الأصنام. وقوله تعالى: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ ، هي صور للأنبياء"١. وذكر التماثيل للأصنام، والصورة، والشيء المصنوع مشبهًا بخلق من خلق الله. أي إنسان أو حيوان أو نبات٢. ويعبر عن التمثال والمثال بلفظة "أمثلن" في العربيات الجنوبية. وردت في النصوص لمناسبة تقديم أصحابها تماثيل على الآلهة لتوضع في معابدها وفاء لنذور نذروها لها٣.
و"الدمية" الصورة المنقشة من الرخام، أو عام من كل شيء، أو الصورة عامة. والصنم، والأصنام دمى. ومن أيمان الجاهلية: لا والدمى، يريدون الأصنام٤. وذكر أن "الدمية" ما كان من الصمغ٥.
و"البد" الصنم الذي يعبد، فارسي معرب. عرب من "بت" بمعنى "صنم"٦. وذكر أن "البد" بيت الصنم والتصاوير أيضًا٧.
وقد اشتغل بعض أهالي مكة بصنع الأصنام فكان "عكرمة بن أبي جهل" ممن يعملها بمكة٨. وكان الأعراب إذا جاءوا مكة أو المواضع الحضرية الأخرى اشتروا الأصنام منها للتعبد لها٩.
стр. 3572
هيأة الأصنام:
وقد وصف "ابن الكلبي"، وهو الراوية الرئيس والعالم الكبير بالأصنام هيئه بعض الأصنام، فذكر مثلًا أن الصنم "هبل" كان على صورة إنسان مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش فجعلت له يدًا من ذهب١. فهو تمثال إنسان إذن نحت من حجر أحمر أو وردي، لا يستبعد أن يكون من عمل بلاد
стр. 3573
الشأم أو من عمل الفنانين اليونان، واستورد من هنا: فنصب في جوف الكعبة. استورده أحد سادة "مكة" وهو "عمرو بن لحي" على رواية أهل الأخبار، أو غيره، لما رأى فيه من حسن الصنعة ودقة النحت. فوضعه في موضعه. ولم يذكر أهل الأخبار سبب كسر اليد اليمنى للصنم، هل كان ذلك بسبب حادث، أو بسبب أسطوري. وأما "اللات" فصخرة بيضاء منقوشة١، في رواية أكثر الأخبار. وتمثال من حجر على رواية٢. وأما العزى، فهناك رواية تذكر أنها كانت صنمًا، أي تمثالًا، ولكنها لم تعين صورته على نحو ما تحدثت عنها في الفصل الخاص بالأصنام. وأما "ود" فقد كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد ذبر عليه حلتان، متزر بحلة، مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسًا، وبين يديه حربة فيها لواء، ووفضة فيها نبل٣.
وأما سواع، فكان صنمًا على صورة امرأة ولا يستبعد أن يكون من بين الأصنام الباقية ما كان على صورة حيوان. فقد كان الصنم "نسر" يمثل النسر.
وأقصد بالأصنام في هذا المكان أصنام المعابد، أي الأصنام التي كان الناس يتقربون إليها بالتعبد والنذور. وأما الأصنام الصغيرة، وهي التماثيل التي كان يتعبد لها الناس في بيوتهم أو يحملونها معهم في أسفارهم أو يحملونها معهم حيث ذهبوا تبركًا بها فقد كانت كثيرة لا يخلو منها إنسان، وكانوا يتقربون بها إلى الأصنام الكبيرة. وقد عثر المنقبون على عدد كبير منها وهي متفاوتة في الحجم وفي الروعة ودقة الصنع والإتقان.
стр. 3574
عبادة الأصنام:
ونظرية "ابن الكلبي" ومن لف لفه من الأخباريين أن نسل إسماعيل بن إبراهيم لما تكاثر بمكة حتى ضاقت بهم. وقعت بينهم الحروب والعداوات، فأخرج بعضهم بعضًا، فتفسحوا في البلاد التماسًا للمعاش وكان كلما ظعن من مكة ظاعن حمل معه حجرًا من حجارة الحرم؛ تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة.
стр. 3575
فحيثما حلّوا، وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة، تيمنًا منهم بها وصبابة بالحرم وحبًّا له. وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة، ويحجون ويعتمرون، على إرث إبراهيم وإسماعيل.
"ثم سلخ بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، وانتجثوا ما كان يعبد قوم نوح منها، على إرث ما بقي فيهم من ذكرها، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها: من تعظيم البيت، والطواف به، والحج والعمرة، والوقوف على عرفة ومزدلفة، وإهداء البدن، والإهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه"١.
فكان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وبحر البحيرة، وحمى الحامية، عمرو بن ربيعة، وهو لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي، وهو أبو خزاعة.
وكانت أم عمرو بن لحي، فهيرة بنت عامر عمرو بن الحارث بن عمرو الجرهمي، ويقال: قمعة بنت مضاض الجرهمي٢.
وكان الحارث هو الذي يلي أمر الكعبة. فلما بلغ عمرو بن لحي، نازعه في الولاية، وقاتل جرهمًا ببني إسماعيل، فظفر بهم، وأجلاهم عن الكعبة، ونفاهم عن بلاد مكة، وتولى حجابة البيت بعدهم.
ثم إنه مرض مرضًا شديدًا، فقيل له: إن بالبلقاء من الشأم حمة إن أتيتها، برأت. فأتاها، فاستحم بها، فبرأ. ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو. فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا. فقدم بها مكة، ونصبها حول الكعبة. ثم أخذ عمرو بن لحي في توزيع الأصنام على القبائل. وبذلك شاعت عبادة الأصنام بين الناس٣.
стр. 3576
هذه رواية شهيرة معروفة بين الأخباريين عن منشإ عبادة الأصنام وانتشارها عند العرب. وفي رواية أخرى: "كان أول من اتخذ تلك الأصنام، من ولد إسماعيل وغيرهم من الناس، وسموها بأسمائها على ما بقي فيهم من ذكرها حين فارقوا دين إسماعيل، هذيل بن مدركة"١. فنسبت هذه الرواية اتخاذ الأصنام إلى هذيل.
وهناك روايات أخرى في هذا المعنى تتفق مع الرواية الأولى من حيث الجوهر ولا تختلف معها إلا في بعض التفاصيل، ففي رواية أن "عمرو بن لحي" حينما قدم "مآبًا" من أعمال البلقاء، وهي يومئذ بأيدي العماليق، ووجدهم يتعبدون للأصنام، سألهم أن يعطوه صنمًا منها ليسير به إلى أرض العرب ليعبدوه، فأعطوه الصنم هبل، فأخذه، وقدم به إلى مكة فنصبه. وأمر الناس بعبادته٢. فعينت هذه الرواية القوم الذين ذهب إليهم "عمرو بن لحي"، والموضع الذي نزل به، وثبتت اسم الصنم الذي أخذه منهم. وهي زيادات لم نجدها في كتاب الأصنام غير أن تشابه عبارات هذه الرواية التي ذكرها "ابن هشام" مع رواية "ابن الكلبي" يدل على أن المنبع واحد، وإنما الخلاف هو في ذكر بعض الفروع، وفي اختصار بعض المواضع، والإطناب في مواضع أخرى.
وفي رواية أخرى عن "ابن الكلبي" كذلك، وهي في كتابه الأصنام، ترجع أيضًا عبادة الأصنام إلى عمرو بن لحي، غير أنها تروي الخبر في صيغة أخرى، فتقول:
"وكان عمرو بن لحي، وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد، وهو أبو خزاعة. وأمه فهيرة بنت الحارث، ويقال إنها كانت بنت الحارث بن مضاض الجرهمي، وكان كاهنًا. وكان قد غلب على مكة وأخرج منها جرهمًا، وتولى سدانتها.
стр. 3577
وكان له رئي من الجن، وكان يكنى أبا ثمامة، فقال له: عجل بالمسير والظعن من ثمامة، بالسعد والسلام! قال: جير، ولا إقامة.
قال: ايت ضف جدة، تجد فيها أصنامًا معدة، فأوردها تهامة ولا تهاب، ثم ادع عبادتها قاطبة.
فأتى شط دجلة، فاستشارها، ثم حملها حتى ورد تهامة، وحضر الحج، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة.
فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللآت بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلون بن عمران بن الحاف بن قضاعة، فدفع إليه ودًّا. فحمله إلى وادي القرى، فأقره بدومة الجندل. وسمى ابنه عبد ود. فهو أول من سُمي به، وهو أول من سُمي عبد ود، ثم سمعة العرب به بعد١.
فهذه الرواية هي على شاكلة الرواية الأولى في منشإ عبادة الأصنام بين العرب قبل الإسلام بحسب رأي الأخباريين بالطبع، سوى اختلافها عنها في المكان الذي أخذت الأصنام منه. فهنا "جدة" على ساحل البحر الأحمر، وهناك البلقاء من أعمال الشأم. والموضعان، وإن كان يختلفان موقعًا، يتفقان في شيء واحد هو وقوعهما على حد مقصود، يرده الأجانب منذ القديم للإتجار. فهل يعني هذا استيراد تلك الأصنام من الخارج، من بلاد الشأم أو من مصر، وأنها كانت من عمل أهل الشأم أو أهل مصر أو من عمل الروم أو الرومان؟ وتذكر رواية أخرى أن "عمرو بن لحي" إنما جاء بالصنم "هبل"، من "هيت" بالعراق حتى وضعه في الكعبة٢.
وعمرو بن لحي هو على اختلاف الروايات أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحامي. فقأ عين عشرين بعيًرا، فصارت العادة أن يفقأ عين الفحل من الإبل إذا بلغت الإبل ألفًا. فإذا بلغت ألفين، فقئت العين الأخرى. وقد نسب إليه كلام طويل. وزُعم له عمر مديد، وقصص أخرجه من عالم الواقع إلى عالم القصص والأساطير، ورجع عصره إلى أيام "العماليق" وإلى أيام "سابور ذي الأكتاف". وذكر أن العرب.
стр. 3578
جعلته "ربًّا لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة؛ لأنه كان يطعم الناس ويكسو في الموسم، فربما نحر في الموسم عشرة آلاف بدنة وكسا عشرة آلاف حلة"١، وذكروا أنه كان ملكًا على الحجاز، وكان كبير الذكر في أيامه، إلى غير ذلك من قصص يروونه عنه٢.
وذكر "المسعودي" أن "عمرو بن لحي" حين خرج إلى الشأم ورأى قومًا يعبدون الأصنام، فأعطوه منها صنمًا فنصبه على الكعبة، وأكثر من الأصنام، وغلب على العرب عبادتها، انمحت الحنيفية منهم إلا لمامًا، ضج العقلاء في ذلك، فقال "شحنة بن خلف" "سحنة بن خلف الجرهمي":
يا عمرو إنك قد أحدثت آلهة ... شتى بمكة حول البيت أنصابا
وكان للبيت رب واحد أبدًا ... فقد جعلت له في الناس أربابا
لتعرفن بأن الله في مهلٍ ... سيصطفي دونكم للبيت حجابا٣
وكان "عمرو بن لحي" كاهنًا على ما يذكره أهل الأخبار٤، وهو من "خزاعة"، التي انخزعت من اليمن. ثبت حكمه على مكة، بعد أن انتزع الحكم من جرهم، وغلب قومه عليها، فصاروا يطيعونه ويتبعون ما يضعه لهم. وقد نسبوا إليه وضع بقية الأصنام، مثل اللات وإساف ونائلة، فهو على رأي أهل الأخبار مؤسس هذه الأصنام التي بقيت إلى أيام النبي، والتي حطمت بأمره عام الفتح، وباستيلاء المسلمين على المواضع الأخرى.
وذكر أهل الأخبار أن "عمرو بن لحي" كان أول من غير تلبية "إبراهيم". وكانت: "لبيك لا شريك لك. لبيك"، فجعلها: "لبيك اللهم لبيك، إلا شريك هو لك، تملكه وما لك"، وقد كان "إبليس" قد ظهر له في صورة شيخ نجدي على بعير أصهب، فسايره ساعة، ثم لبى إبليس، فلبى "عمرو" تلبيته حتى خدعه. فلباها الناس على ذلك٥.
стр. 3579
وقد قيل إنه بلغ بمكة وفي العرب من الشرف ما لم يبلغ عربي قبله ولا بعده في الجاهلية مبلغه١. ويظهر أنه كان من أصحاب الحول والسلطان والجاه، ولذلك ترك هذا الأثر في روايات أهل الأخبار. وإني أرى أنه لم يكن بعيد عهد عن الإسلام، وإلا لم حفظت ذاكرة أهل الأخبار أخبارها عنه. والظاهر أنه كان كاهنًا من الكهان، ورجلًا كبيًرا من رجال الدين.
وروي أن الرسول ذكر أن" عمر بن لحي بن قمعة" كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة٢.
ولست أظن أن الرواة قد أقحموا اسم "عمرو بن لحي" في قصة انتشار الأصنام في جزيرة العرب إقحامًا من غير أصل ولا أساس، فلا بد من أن تكون للرجل صلة ما بعبادة الأصنام عند الجاهليين، ولا بد أن يكون من الرجال الذين عاشوا في عهد غير بعيد عن الإسلام، لا قبل ذلك بكثير كما يدعي الأخباريون، فما كان خبره ليصل إليهم على هذا النحو لو كان زمانه بعيدًا عنهم البعد الذي تصوروه. وأنا لا أستبعد احتمال شراء "عمرو بن لحي" للأصنام من بلاد الشأم ومجيئه بها إلى الحجاز، ونصبه لها في الكعبة وفي مواضع أخرى، لما وجده من حسن صنعة التماثيل في تلك البلاد ومن جودة حجارتها، فاشترى عددًا منها؛ لتنصب في المحجات، فنسبت عبادة الأصنام إليه.
وزعموا أن "ابن أبي كبشة": "جزء بن غالب بن عامر بن الحارث بن غبشان الخزاعي"، كان ممن أدخل الشرك إلى العرب، وخالف دين التوحيد. لقد ذكروا أنه دعا إلى عبادة "الشعرى العبور"٣.
وليست عبادة الأصنام والأوثان عبادة خاصة بالعرب، بل هي عبادة كانت معروفة عند غيرهم من الشعوب السامية، وعند غير الساميين، كما أنها لا تزال موجودة قائمة حتى الآن.
وكانت قريش تتعبد وتتقرب إلى أصنام قبائل أخرى. على شرط المثل، أي أن تتقرب تلك القبائل وتتعبد لأصنام قريش. فقد ذكر "السكري" أن قريشًا.
стр. 3580
كانت تعبد صاحب كنانة، وبنو كنانة يعبدون صاحب قريش١. وقد تمكنت قريش بفضل هذه السياسة الحكيمة من جمع أصنام العرب وضمها في الكعبة، وهذا ما جعل القبائل تعظم هذا المجمع، وتحج إليه كل سنة مرة، في موسم الحج، بالإضافة إلى الأيام الأخرى من أيام السنة، حيث تقع فيها العمرة. فربحت من ذلك ربحًا معنويًّا وماديًّا، وصارت مكة سوقًا مستقرة ثابتة، يقصدها الناس في كل وقت.
стр. 3581
الحلف بالأصنام والطواغيت:
ولعقيدتهم المذكورة في الأصنام، كانوا يحلفون بها وبالطواغيت. والظاهر أن هذه العادة بقيت في نفوسهم حتى في الإسلام. فقد ورد في الحديث: "أنه قال من حلف بغير الله، فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله"١، و"من حلف فقال في حلفه واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله"، ومن قاله لصاحبه: تعالى أقامرك فليتصدق"٢. وكانت ألسنتهم تسبقهم، لما اعتادته من زمن الجاهلية من الحلف بالأصنام٣.
стр. 3582
الفصل الثالث والستون: أنبياء جاهليون
ويظهر من أخبار أهل الأخبار أن الجاهليين لم يعدموا من الأنبياء، فقد ذكروا لهم أنبياء قالوا إنهم بشروا بالله وبدينه بين العرب الأولى، ومنهم "هود" نبي "عاد"، و"صالح" نبي قوم ثمود. وقد أشير إليهما في القرآن الكريم١. وزعموا أن رجلًا من بني "قطيعة بن عبس" كان نبيًّا كذلك، ولم يكن في بني إسماعيل نبي قبله. وهو الذي أطفأ الله به "نار الحرتين" وكانت ببلاد عبس. فإذا كان الليل فهي نار تسطع في السماء، وكانت طيء تنفش بها إبلها، وربما ندرت منها "العنق" أي قطعة فتأتي على كل شيء فتحرقه. وإذا كان النهار فإنما هي دخان يغور. فاحتفر "خالد" لها بئرًا، ثم أدخلها فيها، والناس ينظرون، ثم اقتحم فيها حتى غيبها. وذكروا أنه نجح في إخمادها، وكان الناس يقولون: هلك الرجل، فكذبهم، وخرج سالمًا. فلما حضرته الوفاة قال لقومه: إذ أنا مت ثم دفنتموني، فاحضروني بعد ثلاث، فإنكم ترون عيرًا أبتر يطوف بقبري، فإذا رأيتم ذلك فانبشوني، فإني أخبركم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فاجتمعوا لذلك في اليوم الثالث، فلما رأوا العير وذهبوا ينبشونه، اختلفوا، فصاروا فرقتين، وابنه عبد الله في الفرقة التي أبت أن تنبشه، وهو يقول: "لا أفعل! إني إذًا ادعى ابن المنبوش! فتركوه.
стр. 3583
قال "الحاحظ" "والمتكلمون لا يؤمنون بهذا، ويزعمون أن خالدًا هذا كان أعرابيًّا وبريًّا، من أهل "شرج" و"ناظرة". ولم يبعث الله نبيًّا من الأعراب ولا من الفدادين أهل الوبر، وهم أهل البادية. إنما يبعثهم من أهل القرى، وسكان المدن١.
ويظهر أنه عاش قبيل الإسلام، فقد ذكر أهل الأخبار أن ابنة له قدمت على النبي، فبسط لها رداءه وقال: هذه ابنة نبي ضيعه قومه، وذكروا أنها لما سمعت سورة: "قل هو الله أحد"، قالت: قد كان أبي يتلو هذه السورة٢ وزعموا أنه هو الذي دعا على العنقاء، فذهبت وانقطع نسلها٣.
ثم نبي آخر اسمه "حنظلة بن صفوان"، كان نبيًّا بعثه الله إلى "أهل الرس"، فكذبوه وقتلوه، عاش في أيام "بختنصر" وقد نسب إلى حمير، وقيل إنه كان من أنبياء الفترة كذلك، وإنه هو الذي دعا على العنقاء، فانقطع نسلها٤. وذكر بعض أهل الأخبار أن الله أرسل "حنظلة" إلى أهل عدن، فقتلوه٥.
وذكر أهل الأخبار اسم نبي أرسل إلى أهل "حضور" اسمه "شعيب بن ذي مهدم" فقتلوه. فاستأصلهم "بخت نصر"، وقبره بـ"صنين" جبل باليمن٦.
وذكر أهل الأخبار أن "مسيلمة بن حبيب الحنفي"، كان ممن ادعى النبوة بمكة قبل الهجرة، وصنع أسجاعًا٧. وكان قد طاف قبل التنبي، في الأسواق التي كانت بين دور العجم والعرب، يلتقون فيها للتسوق والبياعات، كنحو سوق الأبلة، وسوق لقه، وسوق الأنبار، وسوق الحيرة وكان يلتمس تعلم الحيل والنيرجات، واختيارات النجوم والمتنبئين. وقد كان أحكم حيل السدنة.
стр. 3584
والحُواء وأصحاب الزجر والخط، ومذهب الكاهن والعياف والساحر، وصاحب الجن الذي يزعم أن معه تابعه١.
وقد أحكم من ذلك أمورًا. فمن ذلك، أنه صب على بيضة من خل قاطع، حتى لان قشرها، فأدخلها في قارورة ضيقة الرأس وتركها حتى جفت ويبست، وعادت إلى هيئتها الأولى، فأخرجها إلى "مجاعة بن مرارة بن سلمى الحنفي" اليمامي، وأهل بيته، وهم أعراب، وادعى بها أعجوبة وأنها جعلت له آية، فآمن به من في ذلك المجلس: مجاعة وغيره. ومن ذلك أنه كان قد حمل معه ريشًا في لون ريش أزواج حمام، وقد كان يراهن في منزل مجاعة مقاصيص. فالتفت، بعد أن أراهم الآية في البيض، إلى الحمام فقال لمجاعة: إلى كم تعذب خلق الله بالقص؟! ولو أراد الله للطير خلاف الطيران لما خلق لها أجنحة، وقد حرمت عليكم قص أجنحة الحمام! فقال له مجاعة كالمتعنت: فسل الذي أعطاك في البيض هذه الآية أن ينبت لك جناح هذا الطير الذكر ساعة؟
قال مسيلمة: فإن أنا سألت الله ذلك، فانتبه له حتى يطير وأنتم ترونه، أتعلمون أني رسول الله إليكم؟ قالوا: نعم. قال: فإني أريد أن أناجي ربي، وللمناجاة خلوة، فانهضوا عني، وإن شئتم فادخلوني هذا البيت وادخلوه معى، حتى أخرجه إليكم الساعة وافي الجناحين يطير. وأنتم ترونه ولم يكن القوم سمعوا بتغريز الحمام، وكانوا بسطاء لا يعرفون حيل المحتالين، فلما خلا بالطائر أخرج الريش الذي قد هيأه فأدخل طرف كل ريشة مما كان معه في جوف ريش الحمام المقصوص، من عند المقطع والقص. فلما غرز ريشه أخرجه، وأرسله أمامهم من يده فطار، واعتبروا عمله آية.
ثم إنه قال لهم: إن الملك ينزل إلي، والملائكة تطير وهي ذوات أجنحة، ولمجيء الملك زجل وخشخشة وقعقعة، فمن كان منكم ظاهرًا فليدخل منزله، فإن من تأمل اختطف بصره! ثم صنع راية من رايات الصبيان التي تعمل من الورق الصيني، ومن الكاغد، وتجعل لها الأذناب والأجنحة، وتعلق في صدورها الجلاجل، وترسل يوم الريح بالخيوط الطوال الصلاب. ثم أرسلها مع الريح، وهم لا يرون الخيوط، والليل لا يبين عن صورة الرق، وعن دقة الكاغد،
стр. 3585
فتوهموا أن ذلك الملائكة: وتصارخوا، وصاح: من صرف بصره ودخل بيته فهو آمن! فأصبح القوم وقد أطبقوا على نصرته والدفع عنه: فهو قوله:
ببيضة قارور وراية شادن ... وتوصيل مقصوص من الطير جادف١
ونسب بعض أهل الأخبار "مسيلمة" على هذا النحو: "مسيلمة بن ثُمامة بن كبير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هفان بن ذهل بن الدول بن حنيفة"٢ و"مسيلمة الكذاب بن حبيب" ثمامة بن كبير، وجعله بعضهم "مسيلمة بن حبيب" وجعلوا كنيته "أبا ثمامة" وقيل "أبا هارون" و"أبو ثمالة"٣ وذكروا أنه كان يسمى بـ"الرحمن" قبل مولد "عبد الله" والد رسول الله، "وكانت قريش حين سمعت: بسم الله الرحمن الرحيم، قال قائلهم: دق فوك، إنما تذكر مسيلمة رحمان اليمامة"٤. وذكروا أنه دعا إلى الرحمن، أي إلى عبادة الرحمن. بينما عرف نفسه بـ"الرحمن"، فقيل له: "رحمان اليمامة"٥. وأنه دعا إلى عبادته هذه قبل النبوة، وقد عرف أمره بمكة، فلما نزل الوحي على الرسول، قال أهل مكة إنما أخذ علمه من "رحمان" اليمامة٦.
وقالوا له: "إنا قد بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة يقال له الرحمن، ولن نؤمن به أبدًا" "فأنزل الله سبحانه: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ . كان مسيلمة بن حبيب الحنفين ثم أحد بني الدول قد تسمى بالرحمن في الجاهلية، وكان من المعمرين. ذكر وثيمة بن موسى أن مسيلمة تسمى بالرحمن قبل أن يولد عبد الله أبو رسول الله ﷺ "٧.
قال "الواحدي" في أسباب نزول الآية: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ
стр. 3586
هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ ١: "قال أهل التفسير: نزلت في صلح الحديبية، حين أرادوا كتاب الصلح. فقال رسول الله ﷺ ، "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن، إلا صاحب اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب. اكتب باسمك اللهم. وهكذا كانت الجاهلية يكتبون، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية"٢
وذكر المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ ٣، "أن مسيلمة كان يدعى الرحمن. فلما قال النبي ﷺ ، "اسجدوا للرحمن" قالوا: أنسجد لما يأمرنا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة بالسجود له"٤. أو أنهم قالوا: "ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. يعنون مسيلمة الكذاب"٥.
ولا يعقل قول من قال إن مسيلمة كان يعرف بـ"الرحمن" قبل ولادة "عبد الله" والد الرسول. أما أنه كان أسن من الرسول فلا غرابة في ذلك، ولكني لا أرى أنه كان أكبر من الرسول بعشرات السنين. ومن الجائز أن يكون قد دعا إلى عبادة "الرحمن"، وهي عبادة كانت شائعة معروفة إذ ذاك، في اليمامة وفي غير اليمامة، فعرف بين قومه بـ"رحمن اليمامة"، وذلك قبل نزول الوحي على الرسول، فسمع أهل مكة بدعوته.
وورد في رواية أن "أبا جهل" سمع "رسول الله ﷺ يدعو في الحجر ويقول: "يا الله يا رحمن". فقال: كان محمد ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين. فنزلت هذه الآية،: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ ٦.
وفي هذا الخبر إن صح، دلالة على أن أهل مكة كانوا قد سمعوا بعبادة "الرحمن" وأنهم سمعوا أن قومًا من الجاهليين دعوا إلى عبادته، وأن "أبا جهل" كان قد سمع قولهم، ولهذا أخذ على النبي قوله: يا الله يا رحمن. ولا يعقل ألا يكون لأهل مكة علم بعبادة "الرحمن" التي تحدثت عنها في موضع آخر، وقد كان
стр. 3587
لهم اتصال باليمن وباليمامة وبمعظم أنحاء جزيرة العرب. وأرى أن "مسيلمة" كان قد دعا إلى عبادة الرحمن متاثرًا بدعوة المتعبدين له ممن كان قبله على ما يظهر، وهي عبادة إله اسمه "الرحمن" فعرف مسيلمة بـ"الرحمن" وبـ"رحمن اليمامة" وعبادة الرحمن ديانة متأثرة بفكرة التوحيد، وبوجود إله واحد هو "الرحمن" رب العالمين.
وقد أشير إلى موضع اسمه "وادي الرحمن" في الكتاب الذي أعطاه رسول الله لي "يزيد بن المحجل" الحارثي، ورد فيه: "إن لهم غرة ومساقيها ووادي الرحمن من بين غايتها"١. ولا أستبعد احتمال وجود صلة بين هذه التسمية وبين الرحمن الإله.
وقد وصف الرواة "مسيلمة" بأنه "كان قصيًرا شديد الصفرة أخنس الأنف أفطس"٢.
ويظهر من غربلة ما ذكره أهل الأخبار عن "مسيلمة أنه كان أكبر عمرًا من الرسول. وأنه كان قد تكهن وتنبأ باليمامة ووجد له أتباعًا قبل نزول الوحي على النبي. وأن أهل مكة كانوا على علم برسالته. ويذكر أهل الأخبار أن "مسيلمة" كان ابن مائة وخمسين سنة حين قتل٣. وهو عمر قد بولغ فيه ولا شك؛ إذ لا يعقل أن يكون في هذه السن يوم قتل فقد كان فعالًا نشيطًا، نشاطًا لا يمكن أن يظهر إلا من رجل قوي فعال، هو دون المائة.
وكان "مسيلمة" يدعي أن معه رئيًّا في أول زمانه، ولذلك قال الشاعر حين وصفه.
ببيضة قارور وراية شادن ... وخلة جني وتوصيل طائر٤
وكان "مسيلمة" في جملة رجال "وفد حنيفة" الذي قصد الرسول، وفيهم "رحال بن عنفوة" لكنه -كما يقول الرواة- لم يذهب مع الوفد.
стр. 3588
إلى الرسول، بل بقي مع رحال الوفد يبصرها لهم. فلما قرروا العودة، بعد أن أسلموا وأعطاهم جوائزهم، قالوا: "يا رسول الله إنا خلفنا صاحبًا لنا في رحالنا يبصرها لنا، وفي ركابنا يحفظها علينا، فأمر له رسول الله، ﷺ ، بمثل ما أمر به لأصحابه وقال: ليس بشركم مكانًا لحفظه ركابكم ورحالكم، فقيل ذلك لمسيلمة، فقال: عرف أن الأمر إلي من بعده فلما عادوا إلى ديارهم، ادعى مسيلمة النبوة، وشهد "رحال بن عنفوة" "الرحال بن عنفوة"، أن رسول الله، أشركه في الأمر، فتبعه الناس١. وكان "الرحال" قد تعلم سورًا من القرآن، فنسب إلى "مسيلمة" بعض ما تعلم من القرآن، فكان من أقوى أسباب الفتنة على "بني حنيفة" قتله "زيد بن الخطاب"، يوم اليمامة٢.
وذكر "الطبري"، أن "مسيلمة" كان يصانع كل أحد ويتألفه ولا يبالي أن يطلع الناس منه على قبيح، "وكان معه نهار الرجال بن عنفوة" وكان قد هاجر إلى النبي ﷺ ، وقرأ القرآن، وفقه في الدين، فبعثه معلمًا لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة، وليشدد من أمر المسلمين، فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة، شهد له أنه سمع محمدًا، ﷺ ، يقول: إنه قد أشرك معه، فصدقوه واستجابوا له، وأمروه بمكاتبة النبي ﷺ ، ووعدوه إن هو لم يقبل أن يعينوه عليه، فكان نهار الرجال بن عنفوة لا يقول شيئًا إلا تابعه عليه، وكان ينتهي إلى أمره٣. وكان الذي يؤذن له: عبد الله بن النواحة، وكان الذي يُقيم له "حجير بن عمير"، ويشهد له، وكان مسيلمة إذا دنا حجير من الشهادة، قال: صرح حجير، فيزيد في صوته، ويبالغ لتصديق نفسه، وتصديق نهار وتضليل من كان قد أسلم، فعظم وقاره في أنفسهم٤ فجعل "الطبري" اسم مساعد" "مسيلمة" "نهار الرجال بن عنفوة" لا "الرحال بن عنفوة" "رحال بن عنفوة".
стр. 3589
كما في الموارد الأخرى. لكنه عاد فدعاه "الرجال"١ تارة و"رحال بن عنفوة" تارة أخرى، حينما تكلم عنه وعن نهايته. وذلك في أيام "أبي بكر" أي في حوادث السنة الحادية عشرة٢. وأظن أن مرد هذا الاختلاف لا يعود إلى "الطبري" نفسه، بل إلى النساخ وإلى الطبع.
وقد أورد "الطبري" رواية أخرى في كيفية قدوم "مسيلمة بن حبيب" على رسول الله. فذكر "أن بني حنيفة أتت بمسيلمة إلى رسول الله، ﷺ ، تستره بالثياب، ورسول الله جالس في أصحابه، ومعه عسيب من سعف النخل، في رأسه خوصات، فلما انتهى إلى رسول الله، ﷺ ، فقال له رسول الله: لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك! ". ولم يشر "الطبري" إلى أسماء من جاء معه من وفد "بني حنيفة" وقد ذكر بعد هذه الرواية الرواية السابقة التي ذكرتها، دون أن يشير إلى أسماء رجال الوفد٣.
ثم قال بعد ذلك: "ثم انصرفوا عن رسول الله وجاءوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله، فلما انتهى إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم، وقال: إني قد أشركت في الأمر معه، وقال لوفده: ألم يقل لكم رسول الله حيث ذكرتموني: أما أنه ليس بشركم مكانًا! ما ذلك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت معه، ثم جعل يسجع السجعات، ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحُبلي، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشي. ووضع عنهم الصلاة، وأحل لهم الخمر والزنا، ونحو ذلك"٤.
ولا يتفق ما ذكره "الطبري" من وضع "مسيلمة" الصلاة عن أتباعه، مع ما أورده هو من اتخاذه مؤذنًا يؤذن بين الناس، ومن اتخاذه "مقيمًا" يقيم له الصلاة ثم مع ما ذكره غيره من أنه قلص الصلوات الخمسة فجعلها ثلاثة صلوات في اليوم٥. ولا يوجد دليل على تحليله الزنا والخمر.
وذكر أن "مسيلمة"، بعد أن عاد إلى قومه كتب كتابًا إلى الرسول فيه:
стр. 3590
"من مسيلمة رسول الله على محمد رسول الله، أما بعد، فإني قد أشركت معك في الأمر، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشًا قومًا يعتدون" فكتب إليه رسول الله: "بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد، فالسلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء والعاقبة للمتقين" وقدم بكتاب مسيلمة رجلان فسألهما رسول الله عنه فصدقاه، فقال: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما١.
وتذكر رواية أخرى أن مسيلمة قال للرسول يوم وفد عليه مع من وفد من رجال "حنيفة" "إن شئت خلينا لك الأمر وبايعناك على أنه لنا بعدك. فقال له رسول الله، ﷺ : لا ولا نعمة عين ولكن الله قاتلك".
وتذكر رواية أخرى أن "هوذة بن علي الحنفي" صاحب اليمامة، قد كتب إلى النبي، أن يجعل له الأمر من بعده على أن يسلم ويصير إليه فينصره، فقال رسول الله: لا ولا كرامة الله اكفنيه، فمات بعد قليل٢.
وروي أن رسول الله، بعث "حبيب بن زيد بن عاصم" أحد "بني النجار" و"عبد الله بن وهب الأسلمي" إلى مسيلمة، فلم يعرض لعبد الله، وقطع يدي حبيب ورجليه٣.
وذكر أن رسولي مسيلمة اللذين حملا كتابه إلى الرسول، كانا "ابن الفواحة" و"ابن أثال"، وأنهما قالا لرسول الله: نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال الرسول: لو كنت قاتلًا رسولًا لقتلتكما. فعادا إلى صاحبهما٤.
وذكر "الطبري" أن مسيلمة" "ضرب حرمًا باليمامة، فنهى عنه، وأخذ الناس به، فكان محرمًا، فوقع في ذلك الحرم قُرى الأحاليف، أفخاذ من بني أسيد، كانت دارهم باليمامة فصار مكان دارهم في الحرم". فصاروا يغيرون على ثمار أهل اليمامة، ويتخذون الحرم دغلًا، فإن نذروا بهم فدخلوه أحجموا عنهم، وإن لم ينذورا بهم فذلك ما يريدون. "فكثر ذلك منهم حتى استعدوا عليهم، فقال: أنتظر الذي يأتي من السماء فيكم وفيهم، ثم قال لهم:
стр. 3591
والليل الأطحم، والذئب الأدلم، والجذع الأزلم، ما انتهكت أسيد من محرم فقالوا: أما محرم استحلال الحرم وفساد الأموال! ثم عادوا للغارة، وعادوا للعدوى. فقال: أنتظر الذي يأتيني، فقال: والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس: فقالوا: أما النخل مرطبة فقد جدوها، وأما الجدران يابسة فقد هدموها، فقال اذهبوا وارجعوا فلا حق لكم"١.
وقد أورد أهل الأخبار كلامًا زعموا أن "مسيلمة" نظمه مضاهاة للقرآن. من ذلك قوله: "يا ضفدع نقي كما تنقين! نصفك في الماء ونصفك في الطين! لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين"٢. "وكان فيما يقرأ لهم فيهم: إن بني تميم قوم طهر لقاح، لا مكروه عليهم ولا إتاوة، نجاورهم ما حيينا بإحسان، نمنعهم من كل إنسان، فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن"٣. "وكان يقول: والشاة وألوانها، وأعجبها السود وألبانها، والشاة السوداء واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق، فما لكم لا تمجعون". "وكان يقول: يا ضفدع ابنة ضفدع، نقي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين". "وكان يقول: والمبذرات زرعًا، والحاصدات حصدًا، والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والخابزات خبزًا، والثاردات ثردًا، واللاقمات لقمًا، إهالة وسمنًا، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والباغي فناوئوه"٤. وذكر بعض أهل الأخبار أن "أبا بكر" لما سأل وفدًا من "بني حنيفة" أرسله "خالد" إليه عما كان يقوله لهم: "قالوا: كان يقول يا ضفدع نقي نقي، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين، لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشًا قوم يعتدون"٥.
ويظهر من أسلوب هذه الآيات المنسوبة إلى "مسيلمة" أنها محاكاة ومضاهاة للآيات الأولى من القرآن الكريم، الآيات التي نزلت بمكة في عهد الرسالة الأولى.
стр. 3592
وهي بذلك تختلف عن أسلوب الوحي المنزل بعد الهجرة بالمدينة١. ولم نجد فيما بقي من كتب أهل الأخبار ما يشير بشيء إلى "قرآن مسيلمة" أو إلى بقية أخرى منه.
هذا ولا بد لي من التنبيه إلى أننا لا نستطيع التأكيد بأن ما نسب إلى مسيلمة من كلام هو حق وصحيح. فمن الجائز أن يكون قد وضع عليه وضعًا. وقد رأينا كيف أنهم اختلفوا في رواية "يا ضفدع" اختلافًا بينًا في ضبط العبارات
وكان الناس يقصدون "مسيلمة" ليسمعوا منه، بعد أن اشتهر أمره. وقد تمكن من التأثير في بعضهم. وكان ممن قصده "المتشمس بن معاوية"، عم "الأحنف بن قيس" الشهير. فلما خرج من عنده قال عنه إنه كذاب٢. وقال عنه "الأحنف" وقد رآه أيضًا، وقد سئل كيف هو؟ ما هو بنبي صادق، ولا بمتنبئ حاذق٣.
وذكر أهل الأخبار أن مسيلمة كان صاحب "نيرجات" وتمويه واحتيال يدعي المعجزات والآيات، وأنه أول من أدخل البيضة في القارورة، وأول من وصل جناح الطائر المقصوص، وكان يدعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب لبنها. وقد جربه قوم، فوجدوا آياته "منكوسة. تفل في بئر قوم سألوه ذلك تبركًا، فملح ماؤها. ومسح رأس صبي فقرع قرعًا فاحشًا، ودعا لرجل في ابنين له بالبركة، فرجع إلى منزله، فوجد أحدهما قد سقط في البئر والآخر قد أكله الذئب. ومسح على عيني رجل استشفى بمسحه فابيضت عيناه"٤، ومسح وجه "أبا بصير"، وهو صبي من "بني يشكر بن وائل" وكانوا أتوا به "مسيلمة" فعمي، فكني "أبا بصير"، وكان يروى عنه٥. وأتته امرأة من بني حنيفة، تكنى بأم الهيثم، "فقالت: إن نخلنا لسحق وإن آبارنا لجرز، فادع الله لمائنا ولنخلنا، كما دعا محمد لأهل هزمان"، فدعا بسجل، ودعا لهم فيه، ثم تمضمض بفمه منه، ثم مجه فيه، فانطلقوا به حتى فرغوه في تلك.
стр. 3593
الآبار، ثم سقوه نخلهم، فغارت مياه تلك الآبار، وخوى نخلهم، وقد ذكر "الطبري" هذه الملاحظة: "وإنما استبان ذلك بعد مهلكه"١.
وروى الطبري"، أخبارًا أخرى من هذا النوع، ذكر أن "نهارًا" قال له: برك على مولودي بني حنيفة، فقال له: وما التبريك؟ قال: كان أهل الحجاز إذا ولد فيهم المولود أتوا به محمدًا فحنكه ومسح رأسه، فلم يؤت مسيلمة بصبي فحنكه ومسح راسه إلا قرع ولثغ. وذكر أن "نهارًا" قال له: توضأ واعطِ وضوءك إلى أصحاب الحيطان، أي البساتين كما يفعل محمد، فأعطى أحدهم وضوءه، فسقى به حائطه، فيبست أشجاره، وصارت الأرض يبابًا لا ينبت مرعاها. وأعطى "مسيلمة" رجلًا سجلًا من ماء، وكانت أرضه سبخة، فأفرغه في بئره فغرقت أرضه، فما جف ثراها، ولا أدرك ثمرها. وأتته امرأة فاستجلبته إلى نخل لها يدعو لها فيها فجزت كبائسها يوم عقرباء كلها٢.
وقد عرف "مسيلمة" بين أتباعه بـ"رسول الله" وكانوا يتعصبون له، ويؤمنون به إيمانًا شديدًا. وذكر أن "طلحة النميري" جاء إلى اليمامة، فقال "أين مسيلمة"قالوا: إنه رسول الله! فقال: لا، حتى أراه، فلما جاءه قال: أنت مسيلمة؟ قال: نعم. قال: من يأتيك؟ قال: رحمن. قال: أفي نور أو في ظلمة؟ فقال: في ظلمة، فقال: أشهد أنك لكذاب وأن محمدًا صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر" أو "أنه قال كذاب ربيعة أحب إلي من كذاب مضر" فقتل معه "يوم عقرباء"٣.
ويظهر من بعض ملاحظات "الطبري" عن هذه الأخبار، أنها إنما ظهرت وقيلت بعد هلاك "مسيلمة" فقد قال في موضع: "وكانوا قد علموا واستبان لهم، ولكن الشقاء غلب عليهم"٤، وقال في موضع آخر: "وإنما استبان ذلك بعد مهلكه"، و"استبان ذلك بعد مهلكه"٥. ولهذه الملاحظات أهمية كبيرة بالطبع في تقييم صدق هذه الروايات وصحتها، فالعادة أن من يفشل ويهلك.
стр. 3594
لا سيما إذا كان قد نال حظًّا من المكانة والجاه والاسم، يحمل عليه كثيرًا، ولا يتورع حتى أصحابه ومن كان يؤمن به من الدس عليه.
واتخذ "مسيلمة" مؤذنًا يؤذن له في أتباعه اسمه "حجير". "وكان أول ما أمر أن يذكر مسيلمة في الأذان، توقف. فقال له محكم بن الطفيل: صرح حجير، فذهبت مثلًا". وكان "محكم بن طفيل الحنفي" صاحب حربه ومدبر أمره، وكان أشرف منه في حنيفة"١. وذكر "الطبري" أن الذي كان يؤذن له "عبد الله بن النواحة"، وكان الذي يقيم له حُجير بن عمير، ويشهد له. وكان مسيلمة إذا دنا حجير من الشهادة، قال صرح حجير، فيزيد في صوته ويبالغ لتصديق نفسه٢. وذكر أن مؤذنه "حجير"، كان إذا أذن يقول أشهد أن مسيلمة يزعم أنه رسول الله، فيقول مسيلمة له: أفصح حجير، فذهبت مثلًا٣.
ورووا أنه تزوج "سجاح" التي تنبأت، وهي تميمة من" بني يربوع"، وكان يقال لها "صادر" وكان لها مؤذن، يقال له "زهير بن عمرو"، من "بني سليط بن يربوع"، ويقال إن "شبث بن ربعي" أذَّن لها٤.
وذكروا أنها كانت كاهنة زمانها، تزعم أن رئيها ورئى سطيح واحد، ثم جعلت ذلك الرئي ملكًا حتى ادعت النبوة، فاختلفت مع "مسيلمة" وكذبته وجحدت نبوته، فلما اتصلت به وتزوجته، وهبت نفسها له. فقال لها فيما زعموا:
ألا قومي إلى المخدع ... فقد هيى لك المضجع
فإن شئت سلقناك ... وإن شئت على أربع
وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع
فقالت بل به أجمع. فجرى المثل بلغمتها حتى قيل أغلم من سجاح٥.
стр. 3595
وفيها قال قيس بن عاصم، وقيل عطارد بن حاجب بن زرارة:
أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الله ذكرانا
يا لعنة الله والأقوام كلهم ... على سجاح ومن بالإفك أغرانا
أعني مسيلمة الكذاب لا سقيت ... أصداؤه ماء مزن حيثما كانا١
ولما قتل "مسيلمة" رثاه بعض شعراء بني حنيفة بقوله:
لهفي عليك أبا ثمامة ... لهفي على ركني تهامة
كم آية لك فيهم
كالشمس تطلع من غمامة٢ ... قتله "وحشي" قاتل حمزة٣
وذكر أهل الأخبار أن "مسيلمة" كان قد تزوج "كبشة بنت الحارث بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس"٤ كيسة بنت الحارث بن كريز بن حبيب بن عبد شمس"٥، ثم تركها فخلف عليها" "عبد الله بن عامر بن كريز"، فولدت له. ويظهر أنها لم تلد من "مسيلمة".
والذي يقرأ ما ذكره "الطبري" عن "مسيلمة" وعن صلة "نهار" به، يخرج بصورة تظهره شخصًا جاهلًا بليدًا، يحركه ويوجهه "نهار" حيث يريد، لا يفهم ولا يعقل، ولا يعرف كيف يتصرف، ولا يتخذ رأيًا حتى يشير عليه "نهار" به "فكان نهار الرجال بن عنفوة لا يقول شيئًا إلا تابعه عليه"٦.
وهي صورة تخالف ما نقرؤه عنه في الموارد الأخرى. ولو كان "مسيلمة" على نحو ما صوره الطبري، لما التفت حوله "بنو حنيفة" ولما استماتوا في الدفاع عنه. ولما ضحى "الرحال بن عنفوة" و"محكم بن الطفيل" وغيرهما بأنفسهم
стр. 3596
في الدفاع عنه. حتى إن منهم من بقي مؤمنًا به حتى بعد مقتله، وتغلب المسلمين على اليمامة.
وقد كتب الجاحظ قصة مسيلمة وقصة "ابن النواحة" ولعله قصد به "عبد الله بن النواحة" مؤذنه، في كتابه المفقود حتى اليوم "فصل ما بين النبي والمتنبي" حيث ذكر جميع المتنبين١. وذكر "البلاذري" أن "مسيلمة"، كان قد أرسل كتابه الذي كان وجهه إلى الرسول والذي فيه "من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشًا لا ينصفون، والسلام عليك. وكتب "عمرو بن الجارود الحنفي"، مع "عبادة بن الحارث" أحد بني عامر بن حنيفة، وهو "ابن النواحة" الذي قتله عبد الله بن مسعود بالكوفة٢.
وكان "مسيلمة" قد أمر "عمرو بن الجارود الحنفي" بتدوين كتابه الذي وجهه إلى الرسول، فأمر الرسول كاتبه "أبي بن كعب" بالرد عليه. ومعنى هذا أن مسيلمة كان قد اتخذ له كتبه يكتبون له رسائله، على نحو ما كان لرسول الله.
وأنا لا أستبعد احتمال علم "مسيلمة" بالكتابة والقراءة. وإن لم ينص أهل الأخبار على ذلك. كما لا أستبعد احتمال التقائه باليهود وبالنصارى وأخذه منهم، فقد كان في اليمامة قوم من أهل الكتاب، ودعوته إلى عبادة إله هو "الرحمن"، تدل على تأثره بأتباع هذه الديانة وبأهل الكتاب.
هذا ولم أجد في الأخبار المتعلقة بمسيلمة خبرًا يفيد صراحة أن مسيلمة كان قد اعتنق الإسلام ودخل فيه. فالأخبار التي تتحدث عن مجيئه إلى يثرب لا تشير إلى ذلك، والأخبار الأخرى التي تتحدث عنه وهو في اليمامة لا تشير على قبوله الإسلام كذلك، بل نجد فيها كلها أنه ظل يرى نفسه نبيًّا مرسلًا من "الرحمن" وصاحب رسالة، لذلك فليس من الصواب أن نقول: "ردة مسيلمة"، أو "ارتداد مسيلمة"، أو نحو ذلك؛ لأنه لم يعتنق الإسلام ثم ارتد عنه، حتى ننعته بالمرتد.
стр. 3597
وكان "مجاعة بن مرارة" الذي نزل عليه مسيلمة" من رؤساء "بني حنيفة" وممن وفد على الرسول، فأعطاه النبي أرضًا باليمامة يقال لها "الغورة" وكتب له بذلك كتابًا. وذكر بعض أهل الأخبار أنه كان بليغًا حكيمًا وقد أسر "يوم اليمامة" فتوسط له بعض وجوه "بني حنيفة" لدى خالد أن يبقيه، فأرسله إلى "أبي بكر" فصفح عنه. وقد كان قد انجرف مع من انجرف فمال إلى "مسيلمة" وأيده، وحارب معه. وله شعر أشار فيه إلى مسيلمة١، ونعته فيه بـ"الكذاب". ولما وفد على "أبي بكر" أقطعه "الخضرمة"، ثم قدم على عمر، فأقطعه الرياء، ثم قدم على عثمان، فأقطعه قطيعة أخرى٢.
وأما "الرحال بن عنفوة" "رحال بن عنفوة" فهو "نهار الرجال بن عنفوة" الرجال بن عنفوة" في تأريخ الطبري٣. وهو من وجوه "بني حنيفة" واسمه "نهار"، وكان في الوفد الذي جاء إلى الرسول، وقد اختلف إلى "أبي بن كعب" ليتعلم منه القرآن. وكان رئيس وفد "حنيفة" "سلمى بن حنظلة"٤ وقد تعلم سورة البقرة وسورًا من القرآن٥. وذكر أنه كان على غاية من الخشوع واللزوم لقراءة القرآن والخير، ثم انقلب على عقبيه وصار من أشد أعوان مسيلمة المقربين له، فشهد له أن الرسول أشركه معه في الأمر. وكان أحد وفد "بني حنيفة" إلى رسول الله، وفيهم "فرات بن حيان"٦.
وأما "محكم بن طفيل بن سبيع" الحنفي، فقد كان من أشراف وسادات
стр. 3598
"بني حنيفة". وهو أشرف من مسيلمة في حنيفة١. وكان من المقدمين عند مسيلمة. وقد عهد "مسيلمة" إليه قيادة إحدى المجنبتين في قتاله مع "خالد بن الوليد". وقد عرف بـ"محكم اليمامة" وقد قتل وهو يحارب المسلمين٢. "قتله خالد بن الوليد يوم مسيلمة"٣.
وأما فرات بن حيان بن ثعلبة بن عبد العزى بن حبيب" العجلي، فكان عينًا لأبي سفيان في حروبه، وكان ممن هجا الرسول، ثم أسلم ومدحه، وأقطعه الرسول أرضًا باليمامة، ثم سكن الكوفة وأقام بها. وكان في حرب الخندق عينًا للمشركين٤.
وأما أثال بن النعمان الحنفي، فكان مع "فرات بن حيان" حين قدم المدينة وقد كلم الرسول. وذكر في رواية أنه كان مع ثمامة بن أثال في قتال مسيلمة في الردة٥.
وكان "ثمامة بن أثال بن النعمان بن سلمة الحنفي"، من قدماء من أسلم من أهل اليمامة. فقد أرسل رسول الله خيلًا قبل نجد، فجاءت به، فربطوه بسارية من سواري المسجد بيثرب، فكلمه الرسول، ثم أمر فأطرق من رباطه، فدخل في الإسلام، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت! قال: لا والله ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها النبي. ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئًا. فكتبوا إلى النبي: إنك تأمر بصلة الرحم، فكتب إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل إليهم٦. وكانت ميرة قريش من اليمامة ومنافعهم منها، وكانت ريف مكة. ولما ارتد أهل اليمامة، وصاروا مع مسيلمة، ثبت أثال على الإسلام فكان مقيمًا باليمامة ينهاهم عن اتباع مسيلمة وتصديقه، فلما عصوه وأصفقوا على اتباع مسيلمة، عزم على مفارقتهم، ففارقهم ولحق بالعلاء بن الحضرمي في مقاتلة.
стр. 3599
المرتدين من أهل البحرين، فلما ظفروا اشترى ثمامة حلة كانت لكبيرهم: "الحطم" فرآها عليه ناس من "بني قيس بن ثعلبة" فظنوا أنه هو الذي قتله وسلبه فقتلوه. وقد رووا له شعرًا في الرسول وفي الردة١. وكان له عم اسمه" عامر بن سلمة بن عبيد بن ثعلبة الحنفي" وقد كان مسلمًا٢.
وجاء في رواية أن رسول الله لما بعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي في رجب سنة تسع، فأسلم المنذر ورجع العلاء، فمر باليمامة، قال له ثمامة بن أثال: أنت رسول محمد؟ قال: نعم. قال: لا تصل إليه أبدًا، فقال له عمه: عامر بن سلمة بن عبيد بن ثعلبة الحنفي: ما لك وللرجل، فأسلم عامر، ووقع ثمامة بعد ذلك في الأسر٣.
وكان "معمر بن كلاب الرماني"، جارًا لثمامة بن أثال، وهو ممن وعظ مسيلمة وبني حنيفة ونهاهم عن الردة، فلما عصوه تحول إلى المدينة فمنعه ثمامة حتى رده وشهد قتال اليمامة مع خالد٤.
و"الحطم" المذكور، هو "الحطم بن هند" البكري، أحد "بني قيس بن ثعلبة"، قدم المدينة في رواية في عير له يحمل طعامًا فباعه، ثم دخل على النبي، فبايعه وأسلم، فلما قدم اليمامة، ارتد عن الاسلام، وخرج في عبر له تحمل الطعام في ذي القعدة يريد مكة، وكان عظيم التجارة، وأراد المسلمون أن يتلقوه ويأخذوا ما معه، فمنعهم الرسول من ذلك لحرمة الشهر. وذكر أنه بعد أن قابل الرسول، وسمع منه مبادئ الإسلام. قال الحطم: في أمرك هذا غلظة، أرجع إلى قومي، فأذكر لهم ما ذكرت، فإن قبلوه أقبلت معهم، وإن أدبروا أدبرت معهم. قال له: ارجع. فلما رجع مر بسرح من سرح المدينة، فساقه فانطلق به٥.
وذكر أن "الحطم" قتل في الجيار، من نواحي البحرين لما ارتدت بكر بن وائل٦.
стр. 3600
هذا هو كل ما ورد إلى علمنا عن الأنبياء العرب في الجاهلية. وقد حصلنا عليه من المؤلفات الإسلامية. أما نصوص جاهلية، فيها شيء عن النبوة والأنبياء، فلم يصل إلينا منها أي شيء.
يقول "أبو العلاء المعري" عن ادعاء بعض الناس بالأمامة والنبوة في الإسلام: "ولم تكن العرب في الجاهلية تقدم على هذه العظائم، والأمور غير النظائم، بل كانت عقولهم تجنح إلى رأي الحكماء، وما سلف من كتب القدماء. إذ كان أكثر الفلاسفة لا يقولون بنبي، وينظرون إلى من زعم ذلك بعين الغبي"١. فهو ينكر وجود نبوة وأنبياء عند الجاهليين للسبب المذكور. وهو يقصد ولا شك بها، النبوة على وفق المعنى المفهوم منها في الإسلام. أي أن تكون بوحي ينزل على النبي من الإسلام، وبكلام منزل يتلوه على الناس، يكون كلام الله لا كلام النبي.
стр. 3601
الفصل الرابع والستون: الله ومصير الإنسان
مدخل
...
الفصل الرابع والستون: الله ومصير الإنسان
لا نعرف رأي الجاهليين في الخلق، وفي كيفية نشوء هذا الكون؛ إذ لم تصل إلينا نصوص جاهلية في هذا المعنى. ولا بد أن يكون لهم كما كان لغيرهم رأي في الخلق وفي نشوء الكون. فموضوع نشوء الكون وظهوره، من الموضوعات التي تثير رأي كل إنسان مهما كانت ثقافته وكان تفكيره.
وفي القرآن الكريم كلمات مثل "البارئ" و"المصور" و"الخلاق" و"خلقنا" و"خلقت" و"خلقناكم" و"خالق" وغيرها مما له علاقة بخلق الكون والإنسان وبقية المخلوقات، وفيه كيفية خلق الله للكون ومن فيه وكيفية خلق الإنسان ومن أي شيء خلق. ولكن هل كان يعرف جميع الجاهليين هذا المعنى المنزل في كلام الله، وهل نزلت هذه الآيات لإرشاد الناس إلى ذلك، أو أنها نزلت لتذكير القوم ولفت نظرهم إلى شيء يعلمونه ولكنهم كانوا ينسبونه لغير الله أو يتجاهلونه، إن كان ذلك على سبيل التذكير، فمعنى هذا أن لأهل الجاهلية رأيًا في كيفية الخلق، وإن كان ذلك على سبيل التعليم والإرشاد، فإنه يدل على أن من خوطب بتلك الآيات لم يكن له فقه وعلم بما خوطب به.
وفي القرآن الكريم آيات فيها خطاب للمشركين في بيان فساد رأيهم واعتقاداتهم، وفيها رد عليهم، منها نستطيع أن نحيط بعض الإحاطة بآرائهم في الوجود وفي البعث والحشر والحساب وغير ذلك من أمور تتعلق بدياناتهم. وهذه الآيات هي
стр. 3602
الشواهد الوحيدة التي نملكها من آراء في ذلك العهد أما ما جاء في روايات الأخباريين وفي كتب التفسير والحديث والملل والنحل، ففيه بعض الشيء عن آراء الجاهليين القريبين من الإسلام، ولا سيما عرب مكة ويثرب عن تلك الأمور.
ويفهم من القرآن الكريم أن من الجاهليين من كان يعتقد أن للعالم خالقًا خلق الكون وسواه، وأن منهم من كان يعتقد بوجود إله واحد فهم موحدون، وأن منهم من أقر بوجود إله واحد غير أنه تعذر الوصول إليه بغير وسطاء وشفعاء فاعتقد بالأرواح وبالجن وعبد الأصنام لتكون واسطة تقربه إلى الله١.
أما كيف خلق الله الأرض والسماوات وكيف نشأ الكون، فذلك ما لم يتعرض له القرآن الكريم حكاية على لسان الجاهليين. ولذلك لا نعرف رأي أولئك القوم الذين عاصروا الرسول وعاشوا قبيل الإسلام في كيفية ظهور الوجود وخلق الكون.
ويفهم من بعض الأخباريين أن من الجاهليين من كان يرى أن خالقًا خلق الأفلاك، غير أنها تحركت أعظم حركة فدارت عليه وأحرقته؛ لأنه لم يقدر على ضبطها وإمساك حركتها، وأن منهم من كان يقول: "إن الأشياء ليس لها أول البتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل. فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل، تكونت الأشياء مركباتها وبسائطها من ذاتها لا من شيء آخر. وقالوا إن العالم لم يزل ولا يزال ولا يتغير ولا يضمحل مع فعله. وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التي فيه"٢. وهذا كلام إن صح أنه من كلام الجاهليين ومن مقالاتهم، فإنه يدل على تعمق القوم في المقالات، وعلى أن لهم رأيًا وفلسفة في الدين، وأنهم لم يكونوا على الصورة التي يتخيلها معظمنا عنهم، وهي الصورة التي رسمها لهم أهل الأخبار في أثناء كلامهم العام عن الجاهليين.
стр. 3603
الله الخالق:
ويظهر من القرآن الكريم، أن قريشًا كانوا يؤمنون بإله واحد خلق الكون، وهو رب السماوات والأرض. ففي سورة العنكبوت: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ
стр. 3604
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١. وفي هذه السورة نفسها سؤال آخر موجه إلى المشركين ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٢. وفي سورة لقمان سؤال آخر موجه إلى أولئك المشركين، وجواب صادر منهم، هو هذا الجواب نفسه: إقرار بوجود خالق واحد خلق السماوات والأرض: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣. وفي سورة الزخرف: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٤. وفي سورة الزمر: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه﴾ ٥، وفي سورة الزخرف أيضًا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٦، وفي سورة العنكبوت ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٧. وهناك آيات أخرى على هذا النحو، فيها أسئلة موجهة إلى المشركين عن خلق السماوات والأرض، وأجوبة على ألسنتهم فيها اعتراف بأن خالقها وصانعها هو الله.
وفي القرآن الكريم أيضًا أن قريشًا كانت تعتقد أن الله هو الذي ينزل المطر ويحيي الأرض بعد موتها٨، وفيه أنهم كانوا يقسمون به٩، وأنهم كانوا قد جعلوا له نصيبًا مما ذرأ من الحرث والأنعام١٠، وأنهم كانوا يقولون إن الله هو الذي شاء فجعلهم وآباءهم مشركين، وأنه لو لم يشأ لما أشركوا بعبادته أحدًا١١، وأنهم كانوا يتضرعون إليه ويستغيثون به في الكوارث والملمات، وأنهم جعلوا له
стр. 3605
بناتًا وبنين وشركاء الجن١. فقريش إذن وفق هذه الآيات قوم، كانوا يؤمنون بإله عزيز عليهم، ومن آيات ذلك أنهم جعلوا له نصيبًا في أموالهم، مع أن المال من أعز الأشياء على الإنسان، لا سيما بالنسبة لتلك الأيام.
وفي تلبية الجاهليين المنصوص عليها في كتب أهل الأخبار اعتراف صريح واضح بوجود إله. كانوا يلبون بقولهم: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريك هو لك. تملكه وما ملك، يعنون بالشريك الصنم، يريدون أن الصنم وما يملكه ويختص به من الآلات التي تكون عنده وحوله والنذور التي كانوا يتقربون بها إليه كلها ملك لله "٢ فذلك معنى قولهم: تملكه وما ملك. فهم يعترفون ويقرون بوجود الله، لكنهم يتقربون إليه بالأصنام. وهذا هو الشرك.
وفي دعاء العرب اعتراف بوجود "الله"، فقولهم: "رماه الله بما يقبض عصبه"، و"قمقم الله عصبه"، و"لا ترك الله له هاربًا ولا قاربًا"، و"شتت الله شعبه"، و"مسح الله فاه"، و"رماه الله بالذبحة"، و"رماه الله بالطسأة"، و"سقاه الله الذيغان"، و"جعل الله رزقه فوت فمه"، و"رماه في نيطه"، و"قطع الله به السبب"، و"قطع الله لهجته"، و"مد الله أثره"، و"جعل الله عليها راكبًا قليل الحداجة"، و"لا أهدى الله له عافية"، و"أثل الله ثلله"، و"حته الله حت البرمة"، و"رماه الله بالطلاطلة"، و"رماه الله بالقصمل"، و"ألزق الله به الحوبة"، و"لحاه الله كما يُلحى العود"، و"اقتثمه الله إليه"، و"ابتاضه الله"، إلى آخر ذلك من دعاء يدل على وجود إيمان بخالق هو الله٣.
وفي الشعر المنسوب إلى الجاهليين اعتقاد بوجود الله، واتقاء منه، وتقرب إليه باحترام الجوار وقرى الضيف. هذا عمرو بن شأس يقول في شعره:
стр. 3606
وَلَولا اِتقاءُ اللَهِ وَالعَهدُ قَد رَأى ... مَنِيَّتَهُ مِنّي أَبوكِ اللَيالِيا١
فلولا اتقاء شأس الله، لفتك بخصمه، وجعله من الهالكين. وفي بعضه اعتراف بأن هذه الأرض الواسعة هي "بلاد الله"، أينما حللت فيها فهي أرضه وبلاده٢. وهذه نظرة مهمة جدًّا عن رأي الجاهليين في الله وفي الأرض، إن صح أن هذا الشعر الوارد فيه حقًّا من شعر أهل الجاهلية.
و"الله" كما جاء في شعر زهير بن أبي سُلمى، عالم بكل شيء، عارف بالخفايا وبالأسرار، وبما ظهر من الأعمال وما بطن١.
فَلا تَكتُمُنَّ اللَهَ ما في نُفوسِكُم ... لِيَخفى وَمَهما يُكتَمِ اللَهُ يَعلَم٣
وهو عدو للأشقياء شديد عليهم، لا يرحم ظالمًا، وأمره بُلْغٌ به تشقى به الأشقياء٤ وهو يثيب على الإحسان، ويجزي المحسن على جميل إحسانه٥. وهو الذي يعصم من السيئات والعثرات٦. وهو مقر بوجود يوم حساب يحاسب فيه الناس على ما قاموا به من أعمال، وقد ينتقم الله من الظالم في الدنيا قبل الآخرة، فلا مخلص له٧.
стр. 3607
والله "كريم" لا يكدر نعمة، إذا دُعي أجاب. وهذا هو رأي الأعشى في الرب، إذ يقول:
رَبّي كَريمٌ لا يُكَدِّرُ نِعمَةً ... وَإِذا يُناشَدُ بِالمَهارِقِ أَنشَدا١
وقد ورد اسم الجلالة في أشعار كثير من الشعراء الجاهليين: ورد في شعر امرئ القيس وغيره، فامرؤ القيس يقول: "من الله" و"لله"٢، و"تالله"٣، و"قبح الله"٤، و"والله"٥، و"يمين الله" و"يمين الإله"٦، و"الإله" هي "الله"، و"الحمد لله"٧. ونرى العرب عامة تستعمل في كلامها: "لله دره"٨، و"لا يبعد الله"٩، و"لحى الله"١٠،
стр. 3608
و"جزى الله"١، و"عمر الله"٢، وأمثال ذلك مما يرد في أشعار الشعراء الجاهليين، يخرجنا تدوينه وحصره في هذا المكان عن حدود الموضوع.
وقد جاءت لفظة الجلالة في أيمان أخرى، في مثل: "لعمر الله"، و"ها لعمر الله" كالذي ورد في شعر زهير:
تَعَلَّمَن ها لَعَمرُ اللَهِ ذا قَسَمًا ... فَاِقدِر بِذَرعِكَ وَاِنظُر أَينَ تَنسَلِكُ٣
وورد "ها الله" و"والله" و"الله" و"نعم الله" و"أي والله لأفعلن"، و"ايم الله" و"ايمن الله" و"يعلم الله" و"علم الله" وأمثال ذلك٤.
ومن أيمانهم الدالة على الاعتقاد بوجود خالق، قولهم: "لا وبارئ الخلق"، و"لا والذي يراني من حيث ما نظر" و"لا والذي نادى الحجيج له"، و"لا والذي يراني ولا أراه"، و"لا والذي كل الشعوب تدينه"، و"حرام الله لا آتيك"، و"يمين الله لا آتيك"، و"لا والذي جلد الإبل جلودها"، و"والذي وجهي زمم بيته"، و"لا والذي هو أقرب إليَّ من حبل الوريد"، و"لا ومقطع القطر"، و"لا وفالق الإصباح"، و" لا ومهب الرياح" و"لا ومنشر الأرواح"٥، على غير ذلك من أيمان حلفوا بها، تدل على إيمان وعقيدة بوجود خالق، فحلفوا به.
ونجد في معلقة امرئ القيس قسمًا بالله حكي على لسان صاحبة صاحب المعلقة:
فَقالَت يَمينَ اللَهِ ما لَكَ حيلَةٌ ... وَما إِن أَرى عَنكَ الغِوايَةَ تَنجَلي٦
وترى في بيت لامرئ القيس وهو يذكر إقدامه على الشرب:
فَاليَومَ أُسقى غَيرَ مُستَحقِبٍ ... إِثمًا مِنَ اللَهِ وَلا واغِلِ٧
стр. 3609
فالرجل مؤمن بالله، وقد وفى بما عاهد الله عليه، وهو لا يخشى بعد ذلك إثمًا إذا شرب؛ لأنه وفى بنذره.
ونراه يذكر الله أيضًا في هذا البيت:
لله زبدان أمسى قرقرًا جلدًا ... وكان من جندل أصم منضودا١
ثم نراه يشكر الله بجملة: "والحمد لله" في هذا البيت:
أرى إبلي والحمد لله أصبحت ... ثقالًا إذا ما استقبلتها صعودها
ونراه يحث الناس على التمسك بحبل الله، فبالله يكون النجاح، ويحث الناس على عمل البر، والبر خير حقيبة الرجل:
وَاللَه أَنجَحُ ما طَلَبتُ بِهِ ... وَالبِرُّ خَيرُ حَقيبَةِ الرَحلِ
ونفهم من هذه الأبيات ومن أبيات أخرى، أن امرأ القيس رجل مؤمن يعتقد بالله الواحد، مؤمن بالله الواحد، مؤمن بالثواب وبالعقاب، وأنه كان يخاف الله ويخشى الإثم والفسوق، ولا أدرى أينطبق هذا الذي نقوله على امرئ القيس الذي يتحدث عنه أهل الأخبار ويصفونه بأنه رجل عابس ميال إلى اللهو والشهوات رمى صنمه بسهم وأنبه لما جاء الجواب بخلاف ما كان يرغب فيه ويشتهيه. ثم لا أدرى إذا كان أسلوب هذا الشعر من أسلوب الشعر الجاهلي وطرازه؟ وإذا كان هذا الشعر صحيحًا، فلم أدخل رواته شاعره في الجاهليين الوثنيين ولم يدخلوه في عداد المؤمنين بالله من الأحناف؟
وإذا اعتقدنا بصحة الأبيات المنسوبة إلى عبيد بن الأبرص:
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
بالله يدرك كل خير ... والقول في بعضه تلغيب
والله ليس له شريك ... علام ما أخفت القلوب
وقلنا مع القائلين إنها من شعر ذلك الشاعر حقًّا، وجب عده إذن في جملة
стр. 3610
الموحدين المؤمنين المسلمين، وإن عاش قبل الإسلام. فرجل يقول هذا القول، لا يمكن إلا أن يكون مسلمًا مؤمنًا بالله الواحد الأحد علام الغيوب والعارف بما في القلوب، ومن الممهدين للتوحيد بين العرب قبل الإسلام.
وقد أهمل بعض رواة هذه المعلقة البيت الآتي:
والله ليس له شريك ... علام ما أخفت القلوب
وكأنهم فطنوا إلى أن من غير المعقول نسبته إلى رجل وثني، مهما كان رأيه في الأوثان والتوحيد، لا يمكن أن يستعمل هذه الألفاظ التي لم يستعملها العرب بهذا الشكل إلا في الإسلام.
وإلى عبيد نفسه ينسب الأخباريون قول هذا البيت:
حلفت بالله إن الله ذو نعم ... لمن يشاء ذو عفو وتصفاح
ورجل يقول هذه الأبيات وأبياتًا أخرى من لونها، لا يمكن إلا أن يكون موحدًا مؤمنًا، من فصيلة المؤمنين بالله من الأحناف. وقد أراح "شيخو" نفسه وأراح الناس حين ذهب إلى أن عبيدًا وأمثاله من الشعراء الجاهليين كانوا نصارى وأن هذا التوحيد هو توحيد نصراني محض، وقف عليه عبيد في زيارته للحيرة مهد النصرانية في ذلك العهد، فاعتنقه، فهو على رأيه إذن شاعر نصراني، وشعره شعر نصراني لا يرد ولا يرفض.
ونجد "طفيل بن عوف" الغنوي يقسم بـ"الإله" في شعره. غير أن هناك رواية تضع "رضى" موضع "الإله" فيكون القسم به، ورضى اسم صنم كان لطيء١. وقد ذكر "الله"في مواضع أخرى من شعره، وقال إنه هو الذي يصلح الأمور، ويسد العجز والثُغر التي ليس في وسع الإنسان سدها٢.