ويستعين الـ"شمن"، وهو الكاهن أي رجل الدين، بالقوى الخارقة التي لديه والتي لا يملكها الرجل الاعتيادي في اعتقاد أبناء هذه العقيدة في الاتصال بالأرواح وبما وراء الطبيعة للتأثير فيها. ولدى هذا الكاهن أرواح مأمورة بين يديه للقيام بما يطلب منها القيام به. وهو يمارس أعمالًا سحرية للتأثير في الأرواح فللسحر في هذا الدين أهمية ومقام. ويقوم الـ"شمن" عند أكثر المتدينين بهذا الدين بأعمال الطبيب١.
وأما "الطوطمية"، فقد تحدثت عنها في الجزء الأول من هذا الكتاب٢. وقد بينت عقيدتها في "الطوطم"، ورأي العلماء في كيفية ظهور المجتمع "الطوطمي"، وهو مجتمع يقوم على أساس الجماعة أو القبيلة، يرتبط أفراده برباط ديني مقدس، هو رباط "الطوطم"، رمز الجماعة.
وأما الـ Fetishism من أصل Factitus اللاتيني، بمعنى السحر، أي القوة المؤثرة الخفية Magic فللباحثين في تأريخ الأديان آراء متعددة في تعريفها وفي تثبيت حدودها٣. والرأي الغالب الشائع بينهم أنها عبادة أو تقديس للأشياء المادية الجامدة التي لا حياة فيها لاعتقاد أصحابها بوجود قوة سحرية فيها، وقوى غير منظورة في تلك الأشياء تلازمها ملازمة مؤقتة أو دائمة ويحمل الـ Fetish "اليد" لجلب السعد إلى صاحبه. وهو في نظر "تيلور" Dr. Tylor بمثابة "إله البيت" وقوة فاعلة خفية تطرد الخبائث عن صاحبه، وتجلب الخير له. ولحدوث الأحلام ونشوئها في نظر الأقوام البدائية دخل كبير في رأي العلماء في ظهور هذه العقيدة٤.
وأصحاب هذه العقيدة لا ينظرون على تلك الأشياء المادية على أنها نفسها ذات قوة فعالة خفية، وأنها الرمز أو الصورة للإله المنسوب ذلك الشيء اليه، بل هم يرون أن تلك الأشياء ليست سوى منازل أو مواضع لاستقرار تلك القوى المؤثرة التي يكون لها دخل في إسعاد الإنسان وهو يقدس الأشياء المادية كالحجارة
стр. 3537
مهما كانت صغيرة أو كبيرة، مهندمة ومصقولة صقلتها يد الإنسان، ومستها أو لم تمسها يد، بل كانت على نحو ما وجدها في شكلها الطبيعي؛ لأنه حينما يتقرب إلى تلك الحجارة، لا يتقرب إليها نفسها، بل يتقرب إلى الروح التي تحل فيها. فالروح هي المعبودة، لا الحجر الذي تحل الروح فيه، وليس الحجر أو المواد الأخرى إلا بيتًا أو فندقًا تنزل الروح فيه.
أما عبادة الأسلاف Ancestor Worship فهي فرع من أهم فروع الدين في نظر بعض العلماء، بل هي الأساس الذي قام عليه الدين في نظر آخرين، ولا سيما عند "سبنسر" H. Spencer١. وأما الأسباب التي دعت البشر إلى هذه العبادة، فهي الحب والتقدير للأبطال والرؤساء والأمل في استمرار دفاعهم عنهم وحمايتهم للجماعة التي تنتمي إليها كما كانت تفعل في حياتهم ورد أذى الأعداء الأموات منهم والأحياء. فتمجيد الأبطال والخوف منهم، هو الذي حمل البشر على عبادة الأسلاف على رأي. وهناك من رأى أن تمجيد الأبطال والإشادة بذكرهم، هو الذي أوجد هذه العبادة، ومنهم من نسبها إلى الخوف منهم حسب٢.
وسواء أكان منشأ هذه العبادة الحب والتقدير أو الخوف أو كلاهما، فإن أساس هذه العقيدة هو الإيمان ببقاء الروح، روح الميت، وإن بإمكان هذه الروح نفع الأحياء أو إلحاق الأذى بهم. ورؤية الأحياء وسماع توسلاتهم ودعواتهم لها فالميت وإن كان قد دفن في قبره وغيب بين التراب، إلا أنه يسمع ويعي فروحه حية وبإمكانه النفع والضر. وهذه العقيدة هي التي حملت بعض الشعوب على مخاطبة الأرواح من فجوات مخصوصة في الأرض ومن مواضع أخرى لاستشارتها في بعض الأمور التي تهمها، وللتحدث معها في مسائل خطيرة كتقديم مشورة أو أخذ رأي أو استفسار عن اسم قاتل أو سارق ولهذه الغاية اتخذت مواضع مقدسة oracle يتقرب فيها إلى الأرواح وللاستفسار منها فكان في اليونان مثلًا موضع شهير عرف باسم Thesprotia، وموضع آخر عرف باسم Phigalia في "أركاديا" Arcadia٣. وكان في إيطاليا موضع للتنبوء يقع على بحيرة.
стр. 3538
"أفيرنوس" Avernus١ وكانت العادة في هذا الموضع أن يتقرب الراغبون في استشارة الأرواح إلى الموضع المقدس بتقديم ضحية، وعندئذ ينام السائل في الموضع المقدس، فتظهر له الروح في المنام، فتحدثه بما يحتاج إليه٢.
ولعبادة السلف علاقة بعبادة الأصنام Idolatry ويلاحظ أن عبادة السلف تقود أتباعها في بعض الأحيان إلى الاعتقاد بأن قبيلتهم تنتمي إلى صلب جد واحد، أصله حيوان في رأي الأكثرين، أو من النجوم في بعض الأحيان. وهذا ما يجعل هذه العقيدة قريبة من "الطوطمية"٣.
ولهذا العبادة أثر كبير في نظام أصحابها الاجتماعي؛ إذ هي تربط الأجيال الحاضرة بالأجيال الماضية بروابط متينة، وتؤلف من أصحاب هذا المذهب وحدة قوية، كما أن لها أثرًا مهمًّا في الأسرة، فهي في الواقع عبادة تخص الأسرة قبل كل شيء٤.
ومعارفنا عن عبادة السلف عند الجاهليين قليلة، ويمكن أن نستنتج من أمر النبي بتسوية القبور ونهيه عن اتخاذها مساجد ومواضع للصلاة أن الجاهليين كانوا يعبدون أرواح أصحاب هذه القبور ويتقربون إليها. ولعل في عبارة "قبر ونفس" أو "نفس وقبر" الواردة في بعض النصوص الجاهلية ما يؤيد هذا الرأي، فإن النفس هي الروح.
ومن آثار عبادة السلف عند العلماء حلق الرأس وإحداث جروح في الجسد واحتفالات دفن الموتى ولبس المسوح والعناية بالقبور والصلاة عليها أو إقامة شعائر دينية فوقها أو علامات خاصة بالميت أو الموتى للتقديس٥. ونحن إذا استعرضنا روايات الأخباريين نجد آثار هذه العبادة معروفة بين الجاهليين.
وقد أشار أهل الأخبار إلى قبور اتخذت مزارات، كانت لرجال دين ولسادات قبائل يقسم الناس بها، ويلوذون بصاحب القبر ويحتمون به، كالذي كان من
стр. 3539
أمر ضريح "تميم بن مر"، جد "تميم"، وكالذي ذكروه من أمر اللات" من أنه كان رجلًا في الأصل، اتخذ قبره معبدًا ثم تحول الرجل إلى صنم, ونجد في كتب الحديث نهيًا عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها. وقد أشارت إلى اتخاذ اليهود والنصارى قبور سادتهم وأوليائهم مساجد، تقربوا اليها، لذلك نُهي أهل الإسلام من التشبه بهم في تعظيم القبور١، كما نهي عن تكليل القبور وتجصيصها، والتكليل رفع القبر وجعله كالكلة، وهي الصوامع والقباب التي تُبنى على القبور٢.
وأما الـ Animusm فهو اعتقاد بوجود أرواح مؤثرة في الطبيعة كلها Nature ولذلك يؤله كثيرًا من المظاهر الطبيعية المرئية وغير المرئية منها، لاعتقاده بوجود قوى هي فوق الطبيعة، منها ما يكون في جسم، وهو "النفس" Saul، ومنها ما لا يكون في الأجسام وهو "الروح" Spirit٣.
ويمكن تقسيم هذه العبادة إلى ثلاث أصناف: عبادة النفس، نفس الإنسان أو الحيوان وخاصة منها عبادة الأموات Nacrolatry، وعبادة الأرواح spiritism وعبادة الأرواح التي تحل في المظاهر الطبيعية، إما بصورة مؤقتة وإما بصورة دائمة naturism٤.
والآراء في هذه المعتقدات لا تزال في مراحلها الأولى، وهي موضع جدل بين العلماء؛ لأنها قائمة على أساس الملاحظات والتجارب التي حصلوا عليها من دراساتهم لأحوال المجتمعات البدائية لهنود أمريكا ولقبائل إفريقية وأسترالية، ولا يمكن بالطبع حدوث اتفاق في الدراسات الاستقصائية المبنية على المشاهدات والملاحظات، وإذا كانت هذه الدرسات غير مستقرة وغير نهائية حتى الآن، فقد صعب بالطبع تطبيقها على معتقدات العرب قل الإسلام، وزاد في هذه الصعوبة قلة معلوماتنا في هذه الأمور. وليس من الممكن في نظري أن نتوصل إلى نتائج علمية غير قابلة للأخذ والرد في هذه الموضوعات في الزمن الحاضر، بل ولا في المستقبل.
стр. 3540
القريب، ما لم يحدث ما ليس في الحسبان، من العثور على نصوص دينية تكشف لنا عن عقائد الجاهليين.
ونستطيع أن نقول إجمالًا إن من الجاهليين من كان يدين بعبادة الأرواح على اختلاف طرقها، ويؤمن بأثرها. وللعلماء من مفسرين ولغويين وغيرهم تفاسير عديدة للروح، تفيدنا كثيرًا في معرفة آراء الجاهليين عنها، كما أن للأخباريين قصصًا عنها وعن استقلالها وانفصالها عن الجسد بعد الموت واتصالها بالقبر وغير ذلك، يمكن أن تكون موضوع دراسة قيمة لمن يريد التبسط في دراسة هذه الأمور.
стр. 3541
عبادة الكواكب:
وقد رأى بعض العلماء أن عبادة أهل الجاهلية هي عبادة كواكب في الأصل. وأن أسماء الأصنام والآلهة، وإن تعددت وكثرت، إلا أنها ترجع كلها إلى ثالوث سماوي، هو: الشمس والقمر والزهرة. وهو رمز لعائلة صغيرة، تتألف من أب هو القمر، ومن أم هي الشمس، ومن ابن هو الزهرة. وذهبوا إلى أن أكثر أسماء الآلهة، هي في الواقع نعوت لها، وهي من قبيل ما يقال له الأسماء الحسنى لله في الإسلام.
وقد لفت الجرمان السماويان: الشمس والقمر، نظر الإنسان إليهما بصورة خاصة، لما أدرك فيهما من أثر في الإنسان وفي طباعه وسحنه وعمله، وفي الجو الذي يعيش فيه، وفي حياة زرعه وحيوانه، وفي تكوين ليله ونهاره والفصول التي تمر عليه. فتوصل بعقله يوم ذاك إلى أنه نفسه، وكل ما يحيط به، من فعل هذين الجرمين ومن أثر أجرام أخرى أقل شأنًا منهما عليه. فنسب إليهما نموه وتكوينه وبرأه وسقمه، وحياة زرعه وماشيته، ورسخ في عقله أنه إن تقرب وتعبد لهما، ولبقية الأجرام، فإنه سيرضيها، وستغدق عليه بالنعم والسعادة والمال والبركة في البنين، فصار من ثم عابد كوكب.
ونجد في حكاية كيفية اهتداء "إبراهيم" إلى عبادة إله واحد، الواردة في سورة الأنعام، تفسيرًا لسبب تعبد الإنسان للأجرام السماوية. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، وَكَذَلِكَ نُرِي
стр. 3542
إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. فقد لفت ذلك ذلك الكوكب نظر إبراهيم، وبهره بحسن منظره وبلونه الزاهي الحالب، فتعبد له، واتخذه ربًّا، فلما أفل، ورأى كوكبًا آخر أكبر حجمًا وأجمل منظرًا منه، تركه، وتعبد للكوكب الآخر، وهو القمر. فلما أفل، ورأى الشمس بازغة، وهي أكبر حجمًا وأظهر أثرًا وأبين عملًا في حياة الإنسان وفي حياة زرعه وحيوانه وجوه ومحيطه، ترك القمر وتعبد للشمس، فيكون قد تعبد لثلاثة كواكب، قبل أن يهتدي إلى التوحيد، هي القمر والشمس، والمشترى أو الزهرة على ما جاء في أقوال المفسرين٢.
ويشير القرآن الكريم في موضع آخر إلى عبادة الجاهليين للأجرام السماوية، ولا سيما الشمس والقمر، ففيه " ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٣.
وهذه الأجرام السماوية الثلاثة هي الأجرام البارزة الظاهرة التي بهرت نظر الإنسان، ولا سيما الشمس والقمر. والزهرة، وإن كانت غير بارزة بروز الشمس والقمر، غير أنها ظاهرة واضحة مؤثرة بالقياس إلى بقية الأجرام ذات مظهر جذاب، ولون باهر خلاب، وقد يكون هذا المظهر الجميل الأخاذ هو الذي جعلها ابنًا للشمس والقمر في أساطير العرب الجنوبيين.
واعتبر الجاهليون القمر أبًا في هذا الثالوث، وصار هو الإله المقدم فيه، وكبير الآلهة. وصارت له منزلة خاصة في ديانة العرب الجنوبيين. وهذا ما حدا ببعض المستشرقين إلى إطلاق ديانة القمر على ديانة العرب الجنوبيين على سبيل
стр. 3543
التغليب١، وعلى الذهاب إلى أن هذا المركز الذي يحتله القمر في ديانة العربية الجنوبية لا نجده في أديان الساميين الشماليين، مما يصح أن نجعله من الفروق المهمة التي تميز الساميين الجنوبيين عن الساميين الشماليين٢.
ويرجع أولئك المستشرقون هذا التباين الظاهر بين عبادة الساميين الجنوبيين وعبادة الساميين الشماليين وتقديم القمر على الشمس عند العرب الجنوبيين إلى الاختلاف في طبيعة الأقاليم وإلى التباين في الثقافة، ففي العربية الجنوبية يكون القمر هاديًا للناس ومهدئًا للأعصاب، وسميرًا لرجال القوافل من التجار وأصحاب الأعمال في الليالي اللطيفة المقمرة، بعد حر شديد تبعثه أشعة الشمس المحرقة، فتشل الحركة في النهار، وتجعل من الصعب على الناس الاشتغال فيه، وتميت من يتعرض لأشعتها الوهاجة في عز الصيف القايظ. إنها ذات حميم حقًّا، فلا عجب إذا ما دعيت بـ"ذت حمم"، "ذات حميم"، "ذات الحميم" عند العرب الجنوبيين، ولذلك لا يستغرب إذا قدمه العرب الجنوبيون في عبادتهم على الشمس، وفضلوه عليها. وإذا كانت الشمس مصدرًا لنمو النباتات نموًّا سريعًا في شمال جزيرة العرب، فإن أشعة الشمس الوهاجة المحرقة تقف نمو أكثر المزروعات في صيف العربية الجنوبية، وتسبب جفافها واختفاء الورد والزهر في هذا الموسم، فلا بد أن يكون لهذه الظاهرة أثر في العقلية التي كونت تلك الأساطير٣.
ويرى "هومل" أن ديانات جميع الساميين الغربيين والعرب الجنوبيين هي ديانة عبادة القمر أي أن القمر فيها مقدم على الشمس، وهو عكس ما نجده في ديانة البابليين. ويعلل ذلك ببقاء الساميين الغربيين بدوًا مدة طويلة بالقياس إلى البابليين. ويلاحظ أيضًا أن الشمس هي أنثى، وأما القمر فهو ذكر عند الساميين الغربيين، وهو بعكس ما نجده عند البابليين٤.
والاسم الشائع للقمر بين الساميين، هو: ورخ، و"سن" "سين"، وشهر. وشهر خاصة هو الاسم الشائع المستعمل للقمر في الكتابات الجاهلية التي
стр. 3544
عثر عليها في العربية الجنوبية وفي النصوص التي عثر عليها في الحبشة، وفي الأقسام الشمالية الغربية من جزيرة العرب. ويلاحظ أن الصور التي ترمز إلى القمر مما عثر عليه في تلك النصوص هي متشابهة تقريبًا، ومتقاربة في الشكل، مما يدل على أن الأسطورة الدينية التي كانت في مخيل عبدة القمر عنه كانت متشابهة ومتقاربة ومن أصل واحد. أما كلمة "قمر"، فلم ترد حتى الآن في النصوص الجاهلية التي وصلت إلينا، وهذا مما حمل بعض المستشرقين على القول بأن هذه التسمية متأخرة١.
ويلاحظ أن النصوص العربية الجنوبية لا تسمى القمر باسمه دائمًا في النصوص، وإنما نشير إليه بكناه وصفاته في الغالب. ويظهر أن ذلك من باب التأدب والتجمل أمام رب الأرباب. ونجد هذا التأدب في مقام الأرباب عند جميع البشر، فلا يخاطب الإنسان ربه كما يخاطب غيره من الإنس، أي باسمه المعتاد؛ لأنه الرب والإله، وهو فوق الإنسان. وهو إذا خاطبه باسمه، فإنما يفعل ذلك على سبيل التودد والتقرب والتحبب إلى الرب، فهو نوع من أدب التقرب إلى الآلهة ...
ولما كان القمر هو الأب، خاطبه المؤمنون به بـ"ودم أبم"، وبـ"أبم ودم"، أي "ود أب"، و"أب ود"، ولا غرابة في ذلك. فإذا كان القمر أبًا للآلهة، فلِمَ لا يكون إذن أبًا للإنسان عبده، وهو في حاجة شديدة إليه، حاجة العبد إلى سيده والولد إلى والده؟
ودعوه أيضًا بـ"عم"، ولِمَ لا؟ أليس العم في مقام الأب؟ ثم إن العرب لا تزال تخاطب الكبير بـ"عم" دلالة على تقديره واحترامه، فليس بغريب إن نادى المؤمنون إلههم القمر: يا عم! ليرحمهم وليبارك فيهم، إن في هذا النداء تقربًا وتواضعًا وإشعارًا بضعف السائل تجاه المخاطب٢.
والأب عند العرب كل من كان سببًا في إيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره. ويقوم العم عندهم مقام الأب، ولذلك سمي مع الأب الأبوين٣
وقد عثر على أخشاب وأحجار حفرت عليها أسماء ود، أو جمل "ودم
стр. 3545
أبم"، أو "أبم ودم"، وذلك فوق أبواب المباني؛ لتكون في حمايته وللتبرك باسمه وللتيمن به، كما وجدت كلمة "ود" محفورة على أشياء ذات ثقوب، تعلق على عنق الأطفال لتكون تميمة وتعويذة يتبرك بها. فعلوا ذلك كما يفعل الناس في الزمن الحاضر في التبرك بأسماء الآلهة والتيمن بها لمنحها الحب والبركة والخيرات.
ونعت القمر بـ"كهلن"، أي "الكهل" في نصوص المسند، وفي نصوص عثر عليها في الأقسام الشمالية من العربية الغربية. وتعني لفظة "كهلن"، القدير والمقتدر والعزيز١. وهي من نعوت هذا الإله.
ونعت بنعوت أخرى، مثل "حكم"، أي "حكيم" و"حاكم" و"صدق" أي "صديق" و"صادق" و"علم"، أي "عليم" و"عالم" و"علام"، وبنعوت أخرى عديدة من هذا القبيل، وهي من نوع "الأسماء الحسنى" لله عند المسلمين. ترينا الإله إلهًا قديرًا قويًّا عالمًا حاميًا مساعدًا لأبنائه المؤمنين به. يحبهم حب الأب الشفيق لأبنائه الأعزاء.
والإله "القمر"، هو الإله "المقه" عند السبئيين. وهو إله سبأ الكبير. وهو "عم" عند القتبانيين. كما سأتحدث عن ذلك في أصنام الكتابات، وهو ود عند المعينين و"سن" "سين"، عند الحضارمة.
واتخذ الثور من الحيوانات رمزًا للقمر، ولذلك عد الثور من الحيوانات المقدسة التي ترمز إلى الآلهة. ونجد هذه الصورة مرسومة في النصوص اللحيانية والثمودية وعند غير العرب من الشعوب السامية. وقد نص على اسمه في الكتابات؛ إذ قيل له "ثور"٢.
وقد ذكر "الآلوسي"، أن عبدة "القمر" "اتخذوا له صنمًا على شكل عجل، وبيد الصنم جوهرة يعبدونه ويسجدون له ويصومون له أيامًا معلومة في كل شهر، ثم يأتون إليه بالطعام والشراب والفرح والسرور. فإذا فرغوا من الأكل أخذوا في الرقص والغناء وأصوات المعازف بين يديه"٣ ولم يشر إلى اسم الجاهليين الذي فعلوا ذلك. فلعله قصد عبدة القمر بصورة عامة من العرب وغيرهم
стр. 3546
وذهب بعض الباحثين إلى احتمال كون "الحية" تمثل الإله القمر، وهي تمثل الروح أيضًا عند بعض آخر١.
والشمس، هي من أول الأجرام السماوية التي لفتت إليها أنظار البشر بتأثيرها في الإنسان وفي الزرع والنماء. وهذا التأثير البارز جعل البشر يتصور في الشمس قدرة خارقة وقوة غير منظورة كامنة فيها، فعبدها وألهها، وشاد لها المعابد، وقدم لها القرابين. وهي عبادة فيها تطور كبير ورقي في التفكير إذا قيست بالعبادات البدائية التي كان يؤديها الإنسان للأحجار والنباتات والأرواح.
وقد تعبد العرب للشمس في مواضع مختلفة في جزيرة العرب. وترجع عبادتها إلى ما قبل الميلاد، في زمن لا نستطيع تحديده، لعدم وجود نصوص لدينا يمكن أن تكشف لنا عن وقت ظهور عبادة الشمس عند العرب. وعبدها أقوام آخرون من غير العرب من الساميين، مثل البابليين والكنعانيين والعبرانيين. وقد أشير في مواضع عديدة من العهد القديم إلى عبادة الشمس بين العبرانيين. وجعل الموت عقوبة لمن يعبد الشمس. ومع ذلك، عبدت في مدن يهوذا. وقد اتخذت جملة مواضع لعبادة الشمس فيها عرفت بـ"بيت شمس" Beth Shemesh٢.
والشمس، أنثى في العربية، فهي إلهة، أما في كتابات تذمر فهي مذكرة، ولذلك فهي إله ذكر عند التدمريين. ويرى "ولهوزن" Wellhousen أن ذلك حدث بمؤثرات خارجية٣. وكانت عبادة الشمس شائعة بين التدمريين وورد في الكتابات التي عثر عليها في "حوران" أسماء أشخاص مركبة من شمس وكلمة أخرى، ويدل على ذلك شيوع عبادتها عند أهل تلك المنطقة. وذكر "سترابو" أن Helios أي الشمس، هي الإله الأكبر عند النبط. ولكن الكتابات النبطية لا تؤيد هذا الرأي. والإله الأكبر فيها هو "اللات" فلعل "سترابو" قصد بـHelios اللات. وإذا كان هذا صحيحًا، فتكون اللات هي الشمس.
والشمس من الأصنام التي تسمى بها عدد من الأشخاص، فعرفوا بـ"عبد شمس" وقد ذكر الأخباريون أن أول من تسمى به سبأ الأكبر؛ لأنه أول من عبد
стр. 3547
الشمس، فدعي بـ"عبد شمس"١. وقد ذكر أن بني تميم تعبدت له. وكان له بيت، وكانت تعبده بنو أد كلها: ضبة، وتميم، وعدي، وعطل، وثور، وكان سدلته من بني أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن حروة بن أسيد بن عمرو بن تميم، فكسره هند بن أبي أهالة وصفوان بن أسيد بن الحلاحل بن أوس بن مخاشن٢.
وذكر أن "عبد شمس"، اسم أُضيف إلى شمس السماء؛ لأنهم كانوا يعبدونها. والنسبة "عبشمي"٣.
وكانت العرب تسمي الشمس "الإلهة" تعظيمًا لها، كما يظهر ذلك من هذا الشعر:
تروحنا من اللعباء قسرًا ... فأعجلنا الإلاهة أن تؤوبا
على مثل ابن مية فانعياه ... تشق نواعم البشر الجيوبا٤
ويقال لها "لاهة" بغير ألف ولام.
وعرفت الشمس بـ"ذُكاء"٥ عند الجاهليين. وقد تصور أهل الجاهلية الصبح ابنًا للشمس تارة، وتصوروه تارة حاجبًا لها. فقيل حاجب الشمس. وقيل يقال للصبح ابن ذكاء لأنه من ضوئها٦.
وكانوا يستقبلون الشمس ضحى. ذكر "الأسقع" الليثي أنه خرج إلى والده، فوجده جالسًا مستقبل الشمس ضحى٧. وإذا تذكرنا ما أورده أهل الأخبار عن
стр. 3548
صلاة الضحى، وهي صلاة كانت تعرفها قريش، ولم تنكرها، أمكننا الربط بين استقبال الشمس ضحى وبين هذه الصلاة.
وقد لاحظ بعض السياح أن آثار عبادة الشمس والقمر لا تزال كامنة في نفوس بعض الناس والقبائل، حيث تتجلى في تقدير هذين الكوكبين وفي تأنيب من يتطاول عليهما بالشتم أو بكلام مسيء وفي تعظيمها من بين سائر الكواكب تعظيمًا يشير إلى أنه من بقايا الوثنية القديمة على الرغم من إسلام أولئك المعظمين١.
ويلي الشمس والقمر "الزهرة"، وهي ذكر في النصوص العربية الجنوبية، ويسمى "عثتر". وهو بمثابة "الابن" للشمس والقمر، وهذا الثالوث الكوكبي يدل، في رأي الباحثين في أديان العرب الجنوبيين، على أن عبادة العربية الجنوبية هي عبادة نجوم. وهو يمثل في نظرهم عائلة إلهية مكونة من ثلاثة أرباب، هي: الأب وهو القمر، والابن وهو الزُّهرة، والأم وهي الشمس.
وإذ كان القمر هو الأب وكبير الآلهة الثلاثة، صار اسمه في طليعة من يذكر اسمه من الآلهة في النصوص، وصارت له كنى ونعوت كثيرة لا تجاريها في الكثرة نعوت الآلهة الأخرى، وبه تسمى أشخاص كثيرون. وهذا ما حدا ببعض المستشرقين على إطلاق ديانة القمر على ديانة العرب الجنوبيين على سبيل التغليب. وهذا المركز الذي يحتله القمر في ديانة العرب الجنوبية، لا نجده في أديان الساميين الشماليين عن الساميين الجنوبيين٢. كما يصح اعتبار تذكير "الزهرة" "عثتر" عند العرب الجنوبيين، من جملة الفروق التي نراها بين ديانة سكان العربية الجنوبية وديانات الساكنين في شمال العرب الجنوبية، فإن "الزهرة" هي أنثى عندهم.
وعبد بعض أهل الجاهلية أجرامًا سماوية أخرى، وتقربوا إليها بالنذور والصلوات. ففي كتب الأخباريين أن طائفة من تميم عبدت "الدبران"، وأن "العيوق" في زعمهم "عانق الدبران لما ساق إلى الثريا مهرًا، وهي نجوم صغار نحو عشرين نجمًا، فهو يتبعها أبدًا خاطبًا لها، ولذلك سموا هذه النجوم القلاص"٣.
стр. 3549
وفي كتبهم أيضًا أن بعض قبائل لخم وخزاعة وحمير وقريش عبدوا "الشعرى العبور" وأن أول من سن ذلك لهم، وأدخل تلك العبادة إليهم "أبو كبشة". وهو "جزء بن غالب بن عامر بن الحارث بن غبشان الخزاعي"، أو "وجز بن غالب"، وهو من خزاعة ثم من بني غبشان، أحد أجداد النبي من قبل أمهاته. خالف قريشًا في عبادة الأصنام وعبد الشعرى العبور. وكان "وجز" يقول: إن الشعرى تقطع السماء عرضًا، فلا أرى في السماء شيئًا، شمسًا ولا قمرًا ولا نجمًا، يقطع السماء عرضًا. والعرب تسمي الشعرى العبور؛ لأنها تعبر السماء عرضًا، ووجز هو أبو كبشة الذي كانت قريش تنسب رسول الله، ﷺ ، إليه، والعرب تظن أن أحدًا لا يعمل شيئًا إلا بعرق ينزعه شبهه، فلما خالف رسول الله ﷺ ، دين قريش، قالت قريش: نزعه أبو كبشة؛ لأن أبا كبشة خالف الناس في عبادة الشعرى. وكانوا ينسبون رسول الله ﷺ إليه. وكان أبو كبشة سيدًا في خزاعة، لم يعيروا رسول الله ﷺ به من تقصير كان فيه، ولكنهم أرادوا أن يشبهوه بخلاف أبي كبشة، فيقولون: "خالف كما خالف أبو كبشة"١. وذكر "القرطبي" أن أول من عبد الشعرى" أبو كبشة أحد أجداد النبي ﷺ من قبل أمهاته، ولذلك كان مشركو قريش يسمون النبي، ﷺ ابن أبي كبشة، حين دعا إلى الله وخالف أديانهم، وقالوا: ما لقينا من ابن أبي كبشة! وقال أبو سفيان يوم الفتح، وقد وقف في بعض المضايق وعساكر رسول الله، ﷺ ، تمر عليه: لقد أمِرَ أمر ابن أبي كبشة"٢. وكان "الحارث"، وهو "غبشان بن عمرو بن بؤي بن ملكان"، ويكنى أبا كبشة، ممن يعبد الشعرى٢.
و"الشعرى" Sirius هي المقصودة في الآية: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ ٤. كان ناس في الجاهلية يعبدون هذا النجم الذي يقال له الشعرى. وهو النجم
стр. 3550
الوقاد الذي يتبع الجوزاء، ويقال له المرزم١. وقد كان من لا يعبد الشعرى من العرب يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم٢.
وذكر بعض العلماء أن "الشعرى" كوكب نير يقال له المرزم، وطلوعه في شدة الحر. وتقول العرب إذا طلعت الشعرى، جعل صاحب النحل يرى. وهما: "الشعريان": العبور، والشعرى الغميصاء. تزعم العرب أنهما أختا سهيل وعبدت طائفة من العرب الشعرى العبور. ويقال: إنها عبرت السماء عرضًا، ولم يعبرها عرضًا غيرها. وسميت الأخرى الغميصاء؛ لأن العرب قالت في حديثها: إنها بكت على أثر العبور حتى غمضت٣.
والعرب تقول في خرافاتها: إن سهيلًا والشعرى كانا زوجين، فانحدر سهيل فصار يمانيًّا، فاتبعته الشعرى العبور فعبرت المجرة فسميت العبور، وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل حتى غمصت عيناه، فسميت غمصاء لأنها أخفى من الأخرى٤.
ويذكرون أن بعض طيء عبدوا "الثريا"، وبعض قبائل ربيعة عبدوا "المرزم"، وأن "كنانة" عبدت القمر٥ ويتبين من بعض الأعلام المركبة، مثل: عبد الثريا، وعبد نجم، أن الثريا ونجمًا، كانا صنمين معبودين في الجاهلية٦. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن "النجم" المذكور في سورة "النجم": ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ : الثريا٨ "والعرب تسمى الثريا نجمًا"٩. وقال بعض آخر: "إن النجم ههنا الزهرة؛ لأن قومًا من العرب كانوا يعبدونها"١٠.
стр. 3551
وعبَدَ بعض الجاهليين "المريخ"، واتخذوه إلهًا، كما عبد غيرهم "سهيلًا" Canapus و"عطار" Markur و"الأسد" Lion و"زحل".
وقد ذكر أهل الأخبار، أن أهل الجاهلية يجعلون فعلًا للكواكب حادثًا عنه، فكانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وكانوا يجعلون لها أثرًا في الزرع وفي الإنسان فأبطل ذلك الإسلام، وجعله من أمور الجاهلية. جاء في الحديث: "ثلاث من أمور الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة، والاستسقاء بالأنواء"١.
ومن مظاهر الشرك المتجلي في التعبد للأمور الطبيعية الملموسة، عبادة الشجر، وهي عبادة شائعة معروفة عند الساميين. وقد أشار "ابن الكلبي" إلى نخلة "نجران" وهي نخلة عظيمة كان أهل البلد يتعبدون لها، "لها عيد في كل سنة. فإذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه وحلي للنساء، فخرجوا إليها يومًا وعكفوا عليها يومًا". ومنها العزى وذات أنواط. يحدثنا أهل الأخبار عن ذات أنواط، فيقولون: "ذات أنواط: شجرة خضراء عظيمة، كانت الجاهلية تأتيها كل سنة تعظيمًا لها، فتعلق عليها أسلحتها وتذبح عندها، وكانت قريبة من مكة. وذكر أنهم كانوا إذا حجوا، يعبقون أرديتهم عليها، ويدخلون الحرم بغير أردية، تعظيمًا للبيت، ولذلك سميت "ذات أنواط"٣. "وقد روي أن بعض الناس قال: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط"٤.
ونستطيع أن نقول إن آثار عبادة الشجر لا تزال باقية عند الناس. تظهر في امتناع بعضهم وفي تهيبهم من قطع الشجر؛ لاعتقادهم أنهم إن فعلوا ذلك أصيبوا بنازلة تنزل بهم وبمكروه سيحيق بهم. ولذلك تركوا بعض الشجر كالسدر فلم يتعرضوا له بسوء٥.
وتعبد بعض أهل الجاهلية لبعض الحيوانات. فقد ورد أن جماعة الشاعر "زيد الخيل"، وهم من طيء، كانوا يتعبدون لجمل أسود. فلما وفد وفدهم على
стр. 3552
الرسول، قال لهم: "ومن الجمل الأسود الذي تعبدونه من دون الله "١. وورد أن قومًا كانوا بالبحرين عرفوا بـ"الأسبذيين"، كانوا يعبدون الخيل٢. ذكر أنهم قوم من المجوس، كانوا مسلحة لحصن المشقر من أرض البحرين٣. فهم فرس. وأن بعض القبائل مثل "إياد"، كانت تتبرك بالناقة٤.
стр. 3553
الشفاعة:
والشفاعة من أهم مظاهر الشرك عند الجاهليين. وأقصد بالشفاعة هنا، ما ورد في القرآن الكريم من تبرير أهل الجاهلية لتقربهم إلى الأصنام بأنهم ما يتعبدون لها إلا لتقربهم إلى الله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٢. فهم يحاجون الرسول، ويدافعون عن التقرب إلى الأصنام، بقولهم: إنها تشفع عند الله، فهي شفيعة، فهم لا يعبدون الأصنام إذن، ولا يشركون بالخالق، وإنما هم يتقربون إليه بها. فهي الواسطة بينهم وبين الله٣.
стр. 3554
الأصنام:
ومن جملة ما كان يتوسط به الجاهليون لآلهتهم ليكونوا شفعاء لهم عندها، التماثيل المصنوعة من الفضة أو الذهب أو الحجارة الثمينة والخشب. ومن عادتهم أنهم كانوا يدونون ذلك على الحجارة، فيكتبون عدد التماثيل وأنواعها وأسماء الآلهة أو اسم الإله الذي قدمت له تلك الأشياء واسم الناذر، ويشار إلى السبب الداعي.
стр. 3555
إلى ذلك، كأن يذكر بأن أصحابها توسلوا إلى الإله أو الآلهة المذكورة برجائهم الذي طلبوه، فأجيبت مطالبهم، ولذلك قدموا هذه النذور، فهي وفاء لدين استحق عليهم بسبب ذلك النذر وتلك الشفاعة.
ولا بد لنا من الإشارة هنا إلى أن الأصنام كانت تدافع عن قبائلها وتذب عنها وتحامي عنها في الحرب، كما يدافع سيد القبيلة عن قبيلته، وأن أبناء القبيلة أبناؤها وأولادها، ولذلك كانوا يقولون عنها "آب" "أب" في كتاباتهم، ويكتبون عن أنفسهم "أبناء الصنم...." وفي الشعر الجاهلي أمثلة عديدة تشير إلى اعتقاد القوم باشتراك آلهتهم معهم في الحرب وفي انتصارهم لهم. ففي الحرب التي وقعت بين "بني أنعم" و"بني غطيف" بشأن الصنم "يغوث" يقول الشاعر:
وسار بنا يغوث إلى مراد ... فناجزناهم قبل الصباح١
وطبيعي أن بعد أعداء القبيلة أعداء لصنم القبيلة، وأعداء الصنم أعداء للقبيلة، فأعداء الآلهة وأعداء القبيلة هم خصوم لا يمكن التفريق بينهم.
وفي معركة أُحد، وهي من المعارك الحربية المهمة التي جرت بين الإسلام والوثنية على مستقبل العرب الديني، نادى أبو سفيان بأعلى صوته: "اعل هبل! اعل هبل! "؛ ليبعث الحماسة في نفوس الوثنيين وليستغيث بصنمه في الدفاع عن أتباعه المؤمنين به. أما المسلمون، فاستنجدوا بالله، إذ ردوا عليه ردة قوية عالية: "الله أعلى وأجل" فقال أبو سفيان: "ألا لنا العزى ولا عزى لكم" فأجابه المسلمون: "الله مولانا ولا مولى لكم"٢.
وفي الحروب يحارب كل إله عن قبيلته، ويجهد نفسه في الدفاع عنها في سبيل حصولها على النصر. ولهذا السبب كانت القبائل والجيوش تحمل أوثانها أو صور آلهتها أو رموزها الدينية المقدسة معها في الحروب. تتبرك بها وتستمد منها العون والنصر. ولما حارب الأعراب الملك "سنحاريب" ملك آشور، حملوا أصنامهم: "دبلت" "دبلات" Diblat، و"دية" Daia = Daja
стр. 3556
و"نوخيا" Nuhaia و"إبيريلو" Ebirillu و"عثر قرمية" Atar Kurumaia معهم لتدافع عنهم، ولتحارب معهم الآشوريين. ولكن الآشوريين غلبوهم وانتصروا عليهم وأخذوا غنائم وأسرى منهم، كان في جملتها هذه الأصنام المسكينة، التي وقعت في الأسر وبقيت في أسرها إلى أن توفي "سنحاريب" وتولى ابنه "أسرحدون" الحكم، فاسترضى الأعراب هذا الملك وجاءوا بهدايا كثيرة؛ رجاء استرضائه لإعادة أصنامهم إليهم، فرقَّ على حالهم وأعاد إليهم تلك الأصنام السيئة الحظ، التي كتب عليها أن تسجن، وتمكنت من استنشاق ريح الحرية من جديد١.
وسقطت أصنام الأعراب مرة أخرى في أسر الآشوريين، وذلك في أيام "أسرحدون"، فلما انضم "لبلي" "ليل" Laili ملك "يادي" "يادع" "يدي" "يدع" Jadi' = Jadi' إلى الثائرين على حكم هذا الملك، لحقت بهم الهزيمة، وسقطت أصنامه أسيرة في أيدي الآشوريين، وأخذت إلى "نينوى"، فلم يجد الملك "ليل" "ليلي" أمامه من سبيل سوى الذهاب إلى عاصمة الملك لاسترضائه، حيث طلب العفو والصفح عما بدر منه، فقبل "أسرحدون" منه ذلك، وتآخى معه، وأعاد إليه أصنامه٢.
وكان في جملة الأصنام التي شاء سوء طالعها الوقوع في أسر الآشوريين الصنم "أترسمين" "أترسمائين" "A – tar- sa- ma- a – a – in" "Atarsamin". و"أتر" هو "عثتر"، فيكون المراد به "عثتر السماء" عثتر السماوات، ويدل ذلك على أنه إله السماء. وكان قد وقع أسيرًا في أيديهم أيام الملك "أسرحدون"، فلما توفي الملك وانتقل عرشه إلى ابنه "أشور بانبال"، جاء Uaite العربي إليه، وهو أحد سادات القبائل إلى الملك، وصالحه وأرضاه، فأعاد إليه أصنامه ومنها الصنم المذكور٣.
وطالما كان يعرض حمل المحاربين أصنامهم معهم في الحروب إلى وقوع تلك الأصنام في الأسر، تقع كما يقع الإنسان في الأسر. بل يكون أسر الأصنام في نظرهم أشد وقعًا في نفوسهم من أسر الإنسان. إنها آلهة تدافع وتحامي، إنها
стр. 3557
آلهة القبيلة كلها، فأسرها معناه في عرفهم أسر القبيلة كلها، فأسر الآلهة شيء كبير بالنسبة إلى القبيلة. وقد أشرت إلى استيلاء الآشوريين على أصنام قبائل "عربي" التي حاربتهم، وإلى أخذها أسيرة إلى أرض آشور، وإلى مفاوضة الأعراب معهم على الصلح في مقابل إعادة تلك الأصنام إليهم. فلما أعيدت الأصنام إلى أصحابها، كتب الآشوريون عليها كتابة تخبر بوقوعها في الأسر، وبانتصار آلهة آشور عليها؛ لتكون نذيرًا للمؤمنين بها، يحذرهم من حرب ثانية توقع هذه الأصنام في أسد جديد.
وقد أشير إلى "خيل اللات" في مقابل "خيل محمد"، في شعر لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، إذ قال:
لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل الله خيل محمد١
ومن أمثلة العرب: "لا تفر حتى تفر القبة"، أو" لا نفر حتى تفر القبة"٢. ويراد بالقبة: قبة الصنم، أي خيمة الصنم التي تحمل مع المحاربين وتضرب في ساحة القتال؛ ليطوف حولها المحاربون يستمدون منها العون والنصر. كما كانوا يستشيرون الأصنام عند القتال، ويأخذون برأيها فيما تأمر به.
وحمل الأصنام مع القبيلة في ترحالها وفي حروبها وغزواتها يستلزم بذل عناية خاصة بها للمحافظة عليها من الكسر ومن تعرضها لأي سوء كان. وعند نزول القبيلة في موضع ما توضع الأصنام في سمتها، وهي خيمة تقوم مقام المعبد الثابت عند أهل المدر. وتكون للخيمة بسبب ذلك قدسية خاصة، وللموضع الذي تثبت عليه حرمة ما دامت الخيمة فوقه، وقد كانت معابد القبائل المتنقلة كلها في الأصل على هذا الطراز. ولم يكن من السهل على أهل الوبر تغيير طراز هذا المعبد، واتخاذ معبد ثابت؛ لخروج ذلك على سنن الآباء والأجداد. ولذلك لم يرض العبرانيون عن المعبد الثابت الذي أقامه سليمان، لما فيه من نبذ للخيمة المقدسة التي كانت المعبد القديم لهم وهم في حالة تنقل من مكان إلى مكان.
واعتقاد القبائل أن أصنامها هي التي تجلب لها النصر والخسارة، كان يؤدي في بعض الأحيان إلى الإعراض عن الصنم المحبوب ونبذه، نتيجة لانهزام القبيلة،
стр. 3558
إذ يتبادر إلى ذهن تلك القبيلة أن تلك الهزيمة التي نزلت بها إنما كانت بسبب ضعف ربها واستكانته وعدم اقتداره في الدفاع عنها، ولذلك تقرر الاستغناء عنه والتوجه إلى رب قوي جديد. وقد يكون ذلك الرب هو رب القوية المنتصرة، أو رب قبيلة من القبائل التي عرفت بتفوقها في الحروب، فيكون التوفيق حليف ذلك الرب. وهكذا الأرباب في نظر قبائل تلك الأيام كالناس لها حظوظ، والحظ هو دائمًا في جانب القوي.
وكان على كهان صنم القبيلة المغلوبة إيجاد تفسير لعلة الهزيمة التي لحقت بعبدة ذلك الصنم، والبحث عن عذر يدافعون به عن الصنم، ويلقون اللوم فيه على أتباعه؛ لتبرئة ذمته وإبعاد المؤمنين به عن الشك في قدرته وعظمته. فكان من أعذارهم، أن الهزيمة عقاب من الإله أرسله إلى أتباعه لابتعادهم عن أوامره ونواهيه، ولعدم إطاعتهم أحكام دينه، ولمخالفتهم آراء رجال دينهم وكهانه. ولن تنقشع عنهم النكبة، ويكتب لهم النصر، إلا إذا تابوا وعملوا بأوامر الكهان وأرضوا الآلهة، وعملوا بها أوجبته شريعتهم عليهم. وهكذا يلوم الكهان الناس، دفاعًا عن آلهتهم التي خلقوها بأنفسهم، وحماية لمصالحهم القائمة على استغلال تلك المخترعات، التي نعتوها آلهة وأصنامًا.
ولما كانت الآلهة آلهة قبائل، كان نبذ الفرد لإلهه معناه نبذه لقبيلته وخروجه على إجماعها، فلا يسع شخصًا أن يغير عبادة إله القبيلة إلا إذا خرج على قبيلته وتعبد لإله آخر. فإن تغيير عبادة الأفراد لأصنامهم في نظر قدماء الساميين أمر إد، هو بمثابة تبديل الجنسية في العصر الحاضر. إن عبادة الأصنام عبادة موروثة يرثها الأبناء عن الآباء، وليست بشيء اختياري، فليس للرجل أن يختار الصنم الذي يريده بمحض مشيئته. إن الصنم دين وهو رمز للقبيلة، والمحامي المدافع عن شعبه، والرابطة التي تربط بين الأفراد، فالخروج عليه معناه خروج على إرادة الشعب وتفكيك لوحدته، وهو مما لا يسمح به وإلا تعرض الثائر للعقاب١.
نعم، كان في إمكان أصحاب الكلمة والسيادة والرئاسة تغيير أصنام القبيلة، أو تبديل دينها، كما سنرى فيما بعد. فهؤلاء هم سادة، والناس تبع لسادتهم،
стр. 3559
وفي المثل: "الناس على دين ملوكهم" لقد أضاف سادة أصنامًا إلى قبائلهم، فعبدت وتمسك أتباعهم بعبادتها، وكأنهم قد تلقوا أوامرهم من السماء، ونبذت قبائل بعض أصنامها، بأمر من سادتها. ودخلت قبائل في الإسلام؛ لدخول سيدها فيه، ودخلت أخرى قبل ذلك في النصرانية، بتنصر سادتها، بكلمة أقنعت الرئيس، أو بعد محاورة، أو بإبلال من مرض قيل له إنه كان ببركة ذلك الدين، فدخل أتباعه في ذلك الدين من غير سؤال ولا جواب.
стр. 3560
عبادة الأصنام:
ويتبين من غربلة روايات الأخباريين أن عبادة الأصنام كانت منتشرة انتشارًا واسعًا قبيل الإسلام، حتى كان أهل كل دار قد اتخذوا صنمًا في دارهم يعبدونه "فإذا أراد الرجل منهم سفرًا، تمسح به حين يركب، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به، فكان أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله"١ وقد كان أشق شيء في نظر قريش نبذ تلك الأصنام وتركها وعبادة إله واحد ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ ٢.
يقول ابن الكلبي: "واشتهرت العرب في عبادة الأصنام فمنهم من اتخذ بيتًا، ومنهم من اتخذ صنمًا. ومن لم يقدر عليه ولا على بناء البيت، نصب حجرًا أمام الحرم وأمام غيره مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت.... فكان الرجل إذا سافر فنزلا منزلًا، أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربًّا، وجعل ثلاث أثافي لقدره. فإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلًا آخر، فعل مثل ذلك. فكانوا ينحرون ويذبحون عند كلها ويتقربون إليها"٣. وروي أنه لم يكن حي.
стр. 3561
من أحياء العرب إلا وله صنم يعبده يسمونه: "أنثى بني فلان. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ ١. والإناث كل شيء ليس فيه روح مثل الخشبة والحجارة"٢. وقد كان المشركون يعبدون الأصنام "ويسمونها بالإناث من الأسماء كاللات والعزى ونائلة ومناة وما أشبه ذلك"٣.
ولم يذكر "ابن الكلبي" العوامل التي دفعت بعبدة الأحجار إلى اختيار أربعة أحجار من بين عدد عديد من الأحجار، ثم اختيار حجر واحد من بين هذه الأحجار الأربعة المختارة. فهل أخذ هذا العدد من نظرية العناصر الأربعة التي وضعها الفيلسوف "إمبدوكلس" "Empedokles" "٤٩٠-٤٣٠ قبل الميلاد" نظرية أن الكون قد تكون من عناصر أربعة هي: النار، والماء، والهواء، والتراب، فكانوا يختارون لذلك أربعة أحجار، تمثل هذه القوى الأربع المكونة على رأي الناس في ذلك الوقت لأساس الكون، ثم يختارون حجرًا واحدًا من بينها يكون أحسنها وأجملها؛ ليكون رمزًا لها، وممثلًا للإله.
وقد كان من الجاهليين من يختار الأحجار الغربية فيتعبد لها. فإذا رأوا حجرًا أحسن وأعجب تركوا الحجارة القديمة وأخذوا الحجارة الجديدة. قال "ابن دريد": "الحارث بن قيس: وهو الذي كان إذا وجد حجرًا أحسن من حجر أخذه فعبده. وفيه نزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ٤. فهذه هي عبادة الأحجار عند الجاهليين.
ولدينا أمثلة عديدة تفيد أن كثيرًا من الجاهليين كانوا يحتفظون في بيوتهم بأصنام يتقربون إليها كل يوم، ولا يعني ذلك بالطبع أن تلك الأصنام كانت أصنامًا كبيرة منحوتة نحتًا فنيًّا، بل كان أكثرها تماثيل صغيرة، وبعضها أحجارًا غير منسقة ولا منحوتة نحتًا جيدًا، وإنما هي أحجار تمثل الصنم الذي يتقرب إليه المرء. روي أن "أحمر بن سواء بن عدي السدوسي"، كان له صنم يعبده، فعمد إليه فألقاه في بئر، ثم جاء إلى الرسول فأسلم٥.
стр. 3562
وكان بين الجاهليين قوم كرهوا الأصنام وتأففوا منها، رأوا أنها لا تنفع ولا تضر ولا تشفع، فلم يتقربوا إليها، وقالوا بالتوحيد، ومن هؤلاء "مالك بن التيهان"، وهو من الأنصار ومن المسلمين الأولين الذين دخلوا في الإسلام من أهل "يثرب" و"أسعد بن زرارة".
وقد شك بعض المستشرقين في وجود أصنام عند العرب الجنوبيين٢، ويظهر أن الذي حملهم على قول هذا القول، هو ما رأوه من تعبد العرب الجنوبيين لآلهة منظورة في السماء هي الكواكب الثلاثة المعروفة، فذهبوا إلى انتفاء الحاجة لذلك إلى عبادة أصنام ترمز إلى تلك الآلهة. وعندي أن في إصدار رأي في هذا الموضوع نوع من التسرع؛ لأننا لم نقم حتى اليوم بحفريات علمية عميقة في مواضع الآثار في العربية الجنوبية حتى نحكم حكمًا مثل هذا لا يمكن إصداره إلا بعد دراسات علمية عميقة لمواضع الآثار، فلربما تكشف دراسات المستقبل عن حل مثل هذه المشكلات. إن الإسلام قد هدم الأصنام وأمر بتحطيمها، فذهبت معالمها، إلا أنه من الممكن احتمال العثور على عدد منها، لا زال راقدًا تحت التربة؛ لأنه من الأصنام القديمة التي دفنت في التربة قبل الإسلام بسبب دمار حل بالموضع الذي عبد فيه، أو من الأصنام التي وصلت إليها أيدي الهدم، فطمرت في الأتربة، وعلى كلٍّ فالحكم في هذا الرأي هو كما ذكرت للمستقبل وحده، وعليه الاعتماد.
والرأي الذائع بين الأخباريين عن كيفية نشوء عبادة الأصنام قريب من رأي بعض العلماء المحدثين في هذا الموضوع. عندهم أن الناس لم يتعبدوا في القديم وفي بادئ بدء الأصنام، ولم يكونوا ينظرون إليها على أنها أصنام تعبد، إنما صوروها أو نحتوها لتكون صورة أو رمزًا تذكرهم أو يذكرهم بالإله أو الآلهة أو الأشخاص الصالحين. فلما مضى عهد طويل عليها، نسي الناس أصلها، ولم يعرفوا أمرها، فاتخذوها أصنامًا وعبدوها من دون الله. وتحملنا رواياتهم في بعض الأحيان على الاعتقاد أنهم كانوا يعتقدون بعقيدة المسخ، كالذي رووه عن الصنمين إساف ونائلة من أنهما "رجل وامرأة من جرهم، وأن إسافًا وقع عليها في الكعبة فمسخا"٣، وبعقيدة التقمص كالذي رووه عن الصنم اللات من أنه كان إنسانًا
стр. 3563
من ثقيف، فلما مات قال لهم عمرو بن لحي: "لم يمت، ولكن دخل في الصخرة ثم أمرهم بعبادتها وأن يبنوا عليها بنيانًا يسمى اللات"١ أو كالذي رووه عن الأصنام ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، من أن هؤلاء كانوا نفرًا من بني آدم صالحين، "وكان لهم أتباع يقتدون بهم. فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم فلما ماتوا ودب إليهم إبليس، فقال إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم"٢.
وهذه العقيدة هي التي خلقت للأخباريين جملة قصص عن وجود أرواح كامنة في تلك الأصنام، كانت تتحدث إلى الناس، وهي التي أوحت إليهم بذلك القصص الذي رووه بمناسبة أمر النبي بهدم الأصنام، من خروج جن من أجوافها حينما قام بهدمها المسلمون. وقد كان أولئك الجنة على وصفهم إناثًا، والغالب أنهن على هيأة زنجيات شمطاوات عجائز، وقد نثرن شعورهن٣. وهي صور مرعبة ولا شك في نظر الناس، ومن عادة الناس منذ القديم أن يمثلوا الجنة على هيأة نساء طاعنات في السن مرعبات.
والخوف من هذه الأرواح أو الجنة التي كانت تقيم في أجواف الأصنام على رأي الجاهليين، حمل بعض من عهد إليهم تحطيم تلك الأصنام على التهيب من الإقدام على مثل ذلك العمل خشية ظهورها وفتكها بمن تجاسر عليها. وهذا الخوف هو الذي أوحى إليهم ولا شك برواية القصص المذكور.
ويمثل الصنم قوة عليا هي فوق الطبيعة، وقد يظن أنها كامنة فيه٤. وتكون الأصنام على أشكال مختلفة، قد تكون على هيئة بشر، وقد تكون على هيئة حيوان أو أحجار أو أشكال أخرى. ولهذه الأصنام عند عابديها مدلولات وأساطير. وهي تصنع من مواد مختلفة، من الحجارة ومن الخشب ومن المعادن ومن أشياء أخرى بحسب درجة تفكير عبدتها وتأثرهم بالظواهر الطبيعية والمؤثرات التي تحيط
стр. 3564
بهم. وقد تستخدم خُشُبٌ خاصة تؤخذ من أشجار ينظر إليها نظرة تقديس واحترام في عمل الأصنام منها. ويتوقف صنعها على المهارة التي يبديها الفنان في الصنع. ويحاول الفنان في العادة أن يعطيها شكلًا مؤثرًا علاقة بالأساطير القديمة وبالكائن الذي سيمثله الصنم. وقد يكون الصنم من حجارة طبيعية عبدها عن أجداده كأن يكون من حجارة البراكين، وقد يكون من النيازك عبدها لظنه بوجود قوة خارقة فيها.
ولعبادة الأصنام صلة وثيقة بتقديس الصور Images وكذلك بصور السحر Magical Images فكل هذه الأشكال الثلاثة هي في الواقع عبادة. ونعني هنا بتقديس الصور، الصور المقدسة التي تمثل أسطورة دينية أو رجالًا مقدسين كان لهم شأن في تطور العبادة، أو جاءوا بديانة، وأمثال ذلك فأحب المؤمنون بهم حفظ ذكراهم وعدم نسيانهم أو الابتعاد عنهم. وذلك بحفظ شيء يشير إليهم ويذكرهم بهم، وهذا الشيء قد يكون صورة مرسومة، وقد يكون صورة محفورة أو منحوتة أو مصنوعة على هيئة تمثال أو رمز يشير إلى ذلك المقدس١.
فالصور المرسومة إذن، هي نوع من العبادة أيضًا، ينظر إليها نظرة تقديس وإجلال.
ونجد في روايات أهل الأخبار عن منشإ عبادة الأصنام عند العرب ما يؤيد هذا الرأي فهناك رواية طريفة عن الصنم "سواع" تزعم أن سواعًا كان ابنًا لشيث، وأن يغوث كان ابنًا لسواع، وكذلك كان يعوق ونسر، كلما هلك الأول صورت صورته وعظمت لموضعه من الدين ولما عهدوا في دعائه من الإجابة فلم يزالوا هكذا حتى خلف الخلوف، وقالوا: ما عظم هؤلاء آباءنا إلا لأنها ترزق وتنفع وتضر، واتخذوها آلهة. وهناك رواية أخرى تزعم أن الأوثان التي كانت في قوم نوح، كانت في الأصل أشخاصًا صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا، أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسونها أنصابًا، وسموها بأسمائها، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنوسخ العلم بها عبدت٢.
стр. 3565
وهناك روايات عن أصنام جعلتها أشخاصًا مسخوا حجرًا، فعبدوا أصنامًا، وصاروا شركاء لله، تعبد لها؛ لأنها في نظرهم تنفع وتضر.
ونجد في أخبار فتح مكة أن الرسول حينما دخل الكعبة رأى فيها صور الأنبياء والملائكة، فأمر بها فمحيت ورأى فيها ستين وثلاثمائة صنم مرصعة بالرصاص، وهبل أعظمها، وهو وجاه الكعبة على بابها، وإساف ونائلة حيث ينحرون ويذبحون، فامر بها فكسرت١.
أما هذه الصور، فقيل إنها صور الرسل والأنبياء، وبينها صورة "إبراهيم" وفي يده الأزلام يستقسم بها٢.
стр. 3566
الأصنام:
والصنم في تعريف علماء اللغة هو ما اتخذ إلهًا من دون الله، وما كان له صورة كالتمثال "مثال"، وعمل من خشب، أو ذهب، أو فضة، أو نحاس، أو حديد، أو غيرها من جواهر الأرض. وقال بعضهم: الصنم جثة متخذة من فضة، أو نحاس، أو ذهب، أو خشب، أو حجارة، متقربين به إلى الله، فالشرط فيه أن يكون جثة: جثة إنسان أو حيوان. وقيل: الصنم الصورة بلا جثة١. وذكر أن الصنم ما كان من حجر أو غيره٢. وعرف بعضهم الصنم بأنه ما كان له جسم أو صورة فإن لم يكن له جسم أو صورة، فهو وثن٣. و"الصنمة"، الصورة التي تعبد٤. وقد كان "المنطبق" صنمًا من نحاس أجوف يكلمون من جوفه٥.
стр. 3567
ووردت لفظة "صلم" في كتابات عثر عليها في أعالي الحجاز، اسم علم لإله ازدهرت عبادته بصورة خاصة بمدينة "تيماء" ويرجع بعض المستشرقين تأريخ ازدهار عبادة هذا الصنم إلى حوالي سنة "٦٠٠" قبل الميلاد. وقد ورد اسمه علمًا لأشخاص في الكتابات اللحيانية. ورمز عنه برأس ثور في كتابات قوم ثمود١.
وقد وردت كلمة "أصنام"٢ و"أصنامًا"٣ و"الأصنام"٤ و"أصنامكم"٥ في القرآن الكريم، بحسب مواقع الكلمة في الجملة.
وذكر علماء اللغة أن كلمة "صنم" ليست عربية أصيلة، وإنما هي معربة وأصلها "شمن" "شنم" ولكنهم لم يذكروا اسم اللغة التي عربت منها٦. وترد اللفظة في اللهجات العربية الجنوبية وردت "صلمن" في نصوص المسند بمعنى "صنم" و"تمثال" و"مثال"٧. ووردت في لهجات عربية أخرى. وهي "صلمو" Salmo في لغة بني أرم، ومعناها "صورة". من أصل "صلم" بمعنى "صور" وتقابل "صلم" في العبرانية٨.
وقد ورد في قصص أهل الأخبار أن "بني حنيفة" تعبدوا لصنم من حيس، فعبدوه دهرًا طويلًا، ثم جاعوا فأكلوه، فقال الشعراء في ذلك شعرًا يعيرون به "بني حنيفة" لأكلهم ربهم زمن المجاعة٩. وهو في رأيي من القصص الذي يضعه الخصوم في خصومهم للاستهزاء بهم.
стр. 3568
الوثن:
وأما كلمة "وثن" فهي من الكلمات العربية القديمة الواردة في نصوص المسند. ويظهر من استعمال هذه الكلمة في النصوص مثل: "وليذبحن وثنن درا بخرفم ذبصم صححم أنثيم وذكرم"، أي "وليذبح للوثن مرة في السنة ذبحًا صحيحًا، أنثى أو ذكرًا"١. إن الوثن هو الذي يرمز إلى الإله، أي بمعنى الصنم في القرآن الكريم.
стр. 3569
الصلم:
ويظهر من استعمال كلمتي "صلمن" "الصلم" "صلم" و"وثنن" "الوثن" أن هناك فرقًا بين الكلمتين في نصوص المسند، فإن كلمة "صلمن" تعني في الغالب تمثالًا يصنع من فضة، أو من ذهب، أو من نحاس، أو من حجر، أو من خشب، أو من أية مادة أخرى ويقدم إلى الآلهة لتوضع في معابدها تقربًا إليها؛ لاجابتها دعاء الداعين بشفائهم من مرض أو قضاء حاجة، أي أنها تقدم نذورًا. أما الوثن، فإنه الصنم في لهجتنا، أي الرمز الذي يرمز به إلى الإله، والذي يتقرب له الناس.
والوثن في رأي بعض العلماء لفظة مرادفة لصنم. وقال بعض آخر: "المعمول من الخشب أو الذهب والفضة أو غيرها من جواهر الأرض صنم، وإذا كان من حجارة، فهو وثن"١. وذكر بعض آخر أن الصنم ما كان له صورة جعلت تمثالًا، والوثن ما لا صورة له. "وقيل إن الوثن ما كان له جثة من خشب أو حجر أو فضة ينحت ويعبد، والصنم صورة بلا جثة. وقيل: الصنم ما كان على صورة خلقة البشر، والوثن ما كان على غيرها". "وقال آخرون: ما كان له جسم أو صورة، فصنم، فإن لم يكن له جسم أو صورة، فهو وثن. وقيل: الصنم من حجارة أو غيرها، والوثن ما كان صورة مجسمة.
стр. 3570
وقد يطلق الوثن على الصليب وعلى كل ما يشغل عن الله" وقال بعض آخر: "يقال لكل جسم من حجر أو غيره صنم، ولا يقال وثن إلا لما كان من غير صخرة كالنحاس ونحوه"١. وذكر بعض آخر: "أصل الأوثان عند العرب، كل تمثال من خشب أو حجارة أو ذهب أو فضة أو نحاس أو نحوها، وكانت العرب تنصبها وتعبدها"٢.
وذكر علماء اللغة أن "الودع" وثن٣. ولم يذكروا شيئًا عنه غير ذلك. وقد أطلق "الأعشى" على الصليب "الوثن"؛ إذ قال:
تطوف العفاة بأبوابه ... كطوف النصارى ببيت الوثن
"أراد بالوثن الصليب" "قال عدي بن حاتم: قدمت على النبي، ﷺ ، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: القِ هذا الوثن عنك، أراد به الصليب، كما سماه الأعشى وثنا"٤.
فنحن إذن أمام آراء متباينة في معنى الصنم و"الوثن". منهم من جعل الصنم مرادفًا للوثن، أي في معنى واحد، ومنهم من فرق بينهما، ومنهم من جعل الصنم وثنًا والوثن صنمًا. والظاهر أن مرد هذا الاختلاف، هو اختلاف استعمال القبائل للكلمتين، فلما جمع علماء اللغة معانيهما، وقع لهم هذا التباين وحدث عندهم هذا الاختلاف في الرأي.
وترد في كتب الأدب واللغة لفظة "البعيم"٥. اسم صنم، والتمثال من الخشب، وقيل الدمية من الصمغ٦. والمثال الشبه، وما جعل مثالًا لغيره، والتمثال. وهو الشيء المصنوع مشبهًا بخلق وإذا قدرته على قدره. وذكر أنها الأصنام. وفي هذا المعنى وردت في القرآن الكريم: "ما هذه التماثيل؟ أي
стр. 3571
الأصنام. وقوله تعالى: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ ، هي صور للأنبياء"١. وذكر التماثيل للأصنام، والصورة، والشيء المصنوع مشبهًا بخلق من خلق الله. أي إنسان أو حيوان أو نبات٢. ويعبر عن التمثال والمثال بلفظة "أمثلن" في العربيات الجنوبية. وردت في النصوص لمناسبة تقديم أصحابها تماثيل على الآلهة لتوضع في معابدها وفاء لنذور نذروها لها٣.
و"الدمية" الصورة المنقشة من الرخام، أو عام من كل شيء، أو الصورة عامة. والصنم، والأصنام دمى. ومن أيمان الجاهلية: لا والدمى، يريدون الأصنام٤. وذكر أن "الدمية" ما كان من الصمغ٥.
و"البد" الصنم الذي يعبد، فارسي معرب. عرب من "بت" بمعنى "صنم"٦. وذكر أن "البد" بيت الصنم والتصاوير أيضًا٧.
وقد اشتغل بعض أهالي مكة بصنع الأصنام فكان "عكرمة بن أبي جهل" ممن يعملها بمكة٨. وكان الأعراب إذا جاءوا مكة أو المواضع الحضرية الأخرى اشتروا الأصنام منها للتعبد لها٩.
стр. 3572
هيأة الأصنام:
وقد وصف "ابن الكلبي"، وهو الراوية الرئيس والعالم الكبير بالأصنام هيئه بعض الأصنام، فذكر مثلًا أن الصنم "هبل" كان على صورة إنسان مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش فجعلت له يدًا من ذهب١. فهو تمثال إنسان إذن نحت من حجر أحمر أو وردي، لا يستبعد أن يكون من عمل بلاد
стр. 3573
الشأم أو من عمل الفنانين اليونان، واستورد من هنا: فنصب في جوف الكعبة. استورده أحد سادة "مكة" وهو "عمرو بن لحي" على رواية أهل الأخبار، أو غيره، لما رأى فيه من حسن الصنعة ودقة النحت. فوضعه في موضعه. ولم يذكر أهل الأخبار سبب كسر اليد اليمنى للصنم، هل كان ذلك بسبب حادث، أو بسبب أسطوري. وأما "اللات" فصخرة بيضاء منقوشة١، في رواية أكثر الأخبار. وتمثال من حجر على رواية٢. وأما العزى، فهناك رواية تذكر أنها كانت صنمًا، أي تمثالًا، ولكنها لم تعين صورته على نحو ما تحدثت عنها في الفصل الخاص بالأصنام. وأما "ود" فقد كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد ذبر عليه حلتان، متزر بحلة، مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسًا، وبين يديه حربة فيها لواء، ووفضة فيها نبل٣.
وأما سواع، فكان صنمًا على صورة امرأة ولا يستبعد أن يكون من بين الأصنام الباقية ما كان على صورة حيوان. فقد كان الصنم "نسر" يمثل النسر.
وأقصد بالأصنام في هذا المكان أصنام المعابد، أي الأصنام التي كان الناس يتقربون إليها بالتعبد والنذور. وأما الأصنام الصغيرة، وهي التماثيل التي كان يتعبد لها الناس في بيوتهم أو يحملونها معهم في أسفارهم أو يحملونها معهم حيث ذهبوا تبركًا بها فقد كانت كثيرة لا يخلو منها إنسان، وكانوا يتقربون بها إلى الأصنام الكبيرة. وقد عثر المنقبون على عدد كبير منها وهي متفاوتة في الحجم وفي الروعة ودقة الصنع والإتقان.
стр. 3574
عبادة الأصنام:
ونظرية "ابن الكلبي" ومن لف لفه من الأخباريين أن نسل إسماعيل بن إبراهيم لما تكاثر بمكة حتى ضاقت بهم. وقعت بينهم الحروب والعداوات، فأخرج بعضهم بعضًا، فتفسحوا في البلاد التماسًا للمعاش وكان كلما ظعن من مكة ظاعن حمل معه حجرًا من حجارة الحرم؛ تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة.
стр. 3575
فحيثما حلّوا، وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة، تيمنًا منهم بها وصبابة بالحرم وحبًّا له. وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة، ويحجون ويعتمرون، على إرث إبراهيم وإسماعيل.
"ثم سلخ بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، وانتجثوا ما كان يعبد قوم نوح منها، على إرث ما بقي فيهم من ذكرها، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها: من تعظيم البيت، والطواف به، والحج والعمرة، والوقوف على عرفة ومزدلفة، وإهداء البدن، والإهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه"١.
فكان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وبحر البحيرة، وحمى الحامية، عمرو بن ربيعة، وهو لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي، وهو أبو خزاعة.
وكانت أم عمرو بن لحي، فهيرة بنت عامر عمرو بن الحارث بن عمرو الجرهمي، ويقال: قمعة بنت مضاض الجرهمي٢.
وكان الحارث هو الذي يلي أمر الكعبة. فلما بلغ عمرو بن لحي، نازعه في الولاية، وقاتل جرهمًا ببني إسماعيل، فظفر بهم، وأجلاهم عن الكعبة، ونفاهم عن بلاد مكة، وتولى حجابة البيت بعدهم.
ثم إنه مرض مرضًا شديدًا، فقيل له: إن بالبلقاء من الشأم حمة إن أتيتها، برأت. فأتاها، فاستحم بها، فبرأ. ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو. فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا. فقدم بها مكة، ونصبها حول الكعبة. ثم أخذ عمرو بن لحي في توزيع الأصنام على القبائل. وبذلك شاعت عبادة الأصنام بين الناس٣.