الحارث التغلبي، والهذيل بن هبيرة الثعلبي من ثعلبة بن بكر، والحوفزان، وهو الحارث بن شريك بن عمرو بن الشيباني، والحارث بن وعلة الذُّهلي، وأبجر بن جابر العِجلي، وقيس بن حسان بن عمرو بن مرثد أخو بني قيس بن ثعلبة، وقتادة بن مسلمة الحنفي، وأثال بن حجرين النعمان بن مسلمة الحنفي، والهذيل ابن عمران التغلبي.
وقد دوّنت الأيام أسماء جماعة من سادات تميم ممن ترأسوا قومهم. ولقبائل تميم مكان في هذه الأيام. ويظهر أنها كانت من القبائل البارزة في القرن السادس للميلاد. ومن هؤلاء: زرارة بن عدس من بني دارم. وقد قاد تميمًا وغيرها في يوم شويحط إلى عذرة بن سعد هذيم، ولقيط بن زرارة، وقد قاد تميمًا كلها إلا بني سعد بن زيد مناة إلى بني عامر بن صعصعة يوم جبلة، والأقرع بن حابس، وقد قاد حنظلة كلها يوم الكلاب الأول، عدا أسماء آخرين تجدهم مذكورين في أخبار الأيام.
وطبيعي أن يكون للفرسان وللفتّاك وللشعراء المقام الأول بين أسماء الرجال الذين ترد أسماؤهم في هذه الأيام. وإن لم يكونوا من بيوتات شهيرة معروفة، لها في الرئاسة ذكر ومقام، فأعمال المرء كافية لتخليد اسمه بين المشاهير. وإذا كان للشاعر عمل التشجيع والحث على الإقدام، وإلهاب نار الحماسة في النفوس، فإن للفارس والفاتك واجبًا مهمًّا في هذه الأيام، فإنهم يقررون في الغالب مصير الحروب ولا سيما الفرسان الفتاك الذي يختارون كباش القوم، فيقضون عليهم ويفتكون بهم، وبعملهم هذا تنتهي الحرب في الغالب بهزيمة تحل في الجبهة التي تتضعضع بسقوط الرئيس. فإن لسقوط الرئيس صريعًا شأنًا كبيرًا عند القبائل. فالرئيس هو الرمز المعنوي للقبيلة. فمتى سقط الرئيس انهارت معنوياتها وخارت قواها، ولا تستطيع عندئذ الثبات في الميدان، فيهرب أفرادها في غالب الأحوال، ويكون النصر للجانب الذي أسعده الحظ بوجود فارس عنده قتل رئيس خصمه.
وإن كان للخيل أثر في حروب تلك الأيام، في الهجوم والدفاع وفي الكر والفر، فإن القبيلة التي كانت تملك فرسانًا وعددًا وافرًا من الخيل، هي القبيلة المنتصرة الرابحة التي يخشى بأسها، فلا يطمع فيها الطامعون. ولا يهاجمها مهاجم بسهولة، ولها يكون الفخر على القبائل بكثرة ما لديها من خيل ومن فرسان،
стр. 3222
لأن للفرس والفارس شأنًا كبيرًا في سرعة كسب الحرب، وتفتيت جبهة العدو، وإحداث ثُغَر في صفوفه، تؤدي إلى تشتيت شمله وبعثرته ثم هزيمته هزيمة منكرة. وهي لقوتها هذه لم تكن تعتمد على غيرها في الحروب والغزو، إلا إذا قابلت بالطبع قوة كبيرة من القبائل لا يمكن التغلب عليها إلا بالتعاون مع القبائل الأخرى فعندئذ تضطر إلى البحث عن حليف.
стр. 3223
الفروسية:
والفارس فخر القبيلة؛ لأنه المدافع عنها في الحروب والمهاجم الكاسر للأعداء.
وهو أهم من الراجل في القتال، لما له من أثر في كسب النصر وفي إيقاع الرعب والفوضى في صفوف العدو. ولهذا فخرت القبائل بفرسانها، وفي كثرة الفرسان في القبيلة دلالة على عظمتها وقوتها. نظرًا لغلاء ثمن الفرس، ولأهميته في تطوير الحرب وفي توجيهها، وإنهائها في صالح من له أكبر عدد من الفرسان.
ومن حسن حظ القبيلة أن يكون بها عدد وافر من الفرسان، وعدد من الشعراء فالفارس فنان القبيلة في الحرب وفارسها في الطعان وحامي الذمار والعرض، والشاعر فارس الكلام، يؤجج نيران العواطف ويلهب جذوة الحماس في النفوس، ويدفع الفارس إلى الإقدام، وبذلك يساعد في كسب النصر لقبيلته، وفي الدفاع عن عرض القبيلة بسلاحه الموزون المقفى.
وقد حفظت ذاكرة أهل الأخبار أسماء جماعة من فرسان الجاهلية، دوّنت في كتبهم، فوصلت بفضل تدوينهم لها إلينا. وعلى رأس من دوّنوا أسماءهم في الشهرة وبعد الصيت: "عنترة بن شداد العبسي" الذي لا يزال الناس يضربون به المثل في الشجاعة. وهو أحد "أغربة العرب" وهم ثلاثة: أولهم هو، وثانيهم "خفاف" واسم أمه "ندبة"، وثالثهم "السليك" واسم أمه "السلكة"، وأم الثلاثة إماء سود. كانت أم "عنترة" أمة سوداء، اسمها "زبيبة"، فلما كبر أغار بعض أحياء العرب على قوم من "عبس"، فأصابوا منهم. فتبعهم العبسيون، فلحقوهم فقاتلوهم وفيهم عنترة. فقال له أبوه: "كر يا عنترة"، فقال: "العبد لا يحسن الكر إنما يحسن الحلاب والصر"، وذلك أن العرب في الجاهلية كانت إذا كان لأحدهم ولد من أمة استعبده، فعدّ "عنترة" من العبيد.
стр. 3224
فقال له: كر وأنت حر. فقاتلهم واستنقذ ما في أيدي القوم من الغنيمة، فادعاه أبوه بعد ذلك، واسمه "عمرو بن شداد". فنسب إليه.
وقد برز اسمه في حرب "داحس والغبراء". وقد قتل فيها ضمضمًا المريّ، أبا الحصين بن ضمضم. وقد كان مصيره القتل كذلك. وتزعم "طيء" أن قاتله منها. ويزعمون أن الذي قتله "الأسد الرهيف"١.
ومن مشاهير الفرسان "ربيعة بن مكدم" وهو من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة. وقد عرف "بنو فراس" بالشجاعة والنجدة. وقد كان يعقر على قبره تعظيمًا له وتقديرًا. مر على قبره "حسان بن ثابت"، فقال فيه شعرًا٢.
و"ملاعب الأسنة"، وهو "عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب"، "أبو براء"، وهو ممن اشتهر بالفروسية كذلك. وكان سيدًا في قومه. ذكر أنه أخذ أربعين مرباعًا في الجاهلية. وفي ذلك دلالة على ما كان له من مقام في قومه. قيل إنه سمي "ملاعب الأسنة" بقول أوس بن حجر:
ولاعب أطراف الأسنة عامر ... فراح له حظ الكتيبة أجمع٣
وقد عرف بـ"ملاعب الرماح" كذلك٤. وقد لقب بهذا اللقب في شعر الشاعر "لبيد"٥.
وذكر "السكري". "عامر َبن مالك" في جملة من اجتمعت عليه هوازن، ولم تجتمع هوازن كلها في الجاهلية إلا على أربعة نفر من "بني جعفر بن كلاب" وهم: "خالد بن جعفر بن كلاب" بعد قتله "زهير بن جذيمة بن رواحة" و"عروة الرحال بن عتيبة بن جعفر" و"الأحوص بن جعفر"
стр. 3225
و "عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب"١.
و"عامر بن الطفيل بن مالك بن كلاب العامري"، من فرسان الجاهلية المعروفين أيضًا، وهو ابن أخي "عامر بن مالك ملاعب الأسنة، وقد أدرك الإسلام فكان في جملة من وفد مع قومه في سنة تسع من الهجرة على الرسول. وكان قد أضمر الغدر برسول الله. ولكنه لم يتمكن منه. ثم قال لرسول الله: أتجعل لي نصف ثمار المدينة وتجعلني ولي الأرض بعدك فأسلم؟ فأبى عليه رسول الله. فانصرف عامر وقال: والله لأملأنها عليك خيلًا ورجالًا. وكان متعجرفًا متغطرسًا، لما ناله من مكانة عند قومه. حتى زعم أهل الأخبار أن اسمه كان قد طار إلى خارج جزيرة العرب، حتى بلغ "قيصر"، فكان "قيصر" إذا قدم عليه قادم من العرب قال: ما بينك وبين عامر بن الطفيل؟ حتى وفد عليه "علقمة بن علاثة" فانتسب له، فقال: ابن عم عامر بن الطفيل، فغضب علقمة٢.
ورجع ونافر "عامر بن الطفيل" في قصص من هذا القصص المألوف وروده عن أهل الأخبار.
وروى بعض أهل الأخبار، أن "عامر بن الطفيل" لما مات نصبت بنو عامر نصابًا ميلًا في حمي على قبره، لا تنشر فيه راعية ولا يرعى ولا يسلكه راكب ولا ماش. تعظيمًا لقبره واحترامًا لذكراه٣.
وذكر "أبو عبيدة"، أن "عامر بن الطفيل"، أحد فرسان العرب المعروفين و"فرسان العرب ثلاثة: فارس تميم: عتيبة بن الحارث بن شهاب، وكان يقال له: صياد الفوارس وسم الفوارس، وفارس ربيعة: بسطام بن قيس بن مسعود، وفارس قيس: عامر بن الطفيل ملاعب الأسنة. فأما ملاعب الرماح فأبوه براء عامر بن مالك بن جعفر٤. وذكر أن "عامر بن مالك بن جعفر، "أبو براء"، بعث إلى رسول الله يسأله أن يوجه إليه قومًا يفقهونهم في الدين،
стр. 3226
فبعث إليهم قومًا من أصحابه، فعرض لهم "عامر بن الطفيل"، فقتلهم يوم "بئر معونة" فاغتم أبو براء لذلك، وقلق لإغفار عامر بن الطفيل بقتلهم ذمته. ومات "عامر بن الطفيل، وهو منصرف من عند رسول الله، ودعا "أبو براء" قينتين له، واستدعى "لبيدًا"، وأخذ يشرب حتى أثقله الشراب، فاتكأ على سيفه حتى فاضت نفسه، فرثاه "لبيد"، ودعاه بـ"ملاعب الرماح"١.
وقد عدّه أهل الأخبار في جملة "من كان يركب الفرس الجسام فتخط إبهامه في الأرض"٢، وفي جملة "العوارن الأشراف"٣. وقد نافر "عامر بن الطفيل" "علقمة بن علاثة" عند "هرم بن قطبة بن سنان"٤.
وزُعم أنه كان في جملة من أوفدهم "النعمان بن المنذر" إلى "كسرى" ليبينوا له مكارم العرب، وفي الوفد: أكثم بن صيفي، وحاجب بن زرارة، والحارث بن عبّاد البكري، وعمرو بن الشريد السلمي، وخالد بن جعفر الكلابي، وعلقمة بن علاثة. فتكلم في جملة من تكلم منهم. ودوّن أهل الأخبار كلامهم وأجوبة كسرى عليه، وكأنهم كانوا كتّاب محضر، دوّنوه بالنص٥! وله منافرة مع "علقمة بن علاثة"، كان حكمها "هرم بن قطبة بن سنان" الفزاري. وقد سجل أهل الأخبار حديثها بالنص كذلك٦.
ويعدّ "زيد الخيل" من مشاهير فرسان العرب كذلك، واسمه "زيد بن مهلهل بن زيد بن منهب الطائي". وهو من سادات "طيء" ومن الشعراء وكان بينه وبين "كعب بن زهير" هجاء؛ لأن كعبًا اتهمه بأخذ فرس له. قدم في وفد طيء، وهو سيدهم على الرسول. فلما انتهوا إليه كلموه. وعرض عليهم الإسلام فأسلموا. ثم بدل الرسول اسمه فسماه زيد الخير. وكلمه فأعجبه فلما ولى عائدًا من عنده إلى وطنه قال الرسول: "ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا ما كان من زيد الخيل، فإنه لم
стр. 3227
يبلغ فيه كل ما فيه"، وقطع له "فيدًا" وأرضين معه. وكتب له بذلك. فلما عاد من المدينة وانتهى إلى ماء من مياه نجد يقال له: "قردة" أصابته الحمى، حمى يثرب الشهيرة المكناة عندهم بـ"أم ملدم"، فمات بها١.
وكان كما يصفه أهل الأخبار طويلًا جسيمًا وسيمًا يركب الفرس العظيم الطويل فتخبط رجلاه في الأرض كأنه راكب حمارًا. أسر عامر بن الطفيل وجز ناصيته٢.
"قيل له زيد الخيل لطول طراده بها وقيادته لها"٣. وقد عدّه "ابن حبيب" في جملة المتعممين مخافة النساء على أنفسهم لجمالهم٤.
ومن الفرسان "عمرو بن معديكرب"، وهو ممن وفد على رسول الله في قومه من "زبيد". فأسلم ثم ارتد بعد وفاة الرسول٥. فلما سيّر الخليفة "أبو بكر" جيشًا على المرتدين انهزم "عمرو بن ودّ"، ثم أخذ أسيرًا إلى الخليفة، فأنبه فعاد إلى الإسلام واشترك في معركة "اليرموك" ثم في معركة "القادسية" وتوفى سنة "٢١" من الهجرة٦. ويعد "فارس اليمن"٧. ونعته "ابن حبيب" بـ"فارس العرب"٨.
ومنهم: "دريد بن الصِّمة"، وهو من "بني جشم". وله أخبار مع "بني كنانة"، وقد أسرته بنو فراس من "بني كنانة"، فلما عرفته امرأة منهم وهي امرأة "ربيعة بن مكدم"، توسلت إلى قومها بفك أسره، لمساعدته لها في وقت شدة وهو لا يعرفها وهي لا تعرفه، ثم جهزته ولحق بقومه٩. وقد عده "ابن حبيب" من "أشراف العميان" و"البرص الأشراف"١٠.
стр. 3228
وزيد الفوارس من هذا الرعيل الشهير من فرسان الجاهلية. وكان الرؤساء في قومه. وشهد يوم "القرنتين" ومعه ثمانية عشر من ولده يقاتلون معه، وهو من سادات "بكر بن سعد بن ضبة". وهو "زيد الفوارس بن حصين بن ضرار الضبي". وقد طالت رياسته١.
ومنهم "عمرو بن كلثوم" الشاعر الشهير قاتل "عمرو بن هند" ملك الحيرة وصاحب المعلقة. وينتهى نسبه إلى "تغلب"، وهو أحد فتاك العرب وأخوه "مرة" هو الذي قتل "المنذر بن النعمان"، وأمه "أسماء بنت مهلهل بن ربيعة". وقد ساد قومه وهو ابن خمس عشرة سنة، ومات وهو ابن مائة وخمسين سنة٢.
ومن الفرسان الشجعان "أمية بن حرثان الكناني"، وكان من سادات قومه، وقد أدرك النبي وأسلم، وله ولد اسمه "كلاب بن أمية" دخل في الإسلام كذلك٣.
ومن الفرسان "الشنفرى الحارثي" وهو من الشعراء وأحد العدّائين. والعدّاءون من العرب: السليك، والشنفرى، والمنتشر بن وهب، وأوفى بن مطر. ولكن المثل سار من بينهم بالسليك. والعرب تضرب به المثل، وتزعم أنه والشنفرى أعدى من رئي، ويزعمون أنهما كانا يسبقان الأفراس، ويصيدان الظباء عدوًا٤. وقد عرف السليك بـ"سليك المقانب" ومقانب أمه، وكانت أمه سوداء، وسليك أيضًا أسود، وهو أحد أغربة العرب٥.
ولمع في هذه الأيام اسم حذيفة بن بدر، واسم حمل أخيه، وكانا سيدي بن فزارة. وقد عرف حذيفة بـ"رب" معد٦، وقاد قومه بني فزارة في عدة أيام هي: يوم النسار، ويوم الجفار، وحرب داحس والغبراء حيث قتل فيها
стр. 3229
يوم الهباءة١.
وقد دونت الأيام أسماء جماعة من سادات تميم ممن ترأسوا قومهم. ولقبائل تميم مكان خطير في هذه الأيام. ويظهر أنها كانت من القبائل البارزة في القرن السادس للميلاد. ومن هؤلاء: زرارة بن عدس من بني دارم. وقد قاد تميمًا وغيرها في يوم شويحط إلى عذرة بن سعد هذيم، ولقيط بن زرارة، وقد قاد تميمًا كلها إلا بني سعد بن زيد مناة إلى بني عامر بن صعصعة يوم جبلة، والأقرع بن حابس، وقد قاد حنظلة كلها يوم الكلاب الأول، عدا أسماء آخرين تجدهم مذكورين في أخبار الأيام.
стр. 3230
الخيل:
وللخيل أهمية كبيرة في جزيرة العرب، إنها سيارة ذلك اليوم، بل ربما كانت أهم منها عند العربي: يركبها ويحارب عليها بسهولة وبسرعة لا تتوفر في الجمل ويستطيع أن يسابق بها الإبل، ويفر ممن يريد اللحاق به لشرٍّ ينويه تجاهه. ولذلك كانت للخيل مكانة كبيرة عند الجاهليين في السلم وفي الحرب. حتى كان الرجل منهم يبيت طاويًا ويشبع فرسه ويؤثره على نفسه وأهله وولده، فالخيل وقاية للنفس, والمعاقل التي يأوي إليها، والخير عندهم معلق بنواصي الخيل١.
ويرجع أهل الأخبار تأريخ ركوب الخيل إلى "إسماعيل بن إبراهيم"، يزعمون أنه أول من ركبها، وكانت الخيل وحوشًا لا تركب. فذهب إلى موضع "أجياد"، وهو موضع بمكة يلي الصفا، وكان موطنًا له، فركب ظهور الجياد. وركب الناس منذ ذلك العهد الخيل. فإسماعيل على زعمهم هو أول راكب للخيل٢.
ويلاحظ أن راوي هذا الخبر أراد إقناع السائل بصحة جوابه، فربط بين ركوب ظهور الجياد وبين موضع أجياد، ليبدو الجواب منطقيًّا مقبولًا.
وقد مدحت العرب الخيل العراب, أي: الخيول العربية الأصيلة، التي لم تهجن,
стр. 3231
ولم يختلط في دمها دم غريب١, وقد مدحت الخيل الشقر، وذلك لسرعتها، ومدحت بعدها الحصان الأدهم الأرثم المحجل المطلق اليد اليمنى٢. وقيل للخيل الكريمة الأصيلة "العتاق من الخيل" و"الخيل العتاق"٣.
وقد كانت الخيل من جملة وسائل كسب الحروب. والفريق الذي يملك أكبر عدد من الخيل في المعركة يكسب الحرب. وذلك لسرعتها ولما تحدثه تحركات المحارب على ظهرها من أثر في صفوف جيش العدو. ولهذا عدّ بعض الباحثين دخول الخيل إلى جزيرة العرب تطورًا خطيرًا في أسلوب القتل عند العرب, أحدث تغييرًا خطيرًا في طرق القتال وصار عاملًا مهمًّا من العوامل التي أدت إلى انتشار القتال والغزو في بلاد العرب. وصار في إمكان القبيلة التي تملك خيلًا جيدة كثيرة أن تتفوق على غيرها في الغزو، حتى إذا كانت القبيلة كبيرة؛ لأن العدد الكثير وإن كان ذا أهمية في النصر، ولكنه لا يستطيع أن يقف أمام الفرسان، إن كان المحاربون من المشاة أو كان أكثرهم منهم. إذ لا يستطيع الثبات أمام صولات وجولات الفرسان الذين يشتتون شمل الصفوف ويمزقون الجمع، ويمهدون لمن وراءهم من المشاة فرصة الانقضاض على الفارين المنهزمين.
ولأهمية الخيل عند العرب ألّف كثير من العلماء كتبًا فيها، تجد ذكرهم في "الفهرست" لابن النديم. ومن هؤلاء "ابن الكلبي" صاحب كتاب "أنساب الخيل"٤. و"ابن الأعرابي" صاحب كتاب "أسماء الخيل" ٥.
ووضعوا جرائد ومشجرات في أنساب الخيل. حرصًا منهم على المحافظة على أصالتها وبقاء جنس ما عندهم نقيًّا نظيفًا. ومنعوا الفحول الجيدة منها من الاتصال بالأفراس الرديئة أو الأفراس المجهولة التي ليس لها نسب معروف؛ حتى لا يتولد من هذا الاتصال نسل رديء هجين. بل حرص صاحب الحصان الجيد على ألا يعطيه لأحد ليتصل بفرسه حتى وإن كانت غاية في النجابة, وذلك خشية أن ينسل نسلًا فاخرًا لغيره, ولا يكون له منه شيء. ولا تزال هذه العادة معروفة
стр. 3232
عند العرب حتى الآن، فهم يحفظون أنساب خيولهم حفظًا عجيبًا، من غير رجوع إلى جريدة نسب أو شجرة من شجرات النسب. كما يحافظون على النسل الجيد من الخيول العربية، ويعتنون به عناية فائقة، إذ يرون أنه زينة وبهجة للمرء، ومن ملذات الحياة في هذه الدنيا.
ومن دلائل عناية الجاهليين بالخيل ما نجده في اللغة من ألفاظ وكلمات كثيرة تخص الخيل. تخص أسماءها وأسماء أعضاء جسمها وحركاتها وسكناتها وأوصافها وألوانها، حتى إنهم لم يتركوا شيئًا له علاقة بها إلا ذكروه. فلا عجب إذن إذا ما ألفوا فيها الرسائل والكتب وتحدثوا عنها حديثًا طويلًا في الجاهلية وفي الإسلام.
وقد اشتهرت بعض الجياد في الجاهلية بشدة عَدوها فلا تدانيها في العدو خيول أخرى، وفي مقدمتها فرس عرف بـ"زاد الركب" "زاد الراكب"، قالوا: إن أصل فحول العرب من نتاجه. وقد زعم ابن الكلبي أنه من بقية جياد سليمان بن داود، وأن وفدًا من "الأزد"، وكانوا أصهاره، وفدوا عليه، فلما فرغوا من حوائجهم سألوه أن يعطيهم فرسًا من تلك الخيل، فأعطاهم فرسًا كانوا لا ينزلون منزلًا إلا ركبه أحدهم للقنص، فلا يفلته شيء وقعت عينه عليه من ظبي أو بقر أو حمار، إلى أن قدموا بلادهم فقالوا: ما لفرسنا هذا اسم إلا زاد الراكب، فسموه زاد الراكب، فأصل فحول العرب من نتائجه١.
واشتهر فرس آخر بسرعته وبشدة عدوه اسمه "أعوج"، زعم أنه من نسل "زاد الراكب". قيل: إنه كان سريعًا جدًّا لا يدانى في العَدْو. وكان فحلًا لغني بن أعصر. وقد عرف بـ"أعوج الأكبر"٢.
وكان "أعوج" الأصغر أوَّلًا لكندة، ثم أخذته "سُليم" وصار لبني عامر ثم لبني هلال. وأمه "سبل" لغني، وأم "سبل" "سوادة" "البشامة"، وأم "سوادة" "القسامة"، وكانت لجعدة. وكان أعوج طويل القوائم سريع العدو. ولهم أيضًا "الفياض"٣. وقد اشتهر نسله، واكتسب شهرة في العتاق من
стр. 3233
الخيل١.
ومن خيل العرب المشهورة: "الغراب" و"الوجيه" و"لاحق" و"المذهب" و"مكتوم"، كانت كلها لغني٢. وذكر أن "الوجيه" و"لاحق" لبني أسد٣، وقيل: لبني سعد٤. و"الأعنق" فحل من خيل العرب، أنجب سلالة نسبت إليه عرفت بـ"بنات أعنق"٥.
ومن خيل العرب الشهيرة الأخرى: "قيد" و"حلاب" لبني تغلب. و"الصريح" لبني نهشل، وزعم أنه كان لآل المنذر، و"جلوى" لبني ثعلبة بن يربوع، وذو العقال لبني رياح بن يربوع، وهو أبو "داحس". وكان "داحس" و"الغبراء" لبني زهير. والغبراء خالة داحس وأخته من أبيه. و"ذو العقال" و"قرزل" و"الخطَّار" و"الحنفاء" لحذيفة بن بدر. والحنفاء هي أخت داحس من أبيه وأمه. و"قرزل" آخر للطفيل بن مالك٦.
و"حذفة" لخالد بن جعفر بن كلاب، وحذفة أيضًا لصخر بن عمرو بن الشريد. و"الشقراء" لزهير بن جذيمة العبسي، و"الزعفران" لبسطام بن قيس، و"الوريعة" "الوديقة" و"نصاب" و"ذو الخمار" لمالك بن نويرة، و"الشقراء" أخرى لأسيد بن حناءة السليطي، و"الشيط" لأنيف بن جبلة الضبي، و"الوحيف" "الوجيف" لعامر بن الطفيل، و"الكلب" و"المزنوق" والورد له أيضًا، و"الخنثى" "خنثى" لعمرو بن عمرو بن عدس، و"الهداج" فرس الريب بن شريق السعدي، و"جزة" فرس يزيد بن سنان المرّي فارس غطفان، و"النعامة" للحارث بن عباد٧.
و"ابن النعامة" لعنترة، و"النحام" فرس "السليكة بن السليك السعدي" و"العصا" فرس جذيمة بن مالك الأزدي، و"الهراوة" لعبد القيس بن أفصى
стр. 3234
و "اليحموم" فرس النعمان بن المنذر، و"كامل" فرس زيد الخيل، و"الزبد" "الربد" "الريد" فرس الحوفزان، وهو أبو "الزعفران" فرس بسطام، و"العرادة" "الحمالة" فرس الكلحبة اليربوعي١.
و"القطيب" و"البطين" فرسان كانا للعرب، و"اللعاب" "العباية" فرسًا حريّ بن ضمرة، و"المدعاس" فرس النواس بن عامر المجاشعي، و"صهبى" فرس النمر بن تولب، و"حافل" فرس مشهور، ذكره "حرب بن ضرار" و"العسجدي" لبني أسد، و"الشموس" فرس زيد بن خذاق "حذاق" العبدي، و"الضيف" لبني تغلب، و"هرارة العزاب" فرس الريّان بن حويص العبدي، جاءت سابقة طول أربع عشرة سنة، فتصدق بها على العُزّاب يتكسبون عليها في السباق والغارات، و"الحرون" فرس تنسب إليه الخيل، وكان لمسلم بن عمرو بن أسد "أسيد الباهلي"، و"الزليف" فرس مشهور، وهو من نسل "الحرون" و"مناهب" فرس تنسب إليه الخيل أيضًا، و"العلهان" فرس أبي مليل "مليك" عبد الله بن الحارث اليربوعي٢.
وذكر أن أفراس العرب الشهيرة أفراس عرفت بـ"الكامل" منها: فرس لميمون بن موسى المري، وقال بعضهم: بل كان لامرئ القيس, وفرس لرفاد بن المنذر الضبي، وفرس الهلقام الكلبي، وفرس الحوفزان بن شريك الشيباني، وفرس سنان بن أبي حارثة المريّ، وفرس زيد الفوارس الضبي، وفرس شيبان النهدي، وفرس زيد الخيل الطائي٣.
ومن أفراس العرب: فرس عرفت بـ"الكاملة"، وهي بنت البعيث، فرس عمرو بن معديكرب. وفرس ليزيد بن قنان الحارثي٤.
وكان للرسول تسع عشرة فرسًا، اشترى بعضًا منها، وتقبل بعضًا منها هدية. وقد اشترى "الضرس" من أعرابي بعشر أوراق، وسماه النبي "السكب" وهو فرسه يوم أحد، ليس مع المسلمين فرس غيره٥. واشترى "المرتجز"
стр. 3235
و "البحر"، وقد اشتراه من تجار قدموا من اليمن، فسبق عليه مرات١.
واشترى "سبحة" من أعرابي من "جهينة" بعشرة من الإبل.
ومن الخيل التي أهديت للرسول: "اللحيف" "اللخيف" "النحيف"، أهداه له: "فروة بن عمرو" من أرض البلقاء. وقيل أهداه له: "ربيعة بن أبي البراء" و"الظرب"، أهداه له "فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي"، و"الورد"، أهداه له "تميم الداري"، و"المراوح" أهداه له وفد من الرهاويين، و"اللزاز" أهداه له "المقوقس"٢.
ويدفعنا الكلام في تعداد أسماء خيول العرب الشهيرة في الجاهلية إلى ذكر جريدة طويلة بأسمائها. ترد في كتب الخيل وفي كتب المعجمات والأدب٣، ولما كان هذا الموضوع معروفًا ومدوّنًا ولا صلة له بالعقلية وبالحياة الجاهلية لذلك اكتفيت بما أوردته عنها في هذا المكان، ولمن أراد المزيد الرجوع إلى الموارد المذكورة
стр. 3236
الفصل الخامس والخمسون: الحروب
مدخل
...
الفصل الخامس والخمسون: الحروب
ترك المصريون والآشوريون والبابليون واليونان والرومان وغيرهم آثارًا كثيرة, فيها صور معارك وأسلحة ومعدات وجنود مقاتلين أو مستأسرين أو منتصرين، أفادت الآثاريين والعلماء في تكوين رأي في حروب تلك الأمم والآلات التي استعانت بها في قتالها. أما الجاهليون فلم يتركوا، ويا للأسف، إلا نزرًا يسيرًا من الآثار فيه صور حروب أو جنود أو معدات قتال، لهذا صار علمنا بالحروب عندهم مستمدًّا من تلك النصوص القليلة, ومن نصوص معدودة وردت في الآثار الآشورية أو البابلية وفيها إشارات إلى العرب. ومن موارد أعجمية مكتوبة تحدثت عن حروب وقعت مع العرب، ومن الموارد الإسلامية.
ولفظة "الحرب"، وتجمع على حروب، هي اللفظة الشائعة المعروفة عند الجاهليين للخروج لمحاربة العدو والاصطدام به، وترادفها لفظة "ضر" وتجمع على "اضرو" في اللهجات اليمانية١. وهناك لفظة أخرى هي "غزو" وتعني الخروج لمحاربة العدو٢. فهي في معنى الحرب والغزو. وترد في اللهجات العربية الجنوبية أيضًا٣. ويراد بـ"غزت" غزوات في عربيتنا، أي في حالة
стр. 3237
الجمع١. وبـ"غزوي" غزوتين اثنتين٢. وأما لفظة "هغرو" فتعني أغاروا على قوم، والغارة هي "هغر" في العربية الجنوبية٣.
وترد لفظة "حربت" "ح ر ب ت". بمعنى معركة، وحربًا واحدة في اللغة السبئية. وأما "حريب" فتعني الحروب والمعارك، أي جمع "حرب"٤.
وأما "حرب" فتعني المحاربة وحارب والحرب٥.
وتطلق لفظة "ضبا" في السبئية بمعنى الحرب، وبمعنى إعلان الحرب أيضًا. ووردت لفظة "ضبات"، بمعنى مقاتلين ومحاربين٦. وترد لفظة "تادم"، بمعنى الشروع في قتال والاستعداد لحرب٧.
ويقال للحرب: "ضرر" في اللحيانية. أما لفظة "الحرب"، فتعني السطو والسرقة، بالإضافة إلى معنى الحرب التي تعني الخصام والقتال٨.
ويعبر عن لفظة قاتل بلفظتي "سبا" و"جنب" في السبئية٩. وتؤدي لفظة "حرب" هذا المعنى أيضًا، إذ إنها تعني حارب١٠. و"جنب"، بمعنى قتال وتعارك وتحارب.
ويقال للحرب: "حرب" في اللهجة الصفوية، أي على نحو ما نجده في اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم.
ويعبر عن الحملة أو الغزوة بلفظة "برث" في السبئية١١. ويقال لها: "خرجت" أيضًا. ويراد بـ"خرجت" ثورة كذلك١٢. ويعبر عن الحملة والغزوة بلفظة
стр. 3238
"منشا" في بعض الأحيان١. ويعبر عنها بلفظة "مسبا" "مسبأ" كذلك٢. كما يقال: "مقرن" أيضًا٣.
والعرب تقول: الحرب غشوم؛ لأنها تنال غير الجاني٤. وتصيب أناسًا لا علاقة لهم بها ولا صلة، فهي لا تعرف التفريق بين الجاني ومن لا ذنب له٥.
وقد عرف علماء اللغة الجيش بأنه الجند، أو جماعة الناس في الحرب، والجمع جيوش٦. وقالوا الجيش: العسكر٧. فالمراد بالجيش إذن الجماعة المقاتلة التي تخرج للقتال. وترد لفظة "جيش" في العربيات الجنوبية كذلك. وتجمع على "اجيش" "أجيش" فيها، أي: في مقابل "جيوش" و"الجيوش" في عربيتنا٨.
ويذكر علماء اللغة أن الجيش واحد الجيوش، ويراد به جماعة الناس في الحرب ٩.
وترد لفظة "خمس" خميس" في العربيات الجنوبية بمعنى الجيش١٠. وترد في عربية القرآن الكريم كذلك. فقد ورد أن الخميس الجيش، أو الجيش الجرار، أو الجيش الخشن. وذكر بعض علماء اللغة أن العرب سمت الجيش خميسًا؛ لأنه مكون من خمس فرق: المقدم والقلب والميمنة والميسرة والساقة١١. وقالوا: بل سمي الجيش خميسًا؛ لأنه يخمس فيه الغنائم١٢. والظاهر أن الأصل في "الخميس" الجيش المنظم الكبير الذي يحارب بإمرة وبنظام. وتجمع لفظة "خمس" أي: "جيش".
стр. 3239
في العربية الجنوبية على "اخمس" أي: جيوش١.
ويعبر عن الجيش بلفظة أخرى هي: عسكر و"العسكر". وأما الموضع الذي يعسكر فيه فهو "المعسكر"٢.
ويطلق الجاهليون على الجيش الكثير الذي لا يسير إلا زحفًا من كثرته "الجرار" ويطلقون على الجيش العظيم "الجحفل"٣. ويقولون: "جيَّش الجيش" و"جيَّش فلان الجيوش" للتعبير عن التعبئة وتحضير المحاربين لقتال العدو٤.
وللعرب آداب وقواعد في الحرب، يطلبون من المحاربين اتباعها لكسب الحرب.
قيل لأكثم بن صيفي: صف لنا العمل في الحرب، قال: أقلوا الخلاف على أمرائكم، فلا جماعة لمن اختلف عليه. واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل، فتثبتوا، فإن أحزم الفريقين الركين، ورب عجلة تعقب ريثًا، وادرعوا الليل، فإنه أخفى للويل، وتحفظوا من البيات٥. وقال عتبة بن ربيعة يوم بدر لما رأى عسكر رسول الله، ﷺ : أما ترونهم خرسًا لا يتكلمون، يتلمظون تلمظ الحيات٦.
و"المعسكر" هو موضع تجمع العسكر وموضع نزولهم فيه. ويقال له: "حيرت" "حيرة" في السبئية٧.
وتقول العرب: إن الشجاعة وقاية والجبن مقتلة. واعتبر من ذلك أن من يقتل مُدبرًا أكثر ممن يقتل مقبلًا٨. وتقول أيضًا: الشجاع موقّى، والجبان مُلَقّى٩. فاستقبال الموت عندهم، خير من استدباره. ولم يكونوا يهتمون بالكثرة قدر اهتمامهم بالألفة بين المحاربين، وبالعمل يدًا واحدة وكأنهم بنية مرصوصة.
قيل لعنترة: كم كنتم يوم الفروق؟ قال: كنا مائة، لم نكثر فنتكل، ولم
стр. 3240
نقل فنذلّ١.
وللحرب عند الجاهليين أسباب عديدة، يدخل في ضمنها ضنك العيش في البادية مما يحمل القبائل على التناحر والتقاتل فيما بينها للحصول على الماء والكلأ، وهما عماد الحياة في البادية، أو الحصول على غنيمة٢. ويعبر عن هذه الحروب بـ"الغزو". والواحدة "غزو", وهي تعتمد على مبدأ المباغتة في
الغالب. أما الحروب، فإنها الحروب الكبيرة التي تقع بين دول وحكومات. كما أن الغارة، هي غزو مفاجئ يفاجئ به العدو عدوّه، ليأخذه على غرة، ولينتزع منه ما يجده عنده من مال.
وقد كانت القبائل تغير بعضها على بعض، ثم تتراجع حاملة ما حصلت عليه من غنائم وأسلاب، وقد ترجع، وهي مسلوبة مهزومة، في حالة تمكن من أريد إيقاع الغارة به من الدفاع عن نفسه، ومن تغلبه على المغير ورده خائبًا على الأعقاب.
وتكون الغارات في وجه الصبح في الغالب، حتى يؤخذ من يراد الإغارة عليه بغرة ويفاجأ بالغارة مفاجأة. وقد يقصد في الليل من غير أن يعلم، فيؤخذ بغتة، والاسم "البَيات". و"بيت القومَ والعدوَّ: أوقع بهم ليلًا"٣. وقد أشير إلى "البيات" في الحديث. فقد كان المسلمون يصيبون في البيات من ذراري المشركين، فسألوا الرسول حكمه فيهم. فكان حكمه: "هم منهم" و"هم من آبائهم"٤.
والغارة دفع الخيل على من يراد الإغارة عليهم. يقال: أغار على القوم غارة وإغارة، دفع عليهم الخيل. فتكون الغارة بالخيل في الأخص. ويقال: أغار إغارة الثعلب، إذا أسرع ودفع في عدوّه٥. فالغارة غير الغزو والحرب، تكون سريعة في الغالب، يعقبها رجوع سريع.
стр. 3241
ويعبر عن الغارة بلفظة "تادم" في العربيات الجنوبية، وتطلق على كل حملة عسكرية أيضًا١.
ولا تقتصر الغارات على غارات قطعات الجيش على العصاة والثوار. بل قد تقوم بها قبيلة على قبيلة، وقد يقوم بها أفراد، لأسباب مختلفة. وقد يقوم بها اللصوص والصعاليك، يغيرون على أحياء العرب وعلى السابلة للحصول على مغنم. وكان بعض أصحاب الغارات يمعنون في الغارة فيبتعدون عن منازلهم. ويعدّون "بُعد الغارة" نوعًا من أنواع الشجاعة والفروسية، لما تكتنف المغير من أخطار ومهالك. وكان "مروان بن زنباع"، ويقال له: "مروان القرظ" من "مشهوري أهل الجاهلية في بُعد الغارة"٢.
وكانت الغارات والغزوات من أهم وسائل الإعاشة والحصول على مغانم بالنسبة للقبائل النازلة على حدود الحضارة أو على مقربة منها, مثل: حدود العراق أو حدود بلاد الشأم. وتكثر الغارات في سني الجدب والقحط وانحباس المطر. فلا يبقى أمام تلك القبائل للبقاء على حياتها سوى النزوح إلى أماكن أخرى مخصبة معشبة، ويؤدي ذلك إلى التقاتل مع القبائل الأخرى النازلة في تلك الأرضين، أو مع قوات الحدود التي تحاول رد تلك القبائل خشية غزوها للحضر أو لمن يقيم وراء الحدود من أعراب. لذلك استعملت حكومات العراق وبلاد الشأم جملة وسائل لكبح جماح الأعراب الغزاة في جملتها حماية الحدود بـ"مسالح" بنيت في أطراف البوادي وفي نهايات الطرق التي توصل إلى الحضر، تضع بها قوات مقاتلة نظامية وغير نظامية من الأعراب أصحاب الإبل لمقاتلة الأعراب، وتقديم الأطعمة والميرة من المستودعات المقامة في "المسالح" و"القصور" إلى سادات القبائل لسد ما عندها من نقص في الطعام، وبإقامة إمارات عربية، تودع إليها أمور تأمين الأمن في البادية وحماية الحدود من غارات الأعراب.
стр. 3242
المحاربون:
والمحاربون على نوعين: أحرار وعبيد. ولذلك نجد بعض الكتابات العربية
стр. 3243
الجنوبية تشير إلى هذين النوعين من المقاتلين، مما يدل على كثرة عدد العبيد الذين يؤمرون بالقتال في ذلك الزمن. جاء في نص "كرب إيل وتر"الموسوم بـGlaser Ioooa" وجيش عبدان من أحرار ورقيق". وورد هذا التعبير في نصوص أخرى تعبيرًا عن وجود عدد كبير وربما أفواج من المقاتلين العبيد في جيوش ذلك الزمن.
والسخرة هي الطريقة الغالبة في التجنيد، فإذا وقع خطر، طلب الملك من الأقيال والرؤساء تسخير من يتمكنون تسخيره للقتال. ويبقى المسخر في الخدمة التي تنتهي الحرب. ولما كان المسخرون قد أجبروا على القتال إجبارًا، وهم من الطبقات الدنيا في الغالب، وليس لهم ما يقتاتون به، لذلك، كثرت حوادث التهرب من الجيش، والفرار منه في أثناء القتال. ووضع مثل هذا يؤثر على مصير الحرب بالطبع.
ويتولى الحرب والجيش أناس مدربون على أسلوب القتال, لهم خبرة بالحروب، أو سادات قوم عليهم واجب قيادة قومهم عند ظهور غزو أو خطر أو حرب، ويعرف مثل هؤلاء بقادة، والواحد "قائد"١.
وكان بعض قادة الجيش عند العرب الجنوببين يحملون درجة "مقتوي"، وهي منزلة خاصة في درجات القيادة العسكرية, وورد "مقتوي ملكن"، أي "مقتوى الملك" بمعنى "قائد الملك"٢. والظاهر أن هذه الدرجة كانت خاصة بمن يختارهم الملوك لقيادة الجيوش. فإذا اختار الملك شخصًا من الجيش أو من سادات القبائل أو من أصحاب الأرض لأمر يراه فيه، وعينه لقيادة الجيش، عبر عن مكانته هذه بـ"مقتوي" وبـ"مقتوى الملك". وقد عرف علماء اللغة هذه اللفظة، غير أنهم عبروا عنها بلفظة "مغالب". ولم يبينوا ما المراد من "مغالب"٣.
ويقال للضابط الذي يقود الجيش، أو قطعة منه: "أسود"، وذلك في اللغة السبئية٤.
وقد كان لطبقة قواد الجيش شأن كبير، وسلطان واسع، ويعرف القائد
стр. 3244
بـ"ق س د ن" "قسدن"، أي: "القاسد" أيضًا١. وقد ظل هذا الاستعمال معروفًا في العهد الحبشي كذلك. لوروده في نص "أبرهة". ولكن هذا لا يعني أن "القاسد" كان عسكريًّا محترفًا، مختصًّا بقيادة الجيش، فقد كان القواد من رؤساء العشائر ومن الوجهاء والكبراء يقودون أتباعهم في أثناء الحروب. أما في أثناء السلم. فيعودون إلى أعمالهم الاعتيادية، كإدارة الأرض أو القبيلة. ولهذا ففي استطاعتنا أن نقول: إن من بين قواد الجيش أناسًا لم يكونوا من المتخصصين بالقيادة وبشئون الحرب، وإنما هم قواد متطوعون وسادات قبائل تضطرهم مراكزهم إلى قيادة أتباعهم في أمثال هذه المناسبات.
وقد فهم بعض الباحثين أنها تعني المحاربين من النوعين: الأشراف والقادة من أصحاب الدرجات الرفيعة العالية، والمحاربين المحترفين للحرب، حتى صارت الجندية حرفة لهم، يعيشون منها. فهم طبقة عسكرية خاصة محترفة على نحو ما كان عند "البطالمة" بمصر وعند غير البطالمة من جيوش ودول٢. ولكن أكثر الباحثين يرون أن الـ"قسد" هم الطبقة الرفيعة من الأشراف وقادة الجيوش.
وعرف المكلف بإدارة موقع من المواقع العسكرية، والذي يتولى أمر إدارة حاميته بـ"امر"٣. أي: "آمر" "الآمر"، وربما الأمير. وعرف الضابط الذي يتولى قيادة جماعة من الجيش بـ"اسود"٤. وأما "قدم"، فإنه المقدم الذي يقود قطعة من الجيش٥. وربما قصد به من يتولى أمر قيادة مقدمة الجيش.
ويعبر بلفظة "قتدم" عن تأمير الـ"قدم" وتنصيبه في وظيفته٦. أي: آمرًا على قطعة الجيش. ويعبر عن التقدم للهجوم على العدو، أي: على الهدف المقصود من الحملة، بلفظة "تقدم"٧.
стр. 3245
وقد عرف القادة الذين قادوا ألف رجل فما فوق بـ"الجرّارين". ذكر "محمد بن حبيب السكري"، أن العرب لم تكن تسمى الرجل جرارًا، حتى يرأس ألفًا. ومن هؤلاء "المطلب بن عبد مناف بن قصي" قاد "بني عبد مناف" وأحلافها من الأحابيش يوم "ذات نكيف". و"بلعاء بن قيس الكناني" قاد "بني عبد مناة" يوم "ذات نكيف" ويوم المشلل ويوم الفجار. و"أبو سفيان: صخر بن حرب" قاد قريشًا وكنانة يوم أُحد ويوم الخندق. و"عامر بن الظرب العدواني" قاد ربيعة ومضر وقضاعة كلها يوم البيداء. و"مالك بن عوف النصري"، و"عوف بن عبد الله بن عامر بن جذيمة" و"ربيعة بن حذار الأسدي" و"زرارة بن عدس" التميمي، و"لقيط بن زرارة" و"الأقرع بن حابس"، و"النعمان بن مجاشع" الدارمي، و"النمر بن حمّان" السعدي، و"الأضبط بن قريع بن عوف" السعدي، و"محلم بن سويط الضبي"، وذكر أنه الرئيس الأول: أول من سار في أرض مضر برئاسته، وغزا العراق وبه كسرى، حتى بلغ العذيب١.
ومن بقية الجرارين في مضر: "قيس بن عاصم السعدي" و"زهير بن جذيمة العبسي" و"عمرو بن جؤية بن لوذان الفزاري" و"بدر بن عمرو" و"حذيفة بن بدر" و"عيينة بن حصن" و"خالد بن جعفر بن كلاب" و"الأحوص بن جعفر" العامري٢.
والجرارون من ربيعة: "ربيعة بن مرة بن الحارث بن زهير التغلبي"، وابنه "كليب وائل" و"الهذيل بن هبيرة" و"الحوفزان" وهو "الحارث بن شريك" و"بسطام بن قيس" و"الحارث بن وعلة الذهلي" و"أبجر بن جابر العجلي" و"قيس بن حسان بن عمرو بن مرثد" و"قتادة بن مسلمة الحنفي" و"أثال بن حجر بن النعمان بن مسلمة الحنفي" و"الهذيل بن عمران التغلبي"٣.
والجرارون من قضاعة: "ذياد بن هبولة"، "زياد بن هبولة"، و"داود اللثق بن هبالة"، و"زهير بن جناب"، و"رزاح بن ربيعة بن حرام"،
стр. 3246
وهو أخو "قصيّ بن كلاب" لأمه، و"عميرة بن أوس بن ثعلبة بن عوف بن كعب بن ذهل"، وكان يدعي الملك، و"الأشل بن عمرو"، و"الثعيل"١.
والجرّارون من اليمن: "كرز بن عبد الله بن عامر" من بجيلة، و"عبد يغوث بن وقّاص بن صلاءة الحارثي" من مذحج، و"الأشعث بن قيس الكندي"، و"شراحيل بن أصهب الجعفي"، و"يزيد بن أنس بن الديان الحارثي"، و"ذو الغصة الحارثي"، و"مخرم بن حزن بن يزيد الحارثي"، و"العباب الحارثي" و"حجر بن يزيد بن سلمة الكندي" و"قيس بن سلمة الكندي" و"الزوير: علقمة بن سلمة بن مالك الكندي"، و"حسان بن عمرو بن الجون الكندي"، و"معاوية بن شرحبيل بن أخضر الكندي"، و"حُديج بن جفنة بن قتيرة السكوني" و"هبيرة بن المكشوح بن عبد يغوث المرادي" و"فروة بن مسيك المرادي"٢.
وسار قادة الجيوش ومتولو إدارة المعارك على قاعدة "الحرب خدعة"٣. ومعناها خدع العدو وإيهامه للتغلب عليه. كأن يشيع قائد الجيش أنه سيسلك الطريق الفلاني، فيرسل بالفعل قوة صغيرة، وهو يضمر خطة أخرى، بأن يأمر القوة الكبرى بسلوك طريق آخر، فيفاجئ العدو وهو غير متأهب، أو يؤخذ على غرة وهو لا يدري باحتمال قدوم الجيش من هذا المكان.
ولما كانت "المباغتة" من أهم وسائل كسب الحرب والحصول على الربح، كان من أهم أسباب نجاحها التكتم والتستر ومعرفة قوة العدو ومواضع ضعفه، عمد الجاهليون إلى استخدام العيون للتجسس على العدو، يرسلونهم في صور شتى. في صورة تجار أو مسافرين أو على هيأة سرايا صغيرة تقتص آثار العدو, وتسأل من يرون من المسافرين عن علمهم بأحوال العدو. أو تقبض ربايا العدو ليحققوا معهم وليحصلوا منهم عن معلومات تفيدهم في إعداد خطة الحرب أو الغزو.
وفي ضوء هذه المعلومات يرتب القادة طريقة مباغتة العدو ومحاربته لإنزال الضربة القاصمة به.
стр. 3247
وإذا أحسن إنسان بوجود غارة، أو رأى قومًا يتقدمون لمفاجأة قومه بغارة، فعليه الإسراع لإبلاغ قومه بها قبل أن يفاجئهم العدو بغارته وهو على غير استعداد لها، وكان من عادتهم أن الرجل إذا رأى الغارة قد فاجأتهم وأراد إنذار قومه تجرد من ثيابه وأشار بها ليعلم أن قد فاجأهم أمر. ويقال لذلك الرجل: "النذير العريان"، ثم صار مثلًا لكل أمر يخاف من مفاجأته١.
ويقال للشخص الذي ينذر قومه بدنو عدو منهم، ويزحف مغيرًا عليهم: "الصريخ"٢. يسرع "الصريخ" إلى قومه قدر إمكانه ليبلغهم بخبر ذلك العدو قبل مباغتته لهم. ونظرًا إلى ما للصريخ من أهمية بالنسبة إلى نتائج الغزو، يتخذ المغيرون كل وسائل الحذر والتكتم والبحث عن النذر والصريخين لكيلا يفلتوا منهم فيذهبوا إلى قومهم وهم هدف الغزو أو إلى غيرهم ممن قصدوا بالغزو فيحذرونهم منهم، ويكونوا عندئذ في حالة تأهب واستعداد لمقابلة المغيرين، أو لمباغتتهم بهجوم معاكس عليهم، أو بنصب كمائن لهم قد تلحق أذى بهم، وقد تؤدي إلى عكس ما قصد من ذلك الغزو.
ويعبر عن المباغتة والمفاجأة وأخذ العدو على حين غرة بحيث لا يشعر إلا والعدو يهاجمه بلفظة "بحض" في السبئية٣.
ويُقال لمن ينذر قومه بقرب وقوع غزو وبدنو عدوّ منهم: "القاصد". و"القاصد"، هو من يقصد أحدًا طلبًا لحاجة، أو تسهيلًا لأمر، أو لإجراء وساطة.
وكانوا إذا أرادوا حربًا، وتوقعوا جيشًا عظيمًا، وأرادوا الاجتماع أوقدوا ليلًا على جبل أو أي مرتفع من الأرض نارًا، ليبلغ الخبر أصحابهم. وإذا جدوا في جمع عشائرهم إليهم أوقدوا نارين. وقد عرفت هذه النار بنار الحرب٤.
وقد استعانت الحكومات بحماية حدودها بوضع قوات عسكرية في المواضع العسكرية الخطيرة التي تكون لها أهمية كبيرة من الوجهة "السوقية" في تعبئة الجيش للحرب وعرفت مثل هذه المواضع بـ"المناظر". وهي مواضع تقيم بها حاميات تراقب
стр. 3248
منها حركات الأعداء وتحركات الأعراب. وتكون الحاجز الأول الذي يمنع العدو من التقدم.
ونحن لا نكاد نعلم شيئًا عن أسس تنظيم الجيش في الحكومات الجاهلية، لعدم ورود نصوص واضحة في ذلك. ولصلة ملوك الحيرة بالفرس ولصلة ملوك الغساسنة بالروم، لا أستبعد تدريب الفرس لجيش الحيرة وتقسيمه وإعداده وَفْقَ نظم الجيوش الفارسية وأساليبها على القتال، وتدريب الروم لجيش الغساسنة، وَفْق أنظمتهم وقوانينهم العسكرية. وقد ذكر أهل الأخبار أن النعمان بن المنذر، ملك خمس كتائب، يحارب بها، هي: "الوضائع" وقوامها قوم من الفرس كان كسرى يضعهم عنده عُدة ومددًا، فيقيمون سنة عند الملك من ملوك لخم. فإذا كان في رأس الحول ردهم إلى أهلهم، وبعث بمثلهم. وكتيبة يقال لها: "الشهباء" وهي أهل بيت الملك، وكانوا بيض الوجوه، يسمون الأشاهب، وكتيبة ثالثة، يقال لها: "الصنائع"، وهم صنائع الملك، أكثرهم من بكر بن وائل. وكتيبة رابعة، يقال لها: "الرهائن"، وهم قوم كان يأخذها من كل قبيلة، فيكونون رهنًا عنده، ثم يوضع مكانهم مثلهم. والخامسة "دوسر"، وهي كتيبة ثقيلة تجمع فرسانًا وشجعانًا من كل قبيلة١.
ويظهر من بعض تفاسير علماء اللغة للفظة "الوضائع"، أن "الوضيعة" جماعة من الجند تجعل في كورة لا يغزون منها٢، أي: حامية. وأما الصنائع، فطوائف من الناس يصطنعهم الملك، ويكونون عونًا له وجندًا يحارب بهم. فهم من المرتزقة. وقد تستعين القبائل بطوائف من قبائل أخرى للقتال معها٣. وقد استعان "سلمة بن الحارث بن عمرو المقصور" بـ"بني تغلب" و"النمر بن قاسط" و"سعد بن زيد مناة" وبـ"الصنائع" على أخيه "شرحبيل" وذلك يوم "الكلاب" الأول٤.
وقد أشار "الزبيدي" إلى كتيبة دعاها "الملحاء"، قال عنها: "والملحاء": كتيبة كانت لآل المنذر من ملوك الشأم، وهما كتيبتان، إحداهما هذه والثانية
стр. 3249
الشهباء. قال عمرو بن شأس الأسدي:
يفلقن رأس الكوكب الضخم بعدما ... تدور رحى الملحاء في الأمر ذي البزل١
وقد أخطأ "الزبيدي" في جعل "آل المنذر" من ملوك الشأم. وقصد بـ"الملحاء" "الدوسر". بدليل قوله في موضع آخر: "والدوسر: اسم كتيبة للنعمان بن المنذر ملك العرب"٢. وقد تعرض في مكان آخر من كتابه إلى كتيبة الشهباء فقال: "والأشاهب بنو المنذر لجمالهم. قال الأعشى:
وبنو المنذر الأشاهب بالحيـ ... ـرة يمشون غدوة بالسيوف
قلت: وهم إحدى كتائب النعمان بن المنذر. وهم بنو عمه وإخوانه وأخواتهم.
سموا بذلك لبياض وجوههم"٣.
ويظهر من شعر للمثقب العبدي، قاله يمدح عمر بن هند:
ضربت دوسر فيه ضربة ... أثبتت أولاد ملك فاستقر٤
إن هذه الكتيبة كانت موجودة في أيام الملك "عمرو بن هند". وذكر بعض علماء اللغة أن "دوسر: اسم كتيبة كانت للنعمان بن المنذر، وأنشد للمثقب العبدي يمدح عمرو بن هند. وكان نصرهم على كتيبة النعمان"٥. ولا بد وأن يكون في هذه الكلمات خطأ أو نقص: إذ لا يعقل أن يكون "عمرو بن هند" قد حكم أيام "النعمان بن المنذر". وقد يكون قصد أحد ملوك الغساسنة، أو أن الأخباريين أقحموا اسم الملكين خطأ في هذا الشرح.
والكتيبة عشر "اللجيون" عند الرومان. ولذلك كان عددها يختلف حسب اختلاف عدد اللجيون. وعلى الأغلب كانت ما بين "٤٠٠" إلى "٦٠٠"
стр. 3250
جندي١. وقد كان عدد اللجيون"٦" آلاف جندي في أيام الإمبراطورية، من الفرسان وبقية الأصناف المساندة. ويقسم "اللجيون" المكوّن من الفرسان إلى عشر كتائب، عدد كل كتيبة من "٦٠٠" فارس. تعرف بـCoforts وتقسم كل كتيبة Cohort إلى عشرة أقسام٢. ويسير النظام العسكري عند الرومان وفقًا للطريقة العشرية في تكون الجيش. وقد يتألف "اللجيون" من "٧٠٠٠" جندي، "٦٢٠٠" منهم من المشاة و"٧٣٠" من الفرسان ومن بقية التبع٣.
وحكومات اليمن والحيرة والغساسنة، تكاد تكون الحكومات الوحيدة التي ملكت جيوشًا مدربة نظامية، أي: جيوشًا مستعدة في كل وقت للدخول في الحروب. فلكل حكومة من هذه الحكومات كتائب مدربة في استطاعتها القتال. وهي كتائب من الفرسان وكتائب من المشاة، ولها رؤساء يشرفون على تدريبها وتسييرها وقت القتال. وهي بإشراف ضباط يتولون قيادتها بأمر من الملوك.
أما أهل القرى والمدن، فكان لهم قوادهم وحملة رايتهم في الحرب، غير أننا لم نسمع بوجود جيش نظامي مدرب عندهم، ولم نسمع بوجود كتائب مقاتلة، مستعدة للقتال أو للدفاع حين صدور الأمر إليها. بل كلّ ما وجدناه في كتب أهل الأخبار أن أسرًا معروفة عهد إليها بحماية الراية، والمحافظة عليها، فإذا وقع خطر، أخرج حفظتها تلك الراية ليرفعوها في القتال فتكون عندئذ شعارًا لهم وروحًا معنوية ذات أهمية، فإذا سقط حاملها أخذها غيره وهكذا كانوا يتناوبون في حملها. وسقوط الراية له أثر كبير في معنوية المحاربين.
ويظهر من دراسة ما أورده علماء اللغة والأخبار عن تشكيلات الجيش عند بقية الجاهليين، أن الجاهليين لم يكونوا يسيرون على نظام معين في تكوين الجيش وفي عدد وحداته، بل كانوا يتركون أمر ذلك إلى الظروف وإلى رأي القادة الذين توكل إليهم أمور إدارة المعارك. وذلك لأنهم لم يكونوا يملكون جيوشًا نظامية ثابتة, فقد كانت القبائل تقاتل حين تدعى إلى القتال أو حين يقع غزو عليها، فيهب كل فرد منها للدفاع عن قبيلته، أو في المساهمة في الغزو، يشترك في ذلك النساء والصغار أيضًا، ولا سيما في حالات الدفاع عن النفس. حتى المدن
стр. 3251
والقرى لم يكن لها جيش ثابت، ولا قادة يدربون المقاتلين على أساليب القتال، ولا وحدات ثابتة تقيم في ثكنات ومعسكرات، بل كان شأنها شأن القبائل، إذا هوجمت، هب أفرادها رجالًا ونساء كهولًا وصغارًا في الدفاع عن مدينتهم، يقوم كل واحد منهم بدوره حسب طاقته وقدرته. وكذلك كان الحال في حالات الهجوم، أي: حين تهاجم المدينة عدوًّا لها، يشترك في هجومها كل متمكن من القتال، قيامًا بواجبه الأدبي المفروض عليه. وليس لهذا الجيش المحارب تدريب عسكري سابق، ولا وحدات معينة، إنما تكون إمرة سوقه وتسيره بأيدي الشجعان الأذكياء. ومن سبق له أن برز في قتال سابق، وأبرز مكانه فيه.
وحتى في أيام الرسول لم يكن للمسلمين جيش ثابت منظم، له وحدات على شكل فرق وكتائب وأفواج وسرايا، وثكنات ومعسكرات، وضباط، يعرف كل ضابط منهم وحدته وعدد جنوده. إنما كان المسلمون كلهم جنودًا، إذا دعاهم الرسول إلى القتال لبوا نداءه. وقد يكون فيهم الكهل والشاب والتاجر والمزارع ومن لا عمل له. الفارس بفرسه، والراكب على جمله، والراجل ماشيًا، كل يحارب في سبيل الله. والرسول هو القائد الأعلى، وهو الذي يعين الأهداف والخطط، وهو الذي يختار القادة ومسيري المعركة إذ لا قادة ثابتون. وكان يستشير ذوي الرأي والخبرة في المواضع التي يقصدها في إدارة الحرب مع العدو. وإذا كانت المعركة معركة مبارزة، نظر الرسول إلى من معه، واختار منهم من يصلح للمبارزة. وكان إذا أراد إرسال سراياه، اختار للسرية رجلًا من أصحابه فأمره عليها. وأرسل معه من يختارهم ليكونوا له جنودًا. ولم يكن عدد أفراد السرية ثابتًا، بل كان مختلفًا. ويتوقف العدد على حسب تقدير الرسول للموقف.
ويظهر من الشعر الجاهلي أن الأعراب كانوا يهابون من الالتحام بالجيوش النظامية، لعدم قدرتهم وكفاءتهم في مقابلتها، لما لها من تنظيم وتدريب وسلاح. وقد تركت "الدوسر" و"الشهباء" أثرًا في ذاكرتهم، نجده في شعرهم، مع أن الكتيبتين لم تكونا على مستوى عال من التدريب والتسليح. وقد كانوا يخشون من الالتحام بالجيوش الآشورية والبابلية والرومية، لتفوق تلك الجيوش عليهم، فإذا تعقبتهم هربوا إلى البادية، حيث يجدون لهم عندئذ المأوى الصالح الأمين المناسب لهم، للوقوف أمام الجيش النظامي. ويكون وقوفهم أمامه على هيئة كرّ
стр. 3252
وفرّ، وهجوم من جوانب مختلفة، فإن وجدوا جلدًا من ذلك الجيش وقوة ضاربة، هربوا إلى قلب البادية.
ويظهر مما ذكره "سترابو" عن الجيوش العربية الجنوبية، أنها لم تكن مدربة على القتال، ولم تكن مجهزة بأسلحة حسنة حديثة بالنسبة إلى أسلحة الرومان في ذلك الوقت. ولم تكن منظمة ومقسمة إلى وحدات محاربة يسير أمورها ويوجهها في القتال ضباط لهم خبرة وعلم بأساليب القتال. ولهذا تقدم الجيش الروماني بكل سهولة نحو اليمن، دون أن يجد أمامه مقاومة تذكر، مع أن جيشهم لم يكن من الجيوش الحسنة التنظيم، المدربة تدريبًا حسنًا، لمقاومة الجيوش النظامية١.
ونجد في تغلُّب "الحبش" ودخولهم العربية الجنوبية وتحكمهم بها مرارًا، ما يؤيد أن العربية الجنوبية لم تكن تملك جيشًا منظمًا مدربًا على مقاتلة الجيوش النظامية، وإنما كانت تملك "عساكر" تعرف قتال الأعراب وأهل القرى، بأسلحة لم تحاول الحكومات تحسينها وتجديدها وفقًا لتطور السلاح في العالم، مع العلم أن الحبش أنفسهم لم يكونوا أصحاب جيوش منظمة ولا مدربة تدريبًا حسنًا، ولا مزودة بأسلحة جيدة حديثة على طراز أسلحة اليونان والرومان والفرس. وقد تحكموا مع ذلك في اليمن حتى جاءهم الفرس، فأخرجوهم منها قبيل الإسلام، مع أن الذين أخرجوهم كانوا من قطاع الطرق ومن المتصعلكة، وقد جاءوهم بسفن قديمة، ولم يكونوا من المحاربين النظاميين المدربين على القتال.
ويظهر أن حكام العربية الجنوبية، كانوا يعتنون بجمع العساكر وتكوين الجيوش للقضاء على خصومهم، ولكنهم لم يحفلوا بأمر تنظيم الجيش وتدريبه وتجديده وتحسين سلاحه. مع أن أمر التنظيم والتدريب والتسليح وكيفية استخدام الجندي لسلاحه، من أهم أمور التغلب في الحروب والانتصار على الأعداء. ولهذا كانوا يتغلبون على خصومهم في العربية الجنوبية وعلى القبائل؛ لأنهم دونهم بكثير في المستوى وفي الإمكانيات. ولما كانت حروبهم حروبًا داخلية، لم تتجاوز حدود جزيرة العرب، وإذا تجاوزتها، كان اتجاهها سواحل إفريقية، وهي بلاد غير متقدمة ولا تملك جيوشًا نظامية مدربة، لذلك لم يحفل أولئك الحكام بأمر الانفاق على الجيش لتنظيمه وتدريبه وتحسين سلاحه ومستواه ووضعه في ثكنات صحية وتجهيزه
стр. 3253
بالعربات وبالخيل، لتعطي السرعة للجيش في القتال والحماية اللازمة للمشاة. وبقوا يسيرون على الطريقة التقليدية التي أملتها طبيعة أرضهم عليهم من الاعتماد على عساكر "أسد" الملك وعلى عساكر الإقطاعيين وعلى المرتزقة وعلى الحشور الذين يجمعون جمعًا عند وقوع حرب.
ولم يعتنِ العرب الجنوبيون بتحسين السفن وتجديدها وتحصينها للمحافظة بها على سواحلهم الطويلة. فلما ظهر الرومان والبيزنطيون في البحر الأحمر، ولم يتمكنوا من الوقوف أمامهم. فانتزعوا منهم السيادة على هذا البحر بسهولة، واتصلوا بالسواحل الإفريقية وبلغوا "سيلان" وسواحل الهند. وفقد العرب ما كان لهم من ممتلكات في السواحل الإفريقية المقابلة. بل صارت سواحلهم عرضة لهجمات سكان تلك السواحل، ولتدخل الحبش مرارًا في بلادهم. مع أن الحبش أنفسهم لم يكونوا أصحاب سفن جيدة كبيرة، ولا أسطول قوي، حتى إن الروم ساعدوهم بأسطولهم في نقل قواتهم لاحتلال اليمن. ولم يرد في روايات أهل الأخبار ولا في أخبار الموارد اليونانية ما يفيد بتصدي السفن العربية الجنوبية للمغيرين الأحباش، ولا بوقوع أية معركة بحرية بين العرب والحبش أو غيرهم في البحر. ويدل نزول الحبش على السواحل العربية بيسر وسهولة على عدم وجود تحصينات بحرية على السواحل، وعلى ضعف الجيش في ذلك العهد.
ولطبيعة بلاد العرب أثر كبير بالطبع في ظهور هذا التخلف الملحوظ في بناء القوة العسكرية. فمعظم أرض جزيرة العرب أرضون سهلة منبسطة لا يجد فيها أصحابها مواضع طبيعية يتحصنون بها في حالتي الدفاع والهجوم. لذلك صار القتال فيها وجهًا لوجه، والتغلب فيه للمحارب الذي يملك وسائل الحرب السريعة من إبل وخيل وعدة. ثم إن الفقر العام الذي ساد جزيرة العرب آنذاك وفقرها من ناحية الموارد الطبيعية وتغلُّب الجفاف والحرارة عليها، جعلت العرب كتلًا، أي: شعوبًا وقبائل، مشتتة مبعثرة، تعيش حول ما تجده من ماء ومن مورد رزق، وكأنها أمم متباينة، لضيق أفق المعيشة فيها، ولتقاتلها فيما بينها على الماء وموارد الرزق الشحيحة. وأوضاع مثل هذه لا تساعد على التجمع وعلى تكوين دولة قوية كبيرة، تجمع جيشًا قويًّا مدربًا ذا عدة وعدد، يستطيع الصمود أمام الجيوش النظامية المدربة التي تملكها الحكومات الغنية مثل: حكومات البيزنطيين والفرس، التي غذت جيوشها بالمال وبالجنود المحترفين المدربين على القتال وبالضبط
стр. 3254
المتخصصين بشئون الحرب وبالعدد والعدة المتطورة وبالمال. ولهذا لم تتمكن "عساكر" الجاهليين من الوقوف أمام الجيوش النظامية، لتفوُّق هذه الجيوش عليها في التنظيم وفي التدريب وفي السلاح وفي كيفية استعمال الأسلحة, واستغلال المواقف وتطبيق العلم على الأرض التي يقع فيها القتال، وفي التغذية والعناية بأحوال الجندي. ولهذا تحاشت الاشتباك مع الجيوش النظامية في خارج حدود بلادها، وجمّدت قتالها وحصرته في الغزو وفي القتال الداخلي، أي: في قتال العرب بعضهم بعضًا، وهو قتال لم يستوجب تطوير الأسلحة وتحسينها، كما يستوجبه قتال الجيوش النظامية الكبيرة، وقد اعتمد على شجاعة الفرد، وعلى الحماس وعلى ذكاء السادة في الاستفادة من المواقف ومن توجيه فرسان الحرب.
أما المقاتلون فهم متطوعون، تطوعوا للقتال للدفاع عن مواطنهم، ومجبرون، عليهم الخروج للقتال؛ لأنهم تبع، وقد أمروا به أمرًا، ومن هؤلاء الرقيق. ولما كان القتال بسيطًا لذلك كان واجب المقاتل متوقفًا على قابليته العقلية والجسمية. ولا نجد في كتب أهل الأخبار ما يفيد بوجود تدريب للفريقين أثناء السلم ولا في أثناء الحرب. بل يدخل المحارب الحرب كما يدخل المتشاجرون أي شجار، وهناك يستعمل ذكاءه في اختيار الدور الذي يناسبه، فقد يظهر مهارة وحنكة وشجاعة فيرتفع اسمه بين قومه، وقد يقوم بدور المشجع بالكلام، وقد يقوم بأدوار بسيطة ساذجة. فإذا انتهى القتال عاد الناس إلى حياتهم الأولى، عادوا إلى بيوتهم وهي ثكناتهم الوحيدة التي جاءوا منها.
وترد لفظة "كتيبة" والجمع "كتائب" في الشعر الجاهلي، تعبيرًا عن تنظيم وتكتل في صفوف الجيش، فقد ورد أن "حجر بن أم قطام" قاد كتيبة "فارسية" على رواية، أو أنه كان نظم كتيبة مسلحة بأسلحة من دروع وبيض من صنع الفرس١. ووردت أخبار أخرى تتحدث عن وجود كتائب عند سادات قبائل قوية, دلالة على أخذ القبائل القوية بنظام تكتيل الجيش وتصنيفه وتقسيمه إلى كتائب في القتال لتلقي الرعب في نفوس الأعداء، ولا سيما في نفوس الأعراب الذين لم تساعدهم ظروفهم على إنشاء مثل هذه التنظيمات العسكرية.
ويعبر عن "الكتائب" بلفظ "المقانب" أيضًا٢. وإذا كان الجيش ما بين
стр. 3255
الثلاثين إلى الأربعين أو قدر أربعين رجلًا أو خمسين، قيل له "المنسر"١.
ويذكر علماء اللغة أن الكتيبة إنما سميت كتيبة، لاجتماعها وانضمام بعضها إلى بعض٢، فهي إذن كتلة كبيرة من الجيش. وعرفوها بأنها القطعة العظيمة من الجيش، والجمع: كتائب. وعرف بعض علماء اللغة الكتيبة بأنها جماعة الخيل إذا أغارت مكونة من المائة إلى الألف٣.
وعرفت الكتيبة بـ"جأواء" كذلك. وقيل: الجأواء كتيبة كثيرة الدروع. وذكر بعض علماء اللغة أن المنسر ما بين ثلاثين فارسًا إلى أربعين٤. بينما جعله بعض آخر، ما زاد على خمسمائة حتى يبلغ الثمانمائة، فيكون حبشيًّا٥.
ويظهر من تفاسير علماء اللغة للفظة "المقنب"؛ أن المقنب تكون في الخيل خاصة. قالوا: "والمقنب من الخيل جماعة منه ومن الفرسان، وقيل: ما بين الثلاثين إلى الأربعين أو زهاء ثلاثمائة ... وقيل: دون المائة". وورد: المقنب جماعة من الخيل تجتمع للغارة. قال لبيد:
وإذا تواكلت المقانب لم يزل ... بالثغر منا منسر معلوم٦
والسرية في تعريف علماء اللغة قطعة من الجيش، تسري في خفية ليلًا، لئلا ينذر بهم العدو فيحذروا. وهي من خمس أنفس إلى ثلاثمائة. أو يبلغ أقصاها أربعمائة. وقيل: هي من مائة إلى خمسمائة. فما زاد فمنسر. فإن زاد على ثمانمائة فجيش، فإن زاد على آربعة آلاف فجيش جرّار، وإن كانت من الخيل، فتكون نحوًا من أربعمائة. وقيل: سمّوا سريّة؛ لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري، وهو النفيس٧.
وقد اختلف في عدد رجال "الحضيرة". فقيل: الحضيرة الأربعة والخمسة
стр. 3256
يغزون. وقيل: السبعة والثمانية. وقيل: العشرة فمن دونهم١. وذكر أن "الحضيرة" مقدمة الجيش٢.
وأما "النفيضة"، فالجماعة يبعثون ليكشفوا هل ثمَّ عدو أو خوف. وذكر أن "النفيضة" الذين يتقدمون الخيل، وهم الطلائع٣.
وتؤدي لفظة "مصر" معنى القطعة من الجيش، والحملة وذلك في السبئية٤.
ويقال لقائد الكتيبة: "كبش الكتيبة". وكبش القوم رئيسهم وسيدهم. فهو سيد الكتيبة وقائدها٥.
ويعبر عن المحارب والمقاتل بلفظة "جندي" وبـ"اسد" "أسد" في العربيات الجنوبية والجمع "اسدم" أي: جنود٦. وقد يكون الجندي حرًّا وقد يكون عبدًا أي: رقيقًا ومولى، وقد وردت جملة "اسد املكن" أي "أسود الملوك" بمعنى "جنود الملك" و"عسكر الملوك"٧، وذلك تمييزًا لهم عن الجنود الآخرين الذين كان يجندهم الأقيال والأذواء وسادات القبائل.
ويقصد بـ"اسد" أي: جندي، الجندي النظامي, أي: المحارب الذي اتخذ الجندية عملًا له. ولهذا نجد النصوص لا تستعملها إلا في هذا المعنى، وذلك للتمييز بينه وبين المحاربين الآخرين المتطوعين أو المكرهين على الدخول في القتال أو المؤجرين أو المحاربين من أهل القبائل أو من أهل المدن الذين يهبّون للقتال عند دنو خطر على أهلهم أو قراهم. وتكون إعاشة هؤلاء الجنود على من يأمرهم بالخدمة في جيشه بالطبع. من ملك أو مكرب أو مدينة أو قرية أو سيد أرض.
وأما إذا كان المحارب رقيقًا كائنًا ما كان جنسه أو لونه، وأشرك في القتال، فيعبر عنه بـ"ادومت" "ادمت"، أي: "ادم" و"أوادم"، بمعنى الخدم
стр. 3257
المملوكين. فلسيد القبيلة ولكبار أصحاب الأرض والملاكين والأغنياء "أدم" أي: خدم، يخدمونهم ويقاتلون عنهم في الغزو وفي الحرب وفي الدفاع عن النفس١.
ولم يكن هؤلاء "الأدم" من العسكريين المحترفين٢.
وأما إذا كان المحارب أجيرًا يؤجر نفسه لمن هو فوقه لخدمته أو للقتال عنه، فإذا وقع قتال طلب منه الدخول فيه، للقتال في سبيل صاحبه قيل له: "اجر" أي: "أجير" والجمع "اجر" و"اجرم"، أي: أجراء٣.
وليس لدينا أخبار عن معامل تعمل فيها "الشكة"، أي: السلاح كله للحكومات أو للقبائل في الجاهلية٤. غير أني لا أستبعد وجودها في اليمن. فقد كانت حكومات اليمن. حكومات منظمة تُعْنَى بمثل هذه الأمور التي هي من ضرورات الدولة. أما القبائل، فقد كان المحاربون فيها هم الذين يجهزون أنفسهم بالسلاح. وقد يكون ذلك السلاح عصيًّا يقاتلون بها، وقد لا يكون لدى المحارب أي شيء منه سوى الحجارة التي يجدها أمامه، فيتراشق بها مع الأعداء. أما سادات القبائل والأغنياء، فقد كانوا يشترون أسلحتهم ويخزنونها إلى وقت الحاجة. فإذا ظهرت وزعوها في أولادهم وخدامهم ومواليهم للقتال.
وإذا عزمت قبيلة على غزو قبيلة أخرى وجب على كل بالغ سليم الغزو معها، كما أن على كل فرد من القبيلة المهاجمة أن يقوم بواجبه في الدفاع عنها، وهذا واجب كل رجل في القرى والمدن أيضًا. فقد كان على رجال كل قرية أو مدينة الدفاع عن أنفسهم، ورد غزوات الغازين. لاستقلال كل قرية أو مدينة في أمورها وشئونها، ووقوع كاهل الدفاع عن نفسها على عاتقها. وعلى كل مواطن لذلك، بدوي أو حضري أن يهيئ نفسه في أيام الحروب والغزوات للدفاع عن نفسه وعن مواطنيه، وأن يقوم بعمل الجندي في هذه الأيام.
وقد يقعد بعض الرجال من الأغنياء، أو من المسنين عن المساهمة في الحرب أو الغزو، فيدفعون جعلًا في مقابل ذلك لرجال يحاربون عنهم، فيكون الجعل لهم، ويكون ما قد يقع في أيديهم من غنائم لهم أيضًا. وقد يتفق على ذلك
стр. 3258
بأن يجعل المقيم للغازي شيئًا. وقد كرهت الجعائل في الإسلام١. وفي الحديث أنها سحت. وهي ما تجعل للغازي إذا غزا عنك بجعائل. قال سليك بن شقيق الأسدي:
فأعطيتُ الجِعالة مستميتًا ... خفيفَ الحاذِ من فِتْيانِ جَرْم٢
وإذا قامت قبيلة بغزو قبيلة ما، قام رجالها من ذوي الرأي والمعرفة بالمعارك بإعداد خطط غزو العدو ومهاجمته ومباغتته وترؤسه, وعلى شجعانها قيادة الغازين المحاربين. أما القبيلة التي تتعرض للغزو. فيقوم ذوو الرأي والخبرة العسكرية فيها بإعداد الخطط للدفاع عن نفسها، ورد الاعتداء عنها. وفي حالة الأحلاف يعد ذوو الرأي والخبرة العسكرية في الحلف خطط الهجوم أو الدفاع، ويشترك الحلف في إعداد المحاربين وقيادتهم.
والغالب أن الذي يقوم بقيادة المحاربين وتوجيههم في المعارك هم من أسر توارثت ذلك، وصارت القيادة وكأنها حق لها. فإذا وقع غزو، أو أرادت قبيلة ما غزو قبيلة أخرى، نهض رجال الرأي في الحرب بإعداد الخطة والتشاور في الرأي لكسب المعركة. وقد كانت قريش قد وكلت أمر حربها وقيادة محاربيها إلى "آل حرب". ولكن ذلك لا يعني عدم تغيير القادة وإبدالهم، وتعيين قادة جدد من أسر أخرى، فقد كانوا يفعلون ذلك أيضًا عند الضرورات.
ولم تكن قوات القبائل في مستوى القوات النظامية من حيث التسليح والقابلية في القتال. فأسلحة رجال القبائل بسيطة وبدائية في الغالب لفقرها وعوزها, وهي غير منتظمة ولا مدربة على القتال تدريبًا فنيًّا، وإنما يقوم فنها على الإغارة والمباغتة، فإذا وجدت مقاومة ما فرت وولت؛ لأنها لا تتحمل المقاومة والوقوف في وجه العدو مدة طويلة، ولا تستطيع الصبر على ذلك. وهي من هذه الناحية قادرة على إلحاق الأذى بالقوات النظامية في حروب الصحارى، فتقوم بمباغتة العدو وأخذه بالمفاجأة، فإذا وجدت مقاومة منه أو أخذت ما كانت تصبو إليه من غنيمة، عادت مسرعة إلى معقلها، لتحتمي به، ولتوزع ما غنمته وفق العادة والعرف.
стр. 3259
والغزو مصدر مهم من مصادر الإعاشة بالنسبة إلى الأعراب، يلجئون إليه في أيام الشدة والمحنة لغناء أهل القرى والمدن بالنسبة إلى أهل البادية، صارت هذه المواضع هدفًا مقصودًا للأعراب، ومصدرًا من مصادر الرزق عندهم، ولا سيما المواضع الواقعة على حدود الأرضين الغنية الخصبة، كالعراق وبلاد الشأم، وقد أدركت الدول الحاكمة في العراق وفي بلاد الشأم هذه الحاجة، فاستغلتها، فأخذ الروم يشترون رؤساء القبائل، يدفعون لهم رشاوى وهدايا ومنحًا ومرتبات لحماية حدودهم من تحرش رجالهم بها, ولمهاجمة حدود أعدائهم الفرس، ولمقاومة القبائل التي يرسلها الساسانيون لمهاجمة بلاد الشأم.
وفعل الفرس مثل ذلك، فدفعوا المنح والمرتبات والهدايا لرؤساء قبائلهم، ودفعوهم على مهاجمة حدود بلاد الشأم. وقد اضطرت القرى والمدن في جزيرة العرب إلى مهادنة القبائل القوية النازلة بقربها، وإلى محالفتها بدفع إتاوات لها في مقابل عدم التحرش بها وحمايتها من تحرش القبائل الأخرى الطامعة بها، وفي مقابل مرور قوافلها في أرضها. وبذلك أمنت على سلامتها وعلى أموالها بعقد هذه العهود والمواثيق.
ولضرورة الدفاع عن النفس، وللوقوف أمام طمع القبائل القوية في القبائل الضعيفة، اضطرت أكثر القبائل إلى التحالف والتكتل لمنع الغزو فيما بينها، وإلى مقاومة أي غزو يقع عليها، وقد أطلق العرب على كل قبيلة تحارب وحدها دون محالفة قبيلة أخرى "الجمرة". وذكر أن "الجمرة"، هي القبيلة التي لا يقل عدد فرسانها عن ثلاثمائة فارس، وهو عدد يدل على قوة القبيلة وشدة البأس.
وذكر الأخباريون أن "جمرات العرب" ثلاث: بنو ضبة بن أد، وبنو نمير بن عامر، وبنو الحارث بن كعب. فطفئت جمرتان، وبقيت جمرة واحدة, طفئت بنو ضبة؛ لأنها حالفت الرباب, وطفئت بنو الحارث؛ لأنها حالفت مذحج، وبقيت نمرح لأنها لم تحالف١.
والغالب على أسلوب القتال عند الجاهليين: الكرّ والفرّ، وذلك بأن يهاجم المحاربون عدوهم ثم يتراجعون بسرعة وكأنهم قد فروا خوفًا منه، ثم يعودون
стр. 3260
فيكرون عليه. يضعون مكانًا يكون مركز ثقلهم والملجأ لهم، يلتجئون إليه، ثم ينطلقون منه للكر على العدو، وقد اتبعوا أيضًا أسلوب القتال صفوفًا، بأن يقف المحاربون صفوفًا، يحاربون دون كر ولا فر١.
ولا بد للمحارب من أسلحة يحارب بها ويدافع بها عن نفسه. ويستعمل العرب لفظة سلاح وعدة المحارب في مقابل Arms = Armour في الإنجليزية و"ملديم" Malddim و"كليم" Kelim و"حليضه" Hallizah في العبرانية٢. ويراد بها كل ما يستعمله ويحمله الجندي من وسائل الحرب من هجوم ودفاع.
والسيف هو السلاح الرئيسي في القتال. استعمل في الهجوم وفي الدفاع عن النفس. ويطلق العبرانيون عليه وعلى الخنجر لفظة "خ ر ب" "خريب"٣. وقد يكون السيف قصيرًا أيضًا. وهو ذو حد واحد وذو حدين. وقد يكون رأسه مدببًا حادًّا يستعمل للطعن، أما الضرب فيكون بحد السيف. والسيوف الجيدة هي السيوف المصنوعة من الفولاذ ومن الحديد النقي الجيد. وقد اشتهرت سيوف اليمن، وبعض السيوف المستوردة من الخارج. ويقال لحديدة السيف: "النصل"، وتقابل هذه اللفظة لفظة "لهب" "لهيب" في العبرانية، من أصل "لهب"، وذلك للمعان السيف الذي يشبه اللهب عند عرضه في الشمس٤.
وللسيف أسماء كثيرة ترد في كتب اللغة، بعضها أسماء وبعضها نعوت وصفات صارت في منزلة الأسماء للسيف. ومن أسماء السيف: "الجنثي" والجمع: "الجنثية"، يقال: إنها إنما سميت جنثية نسبة إلى الجنثي، وهو الحدّاد ٥.
ويعرف الحداد بالقين عند الجاهليين. أما الذي يقوم بصقل السيف، فهو "الصيقل"٦.
وقد اشتهرت أنواع من السيوف عند العرب، تفاخروا بها، لجودتها