبين الخط لهجة العرب١

стр. 372

جرهم الأولى: وجرهم هؤلاء، هم غير "جرهم" القحطانية على رأي النسّابين والأخباريين، ولذلك يقولون لجرهم هذه "جرهم الأولى"، ولجرهم القحطانية "جرهم الثانية"، ويقولون عن الأولى: إنهم من طبقة العرب البائدة، وإنهم كانوا على عهد عاد وثمود والعمالقة١. ويظهر من روايات الأخباريين أنهم كانوا يقيمون بمكة، ويرجعون أنسابهم إلى "عابر"، وأنهم أُبِيدوا: أبادهم القحطانيون٢. أما جرهم الثانية، أي جرهم القحطانيين فينسبهم بعض أهل الأخبار إلى "جرهم بن قحطان بن هود" وهم أصهار إسماعيل٣. وقد ورد اسم "جرهم" عند "إصطيفان البيزنطي" من الكتبة اليونان٤.

стр. 373

العمالقة: وحشر الأخباريون العمالقة "العماليق" في هذه الطبقة أيضًا, فنسبوهم إلى "عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح"١, ولم تذكر التوراة أصلهم ونسبهم،

стр. 374

وهي لا تشير إلى أبناء "لود" أو "لاوذ" كما يقول له الأخباريون١. و"عمليق" جدّ العمالقة، هو شقيق طسم. ويذكرون أنهم كانوا أُمَمًا كثيرة، تفرقت في البلاد، فكان منهم أهل عمان وأهل الحجاز وأهل الشام وأهل مصر. ويعرف أهل عمان والبحرين بـ "جاسم"، وجاسم هم من نسل عمليق على زعم أهل الأخبار. وكان من العمالقة أهل المدينة، ومنهم "بنو هف" و "سعد بن هزان" و "بنو مطر" و "بنو الأزرق". وكذلك سكان نجد، ومنهم بديل وراحل وغفار، وكذلك أهل تيماء٢. وكان ملكهم "الأرقم"، وهو من العمالقة٣. وهو من معاصري "موسى" على رواية الهمداني. وقد أرسل "موسى" عليه جندًا لمقاتلته ففتك بأتباعه أهل تمياء وببقية عمالقة الحجاز٤ ويذكر بعض أهل الأخبار أن "العماليق" لحقت بصنعاء قبل أن تُسمّى صنعاء، ثم انحدر بعضهم إلى يثرب، فأخرجوا منها "عبيلًا"، وسكنوا في ديارهم، وذهبت "عبيل" إلى موضع "الجُحْفَة"، فأقبل السيل فاجتحفهم، فذهب بهم، فسميت الجحفة٥. وذكروا أن "موسى" أرسل جيشًا لحرب عماليق يثرب٦، ولم نجد في التوراة ذكرًا لمثل هذا الجيش، أو الحرب. والعمالقة الذين نتحدث عنهم، هم عرب صُرحاء، من أقدم العرب زمانًا, لسانهم اللسان المُضَري الذي هو لسان كل العرب البائدة على حدّ قول أهل الأخبار٧. بل زعم بعضهم أن عمليقًا, وهو أبو العمالقة، أول من تكلم بالعربية حين ظعنوا من بابل، فكان يقال لهم ولجرهم "العرب العاربة"٨. ويظهر من فحص هذا المروي في كتب الأخباريين عن العمالقة ونقده أنه مأخوذ من منابع يهودية، فقد ذُكر العمالقة في التوراة، وقد كانوا أول شعب

стр. 375

صدم العبرانيين حينما خرجوا من مصر متجهين إلى فلسطين١. وظلوا يحاربونهم، ويكبدونهم خسائر فادحة، وأوقعوا الرعب في نفوسهم، ولهذا ثار الحقد بينهم على العماليق. ويتجلّى هذا الحقد في الآيات التي قالها النبي "صموئيل" لشاءول "saul" أول ملك ظهر عند العبرانيين، قالها لهم باسم إسرائيل: "إياي أرسل الرب لمسحك ملكا على شعبه إسرائيل. والآن فاسمع صوت كلام الرب. هكذا يقول رب الجنود. إني افتقدت ما عمل عمليق بإسرائيل حين وقف له في الطريق عند صعوده من مصر. فالآن اذهب واضرب عماليق، وحرموا كل ماله، ولا تعفُ عنهم، بل اقتل رجلًا وامرأة، طفلًا ورضيعًا, بقرًا وغنمًا, جملًا وحمارًا"٢. وهذا الحقد هو الذي جعلهم يخرجونهم من قائمة النسب التي تربطهم بالساميين. وقد كانت منازل العمالقة من حدود مصر فطور سيناء إلى فلسطين. وعدم ذكر العبرانيين لهم في جملة قبائل العرب لا يدل على أنهم لم يكونوا عربًا, فقد ذكرت أن العبرانيين لم يطلقوا لفظة "عرب" إلا على الأعراب، أعراب البادية، ولا سيما بادية الشام٣. ثم إن العمالقة من أقدم الشعوب التي اصطدم بها العبرانيون، وحملوا حقدًا عليها, وهم عندهم وفي نظرهم أقدم من القحطانيين والإسماعيليين.

стр. 376

حضورا: وأورد أهل الأخبار قصصًا عن "حضورا"، فذكروا أن "حضورا" كانوا يقيمون بالرسّ، وكانوا يعبدون الأوثان، وبعث إليهم منهم نبي منهم اسمه "شعيب بن ذي مهرع"، فكذبوه، وهلكوا١. وهنالك عدة مواضع يقال لها "الرسّ" منها موضع باليمامة، وموضع كان فيه ديار نفر من ثمود٢.

стр. 377

وورد في القرآن الكريم "أصحاب الرس"١، مع عاد وثمود، وذهب المفسرون إلى أنهم كانوا جماعة "حنظلة"، وهو نبي، فكفروا به ورسّوه في البئر٢، إلى غير ذلك من الأقوال. ويظهر من القرآن الكريم أن "أصحاب الرس" كانوا مثل جماعة عاد وثمود في الطبقة، أي في زمانهم، وأنهم هلكوا أيضا. وقد ذكر بعض أهل الأخبار أن نبي "أصحاب الرس" هو "خالد بن سنان"، وقد ذكروا أن الرسول ذكره، فقال فيه: "ذاك نبي ضيّعه قومه"٣. وذكر "الهمداني" أن "حنظلة بن صفوان" كان نبيًّا في اليمن، وقد أرسل إلى سبأ، وكان من "الأقيون"، وهم بطن دخل في "حمير"، وذكر أنه وُجِدت عند قبره هذه الكتابة: "أنا حنظلة بن صفوان. أنا رسول الله. بعثني الله إلى حمير وهمدان والعربي من أهل اليمن، فكذّبوني وقتلوني". وأنه أنذر قومه "سبأ" برسالته فكذبوه، فلما كذبوه، أرسل الله عليهم سيل العَرِم٤. وذكر "الهمداني" أيضا نقلًا عن "ابن هشام" أن "حنظلة بن صفوان ابن الأقيون"، هو، نبي الرسّ، والرسّ بناحية صيهد، وهي بلدة منحرفة ما بين بيحان ومأرب والجوف، فنجران فالعقيق فالدهناء، فراجعًا إلى حضرموت. وذكر أيضًا أن الرس، بمعنى البئر القليلة الماء، وأن أهل الرس قبائل من نسل أسلم ويامن أبو زرع ورعويل وقدمان، وهم من نسل قحطان. وقد كذبوا نبيهم "حنظلة" وقتلوه وطرحوه في بئر رسّ ماؤها٥. وروى أهل الأخبار أن "بختنصر" "نبوخد نصر" غزا أهل "حضور" "حضوراء" وأعمل فيهم السيف وأجلى خلقًا منهم إلى أماكن أخرى، لأنهم كفروا وجحدوا نبوة نبي منهم أرسله الله إليهم، وهو "شعيب بن مهدم بن ذي مهدم بن المقدم بن حضور"، ولم يصدِّقوه، وكانوا أصحاب بطش وشدة

стр. 378

وغلظة. فلما قتلوه، أوحى الله إلى نبي في عصره هو "برخيا بن أخبيا بن رزنائيل بن شالتان"، وكان من سبط "يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل"، أن يأتي "بختنصر"، فيأمره بغزو "العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم ولا أبواب"، ويطأ بلادهم بالجنود، فيقتل مقاتلهم، ويستبيح أموالهم. فأقبل "برخيا" من نجران، حتى قدم على "بختنصر"، وذلك في زمان "معد بن عدنان"، فوثب "بختنصر" على من كان في بلاده من العرب، وجمع من ظفر به منهم، فبنى لهم حيرًا على النجف وحصنه، ثم ضمهم فيه، ووكّل بهم حرسًا وحَفَظَة، ثم سار في بلاد العرب فالتقى بعدنان بذات عرق، فهزم، "بختنصر" عدنان, وسار إلى "حضور"، فانهزم الناس وفروا فرقتين: فرقة أخذت إلى "ريسوب" وعليهم "عك"، وفرقة قصدت وبار. أما الذين بقوا في "حضور"، وحاربوا "بختنصر" فقد احتصدتهم السيوف. ثم رجع ملك بابل بما جمع من السبايا، فألقاهم بالأنبار، وخالطهم بعد ذلك النبط، ومات عدنان. فلما مات "بختنصر"، خرج "معدّ بن عدنان" حتى أتى مكة، ثم ذهب إلى "ريسوب" فاستخرج أهلها, وسأل عمّن بقي من ولد "الحارث بن مضاض الجرهمي" وهو الذي قاتل دوس العتق، فأفنى أكثر جرهم على يديه، فقيل: بقي "جرشم بن جلهمة"، فتزوّج معد ابنته "معانة"، فولدت له "نزارًا"١, وأهل حضور الذين قتلوا نبيهم، وقتلهم "بختنصر" هم شعب من أهل اليمن على رأي الأخباريين، كانوا يقيمون الحضور أو "حضوراء". وفي اليمن موضع يسمى "حضور"، ينسبه أصحاب الأخبار إلى: حضور بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن حمير بن سبأ"٢، وذكروا أنه المكان الذي قصده "بختنصر"، فقتل أهله٣. وعلى هذا المكان مسجد يُزار حتى اليوم، يقال له مسجد شعيب نبي أصحاب الرسّ٤. وهو جبل من جبال اليمن المقدسة،

стр. 379

قال الهمداني: "وأما الجبال المقدسة عند أهل اليمن، فجبل حضور وصنّين ورأس بيت فائش من رأس جبل تخلى ورأس هنوم ورأس تعكر ورأس صبر. وفي رءوس هذه الجبال مساجد مباركة مأثورة"١. وأرى أن قداسة هذه الجبال وردت إليها من الأيام التي سبقت الإسلام، من أيام الوثنية، وأن المساجد التي أنشئت في رءوسها, إنما أنشئت فوق معابد قديمة، لعبادة الأصنام، وذلك كما حدث في أماكن أخرى من جزيرة العرب حيث اكتسبت بعض المعابد الوثنية القديمة قدسية خاصة. فلما جاء الإسلام، ألبست ثوبًا إسلاميًّا, فبقيت حية، وتحولت بمرور الزمن إلى مزارات ومساجد تقام فيها الصلوات. وقد اعتمد رواة خبر غزو "بختنصر" لأهل "حضور" على ما جاء عن "ابن الكلبي" و "ابن إسحاق" ونفر آخر ممن عُرفوا بروايتهم هذا النوع من الروايات التي تُعرف من معين الإسرائيليات. وما بنا حاجة أبدًا إلى البحث في أسماء رواته لمعرفة صلته بالتوراة. فالمسألة جِدّ واضحة. خذ التوراة واقرأ ما جاء في أسفار "أرميا" ونبوءته، تجد القصة مكتوبة في السفر التاسع والأربعين: "عن قيدار وعن ممالك حاصور التي ضربها نبوخذ راصر٢ ملك بابل. هكذا قال الرب: قوموا اصعدوا إلى قيدار، اخربوا بني المشرق. يأخذون خيامهم وغنمهم، ويأخذون لأنفسهم شققهم وكل آنيتهم وجمالهم، وينادون إليهم الخوف من كل جانب. "اهربوا، انهزموا جدًا، تعمقوا في السكن يا سكان حاصور، يقول الرب، لأن نبوخذ راصر ملك بابل قد أشار عليكم مشورة، وفكر عليكم فكرًا. قوموا إلى أمة مطمئنة ساكنة آمنة. يقول الرب لا مصاريع ولا عوارض لها. تسكن وحدها وتكون جمالهم نهبًا، وكثرة ماشيتهم غنيمة، وأدرى لكل ريح مقصوص الشعر مستديرًا، وآني بهلاكهم من كل جهاته يقول الرب. وتكوّن حاصور مسكن بنات آوي، إلى الأبد، لا يسكن هناك إنسان، ولا يتغرب فيها ابن آدم٣".

стр. 380

أما النبي "برخيا" الذي زعم الأخباريون أنه هو الذي أشار على "بختنصر" بغزو "حضور"، فهو "باروخ بن نيريا "نريا" بن محسيا" شقيق "سرايا" "sEraiah"١. وقج كان كاتبًا، محبًّا مخلصًا للنبي "أرميا"٢، وكان يكتب لأرميا، وهو الذي كلّفه النبي "أرميا" الذهاب إلى "بختنصر" حاملًا رسالة إلى الملك٣. وهي الرسالة المدوّنة في أسفار "أرميا". وقد ذهب إلى بابل وقابل الملك، ثم عاد إلى القدس حيث هاجم "بختنصر" القدس واستولى عليها بتحريض من هذا النبي نبيّ العبرانيين! ترى أن الأخباريين أخذوا قصة عزو "بختنصر" لحاصور، القصة الواردة في أسفار "أرميا"، وجعلوها غزوًا لشعب "حضور" في اليمن، وهو موضع بعيد لا يعقل وصول "بختنصر" إليه، وأضافوا إليه شيئًا من الزخارف التي وضعها "ابن الكلبي" أو غيره كإقحام اسم عدنا ومعدّ بن عدنان واسم نبي عربي جنوبي في القصة، ولم يكفهم ذلك، فجعلوا "برخيا" من أهل "نجران"، وجعلوه يقطع المسافة ما بين نجران وبابل، ليكلّف "بختنصر" غزو العرب. وصيّروا "حاصور" "حصور" الورادة في "أرميا" "حضور" و "حضوراء"، وجعلوه في اليمن، ولم ينسوا البحث عن سبب، فجعلوه اعتداء أهل "حضور" علي نبيهم. أما "حاصور" التوراة، فإنها أرضون تقع في "العربية، كانت فيها ممالك صغيرة، أو مشيخات، كما يفهم ذلك من عبارة "أرميا" "وعن ممالك حاصور"٤. وكانت تتاخم "قيدار" ولعلها كانت في البادية٥. ويرى علماء التوراة أن سكانها كانوا من أهل المدر، ويقيمون في بيوت ثابتة، وقد أطلق كلمة "حاصور" "hazor" عليهم تمييزا لهم عن أهل الوبر، وكانت ديارهم في جنوب فلسطين أو شرقها٦.

стр. 381

وتعني كلمة "حاصور" "hazor" "hasor" وجمعها "hazerim" "haserim" ما تعنيه لفظة "حيرتا" "herta" في الإرمية و "الحيرة" في العربية، من معنى "محاط" أي "محصور" "محاصر"، بمعنى الحصن أو الأمكنة المحاطة المحصورة أو "المضرب" و "الحمى". وقد كان مشايخهم يقيمون في أسياف البادية في مخيمات ومضارب مع أتباعهم، فهي في معنى "حيرتا" عند بني إرم و "paremboles" عند اليونان١. وكانوا يرعون الماشية من ماعز وأغنام وجمال في مناطقهم التي اعتادوا الإقامة بها، ويظهر أنهم تعرضوا لجيوش "بختنصر"، أو أنهم لم يساعدوه في حملته على فلسطين، فاغتاظ منهم، وجرد عليهم حملة، وكان من عادتهم الالتجاء إلى الكهوف والمغاور حين مهاجمة عدو لهم، حيث يذهبون إلتي مناطق بعيدة يصعب على الجيوش مطاردتهم، فيتخذون منها مواطن آمنة ويعيشون فيها ما دام الخطر٢. ولم يكن للأخباريين علم دقيق بما يرد في التوراة من أمور، فلم يفطنوا أن من غير الممكن أن يكون أهل "حاصور" من أهل اليمن، لأن ذكر التوراة لهم مع "قيدار" يجعل مواضعهم في شمال جزيرة العرب، ثم إن اليمن بعيدة جدًّا عن "بختنصر"، ولا يعقل أن يكون في إمكان جيوشه الوصول بسهولة إلى هناك. ثم إن الكتب اليهودية تصوّر "حاصور" في مكان في العربية الشمالية في جوار أرض "قيدار"، ولم يكن لها علم واسع عن اليمن، كما أن "باروخ" من القدس ولم يكن من أهل نجران. ويظهر أن حربًا قديمة ماحقة، أو كارثة طبيعية مثل زلزال أو هياج حرة، وقعت في "حضور" اليمن، سبب تلفها وإنزال خسائر كبيرة بها وبأهلها، فترك ذلك أثرًا عميقًا في ذاكرة الناس، رواه كابر عن كابر، فوجد الأخباريون الذين وقفوا على أخبار التوراة، أو كانوا يجالسون أهل الكتاب ويسائلونهم، شبهًا بين "حاصور" و "حضور"، وظنوا جهلًا بالطبع بما ورد في "أرميا" عن "حاصور"، أن "حاصور" التوراة "حضور" اليمن، ثم أضافوا إلى ذلك ما شاءوا على طريقتهم في أمثال هذه المناسبات.

стр. 382

هلاك العرب البائدة: هذا ويلاحظ أن هلاك العرب البائدة كان بسبب كوارث طبيعية نزلت بهم مثل انحباس المطر جملة سنين مما يؤدي إلى هلاك الحيوان وجوع الإنسان، واضطراره إلى ترك المكان والارتحال عنه إلى موضع آخر، قد يجد فيه زرعًا وماءً وقومًا يسمحون له بالنزول معهم كرهًا لقوّته ولتغلبه عليهم، أو صلحًا بأن يسمح الأقدمون له بالنزول في جوارهم لاتساع الأرض وللفائدة المرجوة للطرفين. وقد يتفرق ويتشتت بين القبائل، فيندمج فيها بمرور الزمن ويلتحق بها في النسب والعصبية، فيكون نسبة النسب الجديد. وبذلك ينطمر ذكر القبيلة القديم والأصل الذي كان منه. وقد لا يبقى منه غير الذكريات، كالذي رأيناه من أمر القبائل البائدة. وقد تكون الكارثة هيجان حرّات وهبوب عواصف رملية شديدة عاتية تستمر أيامًا واهتزازات أرضية في الأرضين غير المستقرة، مما يُلحق الأذى بالناس. ومن هنا نجد ذكر هذه الكوارث في القرآن الكريم وفي الأخبار الواردة عن هلاك القبائل المذكورة فيه، أو التي لم ترد فيه، وإنما يذكر أسماءها أهل الأخبار. هذا وقد ألف بعض أهل الأخبار كتبًا في بعض العرب البائدة ومن هؤلاء "عُبيدة بن شَرْيَة الجُرْهُميّ"، و "ابن الكلبي"، فقد ذكر أن لهذا مؤلفًا دعاه "كتاب عاد الأولى والآخرة" و "كتاب تفرق عاد"١، ومنهم "أبو البختري" و "وهب بن وهب بن كثير" فله "كتاب طسم وجديس"٢ وغير ذلك. والغالب على هذه المؤلفات كما يظهر من الاقتباسات منها والمبثوثة في الكتب الباقية، أنها ذات طابع أسطوري.

стр. 383

فهرس مقدمة ٥ الفصل الأول تحديد لفظة العرب ١٣ الفصل الثاني الجاهليّة ومصادر التأريخ الجاهلي ٣٧ موارد التأريخ الجاهلي ٤٢ النقوش والكتابات ٤٤ تاريخ الكتابات ٤٦ التوراة والتلمود والتفاسير والشروح العبرانية ٥٣ الكتب الكلاسيكية ٥٦ الموارد النصرانيّة ٦١ الموارد العربية الإسلامية ٦٥ المؤرّخون المسلون ٧٣ الفصل الثالث إهمال التأريخ الجاهلي وإعادة تدوينه ١٠٧ تدوين التأريخ الجاهلي ١٢٣

стр. 384

الفصل الرابع جزيرة العرب ١٤٠ الحرار، أو الأرضون البركانيّة ١٤٥ الدهناء ١٥٠ النفود ١٥٢ مصدر الصحاري ١٥٣ الدرات ١٥٥ الجبال ١٥٦ الأنهار والأودية ١٥٧ أقسام بلاد العرب ١٦٣ العربية السعيدة ١٦٤ العربية الصحراوية ١٦٤ العربيّة الحجريّة، العربيّة الصخريّة ١٦٦ التقسيم العربي ١٦٧ تهامة ١٧٠ اليمن ١٧٠ العروض ١٧٤ اليمامة ١٧٨ نجد ١٨١

стр. 385

الفصل الخامس طبيعة جزيرة العرب وثرواتها وسكّانها ١٨٦ الطرق البريّة ٢٢٠ الفصل السادس صلات العرب بالساميين ٢٢٢ وطن الساميين ٢٢٩ الهجرات السامية ٢٤٠ اللغة السامية الأم ٢٥٤ العقلية السامية ٢٥٦ الفصل السابع طبيعة العقليّة العربية ٢٦١ الفصل الثامن طبقات العرب ٢٩٤ العرب البائدة ٢٩٨ هود ٣١٠ لقمان ٣١٤ ثمود ٣٢١ طسم وجديس ٣٣٤

стр. 386

جديس ٣٣٦ أميم ٣٤٠ عبيل ٣٤٣ جرهم الأولى ٣٤٥ العمالقة ٣٤٥ حضورا ٣٤٧ هلاك العرب البائدة ٣٥٣ الفهرست ٣٥٤

стр. 387

المجلد الثاني الفصل التاسع: العرب العاربة والعرب المستعربة مدخل ... الفصل التاسع: العرب العاربة والعرب المستعربة تحدثت في الفصل السابق عن العرب البائدة، وهم العرب الذين هلكوا واندثروا قبل الإسلام، ولم يبقَ منهم غير آثار وذكريات. أما العرب العاربة والعرب المستعربة "المتعربة" أو العرب القحطانيون والعرب العدنانيون، فإنهم العرب الباقون الذين كانوا يؤلفون جمهرة العرب بعد هلاك الطبقة الأولى، فهم العرب الذين كُتِبَ لهم البقاء، وكان ينتمي إليهم كل العرب الصرحاء عند ظهور الإسلام١.

стр. 388

العرب العاربة: أما الطبقة الثانية من طبقات العرب بعد البائدة، فهي "العرب العاربة" على أقوال النسابين، وهم من أبناء قحطان وأسلاف القحطانيين المنافسين للعرب العدنانيين، الذين هم العرب المستعربة في عرف النسابين. وقحطان الذي يرد في الكتب العربية، هو "يقطان" الذي يرد اسمه في سفر التكوين، وهو "قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح"

стр. 389

في رأي أكثر النسابين١. وهو "يقطان بن عابر بن شالح بن أرفكشاد بن سام بن نوح" في التوراة٢. فترى من ذلك مطابقة تامة بين النسب الوارد في الكتب العربية والنسب الوارد في التوراة، مما يدل دلالة واضحة على أن الأخباريين أخذوا علمهم بنسبه من روايات أهل الكتاب، وهم يؤيدون ذلك ولا ينكرونه٣. وقد سرد بعض الأخباريين نسب قحطان في شكل آخر مثل: "قحطان بن هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح"٤, على أن هودًا هو عابر، أو "قحطان بن هود بن عبد الله بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح" أو "قحطان بن يمن بن قدار" أو "قحطان بن الهميسع بن تيمن بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم"٥. فنرى من ذلك أن بعض شجرات النسب أدخلت أسماءً عربية بين الأسماء المأخوذة من التوراة. وقد ألحَّ بعض نسابي اليمن على جعل "هود" عابرًا، وعلى جعله والد قحطان، وأصروا على ورود ذلك في الشعر، ولم يكن من العسير عليهم بالطبع إيجاد ذلك الشعر ووضعه، فكانوا إذا نُوقشوا في ذلك، احتجوا بقول الشاعر: وأبو قحطان هو ذو الحقف٦ واحتجوا بأمثال ذلك من كلام منظوم أو منثور, وجاءوا بأكثر من ذلك لإفحام الخصوم.

стр. 390

والقائلون: إن "قحطان" هو "قحطان بن الهميسع بن تيمن بن نبت بن إسماعيل" هم نَسَّابو ولد "نزار بن معدّ" أي: النزارية، الذين كانوا يقابلون "اليمانية" في صدر الإسلام وفي الدولة الأموية والعباسية، يؤيدهم في ذلك بعض اليمانية، مثل "هشام بن الكلبي"، و"الشرقي بن القطامي"، و"نصر بن زروع الكلبي" و"الهيثم بن عدي"١. ويظهر أن غايتهم من ذلك وصل نسب قحطان بشجرة نسب أولاد إسماعيل. أما سائر اليمانية، فتأبى ذلك، وتذهب إلى أنه "قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح"٢. وتستهدف هذه الروايات غاية عاطفية بعيدة على ما يظهر، كانت ذات أهمية في نظر القحطانيين، هي وصل نسبهم بالأنبياء. فبعد أن ذكروا ما ذكروا من أخبار مُلْكهم ودولهم قبل الإسلام، وجدوا أن العدنانيين يفخرون عليهم مع ذلك بأن فيهم النبوة والأنبياء، منهم الرسول، وفيهم إسماعيل جدهم, فأرادوا أن يكون لهم أجداد أنبياء: أنبياء خلص قحطانيون، أو أن يكون لهم نسب يتصل بنسب إسماعيل على الأقل، أو أن يصل نسب إسماعيل بأسباب نسبهم، فقالوا: إنهم من نسل هود، وهود نبي من أنبياء الله، وقالوا: إن قحطان من نسل إسماعيل، وقالوا: إن هودًا هو عابر، وعابر من نسل الأنبياء، وقالوا أشياءَ أخرى من هذا القبيل ترمي إلى ترجيح كفتهم على كفة منافسيهم العدنانيين في الفخر بالأنساب على الأقل. ولم يعجب اليمانية المعنى الوارد في التوراة للفظة "يقطان" "يقطن"، ولعلهم عرفوا معناها من أهل الكتاب، فعكسوا المعنى بأن صيروه على الضد تمامًا, جعلوه "الجبار"، وقالوا: "واسمه في التوراة الجبار"٣، مؤكدين جازمين. أما في التوراة وعند أهل الكتاب وفي العبرانية، فهو العكس، فـ"يقطان" في التوراة لفظة تعني "صائر صغير"٤، فهي في معنى: "صغير", وبين صغير وجبار فرق كبير, وهكذا صار الصغير جبارًا. وبهذا التفسير أعاد النسابون أو أحد المتحدثين إليهم من أهل الكتاب الهيبة والمكانة إلى "قحطان". وشاء بعض أهل الأخبار أن يكون دقيقًا في حكمه، عارفًا بمدة حكم
следующие страницы →