← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

يغزون. وقيل: السبعة والثمانية. وقيل: العشرة فمن دونهم١. وذكر أن "الحضيرة" مقدمة الجيش٢. وأما "النفيضة"، فالجماعة يبعثون ليكشفوا هل ثمَّ عدو أو خوف. وذكر أن "النفيضة" الذين يتقدمون الخيل، وهم الطلائع٣. وتؤدي لفظة "مصر" معنى القطعة من الجيش، والحملة وذلك في السبئية٤. ويقال لقائد الكتيبة: "كبش الكتيبة". وكبش القوم رئيسهم وسيدهم. فهو سيد الكتيبة وقائدها٥. ويعبر عن المحارب والمقاتل بلفظة "جندي" وبـ"اسد" "أسد" في العربيات الجنوبية والجمع "اسدم" أي: جنود٦. وقد يكون الجندي حرًّا وقد يكون عبدًا أي: رقيقًا ومولى، وقد وردت جملة "اسد املكن" أي "أسود الملوك" بمعنى "جنود الملك" و"عسكر الملوك"٧، وذلك تمييزًا لهم عن الجنود الآخرين الذين كان يجندهم الأقيال والأذواء وسادات القبائل. ويقصد بـ"اسد" أي: جندي، الجندي النظامي, أي: المحارب الذي اتخذ الجندية عملًا له. ولهذا نجد النصوص لا تستعملها إلا في هذا المعنى، وذلك للتمييز بينه وبين المحاربين الآخرين المتطوعين أو المكرهين على الدخول في القتال أو المؤجرين أو المحاربين من أهل القبائل أو من أهل المدن الذين يهبّون للقتال عند دنو خطر على أهلهم أو قراهم. وتكون إعاشة هؤلاء الجنود على من يأمرهم بالخدمة في جيشه بالطبع. من ملك أو مكرب أو مدينة أو قرية أو سيد أرض. وأما إذا كان المحارب رقيقًا كائنًا ما كان جنسه أو لونه، وأشرك في القتال، فيعبر عنه بـ"ادومت" "ادمت"، أي: "ادم" و"أوادم"، بمعنى الخدم

стр. 3257

المملوكين. فلسيد القبيلة ولكبار أصحاب الأرض والملاكين والأغنياء "أدم" أي: خدم، يخدمونهم ويقاتلون عنهم في الغزو وفي الحرب وفي الدفاع عن النفس١. ولم يكن هؤلاء "الأدم" من العسكريين المحترفين٢. وأما إذا كان المحارب أجيرًا يؤجر نفسه لمن هو فوقه لخدمته أو للقتال عنه، فإذا وقع قتال طلب منه الدخول فيه، للقتال في سبيل صاحبه قيل له: "اجر" أي: "أجير" والجمع "اجر" و"اجرم"، أي: أجراء٣. وليس لدينا أخبار عن معامل تعمل فيها "الشكة"، أي: السلاح كله للحكومات أو للقبائل في الجاهلية٤. غير أني لا أستبعد وجودها في اليمن. فقد كانت حكومات اليمن. حكومات منظمة تُعْنَى بمثل هذه الأمور التي هي من ضرورات الدولة. أما القبائل، فقد كان المحاربون فيها هم الذين يجهزون أنفسهم بالسلاح. وقد يكون ذلك السلاح عصيًّا يقاتلون بها، وقد لا يكون لدى المحارب أي شيء منه سوى الحجارة التي يجدها أمامه، فيتراشق بها مع الأعداء. أما سادات القبائل والأغنياء، فقد كانوا يشترون أسلحتهم ويخزنونها إلى وقت الحاجة. فإذا ظهرت وزعوها في أولادهم وخدامهم ومواليهم للقتال. وإذا عزمت قبيلة على غزو قبيلة أخرى وجب على كل بالغ سليم الغزو معها، كما أن على كل فرد من القبيلة المهاجمة أن يقوم بواجبه في الدفاع عنها، وهذا واجب كل رجل في القرى والمدن أيضًا. فقد كان على رجال كل قرية أو مدينة الدفاع عن أنفسهم، ورد غزوات الغازين. لاستقلال كل قرية أو مدينة في أمورها وشئونها، ووقوع كاهل الدفاع عن نفسها على عاتقها. وعلى كل مواطن لذلك، بدوي أو حضري أن يهيئ نفسه في أيام الحروب والغزوات للدفاع عن نفسه وعن مواطنيه، وأن يقوم بعمل الجندي في هذه الأيام. وقد يقعد بعض الرجال من الأغنياء، أو من المسنين عن المساهمة في الحرب أو الغزو، فيدفعون جعلًا في مقابل ذلك لرجال يحاربون عنهم، فيكون الجعل لهم، ويكون ما قد يقع في أيديهم من غنائم لهم أيضًا. وقد يتفق على ذلك

стр. 3258

بأن يجعل المقيم للغازي شيئًا. وقد كرهت الجعائل في الإسلام١. وفي الحديث أنها سحت. وهي ما تجعل للغازي إذا غزا عنك بجعائل. قال سليك بن شقيق الأسدي: فأعطيتُ الجِعالة مستميتًا ... خفيفَ الحاذِ من فِتْيانِ جَرْم٢ وإذا قامت قبيلة بغزو قبيلة ما، قام رجالها من ذوي الرأي والمعرفة بالمعارك بإعداد خطط غزو العدو ومهاجمته ومباغتته وترؤسه, وعلى شجعانها قيادة الغازين المحاربين. أما القبيلة التي تتعرض للغزو. فيقوم ذوو الرأي والخبرة العسكرية فيها بإعداد الخطط للدفاع عن نفسها، ورد الاعتداء عنها. وفي حالة الأحلاف يعد ذوو الرأي والخبرة العسكرية في الحلف خطط الهجوم أو الدفاع، ويشترك الحلف في إعداد المحاربين وقيادتهم. والغالب أن الذي يقوم بقيادة المحاربين وتوجيههم في المعارك هم من أسر توارثت ذلك، وصارت القيادة وكأنها حق لها. فإذا وقع غزو، أو أرادت قبيلة ما غزو قبيلة أخرى، نهض رجال الرأي في الحرب بإعداد الخطة والتشاور في الرأي لكسب المعركة. وقد كانت قريش قد وكلت أمر حربها وقيادة محاربيها إلى "آل حرب". ولكن ذلك لا يعني عدم تغيير القادة وإبدالهم، وتعيين قادة جدد من أسر أخرى، فقد كانوا يفعلون ذلك أيضًا عند الضرورات. ولم تكن قوات القبائل في مستوى القوات النظامية من حيث التسليح والقابلية في القتال. فأسلحة رجال القبائل بسيطة وبدائية في الغالب لفقرها وعوزها, وهي غير منتظمة ولا مدربة على القتال تدريبًا فنيًّا، وإنما يقوم فنها على الإغارة والمباغتة، فإذا وجدت مقاومة ما فرت وولت؛ لأنها لا تتحمل المقاومة والوقوف في وجه العدو مدة طويلة، ولا تستطيع الصبر على ذلك. وهي من هذه الناحية قادرة على إلحاق الأذى بالقوات النظامية في حروب الصحارى، فتقوم بمباغتة العدو وأخذه بالمفاجأة، فإذا وجدت مقاومة منه أو أخذت ما كانت تصبو إليه من غنيمة، عادت مسرعة إلى معقلها، لتحتمي به، ولتوزع ما غنمته وفق العادة والعرف.

стр. 3259

والغزو مصدر مهم من مصادر الإعاشة بالنسبة إلى الأعراب، يلجئون إليه في أيام الشدة والمحنة لغناء أهل القرى والمدن بالنسبة إلى أهل البادية، صارت هذه المواضع هدفًا مقصودًا للأعراب، ومصدرًا من مصادر الرزق عندهم، ولا سيما المواضع الواقعة على حدود الأرضين الغنية الخصبة، كالعراق وبلاد الشأم، وقد أدركت الدول الحاكمة في العراق وفي بلاد الشأم هذه الحاجة، فاستغلتها، فأخذ الروم يشترون رؤساء القبائل، يدفعون لهم رشاوى وهدايا ومنحًا ومرتبات لحماية حدودهم من تحرش رجالهم بها, ولمهاجمة حدود أعدائهم الفرس، ولمقاومة القبائل التي يرسلها الساسانيون لمهاجمة بلاد الشأم. وفعل الفرس مثل ذلك، فدفعوا المنح والمرتبات والهدايا لرؤساء قبائلهم، ودفعوهم على مهاجمة حدود بلاد الشأم. وقد اضطرت القرى والمدن في جزيرة العرب إلى مهادنة القبائل القوية النازلة بقربها، وإلى محالفتها بدفع إتاوات لها في مقابل عدم التحرش بها وحمايتها من تحرش القبائل الأخرى الطامعة بها، وفي مقابل مرور قوافلها في أرضها. وبذلك أمنت على سلامتها وعلى أموالها بعقد هذه العهود والمواثيق. ولضرورة الدفاع عن النفس، وللوقوف أمام طمع القبائل القوية في القبائل الضعيفة، اضطرت أكثر القبائل إلى التحالف والتكتل لمنع الغزو فيما بينها، وإلى مقاومة أي غزو يقع عليها، وقد أطلق العرب على كل قبيلة تحارب وحدها دون محالفة قبيلة أخرى "الجمرة". وذكر أن "الجمرة"، هي القبيلة التي لا يقل عدد فرسانها عن ثلاثمائة فارس، وهو عدد يدل على قوة القبيلة وشدة البأس. وذكر الأخباريون أن "جمرات العرب" ثلاث: بنو ضبة بن أد، وبنو نمير بن عامر، وبنو الحارث بن كعب. فطفئت جمرتان، وبقيت جمرة واحدة, طفئت بنو ضبة؛ لأنها حالفت الرباب, وطفئت بنو الحارث؛ لأنها حالفت مذحج، وبقيت نمرح لأنها لم تحالف١. والغالب على أسلوب القتال عند الجاهليين: الكرّ والفرّ، وذلك بأن يهاجم المحاربون عدوهم ثم يتراجعون بسرعة وكأنهم قد فروا خوفًا منه، ثم يعودون

стр. 3260

فيكرون عليه. يضعون مكانًا يكون مركز ثقلهم والملجأ لهم، يلتجئون إليه، ثم ينطلقون منه للكر على العدو، وقد اتبعوا أيضًا أسلوب القتال صفوفًا، بأن يقف المحاربون صفوفًا، يحاربون دون كر ولا فر١. ولا بد للمحارب من أسلحة يحارب بها ويدافع بها عن نفسه. ويستعمل العرب لفظة سلاح وعدة المحارب في مقابل Arms = Armour في الإنجليزية و"ملديم" Malddim و"كليم" Kelim و"حليضه" Hallizah في العبرانية٢. ويراد بها كل ما يستعمله ويحمله الجندي من وسائل الحرب من هجوم ودفاع. والسيف هو السلاح الرئيسي في القتال. استعمل في الهجوم وفي الدفاع عن النفس. ويطلق العبرانيون عليه وعلى الخنجر لفظة "خ ر ب" "خريب"٣. وقد يكون السيف قصيرًا أيضًا. وهو ذو حد واحد وذو حدين. وقد يكون رأسه مدببًا حادًّا يستعمل للطعن، أما الضرب فيكون بحد السيف. والسيوف الجيدة هي السيوف المصنوعة من الفولاذ ومن الحديد النقي الجيد. وقد اشتهرت سيوف اليمن، وبعض السيوف المستوردة من الخارج. ويقال لحديدة السيف: "النصل"، وتقابل هذه اللفظة لفظة "لهب" "لهيب" في العبرانية، من أصل "لهب"، وذلك للمعان السيف الذي يشبه اللهب عند عرضه في الشمس٤. وللسيف أسماء كثيرة ترد في كتب اللغة، بعضها أسماء وبعضها نعوت وصفات صارت في منزلة الأسماء للسيف. ومن أسماء السيف: "الجنثي" والجمع: "الجنثية"، يقال: إنها إنما سميت جنثية نسبة إلى الجنثي، وهو الحدّاد ٥. ويعرف الحداد بالقين عند الجاهليين. أما الذي يقوم بصقل السيف، فهو "الصيقل"٦. وقد اشتهرت أنواع من السيوف عند العرب، تفاخروا بها، لجودتها

стр. 3261

وشدة وقعها في العدو. ومن هذه السيوف المشهورة: "السيوف المشرفية". قيل: إنها سميت بذلك نسبة إلى "المشارف" جمع مشرف، ويراد بها قرى للعرب تدنو من الريف، وقيل: لأنها من مشارف الشأم. وقيل: نسبة إلى موضع من اليمن، وقيل: بل نسبة إلى "مشرف" رجل من ثقيف١. وردّ "ابن رشيق القيرواني" قول من نسب السيوف المشرقية إلى مشارف الشأم أو مشارف الريف، وذهب إلى أنها نسبة إلى "مشرف"، من قرى اليمن٢. وعرفت سيوف "بصرى" بالجودة كذلك، ويقال: للسيف المنسوب إليها "بُصري"٣. وقد مدحها "الحصين بن الحُمام المُرّي"، وأثنى على القيون الذين أخرجوا "صفائح بُصري"، أي: السيوف٤. واشتهرت السيوف المسماة بـ"السريجية" بجودتها كذلك، ويقال: إنها نسبة إلى "سُرَيج" رجل من بني أسد. وهو أحد بني معرّض بن عمرو بن أسد بن خزيمة وكانوا قيونًا٥. واشتهرت سيوف اليمن كذلك، فقيل للسيف "يمان" و"يماني"، إذا صنع باليمن. والظاهر أنها لمّاعة بيض، ولذلك قيل "بيض يمانية" يمدحون تلك السيوف. واشتهرت بعض السيوف في الجاهلية، بقيت شهرتها خالدة في الإسلام. ومن هذه السيوف، سيف عرف بـ"الصمصامة"، وهو سيف عمرو بن معديكرب٦, وسيف عرب بـ"ذي الفقار" ارتبط اسمه باسم علي بن أبي طالب، وكان قد استولى عليه في معركة "بدر"، أخذه من العاصي بن منبه٧.

стр. 3262

وكان في أصحاب رسول الله صحابيّ اشتغل بعمل السيوف في الجاهلية هو "خباب بن الأرت", وكان من المسلمين الأولين الذين أعلنوا إسلامهم، وعذبوا فيه١. ويتبين من دراسة وتقصي مصادر السيوف عند العرب الجاهليين، أن العرب كانوا آنذاك يستوردونها من أماكن مختلفة، وأن استيرادها كان تجارة مربحة. وأن تجارها كانوا يفتشون في كل مكان من أسواق العالم المعروفة بصنع وبيع الأسلحة لشراء الأسلحة منها. فاستورد بعضهم أنواعًا من السيوف المصنوعة من الهند. وقد عرف السيف الجيد المصنوع بالهند بـ"المهند"٢. واشتهر الروم بصنع السيوف الجيدة، وكذلك الفرس. وقد تفنن في تزويق السيوف وفي إكسائها بماء الذهب أو الفضة، وقد اشتهرت الروم بإكساء السيوف ماء الذهب، ويقال لذلك: "الدجال"٣. والخنجر أقصر من السيف، ويستعمل في المباغتة في الغالب وفي الهجوم وفي الدفاع عن النفس. وهو مثل السيف أيضًا ذو حد وذو حدين، ويوضع في قراب يحمل في وسط الجسم. وهو لا يزال كثير الاستعمال لسهولة استعماله وإخفائه على حين قلّ استعمال السيوف، أو مات، لعدم ملاءمتها للقتال الحديث. ولرخص الخناجر، بالنسبة إلى السيوف، كانت كثيرة الاستعمال حملها معظم الناس حتى الفقراء لحماية أنفسهم من أذى الإنسان والحيوان. وقد استعملت في أثناء الالتحام بالحروب، حيث يشتبك المحاربون بعضهم ببعض، فيكون الخنجر من الأسلحة الملائمة للفتك بالعدو. والرمح: سلاح يستعمل لطعن العدو، يستعمله الفارس في الغالب. له رأس منبل حاد، يطعن به. وقد يكون له رأس آخر. يثبت به في الأرض. وهو يختلف طولًا ووزنًا. وهو من الأسلحة القديمة، ولا يزال معروفًا، تستعمله بعض القبائل والشعوب البدائية. يصنع من حديد أو من معدن آخر، كما يكون من أعواد الأشجار القوية أو القصب القوي، وأجود الرماح عند العرب، "الرماح الآزنية"، أو "الرماح اليزنية"، يقال: إنها نسبت إلى

стр. 3263

"ذي يزن"١ الملك. وهو على رأي بعض الأخباريين أول من اتخذ أسنة الحديد، فنسبت إليه, وإنما كانت أسنة العرب قرون البقر٢. وعرفت الرماح ذوات السنان بالأسنة. وهي أيضًا أنواع، منها نوع يسمى "الأسنة القعضبية" نسبة إلى رجل اسمه "قعضب" من "قُشير". ونوع يسمى "الأسنة الشرعبية"، ينسب إلى "شرعب". وإلى هذه الأسنة أشار "الأعشى" في هذا البيت: ولدن من الخطّيّ فيها أسنةُ ... ذخائر مما سَنّ أبزى وشرعب٣ ويذكر أهل الأخبار أن الرماح الشرعبية، منسوبة إلى بطن من بطون حمير, يقال لهم: "شرعب بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد قيس"٤. والرماح "الخطية"، من الرماح الجيدة المعروفة, وتنسب إلى "الخط"٥. والخط هو خط هجر، تحمل إليه الرماح من بلاد الهند، فتقوم به. فنسبت إليه٦. و"الرماح الردينية" وهي من الرماح الجيدة المشهورة أيضًا، يقال: إنها نسبة إلى "ردينة" امرأة كانت تعمل الرماح٧. ويقال للرمح: "المنجل" أيضًا٨. واشتهر نوع آخر من الرماح عرف بـ"الرمح السمهري" والجمع: "الرماح السمهرية". ذكروا أنها منسوبة إلى "سمهر"، وكان صانعًا يصنع الرماح، وكانت امرأته "ردينة" تبيعها٩.

стр. 3264

وتستعمل القنا في القتال أيضًا. ويظهر أنها نوع من أنواع القصب القوي الذي لا ينثني ولا ينكسر، يكسى رأس القناة برأس من معدن مدبب حاد ليطعن به. ويستعمل القناة الفارس والراجل. ويقال للقنا: "قانه" Kanah في العبرانية و Kanna = Canna في اليونانية ويراد بها القصب، وهو ينبت في مواضع كثيرة من مصر، وفي الأرضين التي تكثر فيها الرطوبة والمياه١, وقد اشتهرت بعض أنواع القصب بالمتانة والقوة. ولهذا استخدمت سلاحًا من أسلحة الطعان. واستعملت الحراب في الطعن وفي زرق العدو بها. وقد ذكر أهل الأخبار أن الحبشة كانت تحسن الطعن بها، وأن العبيد المجلوبين منها والذين كانوا بمكة، كانوا قد اشتهروا بالطعن في الحراب. ومنهم "وحشي" قاتل حمزة. وهو عبد حبشي زرق حربته ورمى بها حمزة فأصابه. وكما تعتمد الجيوش الحديثة على أسلحة الرمي، اعتمد الجاهليون على أسلحة هي بمنزلة البنادق والرشاشات في أسلحة هذه الأيام، وهي القسي والسهام. والقوس هي الآلة التي تمسك باليد، ويشد وترها شدًّا قويًّا. ليرمي السهم إلى العدو المراد رميه. وكلما كان الشدّ قويًّا، صارت الرمية بعيدة مؤثرة. وقد يكون السهم من غصن أو من خشب. وقد يكون من معدن مثل: حديد أو نحاس٢. ويتخذ الوتر من مادة قابلة للتوتر وللشدّ، حتى يكون في قدرته رمي السهم إلى مسافة بعيدة وبقوة. أما السهم، فقد يكون من شجر، وقد يكون من معدن، ويكون له رأس مدبب ليصيب به الهدف. وقد يسم رأس السهم، فينفذ السم منه إلى الجرح، فيصيب به الجريح إصابة قاتلة. وقد عدت الرماية من جملة الخصال العالية في الشخص المكملة للإنسان, وقد اشتهر في الجاهلية قوم بدقة رمايتهم، وبصحة إصابتهم الأهداف، إذا أرادوا رمي أحد أخرجو النبل، فرموه بها، وقلما يخطئون. وإذا أرادوا وصف رجل بدقة الرمي، قالوا فيه: "كان من أرمى الناس"٣. وكانت الرماية دراسة

стр. 3265

يتعلمها الرامي من رماة ماهرين. فكان أهل الحيرة والفرس يعلمون أولادهم الرمي بالنشاب، ليكونوا من الرماة المهرة. يستعملون فنهم هذا في قهر أعدائهم وفي الصيد وفي الحروب١. وقد كانت الجيوش تضم فرقًا من الرماة، تكون لهم أهمية كبيرة جدًّا في تقرير نهاية الحرب؛ لأنهم عنصر فعال قوي في التأثير في المحاربين. وقد استعان الفرس والروم والرومان بالرماة الماهرين من العرب، فكوّنوا منهم فرقًا خاصة في جيوشهم، وظيفتها الهجوم على العدو ورميه بالسهام للفتك به. فكانت السهام تقوم مقام نار البنادق والرشاشات في أسلحة هذا اليوم. وقد أشار الكتبة "الكلاسيكيون" إلى كتائب الرماة العرب التي كوّنها الروم والرومان. وقد عرف بعض الرماة بدقة إصابتهم الهدف، فكانوا يصيبون بسهامهم ونبلهم أدق الأهداف. وقد اشتهر هؤلاء بـ"رماة الحدق"، أي: المهرة في الرمي، فلا يخطئون الحدق. وفي كتب الأخبار قصص عن دقة إصابة هؤلاء الرماة٢. ولخطورة الرمي في القتال، ولأهمية هذا السلاح في مصير الحروب ونتائجها، أعطاه الإسلام أهمية كبيرة. وقد ورد في الحديث: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة, ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي"٣. وورد أيضًا: أن الرسول كان يحث أصحابه على تعلم الرماية وإتقانها٤. وقد كان في صفوف قريش والوثنيين جماعة من الرماة المهرة الذين يصيبون الأهداف. واشتهرت أنواع من القسي، منها: "القسي الماسخية"، نسبة إلى رجل من بني نصر بن الأزد اسمه "ماسخة"٥، وقيل: "نبيشة بن الحارث". ذكر أنه أول من عملها. وتنسب القسي أيضًا إلى "زارة" وهي امرأة "ماسخة"٦. وفي هذه القسي قال الشاعر: شرعت قسي الماسخي رجالنا ... بسهام يثرب أو سهام الوادي٧

стр. 3266

وذكر أهل الأخبار نوعًا من الخشب سموه "الشِريان"٥، ذكروا أنه خشب تتخذ منه القسي العربية١. وأجود السهام التي وصفتها العرب، "سهام بلاد"، "سهام بلام"، و"سهام يثرب"، وهما قريتان من حجر اليمامة. وقد ذكرها الأعشى في شعره٢. ومن "النبل" الجيد نبل يقال له: "رقميات"، وقد نسبت إلى "الرقم"، وهو موضع دون المدينة، ويقال سهام مرقومة٣. وتريش النبال بريش الطيور، وتوضع عليها ريش نسر أحيانًا٤. وتحفظ السهام والنبال في محفظة، يقال لها: "الكنانة". وأشهرها الكنائن المعروفة بـ"الكنائن الزغرية"، وهي منسوبة إلى "زغر"، موضع بالشأم، تعمل كنائن حمر مذهبة. وقد ذكرها أبو دؤاد الإيادي في شعره: ككنانة الزُغرى زينها ... من الذهب الدلامص٥ ومن مشاهير الرماة عمرو بن عبد المسيح الطائي، وكان أرمى العرب. وفد إلى النبي، وفيه يقول امرؤ القيس: ربَّ رامٍ من بني ثعل ... مخرج كفيه من ستره٦ واشتهر "القارة" بالرمي، فقيل: إنهم أرمى حي في العرب، ولهم يقال: "قد أنصف القارة من راماها"٧. والقسي هي سلاح الصياد في الجاهلية، فهي بمثابة "البندقية" في هذا اليوم، يأخذها الصياد معه وفي كنائنه، ثم ينتظر، فإذا شاهد صيدًا رماه٨. ولهذا نجد المولعين بالصيد يذكرونها في شعرهم وفي وصفهم لمطاردة الحيوانات.

стр. 3267

ومن القسي الجيدة التي تركت أثرًا في ذاكرة الشعراء "العتل" واحدها "عتلة" وقد عرفت بأنها القسي الفارسية١. واستعمل الصعاليك واللصوص السهام سلاحًا فتاكًا في ابتزاز المال وسلب المسافرين. والرامي الجيد الرماية، متغلب على خصومه؛ لأنه يرمى وهو على بعد ممن يرميه، فلا يصيبه سيف أو رمح. وبذلك صعب على من لا يحسن الرماية التغلب على الرماة. والرمي بالحجارة والحصى، سلاح مهم مؤثر في العدو في ذلك الزمان. فقد كان المحاربون يرمون عدوهم بآلة ما زال الأطفال والفلاحون يستعملونها، يطلقون عليها لفظة "معجان" في العراق. وهي عبارة عن قطعة من جلد أو قماش تشد من طرفيها بحبلين أو خيطين. فإذا أراد الرامي الرمي، وضع حجرًا صغيرًا أو حصاة في الجلد أو القماش، وأمسك بطرفي الحبلين غير المشدودين بالقاعدة، وأخذ يحركها تحريكًا دائريًّا بشدة، ثم يطلق أحد الحبلين بسرعة لينطلق الحجر إلى الهدف المراد، فيصيبه. ويطلق على هذه لفظة "قلع" في العبرانية، وهي أبسط أنواع آلات الرمي بالحجارة. ويستعملها الفلاحون والرعاة أيضًا لطرد الطيور والحيوانات. ويسمونها في بلاد الشأم "المقلاع". وقد كان على المحارب التدرب على الرمي وعلى الطعن، ليكون محاربًا ناجحًا، ذا خبرة في القتال، فلا يتمكن منه عدو بسهولة. وفي جملة الوسائل التي كان يتدرب عليها: "الدريئة"، وهي حلقة يتعلم عليها الطعن والرمي. قال عمرو بن معديكرب: ظللت كأني للرماح دريئة ... أقاتل عن أبناء جرم وفرت٣ ولا بد للمحاربين من أسلحة واقية، يتقون بها ضربات أعدائهم. وما يرمونهم به من حجارة وسهام. والترس من أقدم الأسلحة الواقية، يعلقه المحارب على ظهره أو على كتفه، فإذا احتاج إليه، أمسكه بإحدى يديه، ليتقي به ضربات

стр. 3268

خصمه. ويصنع من الحديد في الغالب، ولارتفاع ثمنه، لم يستعمله إلا المحاربون الشجعان المعروفون والمحاربون الموسرون. واستعمل الترس المصنوع من الخشب ومن الجلود الثخينة، مثل جلود الجمال والبقر وبعض أنواع الأسماك والحيوانات الوحشية ذوات الجلود الغليظة. وبعض الأتراس دائرية على هيئة قرص، ومعظم أنواع الأتراس عند الجاهليين وعند العرب الإسلاميين هي من هذا النوع، وبعضها على هيئة مستطيل أو مستطيل ذي رأس مدور أو ثابت أو غير ذلك، وفي ظهر الترس حلقة أو موضع يدخل المحارب يده فيه ليمسك به الترس، ويتصل به حبل أو سلسلة ليعلق المحارب به أو بها الترس على جسمه. ويعرف الترس بالدرقة وبالمجن كذلك١. وقد ذكر امرؤ القيس المجن فقال: لها جبهة كسراة المِجَنِّ ... حذقه الصانع المقتدر٢ ويقال له: "العنبر" كذلك٣. ويقال للمجن: "ماكين" "ماجن" Magen في العبرانية. وهو قرص دائري الشكل خفيف يحمله المحارب بيده ليدافع به عن نفسه وللاتقاء به من ضربات العدو. ويقال له: "كليبوس"Clypeus عند الرمان٤. والدروع هي من أسلحة الوقاية، يتدرع بها المحارب، ليقي بها نفسه من ضربات خصمه، وقد تكون للظهر وللصدر، فتحمي ظهر المحارب وصدره، وقد تكون للصدر فقط، فيقي المحارب بالدرع ضربات المحارب من رمح أو سيف. فلا ينال به صدره٥. ويعرف أهل الأخبار الدرع بأنها القميص المتخذ من الزرد. وتعرف الدروع عند العبرانيين بـ"شريون" Shiryon. ويلبس الدرع كالثوب فيقي الجسم من الضربات٦.

стр. 3269

وقيل للدروع "الخرصان" كذلك، الواحد خرص، وقد سموا الدرع خرصًا؛ لأنه حَلق، كما سموا الحلقة التي في الأذن خرصًا. وقيل للدرع سابغة أيضًا١. وقيل للرماح الخرصان كذلك٢. ومن الدروع المعروفة: "الدروع الحطمية" نسبة إلى حطمة بن محارب بن عمرو بن وديعة. وقيل: نسبة إلى "حطم" أحد بني عمرو بن مرثد من بني قيس بن ثعلبة. و"الدروع السلوقية"، هي نوع آخر من الدروع المشهورة، يقال: إنها نسبة إلى "سلوق" وهي قرية باليمن عرفت بدروعها٢. وقد ذكر النابغة الدروع السلوقية في شعره٤. وأشار "ابن مقبل" إلى نوع من أنواع الدروع دعاه "المشرفية" من صنعة مشرف، ومشرف جاهلي، وهم يدعون إلى ثقيف٥. كما عرف نوع آخر من الدروع اشتهر باسم "القردماني"، وذكر بأنه فارسي، وأن أصله بالفارسية "كرد ماند"٦. وقد نسبت الدروع الجيدة الممتازة إلى "داود" و"سليمان" فورد في شعر للحطيئة: فيه الرماح وفيه كل سابغة ... جدلاء مبهمة من نسج سلام٧ وورد في شعر للنابغة: وكل صموت نثلة تبعية ... ونسج سُليم كل قضّاء ذائل٨ ويلاحظ أن البيت المنسوب إلى "الحطيئة" ينتهي بلفظة "داود" بدلا من "سلام" وهو "سليمان" في بعض الروايات. والمعروف أن "داود" هو الذي

стр. 3270

اشتهر بعمل "الدروع" لا "سليمان" على حد قول أهل الأخبار١. وقد أشير إلى صنع "داود" للدروع في بيت شعر "لبشامة بن عمرو"، وقد وصف دروعه بأنها "موضونة"، أي: مضاعفة ثخينة، تسمع للقواضب فيها صليلًا ٢، كما أشير إلى ذلك في بيت شعر ينسب إلى "الحصين بن الحُمام المرّي"، حيث نسب نسج الدروع إلى "داود". والغالب عن الجاهليين نسبة الدروع إلى "داود"٣. وأما لفظة "سليم" الواردة في بيت "النابغة"، فتعني "سليمان" أيضًا ٤. ونحن لا يهمنا في هذا المكان أمر صانع هذه الدروع، إنما الذي يهمنا هنا هو أثر القصص اليهودي والدعاية الإسرائيلية في نفوس الجاهليين، مما يدل على أن اليهود المهاجرين إلى جزيرة العرب كانوا قد غرسوا بذور الدعاية اليهودية بين الجاهليين حتى تؤثر فيهم، فكان من أثره مثل هذا القصص الذي نجده في شعر الجاهليين وفي قصصهم المدون في الإسلام. ولا يستبعد أن يكون في اتجار يهود الحجاز بالأسلحة واستيرادهم إياها من بلاد الشأم لبيعها للعرب أو للاحتفاظ بها لتهديد من يطمع فيهم ولمقاومته، أثر في ظهور مثل هذا القصص، وفي نسبة الأسلحة الجيدة إلى "داود" أو "سليمان". وعرفت الدروع المصنوعة باليمن بالجودة كذلك. وقد نسبت بعضها إلى التبابعة، فقيل: "نثلة تبعية" يريدون بلفظة "نثلة" درع. وقيل: "مسفوحة تبعية" أي: "درع تبعية" منسوبة إلى "تبع"٥. و"التسبغة" هي: زرد مشبك الحلق متصل بالبيضة يطرح على الظهر ليستر العتق، فلا تؤثر فيه الضربات والطعن٦. ومن الأدوات التي استخدمها المحاربون "البيضة"، وهي غطاء يوضع على

стр. 3271

الرأس لحمايته من السيوف والحجارة والعصى وما شابه ذلك١. وهي لا بد أن تكون مصنوعة من مواد واقية تحفظ الرأس من الأخطار، كأن تكون مصنوعة، من الحديد أو المواد المعدنية الأخرى أو من الجلود الثخينة. وقد عرفت "البيضة" المستديرة بـ"تركة". وورد في شعر "مزرد بن ضرار الذبياني" "تركة حميرية"، أي: منسوبة إلى حمير، مما يشير إلى اشتهار هذا النوع من آلة وقاية الرأس٢. والعمائم خوذ المحاربين عند الجاهليين. فإذا خاض المحارب معركة ما اعتم بعمامة، وقد يضع عليها ريشة، وقد يتحنك بذؤابتها، ولم تكن عمائم الحرب ذوات لون واحد، بل كانت ذوات ألوان، قد يدخل المحارب الحرب وعلى رأسه عمامة يختلف لونها عن لون العمامة التي لبسها قبلًا. وقد تحدث أهل الأخبار عن أنواع العمائم التي لبسها المحاربون في القتال. ولكن هذا لا يعني أن الجاهليين كانوا لا يستعملون الخوذ في حروبهم. لقد كان عرب العراق وعرب بلاد الشأم واليمن يستعملونها أيضًا. وإذا كانت الخوذ قليلة الاستعمال في معظم أنحاء جزيرة العرب، فإنما يعود سبب ذلك إلى غلاء ثمنها؛ لأنها من المعدن في الغالب، ولعدم وجود حاجات ملحة إليها هناك. وقد لبس الرومان واليونان خوذًًا مصنوعة من النحاس ومن البرنز. واستعملت الخوذ المعمولة من الخشب ومن الجلود والكتان واللباد وبعض المواد الأخرى. وقد تفنن صانعوها في زخرفتها وفي أشكالها، وعلى هذه الزخرفة والمواد المصنوعة منها يتوقف سعر الخوذ بالطبع. وأما "المجن" و"الترس" و"الدرقة"، فبمعنى واحد، وهي لوقاية الجسم من ضربات السيوف، ويصنعها العرب من الجلود في الغالب٣. ويقال للزرد الذي ينسج على قدر الرأس ويلبس تحت القلنسوة: "المغفر"٤.

стр. 3272

وقد لبس محاربو اليونان والساسانيون ألبسة واقية خاصة لتقي جسمهم من ضربات السيوف وطعن الرماح ومن تساقط السهام عليهم، كما حموا أرجلهم وأفراسهم أيضًا بأوقية خاصة. بعضها من جلد وبعضها من أقمشة أو من معدن. وقد استخدموا ملابس خاصة صنعت من الزرد, أي: من حلقات معدنية، وتدرعوا بألواح من معدن حموا بها أجسامهم، وبألواح من الجلود الثخينة المدبوغة دبغًا خاصًّا لتقاوم الضربات، وغطوا بها أجسام خيولهم في بعض الأحيان لئلا تصاب، فيسقط بسقوطها الفارس، ويعجز عن القتال. وقد اشتهرت "ترسة الروم" بكبرها وبشدتها، وقد أشير إليها في شعر "ابن مقبل"١. ومن عادات العرب في الحروب إنذار من يريدون محاربتهم، كأن يقولون لمن يريدون محاربته: إنا ننذرك بحرب. وهم يفتخرون بذلك، إذ يرون أن الإنذار بالحرب من سيماء القوة والشجاعة، ومن علامات عدم المبالاة بالعدو. وأن المباغتة من علامات الجبن والضعف. وقد ينذرون عدوهم ويتواعدون معه على الالتقاء في زمن معين وفي مكان معين للحرب. فإذا جاء الأجل التقوا في المكان المعين وتحاربوا فيه. وتبدأ الحرب عادة بإعلان حالة النفير, أي: حالة التجمع والتهيؤ للقتال أو الذهاب إلى الحرب. ويكون ذلك بالتبويق. أي: بالنفخ ببوق من معدن أو قرن حيوان أو آلة من خشب، أو بدق الطبول والدفوف أو بضرب أعواد من خشب، أو بالصياح لإعلام الناس بدنو عدو أو ظهور خطر أو استعداد للقيام بغزو ما، فيتجمع عندئذ كل قادر على القتال متمكن منه، حاملًا معه كل ما يحتاج إليه من معدات للقتال، راكبًا أو راجلًا، لأخذ دوره فيه، والقيام بالعمل الذي يوكل به إليه. وقد يلحق النساء بالمقاتلين. فيقمن بإعداد الطعام لهم وما يحتاجونه إليه من خدمات وليس لهؤلاء المقاتلين من أجور ومرتبات غير الغنائم التي تصيبهم والأسلاب التي تقع في أيديهم، فتكون ملكًا لهم؛ لأن القتال واجب على كل مواطن متمكن محتم عليه، والامتناع منه جبن ومخالفة لقوانين المجتمع وأعرافه. وللجيوش: ألوية, ورايات يحملها أشجع المقاتلين والمعروفون بصبرهم على القتال.

стр. 3273

وإذا قتل حامل الراية، قام آخر من الشجعان بحملها. ويستميت المقاتلون في الدفاع عن رايتهم، فسقوط الراية على الأرض أو في يد العدو، معناه هزيمة أصحابها، وعجزهم عن القتال، وخور عزيمة المقاتلين عن القتال في النهاية، وتلك أمارات الهزيمة والفرار. ولا يشترط في الأعلام والبيارق والرايات أن تكون قديمة متوارثة. فقد تعقد عند بدء الحرب، يعقدها الرؤساء، ويسلمونها إلى أشجع الناس لتكون سندًا للمحاربين ورمزًا يستمدون منه العون والقوة. وتسمى بأسماء قد يتصايحون بها عند احتدام القتال. وذلك لإثارة النفوس، وبعث الحمية فيها على القتال. أما أمر لون الراية وطولها وعرضها، فذلك من شأن الرؤساء والمشايخ وزعماء القوم. ومما يدل على أهمية الراية عند العرب وعلى مكانتها عندهم، أنهم كانوا يسمون "لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها للجيش أمًّا"١. وكانوا يجتمعون لها في النزول والرحيل وعند لقاء العدو. ولما تحدث "الحرث بن حلزة اليشكري" عن "يوم الشقيقة" وعن مجيء "معد" مع "قيس بن معديكرب"، ذكر أن أحياء "معد" التي اشتركت معه، كانت تحمل معها ألويتها، ولكل "حي" لواء٢. وكانت لقريش راية يحتفظون بها ويحاربون تحتها تسمى "العقاب" وهي راية قريش، وإذا كانت عند رجل أخرجها إذا حميت الحرب، فإذا اجتمعت قريش على أحد، أعطوه العقاب، وإن لم يجتمعوا على أحد أخذها صاحبها فقدموه٣. ولم تكن قريش بدعًا في ذلك، فقد كانت للقبائل وللحكومات رايات أخرى، يتوارثونها ويحافظون على تسميتها، وتحتفظ بها أسر خاصة أو سادات قبائل، تعتز بذلك، وتعدّها من أعظم درجات الفخر والتكريم. ولأهمية القائد في المعارك، كانوا يحيطونه بحرس، ويجعلون أكثر ثقلهم حوله. ويكون موضعه في القلب في الغالب، ليشرف على القتال، تحميه المؤخرة من الخلف والمقدمة من الأمام، ويوضع اللواء عنده، ويحمل بين يديه. وكان

стр. 3274

المسلمون يحملون "العَنَزَة" بين يدي الرسول، وربما جعلوها قبلة١. وقد كان القادة يستعينون قبل الدخول في القتال بمخبرين يرسلونهم إلى العدو للحصول على معلومات عن قواتهم وعن مواقعهم وعن مدى استعدادهم للحرب. وكذلك كان للقبائل ولأهل المدن مخبرون يرسلونهم لاستطلاع الأحوال ولتحذيرهم من احتمال وقوع غزو مفاجئ عليهم، أو لتقدير مقدار الغازين أو المحاربين للاستعداد والتهيؤ. فهم "جواسيس" إذن، يذهبون للتجسس ولاستراق الأخبار حتى يكون من أرسله على حذر وبينة من أمره، ويقال للواحد منهم: "منذر" في السبئية؛ لأنه ينذر قومه وينبههم بقرب وقوع حادث عليهم٢. ويقال للشخص الذي يتسقط أخبار العدو ويبحث عن مواضع ضعفه وعن حركاته وسكناته: "العين" و"الربيئ" و"الجاسوس". وقد كانوا يتنكرون ويتسترون كي يخفوا هويتهم ويحصلوا على ما يحتاجون الحصول إليه من معلومات ليرتبوا بموجبها خططهم الحربية. روي أن "عمرو بن سفيان الكلابي"، جاء بني خزاعة في زي رجل من بني هلال، وأظهر أنه جاء يريد جيرتهم، وكانوا قد غزوا قومه وساقوا إبلهم، فقبلوا إيواءه، وبقي عندهم أمدًا، حتى جمع كل ما احتاج إليه من معلومات عنهم، ثم خرج منهم وعاد إلى قومه فاستفادوا بما كان قد جمعه عن بني خزاعة، وغزوهم وانتصروا عليهم ٣. وذكر أن كان لكليب وائل عينًا في تغلب، كان يتجسس له ويرسل له الأخبار عن هذه القبيلة٤. وأن "عمرو بن ربيعة". أرسل سدوس بن شيبان وصليع بن عبد غنم إلى معسكر "زياد" ملك الشام، ليتجسسا عليه ويأتيا له بالأخبار٥. وهناك أمثلة كثيرة من هذا النوع تتحدث عن عيون كانت القبائل ترسلهم إلى القبائل المعادية لها لتأتي لها بالأخبار عنها وبنَواياها العدوانية وعن خططها في الغزو. وقد يكون الرجل بين قوم، فيسمع بخبر عزمهم على غزو قومه، فيرسل

стр. 3275

رسالة رمزية في الغالب أو شفوية ليحذر قومه منه. وقد يكون المنذر أسيرًا في أيد القوم، فلا يستطيع الهروب من آسريه ليخبر أهله بعزم آسريه على غزوهم فيعمد إلى "الشيفرة" وإلى الرموز والكنايات والتعابير التي تفهم القوم بمراده من الرسالة، فيحتاطوا للأمر ويستعدوا للقتال. وفي يوم "شعب جبلة" كان "كرب بن كعب بن زيد مناة"، وهو من بني تميم، قد علم بخطط أعداء قومه، وكانوا قد أخذوا عليه عهدًا وميثاقًا بألا يتكلم ولا يخبر قومه عن عزمهم فعمد إلى الرمز والإشارة، بأن وضع ترابًا في صرة، وشوكًا قد كسرت رؤسه، وحنظلة موضوعة ووطب معلق فيه لبن، فلما رأى القوم ذلك، علموا أنه يقول لهم: إن القوم كالتراب عددًا لكن شوكتهم قليلة، وإنهم قريبون منهم، فعليهم أن يحتاطوا للأمر، فاحتاطوا منه، واستعدوا للأمر. وكان الأعور، وهو ناشب بن بشامة العنبري أسيرًا في قيس بن ثعلبة، فلما سمع بأن اللهازم تجمعت وهم: قيس وتيم اللآت ومعها عجل بن لجيم وعنترة بن أسد، تريد غزو بني تميم، قال لآسريه: أعطوني رجلًا أرسله إلى أهلي أوصيهم ببعض حاجتي. فقالوا له: ترسله ونحن حضور. قال: نعم. فأتوه بغلام مولد. فقال اتيتموني بأحمق. فقال الغلام: والله ما أنا بأحمق. فقال: إني أراك مجنونًا. قال: والله ما أنا بمجنون. ثم صار يكلمه ويسأله، ثم أوصاه بأمور لا يفهم منها أن فيها إشارات ورموز، ووافق القوم على ذهاب الغلام إلى قوم ناشب، فلما كلمهم بما قاله ناشب للغلام لم يدروا ما أراد: فأحضروا "الحارث"، فقص عليه الغلام قصة ما جرى له مع ناشب، ففهم المراد. ثم قال للغلام: أبلغه التحية، وأبلغه أنا سنوصي بما أوصى به. ثم قال لبني العنبر: إنه يحذركم من غزو قريب فاستعدوا وارتحلوا عن ديارهم وبذلك نجوا من خطر الغزو١. وهناك أمثلة عديدة من هذا القبيل، حذر بها أناس من رجال ونساء قومهم من غزو سمعوا به، فخلصوا قومهم منه. أو جعلهم يستعدون له، وقد استعمل المحذرون التراب أو الرمل، للدلالة على كثرة العدو. واستعملوا الشَوْكَ للدلالة على القوة وعلى شوكة العدو، وعبّروا بالشوك الذي تكسر رءوسه، بشوكة

стр. 3276

العدو، إلا أنه عدو لا يخشى جانبه؛ لأنه غير متحد ولا متفق، وقد استمدت القبائل هذه الرموز من محيطها الذي عاشت فيه، فاتخذتها أدوات للتحذير والإنذار. ويستعين القادة بأدلاء ليقدموا لهم المعلومات عن الطرق الموصلة إلى المواضع التي يريدون مقاتلة أصحابها بها، أو للسير في مقدمة قافلة الجيش للوصول إلى المكان المطلوب. وللدليل أهمية كبيرة في القتال ولذلك استعان بهم المحاربون. ويقال للدليل: "دلل" في العربية الجنوبية، والأغلب أنهم كانوا ينطقونها على نحو ما ننطقها بها في عربيتنا. وأما الجمع فـ"دلول", أي: أدلاء١. وكان لا بد لكل قائد من الاستعانة بدليل إذا ما أراد التفويز، فقد يهلك الجيش من العطش والجوع ويخطئ هدفه أو يصير فريسة في مخالب من يقصده، إن لم يستعن بدليل خرّيت مجرب، له علم بالبادية علمه ببيته. وكان للقبائل أدلاء عركوا المفاوز وخبروها وعرفوا معالمها ومواضع الماء فيها، وكان لهؤلاء فضل على قبائلهم، لا يقل عن فضل الفرسان عليها؛ لأنهم من أسباب النصر. ولما كتب "أبو بكر" إلى "خالد بن الوليد" يأمره بالمسير إلى بلاد الشأم، دلّ على "رافع بن عميرة الطائي" وكان دليلًا خرّيتًا، وبفضل علمه بالطريق وبنصحه القيم لخالد في كيفية عبور المفازة، وصل الجيش سالمًا إلى بلاد الشأم٢. وقد فعل الجاهليون ما تفعله القوى المتحاربة في كل وقت من اللجوء إلى التأثير في خصومهم باستخدام "الحرب النفسية". أي: التأثير في نفوس الخصوم حتى يشعر أنه دون خصمه، كأن يتظاهر بأن عدده أقوى وأكثر عددًا من عدد خصمه، بتوسيع رقعة معسكره, وإيقاد النيران الكثيرة وإحداث أصوات مرتفعة، تشعر المتلصص للأخبار أن الجيش جرار، وأن عدده كبير. وبذلك يخافه خصمه وترتعب نفسه. ولما نزل المسلمون "حمراء الأسد"، "كانوا يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار، وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه، فكبتَ الله تعالى عدوهم"٣. ويعمد الجيش أو القسم منه إلى التستر والتخفي لمباغتة العدو ومفاجأته، كأن

стр. 3277

يختفي في موضع حصين لا يرى على طرف أو طرفي وادٍ أو ممر جبل، فإذا مرَّ الجيش من ذلك الوادي انقض المختفون عليه ويعبر عن المخبأ بـ"مغون" في السبئية١. ويقال للعين الذي يذهب يربأ أهله "الربيئة" و"الطليعة". وهو الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم العدو، وذكر علماء اللغة أن الربيئة لا تكون إلا على مربأ من الأرض، أي: على جبل أو شرف ينظر منه٢. ويبذل القائد كل ذكائه وفنه في خداع خصمه في الحرب، للتغلب به عليه. وفي الحديث: "الحرب خدعة"٣. وذلك بأن يتظاهر القائد بعمل شيء، بينما هو ينوي شيئًا آخر. وقد كان الجاهليون يتفننون في خداع أعدائهم للتغلب عليهم. كما كانوا يستشيرون الناس في إدارة الحرب، يستشيرون الشجعان المتمرسون بالحرب، كما كانوا يستشيرون من عرف بالجبن، ثم يخلصون بين الرأيين. وذلك لما للرأيين من أهمية في إدارة الحرب٤. ولقريش عادات في الحرب. فلها "القُبّة"، وكانت تضربها، وتجمع إليها ما يجهزون به الجيش. ولها "الأعنة"، ويكون صاحبها على خيل قريش في الحرب. ولها "السفارة" وذلك أنهم كانوا إذا وقعت بينهم وبين غيرهم حرب بعثوا سفيرًا عنهم ليتفاوض٥. وكان "خالد بن الوليد" متولي "القبة" و"الأعنة" و"السفارة" عند ظهور الإسلام. وكان لها ما يسمى بـ"حلوان النفر"، فإن العرب لم تكن تملك عليها في الجاهلية أحدًا. فإن كانت حرب، أقرعوا بين أهل الرياسة، فمن خرجت عليه القرعة، أحضروه صغيرًا كان أو كبيرًا. فلما كان يوم الفجار، أقرعوا بين بني هاشم، فخرج سهم العباس، وهو صغير، فأجلسوه على المجن٦. ويتصايح المحاربون بشعاراتهم، إذ كان لكل قبيلة شعار ينادون به، ويحافظون

стр. 3278

عليه. فإذا وقعت حرب، أو حدث غزو، نادوا بذلك الشعار لإيقاظ الهمم، وإذكاء النيران في القلوب. وقد كان شعار "بني عامر" في الحرب شعارًا واحدًا، هو "يا جعد الوبر"١. ويعدّ هز الراية إشارة للهجوم٢. فيهجم المحاربون، ويقع الاشتباك. وأكثر ما يغزو العرب عند الصباح، ويسمون يوم الغارة يوم الصباح. وسبب ذلك أن الناس يكونون مستغرقين في هذا الوقت في نوم لذيذ، لذلك تكون الغارة فيه مفاجأة مفزعة لهم. والعرب تقول إذا نذرت بغارة من الخيل تفجؤ صباحًا: يا صباحاه! ينذرون الحي أجمع بالنداء العالي. ويقولون: صبحتهم الخيل: بمعنى جاءتهم صبحًا. وفتى الصباح، أي: فتى الغارة، تعبيرًا عن شجاعته وبطولته٣. ويثير سادات القبائل وقادتها في الحرب همم المحاربين بخطب حماسية يلقونها عليهم، يحرضونهم فيها على القتال وعلى التعاون فيما بينهم وعلى إطاعة أوامر قادتهم وعدم مخالفتها بتاتًا وعلى إظهار الشجاعة؛ لأنها من سجايا الرجال وعلى عدم المبالاة بالموت والصبر؛ لأن من صبر ظفر. إلى غير ذلك من خطب في الحث على الاستماتة, نجد بعضها مدونًا في كتب أهل الأخبار٤. وكانت العرب إذا تواقفت للحرب تفاخرت قبل الوقعة فترفع أيديها وتشير بها فتقول: فعل أبي كذا وكذا، وقام بأمر كذا وكذا. ويفعل الطرف الثاني مثل ذلك ويبدأ القتال٥. وتبدأ المعركة في الغالب بالمبارزة، بأن يخرج من كل جانب محارب أو أكثر, يتبخترون تباهيًا بأنفسهم، وقد يتحلقون ويتعطرون، وينشدون شعرًا يفاخرون فيه بأنفسهم وبأهليهم، وبقبائلهم وبأحسابهم وأنسابهم، وقد يسأل المبارز مبارزه فإذا وجد أنه غير كفء له انتقصه ورفض مبارزته. أما إذا وجد أنه كفؤ له، بارزه وضاربه، فيكر أحدهما على الآخر، وهكذا تستمر المعركة مبارزة بين محاربين أو أكثر، حتى تنتهي بالتحام قد يؤدي إلى هزيمة أحد الطرفين، أو لا يؤدي

стр. 3279

إلى أية هزيمة بالمعنى المفهوم، إنما ينسحب أحد الطرفين ويتراجع إلى مكانه فتنتهي بذلك تلك الحرب. وإذا برز المبارز، فيعلم على رأسه في الغالب، بأن يلبس سامة خاصة أو عصابة أو يضع ريشة يتباهى بها، وقد يستعملون الخوذ، إلا أنها كانت قليلة الاستعمال لدى الأعراب، لغلاء ثمنها عندهم. وقد كان "أبو دجانة" يختال عند الحرب إذا كانت، وكان إذا أعلم رأسه بعصابة له حمراء، علم الناس أنه سيقاتل١. ويقسم المحاربون قواتهم إلى مجنبة وقلب: مجنبة يمنى تهاجم أو تحمي الجانب الأيمن، ومجنبة يسرى تحارب وتدافع عن الجانب الأيسر من المحاربين. أما القلب، فيكون واجبه الهجوم أو الدفاع من الوسط، أي: وسط الجيش. وقد تقوم المجنبتان بالهجوم لتطويق العدو وحصره في دائرة، تضيق عليه. وفي معركة "يوم نخلة" من أيام الفجار، كان حرب بن أمية في القلب، وعبد الله بن جدعان وهشام بن المغيرة في المجنبتين٢. وتوضع أمام الجيش أو المحاربين مقدمة، تتقدم المقاتلين، يكون واجبها حماية القسم الأكبر من الجيش الذي يكون وراءها، وإرسال المعلومات عن العدو وإشغاله بالقتال إن وقع حتى يأتي المحاربون. ويقال للمقدمة: "مقدمت"، أي: "مقدمة" في السبئية٣. وللذي يتولى أمرها ويقودها: "قدم"٤. ويقال لطليعة الجيش، وهي التي تتقدم الجيش، للقاء العدو وللوقوف على أمره وخبره "نذيرة الجيش"٥. ولما ندب رسول الله المسلمين لفتح مكة، قسم الجيش إلى مجنبتين، وهما: الميمنة والميسرة، والقلب بينهما. وكان ترتيب الجيش إذ ذاك على خمس فرق: المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساقة. ولهذا كان يسمى خميسًا. وجعل رسول

стр. 3280

الله على "الحسر"، وهم الذين لا دروع عليهم "أبا عبيدة". ويقال لهم: "البياذقة"، وهم الرجالة، واللفظة فارسية معربة، سمّوا بذلك لخفة حركتهم وأنهم ليس معهم ما يثقلهم. وقد كانت اللفظة معروفة في أيام الرسول. وهم رجالة لا دروع عليهم، أي: حسرًا١. وقد استخدمت هذه التعبئة الخماسية في اللقاءات الكبيرة، أي: في الاشتباكات الضخمة, التي يمكن أن نسميها "حروبًا"، أما في الغارات وفي الغزو فكانوا يتبعون طريقة المباغتة والهجوم من كل جانب يمكن الهجوم منه. ويقال للقطعة من الجيش تمرّ قدّام الجيش الكبير "منسرت" "منسرة" في السبئية، ويراد بها "المنسر" في عربيتنا، ورد في النص Jamme ٦٣١ "ومنسرت خمسن"، أي: "ومنسرة الجيش"، أو "ومنسر الجيش" بتعبير أفصح٢. ويذكر علماء اللغة أن "الكردوس" القطعة من الخيل العظيمة. والكراديس الفرق منها٣. فالكردوس إذن حسب هذا التعريف القطعة من القوات الراكبة المحاربة. وقد كان النظام العشري في تنظيم الجيش، هو النظام المتبع في الأرضين التابعة للإمبراطورية اليونانية وفي الأرضين المتأثرة بثقافتها، فلا يستبعد أن يكون تأليف الجيش في اليمن في أيام احتلال الحبش لها على هذا الأساس أيضًا. وأصغر وحدة عسكرية وفق هذا التقسيم، هي الوحدة المكونة من خمسة جنود، تليها وحدة مؤلفة من عشرة ثم من مضاعفات العشرة. ويحكم كل وحدة ضابط يدير شئونها ويقوم بتدريبها وبالإشراف على سيرها وإدارتها في أثناء السلم وفي أثناء القتال. وقد يكون القتال صفوفًا، بأن يتقدم المحاربون فيحاربون صفًّا صفًّا، وذلك إذا كان المحاربون كثيرين. وإلى هذا النظام أشير في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ . وقد اتبع علي بن أبي طالب هذه الطريقة في يوم صِفّين. وأشار إليها في خطبته في أصحابه

стр. 3281

يعلمهم كيفية القتال١. أما في حروب القبائل وغزو بعضها بعضًا، فتكون المباغتة هي الأساس في الحرب، وتقوم على مهاجمة العدو بغتة ومفاجأة وهو في عقر داره أو في الموضع المتجمع فيه. وتتوقف المباغتة على حساب القائد وعلى حنكته في تقديره موقف عدوه. ويكون للماء الفضل الأكبر في النصر وكسب الحرب. لما له من شأن خاص في البوادي. لذلك كان يحسب له سادات القبائل الذين يقودون قبائلهم في القتال والغزو حسابًا كبيرًا، فيحملون معهم مقادير كبيرة منه تكفيهم المدة التي يقدرونها للقتال، أو يحاولون استباق عدوهم إلى مواضع الماء للسيطرة عليها، فإذا جاء العدو حرم الماء واضطر إلى استهلاك ما يحمله منه. وقد يؤدي نفاده إلى هزيمته وفراره. ويقال للمباغتة ولأخذ العدو بصورة مفاجئة: "بحض" في لغة المسند٢. ويعبر عن الحملة، أي: عن الجماعة من الجيش تزحف على عدو بـ"برث" في المسند٣. وقد عرف قادة الجيوش أهمية طبيعة الأرض في كسب النصر وفي الدفاع. لذلك كانوا إذا تحاربوا تسابقوا إلى مواضع الماء لتكون في مؤخرتهم حتى يستقوا منها ويمنعوا العدو من الشرب منها، كما كانوا يضعون الشمس عند ظهورهم حتى لا تؤثر على أعينهم، ويرتقون المرتفعات حتى يصعب على العدو الارتقاء إليهم بفعل الحجارة أو النبال التي ترمى عليه. فلما كان يوم شعب جبلة صعدت بنو عامر إلى الشعب، ووضعت نساءها وما معها من الإبل والمؤن عليه. وكانت قد أعطشت إبلها وعقلتها، وصارت هي دونه. فلما وقع القتال واشتد عمدت بنو عامر إلى الحيلة وإلى تنفيذ خطة كانت قد وضعتها فأخذت تتراجع وتزحف نحو أعلى الشعب، وصار العدو يتعقبها حتى بلغوا وسط الجبل. فقال الأحوص قائد بني عامر: حلوا عقل الإبل ثم احدروها، واتبعوا آثارها، وليتبع كل رجل منكم بعيره حجرين أو ثلاثة ففعلوا، ثم صاحوا بها فلم يفجأ الناس إلا الإبل تريد الماء والرعي, وجعلوا يرمونهم بالحجارة والنبل وأقبلت الإبل تحطم كل

стр. 3282

شيء مرت به. فانحط العدو منهزمًا، فلما بلغ السهل لم يكن لأحد منه همة إلا أن يذهب على وجهه، فجعلت بنو عامر تقتلهم وتصرعهم بالسيف فانهزم عدوهم شر هزيمة١. ولتقوية معنويات المحاربين في أوقات العسر والخطر، ولبعث الحمية في نفوسهم يقيد الرؤساء أنفسهم بقيود، مجتمعين أو فرادى، ثم يعلنون أنهم لا يبرحون مكانهم هذا حتى يهلكوا أو يربحوا٢. وقد كان العجم، يضعون السلاسل في أرجل المحاربين لمنعهم من الفرار، ولإجبارهم على الاستماتة في القتال. وقد كان كثير من المحاربين يأخذون زوجاتهم وذراريهم معهم في المعارك، ينقلونهم معهم وكأنهم ذاهبون إلى سفر أو رحيل إلى بلاد جديدة. وحكمتهم من ذلك أن الرجل منهم إذا رأى خلفه أهله وماله، قاتل عنهم٣. ولعلهم كانوا يستعينون بهم في جمع الغنائم والأسلاب وحراسة ما يقع في يد المحارب من أسرى. وكانوا يضعون أُسَرَهم وإبلهم ومؤنهم وظعائنهم في مؤخرة الجيش، وذلك حتى تكون في مأمن من العدو بعيدة عنه، وتكون بذلك مدعاة للنصر٤. وقد استعانوا بالنساء في حروبهم، وأوكلوا إليهن أعمال الإسعاف وضرب العدو ومقاتلته في أوقات الشدّة. فلما قاتلت "بكر بن وائل" "بني تغلب"، قال "الحارث بن عباد" للحارث بن همام بن مرة، وكان على "بكر بن وائل": "إن القوم مستقلون قومك، وذلك زادهم جراءة عليكم فقاتلهم بالنساء! قال له الحارث بن همام: وكيف قتال النساء؟ قال: قلد كل امرأة إداوة من ماء وأعطها هراوة واجعل جمعهن من ورائكم فإن ذلكم يزيدكم اجتهادًا وعلموا بعلامات يعرفنها، فإذا مرت امرأة على صريع منكم عرفته بعلامته فسقته من الماء ونعشته وإذا مرّت على رجل من غيركم ضربته بالهراوة فقتلته وأتت عليه فأطاعوه. وحلقت بنو بكر يومئذ رءوسها استبسالًا للموت وجعلوا ذلك علامة بينهم وبين نسائهم، واقتتل الفرسان قتالًا شديدًا، وانهزمت بنو تغلب ولحقت بالظعن بقية

стр. 3283

يومها وليلتها واتبعهم سرعان بكر بن وائل١. وقد أشركوا أصنامهم معهم في الحروب، أشركوها معهم لتمنّ عليهم بالنصر والتأييد. وقد سقطت أصنام القبائل العربية أسيرة بأيدي الآشورين، وكانوا قد حملوها معهم للتبرك بها ولاكتساب النصر، فأسرها الآشوريون. واضطر الأعراب على مراجعتهم لإعادتها إليهم. وفي يوم "الزورين"، وهو لبكر على تميم، أخذت تميم بعيرين مجللين، فعقلوهما، وقالوا: هذان زورانا، أي: إلهانا لن نفر حتى يفرا، وهزمت تميم ذلك اليوم، وأخذ البكران، فنحر أحدهما وترك الآخر يضرب في شولهم٢. وذكر أن "الزور" كل ما يعبد من دون الله، كالزون. والزون الصنم٣. والفرسان هم آلة الحرب الحاسمة للحروب، وعليهم يقع معظم ثقل المعارك. وقد كانت معظم معارك الجاهلية معارك فرسان، يكون المحاربون الآخرون فيها وكأنهم متفرجون، يساهمون في المعركة بأصوات التشجيع والحث على الاستماتة في القتال. وقد يدخل القائد نفسه المعركة ليقاتل خصمه. وللفارس بالطبع منزلة كبيرة في نفوس قومه؛ لأنه هو المدافع والمهاجم والآخذ بالثأر. وقد حفظت كتب الأخبار أسماء جماعة من فرسان الجاهلية وشجعانها ممن كان لهم شأن يذكر في الشجاعة في تلك الأيام، من هؤلاء: ربيعة بن مكدّم من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة، وكان كما يقول أهل الأخبار: يعقر على قبره في الجاهلية, ولم يعقر على قبر أحد غيره٤. فعلوا ذلك تكريمًا لشأنه وتعظيمًا له. وقد ذكر قبره وعقر الناس عليه في شعر بعض الشعراء٥. ومن بقية فرسان العرب في الجاهلية: عنترة الفوارس، وعتيبة بن الحارث بن شهاب، وأبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة، وزيد الخيل، وبسطام بن قيس، وأحيمر السعدي، وعامر بن الطفيل، وعمرو بن عبد ود، وعمرو

стр. 3284

ابن معديكرب١، وبسطام بن مسعود الشيباني سيد شيبان، قتله عاصم بن خليفة الضبي يوم الشقيقة٢. ويقال للفارس، أي: لراكب الفرس: "فرس" في العربية الجنوبية، ولمّا كانت الكتابة العربية الجنوبية لا تشكل الحروف ولا تضبط كيفية النطق بها، لذلك فمن الجائز أن العرب الجنوبيين كانوا ينطقون بها على نحو ما تنطق بها في عربيتنا, أي: "فارس". وأما الجمع في تلك اللهجة، فهو "افرس" "أفرس"، أي: "فرسان"٣. وقد كانت لسرعة الفرسان أهمية كبيرة في نتائج القتال. إذ كانوا ينقضون على المحاربين المشاة وعلى المدن أو القبائل انقضاض الصواعق، ويربكوا الخصم فيمهدوا بذلك لمشاتهم من التغلب على العدو. ويظهر من الكتابات التي يعود عهدها إلى ما قبل الميلاد أن عدد الفرسان في الجيوش العربية الجنوبية المحاربة لم يكن كبيرًا، وأن أكبر عدد منها لم يتجاوز عن بضع مئات. وسبب ذلك على ما يظهر قلة وجود الخيل إذ ذاك. ولا يستبعد أن يكون استيراد الخيل إلى هناك من عهد غير بعيد بعدًا كبيرًا عن الميلاد. أما الذين يقاتلون وهم على ظهور حيوانات أخرى، كالجمل وهو في الغالب، فيقال لهم: "ركبم" "ركب"، أي: "راكب"٤. وقد عرف العرب بقتالهم وهم على ظهور الجمال، وفي الكتابات الآشورية وكتابات المسند صور عرب وهم يحاربون من على ظهور جِمالهم، وذلك لقلة وجود الخيل عندهم في ذلك الوقت. وللجاهليين آراء في كيفية الاستفادة من الخيل في القتال، فكان خالد بن الوليد لا يقاتل إلا على أُنثى؛ لأنها أقل صهيلًا من الفحل، وكانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات وفي "البيات" أي: الإغارة على العدو ليلًا, ولما خفي من أمور الحرب. وكانوا يستحبون فحول الخيل في الصفوف والحصون والسير والعسكر ولما ظهر من أمور الحرب، وكانوا يستحبون خصيان الخيل في الكمين والطلائع؛

стр. 3285

لأنها أصبر وأبقى في الجهد١. ويعبر عن الجرح بـ"زسخنت" "زخنة"، وبـ"زسخن" عن فعل يجرح، وذلك في العربية الجنوبية٢.

стр. 3286

التحصينات: وتدافع بعض المستوطنات، مثل: قرى الريف والمدن، عن نفسها بإنشاء تحصينات تقيها من هجمات عدوّ ما. وتشمل هذه التحصينات حفر خندق، وإقامة أسوار، وإنشاء أبراج وحصون وآطام وأمثال ذلك. وقد كانت مدينة الطائف ذات سور حصين، تغلق أبوابه آناء الليل وأيام الخطر، وقد تحصنت به ثقيف يوم حاصرهم الرسول. وقد عثر على آثار أسوار في خرائب مدن اليمن، تدل على أن تلك المدن كانت مسورة محصنة، وقد عثر على آثار قلاع وحصون وأبراج في تلك الأسوار على مسافات وأبعاد معينة تشير إلى أنها كانت لتحصين السور وللدفاع عنه ولضرب الأعداء عند محاولتهم الدنو منه. وتعرف أبراج السور المقامة لحمايته ولتقويته ولضرب العدو منه بـ"فنوت" في العربيات الجنوبية، ويطلق العبرانيون هذه اللفظة على مثل هذا البرج أيضًا١. ويقال للحصن والبرج: "مكدل" "مجدل" في العبرانية٢. وبهذا المعنى ترد اللفظة في عربيتنا كذلك. وقد ذكر علماء اللغة أن الاجتدال: البنيان، وجاء في عشر للأعشى: في مجدل سد بنيانه ... يزل عنه ظفر الطائر٣ وتستعين القرى بالمجادل في الدفاع عن نفسها. وتكوّن أبراج مراقبة أيضًا، يراقب منها العدو، وتكون مواضع دفاع لأهل القرى، أو العاشر، حيث لا أسوار

стр. 3287

تحمي ولا خنادق تعيق العدو من التقدم١. ويعبر عن تحصين المواضع وتقويتها لتتمكن من الدفاع عن نفسها بلفظة "تمنع" في السبئية، أي: إكساب الموضع مناعة٢. ولم يكن في وسع الحكومات أو الإمارات والمشيخات تحصين كل المستوطنات والقرى لما يتطلب ذلك من جهد ومال. ولقلة عدد سكان هذه الأماكن قلة تجعل من الصعب عليهم أن يقوموا وحدهم بإنشاء حصون, وإقامة تحصينات وبناء أسوار وحفر خنادق. ولذلك احتمى سكان أمثال هذه المستوطنات بحصون الإقطاعيين الذين أقاموها لحماية ممتلكاتهم وأموالهم وأهليهم وذراريهم، وبوسائل دفاع أخرى لا تكلفهم كثيرًا لضمان سلامتهم وسلامة أموالهم ومقتنياتهم في السلم والحرب. أما المستوطنات الكبيرة، من درجة مدينة، فإنها تحاط في الغالب بأسوار لها أبواب تغلق في الليل، فلا يسمح بالدخول أو الخروج منها، ويحافظ عليها، ولا سيما في أثناء الخطر، حرّاس يسهرون عليها لمنع أي عدو طامع في المدينة من الوصول إليها. ويقال لهذه المدن "هكر" "هجر" في العربيات الجنوبية. فحيث ترد لفظة "هكر" في المسند فإنما تعني مدينة ذات أحياء وسكان كثيرين، ولها أسوار في الغالب تحميها من هجمات الأعداء. وتعبر العبرانية عن المدينة المحصنة المحاطة بسور، بلفظة "عر"، وذلك لتمييزها عن المدن المحصنة بحصون، والتي يقال لها: "عر مبصر" Ir Mibsar، وعن القرية التي يقال لها: "حصر" "حصور" و"قره" "قريت"، وتكون غير مسورة٣. أما "العر" في العربية الجنوبية فبمعنى "حصن"، وموضع محصن. وتطلق اللفظة على المواضع المحصنة بعر، أي: حصن، أي: في معنى قريب من المعنى الوارد في العبرانية٤. وتذكر كتب اللغة أن العرار: القتال، وأن العرة الشدة في الحرب٥. فللفظة صلة بالقتال إذن. ويوجد موضع يقع في

стр. 3288

ملتقى طرق يقع في "وادي مسيلة" يسمى "حصن العرّ بُني على مرتفع صخري بارز كان حصنًا مهمًّا لحماية الأرضين المحيطة به, ولحماية القوافل التي تمر بهذا الوادي المهم١. ولا تزال بقايا هذا الحصن باقية، وقد أقيمت جدره من حجارة صلدة نضدت بعضها فوق بعض تنضيدًا جيدًا، وقد صقلت الأحجار صقلًا يدل على مهارة, وقد تألف الحصن من غرف كثيرة، ويبلغ طوله "٩٠" مترًا, وبه آثار معبد، وآبار لاستخراج الماء منها للشرب وللاستعمال٢. ويعبر عن المانع الذي يحول بين العدو وبين الدنو من المكان الذي يريده بـ"حيل" في العبرانية٣. أي: "الحائل" ويراد به الخندق٤. وقد ورد في كتب اللغة أن "الحيل" الماء المستنقع في بطن وادٍ٥. و"الحائل" هو المانع، أي: الحاجز الذي يحجز أهل الموضع الذي تحصن الناس به عن عدوهم، وهو سور أو خندق أو أي شيء آخر يتخذ للدفاع عن النفس. ومن بين الحوائل والموانع التي استعملها الجاهليون لصد العدو من الزحف على بلادهم أو التسلل إلى أرضهم سد الممرات الجبلية والأودية ومفارق الطرق المهمة؛ ببناء جدر وأسوار لتحول بين المرور والتسلل إلا بأمر وتخويل، ويكون المرور عندئذ من الأبواب المخصصة للعبور فقط. ومن أمثلة ذلك سد "أُبنة" "لبنة" الذي أقيم في وادي "أبنة" ليسد الطريق على القادمين أو الذاهبين من "شبوة" إلى ميناء "قنا" "قنى" "قانة" Cane المهم٦. وقد بُني عند مضيق يبلغ عرضه "١٨٠"مترًا، أما ارتفاعه فجعل حوالي خمسة أمتار، فأما ثخنه فحوالي المترين. وقد بُني بحجارة مصقولة صقلًا جيدًا, ورصفت رصفًا حسنًا وربط بينها ملاط قوي شد الأحجار شدًّا. وقد جعل له باب عرضه خمسة أمتار يمكن غلقها بإحكام، ولزيادة مقاومتها توضع صفوف من الأحجار الثقيلة خلفها أيام الخطر، فتسد بها وتكون وكأنها قد سدت بجدار قوي سميك. وهناك آثار جدر أخرى

стр. 3289

أقيمت لغايات مماثلة تقع في "وادي العروس" "وادي عروس" وفي "عنصاص" ويرجع تأريخها إلى حوالي القرن الثالث قبل الميلاد١. وتختلف الأسوار من حيث المتانة والتحصينات والمواد التي تبنى بها باختلاف قدرة المدن المالية، فبعضها ذات أسوار ثخينة متينة، لها تحصينات قوية، يحتمي بها المدافعون لمقاومة المهاجمين، ولرميهم بمعدات المقاومة، لها مزاغل وفتحات ينظر منها المدافعون إلى أعدائهم، فإذا اقتربوا من السور، رموهم بالسهام وبالحجارة وبالمواد المشتعلة، وسكبوا عليهم الماء الحار أو الزيت المغلي إذا أرادوا إحداث ثغرة فيه أو قلع الأبواب وكسرها. وعند أبواب المدن أو أبواب المعابد أو المباني العامة أو الشعاب، تكون رحاب، يتخذها سكان المدن مواضع يبيعون فيها ويشترون وأماكن للتجمع. وتعرف الواحدة بـ"رحبة" وتسمى "رحبوت" و"رحب" في العبرانية٢. وفيها تعقد الاجتماعات العامة، ويتجمع الناس لسماع الأخبار، وفيها تنفذ الأحكام العامة، مثل: تنفيذ أحكام الإعدام والإعلان بالمجرمين. وتكون مرابد تنعقد فيها الأسواق أيام الأسبوع. أو في أيام خاصة منه، أو في السنة. وأبواب المدة المسورة، هي المنافذ الوحيدة التي يدخل منها الناس ويخرجون. وتختلف في السعة، فلبعضها أبواب واسعة في كلٍ منها مصراعان، ولبعضها مصراع واحد. وتكون ثخينة متينة. وقد تُقوى بكسوتها بطبقة من حديد أو من معدن آخر، ليكون في إمكانها مقاومة المهاجمين، فلا تتحطم وتنهار بسرعة، ولا تأكلها النار. وتغلق بمغاليق متينة. تُقوى بحجارة وبأخشاب متينة عند حدوث خطر ما. وأما المجازات التي تلي الأبواب وتؤدي إلى الرحاب، فهي مختلفة الأشكال، ويحتمي بها المدافعون أيام الخطر، لسدها، ولشد أزر الأبواب على الوقوف صامدة أمام المهاجمين. وقد يواجه الباب، جدار متين، يجل المجاز على هيئة غرفة، يخرج الناس ويدخلون في ركن من أركانها يربط بين المجاز والرحبة المؤدية إلى الشعاب. وذلك ليكون من العسير على المهاجمين الولوج في المدينة عند تمكنهم من تحطيم الأبواب، وقد يُقوى الباب ببرج يُبنى فوقه، يكمن فيه المقاومون، لرمي العدو ولإلحاق الأذى به إذا ما حاول مهاجمة الباب.

стр. 3290

وتسدّ منافذ شعاب المدن بأبواب كذلك، لتقي من في الشعاب من أخطار الأشرار والمعتدين. وتغلق هذه الأبواب في الليالي. وقد تحاط الشعاب بسور يمنع الناس من الدخول إلى الشعب إلا من الباب المؤدي إليه. وفي المدن الملكية، تحاط قصور الملوك ومخازنهم ومداخرهم بأسوار قوية تحميهم من المعتدين. وقد تُبنى قلاع في مواضع مرتفعة من المدن، أو على تلال صناعية ليقاوم منها الناس عند انهيار المقاومة الخارجية، فتكون بذلك آخر وسائل المقاومة قبل الاستسلام. أما القرى، فيدافع عنها بحصون وآطام وبمجادل وذلك لفقر أهلها وعدم تمكنهم من إقامة سور قوي يحمي القرية. وقد كان يهود الحجاز الساكنون في شمال المدينة، قد حصنوا قراهم بآطام يلجئون إليها ويحتمون بها أيام الخطر. وقد عرفت هذه الحصون عندهم بـ"آطام" وواحدها "أطم". وأما القرية، فهي "قرية" في العبرانية، وتسمى بـ"قريتا Keritha في لغة بني إرم١. ويقال للحصن "الأجم" والجمع "آجام"، وقد ورد ذكر الأجم في شعر لامرئ القيس. وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أجمًا إلا مشيدًا بجندل٢ ويقال للحصن: "الأطم" كذلك، والجمع آطام. ولا تزال آثار آطام جاهلية باقية في الحجاز وفي نجد وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب وفي "وادي الحفر" بنجد، ويعرف بـ"حضر بني حسين"، آثار قصور وآطام جاهلية وآبار كثيرة٣. وذكر بعض علماء اللغة أن الآطام: القصور والحصون، وخصصها بعض آخر بالدور المسطحة السقوف. وقد اشتهر "الأبلق"، وهو حصن "السموأل بن عادياء" في التأريخ، وهو في تيماء. وورد اسمه في شعر للأعشى مدح به السموأل٤. وكانت الأوس والخزرج تتمنع بالآطام، وتحارب عليها، وقد أرخت بحرب وقعت فيما بينهم بها، فقالوا: "عام الآطام"، وقد أخربت في أيام

стр. 3291

عثمان١. ويقال للأطم: الأجم أيضًا٢. فكانت الآطام هي وسائل الدفاع عند أهل يثرب، إذ لم يكن حولها سور يحميها من غزو الأعداء. فكانوا إذا حوصروا أو وقع غزو عليهم، لجئوا إلى آطامهم يتحصنون بها ويقذفون من أعاليها بما عندهم من وسائل دفاع لمنع العدو من الدنو منهم ولإلحاق الأذى به. وهي جملة آطام تملكها البيوتات العريقة وسادات الشعاب المكونة ليثرب والقائمة على أساس التقسيم العشائري٣. والآطام بيوت السادات ورؤساء القوم، يلجأ إليها الناس للدفاع عن أنفسهم وعنها وقت الخطر. ويظهر من شعر أوس بن مغراء السعدي: بَثَّ الجنود لهم في الأرض يقتلهم ... ما بين بصرى إلى آطام نجران٤ أي: نجران كانت ذات آطام كذلك. وذكر أن باليمن حصن يعرف بأطم الأضبط، وهو الأضبط بن قريع بن عوف بن سعد بن زيد مناة. كان أغار على أهل صنعاء وبنى بها أطمًا. ونسبوا له شعرًا، من هذا الشعر الذي يحمل طابع العصبية القبلية، والحقد على اليمن. يذكر فيه أنه شفى نفسه من "ذوي يمن"، بالطعن في اللبات والضرب، وأباح بلدتهم، وأقام حولًا كاملًا يسبي، وبنى أطمًا في بلادهم ليثبت تغلبه عليهم، وليكون أمارة على قهره لهم٥. وقد اشتهر أطم "الضاحي" بالمدينة. وهو أطم بناه "أحيحة بن الجلاح" من سادات يثرب بـ"العصبة" في أرضه التي يقال لها: "القنانة"٦. وكان دفاع أهل الحيرة عن مدينتهم وفق هذه الخطة أيضًا. فقد كانت المدينة "قصورًا" كل قصر لعائلة كبيرة، هو مسكن لها، وهو مخزن ومستودع

стр. 3292

وحصن تتحصن به عند وقوع خطر على المدينة. وبه مواضع في أعلى القصر لرمي الأعداء، ويلجأ أتباع أصحاب القصور إلى هذه القصور أيضًا للمساهمة في الدفاع عنها وفي حماية أنفسهم من الأذى. ولما حاصرالمسلمون الحيرة. كان حصارهم لها هو حصار قصورها، فكانوا يحاربون القصورحتى غلب المسلمون أهلها فاستسلمت عندئذ لهم. ولحماية السور ولمنع العدو من الوصول إليه والدنو منه، يحفر خندق حوله، ليمنع الغزاة والمحاربين من الوصول إليه. يحفرعميقًا وعريضًا جهد الإمكان، فعلى عرضه ومقاومته تتوقف مقاومته للعدو. ولما حاصر المشركون المدينة، أمر الرسول بحفر خندق حولها، ليمنع المشركين من الوصول إليها. وقد ذكر أن سلمان الفارسي، هو الذي أشار على الرسول بحفر الخندق، بعد أن تباحث مع أصحابه في الوسائل التي يجب اتخاذها لحماية المدينة، وزعم أهل الأخبار أن أهل الحجاز لم يكن لهم علم بالخنادق، وأن المسلمين كانوا في قلق شديد وخوف من تغلب قريش عليهم، فذكر سلمان لهم طريقة أهل بلاده في الدفاع عن مدنهم، فأخذوا برأيه. فلما رأت قريش الخندق، عجزت عن اقتحامه، ونجت يثرب منهم به. وزعموا أيضًا أن لفظة الخندق، وهو لفظة معربة من الفارسية، وإذا أخذنا برأي هؤلاء أصحاب الأخبار، وجب اعتبار تأريخ دخولها إلى العربية منذ هذا الحادث إذن. ويطلق العبرانيون لفظة "حيل"، أي: حائل على الخندق١. وأنا أشك كثيرًا في موضوع جهل أهل مكة والمدينة بأمور الخنادق، وفي قصة أن "سلمان الفارسي" كان أول من علم المسلمين حفرالخنادق؛ وذلك لأن أهل اليمن كانوا قد أحاطوا مدنهم بالخنادق لتعوق المهاجمين عن بلوغ الأسوار، كما أن أهل فلسطين كانوا يحيطون مدنهم بالخنادق أيضًا، وقد كان لأهل الحجاز اتصال وعلاقات بالمكانين وبالعراق أيضًا، وقد زاروا مدنًا أحيطت بالخنادق، فلا يعقل أن يكونوا على غفلة من أمرها، والظاهر أن الرسول كان قد جمع أصحابه حين داهمه المشركون ليستشيرهم بصورة عاجلة في كيفية الدفاع عن "يثرب" بعد أن هددها الكفار، فبيّن كل صحابي رأيه، وكان من رأي "سلمان"

стр. 3293

حفر خندق ليحول بينهم وبين دخول المدينة، فأخذ الرسول برأيه، وحفر الخندق، وبه سميت المعركة "معركة الخندق". فصوّر "سلمان الفارسي"، وكأنه أول من علم أهل الحجاز حفر الخنادق. ويظن أن لفظة "خبزت" التي ترد في النصوص المعينية وغيرها إنما تعني "خنادق" ومنخفضات صنعت لحماية الأسوار والمتاريس والقلاع حتى تمنع العدو والمهاجمين من الدنوّ منها١. وتؤدي لفظة "صحفت" معنى خندق أيضًا٢. وربما تؤدي معنى حاجز مائي يملأ بالماء حتى يمنع المهاجمين من الدنو إلى الموضع المحصن. وقد كان الأغنياء وأهل القرى والمدن يستخدمون رقيقهم في الدفاع عنهم. وقد كان أهل مكة مثلًا قد جعلوا من أحابيشهم قوة عسكرية تحارب معهم وتقاتل عنهم بأسلحتهم وبطريقة قتالهم التي ألفوها في بلادهم، مثل القتال بالحراب، أو الرمي بالنشاب، وقد عرف هؤلاء بالأحابيش. ولعلهم استخدموا الرقيق الأبيض المجلوب من بلاد الروم ومن أماكن أخرى في تنظيم أمور الدفاع وإدارة القتال لخبرتهم ودرايتهم في أساليب القتال المدنية، كالذي فعله الرسول من استشارته سلمان الفارسي في أمر الدفاع عن المدينة يوم حاصرتها قريش، فكان أن أشار عليه بحفر خندق حولها يعوق تقدم قريش من المدينة، ففعل كما يشير إلى ذلك أهل السير والأخبار. والمصانع: الأبنية, وقد وردت "مصانع" في الآية الكريمة: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ ٣. بمعنى الحصون المنيعة، و"مصنعت" "مصنعة", في الحميرية بمعنى حصن. وذلك كما في هذه الجملة المقتبسة من نص "أبرهة" المدوّن على سد مأرب: "مصنعت كدر"، أي: "حصن كدر"٤. ولا تزال لفظة "مصنعة" مستعملة حتى اليوم في العربية الجنوبية في معنى قلعة وحصن٥. وقد اشتهرت حمير بمصانعها.

стр. 3294

والمصانع: القرى١. ويظهر أنها إنما دعيت بذلك لوجود المصانع بها. واحدتها: مصنعة. أي: حصن. يدافع به عن المتجمعين حوله. و"القلعة" على ما يظهر من أقوال علماء اللغة، الحصن على الجبل، والحصن الممتنع في جبل، والحصن المشرف٢. تُبنى في المواضع المرتفعة لتشرف على ما تحتها، ولتراقب العدوّ، وتكون بها حامية، وقد يتحصن بها أهل الموضع عند دنو خطر عليهم، فيصعب على العدو الوصول إليهم، لوعورة الأرض وامتناع القلعة، وتسلط من فيها على من يريد بلوغهم، بما يمطرونه به من أسلحة الدفاع. و"الحصن" ما يتحصن به، يتخذ في مواضع حصينة، مثل: المرتفعات وعلى الأنهار وعند الآجام، لزيادة حصانته، وقد يتخذ في مواضع خطرة مكشوفة ليدافع عنها، فيحصن بتحصينات قوية من سور متين وجدر سميكة ومتاريس وأبراج، لتصد من يريد مهاجمته. وتكون الحصون برية وبحرية٣. ولا تزال آثار حصون جاهلية قائمة في مواضع من جزيرة العرب، صنع بعض منها من "اللبن" والطين، وذلك في البوادي وفي المواضع التي لا تتوفر بها الحجارة، والمواضع الفقيرة التي صعب على أهلها بناء حصونهم من الآجر. و"البرج": الحصن، وقيل: بروج سور المدينة والحصن: بيوت تُبنى على السور؛ وقد تسمى بيوت تُبنى على نواحي أركان القصر بروجًا٤. وتكون البروج مرتفعة. وقد تُبنى منفردة، ولكن الأغلب بناؤها على الأسوار. والكلمة من الألفاظ المعربة عن اليونانية٥.

стр. 3295

وكان يهود الحجاز قد ابتنوا الحصون والآطام، للدفاع عن أنفسهم وأموالهم في السلم والحرب. فكانوا يخزنون فيها أموالهم وحصادهم وثمرهم وكل غال ثمين عندهم، وكانوا يدخلون إليها عند الظلام، فينامون فيها، خشية غزو أحد لهم، واعتداء غريب عليهم. فإذا طلع الصبح، خرجوا إلى مزارعهم ومواضع عملهم للاشتغال فيها إلى وقت المغيب، وكانوا يدخلون إليها حيواناتهم كذلك خشية سلبها ونهبها. أما في الغزو وفي القتال، فكانوا يعتصمون بها ويقذفون مهاجمهم بالصخور والحجارة وبوسائل الدفاع الأخرى من أعالي الحصون ومن الأبراج المشيدة فوقها. وقد وردت في كتب السير والتأريخ أسماء عدد من حصون اليهود في خيبر وفي أماكن أخرى وذلك في غزوات الرسول ليهود١. ويعبر عن الحراس الذي يحرسون شيئًا ويدافعون عنه، مثل: حراس الحصون والقلاع وأبواب المدن أو حرس الضباط والكبار بلفظة "مسجت" "مسكت" "مسكة" في السبئية. أي: في معنى "الماسكة"، وأما المفرد فـ"مسج" "مسك"، أي: الماسك٢. وقد استعمل الجاهليون آلات القذف والرمي, وآلات الهدم الثقيلة في حروبهم كما يفعل الناس لهذا العهد. وهي آلات تبدو بسيطة مضحكة بالنسبة إلى آلات الخراب والتدمير المستعملة في الزمن الحاضر. قد يخجل الإنسان من التحدث عنها لأبناء هذا الزمان، ولكننا حين نتحدث عن الماضي وعن الأناس الماضين، فإننا لا نتحدث عنهم كما نتحدث عن أناس زماننا ولا نقيس إنتاجهم على إنتاجنا، وذلك لوجود فارق دقيق هو فارق الزمن. وهذا الفارق هو التطور الكبير الذي يقع للإنسان كلما تقدم به الزمان ومرت عليه التجارب والاختبارات التي يطور الإنسان بها نفسه دومًا ويزيد في علمه علمًا جديدًا لم يكن معروفًا عند القدماء. وسيأتي زمان تكون فيه اختراعات القرن العشرين، الاختراعات التي نفخر بها اليوم، ألاعيب أطفال بالنسبة إلى اختراعات ذلك الوقت، واختراعات ذلك الزمان ألاعيب أطفال بالنسبة إلى من يأتي بعدهم، وهكذا إلى آخر الزمان. ولهذا لا نستطيع قياس الماضي على الحاضر بما أوجده من اكتشافات واختراعات على هذا
следующие страницы →