← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

وجوههم دفعوا من مزدلفة، وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير١. ومن مناسك الحج الطواف بالصفا والمروة، وعليها صنمان: إساف ونائلة: وكان الجاهليون يمسحونهما٢. وكان طوافهم بهما قدر طوافهم بالبيت، أي سبعة أشواط. تقوم بذلك قريش، أما غيرهم فلا يطوفون بهما، وذلك على أغلب الروايات. ويظهر أن الصفا والمروة من المواضع التي كان لها أثر خطير في عبادة أهل مكة. ففي حج أهل مكة طوافان: طواف بالبيت، وطواف بالصفا والمروة. وبين الصفا والمروة يكون "السعي" في الإسلام، ولذلك يقال للمسافة بين المكانين "المسعى" وكان إساف بالصفا، وأما نائلة فكان بالمروة٣. ولا بد أن يكون لاقتران الاسمين دائمًا سبب، و"المسعى" هو الرابط المقدس بين هذين الموضعين المقدسين عند الجاهليين. وكان أهل مكة يتبركون بلمس الحجر الأسود، ثم يسعون بين الصفا والمروة ويطوفون بإساف أولًا ويلمسونه، كل شوط من الطواف ثم ينتهون بنائلة ويلبون لهما. وكانت تلبيتهم لهما: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك"٤. وذكر أن "الأنصار"، لما قدموا مع النبي في الحج، كرهوا الطواف بين الصفا والمروة لأنهما كانا من مشاعر قريش في الجاهلية، وأرادوا تركه في الإسلام. وذكر أن قومًا من المسلمين قالوا: يا رسول الله لا نطوف بين الصفا والمروة، فإنه شرك كنا نصنعه في الجاهلية. فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بين الصفا والمروة مسحوا الوثنيين، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام، كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ٥. ويتبين من غربلة الأخبار أن الذين كانوا يطوفون بالصنمين المذكورين ويسعون بينهما. هم من عباد الصنمين وهم قريش

стр. 3922

خاصة، وليس كل من كان يحج إلى مكة من الغرب، ولذلك كرهوا الطواف في الإسلام بالصفا والمروة. وقد استبدل الإسلام بالطواف السعي؛ لهدم الصنمين اللذين كان الناس يطوفون حولهما واكتفى بالسعي بين الموضعين. وذكر بعض العلماء أن العرب عامة كانوا لا يرون الصفا والمروة من الشعائر ولا يطوفون بينهما فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ١، أي لا تستحلون ترك ذلك٢. وذكر أن الأنصار كانوا يهلون لمناة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام قالوا: يا نبي الله إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما، فأنزل الله الآية المذكورة. وكان أهل "تهامة" ممن لا يطوفون أيضًا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام ونزل الأمر بالطواف بالبيت، ولم ينزل بالطواف بين الصفا والمروة، قيل للنبي: إنا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة وإن الله قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة فهل علينا من جناح أن لا نطوف بهما. فنزل الوحي: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ، فصار الطواف بين الصفا والمروة لجميع الحجاج، لا كما كان في عهد الجاهلية. من اقتصاره على قريش وبعض العرب المتأثرين بهم. فكانوا يطوفون بهما ويمسحون بالوثنين إساف ونائلة، فلما جاء الإسلام تحرج بعض الناس وفيهم قوم من قريش من الطواف بينهما لأنهما من شعائر الجاهلية، فنزل الأمر به٣. وذكر أهل الأخبار أن السعي بين الصفا والمروة. شعار قديم من عهد هاجر أم إسماعيل. وأما رمل الطواف، فهو الذي أمر به النبي، أصحابه في عمرة القضاء ليُري المشركين قوتهم، حيث قالوا: وهنتهم حمى يثرب٤.

стр. 3923

وورد في خبر عن "عائشة" أنها قالت: "إن الأنصار كانوا يلهون في الجاهلية لصنمين على شط البحر، يقال لهما: "إساف ونائلة، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة ثم يحلقون، فلما جاء الإسلام، كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية، فأنزل الله عزل وجل: إن الصفا والمروة من شعائر الله إلى آخرها. قالت فطافوا". وهو خبر يناقض أخبارًا أخرى يتصل سندها بـ"عائشة"، تجمع على أنها قالت: إن الأنصار أو الأنصار وغسان كانوا قبل أن يسلموا يصلون لمناة، فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سُنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة١، ولم أجد في خبر آخر شيئًا يفيد أن إسافًا ونائلة كانا على ساحل البحر. و"السعي" في الإسلام سبعة أشواط، تبدأ بالصفا، وتختتم بالمروة. وعندما يصل الحاج حد "السعي" يسعى ويهرول، فإذا جاز الحد مشى. وكان الجاهليون يبدأون بـ"الصفا" وينتهون بـ"المروة" كذلك٢. ومن مناسك حج أهل الجاهلية الوقوف بـ"عرفة"، ويكون ذلك في التاسع من ذي الحجة ويسمى "يوم عرفة" ومن "عرفة" تكون "الإجازة" للإفاضة إلى "المزدلفة"، ومن "المزدلفة" إلى "منى". وقد كان الجاهليون من غير قريش يفيضون في عرفة عند غروب الشمس، وأما في المزدلفة فعند شروقها. وكان الذي يتولى الإجازة رجلًا من تميم يقال له "صوفة"، ثم انتقلت إلى "صفوان" من تميم كذلك٣. ولم يكن "الحمس" يحضرون عرفة، وإنما يقفون بالمزدلفة، وكان سائر الناس يقف بعرفة. ولما رأى أحد الصحابة رسول الله واقفًا بعرفة عجب من شأنه وأنكر منه ما رأى لأنه من الحمس، وما كان يظن أنه يخالف قومه في ذلك، فيساوي نفسه بسائر الناس، فأنزل الله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥،

стр. 3924

فشمل ذلك الحمس وغيرهم. فأخذوا يقفون كلهم موقف عرفة، ووضع عن قريش ما فعلوه من تمييز أنفسهم عن الناس١. وورد في روايات أخرى، أن قريشًا وكل حليف لهم وبني أخت لهم، لا يفيضون من عرفات، إنما يفيضون من المغمس، وورد أن قريشًا وكل ابن أخت وحليف لهم، لا يفيضون مع الناس من عرفات، يقفون في الحرم ولا يخرجون منه. يقولون: إنما نحن أهل حرم الله، فلا نخرج من حرمه، وأنهم قالوا "نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت، وقاطنوا مكة وساكنوها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا، ولا مثل منزلنا، ولا تعرف له العرب مثل ما نعرف لنا، فلا تعظموا شيئًا من الحل، كما تعظمون الحرم. فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم، وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها"٢. وذكر أن قريشًا ومن دان بدينها تفيض من "جمع" من المشعر الحرام٣" و"جمع" المزدلفة٤. و"عرفة" أو "عرفات" موضع على مسافة غير بعيدة عن مكة٥. لا بد وأن يكون من المواضع التي كان يقدسها أهل الجاهلية، وأن يكون له ارتباط بصنم من الأصنام، وإلا لما صار جزءًا من أجزاء مناسك الحج وشعائره عند الجاهليين. ويقف الحجاج موقف عرفة من الظهر إلى وقت الغروب. وقد يكون لموقف الجاهليين في عرفة وقت الغروب علاقة بعبادة الشمس. فإذا غربت الشمس اتجه الحجاج إلى "المزدلفة".

стр. 3925

الإفاضة: ومن "عرفة" تكون الإفاضة إلى "المزدلفة". و"المزدلفة"، موضع يكاد يكون على منتصف الطريق بين عرفة و"منى". وفيه يمضي الحجاج ليلتهم، ليلة العاشر من "ذي الحجة". ومنه تكون الإفاضة عند الشروق إلى "منى". وقد نعت بـ"المشعر الحرام" في القرآن الكريم١. ويذكر أهل الأخبار أن "قصي بن كلاب"، كان قد أوقد نارًا على "المزدلفة" حتى يراها من دفع من عرفة، وأن العرب سارت على سنته هذه، وبقيت توقدها حتى في الإسلام٢. ولا بد وأن يكون من المواضع الجاهلية المقدسة كذلك، التي كان لها صلة بالأصنام. وقد ذكر علماء اللغة اسم جبل بالمزدلفة دعوه "قزحًا". قالوا إنه "هو القرن الذي يقف عنده الإمام"٣، وذكروا أن "قزح" اسم شيطان٤. ونحن نعرف اسم صنم يقال له "قزاح"، قد تكون له صلة بهذا الموضع. ويفيض الحجاج في الجاهلية عند طلوع شمس اليوم العاشر من ذي الحجة من "المزدلفة" إلى "منى"؛ لرمي الجمرات ولنحر الأضحي. و"منى" موضع لا يبعد كثيرًا عن مكة. ولعلماء اللغة آراء في سبب التسمية، من جملتها أنها عرفت بذلك لما يمنى بها من الدماء٥. وذكر بعض أهل الأخبار أن "عمرو بن لحي" نصب بمنى سبعة أصنام، نصب على "القرين" القرن الذي بين مسجد منى والجمرة الأولى صنمًا، ونصب على الجمرة الأولى صنمًا، وعلى الجمرة الوسطى صنمًا، وعلى شفير الوادي صنمًا٦. ولا بد أن يكون لهذا الموضع صلة بالأصنام، نظرًا لما له من علاقة متينة بمناسك الحج. وقد يكون لرمي الجمرات ولنحر الذبائح صلة بتلك الأصنام.

стр. 3926

وقد ذكر العلماء "أن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير"١. وأن النبي خالفهم، فأفاض حين أسفر قبل طلوع الشمس"٢. وفي فعل المشركين ذلك، ووقوفهم انتظارًا للإفاضة عند طلوع الشمس، دلالة على عبادة الشمس عندهم، ولهذا غيَّر الرسول هذا الوقت. و"رمي الجمرات" بمنى من مناسك الحج وشعائره. وهو من شعائر الحج كذلك المعروفة في المحجات الأخرى من جزيرة العرب. كما كان معروفًا عند غير العرب أيضًا. وقد أشير إليه في التوراة٣. وهو معروف عند "بني إرم"٤. وكلمة "رجم" من الكلمات السامية القديمة. وقد وردت في حديث "عبد الله بن "مغفل": لا ترجموا قبري، أي لا تجعلوا عليه الرجم، وهي الحجارة، على طريقة أهل الجاهلية، ولا تجعلوه مسنمًا مرتفعًا٥. وقد فعله أهل الجاهلية على سبيل التقدير والتعظيم. فكان أحدهم إذا مر بقبر، وأراد تقدير صاحبه وتعظيمه وضع رجمة أو رجامًا عليه. "والجمرات"، أي مواضع "رمي الجمرات" عديدة عند الجاهليين، يطاف حولها، ويحج إليها٦ منها مواضع أصنام، وأماكن مقدسة، ومنها قبور أجداد. وقد ورد قسم بها في بيت ينسب إلى شاعر جاهلي٧. وتُرمى الجمرات على مكان عرف بـ"جمرة العقبة" وبـ"الجمار" وبـ"موضع الجمار" وهو بـ"منى"، وتتجمع وتتكوم عنده الحصى. وهي جمرات ثلاث: الجمرة

стр. 3927

الأولى، والجمرة الوسطى، وجمرة العقبة١. ويرجع أهل الأخبار مبدأ رمي الجمرات إلى "عمرو بن لحي" يذكرون أنه جاء بسبعة أصنام فنصبها بـ"منى"، عند مواضع الحجرات، وعلى شفير الوادي، ومواضع أخرى، وقسم عليها حصى الجمار، إحدى وعشرين حصاة، يُرمى كل منها بثلاث جمرات، ويقال للوثن حين يُرمى: أنت أكبر من فلان الصنم الذي يُرمى قبله٢. وكان إفاضة الجاهليين على هذا النحو: كان أمر الإفاضة بيد رجل من أسرة تناوبت هذا العمل أبًا عن جد. وقد اشتهر منهم رجل عرف بـ"عميلة بن خالد العدواني"، واشتهر بين الناس بـ"أبي سيارة". كان يجيز الناس من المزدلفة إلى منى أربعين سنة. يركب حمارًا أسود، وينظر إلى أعالي جبل "ثبير"، فإذا شاهد عليها أشعة الشمس الأولى نادى: أشرق ثبير، كيما نغير! ثم يجيز لهم بالإفاضة وفيه يقول الشاعر: خلوا الطريق عن أبي سيَّاره ... وعن مواليه بني فزاره حتى يجيز سالمًا حماره ... مستقبل القبلة يدعو جاره فقد أجار الله من أجاره٣. وضرب به المثل، فقيل: أصح من عير أبي سيَّارة٤. وذكر "الجاحظ" أن اسم "أبي سيارة" "عميلة بن أعزل"، دفع بأهل الموسم أربعين عامًا، ولم يكن عيره عيرًا وإنما كان أتانًا، ولا يعرفون حمارًا وحشيًّا عاش وعَمَّر أطول من عير "أبي سيارة"٥.

стр. 3928

وورد أن الذين كان لهم أمر الإجازة بالحجاج، وهي الإفاضة، هم "صوفة". وهم حي من مضر من نسل "الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر"، وقد سموا "صوفة" و"آل صوفة"؛ لأن "الغوث" أبوهم جعلت أمه في رأسه صوفة وجعلته ربيطًا للكعبة يخدمها. وكانوا يخدمون الكعبة ويجيزون الحاج، أي يفيضون بهم، فيكونون أول من يدفع. وكان أحدهم يقوم فيقول: أجيزي صوفة، فإذا أجازت، قال: أجيزي خندف، فإذا أجازت أذن للناس كلهم في الإجازة. وكانت الإجازة بالحج إليهم في الجاهلية. وكانت العرب إذا حجت وحضرت عرفة لا تدفع منها حتى تدفع بها صوفة، وكذلك لا ينفرون من "منى" حتى تنفر "صوفة"، فإذا أبطأت بهم، قالوا: أجيزي صوفة. وورد أن "صوفة" قوم من "بني سعد بن زيد مناة" من تميم١. ويفهم من رواية أن كلمة "صوفة" لم تكن اسم علم، وإنما هي لفظة أطلقت على من كان يتولى البيت أو قام بشيء من خدمته، أو بشيء من أمر المناسك٢. فهم من رجال الدين، تخصصوا بالإجازة بالناس في مواسم الحج. ولعلهم كانوا يضعون على رأسهم صوفة على هيئة عمامة أو عصابة، أو عطر؛ لتكون علامة على أنهم من أهل بيت دين وشرف. فعرفوا بـ"صوفة" وبـ"آل صوفة"، وبـ"صوفان". وفي ذلك قال: مرة بن خليف الفهمي"، وهو شاعر جاهلي قديم: إذا ما أجازت صوفة النقب من منى ... ولاح قتار فوقه سفع الدم٣ و"يظهر" من الروايات الواردة عن "ثبير" أنه كان من المواضع المقدسة عند الجاهليين، أو أن على قمته صنمًا أو بيتًا كانوا يصعدون إليه لزيارته وللتبرك به٤. ومن الشعائر المتعلقة بمنى نحر الذبائح، وهي الأضحية في الإسلام و"العتائر".

стр. 3929

في الجاهلية. ولذلك عرف هذا العيد: عيد الحج بـ"عيد الأضحى". وعرف اليوم الذي تضحى به الأضحية بـ"يوم النحر" وبـ"الأضحى" وبـ"يوم الأضحى". وكانوا ينحرونها على الأنصاب وعلى مقربة من الأصنام، فتوزع على الحاضرين ليأكلوها جماعة أو تعطى للأفراد. وقد تترك لكواسر الجو وضواري البر فلا "يصد عنها إنسان ولا سبع"١. وتبلغ ذروة الحج عند تقديم العتائر؛ لأنها أسمى مظاهر العبادة في الأديان القديمة. وكان الجاهليون يقلدون هديهم بقلادة، أو بنعلين، يعلقان على رقبتي الهدي، أشعارًا للناس بأن الحيوان هو هدي، فلا يجوز الاعتداء عليه، كما كانوا يشعرونه. والإشعار الإعلام. وهو أن يشق جلد البدنة أو يطعن في أسنمها في أحد الجانبين بمبضع أو نحوه، وقيل في سنامها الأيمن حتى يظهر الدم ويعرف أنها هدي والشعيرة البدنة المهداة٢. وكان بعض أهل الجاهلية، يسلخون جلود الهدي؛ ليأخذوها معهم. ويتفق هذا مع لفظة "تشريق" التي تعني تقديم اللحم. ومنه سميت أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر؛ لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي تشرر في الشمس٣. وقيل سمي التشريق تشريقًا؛ لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس٤. ويظهر أن الجاهليين كانوا ينحرون قبيل شروق الشمس وعند شروقها. بدليل ما ورد في الحديث من النهي عن ذلك. ومن حديث: "من ذبح قبل التشريق فليعد". أي قبل أن يصلي صلاة العيد. وهو من شروق الشمس وإشراقها لأن ذلك من وقتها٥. ولا يحل للحجاج في الجاهلية حلق شعورهم أو تقصيرها طيلة حجهم، وإلا بطل حجهم. ويلاحظ أن غير العرب من الساميين كانوا لا يسمحون بقص الشعر في مثل هذه المناسبات الدينية أيضًا، لما للشعر من أهمية خاصة في الطقوس.

стр. 3930

الدينية عندهم، ولا سيما اللحية لما لها من علاقة بالدين. ولهذا نجد رجال الدين والزهاد والأتقياء الورعين يحافظون عليها ويعتبرونها مظهرًا من مظاهر التدين١. وقد كانت القبائل لا تحلق شعورها في مواسم حجتها إلا عند أصنامها، فكان الأوس إذا حجوا وقفوا مع الناس المواقف كلها ولا يحلقون رءوسهم، فإذا نفروا أتوا صنمهم مناة فحلقوا رءوسهم عنده، وأقاموا لا يرون لحجهم تمامًا إلا بذلك٢. وكانت قضاعة ولحم وجذام تحج للأقيصر وتحلق عنده٣. وكان من عادة بعض القبائل، مثل بعض قبائل اليمن، إلقاء قرة من دقيق مع الشعر٤. وذلك أن أهل اليمن كانوا إذا حلقوا رءوسهم بمنى وضع كل رجل على رأسه قبضة دقيق، فإذا حلقوا رءوسهم سقط الشعر مع ذلك الدقيق، ويجعلون ذلك الدقيق صدقة، فكان ناس من أسد وقيس يأخذون ذلك الشعر بدقيقه، فيرمون بالشعر وينتفعون بالدقيق. وفي ذلك يقول معاوية بن أبي معاوية الجرمي: ألم تر جرمًا أنجدت وأبوكم ... مع الشعر في قص الملبد شارع إذا قرة جاءت تقول أصب بها ... سوى القمل إني من هوازن ضارع٥ وكان من يقصد العزى يذبح عند شجرة هناك ثم يدعون، وكان من يقصد مناة يهدي لها كما كان غيرهم يهدي للكعبة ويطوفون بها ثم ينحرون عندها، وكان عبدة ذي الخلصة في أسفل مكة يذبحون عنده كذلك٦. وكذلك كانت بقية القبائل تطوف في أعيادها حول أصنامها، وتهدي إليها، ثم تنحر عندها عند إكمالها هذه الشعائر دلالة على إكمالها شعائر الحج إلى هذه المواضع وانتهائها منها على أحسن وجه. وتميز الحيوانات التي يهيئها أصحابها أو مشتروها للذبح في الحج بعلامات، بأن توضع عليها قلائد تجعلها معروفة، أو أن يحدث لها جرح ليسيل منه الدم ليكون ذلك علامة أنها هدي، ويقال لذلك إشعار، ومنه إشعار البدن، وهو أن يشق.

стр. 3931

أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل منه الدم ليكون ذلك علامة الهدي١. وقد كان من أهل مكة من يتخذ من لحاء شجر الحرم قلادة يضعها في عنق البدن؛ لتكون دلالة على أنها هدي، فلا يعترضها أحد. ويجوز للحجاج مغادرة "منى" في اليوم العاشر من ذي الحجة، أي في اليوم الأول من العيد، ففي هذا اليوم يكمل الحجاج حجهم، ولكن منهم من يمكث في هذا الموضع حتى اليوم الثالث عشر، وذلك ابتهاجًا بأيام العيد، ومشاركة لإخوانه فيه. ويقال لذلك "التشريق". وأيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر٣. وكان أهل الجاهلية إذا قضوا مناسكهم وفرغوا من الحج، وذبحوا نسائكهم يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم، فيقول بعضهم لبعض: كان أبي يطعم الطعام، ويقول بعضهم: كان أبي يضرب بالسيف، ويقول بعضهم: كان أبي جز نواصي بني فلان. يقولون ذلك عند "الجمرة"، أو عند البيت، فيخطب خطيبهم ويحدث محدثهم. أو أنهم كانوا إذا قضوا مناسكهم وأقاموا بمنى قعدوا حلقًا، فذكروا صنيع آبائهم في الجاهلية وفعالهم به، يقوم الرجل، فيقول: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة عظيم القبة كثير المال، وما شاكل ذلك، فنزل الوحي: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ ٤. وكانوا إذا خرج أحدهم من بيته يريد الحج، تقلد قلادة من لحاء السمر؛ دلالة على ذهابهم إلى الحج، فيأمن حتى يأتي أهله. وذكر أنه كان يقلد نفسه وناقته، فإذا أراد العودة عادوا مقلدين بلحاء السمر. وروي أنهم إذا أرادوا الحج مقبلين إلى مكة يتقلدون من لحاء السمر، وإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين منها، تقلدوا قلادة شعر فلا يعرض لهم أحد بسوء. بقي ذلك شأنهم حتى نزل الأمر بمنع دخول المشركين مكة وبوجوب قتلهم حيث وجدوا٥.

стр. 3932

التجارة في الحج: قال علماء التفسير: كان متجر الناس في الجاهلية: عكاظ وذو المجاز، فكانوا إذا أحرموا لم يتبايعوا حتى يقضوا حجهم. ويقولون أيام الحج أيام ذكر. وقالوا: "كان هذا الحي من العرب لا يعرجون على كسير ولا ضالة ليلة النفر. وكانوا يسمونها ليلة الصدر، ولا يطلبون فيها تجارة ولا بيعًا". وقالوا: "كان بعض الحاج يسمون الداج. فكانوا ينزلون في الشق الأيسر من منى وكان الحاج ينزلون عند مسجد منى، فكانوا لا يتجرون حتى نزلت ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم. هي التجارة. قال: اتجروا في الموسم"١. والصدر الإفاضة. ومنه طواف الصدر. وهو طواف الإفاضة٢. والداج: الأجراء والمكارون والأعوان ونحوهم الذين مع الحاج٣. وذكر أن قومًا جاءوا إلى "عبد الله بن عمر"، فقالوا: "إنا قوم نكرى، فيزعمون أنه ليس لنا حج. قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون؟ " قالوا بلى. قال فأنتم حاج٤. ومن يكري لخدمة الحاج، فهو من الداج.

стр. 3933

العمرة: و"العمرة" هي بمثابة "الحج الأصغر"، في الإسلام، وكان أهل الجاهلية يقومون بأدائها في شهر "رجب". وللعمرة في الإسلام شعائر ومناسك، وتكون بالطواف بالبيت وبالسعي بين الصفا والمروة. ولا بد أن يكون لها عند الجاهليين شعائر ومناسك. وهي في الإسلام فردية اختيارية، وهي تختلف بذلك عن الحج الذي هو فرض عين على كل مسلم مستطيع، وجماعي، أي أن المشتركين فيه يؤدونه جماعة١ أما بالنسبة إلى الجاهليين، فيظهر من ذكر العمرة في القرآن.

стр. 3934

الكريم أنهم كانوا يؤدونها كما كانوا يؤدون الحج، ولوقوعها في شهر رجب، وهو شهر كان الجاهليون يذبحون العتائر فيه، لعلنا لا نخطئ إذا قلنا إنهم كانوا يذبحون ذبائحهم في العمرة، حينما يأتون أصنامهم فيطوفون حولها، أما في الإسلام، فالعمرة دون الحج. وإذا كانت في شهر رجب في الجاهلية، كانت حجًّا خاصًّا مستقلًّا عن الحج الآخر الذي يقع في شهر ذي الحجة. حرص الجاهليون على ألا يوافق موعدها موعد مواسم الحج، لما كان لها من أهمية عظيمة عندهم قد تزيد على الطواف المألوف في شهر الحج١. وورد أن أهل الجاهلية كانوا يرون أن العمرة من أشهر الحج: شوال وذي القعدة وتسع من الحجة وليلة النحر، أو عشر أو ذي الحجة من الفجور في الأرض، أي من الذنوب٢، ولكن بعضًا آخر كان يعتمر في كل شهر، ولا سيما في رجب، حيث كانوا يحلقون رءوسهم ويجيئون إلى محجاتهم للعمرة. وورد أن أهل الجاهلية "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أكبر الكبائر. ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر"٣. وذكر أن الأشهر الحرم ثلاثة سردًا وواحدًا فردًا، وهو رجب. أما الثلاثة، فليأمن من الحجاج واردين إلى مكة وصادرين عنها، شهرًا قبل شهر الحج، وشهرًا بعده، قدر ما يصل الراكب من أقصى بلاد العرب، ثم يرجع وأما رجب، فللعمَّار يأمنون فيه مقبلين وراجعين نصف الشهر للإقبال ونصفه للإياب؛ إذ لا تكون العمرة من أقاصي بلاد العرب كما يكون الحج. وأقصى منازل المعتمرين بين مسيرة خمسة عشر يومًا٤. ويلبس المعتمر "الإحرام" أيضًا. وقد كان الجاهليون يكتفون في عمرتهم بالطواف بالبيت، أما "السعي" بين الصفا والمروة، فأغلب الظن أن العرب لم يكونوا يقومون به. بدليل ما ورد في القرآن الكريم من قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا

стр. 3935

وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ١. ففي هذا النص دلالة على أن الجاهليين من غير قريش لم يكونوا يدخلون السعي بينهما في شعائر الحج أو العمرة، وأن الله أمر بإدخاله فيهما. أما موقف الجاهليين بالنسبة لطواف العمرة، فهو نفس موقفهم بالنسبة للطواف بالبيت في أثناء الحج، والفرق بين الحج والعمرة، أن الحج هو الإحرام ثم الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وقضاء مناسك عرفة والمزدلفة والوقوف بالمواضع التي أمر بالوقوف بها، بينما العمرة الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة٢، فلا يكون موقف عرفة من العمرة، وكان الجاهليون يحلقون رءوسهم للعمرة، ويكون حلق الرأس علامة لها. فإذا وجدوا رجلًا وقد حلق رأسه علموا أنه من "العمار"، فلا يمسونه بسوء، إلا إذا مس أحدًا بسوءٍ احترامًا للعمرة ولشعائر الدين٣. والفرق بين العمرة والحج في الإسلام، أن العمرة تكون للإنسان في السنة كلها، والحج في وقت واحد في السنة. وتمام العمرة أن يُطاف بالبيت، ويُسعى بين الصفا والمروة، والحج لا يكون إلا مع الوقوف بعرفة يوم عرفة وإجراء بقية المناسك٤. وتقبيل الأحجار والأصنام واستلامها في أثناء الطواف أو في غير الطواف من الشعائر الدينية عند الجاهليين. كان في روعهم أن هذا التقبيل مما يقربهم إلى الآلهة، ويوصلهم إليها، فتقربوا إليها ونصبوها في مواضع ظاهرة، ومسحوا أجسامهم بها تبركًا وكلمة "تمسح" من الكلمات التي لها معانٍ عند الجاهليين، وكذلك كلمة "استلم" و"استلام" عند أهل مكة خاصة حيث استعملت بالنسبة للحجر الأسود. وطريقتهم أن يمر الإنسان يده على الحجر المقدس أو أن يمسه بها إن صعب استلامه كله. وقد يعوض عن ذلك بعصا يمدها الإنسان إلى الحجر حتى

стр. 3936

تلمسه، وإذا تعذر الوصول إليه بسبب ما، فيجوز أن يفعل ذلك راكبًا على جمل١. ومن هذا القبيل أيضًا طرق مطارق أبواب البيوت المقدسة طرقات خفيفة، وإمرار بعض الأشياء مثل الملابس على الأصنام والصخور والمواضع المقدسة لاكتساب البركة، والتمسح بجدران البيت او استلام أركانه أو التعلق بأطراف الكسوة. وتلطيخ الأحجار بدماء الضحية التي تقدم للأوثان وذلك بصب الدماء عليها، أو بتلطيخها وتلويثها كلها أو جزء منها بدم الضحية، توكيدًا بإراقة دم الضحية في نفس من ضحيت الضحية من أجله٢. وقيل إن من شعائر الجاهليين في الحج أن الرجل منهم كان إذا أحرم، تقلد قلادة من شعر، فلا يتعرض له أحد. فإذا حج وقضى حجه، تقلد قلادة من "إذخر"، والإذخر نبات زكي الرائحة، وأن الرجل منهم يقلد بعيره أو نفسه قلادة من لحاء شجر الحرم، فلا يخاف من أحد، ولا يتعرض له أحد بسوء٣. وتذكرنا هذه العادة بما يلبسه بعض الحجاج عند إتمامهم حجهم وعودتهم إلى بلادهم من لباس "كوفية" خاصة بأهل مكة ومن عقال حجازي وذلك بالنسبة للرجال، وخمار أبيض بالنسبة للنساء، وذلك طيلة الأيام السبعة الأولى من احتفالهم بالعودة من الحج. ولم يكن الجاهليون القريبون من مكة أو البعيدون عنها يقصدونها في حج "عرفة" وعمرة "رجب" حسب، بل كانوا يقصدونها في أوقات مختلفة وفي المناسبات، للطواف حول الأصنام، واستلام الحجر الأسود، والتقرب إلى الآلهة المحلية. وقد ساعد ذكاء سادة قريش الذي تجلى في جمعهم أكثر ما أمكنهم جمعه من أصنام القبائل في "البيت الحرام"، على اجتذاب القبائل إليها، وبذلك نشطوا في استغلال مواسم الحج والعمرة بالاستفادة من القادمين بالاتجار معهم، وببيع ما

стр. 3937

يحتاجون إليه من طعام وزاد، فحصلوا على مال، حسدهم عليه الآخرون. فكان الفضل في ذلك للبيت. وإلى ذلك أشير في القرآن، في سورة "قريش": ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ١. هذا ما عرفناه عن شعائر الحج إلى مكة وعن مناسكه في الجاهلية المتصلة بالإسلام. أما عن الحج إلى البيوت الأخرى وعن شعائره ومناسكه، فلا نكاد نعرف من أمرها شيئًا يذكر. ولكننا نستطيع أن نقول إن من أهم أركان الحج عند جميع الجاهليين، وجوب مراعاة النظافة، نظافة الجسم ونظافة الثياب. ولذلك، كانوا إذا حجوا لبسوا ملابس خاصة بالحج هي "الإحرام" أو ملابس جديدة، أو ملابس مستعملة نظيفة مغسولة، وذلك لحرمة هذه المواضع وقدسيتها، فلا يجوز دخولها بملابس وسخة دنسة، وإذا كانوا يلبسون أحسن ما عندهم عند ذهابهم إلى مقابلة عظيم أو سيد قبيلة أو رجل محترم؛ احترامًا له وإجلالًا لشأنه، أفلا يجب إذن لبس خير ما عند الإنسان من ثياب لدخول بيوت الآلهة، ولا سيما في مواسم الحج؟. وكان منهم من يوجب على نفسه الغسل وتنظيف جسده حين دخوله المعبد أو اعتزامه الحج. وتقبيل الأصنام والأحجار واستلامها في أثناء الطواف والتمسح لها من الشعائر الدينية اللازمة في الحج وفي غير مواسم الحج عند الزيارات. كان في روعهم أن هذا التقبيل مما يقربهم إلى الآلهة، ويوصلهم إليها، فتجعلها ترضى عنهم وتشفيهم مما هم فيه من سقم وأمراض، فتقربوا إليها ومسحوا أجسامهم بها تبركًا وتقربًا. و"التمسح" بالصنم أو الحجر المقدس، التبرك به لفضله وعبادته، كأنه يتقرب إلى الآلهة بالدنو منه ولمسه٢. وقد كان رجال الدين يمسحون بأيديهم أجسام المرضى وثيابهم؛ لإزالة السوء عنهم. وقد ذكر أهل الأخبار أن الجاهليين كانوا يتمسحون بأصنامهم، ويمسحون ظهورهم بها؛ لاعتقادهم أنها تشفيهم من كل ألم وسوء. واستلام الصنم أو الحج المقدس، هو نوع من أنواع التقدير والتعظيم والتقرب. ويراد بذلك تقبيل الحجر ولمسه وتناوله باليد ومسحه بالكف. وإذا صعب الوصول

стр. 3938

إليه لشدة الازدحام، فقد يمد أحدهم قصبة أو عودًا أو عصًا إليه لمسه، فيكون لمس هذه الأشياء له، كأنه لمس حقيقي، يجلب لصاحبه ما تمناه وطلبه ورجاه من ذلك الصنم أو الحجر١. وقد أشار بعض "الكلاسيكيين" إلى وجود غابة من النخيل في ركن من البحر الأحمر، كان يؤمها النبط للتبرك بها؛ إذ كانت في نظرهم أرضًا مقدسة، عليها معبد من الحجر عليه كتابة، وصفوها بأنها كتابة لا يستطيع اليوناني قراءتها، وبه كهَّان وكاهنات يقضون عمرهم في خدمة ذلك المعبد، قالوا: وفي كل خمس سنين يحج الناس إليه، ويتجمعون عنده، ويحضر معهم من في جوار المعبد من ناس، فيذبحون، ويتقربون إلى آلهتهم. فإذا عادوا أخذوا معهم ماء من ذلك المكان؛ للتبرك به، لاعتقادهم أنه يمنحهم الصحة والعافية. وذكر بعض آخر أن الحج إلى هذا البيت كان مرتين في السنة: الحج الأول في مطلع السنة، ويستغرق شهرًا واحدًا. أما الحج الثاني فيكون في نهاية الصيف، ويستغرق شهرين وتكون هذه الأشهر الثلاثة أشهرًا حرمًا لا يحل فيها قتال، يعمها سلم أوجبته الآلهة على الإنسان والحيوان. ونرى في هذا الشعائر مشابهة كبيرة لشعائر الحج في مكة. ولولا تعيين هؤلاء الكتبة المكان، ونصهم على أنه على البحر الأحمر، وأنه غابة نخيل، لانصرف الذهن إلى مكة؛ إذ نجد أن شعائر الحج فيها تشبه هذه الشعائر، واستقاؤهم من ماء "زمزم" للتبرك به، يشبه استقاء هؤلاء من بئر معبدهم هذا، وقد أهمل أولئك الكتبة أسماء الأشهر الحرم الثلاثة، فأضاعوا علينا فرصة ثمينة كانت تساعدنا كثيرًا في الوقوف على تثبيت الأشهر عند الجاهليين. ويلاحظ أن النبط كانوا يعقدون في أثناء هذه الأشهر الحرم سوقًا، تذكرنا بسوق عكاظ التي كان يعقدها أهل الحجاز. ولا شك أن موسم الحج في المعبد المذكور، الذي يتحول إلى سوق للبيع والشراء، يشبه موسم الحج في مكة حيث ينقلب أيضًا إلى سوق.

стр. 3939

الأعياد: والأعياد من جملة مظاهر الأديان وشعائرها. والحج في حد ذاته عيد من أعياد الجاهليين. وقد كانت للجاهليين أعياد لها صلة بأديانهم. غير أننا لا نستطيع أن نتحدث بالطبع عن وجود أعياد عامة يعيِّد فيها جميع الجاهليين عبدة الأصنام، لأن الأعياد العامة تستدعي وجود ديانة واحدة وعبادة إله أو آلهة مشتركة يعبدها جميع القوم، وإذ كانت العرب لا تعبد إلهًا واحدًا أو آلهة مشتركة يقدسها أهل الوبر وأهل المدر منهم جميعًا، فلا يمكن أن نتصور وجود أعياد عامة لجميع العرب، في عهود ما قبل الإسلام. ولفظة العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد على رأي علماء اللغة١. وهو بالمعنى المعروف الذي يخص الاحتفالات الدينية من الألفاظ المعربة المأخوذة عن لغة بني إرم على رأي المستشرقين. فـ"عيدا" في الإرمية هي "العيد" في العربية٢.

стр. 3940

الفصل الثالث والسبعون: بيوت العبادة مدخل ... الفصل الثالث والسبعون: بيوت العبادة والمعبد هو الموضع المخصص للعبادة. وقد وردت في النصوص الجاهلية وفي عربية القرآن الكريم ألفاظ تؤدي هذا المعنى، فقد كان الجاهليون قد اتخذوا معابد ثابتة ومعابد منتقلة مثل بيوت الوبر، تعبدوا بها إلى معبوداتهم قبل الإسلام وقبل الميلاد. فقد كانت القبائل في حركة دائمة؛ بحثًا عن الغزو والكلإ والماء. وكانت آلهتها في حركة دائمة أيضًا، ترحل مع المتعبدين لها، وتستقر عند استقرارهم بمكان ما. وعند نزول القبيلة في موضع ما توضع الأصنام في قبتها. وهي خيمة تقوم مقام المعبد الثابت عند أهل المدر، وتكون للخيمة بسبب ذلك قدسية خاصة، وللموضع الذي تثبت عليه حرمة ما دامت الخيمة فوقه، وقد كانت معابد القبائل المتنقلة كلها في الأصل على هذا الطراز١. ولم يكن من السهل على أهل الوبر تغيير طراز هذا المعبد، واتخاذ معبد ثابت؛ لخروج ذلك على سنن الآباء والأجداد. ولذلك لم يرض العبرانيون عن المعبد الثابت الذي أقامه سليمان، لما فيه من نبذ للخيمة المقدسة التي كانت المعبد القديم لهم وهم في حالة تنقل من مكان إلى مكان ثم إن أهل الوبر قوم رحل، ولا يمكن لمن هذا حاله اتخاذ معبد ثابت له، لما كان عليه من وجوب نقل أصنامه معه حيث يذهب.

стр. 3941

ولبيوت الأصنام سدنة، يحفظون الأصنام بها ويرعونها، وينقلونها معهم حيث ترحل القبيلة، فإذا نزلت نزلوا بها، ليقيموا لها الواجبات الدينية المفروضة في الخيمة المقدسة. حيث فرضت طبيعة البداوة على أصحابها هذا النوع من أنواع البيوت المقدسة، وهذه الطقوس الدينية التي تلائم حياة الأعراب. وبيوت العبادة عند الجاهليين ثلاثة أنواع: بيوت عبادة خاصة بالمشركين عبدة الأصنام، وهم الكثرة الغالبة، وبيوت عبادة خاصة باليهود، وبيوت عبادة خاصة بالنصارى. أما بيوت عبادة المجوس، فقد عرفت في العربية الشرقية وفي العربية الجنوبية، ولكن عبادها هم من المجوس، أي العجم، فالمجوسية لم تنتشر بين العرب، ولم تدخل بينهم إلا بين عدد قليل من الناس. وما ذكرته عن بيوت العبادة، خاص بالمعابد العامة، وهناك مواضع عبادة خاصة، جعلت في البيوت، وضع أصحابها أصنامهم في ركن من أركانها، وتقربوا إليها. روي أن العباس، كان قد أقام الصنمين إسافًا ونائلة في ركن داره، وكانا حجرين عظيمين١. واحتفظ غيرة بأصنام في بيوتهم للتبرك بها، ولحماية البيت، وكانوا إذا سافروا حملوا أصنامهم الصغيرة معهم للاحتماء بها، وأخذ بعض شباب المدينة ما وجده من أصنام في البيوت، تعبَّد لها آباؤهم فحطمها، ومنهم من رماها في مواضع العذرة والقاذورات. وقد استطعنا اليوم بفضل جهود السياح والمنقبين والباحثين من الحصول على بعض المعلومات عن معابد جاهلية كانت عامرة يومًا ما. وذلك بعثور المذكورين على ألواح مكتوبة وجدت في خرائب تلك المعابد. ولكن ما عثر عليه، لا صلة له بالدين في الغالب. فليس فيه أدعية أو صلوات أو كتابات تفصح عن عقائد القوم وعن أمور دينهم. ولهذا فإن علمنا بديانات الجاهليين لا يزال ضحلًا، لم يتقدم تقدمًا مرضيًا، وأملنا الوحيد في زيادته هو في المستقبل، فلعله يخرج من صناديق سره المكتومة ما يفصح عن عقائد القوم. وقد اتخذ بعض العرب، وهم المتمكنون، بيوتًا وكعبات لعبادة أصنامهم، وضعوا أصنامهم في أجوافها، ومنهم من اتخذ صنمًا، فلم بين عليه بناءً؛ لعدم استطاعته ذلك. ومن لم يقدر عليه، ولا على بناء بيت نصب حجرًا أمام

стр. 3942

الحرم، وأمام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت، وسموها الأنصاب١. وذكر أن "وكيع بن سلمة بن زهير الإيادي"، كان قد اتخذ له صرحًا بالحزورة، سوق كانت بمكة، يرتقيه بسلالم يتعبد فيه، فعرف بصاحب الصرح٢. والبيت، مأوى الإنسان ومسكنه في الأصل، ثم تجوز الناس فأطلقوا اللفظة على المعبد، باعتبار أنه بيت الآلهة أو الإله؛ لاعتقادهم أن الآلهة تحل به٣. وقد كانوا يضعون الصنم أو الأصنام فيه. ويقال للبيت عندئذ "بيت الله" أو "بيت ريام" وهو بيت يذكر "ابن الكلبي" أنه كان لحمير بصنعاء، وأن الناس كانوا يعظمونه ويتقربون عنده بالذبائح٤، أو "بيت الربة" وما شاكل ذلك، بحسب اختصاص البيت بالصنم. كذلك أطلقت كلمة "بيت" بمعنى معبد في نصوص المسند، فورد،: "وقدسو بيت مرب"، أي "وقدسوا بيت مأرب" أو "وبيت مأرب المقدس"٥. فلفظة بيت هي اللفظة التي استعملت لمواضع العبادة، أي المعبد، أطلقت قبل اسم الإله أو الموضع لتدل على التخصيص، وهي ترد في لغات سامية أخرى في هذا المعنى نفسه. وأما "الكعبة" فالبيت المربع، وكل بيت مربع كعبة عند العرب. وقد خصصت في الإسلام بالبيت الحرام بمكة. والكعبة الغرفة أيضًا. وقد كان لربيعة بيت يطوفون به، يسمونه الكعبات، وقيل: ذو الكعبات، وقد ذكره الأسود بن يعفر في شعره، فقال: والبيت ذي الكعبات من سنداد٦ والمسجد كل موضع يتعبد فيه٧. وقد استعملها الجاهليون بهذا المعنى أيضًا.

стр. 3943

وقد وردت اللفظة في نصوص بني إرم وفي النصوص النبطية والصفوية. ورد على هذه الصورة "مسجدا" في نصوص بني إرم. وورد على هذه الصورة في النصوص الصفوية أيضًا، وقد عنت به معبدًا١. وقد عبر عن المعبد بلفظة "مكربن"، أي "المكرب" أو "المكراب" في بعض نصوص المسند؛ إذ ورد "مكربن يعق"، بمعنى "معبد يعوق"٢. ومن هذا الأصل أخذت كلمة "مكراب" في الحبشية، ومعناها "معبد"٣. ولهذا ذهب "كلاسر" وغيره إلى أنه "مكربة" Mocoraba المدينة المذكورة في "جغرافيا" "بطلميوس" هي "مكة"؛ لأنها "مقربة" إلى الأصنام، فهي بمعنى "البيت" و"الكعبة" في لهجتنا٤. وتقابل كلمة المعبد كلمة Templum اللاتينية التي تعني موضعًا مربعًا، فهي بمعنى "الكعبة"، و"كعبة" في اللغة العربية. ويلاحظ توافق تام بين معنى الكلمتين في هاتين اللغتين٥. ولا بد أن يكون لاتخاذ هذا الشكل للمعبد سبب؛ إذ لا يعقل أن يكون قد جاء ذلك عفوًا، ولا سيما أننا نلاحظ أن الكلمتين: اللاتينية والعربية، قد جاءتا من شكل البناء ونوعه وطرازه. وذكر علماء اللغة أن في جملة الألفاظ التي تطلق على بيوت الأصنام والعبادة والتصاوير، لفظة "البد". وهي تؤدي معنى "صنم" كذلك. وذكروا أنها من الألفاظ المعربة عن الفارسية، عربت من "بت"٦، وأنها تعني البيت إذا كان فيه أصنام وتصاوير٧. وذكروا أن في جملة الألفاظ التي أطلقت على بيوت الأصنام لفطة "الطاغوت" والجمع "الطواغيت". ورد أن العرب "كانت قد اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدي إليها، كما

стр. 3944

تهدي إلى الكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر، عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها؛ لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم الخليل ومسجده"١. وورد أن "الطاغوت" الصنم، وكل معبود من دون الله، ولما تقدم سُمي الساحر والكاهن والمارد من الجن والصارف عن طريق الخير طاغوتًا"٢. واللفظة تعني في لغة "بني إرم": رئيس عقيدة ضلال، وشيطان وصنم٣. و"الهيكل" من الألفاظ الدالة على موضع العبادة، استعملت لبيوت الأصنام مجازًا، ولمعابد النصارى٤. والظاهر أن استعمالها كان عند العرب الشماليين في الغالب. مثل عرب العراق وعرب بلاد الشأم، ولا سيما عند النصارى منهم. أخذوها من الآراميين، إذ هي بمعنى بيت الصنم، أي معبد الوثنيين عندهم٥. وقد وردت في لغة المسند كذلك، وردت بمعنى قصر "٦"، ومعبد في أيام دخول النصرانية على اليمن. وقد أطلق "الديدانيون" على بيت "بعل سمن"، لفظة: "أحرم" بمعنى "الحرم" تعظيمًا وتمجيدًا له. فهو ذلك الإله٧. وترد لفظة "محرم" -التي لا زالت حية معروفة يطلقها أهل اليمن على محرم "بلقيس"- في لغة المسند، بمعنى المعبد، والمسجد الحرام. وقد وردت في عدد من النصوص٨. وبيوت العبادة أنواع. بيوت عبادة كبيرة، يحج إليها في أوقات معينة، ومواسم محددة، من مواضع قريبة أو بعيدة، هي محجات يحج إليها في وقت معين ثابت، يتقرب بها المتعبدون إلى رب المحجة أو أربابها بأداء واجب الخضوع والطاعة. وتكون محجة واحدة في الغالب، اختارها الإله أو الآلهة من بين سائر أماكن الأرض لتكون موضعًا مقدسًا وحرمًا آمنًا، فهي أقدس بقعة وأعز مكان في نظر المتعبدين لها على وجه هذه الدنيا. فلا تدانيها المعابد الأخرى ولا تبلغ منزلتها في الحرمة والمكانة.

стр. 3945

وهناك بيوت عبادة أخرى تكون دون المحجات في الأهمية والدرجة؛ لأن الآلهة لم تخترها لنفسها ولم تنص على اسمها، وإنما هي دور عبادة أقامها الناس تقربًا إلى تلك الآلهة. وهي متفاوتة في الدرجة أيضًا، فيها المعابد الكبيرة التي صرف على إقامتها مال كثير، وفيها معابد بسيطة، يقيمها الناس تقربًا إلى أربابهم. والناس في ذلك العهد، كالناس في أيامنا هذه، لا يكتفون بتشييد معبد واحد في المدينة، بل نجدهم يقيمون جملة بيوت للعبادة، وقد خصص بعضها بعبادة جملة آلهة، وخصص بعضها بعبادة إله واحد معين، يذكر اسمه على باب المعبد. وقد تبنى في الموضع الواحد جملة معابد لإله واحد؛ لأن المعابد من الأعمال الخيرية التي يقوم بها المؤمنون تقربًا إلى الآلهة، لذلك يصادف قيام جملة أسر ببناء معابد لذلك الإله، تسميها باسمه وتنقش اسم الأسرة أو المتبرع بالبناء على موضع بارز من المعبد. وبفضل هذه الطريقة القديمة، التي لا تزال البشرية تتبعها، تمكنا من الحصول على معلومات عن تلك المعابد وعن الآلهة التي خصصت لها وعن أسماء المؤمنين الذين أقاموها. وقد اتخذ الإنسان من الكهوف بيوتًا للعبادة، كما اتخذ من الجبال والمواضع المرتفعة أمكان بنى عليها معابده؛ ليكون في رأيه ونظره أقرب إلى السماء، حيث تقيم الآلهة، فتسمع دعاءه، وتصل إليها كلمته، وتستجيب له أكثر من استجابتها له لو كان على سطح الأرض. وبنى الحضري معبده في المواطن التي يقيم فيها، وحاول جهده الإنفاق عليها، والتفنن في بنائها وزحرفتها؛ لتكون بيوتًا تليق بسكنى الأرباب. أما البدو، فكانت معابدهم في الخيام، تحفظ فيها أصنامها، فتنتقل معها، وتضرب في الموضع الذي تحل القبيلة فيه، ينظرون إليها نظرة تقديس وإجلال؛ لأنها حرم الآلهة وأماكنها وبيوتها المقدسة، فلا يجوز تدنيسها ولا انتهاك حرمتها. لهذا لم يكن يسمح لأحد بالدخول إليها إلا إذا كان من رجال الدين. ولهذه الخيام المقدسة سدنة، يضعون الصنم أو الأصنام في جوفها، ويسهرون على خدمتها، وينقلونها معهم حيث تنتقل القبيلة. وهم يتوارثون خدمتها. وإذا استقرت القبيلة وتحضرت، تحضر معبد صنمها بتحضرها كذلك. ووجد الصنم

стр. 3946

عندئذ له مستقرًّا دائمًا ومقامًا ثابتًا، ويصير عندئذ في عداد الأصنام الثابتة. ويكون للصنم عندئذ معبد تتناسب قيمته وأهميته ودرجة عمرانه مع مكانة القبيلة وعدد رجالها وغناها وما عندها من مال. وللعين أهمية كبيرة في تقييم المعبد وفي نشر العبادة وفي تكوين شخصية الإله رب المعبد فيما بين الناس فكما أن قيمة الإنسان بملبسه وبأناقته وبحسن مظهره، كذلك تكون قيمة المعبد بضخامته وبما يزين به من نقوش وزخارف وبما يعلق على الموضع المقدس منه من ذهب وفضة وأحجار كريمة فالمعبد الضخم، يدل على قوة الإله وقدرته في نظر من ينظر بعينه لا بعقله إلى قيم الأمور، أي في نظر السواد، وهم الكثرة الغالبة، ولذلك يجلبهم إليه، وتلقى ضخامته في نفوسهم تأثيرًا كبيرًا يجعلهم يشعرون أنهم أمام بيت إله حقًّا، لما فيه من روعة ولما تفوح في داخله من روائح البخور والطيب، لذا حرص رجال الدين على جعل معابدهم ضخمة فخمة؛ لتجلب لها أكبر عدد ممكن من المتعبدين. ومن أشهر المواضع المرتفعة التي حج إليها المتعبدون للتبتل والتعبد، والتي ورد ذكرها في قصص أهل الأخبار: حراء، وأبو قبيس، وثبير. أما "حراء" فقد ورد في بيت منسوب إلى شاعر جاهلي: فإني والذي حجت قريش ... محارمه، وما جمعت حراء١ وجعل أحد الأجبل الخمسة التي بُني من حجارتها البيت٢. وإليه كان يلجأ كبار قريش لدعوة آلهتهم في الملمات، وإليه أيضًا كان يأتي بعض المتحنثين النساك الزاهدين في عبادة الأوثان للتفكير والتأمل. وفيه غار تحنث فيه النبي، ويعرف بـ"جبل النور"٣. وورد أن أبا طالب أرسل عقيلًا ليأتي بالرسول إليه، فذهب إلى "كبس"، وأخرجه منه. والكبس الغار٤. ويظهر أنه أراد به غار حراء.

стр. 3947

وأما "أبو قبيس"، فيظهر من غربلة أخبار الأخباريين أنه كان من المواضع المقدسة الداخلة في شعائر الحج، يرتقي الحجاج ظهره؛ ليتموا بذلك مناسك حجهم، وليدعوا آلهتهم بما يطلبون ويرغبون. وكان مقصودًا عند نزول الشدة والبلاء. فالمظلوم يجد محله فوق هذا الجبل للدعاء عند انحباس المطر، لنزول الغيث١. وقد زعم بعض أهل الأخبار، أنه سمي "أبا قبيس" برجل من مذحج حداد؛ لأنه أول من بنى فيه، أو بقبيس بن شالخ، رجل من جرهم، كان قد وشى بين عمرو بن مضاض وبين ابنة عمه "مية"، فنذرت أن لا تكلمه، وكان شديد الكلف بها فحلف ليقتلن قبيسًا، فهرب منه في الجبل المعروف به وانقطع خبره. فإما مات وإما تردى منه، فسمي الجبل أبا قبيس. "وله خبر طويل ذكره ابن هشام في غير هذا الكتاب، وكان أبو قبيس الجبل هذا يسمى الأمين؛ لأن الركن، أي الحجر الأسود، كان مستودعًا فيه"٢. "وكان الله استودع للركن أبا قبيس حين غرق الله الأرض زمن نوح"، فلما أقام "إبراهيم" قواعد البيت، "جاءه جبريل بالحجر الأسود"٣. والظاهر أن بيتًا للعبادة كان عليه، وأنه كانت له صلة بالبيت، فتجسمت هذه الصلة في الذي ذكروه عن الحجر الأسود ووجوده فيه. وأما "ثبير"، فقد كانوا يفيضون منه في الحج على نحو يذكر في شعائر الحج. ويلاحظ أن أهل العربية الجنوبية وأهل السراة قدسوا قمم الجبل، فجعلوا فيها معابد لعبادة الآلهة، مثل معبد "أوم" "أوام" في "ألو". وقد أزيلت معالم تلك المعابد في الإسلام، ولكن بعضها أخذ طابعًا إسلاميًّا فصير مثلًا قبًرا من قبور الأنبياء مثل: "حضور نبي شعيب"، الذي يقع على قمة جبل تعد من أعلا قمم جبال العربية الجنوبية، و"نبي أيوب" و"مقلى" على محر "مبلقة"٤.

стр. 3948

وترجع قدسية المواضع المقدسة وحرمتها إلى الاعتقاد بنزول الآلهة في هذه المواضع، وإلى وجود قوى خارقة فيها، أو إلى وجود مقدسين فيها قبروا في باطنها، فقدست تلك المواضع لهذه الأسباب. وتعرف هذه المواضع المقدسة بأسماء من تقدست بهم، وبأسماء المواضع التي تقع فيها. وإنا لنرى كثيرًا من الأماكن المقدسة قد أقيمت في جزيرة العرب عند الينابيع والآبار المقدسة حيث تروى الأرض بالماء فتنمو به المزروعات ويستقي منها الناس. وقد صوَّر هذا الخصب لسكان تلك المناطق وجود قوى خارقة كامنة في تلك الأرضين كانت السبب في نظرهم في بعث الحياة للإنسان ولهذه الأرض١. وقدست بعض المواضع وأقيمت المعابد بها؛ بسبب وجود أشجار مقدسة بها، ونجد في أخبار أهل الأخبار أن بعض المعابد مثل معبد العزى، كان المتعبدون يتقربون بها إلى سمرات، أي شجرات ثلاثة، أو إلى شجرة واحدة، فكانوا يعلقون عليها الحلى ويزينونها، ومثل معبد "ذات أنواط"، وهي شجرة كانت تعبد في الجاهلية، وهي سمرة كان المتعبدون لها ينوطون بها سلاحهم ويعكفون حولها٢. وقدست مواضع أخرى لوجود أحجار مقدسة بها، كانوا يطوفون حولها، من هذه المواضع: "عكاظ" فكان الناس يأتون الموضع في الموسم، فينصبون فيه خيامهم، ويقيمون سوقهم، ويطوفون بأحجار عكاظ، يقيمون على ذلك أيام الموسم. فهي أيام عبادة وتجارة وفرح. ولهذه القدسية والحرمة، لم يسمح للسواد الأعظم من الناس بدخول الغرف المقدسة المخصصة بالآلهة؛ لأنها بيوت الآلهة، وعوض لهم عن هذا التحريم بالطواف حولها أو بلمس جدرانها، وللسبب نفسه، حتم على القاصدين لها غسل أجسامهم وتنظيفها ولبس ملابس طاهرة نظيفة، كان سدنة بعض تلك المعابد، أو أهل المواضع التي تقع فيها المعابد يؤجرونها للناس بأجر معين مرسوم، إن كانت تلك المعابد من المعابد الكبيرة وفي مواسم الحج. كذلك لم يكن يسمح لأحد بالدخول إلى المعابد والأحذية في أرجلهم فلا بد من خلعها والدخول بغير أحذية.

стр. 3949

احترامًا لقدسية المكان وخشية التدنيس١. وقد حتم الجاهليون على من يريد دخول الكعبة من المتمكنين خلع نعليه؛ احترامًا للبيت. ذكر أهل الأخبار أن أول من خلع نعليه لدخول الكعبة "الوليد بن المغيرة"، فخلع الناس نعالهم في الإسلام٢. وقد عثر على كتابات جاهلية تبين منها، أن الجاهليين كانوا يعدون طهارة الملابس وطهارة الجسم من الأمور الملازمة لمن يريد دخول المعبد، فإذا دخل إنسان معبدًا وهو نجس عدَّ آثمًا، وقد ورد أن رجلًا اتصل بامرأة، ثم دخل المعبد بملابسه التي كان يلبسها حين اتصل بها، فعدَّ آثمًا، ودفع فدية عن إثمه إرضاءً للآلهة٣. وورد أن رجلًا دخل معبد الإله "رب السماء" "ذ سموى" بمعطف نجس، فدفع فدية عن ذلك، جزاء ما ارتكبه من إثم٤. فدخول المعابد بملابس نجسة، نجاسة: مادية أو معنوية، إثم، تعاقب الآلهة عليه، لهذا اشترطت ديانتهم عليهم عدم دخول بيوت الآلهة، إلا بملابس طاهرة نظيفة حرمة وتقديرًا لهذه البيوت. وللسبب المذكور اشترط سدنة الصنم "الجلد" على من يريد من عباده تقديم قربان إليه، أو تكليمه كراء ثياب مسدنة، للبسها بدلًا من ملابسهم؛ لأنها ملابس نظيفة طاهرة، لم تمسها أدران مادية أو معنوية٥. وهو شرط نجده عند غير العرب أيضًا كالعبرانيين٦. وقد كانت المعابد تدخر ملابس تكريها لمن يريد أداء شعائر زيارة بيوت الأصنام. وورد في كتب أهل الأخبار، أن الجاهليين حتموا على المرآة الحائض ألا تمس الصنم ولا تتمسح به، وألا تدخل بيته لنجاسة الحيض٧. وورد أن "فاختة" أم "حكيم بن حزام بن خويلد"، كانت دخلت الكعبة وهي حامل متم بحكيم.

стр. 3950

ابن حزام فأجاءها المخاض، فلم تستطع الخروج من الكعبة، فوضعته فيها فلفت في الأنطاع هي وجنينها، وطرح مثبرها وثيابها التي كانت عليها، فجعلت لقى لا تقرب١. فيظهر من هذا الخبر أن أهل كانوا يعتبرون دم المخاض والولادة نجسًا، ولهذا اعتبرت الأنطاع التي وضعت "فاختة" جنينها عليها بل اعتبرت هي نجسة أيضًا فلفت بالأنطاع وألقيت، وجعلت لقى لا يمسها أحد. وعثر المنقبون على أحواض داخل المعابد في العربية الغربية يظهر أنها كانت للوضوء؛ لتطهير الجسم قبل الدخول إلى المسجد، موضع الصنم ... وذلك بغسل الوجه واليدين والقدمين وربما الأبدان كذلك، قبل الدخول إلى بيت الصنم، ولكون هذا الوضوء تطهيرًا للجسم، عرفت "الميضأة" بالمطهرة؛ لأنها تطهر من الأدران٢. ولهذا السبب، حفرت الآبار في المعابد؛ لتموين هذه الأحواض بالماء، وللتبرك أيضًا بالماء المقدس، ولاستعماله في أغراض أخرى، منها تنظيف الجسم من الأدران بعد قضاء الحاجة. ولهم آداب اتبعوها حين دخولهم بيت الصنم وحين خروجهم منه. من ذلك أن القبائل كانت تتجنب أن تجعل ظهورها على مناة إعظامًا للصنم. فكانت تنحرف في سيرها، حتى لا يكون الصنم إلى ظهرها. وفي ذلك قال الكميت بن زيد، أحد بني أسد بن خزيمة بن مدركة: وَقَد آلَت قَبَائِلُ لاَ تُوَلِي ... مَنَاةَ ظُهُورِهَا مُتَحَرِّفِينَا٣ وقد تطورت أشكال المعابد وهندستها بتطور الحضارة، وبشكل طبيعة الأرض التي يقام المعبد عليها. وهي تتناسب مع درجة تطور الشعوب ودرجة رقيها وطراز تفكيرها واختلاطها بالأمم المجاورة. ولذلك نجد معابد "تدمر" مثلًا قد تأثرت بطراز البناء الإغريقي؛ لتغلغل الثقافة اليونانية فيها، ولتأثر سكان المدينة باليونان. كذلك نجد هذا الأثر والأثر الروماني في معابد بلاد الشأم وفلسطين فالمعبد إذن

стр. 3951

هو نموذج معبر عن نفسية الناس وعن حضارتهم ودرجة تفكيرهم وعن هندستهم، ومدى تأثر فن البناء عندهم بالمؤثرات الداخلية الأصيلة أو المؤثرات الدخيلة في الزمن الذي قام فيه البناء. ومن هنا نجد معابد اليمن اتخذت لها الحجارة الضخمة المتقطعة من الصخور في بناء الجدار والأرض وفي الأعمدة، ونجد المعمار قد تفنن في تزويق الجدر والأعمدة والسقوف وفي زخرفتها، فصارت المعابد ضخمة جميلة، لا تضاهيها المعابد التي أقيمت في مواضع سهلة من جزيرة العرب؛ لعدم وجود المواد الصالحة للبناء فيها، ولأن الطبيعة لم تهب للمعمار فيها ما يدفعه إلى بناء أبنية ضخمة فيها تضاهي معابد أهل اليمن.

стр. 3952

الاستفسار عن المغيبات: ولم تكن المعابد مواضع عبادة وتقرب إلى الأصنام حسب، بل كانت مواضع استفسار عن المغيبات كذلك، يقصدها أهل الحاجات لسؤال الآلهة عما عندهم من مشكلات، أو عما سيخبئه لهم المستقبل من أمور، أو عن أعمال يريدون القيام بها، أو عن سرقة، وما شابه ذلك من طلبات. ومن هذه البيوت بيت رئام، وقد كانوا يكلمون منه وينحرون عنده١. وبيت العزى، وكانوا يسمعون فيه الصوت٢، والمنطبق وكان صنمًا من نحاس يكلمون من جوفه، فيأتيهم الجواب٣. وبيت "الجلسد"، صنم كندة وأهل حضرموت٤. وقد ذكر "الجاحظ: "أنهم كانوا يسمعون في الجاهلية من أجواف الأوثان همهمة، وأن خالد بن الوليد حين هدم العزى رمته بالشرر حتى احترق عامة فخذه، حتى عاده النبي، ﷺ ". وهو ممن يشكون في صدور مثل هذه الأمور إذ يقول: "وهذه فتنة لم يكن الله ليمتحن بها الاعراب وأشباه الأعراب من العوام. وما أشك أنه كان للسدنة حيل وألطاف لمكان التكسب"٥.

стр. 3953

تكليم الأصنام: ويقوم الكهان بتكليم الصنم، وهم الذين يفسرون للسائلين الهمهمة أو الأصوات الصادرة من تلك الأصنام ويتكلمون على ألسنتها بما يلائم السائل مقابل نذر وهدايا وألطاف يقدمونها إلى السدنة. وهذا النوع من التنبوء، معروف عند اليونان والرومان، مشهور ومعروف عند غيرهم من الأمم كالبابليين والآشوريين والعبرانيين. بل هو يؤلف جزءًا مهمًّا من أركان الديانات القديمة، ويطلق عليه Oracle في الإنكليزية من Oraculum اللاتينية، ومعناها التكلم. ولهذا النوع من التنبوء صلة كبيرة بالسحر Magic وبالكهانة في الديانات القديمة والديانات البدائية عند بعض الشعوب الإفريقية والأسترالية في الزمن الحاضر. وقد اكتسبت بعض معابد اليونان شهرة كبيرة في هذا النوع من التنبوء بالغيب، وأشهرها معبد "دلفي" Delphi" الذي كسب شهرة عظيمة في هذا الباب١. وقد ورد في بعض النصوص، أن قومًا كلموا آلهتهم في شهر "ذ أجبى ذ عثر" و"ذ فرعم ذ عثتر"، فأجابهم الإله "عثتر" على ما سألوا عليه. وورد أن جماعة من المؤمنين بـ"عم"، كلموه، فأجابهم على ما سألوا عنه. وكانوا إذا كلموا الآلهة، فوجدوا أن الأجوبة غير منسجمة مع الأسئلة، أعادوا الأسئلة عليها وقدموا قرابين جديدة لها، أو وزادوا في الحلوان، يفعلون ذلك حتى يسمعوا الجواب المناسب لأسئلتهم٢. ولم أسمع بوجود تكليم في مكة. فلم يذكر أحد من أهل الأخبار أن الجاهليين كانوا يأتون الكعبة لسماع أجوبة الأصنام عن أسئلة يوجهونها إليها، ولا عن وجود سدنة كانوا يقومون بأي نوع من التكليم. وإنما ذكروا أنهم كانوا يسألون الأصنام النصح والإرشاد، والأمر والنهي بفعل فعل أو تركه، ويكون ذلك بالاستقسام بالأزلام. وقد خصص الصنم "هبل" بهذا النوع من الإرشاد. وكانت عنده سبعة قداح، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه العقل، إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة عليهم، فإن خرج العقل، فعلى

стр. 3954

من خرج حمله: وقدح فيه "نعم" للأمر، إذا أرادوه يضرب به في القداح، فإن خرج قدح فيه نعم، عملوا به، وقدح فيه "لا"، فإذا أرادوا الأمر ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القدح. لم يفعلوا ذلك الأمر. وقدح فيه "منكم"، وقدح فيه "ملصق"، وقدح فيه "من غيركم"، وقد فيه "المياه" فإذا أرادوا أن يحفرون للماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القدح، فحيثما خرج به، عملوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلامًا أو ينكحوا منكحًا أو يدفنوا ميتًا أو شكوا في نسب أحدهم، ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا فلان، أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه. ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فإن خرج عليه "منكم" كان منهم وسيطًا، وإن خرج عليه من "غيركم" كان حليفًا، وإن خرج عليه "ملصق"، كان ملصقًا على منزلته فيهم لا نسب له ولا حليف، وإن خرج عليه شيء مما سوى هذا مما يعملون به "نعم" عملوا به، وإن خرج "لا" أخروه عامه ذلك، حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمرهم ذلك إلى ما خرجت به القداح١. وهكذا كانت قريش والقبائل التي تحج إلى مكة تأتي على هبل لاستشارته في قضايا تهمها. فما يخرج في القداح مما هو مكتوب، يكون الجواب. غير أن بعض الأجوبة قد يأتي على خلاف رغبة السائلين، ولذلك كانوا يغرون الضارب على القداح بالضرب إلى أن يخرج القداح الذي فيه يريدون ويشتهون وقد يؤخرون ذلك بعض الوقت. وهم يفسرون النتيجة التي تظهر أنها رغبة الصنم وإرادته بوحيها، فتظهر بالقداح. وذو الخلصة من الأصنام التي كان يستقسم عندها كذلك. وإلى هذا الصنم ينسب قول أحد الشعراء لهذه الأبيات: لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا ... مثلي وكان شيخك المقبورا لم تنه عن قتل العُداة زورا

стр. 3955

وهي أبيات ينسبها بعض الرواة إلى امرئ القيس. وكان أبوه قتل، فأراد الطلب بثأره، فأتى ذا الخلصة، فاستقسم عنده بالأزلام، فخرج السهم ينهاه عن ذلك، فقال هذه الأبيات التي تتحدث عن غضب الشاعر على هذا الصنم، لنهيه إياه عن الأخذ بالثأر. ولو كانت النتيجة كما يشتهي، لما قال الشاعر هذه الأبيات بالطبع، وتجاسر على الصنم١. ولما كانت الحروب والغزوات من القضايا المهمة، كانت استشارة الأصنام والاستقسام بشأنها من الأمور المألوفة، فكان أهل مكة إذا أرادوا الحرب أو عقد هدنة أو إبرام أمر خطير أتوا "هبل" يستقسمون عنده ليعطيهم الرأي المصيب في هذا الموضوع. والغالب أن يكون الاستقسام أمام الصنم؛ ليقع في روع طالب الاستقسام أن ما يجري إنما هو بعلم الصنم وبوحيه، فيكون ذلك أوكد في نفسه وأعمق تأثيرًا.

стр. 3956

أشكال المعابد: هذا ولا بد لي أن أشير إلى أننا لا نملك حتى الآن رأيًا واضحًا قاطعًا في شكل المعابد عند الجاهليين. ولا يمكن تكوين رأي واضح عن هذا النحو إلا بعد قيام علماء الآثار المتخصصين بدراسة آثار المعابد والكشف عنها ورسم مخططات صحيحة لقواعدها وأسسها. ولذلك لا بد من مرور زمن، حتى يتمكن العلماء من تكوين رأي في أصول المعابد وكيفية إقامتها من الوجهة الدينية الأصولية عند العرب قبل الإسلام. وإذا كان في استطاعتنا تجديد شكل "بيت الله" بمكة، و"كعبة نجران" و"كعبة سنداد"، أو "كعبات سنداد"، كما يسميها البعض، فإن من الصعب علينا تحديد هيئة بيوت الأصنام في المعابد الأخرى، لعدم ورود نص يعين صفة تلك البيوت في أخبار أهل الأخبار. فلا ندري أكانت مكعبات، أم على أشكال أخر. ولما كانت المعابد بيوت الأرباب، صارت لها حرمة خاصة وقدسية في كل

стр. 3957

دين، فلا يجوز انتهاك حرمتها، ولا القيام بأعمال شائنة دنسة فيها، خاصة بالقياس إلى الأماكن المقدسة جدًّا التي تعد محجة للناس، وقد اتخذت حول البيوت مواضع عدت جزءًا من المعبد حددت بحدود، فما كان داخلًا عد حرمًا آمنًا، وما كان خارج الحد كان خارجًا عن المعبد، فليست له تلك الحرمة التي عينتها شريعة القوم للمعابد. وأقدس مكان في المعبد هو "البيت"، أي الغرفة التي تضم الصنم أو الأصنام. فقد كانت البيت، وهو المسمى الكعبة في مكة، أقدم موضع عند قريش وعند غيرهم من عبدة الأصنام الذين كانوا يقدسون "البيت الحرام"، وذلك بسبب وجود الأصنام فيه. ويعبر في العربية الجنوبية عن البيت الذي توضع فيه الأصنام، بـ"مختن"١. فهو إذن بمثابة الكعبة بمكة. ويقال للأرض الحرام المقدسة التي تحيط بـ"البيت"، "الحرم" قيل سمي "الحرم" حرمًا لتحريم الناس فيه كثيرًا مما ليس بمحرم في غيره من المواضع٢. وقد وردت اللفظة في الكتابات النبطية. فوردت في كتابة نبطية عثر عليها في "بطرا" علمًا لحرم الإله ذي الشرى، قصد به الأرض المقدسة المحيطة ببيت ذلك الصنم، والمعبد كله؛ لأنه مرحم ومقدس: "حرم ذي الشرى الإله ربنا"٣. ولا يجوز لأحد انتهاك حرمة الحرم والاعتداء عليه. وإذا دخل إنسان الحرم صار آمنًا منطمئنًا، لا يجوز أن يُعتدى عليه، ولا أن يمس بسوء، وإن كان قاتلًا، وحدود الحرم أنصابه، وهي علاماته، فمن اجتازها وصار في داخلها، دخل في حرمة الحرم. وما كان خارج الحرم، هو من الحل، أي من المنطقة الخارجة عن حرمة المعبد. فلا تشملها الأحكام المفروضة على الحرم. وكان الرجل في الجاهلية إذا أحدث حدثًا ولجأ إلى الكعبة، لم يهج، فكان إذا لقيه ولي الدم في الحرم، قيل له: هو صرورة ولا تهجه٤.

стр. 3958

ولمكانة الحرم في نفوس الجاهليين ولأنه موطن آمن من دخل فيه صار آمنًا، كان لا بد من تحديده ووضع معالم تشير إلى نهايته، إما بوضع أنصاب على أطرافه من تجاوزها إلى داخله صار آمنًا فلا يخاف على نفسه، وإما ببناء حائل كجدار أو سياج أو أمثال ذلك ليكون إشارة على حرمة ما وراءه في الداخل. وقد جعل أهل مكة حدود حرم البيت أنصابًا من تجاوزها إلى الداخل صار في حرمة الحرم وفي حماية رب البيت. وكانت أرض المعابد، أي حرمها، واسعة في الأصل، ذات ماء وأشجار وحمى، ثم تقلصت وضيقت وحددت بحدود، بسكن الناس حولها، وبتقربهم من المعبد، وبزيادة عدد عبَّاده فعندما يتألق نجم معبد ويكثر المؤمنون بصاحبه، يكثر زواره، ويتسابق الناس إلى السكن بجواره والتقرب منه جهد إمكانه، إذ يكون ذلك شرفًا لهم. شرف مجاورة البيت، كما يكون مكسبًا وموردًا طيبًا للمال، لرغبة الزوار في مجاورة المعبد، فيدفع هذا الطمع، أصحاب النفوذ والجاه على اختلاس الأرض والتجاوز على حدود الحروم فتضيق. كالذي حدث بمكة، إذ كان الحرم واسعًا كبيًرا، يشمل الوادي كله، فلما هبط "قصي" به وابتنى البيوت، اعتدى من جاء بعده على الحرم حتى صغر، مما دفع الخلفاء على شراء البيوت المجاورة وهدمها لإعادة أرضها إلى الحرم ليتسع صدره للناس. وتلحق بالمعابد أرضون، يقال لها "حمى" لأنها في حماية الأرباب والأصنام ورعايتها، فلا يُعتدى عليها، ولا يُقطع شجرها ولا يُرعى فيها ولا يُسمح بصيد الحيوان فيها والاعتداء عليه في أرض الحمى١. فكان في الطائف "حمى"، وهو "حمى اللات"، وقد خصص به، وكان حمى في جرش٢. بل كان وادي مكة الذي أقيم البيت به "حمى" لرب البيت، ولم يكن يسمح لأحد قبل "قصي" بقطع شجره، ولا التجاوز على ما فيه من نبت. وقد كان "قصي" كما يقول أهل الأخبار أول من اقتطع شجره، وأقام البيوت لسكناه وسكنى قريش في ذلك الوادي. ويفهم من كلام "نيلوس" Nilus أن العرب لم يكونوا يحيطون مواضعهم.

стр. 3959

المقدسة التي فيها أصنامهم بأسوار، وإنما كانوا يجعلون لحرمها حجارة تكون حدًّا وعلامة للحرم. ويتبين من كلام هذا المؤرخ الذي أسر العرب ابنه وأرادوا تقديمه إلى الزهرة قربانًا على حد قوله، أنه قصد بالعرب الأعراب، ولا سيما أعراب طور سيناء، وقد كانوا أشداء غلاظًا يلقون الرعب في النفوس، وكانوا يتاجرون بالرقيق يقبضون على من يقع في أيديهم ويبيعونه في أسواق الرقيق. وجماعة هذا شأنها لا تستقر في مكان، لا يمكن بالطبع أن يكون لها معبد ثابت، وإنما يكون معبدها الموضع الذي يوضع صنم القبيلة فيه. ولتعيين الأرض الحرام توضع تلك الحجارة. إلا أن هذا لا يعني أن معابد أهل المدر كانت مسورة أو ذات حائل دائمًا، فقد ذكرت أن حرم بيت الله بمكة لم يكن مسورًا، بل كان معلمًا بأنصاب ومكة موضع حضر. أما حرم معبد "المقه" بمأرب وكذلك أكثر معابد أهل اليمن، فقد كانت مسورة بأسوار عالية قوية، لها أبواب يدخل المتعبدون منها، تفتح وتغلق كما نفعل هذا اليوم في دور العبادة عندنا. ومن المعابد الشهيرة: "البيت الحرام"، أي "الكعبة" بمكة، وسأتكلم عليه في موضع خاص. ومعبد "ذو الشرى" Dushare بمدينة "بطرا"، و"كعبة سنداد"، و"كعبة نجران"، ومعابد عديدة في مواضع أخرى من جزيرة العرب، ولا سيما اليمن. والفضل في ظفرنا ببعض المعارف عن "بيت الرب" بمدينة "بطرا"، يعود إلى الكتابات النبطية، وإلى ما كتبه بعض الكتبة اليونان والسريان عنه. وقد خصص هذا البيت بعبادة الإله "ذي الشرى"، الذي هو "رب البيت"١ التي أطلقها النبط على إلههم، تذكرنا بجملة أخرى معروفة في الجاهلية عند أهل مكة، كما هي معروفة عند المسلمين حتى اليوم، هي جملة: "رب البيت"، التي تعني إله البيت، وهو الكعبة، وقد أقرها وثبتها الإسلام. وقد نعت "رب البيت"، "رب بيت ذي الشرى" بـ"الذي يفرق الليل عن النهار"٢ وهو نعت له أهمية كبيرة في تكوين فكرة عن وجهة نظر عباده إليه.

стр. 3960

وقد نصب في هذا المعبد الصنم "ذو الشرى" على قاعدة مكسوة بالذهب، في بيت موشى بالذهب وبالصور التي تمثل مشاهد تقديم القرابين إليه. وهو في موضع مرتفع على صخرة عالية، يحج إليه الناس من مواضع بعيدة؛ للتقرب إلى ذلك الإله الذي يقابل الإله "باخوس" و"ديونسيوس" "Dionysos- Bacchus" في رأي الكتبة اليونان واللاتين١. وكان لهذا المعبد حج يقع في اليوم الخامس والعشرين من شهر كانون الأول من كل عام، فيفد إليه الناس من أماكن بعيدة للتقرب إلى "رب البيت"، فينحرون ويقضون الأيام المعينة، ثم يعودون إلى ديارهم. والظاهر أن هذه الكعبة لم تكن خاصة بأهل "العربية النبطية"، إنما كانت محجة لغيرهم من العرب، كما يتبين ذلك من تصريحات بعض الكتبة "الكلاسيكيين" عنها. وقد عرف بعض معابد الجاهليين بـ"الكعبات" ويدل ذلك على أن بناءها كان على هيئة مكعب كشكل بناء الكعبة، وعلى أن العرب كانوا يبنون بيوت الأصنام الكبرى على هذا النحو. من هذه كعبة "سنداد" على ما يذكره الأخباريون، وهي قصر كانت العرب تحج إليه فيطوفون حوله، وقد عرف بـ"الكعبات" جمع كعبة وهو البيت المربع والمرتفع، وبـ"ذات الكعبات" و"ذي الكعبات" وكان مركز حج قبائل بكر بن وائل وإياد٢. ولكن الأخباريين لم يتحدثوا بشيء من التفصيل عن هذا المعبد وعن كيفيته وشكله وعن الأصنام التي كانت فيه. وقد ذكر "ابن الكلبي" أن هذا البيت لم يكن بيت عبادة، إنما كان منزلًا شريفًا٣. وذكر أن "ذات الكعبات" بيت كان لبكر وتغلب ابني وائل وإياد، وذكر أنه بيت كان لربيعة، كانوا يطوفون به. وذكر أنه كان لإياد، وكان كعبة.
следующие страницы →