← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

على الجاهليين بالتعبد له، فعبدته همدان، ثم صار لهذيل، وكان برهاط وحج إليه. وقال "ابن الكلبي" أنه لم يسمع بذكره في أشعار هذيل. وقد قال رجل من العرب: تراهم حول قيلهم عكوفًا ... كم عكفت هذيل على سواع يظل جنابه برهاط صرعى ... عتائر من ذخائر كل راع١ وذكر بعض أهل الأخبار أن سواعًا وبقية الأصنام التي ذكرت معه سورة نوح، "كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم. فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم"٢. ورهاط من بلاد بني هذيل، ويقال وادي رهاط ببلاد هذيل، ذكر أنه على ثلاثة أميال أو ثلاث ليال من مكة٣. ونسب بعض أهل الأخبار هدم الصنم "سواع" إلى "غاوي بن ظالم السلمي" "غاوي بن عبد العزى" ذكروا أن هذا الصنم كان "لبني سليم بن منصور"، فبينما هو عند الصنم، إذ أقبل ثعلبان يشتدان حتى تسنماه، فبالا عليه فقال: أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب ثم قال: يا معشر سليم؟ لا والله هذا الصنم لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع! فكسره ولحق بالنبي عام الفتح. فقال النبي ﷺ ، ما اسمك؟ فقال: غاوي بن عبد العزى. فقال: بل أنت راشد بن عبد ربه. وعقد له على قومه. وقيل إن هذه الحادثة إنما وقعت لعباس بن مرادس السلمى، وقيل لأبي ذر الغفاري٤.

стр. 3782

يغوث: وأما يغوث، فكان أيضًا على رواية ابن الكلبي، في جملة الأصنام التي فرقها عمرو بن لحي على من استجاب إلى دعوته من القبائل، دفعه إلى أنعم بن عمرو المرادي، فوضعه بأكمة مذحج باليمن، فعبدته مذحج ومن والاها وأهل جرش١. وقد بقي في أنعم إلى أن قاتلتهم عليه بنو غطيف من مراد، فهربوا به إلى نجران، فأقروه عند بني النار من الضباب، من بني الحارث بن كعب واجتمعوا عليه جميعًا٢. وفي رواية أن عبدة يغوث هم بئر غطيف من مراد٣. وفي رواية أن يغوث بقي في أنعم وأعلى من مراد. إلى أن اجتمع أشراف مراد وتشاوروا بينهم في أمر الصنم، فقر رأيهم أن يكون فيهم، لما فيهم من العدد والشرف. فبلغ ذلك من أمرهم إلى أعلى وأنعم، فحملوا يغوث وهربوا به حتى وضعوه في بني الحارث بن كعب، في وقت كان النزاع فيه قائمًا بين مراد وبني الحارث بن كعب. فلما أبت بنو الحارث تسليم الصنم إلى مراد، وتسوية أمر الديات، أرسلت عليها مراد جيشًا فاستنجدت بنو الحارث بهمدان، فنشبت بينهما معركة عرفت بيوم الرزم، انهزمت فيها مراد ومنيت بخسارة كبيرة قبيحة، وبقي الصنم في بني الحارث. وقد وافق يوم الرزم يوم بدر٤. وذكر "الطبرسي" أن بطنين من طيء أخذا يغوث، فذهبا به إلى مراد،

стр. 3783

فعبدوه زمانًا، ثم إن بني ناجية أرادوا أن ينزعوه منهم، ففروا به إلى بني الحارث بن كعب١. ويظهر من غربلة هذه الروايات أن الصنم يغوث كان في جرش أو على مرتفع قريب من هذه المدينة. أما سدنته، فكانوا من بني أنعم بن أعلى من طيء، وكانوا في جرش. وفي حوالى سنة ٦٢٣، أي السنة التي وقعت فيها معركة بدر، حدث نزاع على الصنم: أراد بنو مراد أن يكون الصنم فيهم وسدنته لهم، وأراد بنو أنعم الاحتفاظ بحقهم فيه. فهرب بنو أنعم بصنمهم إلى بني الحارث، واحتفظوا به بعد أن وقعت الهزيمة في مراد٢. وفي الحرب التي وقعت بين "بني أنعم" و"غطيف" حمل عبدة "يعوث" صنمهم معهم وحاربوا، مستمدين منه العون والمدد. وفي ذلك يقول الشعر: وسار بنا يغوث إلى مراد ... فناجوناهم قبل الصباح٣ ويظهر أن "بني أنعم"، وسائر عبدة هذا الصنم، كانوا يحملون صنمهم معهم في غالب الأحوال عند قتالهم القبائل الأخرى٤. ولا يستبعد أن تكون لاسم هذا الصنم علاقة بفكرة المتعبدين له عنه، بمعنى أن المتعبدين له كانوا يرون أنه يغيثهم ويساعدهم. وقد ظن بعض الباحثين أنه يمثل الإله الأسد. وأنه كان "طوطم" قبيلة مذحج، يدافع عنها ويذب عن القبيلة التي تستغيث به، على نحو ما فعله الإسرائيليون من استغاثتهم بـ"حية النحاس" المسماة "نحشتان" Nehushtan ٥، التي كانت "طوطمًا" في الأصل على رأي "سمث"٦. ونجد بين أسماء الجاهليين عددًا من الرجال سموا بـ"عبد يغوث"، منهم

стр. 3784

من كان في مذحج، ومنهم من كان في قريش، ومنهم من كان في هوازن. وقد كان قائد بني الحارث بن كعب على تميم في معركة "الكلاب" عبد يغوث، كما كان لدريد بن الصمة أخ اسمه "عبد يغوث". ومن مذحج: "عبد يغوث" ابن وقاص بن صلاءة الحارثي، الذي قتلته "التيم" يوم الكلاب الثاني١. ومن بني زهرة: عبد يغوث بن وهب، وعبيد يغوث، وأمهما صفية بنت هشام بن عبد مناف٢. ويدل ذلك على أن عبادته كانت معروفة بين مذحج وأهل جرش وقربش وهوازن، وقبائل أخرى مثل تغلب٣. ولم يرد اسم هذا الصنم في الكتابات٤. وقد ذهب "روبرتسن سمث" إلى أنه "يعوش" ye.htm'ush المذكور في سفر التكوين، وهو أحد أجداد أدوم٥. ويمثله الأسد في نظر "روبرتسن سمث"٦.

стр. 3785

يعوق: ويعوق أيضًا في جملة هذه الأصنام التي فرقها عمرو بن لحي على القبائل. لقد سلمه عمرو إلى مالك بن مرثد بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان فوضعه في موضع خيوان، حيث عبدته همدان وخولان ومن والاها من قبائل، وكان في أرحب١. وذكر "ياقوت الحموي" أن ابن الكلبي قال: "واتخذت خيوان يعوق، وكان بقرية لهم يقال لها خيوان من صنعاء على ليلتين مما يلي مكة، ولم أسمع لها

стр. 3786

ولا لغيرها شعرًا فيه. وأظن ذلك لأنهم قربوا من صنعاء واختلطوا بحمير، فدانوا معهم باليهودية أيام تهود ذي نواس، فتهودوا معه"١. ونسب "الطبرسي" عبادة يعوق إلى كهلان، وذكر أنهم توارثوه كابرًا عن كابر، حتى صار إلى همدان٢. وذكر في رواية أخرى أن يعوق اسم صنم كان لكنانة٣. وذكر بعض أهل الأخبار: "يعوق" صنم كان لكنانة، "وقيل كان لقوم نوح ﵇، كما في الصحاح. أو كان رجلًا من صالحي أهل زمانه. فلما مات جزعوا عليه فأتاهم الشيطان في صورة إنسان. فقال: أمثله لكم في محرابكم حتى تروه كلما صليتم، ففعلوا ذلك به وبسبعة من بعده من صالحيهم، ثم تمادى بهم الأمر إلى أن اتخذوا تلك الأمثلة أصنامًا يعبدونها"٤. وتشير ملاحظة "ابن الكلبي" من أنه لم يسمع بأن همدان أو غير همدان سمت "عبد يعوق"٥ إلى أن يعوق لم يكن من الأصنام المهمة بين العرب عند ظهور الإسلام، وأن عبادته كانت قد تضاءلت، وانحصرت في قبائل معينة. وهناك بيت ينسب إلى مالك بن نبط الهمداني الملقب بذي المعشار، وهو من بني خارف أو من يام بن أصي، هذا نصه: يريش الله في الدنيا ويبري ... ولا يبري يعوق ولا يريش٦

стр. 3787

نسر: وأما نسر فكان من نصيب حمير، أعطاه عمرو بن لحي قيل ذي رعين المسمى "معديكرب" فوضعه في موضع بلخع من أرض سبأ، فتعبدت له حمير إلى أيام

стр. 3788

ذي نواس، فتهودت معه، وتركت هذا الصنم١. وكان عباد نسر آل ذي الكلاح من حمير على رواية من الروايات٢. وذكر "محمد بن حبيب"، أن حمير تنسكت لنسر، وعظمته ودانت له، وكان في غمدان قصر ملك اليمن٣. وذكر اليعقوبي أنه كان لحمير وهمدان منصوبًا بصنعاء٤. ونسر هو "نشر" Nasher في العبرانية٥. وهو صنم من أصنام اللحيانيين كذلك، ويجب أن يكون من أصنام العرب الشماليين لورود اسمه في الموارد العبرانية والسريانية على أنه اسم إله عربي٦. وأشير في التلمود إلى صنم ذكر أن العرب كانوا يعبدونه اسمه "نشرا" Neshra و"نشرا" هو "نسر" وقد ورد اسم الصنم "نسر" عند السبئيين كذلك، وكان من الآلهة المعبودة عند كثير من الساميين وقد عبد خاصة في جزيرة العرب٧. ولم يشر ابن الكلبي إلى صورة الصنم نسر، ولكننا نستطيع أن نقول استنادًا إلى هذه التسمية أنه كان على هيئة الطائر المسمى باسمه، وقد وجدت أصنام على صورة نسر منحوتة على الصخور خاصة في أعالي الحجاز٨. ويؤيد هذا الرأي رواية ذكرها الطبرسي في أشكال الأصنام، أسندها إلى الواقدي، قال فيها: "كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر من الطير"٩.

стр. 3789

عميأنس: وعميأنس "عم أنس"، هو صنم خولان، وموضعه في أرض خولان. وكان يقدم له في كل عام نصيبه المقرر من الأنعام والحروث١. وذكر ابن الكلبي أن الذين تعبدوا له من خولان هم بطن منهم يقال لهم" الأدوم" وهم الأسوم وفيهم نزلت الآية: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢. وكانوا "يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسمًا بينه وبين الله بزعمهم. فما دخل في حق الله من حق عميأنس، ردوه عليه، وما دخل في حق الصنم من حق الله الذي سموه له، تركوه له"٣. وقد ورد ذكر هذا الصنم في خبر "وفد خولان" الذي قدم على رسول الله في شعبان سنة عشر؛ إذ ذكر أن رسول الله قال لهم: "ما فعل عم أنس"، فقالوا: بشر وعر، أبدلنا الله به، ولو قد رجعنا إليه هدمناه٤. "وقد بقيت منا بعد بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به"٥. وقد كانوا يقدمون له القرابين حتى في أيام الضيق وأوقات المحنة؛ تقربًا إليه. لقد قالوا للرسول حين سألهم: "ما أعظم ما رأيتم من فتنته" "لقد رأيتنا وأسنتنا حتى أكلنا الرمة، فجمعنا ما قدرنا عليه، وابتعنا مائة ثور، ونحرناها لعم أنس قربانًا في غداة واحدة، وتركناها تردها السباع، ونحن أحوج إليها من السباع، فجاءنا الغيث من ساعتنا، لقد رأينا العشب يواري الرجال، ويقول قائلنا: أنعم علينا عم أنس"٦ وذكروا له أنهم يقتسمون لصنمهم هذا من أنعامهم وحروثهم. وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءًا له٧.

стр. 3790

إساف ونائلة: وللأخباريين قصص في إساف ونائلة، وهما في زعم بعضهم إنسانان عملا عملًا قبيحًا في الكعبة، فمسخا حجرين، ووضعا عند الكعبة ليتعظ الناس بهما. فلما طال مكثهما، وعبدت الأصنام، عبدا معها. وكان أحدهما بلصق الكعبة، والآخر في موضع زمزم. فنقلت قريش الذي كان بلصق الكعبة إلى الآخر، فكانوا ينحرون ويذبحون عندهما١. وفي رواية أن إسافًا كان حيال الحجر الأسود. وأما نائلة، فكان حيال الركن اليماني٢. وفي أخرى أنهما "أخرجا إلى الصفا والمروة فنصبا عليهما ليكونا عبرة وموعظة، فلما كان عمرو بن لحي، نقلهما إلى الكعبة ونصبهما على زمزم: فطاف الناس بالكعبة وبهما حتى عبدا من دون الله"٣. وذكر "اليعقوبي"، أن "عمرو بن لحي" وضع "هبل" عند الكعبة، فكان أول صنم وضع بمكة ثم وضعوا به إساف ونائلة كل واحد منهما على ركن من أركان البيت. فكان الطائف إذا طاف بدأ بإساف فقبله وختم به. ونصبوا على الصفا صنمًا يقال له مجاور الريح وعلى المروة صنمًا. يقال له مطعم الطير٤. فاليعقوبي ممن يرون إن إسافا ونائلة كانا عند الكعبة، لا على الصفا والمروة. وتذكر رواية أخرى أن إساف صنم وضعه عمرو بن لحي الخزاعي على الصفا، ونائلة على المروة وكانا لقريش وكان يذبح عليهما تجاه الكعبة أو هما رجلان من جرهم، إساف بن عمرو ونائلة بنت سهل فجرا في الكعبة، وقيل أحدثا فيها، فمسخا حجرين، فعبدتهما قريش٥. وورد أن موضع إساف ونائلة عند الحطيم٦. وورد أن إسافًا رجل من جرهم، يقال له إساف بن يعلى، ونائلة

стр. 3791

امرأة من جرهم يقال لها نائلة بنت زيد، وكان إساف يتعشقها في أرض اليمن، فأقبلا حجاجًا، فدخلا الكعبة، فوجدا غفلة من الناس وخلوة في البيت، ففجر بها في الكعبة، فمسخا حجرين، فأصبحوا فوجدوهما ممسوخين، فوضعوهما موضعهما فعبدتهما خزاعة وقريش، ومن حج البيت بعد من العرب١. وذكر "محمد بن حبيب" أن إسافًا كان على الصفا. وأما نائلة، فكان على المروة. "وهما صنمان وكانا من جرهم. ففجر إساف بنائلة في الكعبة، فمسخا حجرين، فوضعهما على الصفا والمروة ليعتبر بهما، ثم عبدا بعد"٢. وكان نسك قريش لإساف: "لبيك اللهم لبيك، لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك"٣. وورد اسم إساف في بيت شعر ينسب إلى بشر بن أبي خازم الأسدي، هو: عليه الطير ما يدنون منه ... مقامات العوارك من إساف٤ وورد أن نائلة حين كسرها الرسول عام الفتح، خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها وتنادي بالويل والثبور٥. ويظهر أن مرد هذا القصص الذي يقصه علينا أهل الأخبار عن الصنمين، إنما هو إلى شكل الصنمين. كان "إساف" تمثال رجل على ما يظهر من روايات الأخباريين، وكان "نائلة" تمثال امرأة. يظهر أنهما استوردا من بلاد الشأم، فنصبا في مكة. فتولد من كونهما صنمين لرجل وامرأة، هذا القصص المذكور ولعله من صنع القبائل الكارهة لقريش، التي لم تكن ترى حرمة للصنمين. وكانت قريش خاصة تعظم ذينك الصنمين وتتقرب إليهما، وتذبح عندهما وتسعى بينهما. أما القبائل الأخرى، فلم تكن تقدسهما، لهذا لم تكن تتقرب إليهما، ومن هنا لم يكن الطواف بهما من مناسك حج تلك القبائل.

стр. 3792

وكانت قريش تحلف عند هذين الصنمين. ولهما يقول "أبو طالب" وهو يحلف بهما حين تحالفت قريش على بني هاشم: أحضرت عند البيت رهطي ومعشري ... وأمسكت من أثوابه بالوصائل وحيث ينخ الأشعرون ركابهم ... بمغضي السيول من إساف ونائل فكانا على ذلك إلى أن كسرهما الرسول يوم الفتح فيما كسر من الأصنام١. ويظهر من الشعر المتقدم، أن إسافًا ونائلة كانا في موضعين مكشوفين، وعندهما كان ينيخ الأشعرون. ويؤيد ذلك هذا الشعر المنسوب إلى بشر بن أبي خازم الأسدي: عليه الطير ما يدنون منه ... مقامات العوارك من إساف٢ حيث يظهر أن الطير كانت تقف مكتظة عليه، لا تخاف من أحد، ولا تفزع من قادم؛ لأنها في حرمة صنم.

стр. 3793

رضى: ورضى، ويكتب رضاء في بعض الأحيان، هو صنم آخر. وذكر ابن الكلبي أنه كان لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، فهدمه المستوغر، وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم هدمه في الإسلام١. وتعبدت لهذا الصنم قبيلة تميم وقد ورد اسم "عبد رضى" بين أسماء الجاهليين ويظهر أن قبيلة طيء كانت قد تعبدت له كذلك٢. و"رضى" من الأصنام المعروفة عند قوم ثمود. وقد ورد اسمه في كتابات

стр. 3794

ثمودية عديدة١. وكانت عبادته منتشرة بين العرب الشماليين. وورد في نصوص تدمر وبين أسماء بني إرم٢، كما ورد في كتابات الصفويين. وورد على هذا الشكل: "رضو" و"رضى"٣، و"هرضو" "ها – رضو". ويظن أنه يرمز إلى كوكب. ويظهر من بيت شعر ينسب إلى المستوغر في كسره رضى في الإسلام، هو: ولقد شددت على رضاء شدة ... فتركتها تلا تنازع أسحما٤ إن الصنم "رضى" "رضاء" هو أنثى، بدليل استعمال ضمير التأنيث في لفظة "فتركتها" فهو إلهة. ويرى بعض الباحثين، أنه إلهة أيضًا عند العرب الصفويين.

стр. 3795

مناف: و"مناف" صنم من أصنام الجاهلية، قال عنه ابن الكلبي: "وكان لهم مناف، فيه كانت تسمي قريش "عبد مناف" ولا أدري أين كان، ولا من نصبه؟ "١. وسُمي به أيضًا رجال من هذيل٢. و"به سمي عبد مناف. وكانت أمه أخدمته هذا الصنم"٣. وفيه يقول بلعاء بن قيس: وقرن وقد تركت الطير منه ... كمعتبر العوارك من مناف٤

стр. 3796

ويتبين من ورود اسم "مناف" بين عرب الشأم أنه كان إلهًا معبودًا عندهم كذلك. وقد عثر على اسمه في كتابة دَوَّنها شخص اسمه: "أبو معن" على حجر توجه بها إلى الإلهة مناف، ليمن عليه بالسعد والبركة، وحفرت على الحجر صورة الإله "مناف" على هيئة "رجل لا لحية له" يتحدر على عارضيه شعر رأسه الصناعي المرموز به على الإلهة الشمس، وحول جفنيه وحدقتيه خطان ناعمان، ويزين جيده قلادة، كما ترى غالبًا في تصاوير الآلهة السوريين، وعلى صدره طيات ردائه، ويرى طرف طيلسانه الإلهي الذي ينعطف من كتفه الأيسر فيتصل إلى الأيمن ويعقد به١. وقد ذهب المتخصصون الذين فحصوا هذه الكتابة إلى أنها من حوران. وقد عثر على كتابة وجدت في حوران، ورد فيها اسم "مناف" مع إله آخر، ورد اسم مناف فيها على هذا الشكل "MN, PHA". وقد عثر على كتابة أخرى وجد فيها الاسم على هذه الصورة: "منافيوس" Manaphius، مما يدل على أن المراد بالاسمين شيء واحد، هو الإله مناف٢.

стр. 3797

ذو الخلصة: أما ذو الخلصة، فكان صنم خثعم وبجيلة ودوس وأزد السرة ومن قاربهم من بطون العرب من هوزن، ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة١، والحارث بن كعب وجرم وزبيد والغوث بن مر بن أد وبنو هلال بن عامر، وكانوا سدنته٢. وذكر ابن الكلبي أن سدنته بنو أمامة من باهلة بن أعصر٣.

стр. 3798

وصفته أنه "كان مروة بيضاء منقوشة، عليها كهيئة التاج" وكان بتبالة بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة١. وله بيت يحج إليه. وجعل "ابن حبيب" موضع البيت في العبلاء على أربع مراحل من مكة٢. وفي رواية لابن إسحاق أن عمرو بن لحي نصب ذا الخلصة بأسفل مكة، فكانوا يلبسونه القلائد، ويهدون إليه الشعير والحنطة، ويصبون عليه اللبن، ويذبحون له، ويعلقون عليه بيض النعام٣. وهناك رويات جعلت ذا الخلصة "الكعبة اليمانية" لخثعم، ومنهم من سماه كعبة اليمامة. وأظن أن هاتين الروايتين هما رواية واحدة في الأصل، صارت روايتين من تحريف النساخ. ومنهم من جعل ذا الخلصة بيتًا في ديار دوس٤. ويستنتج من كل هذه الروايات أن ذا الخلصة بيت كان يدعى كعبة أيضًا، وكان فيه صنم يدعى الخلصة، لدوس وخثعم وبجيلة وغيرهم٥. ويظهر من حديث: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة، والمعنى أنهم يرتدون ويعودون إلى جاهليتهم في عبادة الأوثان، فتسعى نساء بني دوس طائفات حول ذي الخلصة، فترتج أعجازهن"٦. ويستنتج من ذلك أن بني دوس وغيرهم كانوا يطوفون حول كعبة ذي الخلصة التي في جوفها صنم الخلصة. وكان "بيت ذي الخلصة" من البيوت التي يقصدها الناس للاستقسام عندها.

стр. 3799

بالأزلام. وكانت له ثلاثة أقدح: الآمر: والناهي، والمتربص١. وفي ذي الخلصة قال أحد الرجاز: لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا ... مثلي وكان شيخك المقبورا لم تنه عن قتل العداة زورا وكان سبب قوله إنه قتل أبوه، فأراد الطلب بثأره، فأتى ذا الخلصة فاستقسم عنه بالأزلام، فخرج السهم ينهاه عن ذلك، فقال تلك الأبيات. ومن الناس من ينحلها امرأ القيس٢. وذكر "ابن الكلبي" أيضًا أنه لما أقبل امرؤ القيس بن حجر يريد الغارة على بني أسد، مر بذي الخلصة، فاستقسم عنده ثلاث مرات. فخرج الناهي. فكسر القداح وضرب بها وجه الصنم، ثم غزا بني أسد، فظفر بهم٣. وقد هدم البيت في الإسلام، "فلما فتح رسول الله ﷺ مكة، وأسلمت العرب ووفدت عليه وفودها، قدم عليه جرير بن عبد الله مسلمًا. فقال له: يا جرير: ألا تكفيني ذا الخلصة؟ فقال: بلى.... فوجهه إليه فخرج حتى أتى بني أحمس من بجيلة، فسار بهم إليه. فقاتلته خثعم وباهلة دونه. فقتل من سدنته من باهلة يومئذ مائة رجل، وأكثر في خثعم، وقتل مائتين من بني قحافة بن عامر بن خثعم. فظفر بهم وهزمهم، وهدم بنيان ذي الخلصة، وأضرم فيه النار فاحترق٤. وورد في رواية أن هدمه كان قبل وفاة الرسول بشهرين أو نحوهما٥. ويذكر "ابن الكلبي" أن موضع بيت ذي الخلصة عند عتبة باب مسجد تبالة٦ أما "ابن حبيب" فذكر أنه صار بيت قصار في العبلاء٧. وذكر أن موضعه

стр. 3800

مسجد جامع لبلدة يقال لها العبلات من أرض خثعم١. ويظهر من رثاء امرأة من خثعم لذي الخلصة حين هدمه جرير بن عبد الله، وأحرق بيته، وهو قولها: وبنو أمامة بالولية صرعوا ... ثملا يعالج كلهم أنبوبا٢ إن "الخلصة" كان صنمًا أنثى، أي إلهة، ولذلك قيل له" الولية"، كما ترى ذلك في البيت المذكور، ونجد في مواضع أخرى من روايات أهل الأخبار ما يؤيد هذا الرأي، فقد استعملوا ضمير التأنيث للتعبير عنها٣، كما قالوا فيه "المروة البيضاء" وأما تعبيرهم عنه بضمير التذكير، مثل قولهم "وكان" فإنهم أرادوا بذلك لفظ "صنم" فذكروه".

стр. 3801

سعد: وكان لمالك وملكان، ابني كنانة، بساحل جدة وتلك الناحية صنم يقال له سعد. كان صخرة طويلة١. وذكر "اليعقوبي" أنه كان لبني بكر بن كنانة٢. وذهب "ابن إسحاق" إلى أنه في موضع قفر، وقيل إنه قرب اليمامة. وقد أورد الأخباريون عنه هذه القصة: "أقبل رجل منهم بإبل له ليقفها عليه، يتبرك بذلك فيها. فلما أدناهامنه نفرت منه، وكان يهراق عليه الدماء، فذهبت في كل وجه وتفرقت عليه، وأسف فتناول حجرًا فرماه به، وقال: لا بارك الله فيك إلهًا. أنفرت علي إبلي". ثم خرج في طلبها حتى جمعها، وانصرف عنه، وهو يقول:

стр. 3802

أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد، فلا نحن من سعد وهل سعد إلا صخرة بتنوفة ... من الأرض لا يدعي لغي ولا رشد١ وذكر "ابن قتيبة" أن سعدًا صنم على ساحل البحر بتهامة، تعبده عك ومن يليها، ويقال كانت تعبده هذيل٢. وقد ورد اسم "سعد" في أسماء الأشخاص المركبة المضافة، مثل "عبد سعد"، وهو مما يدل على أن الناس كانوا يتبركون به بتسمية أبنائهم باسمه٣. وقد ورد اسم هذا الصنم في كتابات النبط، فدعي بـ"سعدو"٤. كما ورد في كتابات الصفويين مما يدل على أنه كان بين الأصنام التي تعبد لها أولئك القوم٥. ويظن أنه يرمز إلى كوكب.

стр. 3803

ذو الكفين: وهناك صنم عرف عند الأخباريين بـ"ذي الكفين" وكان لدوس، ثم لبني منهب بن دوس. فلما أسلموا بعث النبي ﷺ ، الطفيل بن عمرو الدوسي، فحرقه وهو يقول: يا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أكبر من ميلادكا إني حشوت النار في فؤادكا٦ ويظهر من هذا الرجز أنه أحرقه بالنار. ومعنى هذا أنه لم يكن صنمًا من حجر، وإنما كان من خشب، أو أنه أراد بيت الصنم. وذكر أن هذا الصنم كان صنم "عمرو بن حممة الدوسي" أحد حكام العرب٢.

стр. 3804

ذو الشرى: وكان لبني الحارث بن يشكر بن مبشر من الأزد، صنم يقال له ذو الشرى١. وورد في رواية للأخباريين أن "ذا الشرى" صنم لدوس كان بالسراة"٢. وقد ورد اسم هذا الصنم في الحديث النبوي، وورد بين أسماء الجاهليين اسم "عبد ذي الشرى"٣. ويرى بعض اللغويين أن الشرى ما كان حول الحرم، وهو أشراء الحرم٤، فإذا كان هذا التعريف صحيحًا، فإنه يكون في معنى "ذات حمى" عند السبئيين٥. وكان له حمى، به ماء يهبط من جبل، حمته دوس له٦. و"ذو الشرى" إله ورد اسمه في كتابات "بطرا" و"بصرى"، كما سأتحدث عن ذلك فيما بعد.

стр. 3805

الأقيصر: أما الأقيصر: فكان صنم قضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان، وكان في مشارف الشأم. وقد ذكر اسمه في شعر لزهير بن أبي سلمى، ولربيع بن ضبع الفزاري، وللشنفرى الأزدي١. وكانوا يحجون إليه ويحلقون رءوسهم عنده، ويلقون مع الشعر قرة من دقيق٢. وهي عادة كانت متبعة عند بعض قبائل اليمن كذلك.

стр. 3806

ويذكر "ابن الكلبي" أن هوازن كانت تنتاب حجاج الأقيصر، فإن أدركت الموسم، قبل أن يلقي القرة، أي قبضات من دقيق، قال أحدهم لمن يلقي: "أعطنيه. فإني من هوازن ضارع"، وإن فاته، أخذ ذلك الشعر بما فيه من القمل والدقيق، فخبزه وأكله. وقد عبرت هوازن في ذلك، فقال معاوية بن عبد العزى بن ذراع الجرمي، في "بني جعدة" وكانوا قد اختصموا مع بني جرم في ماء لهم إلى النبي يقال له العقيق، فقضى به رسول الله لجرم، شعرًا منه: ألم تر جرمًا أبحدت وأبوكم ... مع القمل في جفر الأقيصر شارع؟ إذا قرة جاءت بقول: أصب بها ... سوى القمل؟ إني من هوازن ضارع١ ويظهر من بيت شعر رواه "ابن الأعرابي"، هو: وأنصاب الأقيصر حين أضحت ... تسيل على مناكبها الدماء ومن بيت لزهير بن أبي سلمى، هو: حلفت بأنصاب الأقيصر جاهدًا ... وما سحقت فيه المقاديم والقمل٢ إنه كان عند الصنم الأقيصر أنصاب ينحر الناس عليهم ذبائحهم التي يتقربون بها إلى هذا الإله. وكانت أكثر من نصب واحد، وقد تلطخت بالدماء من كثرة ما ذبح عليها. وأشير إلى "أثواب الأقيصر" في بيت للشنفرى الأزدي٣. ويظهر أن عباده كانوا يطوفون حوله، وهم يلبون ويغنون٤.

стр. 3807

نهم: وكان لمزينة صنم يقال له: نهم، كسره سادنه خزاعي بن عبد نهم، وهو من مزينة من بني عداء، وأعلن إسلامه١. ويظهر من أبيات لأمية بن الأسكر أن أتباع الصنم كانوا يقدمون الذبائح له، ويقسمون به. وقد سمى منهم جملة رجال عرفوا بـ"عبد نهم" من بني هوازن وبجيلة وخزاعة٢. وهذا مما يدل على انتشار عبادة هذا الصنم بين هذه القبائل أيضًا.

стр. 3808

عائم: وكان لأزد السراة صنم يقال له عائم. ورد اسمه في شعر لزيد الخير، المعروف أيضًا بزيد الخيل١.

стр. 3809

سعير: ما سعير، فهو صنم عنزة١. وكان الناس يحجون إليه ويطوفون حوله، ويعترون العتائر له، وقد ورد في شعر لجعفر بن خلاس الكلبي، وكان راكبًا ناقة له، فمرت به، وقد عترت عنزة عنده، فنفرت ناقته منه، فأنشأ يقول: نفرت قلوصي من عتائر صرعت ... حول السعير تزوره ابنا يقدم وجموع يذكر مهطعين جنابه ... ما إن يحير إليهم بتكلم٢ وبين أسماء الرجال أناس عرفوا بـ"سعير"٣. والسعير النار واللهب، ولا أستبعد وجود صلة بين هذا المعنى وبين هذا الصنم. بأن يكون هذا الصنم ممثلًا للشمس٤.

стр. 3810

الفلس: وكان لطيء صنم يقال له الفلس، وكان أنفًا أحمر في وسط جبلهم الذي يقال له أجأ، أسود، كأنه تمثال إنسان. وكانوا يعبدونه، ويهدون إليه، ويعترون عنده عتائرهم، ولا يأتيه خائف إلا أمن عنده، ولا يطرد أحد طريدة فيلجأ بها إليه إلا تركت له ولم تخفر حويته أي حوزته وحرمه١. ذكر "ابن حبيب" أنه كان بنجد، وكان قريبًا من فيد وسدنته بنو بولان٢. وبولان جد بني بولان هو الذي بدأ بعبادته على رواية ابن الكلبي. وكان آخر من سدنه منهم رجل يقال له صيفي" فأطرد ناقة خلية لامرأة من كلب من بني عليم، كانت جارة لمالك بن كلثوم الشمجي، وكان شريفًا، فانطلق بها حتى وقفها بفناء الفلس. وخرجت جارة مالك، فأخبرته بذهابه بناقتها، فركب فرسًا عريًا وأخذ رحمه، وخرج في أثره، فأدركه وهو عند الفلس، والناقة موقوفة عند الفلس، فقال له: خل سبيل ناقة جارتي. فقال: إنها لربك. قال: خل سبيلها. قال: أتخفر إلهك؟ فبوأ له الرمح. فحل عقالها، وانصرف بها مالك، وأقبل السادن على الفلس، ونظر إلى مالك ورفع يده وقال، وهو يشير بيده إليه: يا رب إن مالك بن كلثوم ... أخفرك اليوم بناب علكوم وكنت قبل اليوم غير مغشوم

стр. 3811

يحرضه عليه. وعدي بن حاتم يومئذ قد عثر عنده وجلس هو ونفر معه يتحدثون بما صنع مالك. وفزع لذلك عدي بن حاتم وقال انظروا ما يصيبه في يومه هذا. فمضت له أيام لم يصبه شيء فرفض عدي عبادته وعبادة الأصنام وتنصر فلم يزل متنصرًا حتى جاء الله بالإسلام، فأسلم. فكان مالك أول من أخفره. فكان بعد ذلك السادن إذا أطرد طريدة، أخذت منه. فلم يزل الفلس يعبد حتى ظهرت دعوة النبي ﵇، فبعث إليه علي بن أبي طالب، فهدمه، وأخذ سيفين كان الحارث بن أبي شمر الغساني، ملك غسان قلدة إياهما، يقال لهما مخذم ورسوب، فقدم بهما علي بن أبي طالب على النبي، فتقلد أحدهما، ثم دفعه إلى علي بن أبي طالب، فهو سيفه الذي كان يتقلده"١. وجاء في بعض الروايات ذكر ثلاثة سيوف، هي: مخذم، ورسوب، واليماني٢. وقد عرف "مالك بن كلثوم بن ربيعة" الشمجي المذكور، بـ"مخفر الفلس"؛ لأنه أخفر ذمته، وكان لا تخفر ذمته٣. و"الفلس" هو "هفلس" "ها – فلس"، عند لحيان. وقد تعبدوا له مع أصنام أخرى، وردت أسماؤها في نصوصهم٤. ويلاحظ أن "ابن الكلبي" الذي يروي هذا الخبر، كان نفسه قد روى قبل ذلك أن السيفين مخذمًا ورسوبًا، كان على الصنم مناة، صنم الأوس والخزرج، وأن الذي أهداهما له هو الحارث بن أبي شمر الغساني، وأن علي بن أبي طالب لما هدم مناة، أخذ السيفين معه، فجاء بهما إلى الرسول. فيظهر من ذكره للخبر مع صنمين أنه وقع في هفوة أو نسي، فجعل من القصة الواحدة قصتين

стр. 3812

أصنام أخرى: وكانت لطيء أصنام أخرى، منها اليعبوب، وهو صنم لجديلة طيء، وكان

стр. 3813

لهم صنم أخذته منه بنو أسد، فتبدلوا اليعبوب بعده. وقد ورد ذكره في شعر لعبيد: فتبدلوا اليعبوب بعد إلههم ... صنمًا، فقروا، يا جديل، وأعذبوا أي: لا تأكلوا على ذلك، ولا تشربوا١. وأما باجر، فكان صنمًا للأزد ومن جاورهم من طيء وقضاعة٢. ولم يذكر ابن الكلبي في كتابه الأصنام اسم الصنم الجلسد. وهو صنم كانت كندة تتعبد له، وكذلك تعبد له أهل حضرموت. وكان سدنته بنو شكامة من السكون، وهم من كندة. وكان للصنم حمى، ترعاه سوامه وغنمه، فإذا دخلته هوافي الغنم، حرمت على أربابها، وصارت ملكًا للصنم٣. وقد وصف بأنه كان كجثة الرجل العظيم، من صخرة بيضاء، لها كالرأس أسود، إذا تأمله الناظر رأى فيه كصورة وجه الإنسان، وكانوا يكلمون منه، وتخرج منه همهمة، ويقربون القرابين إليه، ويلطخون بدمه، ويكترون ثياب السدنة يلبسونها حينما يقربون قربانًا إليه ويريدون مكالمته٤. ويلاحظ أن تغيير الملابس وإبدالها للتطهر، له مثيل عند العبرانيين٥.

стр. 3814

المحرق: وكان المحرق "محرق" صنمًا لبكر بن وائل وبقية ربيعة في موضع سلمان. وأما سدنته، فكانوا أولاد الأسود العجلي. وقد نسب إليه بعض الرجال فورد.

стр. 3815

"عبد محرق"١. ويطن بعض المستشرقين أنه عرف بـ"محرق" لأن عبدته كانوا يقدمون إليه بعض القرابين البشرية محروقة٢. وكان بنو بكر بن وائل وسائر ربيعة، قد جعلوا في كل حي من ربيعة له ولدًا. "وكان في عنزة بلج بن المحرق. فكان في عميرة وغفيلة عمرو بن المحرق وكان سدنته آل الأسود العجليون"٣.

стр. 3816

الشمس: والشمس صنم كان لبني تميم وله بيت. وكانت تعبده بنو أد كلها ضبة وتميم، وعدي، وعكل، وثور. وأما سدنته فكانوا من بني أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم فكسره هند بن أبي هالة وصفوان بن أسيد بن الحلاحل بن أوس بن مخاشن١. وقد قيل لها: الإلاهة٢. وذكر "اليعقوبي" أن قومًا من "عذرة" تعبدوا لصنم يقال له: شمس٣. وقد ذكر بعض أهل الأخبار، أن الشمس صنم قديم. وأول من تسمى به سبأ بن يشجب٤. وذكر "اليعقوبي" أنه صنم قوم من عذرة"٥. وقد وردت جملة أسماء منسوبة إلى الشمس، عرف أصحابها بعبد شمس، منهم من قبائل أخرى من غير تميم. ويدل ذلك على أن عبادتها كانت معروفة في مواضع مختلفة من جزيرة العرب. وعرف بعض الأشخاص بـ"عمرو شمس" عند العرب الشماليين٦.

стр. 3817

وفي جملة أصنام تميم الأخرى، الصنم تيم وبه سمي رجال من تميم ومن غيرهم، مثل "عبد تيم" و"تيم الله"١. وهناك أسماء أصنام أخرى لم ترد في كتاب الأصنام، إنما وردت في كتب أخرى. وقد ذكرها "ابن الكلبي" نفسه في بعض مؤلفاته. ومن هذه الأصنام: الأسحم، والأشهل، وأوال، والبجة، وبلج، والجبهة، وجريش، وجهار، والدار، وذو الرجل، والشارق، وصدا، وصمودا، والضمار، والضيزن، والعبعب، وعوض، وعوف، وكثرى، والكسعة، والمدان، ومرحب، ومنهب، والهبا، وذات الودع، وياليل٢، وذريح٣، وباجر، والجد، وحلال، والحمام، وذو اللبا، والسعيدة، وغنم، وفراض، وقزح، وقيس، والمنطبق، ونهيك٤. أما أوال، فإنه إيال، وهو صنم بكر وتغلب٥. وأما جهار، فقد كان من أصنام هوازن وموضعه بعكاظ، وسدنته آل عوف النصريون، ومعهم محارب فيه. وكان في أسفل أفطح٦. وكانت تلبية من نسك لجهار: "لبيك، اللهم لبيك، لبيك، اجعل ذنوبنا جبار. وأهدنا لأوضح المنار. ومتعنا وملنا بجهار"٧. وأما الدار، فصنم سمي به عبد الدار بن قصي بن كلاب٨. وأما الدوار، فصنم كانت العرب تنصبه يجعلون موضعًا حوله، يدورون به واسم ذلك الصنم والموضع الدوار، ومنه قول امرئ القيس. فعن لنا سر كأن نعاجه ... عذارى دوار في ملاء مذيل٩ وقد ذكر "ابن الكلبي" أن العرب تسمي الطواف حول الأصنام والأوثان.

стр. 3818

الدوار١. وعرف بعض أهل الأخبار الدوار أنه "نسك للجاهلية يدورون فيه لصنم أو غيره"٢. ويظهر من دراسة ما ورد في كتب أهل الأخبار وفي كتب اللغة عن "الدوار" أن الدوار لم يكن صنمًا، وإنما هو طواف حول صنم من الأصنام، أي عبادة من العبادات لا تختص بصنم معين. وقد كان من عادة الجاهليين الطواف حول الأصنام. فظن بعض أهل الأخبار أن الدوار صنم معين، أو أنه صنم ينصب، فيدور الناس حوله. وأما ذو الرجل، فهو صنم من أصنام أهل الحجاز٣. ويظهر أن هذا الصنم، وكذلك الصنم "ذو الكفين"، هما من الأصنام التي تغلبت صفاتها على أسمائها، فنعتت بهذه النعوت، كأن تكون لرجل أحد الصنمين، ولكفى الصنم الآخر ميزة خاصة وعلامة فارقة مثل كسر أو دقة صنعة، جعلت الناس يدعون الصنمين بالنعتين البارزين. ويرى "نولدكة" احتمال كون هذين الصنمين حجرين في الأصل من الأحجار المقدسة Fetish التي كان يعبدها الناس في القديم، ثم تحولت إلى صنمين بعد أن رسمت عليها بعض التصاوير صيرتهما على شكل إنسانين٤. وسمي بالصنم "الشارق" جملة رجال عرفوا بعبد الشارق٥. ولكلمة الشارق علاقة بالشروق. وقد ذهب "ولهوزن" إلى أن المراد به الشمس لشروقها٦. و"الشريق" اسم صنم أيضًا٧. وعندي أن الشارق وشريقًا نعتان للآلهة، وليسا اسمين لصنمين، وأنهما في معنى "شرقن" الواردة في نصوص المسند، وتعني "الشارق" أي اللفظة المذكورة تمامًا. وقد وردت نعتًا في نصوص عربية جنوبية كثيرة، مثل جملة: "عثتر شرقن"، أي "عثتر الشارق". فالشارق إذن نعت من نعوت الآلهة، أو اسم من أسماء الله الحسنى، بالتعبير.

стр. 3819

الإسلامي، وقد يقابل لفظة "نور" الذي هو نعت من نعوت الله في الإسلام، كما ورد في القرآن الكريم: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ١. وأما صدا وصمودا والهبا، فإنها من أصنام قوم عاد على رواية الأخباريين٢. وأما الضمار، فكان صنمًا عبده العباس بن مرداس السلمي٣، وبنو سليم٤. ولما حضرت مرداس الوفاة، أوصى به إلى ابنه العباس، وطلب منه العناية به؛ لأنه يضر وينفع. فلما ظهر الإسلام، أحرق العباس ضمارًا، وأتى النبي فأسلم٥. والعبعب، هو صنم لقضاعة ومن داناهم. وقد يقال بالغين المعجمة، فيخلط بينه وبين الغبغب٦. ورأيي أن الكلمتين أصلهما كلمة واحدة، حرفها النساخ فصارت كلمتين. وأما "عوض" فهو صنم كان من أصنام بكر بن وائل. وقد ذكر مع الصنم سعير في بيت شعر نسب إلى الأعشى، أو إلى رشيد بن رميض العزى٧. وكان "جد "الجد" صنمًا معروفًا عند عدد من الشعوب السامية، وليس من المستبعد أن يكون لاسم القبيلة الإسرائيلية "جد" "جاد" علاقة باسم هذا الصنم٨. وقد ورد في النبطية "جدا". وورد في الأسماء العربية "عبد جد".

стр. 3820

و"عبد الجد"١. و"كثرى" من الأصنام المنسوبة إلى طسم وجديس، ظل باقيًا معروفًا إلى أيام الرسول، فكسره نهشل بن عرعرة ولحق بالنبي٢. وقد ورد بين أسماء الجاهليين من دُعي بـ"عبد كثرى". ويرى "نولدكه" في عدم ورود أداة التعريف "أل" مع "كثرى" في "عبد كثرى"، دلالة على أن هذا الصنم هو من الأصنام القديمة. ويرى أيضًا أن كلمة "كثرى" هي مجرد لقب من ألقاب "العزى"، نسي فظن أنه اسم صنم مستقل٣. وأما المدان، فصنم يظهر أنه كان من أصنام أهل الحجاز. وقد سمي به جملة رجال عرفوا بـ"عبد المدان"، وكان له بيت٤. وأما "مرحب"، فصنم من أصنام حضرموت، وبه سمي "ذو مرحب" سادن هذا الصنم٥. وكانت تلبية من نسك له: "لبيك. لبيك، إننا لديك. لبيك، حببنا إليك"٦. وللأخباريين جملة آراء في معنى ذات الودع، وهي أنثى. وقد ورد اسمها في الشعر، وكانت العرب تقسم بها. قيل إنها وثن بعينه، وقيل هي مكة لأنه كان يعلق الودع في ستورها، وقيل سفينة نوح، كانت العرب تقسم بها، فتقول بذات الودع، قال عدي بن زيد العبادي: كلا يمينًا بذات الودع لو حدثت ... فيكم وقابل قبر الماجد الزارا٧
следующие страницы →