← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

أشكال المعابد: هذا ولا بد لي أن أشير إلى أننا لا نملك حتى الآن رأيًا واضحًا قاطعًا في شكل المعابد عند الجاهليين. ولا يمكن تكوين رأي واضح عن هذا النحو إلا بعد قيام علماء الآثار المتخصصين بدراسة آثار المعابد والكشف عنها ورسم مخططات صحيحة لقواعدها وأسسها. ولذلك لا بد من مرور زمن، حتى يتمكن العلماء من تكوين رأي في أصول المعابد وكيفية إقامتها من الوجهة الدينية الأصولية عند العرب قبل الإسلام. وإذا كان في استطاعتنا تجديد شكل "بيت الله" بمكة، و"كعبة نجران" و"كعبة سنداد"، أو "كعبات سنداد"، كما يسميها البعض، فإن من الصعب علينا تحديد هيئة بيوت الأصنام في المعابد الأخرى، لعدم ورود نص يعين صفة تلك البيوت في أخبار أهل الأخبار. فلا ندري أكانت مكعبات، أم على أشكال أخر. ولما كانت المعابد بيوت الأرباب، صارت لها حرمة خاصة وقدسية في كل

стр. 3957

دين، فلا يجوز انتهاك حرمتها، ولا القيام بأعمال شائنة دنسة فيها، خاصة بالقياس إلى الأماكن المقدسة جدًّا التي تعد محجة للناس، وقد اتخذت حول البيوت مواضع عدت جزءًا من المعبد حددت بحدود، فما كان داخلًا عد حرمًا آمنًا، وما كان خارج الحد كان خارجًا عن المعبد، فليست له تلك الحرمة التي عينتها شريعة القوم للمعابد. وأقدس مكان في المعبد هو "البيت"، أي الغرفة التي تضم الصنم أو الأصنام. فقد كانت البيت، وهو المسمى الكعبة في مكة، أقدم موضع عند قريش وعند غيرهم من عبدة الأصنام الذين كانوا يقدسون "البيت الحرام"، وذلك بسبب وجود الأصنام فيه. ويعبر في العربية الجنوبية عن البيت الذي توضع فيه الأصنام، بـ"مختن"١. فهو إذن بمثابة الكعبة بمكة. ويقال للأرض الحرام المقدسة التي تحيط بـ"البيت"، "الحرم" قيل سمي "الحرم" حرمًا لتحريم الناس فيه كثيرًا مما ليس بمحرم في غيره من المواضع٢. وقد وردت اللفظة في الكتابات النبطية. فوردت في كتابة نبطية عثر عليها في "بطرا" علمًا لحرم الإله ذي الشرى، قصد به الأرض المقدسة المحيطة ببيت ذلك الصنم، والمعبد كله؛ لأنه مرحم ومقدس: "حرم ذي الشرى الإله ربنا"٣. ولا يجوز لأحد انتهاك حرمة الحرم والاعتداء عليه. وإذا دخل إنسان الحرم صار آمنًا منطمئنًا، لا يجوز أن يُعتدى عليه، ولا أن يمس بسوء، وإن كان قاتلًا، وحدود الحرم أنصابه، وهي علاماته، فمن اجتازها وصار في داخلها، دخل في حرمة الحرم. وما كان خارج الحرم، هو من الحل، أي من المنطقة الخارجة عن حرمة المعبد. فلا تشملها الأحكام المفروضة على الحرم. وكان الرجل في الجاهلية إذا أحدث حدثًا ولجأ إلى الكعبة، لم يهج، فكان إذا لقيه ولي الدم في الحرم، قيل له: هو صرورة ولا تهجه٤.

стр. 3958

ولمكانة الحرم في نفوس الجاهليين ولأنه موطن آمن من دخل فيه صار آمنًا، كان لا بد من تحديده ووضع معالم تشير إلى نهايته، إما بوضع أنصاب على أطرافه من تجاوزها إلى داخله صار آمنًا فلا يخاف على نفسه، وإما ببناء حائل كجدار أو سياج أو أمثال ذلك ليكون إشارة على حرمة ما وراءه في الداخل. وقد جعل أهل مكة حدود حرم البيت أنصابًا من تجاوزها إلى الداخل صار في حرمة الحرم وفي حماية رب البيت. وكانت أرض المعابد، أي حرمها، واسعة في الأصل، ذات ماء وأشجار وحمى، ثم تقلصت وضيقت وحددت بحدود، بسكن الناس حولها، وبتقربهم من المعبد، وبزيادة عدد عبَّاده فعندما يتألق نجم معبد ويكثر المؤمنون بصاحبه، يكثر زواره، ويتسابق الناس إلى السكن بجواره والتقرب منه جهد إمكانه، إذ يكون ذلك شرفًا لهم. شرف مجاورة البيت، كما يكون مكسبًا وموردًا طيبًا للمال، لرغبة الزوار في مجاورة المعبد، فيدفع هذا الطمع، أصحاب النفوذ والجاه على اختلاس الأرض والتجاوز على حدود الحروم فتضيق. كالذي حدث بمكة، إذ كان الحرم واسعًا كبيًرا، يشمل الوادي كله، فلما هبط "قصي" به وابتنى البيوت، اعتدى من جاء بعده على الحرم حتى صغر، مما دفع الخلفاء على شراء البيوت المجاورة وهدمها لإعادة أرضها إلى الحرم ليتسع صدره للناس. وتلحق بالمعابد أرضون، يقال لها "حمى" لأنها في حماية الأرباب والأصنام ورعايتها، فلا يُعتدى عليها، ولا يُقطع شجرها ولا يُرعى فيها ولا يُسمح بصيد الحيوان فيها والاعتداء عليه في أرض الحمى١. فكان في الطائف "حمى"، وهو "حمى اللات"، وقد خصص به، وكان حمى في جرش٢. بل كان وادي مكة الذي أقيم البيت به "حمى" لرب البيت، ولم يكن يسمح لأحد قبل "قصي" بقطع شجره، ولا التجاوز على ما فيه من نبت. وقد كان "قصي" كما يقول أهل الأخبار أول من اقتطع شجره، وأقام البيوت لسكناه وسكنى قريش في ذلك الوادي. ويفهم من كلام "نيلوس" Nilus أن العرب لم يكونوا يحيطون مواضعهم.

стр. 3959

المقدسة التي فيها أصنامهم بأسوار، وإنما كانوا يجعلون لحرمها حجارة تكون حدًّا وعلامة للحرم. ويتبين من كلام هذا المؤرخ الذي أسر العرب ابنه وأرادوا تقديمه إلى الزهرة قربانًا على حد قوله، أنه قصد بالعرب الأعراب، ولا سيما أعراب طور سيناء، وقد كانوا أشداء غلاظًا يلقون الرعب في النفوس، وكانوا يتاجرون بالرقيق يقبضون على من يقع في أيديهم ويبيعونه في أسواق الرقيق. وجماعة هذا شأنها لا تستقر في مكان، لا يمكن بالطبع أن يكون لها معبد ثابت، وإنما يكون معبدها الموضع الذي يوضع صنم القبيلة فيه. ولتعيين الأرض الحرام توضع تلك الحجارة. إلا أن هذا لا يعني أن معابد أهل المدر كانت مسورة أو ذات حائل دائمًا، فقد ذكرت أن حرم بيت الله بمكة لم يكن مسورًا، بل كان معلمًا بأنصاب ومكة موضع حضر. أما حرم معبد "المقه" بمأرب وكذلك أكثر معابد أهل اليمن، فقد كانت مسورة بأسوار عالية قوية، لها أبواب يدخل المتعبدون منها، تفتح وتغلق كما نفعل هذا اليوم في دور العبادة عندنا. ومن المعابد الشهيرة: "البيت الحرام"، أي "الكعبة" بمكة، وسأتكلم عليه في موضع خاص. ومعبد "ذو الشرى" Dushare بمدينة "بطرا"، و"كعبة سنداد"، و"كعبة نجران"، ومعابد عديدة في مواضع أخرى من جزيرة العرب، ولا سيما اليمن. والفضل في ظفرنا ببعض المعارف عن "بيت الرب" بمدينة "بطرا"، يعود إلى الكتابات النبطية، وإلى ما كتبه بعض الكتبة اليونان والسريان عنه. وقد خصص هذا البيت بعبادة الإله "ذي الشرى"، الذي هو "رب البيت"١ التي أطلقها النبط على إلههم، تذكرنا بجملة أخرى معروفة في الجاهلية عند أهل مكة، كما هي معروفة عند المسلمين حتى اليوم، هي جملة: "رب البيت"، التي تعني إله البيت، وهو الكعبة، وقد أقرها وثبتها الإسلام. وقد نعت "رب البيت"، "رب بيت ذي الشرى" بـ"الذي يفرق الليل عن النهار"٢ وهو نعت له أهمية كبيرة في تكوين فكرة عن وجهة نظر عباده إليه.

стр. 3960

وقد نصب في هذا المعبد الصنم "ذو الشرى" على قاعدة مكسوة بالذهب، في بيت موشى بالذهب وبالصور التي تمثل مشاهد تقديم القرابين إليه. وهو في موضع مرتفع على صخرة عالية، يحج إليه الناس من مواضع بعيدة؛ للتقرب إلى ذلك الإله الذي يقابل الإله "باخوس" و"ديونسيوس" "Dionysos- Bacchus" في رأي الكتبة اليونان واللاتين١. وكان لهذا المعبد حج يقع في اليوم الخامس والعشرين من شهر كانون الأول من كل عام، فيفد إليه الناس من أماكن بعيدة للتقرب إلى "رب البيت"، فينحرون ويقضون الأيام المعينة، ثم يعودون إلى ديارهم. والظاهر أن هذه الكعبة لم تكن خاصة بأهل "العربية النبطية"، إنما كانت محجة لغيرهم من العرب، كما يتبين ذلك من تصريحات بعض الكتبة "الكلاسيكيين" عنها. وقد عرف بعض معابد الجاهليين بـ"الكعبات" ويدل ذلك على أن بناءها كان على هيئة مكعب كشكل بناء الكعبة، وعلى أن العرب كانوا يبنون بيوت الأصنام الكبرى على هذا النحو. من هذه كعبة "سنداد" على ما يذكره الأخباريون، وهي قصر كانت العرب تحج إليه فيطوفون حوله، وقد عرف بـ"الكعبات" جمع كعبة وهو البيت المربع والمرتفع، وبـ"ذات الكعبات" و"ذي الكعبات" وكان مركز حج قبائل بكر بن وائل وإياد٢. ولكن الأخباريين لم يتحدثوا بشيء من التفصيل عن هذا المعبد وعن كيفيته وشكله وعن الأصنام التي كانت فيه. وقد ذكر "ابن الكلبي" أن هذا البيت لم يكن بيت عبادة، إنما كان منزلًا شريفًا٣. وذكر أن "ذات الكعبات" بيت كان لبكر وتغلب ابني وائل وإياد، وذكر أنه بيت كان لربيعة، كانوا يطوفون به. وذكر أنه كان لإياد، وكان كعبة.

стр. 3961

بسنداد بين الحيرة والإبلة١. وهو من منازل إياد أسفل سواد الكوفة، وكان عليه قصر تحج العرب إليه٢. وكان بنجران بيت عبادة عرف بـ"كعبة نجران". وهو بناء بُني على هيئة الكعبة. وفي رواية تنسب لابن الكلبي أنها كانت قبة من أدم من ثلاث مائة جلد، كان إذا جاءها الخائف أمن. أو طالب حاجة قضيت، أو مسترفدًا رفد٣. ويستخلص من الأخبار الواردة عن هذه الكعبة ومن أسماء أصحابها ومن كونهم أساقفة أنها كانت بيعة أسسها النصارى في مركز النصرانية في اليمن، وهو موضع نجران، وأنه لا علاقة له بالوثنية. ويذكر الأخباريون أن بني عبد المدان بن الديان الحارثي أقاموها هناك، مضاهاة للكعبة٤. وقد ذكر "ابن الكلبي" أن كعبة نجران لم تكن كعبة عبادة، وإنما كانت غرفة يعظمها القوم من بني الحارث بن كعب٥. وبنو الحارث بن كعب هم رؤساء نصارى نجران. وذكر بعض أهل الأخبار أن كعبة نجران وكانت لمذحج وبني الحارث بن كعب، عرفت بـ"الربة"٦. وقد ذكر "ابن الكلبي" أن رجلًا من جهينة يقال له عبد الدار بن حُديب أراد بناء بيت بأرض من بلادهم يقال لها الحوراء ليضاهي به الكعبة حتى يستميل به العرب، فأعظم قومه ذلك، وأبوا عليه٧. ونجد في كتاب "الأصنام" لابن الكلبي وفي كتب أهل الأخبار أسماء مواضع ذكر أنها كانت بيوت عبادة حج إليها العرب حجهم لمكة. وذكر أن قريشًا بَنَتْ للعزى بيتًا بوادي حراض بإزاء الغمير، وحمت له شعبًا من وادي حراض يقال له سقام، يضاهون به.

стр. 3962

الكعبة، وقد حجت إليه، وكانت تنحر عنده، ويتقربون إلى العزى بالذبائح١. وقد ذكر الأخباريون أنه كان بعكاظ صخور يطوف الجاهليون بها ويحجون إليها٢. وإذا تذكرنا "دومة الجندل" ومعبدها الكبير، فلا يستبعد أن تكون الأسواق الأخرى مواضع مقدسة قديمة كانت محجة للناس عامرة تفد إليها القبائل في مواسم الحج، ثم فقدت خطورتها قبيل الإسلام، ولم يبق عليها إلا طابع الأسواق التجارية. وتكون في المعابد مواضع يلقي فيها العباد وأصحاب النذور هداياهم ونذورهم التي يتقربون بها إلى آلهة المعبد. وقد أشار أهل الأخبار إلى وجودها في الكعبة وفي المعابد الجاهلية الأخرى. ويظهر من وصفهم لها أنها كانت على شكل حفر تلقى فيها تلك الهدايا والنذور. فذكر الأخباريون أنه كان على يمين الداخل إلى البيت "جب"، اتخذ خزانة للبيت يلقى فيه ما يُهدى إلى الكعبة، وهو الجب الذي نصب عليه عمرو بن لحي "هبل" وهو صنم كانت قريش تعبده. وقد عرف علماء اللغة الجب بأنه البئر٣، ووصفها "الأزرقي"، فقال: إنها كانت في جوف الكعبة على يمين من يدخلها، وكان عمقها ثلاث أذرع، وأن اسمها "الأخسف"، وكانت العرب تسميها "الأخشف"٤.

стр. 3963

السقاية: وفي المعابد سقايا، يُستقى منها الماء للشرب وللتطهر، كأن تغسل الأوجه والأيدي والأرجل بالماء ليسمح للزائر بدخول المعبد، أو لتحل له إقامة الشعائر الدينية. ويعد الماء ماءً مقدسًا؛ لأنه من أرض مقدسة، ولذلك يتبرك به أيضًا ويُستشفى بالشرب منه. وقد عثر المنقبون على آثار آبار وأحواض مطمورة في حرم المعابد، كان المتعبدون يستفيدون من مياهها عند زيارتهم بيوت أربابهم، وعند أدائهم الشعائر الدينية. وبئر زمزم، هي البئر الوحيدة الباقية من آبار بيوت الله التي كانت في الجاهلية. وقد كانت سقاية الحاج من المآثر الكبيرة عند أهل مكة، وهي تسقية الحجاج من الزبيب المنبوذ بالماء. وكان يليها في أيام الرسول العباس بن عبد المطلب١. وكان بعضهم يسقى الحاج اللبن بالعسل.

стр. 3964

المذابح: وتلحق بالمعابد مذابح تذبح عليها القرابين التي يتقرب بها المؤمنون إلى آلهتهم، ويقال للواحد منها، مذبح" و"نصب" و"مصب" و"غبغب". وقد وردت لفظة "مذبح" و"مذبحت"، أي "المذبحة"، في طائفة من الكتابات. وهي مواضع الذبح، حيث يكون تقريب القرابين إلى الآلهة. وقد ذهب علماء اللغة مذاهب في تحديد معنى "النصب" فرأى بعضهم أن النصب كل ما عبد من دون الله، وذهب بعض آخر إلى أن النصب صنم أو حجر كانت الجاهلية تنصبه، وتذبح عنده، فيحمر للدم، وذهب آخرون إلى أن الأنصاب حجارة كانت حول الكعبة تنصب، ويذبح عليها لغير الله تعالى١. وعرفها بعضهم بقوله: "النصب الأوثان من الحجارة، جماعة أنصاب كانت تجمع في الموضع من الأرض، فكان المشركون يقربون لها وليست بأصنام"، "قال ابن جريج: النصب ليست بأصنام. الصنم يصور وينقش، وهذه حجارة تنصب ثلاثمائة وستون حجرًا. منهم من يقول ثلاثمائة منها بخزاعة. فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت وشرحوا اللحم وجعلوه على الحجارة. فقال المسلمون: يا رسول الله؟ كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحق أن نعظمه"٢. ولو أخذنا برواية "ابن جريج". خلصنا إلى أن هذه

стр. 3965

الأنصاب، كانت بعدد أصنام الكعبة، أي أنهم كانوا قد خصصوا بكل صنم نصبًا، يذبحون عليه ما يتقربون به إليه من عتائر. فقد كان عدد أصنام الكعبة ثلاثمائة وستون حجرًا عام الفتح على ما يذكره أهل الأخبار، إلا إذا اعتبرنا ما ذكروه عن عدد الأصنام وهمًا، وأخذنا برواية "ابن جريج" التي هي دون الرواية الأخرى في الشهرة والذكر. وأشير إلى "النصب" في شعر ينسب على "الأعشى"، يقال إنه قاله في مدح الرسول. هو: وذا النصب المنصوب لا تنسكنه ... لعاقبة والله ربك فاعبدا١ وعلى كل، فنحن لو أخذنا بالروايتين، أو برواية واحدة منهما، فإن العدد "٣٦٠" يلفت النظر حقًّا. فلمَ خصص رواة الخبرين عدد الأصنام أو الأنصاب بهذا الرقم، وهل يمثل ذلك شيئًا له صلة بالفلك، أو بأسطورة دينية قديمة كانت عند أهل مكة؟ وقد وردت كلمة "النصب" في آية اللحوم المحرمات التي لا يجوز أكلها في القرآن الكريم: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ٢. فجعلت الذبائح التي تذبح على النصب للأصنام في جملة التي لا يحل للمسلم أكلها، فيفهم من هذه الآية أن النصب مواضع تذبح عليها القرابين. كما وردت في موضع آخر من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ٣. وقد ذكر علماء التفسير، أن الأنصاب التي يذبحون عندها٤. وقد ذكر علماء التفسير، أن أهل الجاهلية كانوا قد وضعوا حول الكعبة

стр. 3966

أنصابًا، أي حجارة كانوا يذبحون عليها، فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت وشرحوا اللحم: وجعلوه على الحجارة. وكانوا يبدلونها إذا شاءوا بحجر هو أحب إليهم منها١. كما كانوا قد وضعوا الأنصاب في بيوت الأصنام الأخرى، يذبحون عليها ذبائحهم لهما. وقد أشير إلى "المائرات"، أي الدماء، دماء الذبائح لـ"رشيد بن رميض العنزي": حلفت بمائات حول عوض ... وأنصار تركن لدى السعير٢ و"عوض" صنم لبكر بن وائل، و"السعير" صنم لعنزة خاصة. و"نصب" هي "نصب" و"مصب" في اللهجات العربية الجنوبية، و"نصب" و"مصبت" في الفينيقية، و"مصبه" Masseba في العبرانية ويراد بها مذبح، تذج عليها القرابين والضحايا التي يقدمها المتعبدون إلى معبودهم Deity ويعرف بـ Altar أي مذبح في الإنكليزية. وهو من حجر واحد في الأصل، قد يذبح عليه، فيسيل الدم فوقه ويتلطخ به، وقد يكون في نظرهم بمثابة المعبود الذي تقدم الضحية إليه. وقد يذبح عليه. فيسيل الدم من فتحة تكون فيه إلى بئر تتجمع فيها دماء الذبائح، تكون عند قاعدة النصب. وقد تخصص المذابح بحرق لحم الذبيحة كله أو بعضه عليها؛ تقربًا إلى الأصنام، كالذي كان يفعله العبرانيون٣. وقد عثرالمنقبون على أحجار عديدة اتخذت أنصابًا لذبح القرابين عليها أو عندها، عثر عليها في العربية الجنوبية بصورة خاصة. وفي بعضها فتحة على هيئة ثقب تسيل منه دماء القرابين إلى موضع تتجمع فيه. وفي بعض آخر مسايل جانبية، تسيل الدماء منها إلى الخارج. وهذه الأنصاب هي "مذابح" ويقال للواحد منها "مذبحم" في العربيات الجنوبية أي "مذبح". ولذبح القرابين "ذبحن" و"ذبحم"، أي "الذبح" و"ذبح".

стр. 3967

فالنصب إذن، الأحجار التي تذبح عليها القرابين وما يهل للأصنام. والعادة أن تكون أمام الصنم، وعلى مقربة منه فإذا ذبح القربان سال دمه على النصب إلى ثقب يؤدي إلى حفرة يتجمع فيها الدم. هي "الغبغب". و"النصب" هو "مصبه" Massebah في العبرانية، حيث كانوا يذبحون عليها القرابين. ولكثرة ما كان يذبح عليها صارت تبدو حمراء من لون الدم، وقد أشير على الحمرة في حديث إسلام "أبي ذر الغفاري"، إذ ذكر أنه وصف تعذيب قريش له بقوله: "فرماني الناس حتى كأني نصب أحمر"١. وليس لأهل الأخبار رأي واحد في "الغبغب"، وإنما ذهب بعضهم على أن الغبغب هو المنحر، وذهب بعض آخر إلى أنه خزانة المعبدة، يلقي الناذرون فيها ما عندهم من نذور وقربان، وذهب فريق آخر إلى أنه بيت كان الناس يحجون إليه كما يحج إلى البيت بمكة٢. وقيل إنه كان لمعتب بن قيس بيت يقال له غبغب كانوا يحجون إليه٣. والذي عليه أكثر أهل الأخبار أن "الغبغب" المنحر. وقد صرح بذلك "ابن الكلبي" في كتاب "الأصنام": وهو يتحدث عن "العزى" فقال: "ولها منحر ينحرون فيها هداياها، يقال له الغبغب"٤. كما صرح بذلك علماء اللغة إذ عرفوا الغبغب بأنه المنحر، أو نصب كان يذبح عليه في الجاهلية، أو كل مذبح بمنى. وقد خصصه بعضهم بمذبح منى٥. أو هو حجر ينصب بين يدي صنم، وكان لمناف مستقبل ركن الحجر الأسود غبغب، وقيل كانا اثنين ويظهر من شرح علماء اللغة للمثل: "رب رمية من غير رامٍ"، ينسب قوله إلى الحكم بن عبد غوث أن الغبغب هو المذبح، أي المنحر الذي ينحر عليه٦.

стр. 3968

ويظهر من روايات أهل الأخبار عن "بيوت" الآلهة أنه كان لكل "بيت" "غبغب"، تذبح فيه هداياها، أي ما يهدى إلى تلك البيوت من قرابين وقيل: الغبغب: المنحر، وهو جبيل بمنى، فحصص. وقيل كل منحر بمنى غبغب. قال الشاعر: والراقصات إلى منى فالغبغب١ ويذكر علماء اللغة أن "الغبغب" "العبعب" كذلك٢. وأن العبعب موضع الصنم. وصنم لقضاعة ومن داناهم٣. وبيت كان لمعتب بن قيس، كانوا يحجون إليه كما يحجون إلى البيت٤. ويظهر من هذا الشرح أن "الغبغب" و"العبعب"، كلمة واحدة، لشيء واحد. و"الغبغب" "الحب" كذلك وهو حفرة يجمع فيها دم البدن، والجمع "الجباجب" قال "الزبير بن بكار: الجباجب جبال مكة حرسها الله تعالى، أو أسواقها أو منحر. وقال البرقين حفر بمنى كان يلقى به الكروش، أي كروش الأضاحي في أيام الحج، أو كان يجمع فيها دم البدن والهدايا، والعرب تعظمها وتفخر بها"٥. ويفهم أحيانًا أن "الغبغب"، حفرة أو بئر، كان المتعبدون للاصنام يرمون بها نذورهم وهداياهم وما يتقربون به إلى أصنام من نذور نفيسة، من ذهب أو فضة أو حجارة كريمة فكانت تحت صخرة "اللات" حفرة عرفت بـ"الغبغب" حفظت فيها الهدايا والنذور والأموال التي كانت تقدم إلى الصنم. فلما هدم الصنم أخذت من الغبغب تلك الأموال٦. ويرادف الغبغب "الجب"، الذي يقال له "الأخسف" و"الأخشف"، وهو بئر في جوف الكعبة نصب "هبل" عليه. كان الناس يرمون فيها نذورهم وهداياهم. وتقع على يمين من يدخل البيت، وكان عمقها ثلاث أذرع٧.

стр. 3969

و"الغري" مذبح على ما يظهر من تفسير علماء اللغة لهذه اللفظة. يظهر أنه كان صخرة تذبح عندها الذبائح وتطلى بدمها، أو نصب تذبح القرابين عليه١. ويعبر عن المذبح الذي تذبح عليه الحيوانات الكبيرة، مثل البقر بلفظة "حردن"٢. ومن الألفاظ التي تطلق على المذبح، "منطف" و"منطفت"، أي "المنطقة"، وهي المذبحة٣. والمذبح، هو "مذبحت" في نصوص المسند، أي موضع الذبح.

стр. 3970

المحارق: وتلحقب بالمعبد محارق، تحرق فيها القرابين، يقال لها "مصرب"١. وقد كان العبرانيون يحرقون قرابينهم، في محارق تلحق بالمعبد، وتكون جزءًا منه. أما العرب، فإننا لا نستطيع أن نقول إنهم كانوا يحرقون قرابينهم في كل جزيرة العرب؛ لأننا لا نملك أدلة آثارية على ذلك، إلا معابد اليمن وأعالي الحجاز، حيث عثر على آثار المحارق في معابدها مما يدل على أنهم كانوا يحرقون القرابين. و"المصرب"، المحرقة، الموضع الذي يحرق به الخشب ذي الرائحة الطيبة أو البخور، وهو مبخرة، تكون في المعابد، يحرق بها؛ لتفوح منها روائح طيبة، أثناء العبادة. وقد أشير إليها في نصوص المسند.

стр. 3971

البخور والمباخر: وللتبخير شأن كبير في أداء الفروش في المعابد، إذ لا بد من حرق البخور فيها، فيبخر بها المذبح والأصنام كما يبخر القائمون بأداء تلك الفروض. وتسمى المبخرة بـ"مسلم"، وبـ"مقطر" وذلك في لغة بعض الجاهليين١.

стр. 3972

و"المجمرة" والمجمر، الموضع الذي يوضع فيه الجمر بالدخنة للتجمير١. وقد أشير إلى المجمرات والمباخر في كتابات المسند. وعثر المنقبون على نماذج منها، قدمها الناذرون نذورًا إلى آلهتهم، وقد وضعوها في معابدها، وهي في جملة الهدايا المرموقة التي تقدم إلى المعابد من أحجار وبعضها من معدن بذل جهدًا في صنعته وفي زخرفته حيث يكون هدية قيمة تكون خليقة بوضعها في المعابد وقد كان الناس يأتون بالمجامر ليجمروا بها الكعبة تقربًا بعملهم هذا إلى الأصنام، وذكر أن حريقًا أصاب الكعبة؛ بسبب تطاير شرر من مجمرة امرأة جمرت البيت، فأصاب ستار الكعبة، فاحترق. والتجمير هو من شعائر التقدير والتعظيم. وهو مما يدخل في الطقوس، وقد صرفت المعابد القديمة أموالًا على شراء "العود" وغيره لإحراقه في المجامر؛ لتطييب المذبح والمعبد به. وكان البخور مما يبخر به في المعابد أيضًا. وقد استعمله الجاهليون في بيوتهم المعظمةكذلك. وتلحق بالمعابد مواضع يخزن فيها ما يقدم إلى المعبد من هدايا ونذور، وما يرد إليه من غلات أوقافه. وإذا كانت النذور والهدايا ماشية، فقد تحفظ في مواضع بعيدة عن المعبد، أو توضع في إحماء المعابد لترعى بها. ولا يجوز التعرض لها بسوء. وتعلم بعلامات تشير إلى أنها مما حبس على الأصنام. وكانت لهبل خزانة للقرابين. وكان قربانة مائة بعير، وله حاجب يقوم بخدمته٢. وفي جملة ما أهداه الناس إلى أصنامهم السيوف والملابس، وكانوا يعلقونها أحيانًا على الأصنام٣.

стр. 3973

سدنة الآلهة: ولبيوت العبادة سدنة وحجبة وخدم، يقومون كلهم بخدمة البيت وما فيه من أصنام. ويعبر في عربيتنا عن الذي يتولى أمر الصنم بـ"السادن" و"سادن الصنم".

стр. 3974

فهرس الجزء الحادي عشر: الفصل الحادي والستون أديان العرب ٥ الفصل الثاني والستون التوحيد والشرك ٣٤ الفصل الثالث والستون أنبياء جاهليون ٨٣ الفصل الرابع والستون الله ومصير الإنسان ١٠٢ الفصل الخامس والستون الروح والنفس والقول بالدهر ١٣٦

стр. 3975

الفصل السادس والستون الآلهة والتقرب إليها ١٦٣ الفصل السابع والستون التقرب إلى الآلهة ١٨٤ الفصل الثامن والستون رجال الدين ٢١٢ الفصل التاسع والستون الأصنام ٢٢٧ الفصل السبعون أصنام الكتابات ٢٩٠ الفصل الحادي والسبعون شعائر الدين ٣٣٦

стр. 3976

الفصل الثاني والسبعون الحج والعمرة ٣٤٧ الفصل الثالث والسبعون بيوت العبادة ٣٩٨ الفهرست ٤٢٩

стр. 3977

المجلد الثاني عشر الفصل الرابع والسبعون: الكعبة مدخل ... الفصل الرابع والسبعون: الكعبة وكعبة مكة، هي الكعبة الوحيدة التي بقيت محافظة على اسمها ومقامها حتى اليوم، من بين الكعبات التي كانت في الجاهلية. فقد اندثر أثر الكعبات الأخرى وزالت معالمها، ولم يبق لها مكان. وإلى الإسلام يعود ولا شك فضل بقاء "البيت الحرام". وبفضل الإسلام أيضًا جمع العلماء ما تمكنوا من جمعه من تاريخ المدينة القديم والمعالم المتصلة بها، ومن أخبار قريش، لما لهذا التاريخ من صلة بظهور الإسلام١. ويذكر أهل الأخبار أن الكعبة كانت معروفة عند العرب خارج الحجاز كذلك، وأنهم كانوا يحجون إليها ويقدسونها ويقسمون بها. وأن ممن أقسم بها وذكر البيت

стр. 3978

في شعره "زهير"١ و"النابغة"٢. وقد عرفت بـ "البيت العتيق"، وبـ "البيت المعمور"٣. ورووا أن "عدي بن زيد العبادي" قصدها بقوله: كلا يمينًا بذات الودع لو حدثت ... فيكم وقابل قبر المساجد الزارا دعاها "ذات الودع" لأنه كان يعلق الودع في ستورها٤. وقد أقسم بها شاعر جاهلي آخر، هو "عوف بن الأحوص" إذ قال: وإني والذي حجت قريش ... محارمه وما جمعت حراء وشاعر عامري آخر، إذ قال: فأقسم بالذي حجت قريش ... وموقف ذي الحجيج إلى إلاله٥ يريد بذلك مكة. وبمكة بيت الله. ومعارفنا عن "البيت الحرام" ضئيلة، وفي الذي يذكره أهل الأخبار عنه ما لا يمكن قبوله ولا الأخذ به، لأنه لا يدخل في حدود التاريخ، ولغلبة الطابع القصصي عليه. ثم إن بعضه يناقض بعضًا، وفي بعضه تحيز وتعصب لبيت قرشي على بيت آخر. وحتى القسم الذي يتناول الأيام القريبة من الإسلام، لا يخلو من اضطراب ومن تناقض، وفيه شعر نحل على أناس، أقحمت أسماؤهم في قصص مكة، لتثبيته على طريقتهم في تثبيت الأخبار برواية شعر يتعلق بها. ولم يعثر حتى الآن على كتابة جاهلية تكشف القناع عن تاريخ "البيت الحرام". ولذلك انحصر علمنا بتاريخه بما ورد في الموارد الإسلامية عنه. وقد نصّ في القرآن الكريم، على أن إبراهيم وإسماعيل هما اللذان رفعا القواعد من البيت ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى،

стр. 3979

وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ١٢٦ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١. وقد كان تأسيس البيت في أيام العرب الأولى، في أيام ٠١:٣٥ م ٢٧/ ٠٩/ ٢٠٠٦جرهم، على روايات أهل الأخبار، وفيهم تزوج. وفي عهده ظهر ماء بئر زمزم٢. ويذكر أهل الأخبار أن مكة حرم آمن، لا يحل فيه قتال. ولم يكن أهله يقاتلون فيه، وأن أول بغي وقع فيه. كان حرب وقعت بين "بني السباق بن عبد الدار" وبين "بني علي بن سعد بن تميم"، حتى تفانوا. ولحقت طائفة من "بني السباق" بعك، فهم فيهم. وقيل أول بغي كان في قريش: بغي "الأقايش"، وهم "بنو أقيش" من بني سهم، بغى بعضهم على بعض، فلما كثر بغيهم على الناس، أرسل الله عليهم فأرة تحمل فتيلة، فأحرقت الدار التي كانت فيها مساكنهم فلم يبق لهم عقب٣. وقد بقي البيت معبودًا مقدسًا عند أهل مكة وعند غيرهم، غير أن المشركين حولوه إلى بيت لعبادة الأصنام والأوثان والشرك حتى عام الفتح، حيث أزال الرسول عنه آثار الجاهلية، وأمر بطمس معالم الوثنية. وصار حرمًا آمنًا خاصًّا بالإسلام لا يدخله مشرك ولا تطأ أرضه أقدام غير مسلم مؤمن بالله وبرسوله. ويذكر أهل الأخبار أن أهل مكة كانوا يعظمون البيت، وأن من سنن تعظيمهم له، أن من علا الكعبة من العبيد فهو حرّ، لا يرون الملك من علاها، ولا يجمعون بين عز علوها وذل الرق٤.

стр. 3980

٨ وأنهم لم يكونوا يبنون بنيانًا مربعًا بمكة تعظيمًا للكعبة١. وأن أول من بنى بها بيتًا مربعًا، "بديل بن ورقاء" الخزاعي، وهو أول من اتخذ بمكة روشنًا، وكانوا قبل ذلك يتحامون التربيع في البناء كيلا يشبه بناء الكعبة٢ وأن أول من سقف بمكة سقفًا "قصي بن كلاب"، وكان الناس قبل ذلك إنما ينزلون في العريش وأن أول من بوب بمكة بابًا "حاطب بن بلتعة"٣. و"بديل بن ورقاء"، هو "بديل بن ورقاء بن عبد العزى"، شريف كتب إليه النبي يدعوه إلى الإسلام، وكان له قدر في الجاهلية بمكة٤. فلو أخذنا برواية من قال أنه كان أول من بني بيتًا مربعًا بمكة، وأول من اتخذ بها روشنًا. وجب جعل حدوث ذلك في أيام النبي، أو بسنين قليلة قبل المبعث، فهل يعقل ذلك؟ والروشن الرف، و "الرشن" الكوة، من الألفاظ المعربة عن الفارسية٥. وأما "حاطب بن أبي بلتعة" فهو "حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو بن سلمة بن صعب بن سهل اللخمي"، حليف بني أسد بن عبد العزى، من الصحابة وممن شهد بدرًا، كان حليفًا للزبير، وكان قد كتب كتابًا إلى قريش يخبرهم بتجهيز رسول الله إليهم، فضبط الكتاب قبل وصوله مكة، واعتذر. فهو من الصحابة٦، وذكر أن الرسول أرسله إلى "المقوقس" صاحب الإسكندرية٧. فهل يعقل أن يكون أول من بوب بابًا بمكة، وقد كانت البيوت قبله بمكة منذ وجدت، فكيف كان يدخل الناس إليها، وقد رأينا قصصًا لأهل الأخبار يروونه عن امتناع "الحمس" عن دخول البيوت من أبوابها، والحمس هم قريش وأهل مكة قبل دخول "حاطب" إليها! ويذكر أهل الأخبار أن البيت قد تهدم مرارًا، وأن السيول قوضت قواعده عدة مرات، لذلك لم يتمكن "بيت إبراهيم وإسماعيل" من البقاء، ولكن

стр. 3981

الجاهليين حرصوا على المحافظة على أسسه وشكله وموضعه. وإنهم كانوا بعد كل هدم أو تصدع يصيبه يحاولون إرجاعه إلى ما كان عليه في أيام آبائهم وأجدادهم جهد إمكانهم، لا يحدثون فيه تغييرًا ولا يدخلون على صورة بنائه تبديلًا. و"البيت الحرام" بناء مكعب، ولذلك قيل له "الكعبة". وصفه أهل الأخبار، فقالوا: كانت الكعبة قبل الإسلام بخمسة أعوام صنمًا، أي حجارة وضعت بعضها على بعض من غير ملاط، فوق القامة، وقيل كانت تسع أذرع من عهد إسماعيل، ولم يكن لها سقف، وكان لها باب ملتصقة بالأرض. وكان أول من عمل لها غلقًا هو تبع١. ثم صنع "عبد المطلب"، لها بابًا من حديد، حلاها بالذهب من ذهب الغزالين. وهو أول ذهب حليت به الكعبة٢. ووصف أهل الأخبار لها على النحو المذكور، يجعلنا نتصورها وكأنها خربة بدائية بسيطة، هي ساحة تكاد تكون مربعة أحيطت بجدار من أحجار رضمت بعضها فوق بعض من غير مادة بناء تمسك بينها، تحط في فنائها الطيور وسباع السماء، ولا يحول بين أرضها وبين أشعة الشمس المحرقة والأمطار التي تنزل على مكة أحيانًا على شكل مياه خارجة من أفواه قرب، أي حائل. إنها في الواقع حائط من أحجار لا يزيد ارتفاعه على قامة إنسان. ويذكر بعض أهل الأخبار أن أول من بنى جدار الكعبة، "عامر" الجادر من الأزد. فقيل له: "الجادر"٣. وكان أول من جدر الكعبة بعد إسماعيل٤. وأول تسقيف لها كان –كما يذكر أهل الأخبار- في التعمير الذي أجرى عليها في النصف الأول من القرن السابع للميلاد، وذلك قبل الإسلام بخمس سنين، وعمر الرسول يومئذ خمس وثلاثون سنة. وسبب ذلك حريق أصابها –كما يزعمون- فقرروا إعادة بنائها، واجتمعوا وعملوا رأيهم فكان قرارهم تسقيفها بخشب، وقد أقيم السقف على ستة أعمدة من الخشب، وزعت في صفين. وزادوا فيها تسع أذرع، فصارت ثماني عشرة ذراعًا، ورفعوا بابها عن الأرض، فكان لا يصعد إليها إلا في درج أو سلم. ورفعوا من جدرانها التي بنوها بساف

стр. 3982

من حجر وساف من خشب، حتى زادت على ما كانت عليه في الأصل١. وورد في الأخبار أن رسول الله لما دخل الكعبة عام الفتح/ قام عند سارية فدعا، وفيها ست سوار٢. وذكر أهل الأخبار، أن سبب بنيان الكعبة، هو أنها كانت رضمة فوق القامة، وأنها كانت قد تصدعت حتى تداعت جدرانها وتساقطت أحجارها، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرًا من قريش وغيرهم سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة، فأجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها٣. ولم يكن هذا البناء الجديد بناءً فخمًا، كما يظهر من الوصف الوارد في كتب أهل الأخبار. كل ما فيه أنه غرفة سقفت الآن بخشب، أقيم سقفها على صفين من أعمدة، كل صف ذي ثلاثة أعمدة. وأما حيطانها، فقد زيد ارتفاعها فصار ثماني عشرة ذراعًا، بعد أن كانت تسع أذرع، أو ارتفاع قامة أو أعلى من ذلك بقليل. وقد بنيت هذه المرة من مادة بناء قوية، جعلت مدماكًا من حجارة ومدماكًا من خشب، فكان الخشب خمسة عشر مدماكًا، والحجارة ستة عشر مدماكًا. وجعلوا سقفها مسطحًا له ميزاب، يسيل منه ماء المطر. وهو على الجملة لا يقاس بشيء بمعابد العربية الجنوبية مثل معبد "المقه" بمدينة مأرب أو المعابد الأخرى التي تمكن الباحثون من الوقوف على أسسها ومعالمها، من حيث مساحة البناء أو الفن أو الروعة والعظمة. ويذكر أهل الأخبار أن أهل مكة استعانوا بتسقيف البيت بخشب سفينة رجل من تجار الروم رمى البحر بسفينته إلى الساحل إلى "الشعيبة"، وهو مرفأ السفن من ساحل الحجاز، وكان مرفأ مكة، ومرسى سفنها قبل "جدة". فجاءوا بالخشب إلى مكة، وكان بها نجار "قبطي"، استعين به في تسقيف البيت بذلك الخشب. وذكر أن الذي سقف البيت علج كان في السفينة، يحسن النجارة اسمه

стр. 3983

"باقوم"، فجيء به مع الخشب، وسقف الكعبة. وقد سألهم عن كيفية تسقيفها هل يجعل السقف قبة أو مسطحًا، فأمروه أن يكون مسطحًا، فعمله على ما أمروه به١. ويذكرون أن قريشًا حين أرادوا بناء الكعبة أتى "عبد الله بن هبل بن أبي سالم"، ومعه مال، فقال: دعوني أشرككم في بنائها، فأذنوا له فبنى الجانب الأيمن، فـ "لبني كلب يد بيضاء في نصرتهم لقريش حين بنوا الكعبة"٢. وصاحب هذا الخبر هو "ابن الكلبي"، ولا أستبعد أن يكون خبره هذا من وحي العاطفة نحو قومه الكلبيين. وذكر أن "باقوم" الرومي، كان يتجر إلى "المندب"، فانكسرت سفينته بالشعيبة، فخرجت إليه قريش فأخذوا خشبها. وقالوا له ابنها على بنيان الكنائس، وقال لقريش: هل لكم أن تجروا عيري في عيركم، يعني التجارة، وأن أمدكم بما شئتم من خشب ونجار فتبنوا به بيت إبراهيم٣. ويذكر الإخباريون أنه كان في بطن البيت قرنا كبش معلقان في الجدار تلقاء من دخلها يخلّقان ويطيّبان إذا طيب البيت، وقد علق عليهما معاليق من حلي كانت تهدى إلى الكعبة. ويرمز القرنان إلى قرني الكبش الذي ذبحه إبراهيم الخليل٤. وقد بقيا في الكعبة إلى أيام "عبد الله بن الزبير" فاحترقا مع الكعبة٥. وقد زوقت الكعبة بعد هذا الحريق، زوق سقفها وجدرانها من بطنها ودعائمها، وجعلت "في دعائمها صور الأنبياء وصور الشجر وصور الملائكة، فكان فيها صورة إبراهيم خليل الرحمان، شيخ يستقسم بالأزلام، وصورة عيسى بن مريم وأمه، وصورة الملائكة ﵈ أجمعين. فلما كان يوم فتح مكة، دخل رسول الله، ﷺ ، البيت، فأرسل الفضل بن العباس بن عبد المطلب، فجاء بماء زمزم، ثم أمر بثوب فبل بالماء، وأمر بطمس تلك الصور فطمست. ووضع كفيه على صورة عيسى ابن مريم وأمه ﵉. وقال:

стр. 3984

امحُ جميع الصور، إلا ما تحت يدي، فرفع يديه عن عيسى ابن مريم وأمه. ونظر إلى صورة إبراهيم، فقال: قاتلهم الله جعلوه يستقسم بالأزلام، ما لإبراهيم والأزلام"١. وقد بقيت صورة عيسى ابن مريم وأمه، إلى أيام عبد الله بن الزبير، فلما تهدم البيت، تهدمت الصورة معه٢. وأعاد الجاهليون –كما يذكر أهل الأخبار- الصنم هبل إلى مكانه، نصبوه أمام "الغبغب"، وأعادوا معه بقية الأصنام، التي كانت تتعبد لها بعض القبائل. ووضعوا حول الكعبة أصنامًا أخرى، يجب أن تكون من الدرجة الثانية في المنزلة أي أصنام قبائل ضعيفة، لذلك وضعت خارج البقعة المقدسة. وقد أوصلت الروايات عدة أصنام الكعبة عام الفتح إلى "٣٦٠" صنمًا، كان بعضها منحوتًا من الحجارة، وبعضها معمولًا من النحاس، وبعضها قوارير، وكان صنم خزاعة قوارير صفر. ولما دخل الرسول مكة، أمر بها أفزيلت وحطمت، فلم يبق من يومئذ بها صنم٣. وذكر أن النبي دخل مكة "وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نُصبًا. فجعل يطعنها بعود كان بيده. ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ٤. وذكر في بعض الروايات أن رسول الله بعد أن طاف بالبيت سبعًا على راحلته دخل الكعبة فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها٥. وأنه لما طاف بالبيت وجد حولها أصنامًا مشدودة بالرصاص، فحطمت، وأعظمها "هبل" صنم قريش٦. ويتبين من الروايات الواردة عن بناء الكعبة وعن اختلاف أهل مكة وتشاحنهم وتنافسهم فيما بينهم على شرف وضع "الحجر الأسود" في مكانه أنه كان لهذا الحجر أهمية خاصة في نظرهم، وأنه كان أقدس شيء عندهم. وإلا لما اختلفوا

стр. 3985

هذا الاختلاف على وضعه، حتى ليمكن أن يقال إنه كان فوق أصنام الكعبة منزلة، بدليل عدم ورود إشارة ما إلى وقوع اختلاف بشأن إعادة صنم من تلك الأصنام إلى مواضعها. ولو كانت الأصنام أقدس منه، لكان الاختلاف على شرف وضع تلك الأصنام لا الحجر الأسود بالطبع. وهذا التقديس الزائد يحملنا على التفكير في أسبابه وفي الميزة التي ميزت هذا الحجر على الأصنام وهي في طبيعتها حجارة مثله. لقد ذهبت "ولهوزن" إلى أن قدسية البيت عند أهل الجاهلية، لم تكن بسبب الأصنام التي فيه، بل كانت بسبب هذا الحجر. لقد كان هذا الحجر مقدسًا في ذاته، وهو الذي جلب القدسية للبيت، فصار البيت نفسه مقدسًا، مقدسًا في حد ذاته، بحجره هذا الذي هو فيه، ولعله شهاب "نيزك"، أو جزء من معبود مقدس قديم١. وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن البيت لم يكن إلا بمثابة إطار للحجر الأسود الذي كان من أهم معبودات قريش، لأنه يمثل بقايا حجر قديم كان مقدسًا عند قدماء الجاهليين، غير أنه لم يكن معبود قريش الوحيد٢. ويلاحظ أن التقرب إلى الأحجار في بيوت العبادة كانت شائعة بين الجاهليين. وقد ذكر أن في "غيمان" موضع عبادة وفيه "حجر قحمم" "حجر قاحمم" "حجر قاحم"، وهو يشبه الحجر الأسود الذي كان يتقرب إليه الجاهليون في مكة. والحجر الذي كان في كعبة نجران وفي "تسلال"، وفي مواضع أخرى عديدة ذكرها "الهمداني". وقد عثر على مقابر جاهلية عديدة تبين للذين نقبوا فيها أن لها صلة بعبادة الأحجار، وأن تلك المقابر أقيمت عند موضع مقدس لوجود حجر مقدس فيه٣. وقد كان الجاهليون يلمسون الحجر الأسود للتبرك به، وهو مبني في جدار الكعبة، فيكون اللمس بالطبع للجانب البارز منه. وبين موضع "الحجر الأسود" وباب البيت يكون "الملتزم"، وفي الناحية الشمالية الغربية "الحجر" أو "الحطيم".

стр. 3986

وكانت الجاهلية تتحالف وتحلف عنده١. ويقال للجهة التي فيها الحجر الأسود "الركن". وذكر أن العرب في الجاهلية كانت تطرح بموضع الحطيم ما طاقت به من الثياب، فيبقى حتى يتحطم بطول الزمان، فسمي الموضع حطيمًا٢. وقد كانت الجاهلية تتحالف عند "الملتزم" بالأيمان، وتدعو على الظالم، وتعقد الحلف٣. وذكر "اليعقوبي" أن الجاهليين كانوا قد وضعوا "إسافًا" و"نائلة"، داخل المسجد الحرام. وضعوا كل واحد منهما على ركن من أركان البيت، فكان الطائف إذا طاف بدأ بإساف فقبله وختم به. وذكر أنهم نصبوا على الصفا صنمًا، يقال له "مجاور الريح"، وعلى المروة صنمًا يقال له "مطعم الطير"٤. وفي روايات أهل الأخبار عن تزويق الكعبة بالصور لبس وغموض: وهي روايات عديدة، يفهم من بعضها أن هذه الصور كانت بالزيت، رسمت على دعائم السقف. ويفهم من بعض آخر أنها كانت قد رسمت على أشياء متنقلة، وأنها كانت معلقة على جدران البيت. ويفهم من بعض الروايات أن الرسول أمر فطمست معالم جميع الصور، ويفهم من بعض آخر، أنه استثنى منها صورة مريم وابنها عيسى، وأنها بقيت كما ذكرت إلى أيام عبد الله بن الزبير. فلما تهدم البيت: تهدمت الصورة معه. أما رسم شجر أو صور ملائكة أو أشباه ذلك في الكعبة، فأمر لا اعتراض عليه، إذ يجوز أن يكون ذلك في معبد وثني، يضم الأصنام. ولكن ما للوثنية والأنبياء، وما شأن الشرك بمريم وبابنها وببقية الرسل حتى ترسم صورهم على جدران أو أعمدة البيت؟ ثم هل كانت الكعبة مزوقة قبل هذا التزويق بالرسوم والصور؟ وهل كانت هذه الصور من بقايا صور قديمة؟ أم هي صور حديثة رسمت بعد أن أعادت قريش بناء البيت؟ ورأيي أن هذه الصور هي من عمل عمال نصارى أراهم الروم الذين جلبهم أهل مكة مع "باقوم" بعد تحطم سفينتهم عند الساحل للاتجار معهم ولبناء الكعبة.

стр. 3987

و "باقوم" كما يقول الإخباريون هو الذي أشرف على إقامة البناء وهندسته. وهو الذي سقف البيت وأقامه على عمد. ولا أستبعد أن يكون هو الذي رسم تلك الصور وحده أو بالاستعانة بإخوانه من بني جنسه الروم. وقد كان هؤلاء نصارى، فرسموا على جدران البيت أو أعمدته صور قصص كتابي، ومنه صور الأنبياء، للزينة والزخرف. لم يجد أهل مكة فيها ما يناقض عقيدتهم في الأصنام. ومن يدري، فلعله رسم لهم ذلك على أن له صلة بعقيدتهم التي كانوا عليها، فلم يعترضوا لذلك عليه. أما طمس الإسلام لتلك الصور، فللعلماء في ذلك كلام. وقد أشير إليه في كتب الحديث، وأكثرهم على أن الرسول لم يستثن من ذلك الطمس صورة١. وفي الحرم بئر "زمزم"، وهناك مقام إبراهيم، وبين زمزم ومقام إبراهيم كان موضع الذبح، ذبح القرابين. ويرى "ولهوزن" احتمال كون موضع المقام هو المكان الذي كان الجاهليون يذبحون فيه٢. ويرجع الإخباريون تاريخ بئر "زمزم" إلى يوم بناء الكعبة وعهد إسماعيل. ويقال لها "بئر إسماعيل" أيضًا. وهي في الحرم في جهة الجنوب الشرقي من الكعبة في الجهة المقابلة للركن. ولا نعرف من أمرها شيئًا يذكر. ويظهر من روايات أهل الأخبار عنها أنها دفنت في أيام جرهم، وأن أهل مكة صاروا يستقون الماء من آبار أخرى احتفروها، ويستوردونه من الخارج إليها، حتى إذا كانت أيام عبد المطلب، ألقي في قلبه أن يحتفرها، فحفرها واستخرج منها كنزًا، وظهر الماء بها منذ ذلك اليوم٣. ولأهل الأخبار تفاسير عديدة للفظة "زمزم"، تدل على أنهم لم يكونوا على علم بأصل التسمية، مما جاء فيها أن الملك "سابور" لما حج البيت أشرف عليها وزمزم فيها، فقيل لها "زمزم"٤. وهكذا جعلوا "سابور" من المؤمنين الحجاج للبيت الحرام، المتبركين بماء زمزم!

стр. 3988

وكان حرم "الكعبة" كما يظهر من روايات أهل الأخبار واسعًا شاسعًا ذا نبت وشجر. ولم يجرؤ أحد على احتطاب شجره أو قطعه لحرمة المكان ولحرمة ما فيه، فبقيت أشجاره على ما هي عليه، حتى إذا ما كانت أيام "قصي"، ضاقت مكة بمن وفد عليها من قريش، ممن جاء بهم "قصي" إليها، وقطعها "قصي" رباعًا، وأرادوا البنيان، ولكنهم هابوا قطع شجر الحرم للبنيان، وتذكر رواية أنهم قالوا لقصي: كيف نصنع من شجر الحرم؟ فحذرهم قطعها وخوفهم من العقوبة في ذلك. فكان أحدهم يحوف بالبنيان حول الشجرة حتى تكون في منزله١. وتذكر روايات أخرى العكس. تذكر أن قريشًا هابت قطع شجر الحرم في منازلهم، فقطعها قصي بيده، وأعانوه٢. وبذلك تقلصت أرض الحرام وقلت أشجاره بالتدريج. وتذكر رواية أن أهل مكة كانوا يهابون حتى في الإسلام قطع شجر الحرم. وقطع كل شجرة دخلت من أرض الحرم في دور أهل مكة. وأن "عمر" لما قطع "دوحة" كانت في دار "أسد بن عبد العزى"، وكانت تنال أطرافها ثياب الطائفين بالكعبة، وذلك قبل أن يوسع المسجد، وداها بقرة. وتذكر أيضًا أن "عبد الله بن الزبير" حين ابتنى دورًا بـ "قعيقعان" ترخص في قطع شجر الحرم للبنيان، وجعل دية كل شجرة بقرة. وذكر أن "أبا حنيفة"، قال إن كانت الشجرة التي في الحرم مما يغرسها الناس ويستنبتونها فلا فدية على من قطع شيئًا منها، وإن كان من غيرها ففيه القيمة بالغًا ما بلغت٣. وفي الحديث أن الله حرم مكة، وحرم شجر الحرم في جملة ما حرمه على الناس٤. ويظهر أن أرض مكة كانت كلها في الأصل قبل أيام "قصي" حمى للكعبة، على عادة الجاهليين في تخصيص "حمى" لأربابهم تكون حول بيوتها، ولهذا كانت أشجار هذا الحمى أشجارًا مقدسة لا يجوز قطعها ولا احتطابها، سوى أخذ بعض أغصانها أو لحائها لعمل قلائد منها للاحتماء منها. فلما استباح أهل مكة لأنفسهم

стр. 3989

التطاول على الحرم، أي على هذا الحمى، بقطع شجره وتحويل أرضه إلى بناء، أو بإبقاء بعض أشجاره في داخل الدور، بقوا ينظرون إلى ذلك الشجر الباقي في البيوت نظرة هيبة وتقدير، باعتبار أنه من بقايا الحرم القديم. وبذلك صغرت مساحة الحرم، وقلت مساحته، حتى اضطر الخليفة "عمر" إلى توسيعه بشراء البيوت التي أقامها الناس عليه وإدخالها في الحرم من جديد، وذلك حين ضيق الناس على الكعبة وألصقوا دورهم بها، فقال: "إن الكعبة بيت الله، ولابد للبيت من فناء، وأنكم دخلتم عليها ولم تدخل عليكم"، فاشترى بعض الدور من أهلها وهدمها وبنى المسجد المحيط بها، ثم اشترى عثمان دورًا أخرى وأغلى في ثمنها١ ثم زاد في المسجد من جاء بعدهما حتى وصل إلى النحو الذي هو عليه الآن. ولم يكن للحرم في الجاهلية سور، إنما كانت تحدد معالمه وحدوده أنصاب نصبت على أطرافه. لتكون علامة على ابتدائه وانتهائه. أما ما نراه في الوقت الحاضر من وجود سور مرتفع له، أي حائط به غرف، فإنه مما حدث في الإسلام. وذكر أهل الأخبار أن الحرم قد ضرب على حدوده بالمنار القديمة التي بَيَّنَ إبراهيم مشاعرها، وكانت قريش تعرفها في الجاهلية والإسلام، لأنهم كانوا سكان الحرم، ويعلمون أن ما دون المنار إلى مكة من الحرم، وما وراءها ليس من الحرم. فما كان دون المنار، فهو حرم لا يحل صيده ولا يقطع شجره، وما كان وراء المنار، فهو من الحل يحل صيده، إذا لم يكن صائده محرمًا٢.

стр. 3990

الكسوة: وكسوة البيت عادة قديمة، كان يقوم بها الجاهليون. ينسبها الإخباريون إلى "تبع أسعد الحميري"، فيذكرون أنه كساها بالأنطاع، ثم كساها بثياب جدة من عصب اليمن، أغلى ثياب معروفة في تلك الأوقات١. ولا يستبعد أن يكون الإكساء من بقايا المنشأ القديم للبيت، حيث كان خيمة في الأصل. وقد

стр. 3991

ورد في الأخبار أنه كان في موضع البيت خيمة قبل أن تكون الكعبة١. وكذلك كان معبد بني إسرائيل خيمة في الأصل قبل أن يبنى الهيكل. ويذكرون أن التبع الذي كسا البيت، هو التبع الذي أتى به "مالك بن عجلان" إلى يثرب لطرد اليهود عنها. وذكروا أن ذلك التبع هو "أسعد أبو كرب الحميري"٢. وقد كساها الوصايل، ثياب حيرة من عصب اليمن. وكانت الكعبة تكسى بالحبرة والبرود وغيرها من عصب اليمن، تكسى بها ويوضع ما يفضل منها في خزانة الكعبة. فإذا تمزقت الكسوة، تستبدل بكسوة أخرى تؤخذ من الخزانة. تكسى من الداخل والخارج، وتطيب بالحلوق وتبخر بالمجامر٣. وقد سبق لي أن تحدثت عن "التبع أسعد"، وذكرت ما قاله رواة الأخبار عنه، وما جاء عنه في نصوص المسند. وكان قد علق في ذاكرة أهل الأخبار أشياء عنه وعن بعض من جاء بعده، زوقت ونمقت. على طريقتهم في رواية أكثر أخبار اليمن. ولعل ما ذكروه عن إكسائه البيت، هو من مصنوعاتهم التي وضعوها في الإسلام ليجعلوا لأهل اليمن فضلًا على الكعبة، فضل يسبق فضل العدنانيين عليها، وقد رأينا أنهم أوجدوا لهم جملة أنبياء نسبوهم إلى قحطان، ووضعوا أشياء أخرى كثيرة، في إظهار فضل القحطانيين على الإسماعيليين المتعربين يوم فات الحكم من قحطان وصار في أهل مكة في الإسلام. فكان النزاع القحطاني العدناني المعروف. ولو جارينا أهل الأخبار، وأخذنا بروايتهم في أن التبع "أسعد أبو كرب الحميري"، كان أول من كسا الكعبة، نكون قد رجعنا بمبدأ تاريخ إكساء الكعبة إلى نهاية القرن الرابع وأوائل القرن الخامس للميلاد. وقد سبق أن تحدثت عن هذا الملك في الجزء الثاني من هذا الكتاب٤. ويظهر من روايات أهل الأخبار أن كسوة الكعبة لم تكن كسوة واحدة، ولا من نسيج واحد، بل كانت أنطاعًا، أي أبسطة من أدم، وحبرة وبرودًا، وغيرها من عصب اليمن. وهي برود يمنية يعصب غزلها ثم يصبغ وينسج، فيأتي

стр. 3992

موشى، وقيل هي برود مخططة١. وذكر أن النبي كساها الثياب اليمانية، وأن عمر وعثمان كسواها بالقباطي٢. وذكر أن أول من كسا البيت الحرير "نتيلة بنت جناب بن كليب" وهي من "بني عامر" المعروف بالضحيان، وكان من ملوك ربيعة. وكان العباس بن عبد المطلب ابنها، قد ضاع وهو صغير، فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو البيت الحرير، فكسته، فهي أول من كساه ذلك٣. وقيل أول من كسا البيت الديباج خالد بن جعفر بن كلاب. أخذ لطيمة من البر وأخذ فيها أنماطًا فعلقها على الكعبة٤. وروي أنهم كانوا يكسون الكعبة يوم "عاشوراء"، وذكر أن "بني هاشم" كانوا يكسونها يوم التروية بالديباج، لتظهر في أحسن حال، ويراها الناس على ذلك. أما إذا حل يوم عاشوراء، فأنهم يعلقون الأزار عليها. وورد أنهم كانوا يكسون الكعبة بالديباج يوم التروية، فيعلق عليها القميص ولا يخاط، حتى إذا ما انصرف الناس من "منى" خيط وترك الإزار، ثم تكسي بالقباطي يوم عاشوراء، ويعلق عليها الإزار، ويوصل الديباج٥. ولا نستبعد احتمال كون يوم "عاشوراء" من الأيام التي كانت لها حرمة وقدسية عند أهل الجاهلية، وإن كنا نجهل كل شيء عنه وعن سبب احتفال أهل مكة به، وصومهم فيه. وقد ذهب بعض المستشرقين إلى احتمال تأثر قريش بعاشوراء اليهود، كأن يكون أحد سادة مكة قد أخذ ذلك اليوم عنهم فعظمه، فأخذه أهل مكة عنه وجعلوه سنة لهم. غير أن من الجائز ألا يكون لهذا اليوم صلة بعاشوراء اليهود، وإنما كان من تقاليد أهل مكة القديمة المعروفة عند غيرهم أيضًا، ولا صلة له بيود يهود٦. ويظهر أنهم كانوا يضعون الأكسية الجديدة فوق الأكسية القديمة، فلا يرفعونها

стр. 3993

عنها، فكانت تتراكم بعضها فوق بعض، فلما جاء الإسلام، استمروا على ذلك أمدًا، ثم رأى "شيبة بن عثمان" سادن البيت، تجريدها من أكسية الجاهلية، لأنها رجس من عمل الجاهليين فأزيلت. ثم رأى الخليفة المهدي، أن الأكسية قد اثقلت الكعبة، فأمر بتجريدها، تخفيفًا عنها، واكتفى بثلاث كسي من القباطي والخز والديباج١. وذكر أهل الأخبار أن أول من حلل البيت "عبد المطلب"، جد النبي، لما حفر "بئر زمزم"، وأصاب فيه من دفن جرهم غزالين من ذهب، فضربهما في باب الكعبة٢.

стр. 3994

المال الحلال: وقد تجنب أهل الجاهلية بناء معابدهم بمال حرام، فلما أرادت قريش بنيان الكعبة نادى مناديهم: لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبًا. لا تدخلوا فيه مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس١. هذا ما يذكره أهل الأخبار ويروونه عن بناء البيت الحرام.

стр. 3995

بقية محجات العرب: ومن محجات العرب وبيوتها المعظمة: بيت عرف بـ "بس" لغطفان، كانت تعبده. بناه "ظالم بن أسعد بن ربيعة بن مالك بن مرة بن عوف"، لما رأى قريشًا يطوفون بالكعبة ويسعون بين الصفا والمروة، فذرع البيت، وأخذ حجرًا من الصفا وحجرًا من المروة، فرجع إلى قومه، فبنى بيتًا على قدر البيت ووضع الحجرين، فقال: هذان الصفا والمروة فاجتزئوا به عن الحج، فأغار "زهير بن جناب الكلبي"، فقتل ظالمًا وهدم بناءه. وورد في رواية أخرى أن "العزى" سمرة عبدتها غطفان. أول من اتخذها "ظالم بن أسعد"، فوق ذات
следующие страницы →