اللات:
واللات من الأصنام القديمة المشهورة عند العرب. ذكر ابن الكلبي أنه كان صخرة مربعة بيضاء، بنت ثقيف عليها بيتًا صاروا يسيرون إليه، يضاهون به
стр. 3747
الكعبة، وله حجة وكسوة، ويحرمون واديه، وكانت سدانته لآل أبي العاص بن أبي يسار بن مالك من ثقيف، أو لنبي عتاب بن مالك، وكانت قريش وجميع العرب يعظمونه أيضًا، ويتقربون إليه، حتى إن ثقيفًا كانوا إذا ما قدمون من سفر، توجهوا على بيت اللات أولًا للتقرب إليه وشكره على السلامة، ثم يذهبون بعد ذلك إلى بيوتهم١. فيتبين من ذلك أن معبد اللات الشهير كان في مدينة الطائف، مركز قبيلة ثقيف، يقصده الناس للتبرك به. وقد كانت له معابد كثيرة منتشرة في مواضع عديدة من الحجاز.
وذكر ابن كثير أن اللات "صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش"٢. فلم تكن صخرة اللات صخرة ملساء حسب، بل كانت إلى ذلك منقوشة، وكانت في داخل بيت له أستار على شاكلة الكعبة والفناء هو حرم معظم عند أهل الطائف، تعظيم قريش لحرم البيت. حرم على الناس قطع شجره، وصيد حيوانه، ومن دخله صار آمنًا٣.
وكانت تحب صخرة اللات حفرة يقال لها "غبغب"، حفظت فيها الهدايا والنذور والأموال التي كانت تقدم إلى الصنم. فلما هدم المغيرة الصنم أخذ تلك الأموال وسلمها على أبي سفيان امتثالًا لأمر الرسول٤.
ويظهر من وصف أهل الأخبار لبيت اللات أنه كان على طراز البيت بمكة من حيث المنزلة والاحترام والكسوة. فقد كان يكسى في كل عام كسوة. ويظهر أن ثقيفًا اتخذت له سدنة وخدمًا يقومون بحراسة البيت وخدمته وتنظيفه على نحو
стр. 3748
ما كان في مكة وفي بيوت الآلهة الأخرى١.
ويرى ابن الكلبي أن الصنم "اللات" هو أحدث عهدًا من مناة٢. أما نحن فلا نستطيع أن نجرؤ فنقول بهذا القول؛ لأن الصنمين هما من الأصنام القديمة التي ورد ذكرها في كتابات النبط والصفويين. ثم إن "هيرودوتس" أشار إلى "اللات"، كما سأذكر ذلك. وليس من السهل حتى بالنسبة إلى ابن الكلبي أو غيره، ممن تقدم عليه بالزمن الحكم على زمن دخول عبادة الصنمين إلى جزيرة العرب؛ لأن ذلك يعود إلى زمن سابق لا تصل ذاكرة الرواة إليه.
ومكان بيت اللات في موضع مسجد الطائف، أو تحت منارة مسجد الطائف. وقد عرف البيت الذي بني على اللات بيت الربة. ويقصدون بالربة اللات؛ لأنه أنثى في نظر عابديه٣. ولا ندري أكان إنشاء مسجد الطائف على موضع معبد اللات رمزًا لحلول بيت الله محل بيت الربة، وبيت الأصنام، وتعبيرًا عن حلول الإسلام محل عبادة اللات والأصنام، أم كان ذلك لسبب آخر، هو وجود أسس سابقة وحجارة قديمة موجودة فاستسهل لذلك إقامة بناء المسجد في هذا المكان؟ وقد فسر بعض المستشرقين إقامة المسجد في هذا المكان، بأنه تخليد لذكرى الوثنية في نفوس بعض من أسلم لسانه وكفر قلبه، فسرهم قيام المسجد في هذا المكان ليبقى أثرًا يذكرهم بذكرى صنمهم القديم اللات٤.
وللأخباريين روايات عن صخرة اللات، منها أنها في الأصل صخرة كان يجلس عليها رجل، يبيع السمن واللبن للحجاج في الزمن الأول، وقالوا: إنها سميت باللات لأن عمرو بن لحي كان يلت عندها السويق للحجاج على تلك الصخرة، وقالوا: بل كانت اللات في الأصل "رجلًا من ثقيف. فلما مات، قال لهم عمرو بن لحي: لم يمت، ولكن دخل في الصخرة، ثم أمر بعبادتها، وأن يبنوا بنيانًا يسمى اللات"، وقالوا: "قام عمرو بن لحي، فقال لهم: إن ربكم كان قد دخل في هذا الحجر، يعني تلك الصخرة نصبها لهم صنمًا يعبدونها. وكان فيه وفي العزى شيطانان يكلمان الناس، فاتخذتها ثقيف طاغوتًا، وبنت لها.
стр. 3749
بيتًا. وجعلت لها سدنة، وعظمته، وطافت به". وقيل: "كانت صخرة مربعة. وكان يهودي يلت عندها السويق"١.
وذكر المفسر "أبو السعود" أن هناك رواية تزعم أن حجر اللات كان على صورة ذلك الرجل الذي قبر تحته، وهو الذي كان يلت السويق، فلما مات، عكفوا على قبره فعبدوه٢. وقيل إن اللات: الذي كان يقوم على آلهتهم، ويلت لهم السويق٣.
فنحن أمام راي يزعم أن "اللات" إنسان في الأصل مات، وكان يخدم الأصنام، فيتقدم إليها يلت السويق ويعطيه للناس، فلما توفي، دفن في موضعه الذي كان يلت السويق عنده ثم اتخذ قبره مزارًا، كما اتخذت قبور أخرى مزارات ينحر عندها ويتبرك بها الناس، ولهذا نهى الإسلام عن اتخاذ القبور مزارات، حتى لا تعظم من دون الله، كالذي حدث عند الجاهليين٤.
وذكر بعض أهل الأخبار أن صنم اللات إنما سمي لاتًا، من "لوى؛ لأنهم كانوا يلون عليها، أي يطوفون"٥، ويعتكفون للعبادة عنده٦. معنى هذا أن عباد هذا الصنم لم يكونوا يكتفون بالذبح عنده، بل كانوا يطوفون حوله طوافهم حول أصنام أخرى. وذكر أنه سمي لاتًا، ومن اللتات، وكل شيء يلت به سويق أو غيره نحو السمن٧.
ولدينا رأي آخر في سبب تسمية اللات لاتًا، خلاصته: "أن الناس اشتقوا اللات من اسم "الله" فقالوا "اللات"، يعنون مؤنثه منه"٨. وذكر
стр. 3750
الطبري أن "اللات هي من الله، ألحقت فيه التاء، فأنثت، كما قيل عمرو للذكر وللأنثى عمرة، وكما قيل للذكر عباس ثم قيل للأنثى عباسة"١.
وورد في بعض روايات أهل الأخبار أن الثقفي الذي كان يلت السويق بالزيت ويقدمه للناس، لما توفي قبر في موضع اللات، فعكفوا على قبره، فعبدوه وجعلوه وثنًا، وزعم بعض آخر أنه قبر عامر بن الظرب العدواني٢. فترى هذه الروايات أن "بيت الربة"، هو قبر رجل، دفن فيه، فعبد وصير إلهًا. وزعم قوم أنه كان رجلًا من ثقيف، يقال له "صرمة بن غنم"، وكان يسلأ السمن، فيضعه على صخرة، فتأتيه العرب، فلما مات، عبدته ثقيف٣.
وتفسير أهل الأخبار لاسم "اللات" هو بالطبع من تفسيراتهم المألوفة الكثيرة التي لا يمكن أن نثق بها، ولا يمكن أن نحملها على محمل الصدق والعلم. فالاسم هو من الأسماء القديمة التي عرفت قبل الميلاد ويرى بعض المستشرقين أنه إدغام وسط بين "الإلاهت" "أل سال هت" Al Alahat والإدغام التام "اللات" "أل لت" Allat، على نحو ما حدث للفظ الجلالة: "الإلاه" "أل- إل هـ" الذي صار "الله"٤.
وفي قول أهل الأخبار أن صخرة اللات كانت ليهودي، يلت عندها السويق أو لرجل من ثقيف، غمز وطعن في ثقيف، وقد غمز بها في أمور أخرى أشرت إليها في مواضع أخرى. ويعود سبب هذا الغمز إلى المنافسة التي كانت بين أهل الطائف وأهل مكة، ثم على الكراهية الشديدة التي حملها أهل العراق وأهل الحجاز وغيرهم للحجاج لأعماله القاسية، وعدم مبالاته ومراعاته للحرمات حتى بالنسبة إلى الكعبة، مما حمل الناس على كرهه وكره قومه ثقيف، وعلى وضع قصص عن ثقيف.
ولا يستبعد أن تكون صخرة اللات صخرة من هذه الصخور المقدسة التي كان يقدسها الجاهليون ومن بينها "الحجر الأسود" الذي كان يقدسه أهل مكة ومن
стр. 3751
كان يأتي إلى مكة للحج وفي غير موسم الحج، لذلك كانوا يلمسونه ويتبركون به. وإذا أخذنا برأي ابن الكلبي من أن عمرو بن لحي قال للناس: "إن ربكم كان قد دخل في هذا الحجر"، أو أن الرجل الذي كان عند الصخرة لم يمت، ولكن دخل فيها أو أن روح ميت حلت فيها ونظرنا إلى رأيه هذا بشيء من الجد، فلا يستبعد أن يشير هذا الرأي إلى ما يسمى بـ"الفتيشزم" fetichism أي عبادة الأحجار في اصطلاح علماء الأديان. ويعنون بها عبادة الأرواح التي يزعم المتعبدون لها أنها حالة في تلك الأحجار، وخاصة الأحجار الغريبة التي لم تصقلها الأيدي، بل عبدت على هيئتها وخلقتها في الطبيعة، وهي من العبادات المنحطة بالنسبة إلى عبادة الصور والتماثيل والأصنام١.
وذكر أن قريشًا تعبدت للصنم اللات بموضع نجلة عند سوق عكاظ، وقيل إنه كان بالكعبة٢. وذكر أن "اللات بيت كان بنخلة تعبده قريش"٣. ويلاحظ أن من أهل الأخبار من جعل العزى بيتًا كان بنخلة٤ أي هذا البيت المذكور.
ويظهر من روايات أهل الأخبار أن منهم من رأى أن اللات بيت للصنم، الذي كان بالطائف، وأن منهم من رأى أنه كان بنخلة تعبده قريش. وأما عباد البيت الأول، فهم ثقيف. ولا أستبعد وجود بيوت عبادة أخرى في غير هذين المكانين في الحجاز وفي غير الحجاز.
واللات من الآلهة المعبودة عند النبط أيضًا، وقد ورد اسمها في نصوص "الحجر" و"صلخد" و"تدمر" وهي من مواضع النبط٥. وهو "هـ ل ت" "هـ - لت" "ها - لت" في النصوص الصفوية٦، ومعناها "اللات"؛ لأن "الهاء" حرف تعريف في اللهجة الصفوية. وقد ذكر أكثر من ستين مرة في الكتابات الصفوية. وهو أكثر آلهة الصفويين ورودًا في نصوصهم، ويدل ذلك على شيوع عبادته بينهم٧.
стр. 3752
ويذكر الباحثون أن النبط عدوا اللات أمًّا للآلهة، وهي في نظر "روبرتسن سمث" الإلهة الأم لمدينة "بطر" وتقابل الإلهة Artemis عند أهل قرطاجة١. وقد عبدت اللات في تدمر، وفي أرض "مدين" عند اللحيانيين٢. وقد وصف "أفيفانيوس" Epiphanius معبد الإلهة اللات في مدينة "بطرا"، فذكر أنه معبد الأم العذراء Virggin mother كما أنها كانت معبودة عند أهل "الوسة" "الوس" Elusa كذلك. ويظهر أن عبادتها كانت قد انتقلت من النبط ومن القبائل العربية الشمالية إلى أهل الحجاز٣.
وصنم اللات، هو "أليلات" "أللات" Alilat = Alelat المذكور في تأريخ "هيرودوتس" ذكر أنه من آلهة العرب الشهيرة٤ والتسمية عربية النجار، وقد غيرت تغييرًا طفيفًا، اقتضته طبيعة اللغة اليونانية، فذكره "هيرودوتس" على النحور المذكور. فهذا الصنم إذن هو أول صنم عربي يرد اسمه في نص مؤرخ يوناني. وهو يقابل الإله Minerva أي "أثينة" Athene عند اليونان٥.
وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن "اللات" تمثل "الشمس"، وهي أنثى أي إلهة٦ أما "رينه ديسو" فيرى أنها لا تمثل الشمس، وإنما تمثل كوكب الزهرة، وخطأ رأي من يقول إن اللات الشمس٧.
وقد انتهت إلينا أسماء رجال أضيفت إلى اللات، مثل: "تيم اللات"، و"زيد اللات"، و"عائذ اللات، و"شيع اللات". و"شكم اللات"، و"وهب اللات" وما شاكل ذلك من أسماء. ومما يلفت النظر أننا لم نلاحظ ورود اسم "عبد اللات" بين أسماء الجاهليين٨.
وقد أقسموا باللات، كما أقسموا بالأصنام الأخرى، ونسب إلى أوس بن حجر قوله٩:
стр. 3753
وباللات والعزى ومن دان دينها ... وبالله، إن الله منهن أكبر
وهدم اللات في جملة ما هدم من الأصنام، وأحرق البيت وقوضت حجارته، هدمه بأمر الرسول المغيرة بن شعبة في أغلب الروايات: وكان الناس ينظرون إلى هدمه في خوف وفزع وهلع خشية أن ينالهم شيء من أذى انتقامًا منهم؛ لأنهم لم يدافعوا عن بيت ربتهم، وكانت نساء ثقيف حسرًا يبكين عليه. فلما انتهى الهدم، ولم يحدث لهن شيء، أخذ المغيرة مالها وحليها من الذهب والجزع وأعطاه أبا سفيان، وكان الرسول قد أرسله مع المغيرة في وفد ثقيف الذي جاء إليه عارضًا عليه الإسلام، فأخذه منه أبو سفيان، ليقضي من مال اللات دين عروة والأسود ابني مسعود١.
ولما أصيبت ثقيف بهزيمة، واحتمت بالطائف قال الشاعر:
وفرت ثقيف إلى لاتها ... بمنقلب الخائب الخاسر٢
ويظهر من هذا الشعر الذي ينسب على "شداد بن عارض الجشمي"، وقد قاله حين هدمت وحرقت اللات:
لا تنصروا اللات إن الله مهكلها ... وكيف نصركم من ليس ينتصر؟
إن التي حرقت بالنار فاشتعلت ... ولم تقاتل لدى أحجارها هدر
إن الرسول متى ينزل بساحتكم ... يظعن، وليس بها من أهلها بشر
إن ثقيفًا بقيت مخلصة لصنمها مؤمنة به، حتى بعد هدمه وتحريقه، فقال الشاعر شعره، ينهى ثقيفًا عن العود إليها والغضب لها٣.
ويظهر من بيت ينسب إلى كعب بن مالك الأنصاري، هو قوله:
وننسى اللات والعزى وودًا ... ونسلبها القلائد والسيوفا٤
стр. 3754
إن الناس كانوا يعلقون القلائد والسيوف على تلك الأصنام. وروايات الأخباريين تؤيد هذه الدعوى؛ إذ نذكر أن الجاهليين كانوا يقدمون الحلي والثياب والنفائس وما حسن وطاب في أعين الناس هدية ونذورًا إلى الأصنام، فكانوا يعلقون ما يمكن تعليقه عليها، ويسلمون الأشياء الأخرى إلى سدنة الأصنام.
وقد ذكر الرحالة الإنكليزي "جيمس هاملتون" أن صخرة اللات كانت لا تزال في أيامه بالطائف. وقد شاهدها فوصفها بأنها صخرة من الغرانيت ذات شكل خماسي، وإن طولها زهاء اثنتي عشرة قدمًا١.
ويظهر أنه كان للات بيت وقبة يحملها الناس معهم حين يخرجون إلى قتال، فينصبان في ساحة الجيش؛ ليشجع المحاربون فيستميتوا في القتال، وينادي المنادون بنداء تلك الأصنام مثل: يا للات، وقد كانت لبقية الأصنام بيوت وقباب أيضًا٢، وعادة حمل الأصنام إلى المعارك والحروب وإشراكها مع الناس في القتال بإحضارها ساحة المعارك عادة قديمة، معروفة عند العرب وعند غيرهم. وقد سبق أن قلت إن الآشوريين ذكروا أنهم أسروا أصنام "أريبي" العرب في أثناء قتالهم معهم، أسروها مرارًا، وكانوا يثبتون عليها خبر الأسر. كما أن الفلسطينيين والعبرانيين وغيرهم كانوا يحملون معهم أصنامهم في القتال٣.
стр. 3755
العزى:
والعزى صنم أنثى كذلك، وهي أحدث عهدًا في نظر ابن الكلبي من اللات ومناة. وأما الذي اتخذ العزى على رواية ابن الكلبي، فهو ظالم بن أسعد. وضعت "بواد من نخلة الشامية، يقال له حراض، بأزاء الغمير، عن يمين المصعد إلى العراق من مكة، وذلك فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال، فبنى عليها بسًا "يريد بيتًا"، وكانوا يسمعون فيه الصوت"١ وينسب إليه بيت العزى كذلك.
стр. 3756
وقد زعم بعض أهل الأخبار أن "العزى" كان بيتًا بالطائف تعبده ثقيف. ويظهر أن هذا اشتباه قد وقع لهم، وأنهم خلطوا بين اللات والعزى، فتوهموا أن بيت اللات هو العزى فقالوا ما قالوه. ونجد في تفسير الطبري تأييدًا لهذا الرأي١.
وورد في بيت شعر ينسب إلى "حسان بن ثابت" أن بيت العزى كان "بالجزع من بطن نخلة"٢.
ويظهر أن العزى كانت "سمرات"، لها حمى، وكان الناس يتقربون إليها بالنذور. وهي بالطبع عبادة من العبادات المعروفة للشجر٣. وقد ذكر الطبري روايات عديدة تفيد أن "العزى" شجيرات، ولكنه أورد روايات أخرى تفيد أنها حجر أبيض٤، فنحن إذن أمام رأيين: رأي يقول إن العزى شجيرات، ورأي يرى أنها حجر. وذكر "ابن حبيب" أن العزى شجرة بنخلة عندها وثن تعبدها غطفان، سدنتها من بني صرمة بن مرة٥. وذكر غيره أنها سمرة لغطفان٦.
وقد تسمى العرب وقريش بالعزى، فقالوا: "عبد العزى"٧ وقد أقسموا بها، ولها يقول درهم بن زيد الأوسي:
إني ورب العزى السعيدة ... والله الذي دونه بيته سرف٨
وأقدم من سمي باسم "عبد العزى" في رأي ابن الكلبي هو عبد العزى بن كعب٩. وقد ذكر ابن دريد أسماء عدد من أهل مكة عرفوا بـ"عبد العزى".
стр. 3757
منهم بـ"عبد العزى بن قصي"، و"عبد العزى بن عبد مناف"، و"عبد العزى بن عبد المطلب"١.
ويظهر من هذا الشعر المنسوب إلى "زيد بن عمرو بن نفيل":
تركت اللات والعزى جميعًا ... كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمي بني غنم أزور٢
إن عباد العزى كانوا يتصورونها أمًّا، ولها ابنتان، ولعله أراد بـ"ابنتيها" اللات ومناة. وقد نسب بعض أهل الأخبار عبادة العزى إلى عمرو بن لحي جريًا على عادتهم في نسبة عبادة الأوثان إليه، فقالوا إنه قال لعمرو بن ربيعة والحارث بن كعب عن ربكم يتصيف باللات لبرد الطائف، ويشتو بالعزى لحر تهامة٣. وفي رواية لابن إسحاق: إن عمرو بن لحي اتخذ العزى بنخلة، فكانوا إذا فرغوا من حجهم وطوافهم بالكعبة، لم يحلوا حتى يأتوا العزى، فيطوفون بها، ويحلون عندها، ويعكفون عندها يومًا، وكانت لخزاعة وكانت قريشًا وبنو كنانة كلها تعظم العزى مع خزاعة وجميع مضر. وكان سدنتها الذين يحجبونها بنو شيبان من بني سليم، حلفاء بني هاشم٤.
وتشير رواية من زعم أن عمرو بن لحي قال لقومه: "إن ربكم يتصيف باللات لبرد الطائف، ويشتو بالعزى لحر تهامة"، صحت أو لم تصح، إلى وجود صلة بين اللات والعزى، وقد ذكرى العزى بعد اللات في القرآن الكريم. وكذلك ترد بعد اللات في جميع روايات الأخباريين مما يشير إلى وجود صلة بين اللات والعزى. ولا يستبعد أن تكون هذه الصلة بين الصنمين قد جاءت إلى أهل الحجاز من بلاد الشأم من أهل تدمر وبادية الشام والصفويين، إذ وردا وكأنهما إلهان متقابلان، فحمل ذلك بعض المستشرقين على تصور أنهما يمثلان كوكبين: كوكب الصباح وكوب المساء٥.
стр. 3758
والعزى مثل اللات ومناة من الآلهة المعبودة عند عرب العراق وعرب بلاد الشأم، وعد النبط والصفويين. وقد ذكر اسم العزى مرتين في المصادر المؤلفة بعد الميلاد، وأشار إسحاق الأنطاكي Isaac of Antioch من رجال القرن الخامس للميلاد، إلى اسم العزى في حديثه عن مدينة "بيت حور" Beth – Hur ودعاها بـ Beltis، وسماها "كوكبتا". ويظن أن "كوكبتا" Kawkabta، أي "كوكبة" المذكورة في المصادر السريانية، هي أنثى كوكب، تعني الكوكب الذي يظهر عند الصباح، وهو العزى عند الجاهليين ويراد بها "الزهرة" Venus عند النبط٢. حيث اتخذوا لها معبدًا في مدينة "بصرى" في منطقة "رم" عرف بـ"بيت إيل". وقد نص "بروكوبيوس"، Procopius على أنها "أفروديت"٣. وهي كناية عن القمر على رأي بعض المستشرقين٤.
ولعل العزى هي "ملكة السماء Melekheth Hash – Shama المذكورة في سفر "أرميا"٥، وقد جاء فيه: أن أهل "أورشليم" كانوا يصنعون كعكًا، يتقربون به إلى تلك الإلهة: إلهة السماء. وقد كان الجاهليون يتقربون بالخبز والكعك إلى "كوكب السماء"٦
ويظهر من ورود اسم امرأة هو: "أمت عزى"، أمة العزى"، في نص عربي جنوبي، أن عبادة العزى كانت معروفة هناك وقد قدم أحد العرب تمثالًا من ذهب إلى هذه الإلهة٧.
وقد كان آل لخم، ملوك الحيرة، ينحرون الأسرى قربانًا للعزى. وقد زعم بعض المؤرخين السريان أن "المنذر بن ماء السماء" ضحى بأربع مائة راهبة للعزى٨.
стр. 3759
وذكر "إسحاق الأنطاكي" أن العرب كانوا يقدمون الأولاد والبنات قرابين للكوكبة "كوكبتا" فينحرونهم لها، ويقصد بـ"كوكبتا" العزى١.
وكانت قريش تتعبد للعزى، وتزورها وتهدي إليها، وتتقرب إليها بالذبائح. وذكر ابن الكلبي أنها كانت أعظم الأصنام عند قريش، وأن قريشًا كانت تطوف بالكعبة وتقول: "واللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى. فإنهن الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى". وكانوا يقولون: هن بنات الله، وهن يشفعن إليه. وكانت قريش قد حمت لها شعبًا من وادي حراض، يقال له سقام يضاهون به حرم الكعبة، وكان لها منحر ينحرون فيه هداياهم، يقال له الغبغب، فكانوا يقسمون لحوم هداياهم فيمن حضرها وكان عندها٢.
وكانت قريش تستعين بأصنامها حين تحارب، تستجير بها وتستمد منها العون في الحرب٣؛ لتبعث الهمة والنشاط في النفوس بذكرها. فلما كان يوم أحد نادى "أبو سفيان" "اعل هبل، اعل هبل" فقال المسلمون: "الله أعلى وأجل". فقال "أبو سفيان": "لنا العزى ولا عزى لكم" فقال المسلمون: "الله مولانا ولا مولى لكم"٤.
ويقول ابن الكلبي أيضًا: ولم تكن قريش بمكة ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئًا من الأصنام إعظامهم العزى، ثم اللات، ثم مناة. فأما العزى، فكانت قريش تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية. وكانت ثقيف تخص اللات كخاصة قريش للعزى وكانت الأوس والخزرج تخص مناة كخاصة هؤلاء الآخرين، وكلهم كان معظمًا لها"، أي للعزى٥.
ولابن الكلبي رأي في إقبال قريش على العزى. إذ يقول: "فأما العزى، فكانت قريش تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية. وذلك فيما أظن لقربها منها"٦. فجعل قرب بيت العزى من قريش هو السبب في إقبال قريش عليها.
стр. 3760
وهو يرى هذا الرأي نفسه حين تكلم على الأصنام: ود، وسواع، ويعوق، ونسر، وقارن بينها وبين الأصنام اللات والعزى ومناة؛ إذ قال: "ولم يكونوا يرون في الخمسة الأصنام التي دفعها عمرو بن لحي.... كرأيهم في هذه ولا قريبًا من ذلك. فظننت أن ذلك كان لبعدهم منهم"١.
وقال ابن الكلبي في كتابه الأصنام "وقد بلغنا أن رسول الله، ﷺ ، ذكرها يومًا. فقال: لقد أهديت للعزى شاة عفراء، وأنا على دين قومي"٢.
وكان فيمن يتقدم إلى العزى بالنذور والهدايا، والد خالد بن الوليد، ذكر خالد أن والده كان يأتي العزى بخير ما له من الإبل والغنم، فيذبحها للعزى، ويقيم عندها ثلاثة أيام٣.
وممن تعبد للعزى بنو سليم وغطفان وجشم ونصر وسعد بن بكر٤. وغني وباهلة وخزاعة وجميع مضر وبنو كنانة. وقد ارتبطت قبائل غطفان بعبادة العزى وتقديسها بصورة خاصة، حتى لقد ذكر "ياقوت الحموي" أن "العزى سمرة كانت لغطفان يعبدونها، وكانوا بنوا عليها بيتًا، وأقاموا لها سدنة"٥. وقد عرف البيت بـ"كعبة غطفان"٦. وذكر "الطبري" أن العزى "صنم لبنى شيبان"، بطن بن سليم حلفاء بن هاشم، وبنو أسد بن عبد العزى، يقولون: هذا صنمنا، وأنها "كانت بيتًا يعظمه هذا الحي من قريش وكنانة ومضر كلها"٧. وقد تعبدت لها ثقيف، بأن اتخذت لها صنمًا٨. والظاهر أن قريشًا كانت تعد العزى حامية وشفيعة لها٩.
وكان لحرم العزى شعب حمته قريش للصنم، يقال له سقام في وادي حراض
стр. 3761
على طريقة قريش في اتخاذ حرم للكعبة. وقد صار هذا الحمى موضعًا آمنًا لا يجوز التعدي فيه على أحد، ولا قطع شجره، ولا القيام بعمل يخل بحرمة المكان١. فذاك قول أبي جندب الهذلي تم القردي في امرأة كان يهواها، فذكر حلفها له بها:
لقد حلفت جهدًا يمينًا غليظة ... بفرع التي أحمت فروع سقام٢
وينسب "ابن الكلبي" بناء "بيت العزى" إلى "ظالم بن أسعد"؛ إذ يقول: "بس: بيت لغطفان بن سعد بن قيس عيلان كانت تعبده. بناه ظالم بن أسعد بن ربيعة بن مالك بن مرة بن عوف، لما رأي قريشًا يطوفون بالكعبة ويسعون بين الصفا والمروة، فذرع البيت. ونص العباب: وأخذ حجرًا من الصفا وحجرًا من المروة، فرجع إلى قومه، وقال: يا معشر غطفان، لقريش بيت يطوفون حوله والصفا والمروة، وليس لكم شيء، فبنى بيتًا على قدر البيت، ووضع الحجرين فقال: هذان الصفان والمروة فاجتزئوا به عن الحج فأغار زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة الكلبي، فقتل ظالمًا، وهدم بناءه"٣.
وجاء في رواية أخرى أن "بني صداء" قالوا: أما والله لنتخذن حرمًا مثل حرم مكة، لا يقتل صيده، ولا يعضد شجره، ولا يهاج عائذه، فوليت ذلك بنو مرة بن عوف. ثم كان القائم على أمر الحرم وبناء حائطه رباح بن ظالم ففعلوا ذلك، وهم على ماء لهم يقال له بس، فلما بلغ فعلهم هذا وما أجمعوا عليه زهير بن جناب، قال: والله لا يكون ذلك وأنا حي، ولا أخلي غطفان تتخذ حرمًا أبدًا، ثم سار في قومه حتى غزا غطفان، وتمكن منها، واستولى على الحرم، وقطع رقبة أسير من غطفان به، وعطل الحرم وهدمه٤.
وذكر بعض أهل الأخبار، أن العزى صنم كان لقريش وبني كنانة، أو سمرة عبدتها غطفان بن سعد بن قيس عيلان. أول من اتخذها منهم "ظالم بن أسعد".
стр. 3762
فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال، بالنخلة الشامية بقرب مكة، وقيل بالطائف، بنى عليها بيتًا وسماه بُسًا، وقيل بساء، وأقاموا لها سدنة مضاهاة للكعبة، وكانوا يسمعون فيها الصوت، فبعث إليها رسول الله خالد بن الوليد، عام الفتح، فهدم البيت وقتل السادان وأحرق السمرة١.
ويظهر مما تقدم أن البيت هدم مرتين: مرة في الجاهلية، على يد زهير بن جناب، وقتل إذ ذاك بانيه ظالم، والمرة الثانية عام الفتح على يد خالد بن الوليد٢.
وأما سدنة العزى، فكانوا من بني صرمة بن مرة، أو من بني شيبان بن جابر بن مرة بن عبس بن رفاعة بن الحارث بن عتبة بن سليم بن منصور. فهم من بني شيبان، من بني سليم حلفاء بني هاشم٣.
وكان آخر سادن للعزى "دبية بن حرمي السلمى ثم الشيباني"، قتله خالد بن الوليد بعد هدمه الوثن والبيت وقطعة الشجرة أو الشجرات الثلاث٤. وفي رواية: أن هدم العزى كان لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان، وكان سادنها أفلح بن النضر السلمي من بني سليم. فلما حضرته الوفاة دخل عليه أبو لهب يعوده وهو حزين، فقال له: مالي أراك حزينًا؟ قال: أخاف أن تضيع العزى من بعدي. قال أبو لهب: فلا تحزن، فأنا أقوم عليها بعدك فجعل أبو لهب يقول لكل من لقي: إن تظهر العزى، كنت قد اتخذت عندها يدًا بقيامي عليها، وإن يظهر محمد على العزى، وما أراه يظهر، فابن أخي فأنزل الله ﵎ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ٥ وتدل هذه الرواية إن صحت على أن أفلح بن النضر لم يكن آخر سادن للعزى وأن الهدم لم يكن في حياته، وإنما كان بعد وفاته.
وتشبه هذه القصة قصة أخرى وردت في الموضوع نفسه، عن أبي أحيحة.
стр. 3763
وأبي لهب. فلما مرض أبو أحيحة، وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، مرضه الذي مات فيه، كان أهم ما شغل باله عبادة العزى وخشيته أن لا تعبد من بعده، فلما أجابه أبو لهب مهونًا عليه الأمر: رد والله ما عبدت حياتك "لأجلك"، ولا تترك عبادتها بعدك لموتك! سره هذا الجواب، وأفرج عنه. فقال: "الآن علمت أن لي خليفة"١.
ويروي ابن الكلبي أن الرسول أمر بالقضاء على العزى، وذلك عام الفتح، فلما افتتح النبي ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد فقال له: ائت بطن نخلة، فإنك تجد ثلاث سمرات، فاعضد الأولى. فأتاها فعضدها، فلما جاء إليه ﵇: هل رأيت شيئًا؟ فقال: لا، قال: فاعضد الثانية؟ فأتاها فعضدها. ثم أتى النبي ﵇، فقال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثالثة. فأتاها. فإذا هو بحبشية نافشة شعرها، واضعة يديها على عاتقها، تصرف بأنيابها، وخلفها دبية بن حرمي الشيباني ثم السلمي، وكان سادتها. فلما نظر إلى خالد، قال:
أعز شدي لا تكذبي ... على خالد ألقي الخمار وشمري
فإنك إلا تقتلي اليوم خالدًا ... تبوئي بذل عاجلًا وتنصري
فقال خالد:
يا عز كفرانك، لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك
ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حممة. ثم عضد الشجرة، وقتل دبية السادن ثم أتى النبي، ﷺ ، فأخبره فقال: تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب. أما أنها لن تعبد بعد اليوم٢.
стр. 3764
ويظهر من شعر لـ"أبي خراش الهذلي" أن "دبية" كان كريمًا، يطعم الناس، عظيم القدر، له جفنة حين الشتاء، وقد مدحه؛ إذ حذاه نعلين جيدين، كما رثاه يوم قتل بأبيات ذكرها "ابن الكلبي" في كتابه الأصنام١.
وذكر بعض أهل الأخبار أن "خالد بن الوليد" هدم بيت العزى عام الفتح، وقتل إذ ذاك سادنه "ربيعة بن جرير السلمي"٢. وروايات الأخباريين عن العزى يكتنفها شيء من الغموض واللبس، ويدل ذلك على أنهم لم يكونوا على علم تام بالعزى فبينما هم يذكرون أن العزى شجرة أو سمرة٣. تراهم يذكرون في روايات أخرى أنها شيطانة تأتي ثلاث سمرات، أي أن العزى هي تلك الشيطانة، لا السمرة أو السمرات الثلاث٤، ثم تراهم يذكرون في روايات أخرى أن العزى صنم، وأن الرسول حينما أمر خالد بن الوليد بهدمه، قال له لما هدم العزى، وعاد: "أرأيت شيئًا؟ قال: لا، قال: فارجع فاهدمه، فرجع خالد إلى الصنم فهدم بيته، وكسر الصنم، فجعل السادن يقول: أعزى اغضبي بعض غضباتك. فخرجت عليه امرأة حبشية عريانة مولولة، فقتلها وأخذ ما فيها من حلية، ثم أتى رسول الله ﷺ ، فأخبره بذلك، فقال: تلك العزى، ولا تعبد العزى أبدًا"٥. ومعنى هذا أن العزى صنم، كان في داخل بيت العزى، وأن خالد بن الوليد كسره، وهدم بيته ولم يكن شجرة. أما تلك السمرة أو السمرات الثلاث، فلم تكن إلا أشجارًا نبتت في حرم البيت. لذلك صارت محرمة لا يجوز مسها بأي سوء كان.
وقد سمى بعض أهل الأخبار اسم آخر سدنة العزى "دبية" و"دبية بن
стр. 3765
حرمس السلمي"١، وسماه بعض آخر "ربية السلمي"، و"ربية بن جرمي"٢، و"ربيعة بن جرير السلمي"٣.
والرأي المعقول المقبول، هو أن العزى صنم، له بيت وأمامه غبغب، أي خزانة يضع فيها العباد المؤمنون بالعزى هداياهم ونذورهم لها.
كما كانوا ينحرون لها؛ إذ لا يعقل أن يقال إن خالد كسر الصنم وهدم بيته٤. ثم لا يكون العزى صنمًا بل يكون شجرة أو شجرات. وأما الشجيرات، فإنها شجيرات مقدسة أيضًا؛ لأنها في حرم العزى، وشجر الحرم هو شجر مقدس لا يجوز قطعه، ولذلك كان أهل مكة يتجنبون مس شجر الحرم بسوء، فلما أراد "قصي" اعتضاده، هابت قريش عمله وخافت سوء العاقبة، ونهته عن مسه بسوء، ولكنه أقدم على قطعه، لم يبال برأيهم، ولم يحفل بنصائحهم، فقطعه. وكان بيت العزى يسمع فيه الصوت. وقد ذكر الأخباريون أنه كان في كل من اللات والعزى ومناة شيطانة، تكلمهم، وتظهر للسدنة وقد نسبوا ذلك إلى صنع إبليس٥. والظاهر أن الحبشية المذكورة التى قتلها خالد، وزعم أنها شيطانة إن صح ما ذكره الرواة عن وجودها، كانت امرأة كان السادن يخفيها في موضع سري، وهي التي تجيب عن أسئلة السائلين فينسب السادن كلامها إلى العزى.
ومما يؤيد رأيي في أن "العزى" صنم، ما ورد في تفسير "الطبري" من قوله: "بعث رسول الله ﷺ " خالد بن الوليد إلى شعب بسقام ليكسر العزى، فقال سادنها، وهو قيمها: يا خالد أنا أحذركها إن لها شدة لا يقوم إليها شيء. فمشى إليها خالد بالفأس فهشم أنفها٦. مما يدل على أنها كانت صنمًا أنثى، أي تمثالًا لامرأة؛ لأنها أنثى.
ويظهر من هذا البيت:
أما ودماء مائرات تخالها ... على قنة العزى وبالنسر، عندما٧
إن عبَّاد العزى كانوا قد لطخوا قنة الصنم، أي أعلاه ورأسه بدم الأضاحي. وكذلك فعل عبَّاد الصنم نسر بقنة صنمهم.
стр. 3766
مناة:
ويعد الصنم مناة أقدام الأصنام عند الأخباريين. وهو من الأصنام المذكورة في القرآن الكريم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ١. وهذه الأصنام الثلاثة هي إناث في نظر الجاهليين.
وموضع مناة بالمشلل على سبعة أميال من المدينة٢، وبقديد بين مكة والمدينة٣، وقيل أيضًا إنه بموضع "ودان" أو في موضع قريب منه٤. وذكر اليعقوبي أن مناة كان منصوبًا بفدك مما يلي ساحل البحر٥. والرأي الغالب بين أهل الأخبار أنه كان على ساحل البحر من ناحية المشل بقديد٦. وذكر "محمد بن حبيب" أنه كان بسيف البحر وكانت الأنصار وأزد شنوءة وغيرهم من الأزد تتعبد له. وأما سدنته، فهم "الغطاريف" من الأزد٧. وذكر أن تلبيته كانت على هذه الصورة: "لبيك اللهم لبيك، لولا أن بكرًا دونك، يبرك الناس ويهجرونك، وما زال حج عثج يأتونك. أنا على عدوائهم من دونك"٨.
وتسكت أكثر روايات أهل الأخبار عن معبد "مناة" فلم تذكر شيئًا عنه،
стр. 3767
ولكن "الطبري" يشير في تفسيره إلى أنه كان بيتًا بالمشلل١، وهو كلام منطقي معقول؛ إذ لا يعقل أن يكون هذا الصنم، مجرد صخرة أو صنم قائم في العراء تعبث به الرياح والشمس، ثم إن له سدنة، ولا يعقل أن تكون لصنم سدنة، ثم لا يكون له بيت يؤويه. ولست أستبعد أن يكون له، "جب" يلقي المؤمنون فيه هداياهم ونذورهم. وذكر "الطبري" أيضًا أن معبده كان بـ"قديد". وأما عبدته، فخزاعة، وبنو كعب٢.
والأخباريون على خلاف فيما بينهم على هيئة "مناة" وشكله، منهم من يقول إن مناة صخرة، سميت بذلك لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها، أي تراق٣. ومنهم من يقول إنه صنم كان منصوبًا على ساحل البحر، فهو على هيئة ومثال، وقد نحت من حجارة٤، وجعله بعض الرواة في الكعبة مع بقية الأصنام٥.
والذين يذكرون أن مناة صخرة، يرون أن الناس كانوا يذبحون عندها فتمنى دماء النساء عندها، أي تراق، فهي إذن، وبهذا الوصف مذبح تراق عنده الذبائح التي تقدم نسيكة للإلهة. ويذكرون أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك "كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركًا بها"٦. ويتبين من ذلك أن هذا الموضع كان مكانًا مقدسًا، وقد خصص بإله ينشر السحب ويرسل الرياح فتأتي بالأمطار لتغيث الناس، وأن لهذا الإله صلة بالبحر وبالماء، ولذلك أقيم معبده على ساحل البحر٧. وقد تكون هذه الصخرة مذبحًا أقيم عند الصنم، أو عند معبده لتذبح عليه ما يهل للصنم، فسمي باسمه، ولذلك يمكن التوفيق بين الرأيين: كونه صخرة، وكونه صنمًا.
ويظهر من أقوال ابن الكلبي أن هذا الصنم كان معظمًا، خاصة عند الأوس
стр. 3768
والخزرج، أي أهل يثرب ومن كان يأخذ مأخذهم من عرب المدينة والأزد وغسان "فكانوا يحجون ويقفون مع الناس المواقف كلها، ولا يحلقون رءوسهم، فإذا نفروا أتوا مناة وحلقوا رءوسهم عنده وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تمامًا إلا بذلك١. ولكن القبائل العربية الأخرى كانت تعظمه كذلك، وفي جملتها قريش٢ وهذيل وخزاعة٣. وأزد شنوءة، وغيرهم من الأزد. وقيل ثقيف أيضًا، وذكرت رواية أخرى أن العرب جميعًا كانت تعظمه وتذبح حوله٤. أما سدنته، فالغطاريف من الأزد٥.
وكانت خزاعة والأوس والخزرج يعظمون مناة، ويهلون منها للحج إلى الكعبة٦.
فمناة إذن من الأصنام المعظمة المقدسة عند الخزرج. وكانوا يحلفون بها ويقفون عندها. وفي ذلك ورد شعر ينسب إلى عبد العزى بن وديعة المزني أو غيره من العرب:
إني حلفت يمين صدق برة ... بمناة عند محل آل الخزرج
فالمحل الذي يقف فيه "آل الخزرج"، هو المحل الذي يحلف به أمام مناة. وكان العرب في الجاهلية يسمون الأوس والخزرج جميعًا: الخزرج، ولذلك يقول الشاعر في بيته: "عند محل آل الخزرج"٧.
وترجع بعض الروايات تأريخ مناة إلى "عمرو بن لحي" فتزعم أنه هو الذي نصبه على ساحل البحر مما يلي قديدًا٨. وقد أخذت من الرواية التي ترجع أساس عبادة الأصنام وانتشارها بين العرب إلى ذلك الرجل.
стр. 3769
وكان المتعبدون لهذا الصنم يقصدونه، فيذبحون حوله، ويهدون له. ويظهر من روايات ابن الكلبي عن هذا الصنم، أنه كان من الأصنام المعظمة المحترمة عند جميع العرب. وقد قصد ابن الكلبي بعبارة: "وكانت العرب جميعًا تعظمه وتذبح حوله"١ عرب الحجاز على ما أعتقد. وكان سدنته يجنون من سدانتهم له أرباحًا حسنة من هذه الهدايا التي تقدم إلى معبده باسمه.
وقد بقي سدنة هذا الصنم يرتزقون باسمه، إلى أن كان عام الفتح، فانقطع رزقهم بهدمه وبانقطاع سدانته. فلما سار الرسول في سنة ثمان للهجرة، وهي عام الفتح أربع أو خمس ليال من المدينة، بعث عليًّا إليه، فهدمه وأخذ ما كان له، فأقبل به إلى النبي، "فكان فيما أخذ سيفان كان الحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان أهداهما له، أحدهما: يسمى مخذمًا، والآخر رسوبًا. وهما سيفا الحارث اللذان ذكرهما علقمة في بيته:
مظاهر سربالي حديد عليهما ... عقيلًا سيوف: مخذم ورسوب
فوهبهما النبي لعلي، فيقال: إن ذا الفقار، سيف علي أحدهما. ويقال: إن عليًّا وجد هذين السيفين في الفلس، وهو صنم طيء، حيث بعثه النبي فهدمه٢.
وفي رواية للواقدي أن الذي هدم الصنم هو سعد بن زيد الأشهلي، هدمه سنة ثمان للهجرة٣. وفي رواية أخرى أن الذي هدم الصنم هو أبو سفيان٤.
وقد كانت القبائل تتجنب أن تجعل ظهورها على "مناة" إعظامًا للصنم، ولذلك كانت تنحرف في سيرها، حيث لا يكون الصنم إلى ظهرها٥. وفي ذلك قال الكميت بن زيد الشاعر، أحد بني أسد بن خزيمة بن مدركة:
وقد آلت قبائل لا تولي ... مناة ظهورها متحرفيا
стр. 3770
ويظهر من ورود اسم هذا الصنم في القرآن الكريم، ومن انتشار التسمية به في مثل "عبد مناة" و"عبدة مناة" و"زيد مناة" و"عوذ مناة" و"سعد مناة" و"أوس مناة" بين عدد من القبائل المختلفة، مثل تميم وطيء وكنانة، إن عبادة "مناة" كانت منتشرة انتشارًا واسعًا بين القبائل١. ولهذه الكلمات المتقدمة على كلمة "مناة" شأن كبير في وصف الصورة التي كانت في مخيلة عبدة مناة عنه؛ إذ تمثله إلهًا كريمًا يسعد عباده ويساعدهم في المكاره والملمات ويعطيهم ما يحتاجون إليه.
والصنم مناة هو "منوتن" "منوت" Manavat عند النبط، ويظن أن لاسمه صلة بـ"مناتا" Menata في لهجة بني إرم، و"منا" Mena في العبرانية، وجميعها "مانوت" "منوت" Manot، وباسم الإله "منى" Meni، وبكلمة "منية"، وجمعها "منايا" في عربية القرآن الكريم. وهي لذلك تمثل الحظوظ والأماني، وخاصة الموت٢. ولهذا ذهب بعض الباحثين إلى أن هذه الإلهة هي إلهة المنية والمنايا عند الجاهليين٣.
وقد ذكر "مني" Meni مع "جد" Ged في العهد القديم. والظاهر أن كلمة "جد" كانت مصدرًا، ثم صارت اسم علم لصنم. وذكر "منى" مع "جد" له شأن كبير من حيث معرفة الصنمين. فالأول هو لمعرفة المستقبل وما يكتبه القدر للإنسان من منايا ومخبآت لا تكون في مصلحة الإنسان. والثاني، وهو "جد"، لمعرفة المستقبل الطيب والحظ السعيد "fortune" "tyche" في اليونانية، فهما يمثلان إذن جهتين متضادتين٤.
стр. 3771
هبل:
يقول ابن الكلبي: "وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها، وكان أعظمها هبل. وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة إنسان، مكسور اليد.
стр. 3772
اليمنى. أدركته قريش فجعلت له يدًا من ذهب. وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. وكان يقال له هبل خزيمة.
وكان في جوف الكعبة قدامه سبعة أقداح، مكتوب في أولها: صريح والآخر ملصق. فإذا شكوا في مولود أهدوا إليه هدية، ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج صريح ألحقوه، وإن خرج ملصق دفعوه. وقدح على الميت وقدح على النكاح، وثلاثة لم تفسر لي على ما كانت. فإذا اختصموا في أمر. أو أرادوا سفرًا أو عملًا، أتوه فاستسقوا بالأزلام عنده فما خرج، عملوا به وانتهوا إليه. وعنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابنه عبد الله١.
وتذكر رواية أخرى أن خزيمة بن مدركة كان أول من نزل مكة من مضر، فوضع هبل في موضعه، فكان يقال له صنم خزيمة، وهبل خزيمة. وورث أولاده سدانته من بعده٢. وقد ذهب "ابن الكلبي" هذا المذهب أيضًا، إذ قال: "وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة"٣.
ولا خلاف بين أهل الأخبار في أن "هبل" كان على هيئة إنسان رجل٤. وهناك روايات تنسب هبل إلى عمرو بن لحي، تقول إنه جاء به إلى مكة من العراق من موضع هيت، فنصبه على البئر وهو الأخسف والجب الذي حفره إبراهيم في بطن الكعبة، ليكون خزانة للبيت، يُلقى فيه ما يُهدى إلى الكعبة، وأنه هو الذي أمر الناس بعبادته، فكان الرجل إذا قدم من سفر بدأ به على أهله بعد طوافه بالبيت، وحلق رأسه عنده، وكان على هذه الروايات من خرز العقيق على صورة إنسان، وكانت يده اليمنى مكسورة، فأدركته قريش فجعلت له يدًا من ذهب. وكانت له خزانة للقربان وكان قربانه مائة بعير. وله حاجب يقوم بخدمته٥.
стр. 3773
وجاء في رواية أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشأم في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق، وهم ولد عملاق، ويقال عمليق، وجدهم يتعبدون للأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه الأصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنمًا، فأسير به إلى الأرض العرب، فيعبدوه؟ فأعطوه صنمًا يقال له هبل، وأخذه، فتقدم به إلى مكة فنصبه، وأمر الناس بعبادته١.
ولسنا نجد في كتب أهل اللغة أو الأخبار تفسيرًا مقبولًا لمعنى "هبل". وقد ذهب بعضهم إلى أنه من "الهبلة"، ومعناها القبلة. وذكر بعض آخر أنه من "الهبيلي"، بمعنى الراهب، وذكر أن "بني هبل" كانت تتعبد له٢. وذكر أنه من "هبل" بوزن "زفر" ومعناها كثرة اللحم والشحم، أو من "هبل" بمعنى غنم، وما شاكل ذلك من آراء٣. ويكمن سبب اضطراب العلماء في تسميته في أنه من الأصنام المستوردة من الخارج التي حافظت على تسميتها الأصلية، فوقع لديهم من ثم هذا الاضطراب.
وكانت تلبية من نسك هبل: "لبيك اللهم لبيك". إننا لقاح، حرمتنا على أسنة الرماح، يحسدنا الناس على النجاح"٤.
ويذكر أهل الأخبار أن "هبل" كان أعظم أصنام قريش، وكانت تلوذ به وتتوسل إليه؛ ليمنَّ عليها بالخير والبركة، وليدفع عنها الأذى وكل شر. وكانت لقريش أصنام أخرى في جوف الكعبة وحولها. ولكن هبل هو المقدم والمعظم عندها على الجميع. وقد نصب على الجب الذي يقال له "الأخسف"، وهو بئر، وكانت العرب تسميها "الأخشف"٥.
وذهب بعض المستشرقين إلى أن "هبل"، هو رمز إلى الإله القمر، وهو
стр. 3774
إله الكعبة، وهو الله عند الجاهليين١. وكان من شدة تعظيم قريش له أنهم وضعوه في جوف الكعبة. وأنه كان الصنم الأكبر في البيت.
ويرى بعض الباحثين أن صورة الحية أو تمثالها يشيران إلى هبل، أو إلى هبل وود. وقد عثر على صورة لحية في "رم" يظهر أنها رمز إلى "هبل" أو ود٢.
وذكر "ياقوت الحموي" أن هبل "صنم" لنبي كنانة: بكر ومالك وملكان، وكانت كنانة تعبد ما تعبد قريش، وهو اللات والعزى. وكانت العرب تعظم هذا المجمع عليه. فتجتمع عليه كل عام مرة٣. وقال غيره: "وكان هبل لبني بكر ومالك وملكان وسائر بني كنانة، وكانت قريش تعبد صاحب بني كنانة، وبنو كنانة يعبدون صاحب قريش"٤.
وقد ورد اسم هبل في الكتابات النبطية التي عثر عليها في الحجر، ورد مع اسم الصنمين: دوشرا "ذي الشرى" و"ومنوتو" "مناة"٥. وقد تسمى به أشخاص وبطون من قبيلة كلب، مما يدل على أن هذه القبيلة كانت تتعبد له، وأنه كان من معبودات العرب الشماليين٦. وباسم هذا الصنم سمي "هبل بن عبد الله بن كنانة الكلبي جد زهير بن جناب"٧.
ولما أراد النبي الانصراف عن أحد، علا صوت أبي سفيان: أعل هبل، أعل هبل. فقال النبي لعمر: أجبه. قال: ما أقول له؟ قال: الله أعلى وأجل. فقال: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي لعمر قل: الله مولانا ولا مولى لكم٨.
стр. 3775
أصنام قوم نوح:
وزعم ابن الكلبي أن خمسة أصنام من أصنام العرب، من زمن نوح، وهي: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر١. وقد ذكرت في القرآن الكريم: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً، وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً، وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾ ٢. ويظهر أن ورود اسمها على هذا النحو في القرآن، هو الذي حمله على رجع هذه الأصنام إلى أيام نوح.
وزعم "ابن الكلبي" أن الأصنام المذكورة كانت في الأصل قومًا صالحين، ماتوا، في شهر، وذلك في أيام "قابيل"، فجزع عليهم بنو قابيل، وذوو أقاربهم، وقام رجل من قومهم، فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم ونصبها لهم، فصار الناس يعظمونها ويسعون حولها، ثم جاء من بعدهم من عبدها وعظم أمرها، ولم يزل أمرها يشتد، حتى أدرك "نوح" فدعاهم على الله وإلى نبذ هذه الأصنام، فكذبوه، فكان الطوفان، فأهبط ماء الطوفان هذه الأصنام من جبل "نوذ" إلى الأرض، وجعل الماء يشتد جريه وعبابه من أرض إلى أرض حتى قدفها إلى أرض جدة، ثم نضب الماء وبقيت على الشط، فسفت الريح عليها حتى وارتها. وبقيت مطمورة هناك أمدًا، حتى جاء "رئي" عمرو بن لحي" وكان يكنى أبا ثمامة، فقال له: عجل بالمسير والظعن من تهامة، بالسعد والسلامة قال عمرو: جير ولا إقامة فقال الرئي: ائت ضف جدة تجد فيها أصنامًا معدة، فأوردها ولا تهاب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجاب. فأتى شط جدة فاستثارها، ثم حملها حتى ورد تهامة. وحضر الحج، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة. فأجابه سادات القبائل، ووزع تلك الأصنام عليهم، وأشاعوا عبادتها بين الناس٣، ومن ثم عبد العرب هذه الأصنام.
وذكر أيضًا أن الأصنام المذكورة هي أصنام نحتها الشيطان على صورة خمسة بنين من أبناء "أدم"، ماتوا فجزع الناس عليهم؛ لأنهم كانوا عبَّادًا صالحين.
فسول لهم الشيطان أن يصنع لهم تماثيل على هيئتهم وصورهم؛ لتذكرهم بهم فسروا برأيه، وصنعها لهم، فما لبث الناس أن عبدوها، حتى تركوا عبادة الله، وكان "ود" أكبرهم وأبرهم، فصار أول معبود عبد من دون الله٤.
стр. 3776
ود:
وكان الصنم ود من نصيب "عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحلف بن قضاعة"، أعطاه إياه "عمرو بن لحي" فحمله على وادي القرى، فأقره بدومة الجندل. وسمى ابنه عبد ود، فهو أول من سمي به، وهو أول من سمي عبد ود، ثم سمت العرب به بعد١. وقد تعبد له بنو كلب٢.
ومنهم من يهمز فيقول أذ. ومنه سمي "عبد ود" و"أد بن طابخة"، و"أدد" جد معد بن عدنان٣.
وجعل عوف ابنه عامرًا الذي يقال له عامر الأجدار سادنًا له، فلم يزل بنوه يسندونه حتى جاء الله بالإسلام.
وقد استنتج "ياقوت الحموي" من هذه الرواية التي يرويها "ابن الكلبي" أن الصنم اللات أقدم عهدًا من ود؟ لأن ودًّا على هذه الرواية قد سلم إلى عوف وعوف هو حفيد زيد اللات الذي سمي بـ"زيد اللات" نسبة إلى الصنم اللات، فود على هذا أحدث عهدًا من اللات٤.
وفي رواية لمحمد بن حبيب أن ودًّا كان لبني وبرة، وكانت سدنته من بني القرافصة بن الأحوص من كلب٥. ويشك "ولهوزن" Wellhausen في
стр. 3777
صحة هذا الرواية، فقد كان الفرافصة بن الأحوص على رأيه نصرانيًّا، وهو الد نائلة زوج الخليفة عثمان. ثم إن "الفرافصة" لم يكن من بني عمرو بن ود، ولا من بني عوف بن عذرة، فلا يعقل أن تكون السدانة إليه وفي نسله١.
وود على وصف "ابن الكلبي" له في كتابه الأصنام "تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال قد ذبر عليه حلتان، متزر بحلة، مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسًا، وبين يديه حربة فيها لواء، ووفضة فيها نبل"٢. وقد أخذ ابن الكلبي وصفه هذا لود من أبيه عن مالك بن حارثة الأجداري.
ومالك بن حارثة الأجداري، هو من بني عامر الأجدار، وهو سدنة ود. وزعم ابن الكلبي أن أباه محمد بن السائب الكلبي حدثه عن مالك بن حارثة أنه قال له: إنه رأى ودًّا، وأن أباه كان يبعثه، وهو صغير. باللبن إليه، فيقول: اسقه إلهك، فيشربه مالك، فيعود وقد شرب اللبن. أما أبوه فيظن أنه قد أعطى ودًّا إياه٣.
وذكر "جارية بن أصرم الأجداري"، من بني عامر بن عوف، المعروف بعامر الأجدار، أنه رأى ودًّا بدومة الجندل في صورة رجل٤. وورد أن من عبدة "ود" بعض تميم، وطيء، والخزرج، وهذيل، ولخم٥.
ويظهر أنه "أدد" عند ثمود. وأدد من الأسماء المعروفة. وقبيلة "مرة"، نسبة إلى "مرة بن أدد" وقد عرف بـ"كهلن"، أي "الكاهل"، "هكهل" "ها - كهل". ويظن أن الإله "قوس" "قيسو" "قوسو"، هو "ود" أي اسم نعت له. وذهب بعض الباحثين على أن "نسرًا" و"ذا غابة "ذ غبت" يرمزان إليه٦.
стр. 3778
وقد بقي ود قائمًا في موضعه إلى أن بعث رسول الله خالدَ بن الوليد من غزوة تبوك لهدمه. فلما أراد خالد هدمه، اعترضه بنو عبد ود وبنو عامر الأجدار، وأرادوا الحيلولة بينه وبين هدمه، فقاتلهم وأوجعهم، وقتل منهم، فهدمه وكسره. وذكر ابن الكلبي أنه كان فيمن قتل رجل من بني عبد ود يقال له قطن بن شريح، ورجل آخر هو حسان بن مصاد ابن عم الأكيدر صاحب دومة الجندل١.
ويرى بعض المستشرقين استنادًا إلى معنى كلمة "ود" بأن هذا الصنم يرمز إلى الود، أي الحب، وأنه صنم للإلهين "جيل" Gil , و"بحد" Pahad عند الساميين. ويستندون في رأيهم هذا إلى بيت للنابغة مطلعه: "حياك ود"٢، غير أن من العسير علينا تكوين رأي صحيح عن هذا الصنم. ولا أستبعد أن تكون كلمة "ود" صفة من صفات الله لا اسم علم له.
وهناك من يرى وجود صلة بين "ود" و"إيروس" Eros الصنم اليوناني، ويرى أنه صنم يوناني في الأصل استورد من هناك، وعبدته العرب. وهو رأي يعارضه "نولدكه"؛ لانتفاء التشابه في الهيئة بين الصنمين٣.
و"ود" هو الإله الأكبر لأهل معين. وسوف أتحدث عنه فيما بعد.
стр. 3779
سواع:
أما سواع فكان موضعه برهاط، من أرض ينبع. وذكر أنه كان صنمًا على صورة امرأة، وهو صنم هذيل وينسب ابن الكلبي انتشار عبادته -كعادته- إلى عمرو بن لحي، فذكر أن مضر بن نزار أجابت عمرو بن لحي، فدفع إلى رجل من هذيل "يقال له الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر" سواعًا، فكان بأرض يقال لها رهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من مضر١. وذكر "ابن حبيب" أنه كان بـ"نعمان"، وأن
стр. 3780
عبدته: بنو كنانة، وهذيل، ومزينة، وعمرو بن قيس بن عيلان. وكان سدنته بنو صاهلة من هذيل. وفي رواية أن عبدة سواع هم آل ذي الكلاع١. وذكر "اليعقوبي" أنه كان لكنانة٢.
وفي رواية أخرى يرجع سندها إلى "ابن الكلبي" كذلك، تزعم أن سوعًا صنم كان برهاط من أرض ينبع، وينبع عرض من أعراض المدينة. وكانت سدنته بنو لحيان. ثم تقول إنه لم يسمع بورود اسم هذا الصنم في شعر هذيل، إنما بورود اسمه في شعر رجل من اليمن٣.
وورد في رواية أخرى أن "سواعًا" صنم من أصنام همدان٤.
ويرى "نولدكه" أن سواعًا لم يكن من الأصنام الكبرى عند ظهور الإسلام، وهو في نظره من الأصنام التي لم ترد أسماؤها في الأعلام المركبة، ويدل عدم ورود اسمه في هذه الأعلام على خمول عبادته بين الجاهليين٥.
وفي السنة الثامنة من الهجرة هدم سوع، وكان الذي هدمه عمرو بن العاص، فلما انتهى إلى الصنم، قال له السادن: ما تريد: قال: هدم سواع، قال: لا تطيق تهدمه، قال له عمرو بن العاص: أنت على الباطل بعد. فهدمه عمرو، ولم يجد في خزانته شيئًا، ثم قال للسادن: كيف رأيت، قال: أسلمت والله٦.
و"سواع" من الأصنام التي ورد اسمها في القرآن الكريم: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرا﴾ ٧. وقد ذكر بعض العلماء، أنه صنم عبد في زمن نوح، فدفنه الطوفان فأشار "إبليس".
стр. 3781
على الجاهليين بالتعبد له، فعبدته همدان، ثم صار لهذيل، وكان برهاط وحج إليه. وقال "ابن الكلبي" أنه لم يسمع بذكره في أشعار هذيل. وقد قال رجل من العرب:
تراهم حول قيلهم عكوفًا ... كم عكفت هذيل على سواع
يظل جنابه برهاط صرعى ... عتائر من ذخائر كل راع١
وذكر بعض أهل الأخبار أن سواعًا وبقية الأصنام التي ذكرت معه سورة نوح، "كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم. فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم"٢.
ورهاط من بلاد بني هذيل، ويقال وادي رهاط ببلاد هذيل، ذكر أنه على ثلاثة أميال أو ثلاث ليال من مكة٣.
ونسب بعض أهل الأخبار هدم الصنم "سواع" إلى "غاوي بن ظالم السلمي" "غاوي بن عبد العزى" ذكروا أن هذا الصنم كان "لبني سليم بن منصور"، فبينما هو عند الصنم، إذ أقبل ثعلبان يشتدان حتى تسنماه، فبالا عليه فقال:
أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب
ثم قال: يا معشر سليم؟ لا والله هذا الصنم لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع! فكسره ولحق بالنبي عام الفتح. فقال النبي ﷺ ، ما اسمك؟ فقال: غاوي بن عبد العزى. فقال: بل أنت راشد بن عبد ربه. وعقد له على قومه. وقيل إن هذه الحادثة إنما وقعت لعباس بن مرادس السلمى، وقيل لأبي ذر الغفاري٤.
стр. 3782
يغوث:
وأما يغوث، فكان أيضًا على رواية ابن الكلبي، في جملة الأصنام التي فرقها عمرو بن لحي على من استجاب إلى دعوته من القبائل، دفعه إلى أنعم بن عمرو المرادي، فوضعه بأكمة مذحج باليمن، فعبدته مذحج ومن والاها وأهل جرش١. وقد بقي في أنعم إلى أن قاتلتهم عليه بنو غطيف من مراد، فهربوا به إلى نجران، فأقروه عند بني النار من الضباب، من بني الحارث بن كعب واجتمعوا عليه جميعًا٢. وفي رواية أن عبدة يغوث هم بئر غطيف من مراد٣.
وفي رواية أن يغوث بقي في أنعم وأعلى من مراد. إلى أن اجتمع أشراف مراد وتشاوروا بينهم في أمر الصنم، فقر رأيهم أن يكون فيهم، لما فيهم من العدد والشرف. فبلغ ذلك من أمرهم إلى أعلى وأنعم، فحملوا يغوث وهربوا به حتى وضعوه في بني الحارث بن كعب، في وقت كان النزاع فيه قائمًا بين مراد وبني الحارث بن كعب. فلما أبت بنو الحارث تسليم الصنم إلى مراد، وتسوية أمر الديات، أرسلت عليها مراد جيشًا فاستنجدت بنو الحارث بهمدان، فنشبت بينهما معركة عرفت بيوم الرزم، انهزمت فيها مراد ومنيت بخسارة كبيرة قبيحة، وبقي الصنم في بني الحارث. وقد وافق يوم الرزم يوم بدر٤.
وذكر "الطبرسي" أن بطنين من طيء أخذا يغوث، فذهبا به إلى مراد،
стр. 3783
فعبدوه زمانًا، ثم إن بني ناجية أرادوا أن ينزعوه منهم، ففروا به إلى بني الحارث بن كعب١.
ويظهر من غربلة هذه الروايات أن الصنم يغوث كان في جرش أو على مرتفع قريب من هذه المدينة. أما سدنته، فكانوا من بني أنعم بن أعلى من طيء، وكانوا في جرش. وفي حوالى سنة ٦٢٣، أي السنة التي وقعت فيها معركة بدر، حدث نزاع على الصنم: أراد بنو مراد أن يكون الصنم فيهم وسدنته لهم، وأراد بنو أنعم الاحتفاظ بحقهم فيه. فهرب بنو أنعم بصنمهم إلى بني الحارث، واحتفظوا به بعد أن وقعت الهزيمة في مراد٢.
وفي الحرب التي وقعت بين "بني أنعم" و"غطيف" حمل عبدة "يعوث" صنمهم معهم وحاربوا، مستمدين منه العون والمدد. وفي ذلك يقول الشعر:
وسار بنا يغوث إلى مراد ... فناجوناهم قبل الصباح٣
ويظهر أن "بني أنعم"، وسائر عبدة هذا الصنم، كانوا يحملون صنمهم معهم في غالب الأحوال عند قتالهم القبائل الأخرى٤.
ولا يستبعد أن تكون لاسم هذا الصنم علاقة بفكرة المتعبدين له عنه، بمعنى أن المتعبدين له كانوا يرون أنه يغيثهم ويساعدهم. وقد ظن بعض الباحثين أنه يمثل الإله الأسد. وأنه كان "طوطم" قبيلة مذحج، يدافع عنها ويذب عن القبيلة التي تستغيث به، على نحو ما فعله الإسرائيليون من استغاثتهم بـ"حية النحاس" المسماة "نحشتان" Nehushtan ٥، التي كانت "طوطمًا" في الأصل على رأي "سمث"٦.
ونجد بين أسماء الجاهليين عددًا من الرجال سموا بـ"عبد يغوث"، منهم
стр. 3784
من كان في مذحج، ومنهم من كان في قريش، ومنهم من كان في هوازن. وقد كان قائد بني الحارث بن كعب على تميم في معركة "الكلاب" عبد يغوث، كما كان لدريد بن الصمة أخ اسمه "عبد يغوث". ومن مذحج: "عبد يغوث" ابن وقاص بن صلاءة الحارثي، الذي قتلته "التيم" يوم الكلاب الثاني١. ومن بني زهرة: عبد يغوث بن وهب، وعبيد يغوث، وأمهما صفية بنت هشام بن عبد مناف٢. ويدل ذلك على أن عبادته كانت معروفة بين مذحج وأهل جرش وقربش وهوازن، وقبائل أخرى مثل تغلب٣.
ولم يرد اسم هذا الصنم في الكتابات٤. وقد ذهب "روبرتسن سمث" إلى أنه "يعوش" ye.htm'ush المذكور في سفر التكوين، وهو أحد أجداد أدوم٥. ويمثله الأسد في نظر "روبرتسن سمث"٦.
стр. 3785
يعوق:
ويعوق أيضًا في جملة هذه الأصنام التي فرقها عمرو بن لحي على القبائل. لقد سلمه عمرو إلى مالك بن مرثد بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان فوضعه في موضع خيوان، حيث عبدته همدان وخولان ومن والاها من قبائل، وكان في أرحب١.
وذكر "ياقوت الحموي" أن ابن الكلبي قال: "واتخذت خيوان يعوق، وكان بقرية لهم يقال لها خيوان من صنعاء على ليلتين مما يلي مكة، ولم أسمع لها