سنة "٥٦٥م"، أي: في زمن لا يبعد كثيرًا عن ميلاد الرسول، ذكر قبيلة من قبائل "السركينوى" Sarakenoi سماها "Maddenoi" "Maddeni" وقال: إنها كانت خاضعة لحكم Homeritae، وأن "يوسطنيانوس" "جستنيانس" "٥٢٧-٥٦٥م"١ قيصر الروم، أرسل رسولًا إلى ملك الـ Homeritae لينضم إلى الروم ويوافق على تعيين شيخ اسمه "Caisus" "Kaisus" على Maddeni، وتأليف جيش مشترك من "هوميريته" و"مديني" "معديني" لمهاجمة الفرس وشن الغارات على حدودهم, وقد نصب ملكًا على "مديني" ورجع الرسول ليخبر القيصر، غير أن الملكيين لم يغزوا أرض الفرس٢.
وقصد "بروكوبيوس" بـ"مديني" Maddeni "معدا" وبـ"هوميريته" Homeritae "حمير"، وعنى بذلك اليمن. وكانت معد خاضعة يومئذ لحمير، وكان هذا الزمن زمن استيلاء الحبشة على اليمن, و Caisus الذي نصب ملكًا على "معد" هو "قيس"، وكان صاحب كفاءات، شجاعًا محاربًا، وكان قد قتل أحد أقرباء ملك Homeritae، وكان هذا الملك هو Esimiphaeus، أي "السميذغ أشوع"، الذي نصبه النجاشي نائبًا عنه على اليمن، فتلقب بلقب "ملك", والظاهر أن وساطة القيصر لدى "السميذع" إنما كانت لإصلاح ذات البين، ولتسوية ذلك الحادث. وقد تم على ما يظهر ونجحت الوساطة، وتلقب "قيس" وهو رئيس "معد" بلقب ملك, ولا أستبعد أن يكون "قيس" هذا أحد رؤساء القيسيين.
وقد ذكر "بروكوبيوس" أن معدا هم جماعة من "السركينوى"، أي: جماعة من القبائل التي عرفت عند اليونان باسم "السرسين" أيضا، كما ذكرت ذلك في السابق. وهذا يعني أن معدا لم تكن في أيام ذلك المؤرخ الذي لم يبعد عهده عن الإسلام كثيرًا، على النحو الذي يصوره الأخباريون, وكل ما في الأمر أنها قبيلة أو مجموعة قبائل تسمى بـ"معد"، وأنها كلها أو قبيلة منها كانت خاضعة لحمير، أي للسلطة الحاكمة على اليمن يومئذ، وهي الحبشة، ثم استقلت عنها. أما بقية معد، فلم يتحدث المؤرخ عنهم؛ لذلك لا ندري
стр. 422
أكان "معد" "بروكوبيوس" هم كل معد أم جماعة منها.
وإذا كان الشعر المنسوب إلى "ابن بقيلة" وهو من نقباء الحيرة وساداتها صحيحًا، تكون كلمة "معد" معروفة في ذلك العهد، على نحو يفهم منه أنها كانت تعني قبائل عديدة أعرابية تنضوي كلها تحت هذه التسمية. فقد جاء في شعره ألم وتوجع لما حل بأهل الحيرة بعد الفتح، فقد رأى "سوام" تروح بالخورنق والسدير بعدما كانا مكانين مختارين للمنذرين، وبعد فرسان النعمان، يرى الناس قلوصًا بين "مرة والحفير"، وصاروا بعد هلاك "أبي قبيس" كجُرب المعز في اليوم المطير، وقد تقاسمتهم القبائل من معد، علانية كأيسار الجزور، بعد أن كانوا أناسًا لا يرام لهم حريم، وصاروا كضرة الضرع الفخور، يؤدون الخراج بعد خراج كسرى، وخراج من قريظة والنضير، ثم خلص إلى نتيجة يخلص إليها من ييأس ويقنع، فقال:
كذاك الدهر دولتُه سجالٌ ... فيوم من مساءة أو سرور١
وقد ذكر "الطبري" أن خالدًا لما أمره "أبو بكر" بفتح العراق، وقصد الأُبلّة، حشر ثمانية آلاف من ربيعة ومضر إلى ألفين كانا معه٢، وربما قصد "ابن بقيلة" من "معد" هذه القبائل التي انضافت إلى خالد, ولكن القبائل التي انضافت إلى خالد في العراق أو التي حاربته هي من مضر وربيعة في الغالب، وبين سكان الحيرة قوم يرجعون أنسابهم إلى تميم وإلى قبائل معدية، فكيف يتأفف "ابن بقيلة" من إدبار الدنيا ومن إعراضها عنه وعن أمثاله حتى صاروا في حكم "معد"، وقد اقتسمتهم قبائل معد؟ , فالظاهر أنه كان يتأفف؛ لأن الأمر أدبر منه ومن سادة أهل الحيرة والقرى، وهم حضر مستقرون، لهم نعيم وملك وقصور وبيوت وعيش رغيد, ولكن الدنيا أدبرت عنهم، وسلمت الأمر إلى قبائل من معد، وهم أعراب، وصار أمرهم إليهم، فتأفف من ذلك الزمان.
وقد عرف "حذيفة بن بدر" سيد غَطَفان بـ"رب معد"٣، وكان من
стр. 423
أشرف بيوتات هذه القبيلة، التي كانت محالفة لـ"أسد", وقد عرفتا بـ"الحليفتين"١ مما يدل على أنهما كانتا متحالفتين. ويدل هذا النعت الذي نعت به "حذيفة" وهو "رب معد"، على أن معدا كانت قبائل، وكل منها تنتسب إليها، وأنها لم تكن قبيلة معينة، أي: إنها كانت قبائل ترى نفسها أنها من نسب واحد، وإن قبيلة واحدة منها إذا برزت وظهرت جاز لها أن تمثل قبائل معد، وأن ينعت رئيسها نفسه ببعض النعوت التي تدل على ترؤسه لها، ومنها "رب معد".
فيتبين من كل ما تقدم أن "معدا" كلمة أريد بها أعراب كانوا يتنقلون في البوادي، يهاجمون الحضر والأرياف بصورة خاصة؛ لأنها كانت أسهل صيد للأعراب بسبب بُعد أهلها عن سيطرة الحكومة المركزية، وعدم وجود قوات دفاعية رادعة لتدافع عنهم. وكانوا يباغتون الناس ويفاجئونهم، وكانت حياتهم حياة قاسية صعبة, ولم يكونوا قبيلة واحدة، ولكن قبائل عديدة، تتشابه في المعيشة، وتشترك في فقرها وفي تعيشها على الغزو والتنقل، وقد كانت تقيم في البوادي وعلى أطراف الحضارة، كانت مواطنها بادية الشام ونجد والحجاز والعربية الشرقية. ثم صارت اللفظة علمًا لرجل صير جدًّا للقبائل التي عاشت هذه المعيشة، وعرفت بهذه التسمية على الطريقة المعروفة عند العرب وعند غيرهم من الساميين من تحويل أسماء الأماكن أو الأصنام أو المحالفات إلى أسماء أجداد وآباء.
وقد كانت "تهامة" موطن أبناء معد على حسب رأي أهل الأخبار, سكنت قضاعة من ساحل البحر حيث أنشأت "جدة" فيما بعد إلى حيز الحرم، وسكن أبناء جنادة بن معد منطقة الغمر: غمر ذي كندة، وكانت كندة قد أقامت بها أيضا فعرفت بها, وسكن أبناء قنص بن معد وسنام بن معد وبقية ولد معد أرض مكة، حيث أقاموا مع بقايا جرهم. ظلوا على ذلك متساندين متآلفين تضمهم المجامع، وتجمعهم المواسم، حتى وقع الشر بينهم، فتفرقوا وتخاذلوا وقاتل بعضهم بعضًا، يقتل العزيز منهم الذليل٢.
стр. 424
عَكّ:
وقبائل عك، هي القسم الآخر الشهير من أقسام قبائل عدنان، وتقع أرضها في جنوب أرض معد، شقيق عك. وقد زعم أهل الأخبار أن "بختنصر" لما هاجم "حضورا" انطلق "عك" إلى أرض اليمن، فاستقر بها، فاختلط من ثَمَّ نسب عك باليمانيين١. وقد سكن العكيون تهامة اليمن إلى جُدَّة. ومن معاني لفظة "عك" في اللغة: الحر الشديد٢.
وقد تصور جماعة من النسابين وجود صلة بين "عك" و"الأزد"٣؛ والظاهر أن ذلك إنما وقع لهم من اختلاظ منازل القبيلتين. وزعم بعض الأخباريين أن نسب عك كان في اليمن في الأصل، ثم انتقل إلى معد، بعد قتال وقع بين عك وغسان في تهامة، تغلبت فيه غسان على عك، فأجلتها عن أوطانها، فمن ثم انتفت عك من اليمن، وانتسبت في معد٤.
стр. 425
وقد سيق نسب "عك" على هذه الصورة: "عك بن الديث بن عدنان" في بعض الروايات، وسيق على صور أخرى مثل: "عك بن عدنان بن عبد الله" من بطون الأزد١.
وهناك بيت شعر للشاعر "العباس بن مرداس" يتكثر بعك على اليمن، حيث يقول:
وعك بن عدنان الذين تلعبوا ... بغسان حتى طردوا كل مطرد٢
ومضمون هذا البيت يخالف ما جاء في الرواية الأخرى التي تدعي تغلب غسان على عك.
وقد ذكر "ابن دريد" أن "عدنان" والد "عك" هو "عدنان بن عبد الله بن الأزد"، وأن من نسب "عكًّا" إلى الأزد، نسبه إلى هذه الصورة٣ فجعل "عدنان" حفيدًا من حفدة الأزد.
وقد ورد في جغرافية "بطلميوس" اسم شعب من الشعوب العربية، دعي بـ Anchitae Achitae Akkitae Akkitai ٤، مواطنه هي المواطن التي نسبها النسابون إلى "عك"؛ لهذا ذهب الباحثون المحدثون إلى أن هذا الشعب هو "عك"٥. وعلى ذلك تكون إشارة "بطلميوس" إليهم أقدم إشارة إلى هذه القبيلة في التأريخ, وتكون "عك" بذلك من القبائل المعروفة قبل الإسلام بزمان. وهي لا بد أن تكون قد عرفت قبل "بطلميوس" وإلا لم يذكرها هذا الجغرافي في جغرافيته.
غير أن "بطلميوس" لم يشر إلى أصلها ونسبها، ولا إلى صلتها بغيرها من القبائل. وكل ما ذكره عنها أنها قبيلة من قبائل العرب، تسكن في المواضع التي عينها في كتابه المذكور.
стр. 426
أولاد معد:
وولد معد بن عدنان عددًا من الأولاد، جعلهم بعض الأخباريين أربعة، هم: نزار بن معد، وقضاعة بن معد، وقنص بن معد، وإياد بن معد١. وجعلهم بعض آخر أكثر من ذلك، إذ أضافوا إلى المذكورين عبيد الرماح بن معد، وقد دخل أبناؤه في "بني مالك بن كنانة"، والضحاك بن معد، قالوا: أغار على بني إسرائيل٢، وقناصة بن معد، وسنامًا، وحيدان، وحيدة، وحيادة، وجنيدًا، وجنادة، والقحم، والعرف، وعوفًا، وشكًّا، وأمثال ذلك٣.
وزعموا أن الإمارة كانت لقنص بعد أبيه على العرب، وأراد إخراج أخيه نزار من الحرم، فأخرجه أهل مكة، وقدموا عليه نزارًا٤.
ويُخرج بعض أهل الأخبار "قضاعة" من صُلب معد، فيضيفها إلى القحطانيين، على حين نرى فريقًا آخر من النسابين ومن ورائهم القضاعيون يعدون أنفسهم من أقدم أبناء معد, فيقولون: قضاعة بن معد، وبه كان يكنى معد٥، أي: إنهم أقدم أبناء معد, ويروون في ذلك شعرا من أشعار قضاعة في الجاهلية وبعد الجاهلية٦, وفي كل ذلك أثر التعصب القبلي الذي كان يتحكم في النفوس، ويظهر في النسب. ويذكر النسابون الذين يرجعون نسب قضاعة إلى حمير أنها من نسل قضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ كما رأيت٧.
ونرى "الكُميت" يعير قضاعة ويهجوها بانتمائها إلى اليمن, وادعائها أنها من "قضاعة بن مالك بن حمير"، وإنما هو "قضاعة بن معد بن عدنان"٨.
стр. 427
وقد شبهها بالرئال لمفارقتها نزارًا، وانتقالها إلى اليمن١.
ويشير اختلاف النسابين هذا في نسب قضاعة إلى اختلاط قبائل قضاعة بقبائل معد وبقبائل اليمن، فانتمى قسم منهم إلى معد، وقسم منهم إلى اليمن، ومن هنا وقع هذا الاختلاف. وأرى أن لاختلاط قبائل قضاعة في بلاد الشام وفي أماكن أخرى بقبائل ترجع نسبها إلى قحطان دخلًا في إدخال نسبها في اليمن. وقد يكون ذلك في العصر الأموي بصورة خاصة، حيث صار نزاع قيس وكلب، أي: نزاع عدنان واليمن نزاعا سياسيا عنيفا, قسم عرب بلاد الشام إلى جماعتين متباغضتين، تسعى كل جماعة لضم أكثر ما يمكن من القبائل إليها، ولا سيما القبائل القوية المهمة مثل قضاعة, فأدخلها اليمانيون لذلك فيهم وألحقوا نسبها باليمن. أما قضاعة الباقون الذين كانوا في أرضين أخرى، فلم يقع عليهم مثل هذا التأثير، وقد كانوا أكثر استقلالًا، وعلى اتصال متين بالعدنانيين؛ ولهذا أبوا إلحاق نسبهم بقحطان.
وإذا غربلنا أخبار الأيام وبعض الروايات التي يرويها أهل الأخبار، فإننا نتوصل منها إلى أن قضاعة كانت قد اشتركت مع ربيعة ومعدّ في محاربة "يمن"؛ فقد ذكر مثلًا: أن "عامر بن الظرب العدواني" قاد ربيعة ومضر وقضاعة كلها "يوم البيداء" لليمن, حين تمذحجت على بني معد٢, وذكر أن "ربيعة بن الحارث بن زهير التغلبي" قاد مضر وربيعة وقضاعة يوم السلان إلى أهل اليمن، وأن ابنه "كليب بن ربيعة"، وهو "كليب وائل" قاد ربيعة ومضر وقضاعة يوم "خرازى" إلى اليمن٣. ولعل في هذه الأمثلة وفي غيرها تأييدًا لرأي غالب قضاعة وبقية النسابين الذين يرجعون نسب قضاعة إلى بني معد، أي: إنها كانت في حلف مع ربيعة ومضر، وهما من بني معد. ولما كانت ربيعة ومضر في نزاع مع اليمن، كانت قضاعة معهما في هذا النزاع.
وتذكر "قضاعة" في الأخبار مع "مضر" و"ربيعة" و"اليمن"٤, وهذا
стр. 428
يدل على أنها كانت في منزلة المذكورين في الكثرة والمكانة, وقد عدت في قبائل "الحلة" من العرب ما خلا علافًا وجنابًا١. وأهميتها هذه وكثرة عددها، دفعت العدنانيين والقحطانيين إلى ضم نسب قضاعة إليهم؛ لما كان في هذا الضم من أثر كبير في تقوية مركز أحد الطرفين.
ويذكر "ابن سعد" أن ولد "معد" تفرقوا في غير بني معد سوى "نزار"٢ وقد أدرك "ابن سعد" وأمثاله ذلك من اختلاطهم باليمانيين، الأمر الذي أدى إلى تداخل النسب، فصارت أنسابهم لذلك مترجحة بين قحطان وعدنان.
стр. 429
نزار:
وهو جد القبائل "النزارية" المنحدرة على رأي النسابين من نزار بن معد من زوجه "معانة بنت جوشم بن جلهمة"، أو "معانة بنت جهلة" من جرهم١. وهو على زعم الأخباريين والد أربعة أولاد، هم: ربيعة، ومضر، وأنمار, وإياد٢, وهم أجداد قبائل كثيرة في الوقت نفسه. وقد انتشرت هذه القبائل في أواسط بلاد العرب وشماليها، وهناك أسطورة رواها المؤرخون والنسابون عن اختصاص كل ولد من أولاد نزار وعن المناطق التي نزلت بها قبائلهم واحتكامهم إلى "الأفعى الجرهمي٣" أو "أفعى نجران٤".
وقد زعم بعض أصحاب الأخبار أن أم ربيعة وأنمار: "حدالة" "جدالة" بنت وعلان بن جوشم بن جلهمة بن عمرو, من جرهم، وأن أم "مضر"
стр. 430
"سودة بنت عك"١، كما زعم بعض المورخين أن إيادًا وأنمارًا هما من أبناء معد. وأما نزار، فقد كان من عقبه البطنان: ربيعة، ومضر٢.
وقد نعتت مضر بـ "الحمراء"، فقيل: "مضر الحمراء"٣، ونعتت إياد بـ"الشمطاء"، و"البلقاء"، وقيل لربيعة "الفرس"، ولأنمار "الحمار"٤.
ويقال للنزاريين: "نزارية" و"بنو نزار" و"أبناء نزار". أما التنزر، فالانتساب إلى نزار، ويقال: تنزر الرجل، إذا تشبه بالنزارية، أو أدخل نفسه فيهم٥. واستعملت "النزارية" في مقابل "اليمانية" في أيام الأمويين٦.
ويرى "ليفي ديلافيدا" أن "النزارية" فكرة سياسية نجمت في العصر الأموي، في وسط ذلك الصراع الحزبي المعروف، وعلى الأخص بعد معركة "مرج راهط"، وأنها لا تمثل حقيقة تأريخية، فهي لا تعني رابطة قبائل بالمعنى المفهوم. ومن رأيه أن هذا الموضوع لم يدرس دراسة كافية بعد، وأن المواد اللازمة لدراسته غير متوافرة٧.
وقد ذهب أيضا إلى أن أقدم من ذكر اسم "نزار" من الشعراء الجاهليين هو "بشر بن أبي خازم"٨، و"كعب بن زهير" من الشعراء المخضرمين٩, ويرى أن "بني نزار" الواردة في شعر "حسان بن ثابت" لا تعني النزارية، أي: أبناء نزار بن معد بن عدنان على نحو ما يذهب إليه أهل الأنساب، بل
стр. 431
جماعة أخرى هي من نسل "نزار بن معيص بن عامر بن لؤي" من قريش١.
ويرى "ليفي ديلافيدا" أيضا أن ما ورد في شعر "أمية بن أبي الصلت" من شعر، نسب فيه ثقيفًا إلى نزار٢، وما ورد في قصة "الأقرع بن حابس التميمي" من ذكر "نزار"، لا يمكن أن يبعث الثقة إلى النفوس ولا الاطمئنان إلى القلوب، بل يظهر أن ما ورد إنما وضع لأغراض واضحة هي على زعمه إلحاق نسب ثقيف بنزار، وقد كان ذلك موضع جدل في ذلك العهد، وإثبات نسب "بجيلة" وهو نسب كان موضع جدل أيضا٣.
أما أنا، فأرى أن "نزارًا" من القبائل التي كانت معروفة في القرن الرابع بعد الميلاد، بدليل ورود اسمها في النص المعروف بـ"نص النمارة" الذي وضع على قبر "امرئ القيس"، ويعود عهده إلى سنة "٢٣٨" للميلاد. فقد ذكرت في جملة القبائل التي خضعت لحكمه, ولكن النص لم يتحدث عن نسب نزار ومواضعها في ذلك الزمن. وفي الجملة: إنها ذكرت مع قبيلة "أسد".
وتتألف القبائل النزارية من ربيعة ومضر وإياد وأنمار٤، على رأي من جعل أنمارًا ابنًا من أبناء نزار. فأما إياد، فقبيلة كانت مواطنها تهامة إلى حدود نجران، ثم انتشرت بسبب حروب وقعت بينها وبين ربيعة ومضر، فارتحل قسم منها إلى العراق، وانضم قسم آخر إلى قضاعة وأقام بالبحرين، وسكن قسم منها في "وادي بيشة"، وهاجر آخرون إلى بلاد الشام٥.
وقد كانت رئاسة مضر إلى ربيعة في أيام "كليب بن ربيعة"، المعروف أيضا بـ"كليب وائل"٦. وقد كانت مضر وربيعة متجاورتين ومتحالفتين، ودليل ذلك اقتران اسم إحداهما بالأخرى، وجعل أهل الأنساب مضر شقيقًا لربيعة غير أن تحاسدًا شديدًا كان يقع بين سادات مضر وسادات ربيعة، وطالما كانت
стр. 432
إحداهما تفتخر على الأخرى، وترى أنها أعز مكانةً ونفرًا من شقيقتها، كالذي يحدث بين القبائل.
ويظهر أن الأمر قد اختلط على بعض أهل النسب في قضية "إياد"، فجعلوا إيادًا ابنًا من أبناء معد، أي: شقيقًا لنزار، وجعلوه ابنا لنزار، فصيروه شقيقا لربيعة ومضر وأنمار. وقد ذكر المسعودي أن إيادا ينسبون إلى القبيل الأكبر، وليست لهم قبائل مشهورة. ويذكر قوم أن ثقيفا من إياد، ويرى فريق أنهم من قيس عيلان١.
وأما "قنص بن معد" فيزعم قوم أن "آل المنذر" ملوك الحيرة منهم٢, ويظهر من عدم ذكر أسماء قبائل تنسب إلى قنص أن قنص لم تكن من القبائل الكبرى، وأنها دخلت في القبائل الأخرى قبل الإسلام، فنسيت, فلما دون أهل الأخبار الأنساب، لم يكن لها شأن يذكر عندئذ غير الاسم.
ويلاحظ أن النسابين الذين جعلوا "آل نصر" من "قنص بن معد"، أي من العدنانيين، يذكرون أنفسهم ويروون في كتبهم أن نسبهم هو من اليمن، وأنهم من أصل قحطاني.
ويذكر أهر الأخبار أن ربيعة ومضر حاربوا أبناء قنص بن معد وتغلبوا عليهم، حتى أخرجوهم من ديارهم فتفرقوا في البلاد، وذهب جمع منهم إلى سواد العراق، ولكنهم اصطدموا بالنبط الأرمانيين من ملوك النبط، فتراجعوا واستقر قسم منهم في الأنبار والحيرة٣.
وأما "مضر بن إلياس" فولد "إلياس بن مضر"، وإلياس، وهو قيس عيلان. وعرف أبناء "إلياس" بـ"خندف" نسبة إلى أمهم "خندف"، وهم: مدركة, وطابخة، وقمعة٤. وذكر المسعودي أن مضر ترجع إلى حيين،
стр. 433
هما: خندف، وقيس١.
ومن النسابين من يزعم أن "قمعة"، واسمه "عمير"، هو والد خزاعة، أما خزاعة، فتأبى ذلك، وترجع نسبها إلى غسان٢.
وورد في شعر الشعراء المعاصرين لبني أمية: "ابنا نزار"، وقد قصدوا بذلك "ربيعة" و"مضر"٣، كما ورد "بحرا نزار" في المعنى نفسه٤. وجعل "ابن جني"، اللغة العربية التي نزل بها القرآن "لغة ابني نزار"٥.
وقد سمى "الفرزدق" "قيس علان"، و"خندفًا" بـ"الحيين" المكونين لمعد٦. وورد في شعر للعجاج "حيَّيْ مُضَر"٧, وجاء في شعر لجرير:
إذا أخذت قيس عليك وخندف ... بأقطارها, لم تدر من حيث تسرح٨
مما يدل على أن قيسًا وخندفًا، كانا من القبائل القوية في هذه الأيام.
ويظهر من تقسيم النسابين قبائل مضر إلى حيين: خندف وقيس عيلان، أن تلك القبائل كانت حلفًا في الأصل، ثم انفصمت عراه، أو أن خندف تحالفت مع قبائل قيس عيلان, وربطت نسبها بنسب مضر. وتتألف خندف من
стр. 434
قبائل مهمة، منها: ضبة، وتميم، وخزيمة، وهذيل، وكنانة، وقريش، وأسد, وغيرها. وأما قيس عيلان، فمن قبائلها: فهم، وعدوان، وغطفان، وعبس، وذبيان, وسُليم، وهوازن، وباهلة، وغنى، وغيرها من قبائل سيأتي ذكرها بعد قليل.
وأما مدركة بن إلياس، فولد: خزيمة، وهذيلا، وأسدا، وكنانة. فأما هذيل، فأولد ثلاثة: سعدا، ولحيانا، وعميرا، والعدد في سعد بن هذيل: تميم, وحريث، ومنعة، وخزاعة، وجهامة، وغنم، وولد تميم: معاوية والحارث١.
وجعل "مصعب بن عبد الله بن مصعب الزبيري" أولاد مدركة ولدين، هما خزيمة وهذيل. أما أسد وكنانة، فهما عنده ولدان من أولاد خزيمة٢.
وأما خزيمة، فله من الولد كنانة، وأسد، وأسدة، والهون٣, وولد أسد دودان، وكاهلا، وعمرا وحملة. فهؤلاء "بنو أسد"، ومنهم تفرقت أسد كلها. ومن بطونهم المشهورة: "بنو فقعس"، وبنو الصيداء، وبنو نصر بن قعين، وبنو الزينة، وبنو غاضرة، وبنو نعامة. أما ولد الهون، فهم: القارة، ومن القارة: عضل، والديش، وهما قبيلا الهون, وقد اشتهرت القارة بالرماية٤. وجعل "الزبيري" ولد الهون ثلاثة, هم: عضل، والديش، والقارة٥.
ويذكر "الزبيري"، الذي أدخل أسدة في أولاد خزيمة، أن أسدة يزعمون أنه جذام، ولخم، وعاملة، وقد انتسبوا في اليمن، ويظهر أن قبائل "أسد بن خزيمة" ادعت، حين مجيء لخم وجذام مع خالد بن عبد الله القسري إلى العراق، أنها والقبائل القادمة من دم واحد، هو دم خزيمة بن مدركة، وأنها أرادت إلحاق نسبها بهذا النسب٦.
стр. 435
وأما كنانة١، فولد النضر، ومالكا، وملكان، وعبد مناة، وهو علي، وربما قالوا مسعودًا٢، وآخرين ذكرهم "الزبيري٣. فأما بنو ملكان، فلهم بقية، وليس لهم شرف بارع، مما يدل على أنهم لم يكونوا كثيري العدد. وأما بنو مالك، فمن قبائلهم بنو فقيم وبنو فراس, ومن بني فقيم "القلامس" نَسَأة الشهور. وأما عبد مناة، فمنهم "بنو مُدلج" القافة، ومنهم بنو جذيمة، ومنهم بنو ليث، ومنهم الدئل، ومنهم بنو ضمرة, ومن بني ضمرة: غفار, ومنهم بنو عريج٤.
وأما "النضر"، فولده مالك والصلت٥. فأما "الصلت"، فصاروا في اليمن، ويقول قوم: إنه أبو خزاعة٦, ورجعت قريش إلى مالك كلها، فهو أبوها كلها. وولد مالك بن النضر فهرًا والحارث٧. فأما "الحرث" الحارث بن مالك، فهو من المطيبين، ويقال: إن الخلج منهم, ويقال: كانوا من عدوان، فألحقهم عمر بن الخطاب بالحارث، وسموا خلجًا؛ لأنهم اختلجوا من عدوان، وهم بالمدينة كثير٨.
وأما فهر بن مالك، فمنهم تفرقت قبائل قريش، فقيل لهم "بنو فهر", وولده: غالب بن فهر، ومحارب بن فهر٩. فأما "محارب"، فمنهم ضرار بن الخطاب شاعر قريش في الجاهلية. وأما غالب بن فهر، فولده لؤي وتيم، فأما تيم، فهم بنو الأدرم من أعراب قريش١٠.
ويذكر بعض أهل الأخبار أن قريشًا كانوا متفرقين في "بني كنانة"، فجمع "قصي" إلى مكة "بني فهر بن مالك" فجذم قريش كلها "فهر بن مالك"
стр. 436
فما دونه "قريش" وما فوقه عرب، مثل كنانة وأسد وغيرهما من قبائل مضر، فإنما قريش إلى "فهر بن مالك" لا تجاوزه١. ثم يفسرون معنى "قريش" بالتقرش أي: التجمع، أو جمع المال والتجارة، أو غير ذلك مما سأتحدث عنه فيما بعد٢. مما يدل على أن تلك التسمية لم تكن قديمة، وإنما هي لقب في الأصل أطلق على جماعة من بني فهر كانوا يسكنون مكة، فعرفوا به حتى غلب على اسمهم، وصار اللقب اسمًا، ومن هنا اشتهر بين النسابين أنه اسم إنسان وجدّ قبيلة.
وأما لؤي، فإليه ينتهي عدد قريش وشرفها, وولده: كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي، وسامة بن لؤي، وسعد بن لؤي، وخزيمة بن لؤي، والحارث بن لؤي, وعوف بن لؤي٣. فأما عامر، فولده: حسل ومعيص، ومن حسل سهل وسهيل والسكران بنو عمرو. وأما سامة، فوقع بعمان، وهلك بها فولده هناك. وأما سعد بن لؤي، فهو أبو ولد بنانة، وأما خزيمة بن لؤي، فمنهم عائذة، وهم في بني شيبان. وأما كعب بن لؤي، فولده: مرة، وهصيص، وعدي٤. فأما هصيص، فمنهم بنو سهم، وبنو جمع. وأما عدي، فمنهم عمر بن الخطاب. وأما مرة، فمنهم تيم بن مرة رهط أبي بكر، وآل المكندر، ومنهم مخزوم بن يقظة بن مرة، ومنهم كلاب بن مرة وولد زهرة بن كلاب وقصي بن كلاب٥.
وأما قصي بن كلاب، فإنه أول من جمع قبائل قريش، وأنزلها بمكة، وبنى دار الندوة، وأخذ مفتاح الكعبة من خزاعة. وكان له من الولد: عبد مناف، وعبد الدار، وعبد العزى، وعبد٦. فأما عبد، فبادوا. وأما عبد العزى، فمنهم خويلد بن أسد أبو خديجة. وأما عبد الدار، فمنهم آل أبي طلحة، ومنهم شيبة بن عثمان، وقد أعطاه النبي مفتاح الكعبة، وصار في
стр. 437
ولده. وأما عبد مناف، فولده هاشم وعبد شمس والمطلب ونوفل وأبو عمرو١.
وأما طابخة بن إلياس، فولد أدًّا، وولد "أد" مرًّا وعبد مناة وضبة ومزينة وحميسًا والرباب. فأما عبد مناة، فمنهم تيم بن عبد مناة وبطونها، وعدي بن عبد مناة، وعُطْل بن عبد مناة، وهؤلاء الثلاثة من الرباب، وثور بن عبد مناة٢. وجعل "الزبيري" ولد أد بن طابخة: مزينة، ومرا, وتميما٣.
وأما ضبة بن أد، فولده سعد وسعيد وباسل. فأما باسل، فهو أبو الديلم، وقُتِل سعيد ولا عقب له، وضبة كلها ترجع إلى "سعد بن ضبة"، وهي جمرة من جمرات العرب، وهي من الرباب. وولد سعد الذين تنسب إليهم ضبة بكرًا، وثعلبة, وصريمًا. ومن بطونهم نصر، ومازن، والسيل، وذهل، وعائذة، وتيم اللات، وزبان، وعوف، وشيم. ومن ذهل بجالة، وتيم، وصبيح، وضبة، وكعب. ومن كعب ضرار بن عمرو، وهو بيت ضبة، وبنو صباح، وهم معروفون بالصيد، وشقرة, وهلال٤.
وأما مزينة بن أد، فهم مزينة مضر، ومنهم الشاعر زهير. وأما حميس بن أد، فهم قليلون، يكونون في البصرة في بني عبد الله بن دارم وبالكوفة في بني مجاشع. وأما مر بن أد، فولده ثعلبة بن مر, وهم بنو ضاعنة، ونسبوا إلى أمهم, وبكر بن مر وهم الشعيراء, وأراشة بن مر ولحقوا باليمن، فصاروا في جذام، ويقال لهم جديس، والغوث بن مر وصاروا باليمن، ويقال لهم: بنو صوفة، وكانوا يفيضون بالناس قبل بني صفوان وتميم بن مر٥.
وأما تميم بن مر، وقبره بـ"مران"، فولده زيد مناة، وعمرو، والحارث. فأما الحارث، فمنهم شقرة, وأما عمرو، فولده العنبر والهجيم وأسيد والقليب والحارث بن عمرو المعروف بـ"الحبط"، ويقال لولده "الحبطات"، ومالك بن عمرو. وأما زيد مناة، فولد سعدًا وفيهم العدد، وعامرًا، وانتسب ولده إلى عامر بن مجاشع والحارث، وهم قليل، وامرؤ القيس، منهم عدي
стр. 438
ابن زيد الشاعر، وقبائلهم بنو عصية, ومالك بن زيد مناة ومنهم ربيعة الجوع، ومنهم البراجم، وهم عمرو وقيس وكلفة وظليم وغالب بنو حنظلة بن مالك, ومنهم بنو يربوع بن حنظلة، وهم بنو كليب بن يربوع، ورياح بن يربوع، وثعلبة بن يربوع، وعُدانة بن يربوع، وحزام بن يربوع١.
ومن تميم بن مر بنو دارم بن مالك بن حنظلة، ومجاشع بن دارم، ونهشل بن دارم، ومنهم بنو العدوية، نسبوا إلى أمهم، وهم: زيد بن مالك بن حنظلة، وصدي بن مالك بن حنظلة، ويربوع بن مالك بن حنظلة، وعوف بن مالك بن حنظلة, وجشش بن مالك بن حنظلة٢.
وأما سعد بن زيد مناة بن تميم فهو الفزر, وولده كعب بن سعد، وعمرو بن سعد، والحارث بن سعد، وهم: عوافة، وعبشمي بن سعد، واسمه مقروع، وجشم بن سعد، ومالك بن سعد، وهبيرة بن سعد. فأما كعب بن سعد، ففيهم العدد؛ منهم مقاعس، ومنهم حمان، ومنهم بنو منقر، ومنهم بنو مرة، ومنهم ربيعة. ومن "عوف بن كعب" بهدلة رهط الزبرقان بن بدر، وقريع رهط بني أنف الناقة، ومنهم آل عطارد وآل صفوان بن شجنة الذين كانت فيهم الإفاضة بالناس من عرفة، ومن عطارد بنو عوف٣.
وأما قيس بن عيلان، وهو قمعة بن إلياس بن مضر، فولد سعدًا، وعكرمة، وأعصر، وعمرًا، وخصفة. وبعض النساب يزعم أن عكرمة هو ابن حفصة، وأعصر هو ابن سعد٤. وأما عمرو بن قيس، فولده فهم وعدوان. فمن فهم تأبط شرًّا, وأما عدوان، فمن بطونهم بنو خارجة وبنو وابش وبنو يشكر وبنو عوف والفرعا وبنو رهم وبنو رباح. ومن عدوان عامر بن الظرب حاكم العرب، وأبو سيارة الذي كان يفيض بالناس، وعدوان أنزلوا ثقيفًا بالطائف، وكانت كثيرة السادة، فتفرقوا يبغي بعضهم على بعض٥.
стр. 439
وأما بنو سعد بن قيس عيلان، فهم غطفان١ وأعصر بن سعد. فولد أعصر غنيًّا ومَعْنًا وهو أبو باهلة، وباهلة امرأة من همدان نسب بنو معن إليها، ومنبه بن أعصر وهم الطفاوة. فأما غني، فمنهم بنو ضبينة وبنو بهثة وبنو عبيد, وهم حلفاء في بني كلاب. وأما الطفاوة، فمنهم بنو جسر وبنو سنان، وكانوا في بني شيبان حلفاء. ومن الطفاوة الحبال، وكانوا في الهجيم، وأما معن بن أعصر، فولده قتيبة ووائل، وأمهما من فزارة, وأود، وجاءت أمهما باهلة امرأة من همدان، وفراص, وأبو عليم٢.
وأما قتيبة بن معن، فمن ولده غُنْم، وولد غنم سهم بن غنم، ومن بني قتيبة بنو صحب، وهم ينزلون اليمامة. ومنهم عمرو بن عبد واعبد وقعنب وسعد بن عبد وعامر بن عبد، ومن بني سعد بنو أصمع. وأما وائل بن معن، فمنهم بنو سلمة وبنو هلال بن عمرو وبنو زيد وبنو عامر بن عوف وبنو عصية٣.
وأما غطفان بن سعد، فولده ريث وعبد الله، فولد ريث بغيضًا وأشجع، فولد بغيض ذبيان وعبسا وأنمارا. وأما عبد الله بن غطفان، فهم في بني عبس, وأما أشجع، فمنهم بنو دهمان. وأما أنمار بن بغيض، فهم قليل. وأما عبس بن بغيض، فولده قطيعة، وورقة، ومعتم، والشرف والعدد في قطيعة. وأما ورقة ومعتم ابنا عبس، فلا يعرف منهما أحد٤.
وأما ذبيان بن بغيض، فولده فزارة، وسعد، وهاربة البقعاء، وقد بادت هاربة إلا بقية يسيرة في بني ثعلبة بن سعد. وأما فزارة بن ذبيان، فولده عدي، وظالم، ومازن، وشمخ. فأما ظالم، فقد بادوا إلا قليلًا، وأما شمخ بن فزارة، فولده لؤي وهلال, وأما مازن بن فزارة، فمنهم بنو العشراء، وأما عدي بن فزارة، فولده ثعلبة وسعد٥.
وأما سعد بن ذبيان، فولده ثعلبة وعوف. فمن ثعلبة بنو جحاش، وبنو سبيع، وبنو حشور, وفي بني سبيع البيت والشرف. وولد عوف بن سعد
стр. 440
مرة وعيدًا. فأما عيد، فقليل، وفي مرة بن عوف الشرف والسؤدد. فولد مرة بن عوف غيظًا، ومالكًا، وحرمة، وسهمًا، وبني صارد, وغيرهم. فولد غيظ نشبة ويربوعًا١.
وأما خصفة بن قيس عيلان، فولده عكرمة ومحارب, وبعضهم ذكر أن عكرمة هو ابن قيس. وأما محارب، فمنهم جسر والخضر, وبنو جسر حلفاء بني عامر بن صعصعة. وأما عكرمة، فولده عامر, ومنصور، وأبو مالك. فأما بنو أبي مالك، فهم في بني تيم الله, وأما عامر، فهم حشوة في بني سليم ولهم بقية بالبادية, وأما منصور بن عكرمة، فولده سليم، وسلامان، وهوازن، ومازن. وأما سليم فولده بهثة, وولد بهثة امرأ القيس وعوفًا. ومن قبائل سليم: بنو حرام, وبنو خفاف، وسماك، ورعل، وذكوان، ومطرود، وبهز، وقنفذ، ورفاعة، وعصبة، وظفر، وبجلة, وحبيب بن مالك، وبنو الشريد، وبنو قتيبة٢.
وأما هوازن بن منصور، فولده بكر، وسبيع، وحرب، ومنبه، ولا عقب لسبيع وحرب. وأما منبه، فهو أبو ثقيف في قول بعض النسابين. وولد بكر بن هوازن سعدا ومعاوية وزيدا, ومن ولد معاوية بن بكر: جشم، ونصر، وصعصعة، والسباق، وجسر، وجحش، وجحاش، وعوف، ودحوة، ودحية. فأما دعوة، ودحية، وجحش، وجحاش، فلا عقب لهم, وأما عرف فيقال لهم: الوقعة٣.
وأما صعصعة بن معاوية، فولده عامر ومرة وغاضرة ومازن ووائلة. فأما بنو مرة فيعرفون بـ"بني سلول". وأما عامر بن صعصعة، فولده هلال بن عامر، وسواءة بن عامر, ونمير بن عامر، وهي جمرة من جمرات العرب, وربيعة بن عامر، وولده بنو مجد وينسبون إلى أمهم, وهم عامر بن ربيعة، وكلاب بن ربيعة، وكعب بن ربيعة. فأما عامر بن ربيعة، فمن ولده عمرو بن عامر فارس الضحياء، وبنو البكا بن عامر. وأما كلاب بن ربيعة، فمن ولده جعفر، ومعاوية، وربيعة، وأبو بكر، وعمرو، والوحيد، ورواس،
стр. 441
والأضبط، وعبد الله. وأما معاوية بن كلاب، فمنهم الضباب، وهم حسل وحسيل وضب١.
وأما عمرو بن كلاب، فمنهم بنو دودان. وأما أبو بكر بن كلاب، فمن ولده القرطات: قرط وقريط ومقرط. وأما كعب بن ربيعة، فمن ولده عقيل وقشير والحريش وجعدة وعبد الله وحبيب. وأما عبد الله، فمن ولده بنو العجلان. وأما قشير بن كعب، فمنهم غطيف وغطفان، ومنهم مالك ذو الرقيبة، ومنهم بنو ضمرة. وأما عقيل بن كعب، فمنهم خفاجة، ومنهم الخلفاء، ومنهم الأخيل٢.
وأما منبه بن هوازن بن منصور، فولده قسي، وهو ثقيف, فولد ثقيف جشم وعوفا والمسك، فتزوج قاسطٌ المسك، فولدت وائلًا أبا بكر بن وائل. وأما جشم، فولد حطيطا، فولد حطيط مالكا وغاضرة. وأما عوف، فهم الأحلاف؛ وذلك أنهم تحالفوا على بني مالك وصارت غاضرة مع الأحلاف، فثقيف فرقتان: بنو مالك والأحلاف٣.
هذا وإننا لنجد بعض النسابين ينسبون ثقيفا إلى "ثمود"، فيقولون: إنهم من بقاياهم، وهو نسب لا يرضى عنه الثقفيون بالطبع، ويزعجهم أن يكونوا من قوم هلكوا بسبب غضب الله عليهم٤. ومنهم من جعل نسبهم في إياد, ومنهم من جعل نسبهم من "أبي رغال" إلى غير ذلك من أقوال، يظهر أنها ظهرت في الإسلام كرهًا للحجاج ين يوسف، أحد بني ثقيف، المشهور بتعسفه وبظلمه. وقد قيل: إن قيسًا، وهو اسم "ثقيف" هو من القسوة، وكان غليظا قاسيا٥, ولا أظن أن هذا التفسير هو مما يرضي الثقفيين.
وأما ربيعة بن نزار بن معد، فولد أسد بن ربيعة وضبيعة بن ربيعة وأكلب بن ربيعة. فأما أكلب بن ربيعة، فهم في خثعم, وهم بطون كثيرة تنسب إلى خثعم. وأما ضبيعة بن ربيعة، فولد أحمس، والحارث، والقلادة، وأما
стр. 442
أسد بن ربيعة، فولد جديلة وعنزة وعميرة. فأما عميرة، فهم في عبد القيس, وأما عنزة، فاسمه عامر, وأما جديلة، فولد دعميًّا وولد دعمي أفصى، فولد أفصى هنبًا وعبد القيس, فولد عبد القيس اللبو وأفصى, وولد أفصى شنا ولكيزا. فمن شن الديل بن شن, وولده سعد وجذيمة وعامر وحبيب, ومنهم بنو بهثة بن جذيمة بن الديل بن شن. وأما لكيز، فولد نكرة وصباحًا ووديعة. فأما نكرة، فهم حلفاء جذيمة، ومنهم هنبة بن نكرة، وهم أهل البحرين١. وفيهم العدد والشرف، ومنهم المثقب العبدي الشاعر والممزق الشاعر والمفضل بن عامر الشاعر وصاحب القصيدة المنصفة. وبعمان قوم من نكرة، وباليمن قوم منهم.
وأما وديعة، فولده عمرو وغنم ودهن. فأما دهن، فهم وائلة، نسبوا إلى أمهم, وأما غنم، فولد عمرو بن غنم وعوف بن غنم. وأما عمرو بن وديعة فولده أنمار وعجل ومحارب والديل والعوق وامرؤ القيس. فمن ولد الديل أهل عمان, وأما العوق، فمنهم العوقة، وهم عمانيون قليل. وأما أنمار، فمنهم عصر، ومنهم ظفر، وأما محارب، فولد حطمة وظفرًا أبا محارب٢.
وأما هنب بن أفصى، فولد قاسط بن هنب وعمرو بن هنب وخندف بن هنب. وأما عمرو فمنهم عتيب، وهم بنو شيبان. وأما قاسط، فولد عمرو بن قاسط والنمر بن قاسط ووائل بن قاسط. أمهم المسك بنت ثقيف.
وأما النمر بن قاسط، فولد تيم الله وأوس الله وعائد الله وأمهم هند بنت تيم بن مر وإخوتهم لأمهم بكر وتغلب، وأخوهم لأمهم أيضا اللبو بن عبد القيس. فأما تيم الله، فولد الخزرج والحريث, وولد الخزرج سعدًا. وأما وائل بن قاسط، فولد بكر بن وائل وتغلب بن وائل وعنز بن وائل, أمهم هند بنت تميم بن مر. فأما عنز بن وائل، فأولد أراشة ورفيدة, فمن أراشة أشجع وغضاضة٣.
وأما تغلب بن وائل، فولد غنم بن تغلب والأوس بن تغلب وعمران بن تغلب. فأما غنم بن تغلب، فمنهم معاوية بن عمرو بن غنم, ومنهم الأراقم،
стр. 443
وهم: جشم، ومالك، وعمرو، وثعلبة، والحث، ومعاوية بنو بكر بن حبيب بن عمرو. ومن بني تغلب عكب, ومنهم بنو عدي بن أسامة، ومنهم بنو كنانة يقال لهم: قريش تغلب, وهم بنو عكب, ومنهم جشم بن بكر، ومن بني جشم بنو الحارث بن زهير، رهط كليب بن ربيعة، ومن بني زهير بنو عتاب.
وولد بكر بن وائل علي بن بكر، ويشكر بن بكر، وبدن بن بكر، أمهم هند بنت تميم بن مر. ويقال لها أم القبائل. فأما يشكر، فولد كعبا وكنانة وحربا, وفي كعب العدد والشرف. فمن ولد كعب حبيب والعتيك، ومنهم بنو غنم بن حبيب وثعلبة وجشم وعدي بن جشم١.
وأما علي بن بكر، فولده صعب, وولد صعب لُجيمًا وعُكابة ومالكًا. فأما مالك، فمنهم بنو زمان وعددهم في بني حنيفة, وأما لجيم، فولد عجلا وحنيفة, فأما عجل، فولده ربيعة وضبيعة وسعد وكعب, فأما كعب وضبيعة فقليل.
وأما حنيفة بن لجيم، فولده: الدول وعدي وعامر وعبد مناة. فأما عبد مناة فهم قليل, وأما الدول فمنهم بنو هفان.
وولد عكابة بن صعب قيسًا وثعلبة. فأما قيس، فقليل، وعددهم في بني ذهل. وأما ثعلبة بن عكابة، فيقال له الحصن, وولد ثعلبة ذهلًا وشيبان وقيسًا وتيم الله وأتيدًا وضنة. فأما ضنة، فلحقت باليمن فصارت في بني عذرة, وأما أتيد، فهي في بني شيبان, وأما تيم الله بن ثعلبة، فهم اللهازم، وهم حلفاء بني عجل. فولد تيم الله مالكا والحارث وعامرا وهلالا وذهلا وزمانا وحاطمة، فهؤلاء يقال لهم الأحلاف، إلا الحارث وعامرًا ومالكًا، وسمي أولئك أحلافا لأنهم تحالفوا على هؤلاء٢.
وأما قيس بن ثعلبة، فولد ضبيعة وتيمًا وسعدًا, وفي ضبيعة العدد. وأما تيم بن قيس وسعد بن قيس فهما الحرقتان. وأما ذهل بن ثعلبة بن عكابة، فولد شيبان وعامرًا. فأما عامر، فيقال لها الوخم. وأما شيبان، فولده سدوس وفيه العدد، وعمرو ومازن وعلباء وعامر وزيد مناة.
стр. 444
فأما علباء، فهم قليل, وأما شيبان بن ثعلبة بن عكابة، فولده: ذهل، وتيم، وثعلبة، وعوف. فأما عوف، فلا عقب له. وأما ذهل بن شيبان، فولد مرة بن ذهل، وربيعة، ومحلمًا، والحارث، وعبد غنم، وعوفا، وصبحا, وشيبان، وعمرو وأمه جذرة، وهم يدعون بني الجذرة، وهم قليل١.
والأنساب التي دونتها ورتبتها، لا تعني أنها أنساب كاملة، كل شجرة منها بأغصانها وأوراقها، لم أترك نسبًا، ولم أهمل اسمًا, بل هي خلاصة الأنساب، أخذتها كما رويت في كتاب "الإكليل" للهمداني وفي كتاب "المعارف" لابن قتيبة. وقد ترك ابن قتيبة أسماء قبائل وبطون وأفخاذ؛ لأنها لم تكن مثل المذكورين في الشهرة، وبين "ابن قتيبة" وغيره من النسابين اختلاف كبير في عرض الأنساب وترتيبها. ولما كان عملي هو وضع مخطط عام في النسب لا غير، فقد رأيت الاكتفاء بهذا الرسم الأولي، وترك التفصيلات ومواطن الخلاف إلى الراغبين في دراسة النسب المتعشقين له؛ ليراجعوا الكتب الخاصة بها. وغايتي من هذا المخطط، هو تقديم جريدة صغيرة إلى القارئ بأسماء قبائل عدنان وقحطان؛ ليقف عليها، فعلى هذه المعرفة يتوقف فهم كثير من الأحداث.
стр. 445
الفصل العاشر: أثر التوراة
مدخل
...
الفصل العاشر: أثر التوراة
لهذا المدون في التوراة عن الإسماعيليين والقحطانيين، وعن نوح وأولاده، وعن الأنساب الأخرى، أثر ظاهر على عمل أهل الأخبار والأنساب الذين اشتغلوا بموضوع النسب في الإسلام، بل يظهر أن أثره كان فعالًا ومؤثرًا حتى في الجاهليين؛ وذلك لاتصالهم واختلاطهم بأهل الكتاب.
وكان لِما جاء في القرآن الكريم مجملًا من أمر آدم ونوح والطوفان وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل وغيرهم، وما جاء فيه من أمر عاد وثمود وقوم صالح وأصحاب الأيكة وقوم تُبَّع، أثر كبير أيضا في أهل الأخبار والتفسير حملهم على البحث عنهم, والتفتيش عن أخبارهم من الأحياء المسنين الذين كانوا يقصون على جيلهم قصص الماضين وأخبار العرب المتقدمين، ومن أهل الكتاب الذين كان لهم إلمام بما جاء في التوراة من الرسل والأنبياء والأمم القديمة والأنساب.
ويمكن حصر الروايات الواردة في الأنساب، والمأخوذة من أهل الكتاب وإرجاعها إلى الطرق الأصلية التي وردت منها وإلى الأماكن التي ظهرت فيها، وسنجد بعد البحث أن أكثر رواة هذا النوع من الأخبار كانوا قد استقوا من معين واحد, هم مسلمة أهل الكتاب، مثل: كعب الأحبار, ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، ومحمد بن كعب القرظي، ورجل من أهل تدمر عرف
стр. 446
بـ" أبي يعقوب" كان يهوديا فأسلم, وقد زود "ابن الكلبي" وغير ابن الكلبي بقسط من هذه الأسماء التي يستعملها النسابون في الأنساب. وكان "محمد بن إسحاق" صاحب السيرة يعتمد على أهل الكتاب، ويكثر الرواية عنهم ويسميهم أهل العلم الأول١.
وقد استغل نفر من أهل الكتاب حاجة المسلمين هذه إلى الوقوف على "البدء"٢ أي: مبدأ الخلق والتكوين، وقصص الرسل والأنبياء، وكيفية توزع البشر، فأخذوا يفتعلون ويضعون ويصنعون على التوراة والكتب اليهودية المقدسة، يبيعونه لهم أو يتقربون به إليهم، ادعاءً للعلم والفهم. قال الطبري: "كان ناس من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله ليأخذوا به ثمنا قليلا"٣.
أما ما ذكروه من أن "أبا يعقوب" التدمري وجد في كتاب "بورخ بن ناريا" "كاتب إرميا"، نسب "معد بن عدنان" فإنه كذب وتلفيق، فليس في كتاب "بورخ" شيء من هذا النسب. وكتابه من جملة أسفار "الأبوكريفا" في نظر "البروتستانت"٤، وهو مترجم إلى العربية ومطبوع مع أسفار التوراة الأخرى، في الترجمة "الكاثوليكية"، وقد قرأناه فلم نجد فيه شيئا من هذا الذي يذكره اليهودي الذي دخل في الإسلام وليس لـ"بورخ" كتاب آخر فنقول:
стр. 447
إنه وجده فيه، ولا يعقل أن يكون كتاب "بورخ" الذي قرأه نسخة خاصة لم توجد عند غيره من الناس، حتى نحسن الظن به. وكل ما نجده في سفر "بورخ" مما قد يكون له علاقة بالعرب هو هذه الكلمات: "لم يسمع به في كنعان ولا تروى في تيمان، وبنو هاجر أيضا المبتغون للتعقل على الأرض وتجار مران وتيمان وقائلو الأمثال ومبتغو التعقل، لم يعرفوا طريق الحكمة ولم يذكروا سبلها"١. وليس في هذه الكلمات -كما نرى- شيء ما له صلة بنسب "معد بن عدنان".
فكنعان كناية عن الكنعانيين، وليست لهم صلة بمعد أو بعدنان. وأما "تيمان" فكناية عن أرض كانت في الجنوب الشرقي من "أدوم"، وهي أرض "أبناء الشرق"، وقد نسبت التوراة التيمانيين إلى "اليفاز بن عيسو"٢، ونسبت إليهم الحكمة٣, وليست لهم علاقة أيضا بأبناء معد ولا بعدنان.
وأما "بنو هاجر" "الهاجريون" "Hagrites" فإنهم شعب سكن شرق أرض "جلعاد"، وقد اختلف علماء التوراة في أصله، فمنهم من عده قبيلة عربية، ومنهم من عده من الآراميين، ومنهم من رأى أنهم "الإسماعيليون". وقد ذكر الهاجريون مع أقوام من الآراميين في كتابة أخبار انتصارات "تغلا تبليسر الثالث" "Tiglath-Pileser III". وهكذا وجدنا أنفسنا عاجزين حتى في هذا الموضع من سفر "باروخ" من العثور عن أية صلة للكلمات المذكورة بنسب "معد بن عدنان".
ويروي رواة الشعر وأهل الأخبار شعرًا لعدي بن زيد العبادي ولأمية بن أبي الصلت ولنفر آخر من الشعراء في أحداث وأمور توراتية. وهذه الأشعار إن صح أنها لهم حقا، دلت على وقوف أولئك الشعراء على التوراة, أو على بعض أسفارها، أو على قصص منها. أما عدي بن زيد، فلا أستبعد وقوفه على التوراة، فقد كان نصرانيًّا قارئًا كاتبًا بالفارسية والعربية، وربما كان كاتبًا بلغة بني إرم كذلك، لغة المثقفين في العراق يومئذ. وقد كان هو نفسه من
стр. 448
المثقفين ثقافة عالية بالقياس إلى زمانه، وفي شعره زهد وتصوف وتدين وتأمل وتفكر، فلا يستبعد إذًا أخذه من التوراة ومن الأناجيل. وقد أورد "الهمداني" له أبياتًا في قصة آدم وحواء والجنة والحيّة١, وهي أبيات فيها ركة وضعف، ولكنها منتزعة من "سفر التكوين" من التوراة أخذت منه٢. وهي إن كانت من شعره ومن نظمه حقا، كانت أقدم شعر يصل إلينا في نظم بعض قصص التوراة بلغة عربية.
وأما "أمية بن أبي الصلت" فقد كان واقفا على كتب اليهود والنصارى كما يذكر أهل الأخبار، قارئا لكتب الديانتين، مطلعا على العبرانية أو السريانية أو على اللغتين معًا، إن كان واقفا أي حائرا بين الديانتين، فلم يدخل في أمية ديانة منهما، وإنما كان من الأحناف على حد تعبير أهل الأخبار؛ لذلك لا يستبعد وقوفه على قصص توراتي وإنجيلي، وعلى الاستفادة منه في الشعر. ونجد في شعره ألفاظا غريبة، يذكر أهل الأخبار أنه أخدها من لغات أهل الكتاب، فوضعها في شعره، وشعره كما قلت في مواضع من هذا الكتاب يستحق من هذه الناحية الدرس والنقد، لنرى إلى أية درجة من الحق والصدق تصل دعاوى أهل الأخبار في شعر أمية، وفي نسبته إليه. وهو إن ثبت أنه له، كان أيضا دليلًا على وقوف المثقفين من الجاهليين على كتب أهل الكتاب، وشيوعه في الحجاز، وكان أيضا دليلا على نظم بعض الشعراء لحوادث التوراة والإنجيل في شعرهم في ذلك العهد.
ونجد في شعر "أمية بن أبي الصلت" وأمثاله من المتصلين بأهل الكتاب القارئين لكتبهم كما يذكر أهل الأخبار، فائدة كبيرة لنا في تكوين رأي عام عن وقوف العرب على الآراء التوراتية في الجاهلية، وفي جملة ذلك أنساب التوراة. وفي الشعر المنسوب إلى "أمية" آراء مستمدة من التوراة، مثل شعره في "نوح" وفي قصة "الطوفان" والغراب والحمامة وبقية حكاية الطوفان إلى زواله، فإنه إن صح دل على وقوف "أمية" على خبر قصة "الطوفان" الواردة في السفر السادس فما بعده من التكوين. فإن ما جاء في هذا الشعر هو اقتباس
стр. 449
لما ورد في تلك الأسفار١. ونجد له أشعارًا أخرى إن صحت نسبتها إليه، دلت على أنه كان على اتصال بأهل الكتاب، وعلى أخذٍ منهم. ولعله كان يغرف من قصصهم الذي كان يشرح للناس ما جاء في التوراة، أو أنه كان يراجع ترجمات للتوراة كانت بعربية أهل الكتاب في ذلك العهد، أو يسمع منهم ترجمة التوراة سماعًا فوقف على بعض ما جاء فيها، وفي جملة ذلك هذا القصص، وربما الأنساب المتعلقة بالعرب كذلك.
وحكاية "أمية" عن الطوفان أقرب إلى التوراة من حكاية "الأعشى" أبي بصير ميمون بن قيس، عن الطوفان, وذلك إن صح أن ذلك الشعر من نظمه حقا؛ فإن العناصر التوراتية فيه ليست بارزة واضحة وضوحها في شعر أمية. ويظهر من بعض الجمل الواردة في شعر الأعشى عن الطوفان, مثل:
ونادى ابنه نوح وكان بمعزل ... ألا اركب معي واترك مصاحبة الكبر
فقال:
سآوي نحو أعيط مشرف ... بطول شنان السماء ذي مسلك وعر٢
ومثل:
ونجا لنوح في السفينة أهله ... ملاحكة الألواح معطوفة الدسر
فلما استوت من أربعين تجرمت ... تناهت على الجودي أرست فما تجري٣
ومن مضمون القصة نفسها، أن المنبع الذي استقى منه الشاعر "الطوفان" هو القرآن الكريم، ومن يراجع الآيات المنزلة عن "نوح" وعن الطوفان وعن ابنه، وكيف امتنع عن الركوب معه بالرغم من إلحاح نوح عليه، يجزم أن الشاعر المذكور قد أخذ الطوفان من القرآن الكريم ومن موارد إسلامية، واستعمل ألفاظا وتراكيب وردت في كتاب الله، ولم ترد في التوراة.
стр. 450
وإني أشك في كون هذا الشعر من شعر "الأعشى"؛ فالأعشى رجل لم يسلم وإن أدرك أيام الرسول، كان قد قصد الرسول، ونظم قصيدة في مدحه، ولكن قريشًا أثَّرت عليه، وحالت بينه وبين الوصول إلى الرسول، وعاد إلى "منفوحة" بلدته، فمات بها دون أن يسلم. والرأي عندي أن تلك الأبيات هي من صنع مسلم، وضعها على لسانه.
ولا يعني شكِّي في صحة نسبة هذه الأبيات إلى الأعشى، أن الأعشى كان بعيدًا عن آراء ومعتقدات أهل الكتاب، غير واقف على أخبارهم وعقائدهم, فقد كان الأعشى جوّالا جوّابا زار العراق وبلاد الشام، اتصل بقبائل نصرانية، وجالس اليهود والفرس والروم، ووردت في أشعاره ألفاظ من ألفاظ الحضارة الأعجمية، كما وردت فيها أفكار تدل على وقوف على آراء وأفكار دينية وخواطر فلسفية, فرجل مثل هذا لا يستبعد وقوفه على قصص يهودي ونصراني وعلى آراء دينية لأهل الكتاب. وللحكم على مقدار فهمه لها يمكن بالطبع دراسة ما ورد في الشعر على لسانه، ومطابقته بما نعرفه من آراء القوم؛ لنقف على درجة صلة ما جاء في شعر الأعشى من آراء ومعتقدات بآراء أهل الكتاب ومعتقداتهم.
أما الأماكن التي ظهرت فيها هذه الروايات الإسرائيلية، فهي: اليمن، والمدينة، والعراق, ومن العراق الكوفة بصورة خاصة. وقد كان في كل هذه المواضع رجال من أهل الكتاب موَّنوا أهل الأخبار بما كانوا يرغبون في معرفته، ولم يكن هؤلاء على قدر واحد في المعرفة والفهم، والظاهر أن منهم من لم يكن له إلمام بالتوراة ولا بالتلمود وغيرهما من الكتب، وإنما أخذ ذلك من أهل النظر منهم، أو كما وصل إليه من أهله وحاشيته؛ ولذلك اضطرب الأخباريون في بعض الأحيان في رواية خبر واحد، كما اختلفوا في ضبط الأسماء. وقد علل ابن خلدون اختلافهم في ضبط الأسماء بقوله: "واعلم أن الخلاف الذي في ضبط الأسماء إنما عرض في مخارج الحروف، فإن هذه الأسماء إنما أخذها العرب من أهل التوراة, ومخارج الحروف في لغتهم غير مخارجها في لغة العرب. فإذا وقع الحرف متوسطًا بين حرفين من لغة العرب، فترده العرب تارة إلى هذا وتارة إلى هذا, وكذلك إشباع الحركات قد تحذفه العرب إذا نقلت كلام العجم، فمن هاهنا اختلف الضبط في هذه الأسماء"١.
стр. 451
والحق هو أن هذا الخطأ لم يقع في ضبط الأسماء فقط، بل وقع في أمور جوهرية أخرى ترينا جهل بعض الرواة بجدول الأنساب، وترينا الخلط أحيانا بين الروايات الإسرائيلية والروايات الإيرانية حتى تكوَّن من هذا المجموع المدون في الكتب الإسلامية عن الأنساب خليط من روايات إسرائيلية وروايات فارسية وقصص شعبي عربي، يجوز أن نضيف إليه عنصرًا آخر هو الوضع، فقد وضع الرواة شيئا من عندهم حين عجزوا عن الحصول عليه من الموارد الثلاثة المذكورة، وكان لا بد لهم من سد تلك الثُّغَر، فسدوها بما جادت به قرائحهم من شعر ونثر. ومن هذا القبيل، ما أدخلوه على التوراة أيضا من أنسابٍ زعموا أنها وردت في التوراة، وليس لها في الواقع وجود فيها.
خذ آدم، فقد صيره الأخباريون "كيومرث"١ وهو من الفرس، وخذ نوحًا تَرَ أنه صار "أفريدون" عند أهل الأخبار وهو من الفرس أيضا٢، وجعلوا "لاوذ" ابنًا من أبناء إرم من سام أخي عوص وكاثر٣، مع أنه "لود" في التوراة، وهو شقيق إرم بن سام ووالد عوص وجاثر٤، وقالوا أشياء أخرى لا وجود لها في التوراة.
أما متى دخلت أنساب التوراة إلى العرب، ومتى ظهرت وشاعت بينهم، فنحن لا نستطيع أن نحدد ذلك على وجه مضبوط بالقياس إلى أيام الجاهلية. ولكننا نستطيع أن نقول: إنها كانت قد تسربت إلى الجاهليين من اليهود، وذلك بوجودهم في الجزيرة العربية واتصالهم بالعرب، وقد يكون من النصارى أيضا، وقد تفشت في أماكن من جزيرة العرب وبين بعض القبائل، وإن هؤلاء أي: أهل الكتاب, هم الذين أشاعوا بين الجاهليين هذه الأنساب. وقد تكون لليهود يد في إشاعة خبر رابطة النسب وأواصر القربى التي تربط بينهم وبين العرب؛ وذلك للتأثير عليهم وللتقرب منهم، وللسكن بينهم بهدوء وسلام.
ونستطيع أن نقول جازمين: إن هذا القصص الإسرائيلي، وهذه الأنساب التي يرويها أهل الأخبار، لم تكن كثيرة الشيوع بين الجاهليين، وإنما هي شاعت
стр. 452
وراجت في الإسلام؛ وذلك للأسباب المذكورة، ومروجوها وناشروها هم زمرة تحدثت عنهم في مواضع متعددة من هذا الكتاب.
ونحن لا يهمنا هنا من الأنساب الواردة في التوراة إلا الأنساب المتعلقة بالعرب وبالشعوب العربية، ومعنى هذه الأنساب الخاصة بذرية "سام" و"كوش", ويهمنا من ذرية "سام" ذرية "إرم" و"لود" و"أرفخشذ"، حيث ألحق النسابون بهؤلاء قبائل العرب. أما أشور و"عيلام"، وهما بقية أبناء "سام"، فليس لذريتهم علاقة بالعرب، فليس لنا كلام عنهم في هذا المكان.
وأولاد سام في التوراة، هم خمسة: "عيلام"، و"أشور"، و"أرفكشاد"، و"لود"، و"أرام"١. وقد ضبط الأخباريون الأسماء على هذه الصورة: "أشوذ"، و"أرفخشذ"، و"عليم" "عويلم" "عيلم"، و"لاوذ" و"إرم"٢, وأضافوا إليهم "عابرًا"، فصيروه أخًا للمذكورين وابنًا من أبناء "سام". أما في التوراة فإن عابرًا هو حفيدُ حفيدِ "سام"، وليس بابن له، وقد سِيقَ نسبه فيها على هذه الصورة: "عابر بن شالح بن أرفكشاد بن سام", وكان إبراهيم هو السابع من أعقابه٣.
ونجد الطبري يروي في مكان من تأريخه, أن أولاد سام هم: "أرفخشذ بن سام، وأشوذ بن سام، ولاوذ بن سام، وعويلم بن سام"٤، فهم أربعة. وقال بعد اسم "عويلم بن سام" مباشرة: "وكان لسام إرم بن سام"٥ مما يدل على أن المورد الذي نقل منه الطبري روايته لم يكن على علم تام بخبر أم "إرم"، ويؤيد هذا الاستنتاج قوله: "قال: ولا أدري إرم لأم أرفخشذ وإخوته أم لا؟ ٦". وقد قال هذا المورد: إن أم أبناء سام المذكورين هي:
стр. 453
"صليب ابنة بتاويل بن محويل بن خنوخ بن قيس بن آدم١" فيكون عدد أولاد "سام" خمسة أيضا, وهو العدد المذكور في التوراة إلا أننا نرى تباينًا بين روايتي الطبري والتوراة في الترتيب وفي الضبط: ضبط الأسماء.
ونجد الطبري يروي في مكان آخر أن أولاد سام، هم: عابر، وعليم، وأشوذ، وأرفخشذ، ولاوذ، وإرم, وذكر أن من ولد "أرفخشذ" الأنبياء والرسل وخيار الناس والعرب كلها والفراعنة بمصر٢. ويظهر من هذه الرواية أن ولد سام هم ستة، وقد نتج ذلك عن ضم "عابر" إلى ولد سام, وهو ضم مخالف لما جاء في التوراة. ولو رفعنا اسم "عابر" من الأسماء المذكورة، لصارت بقية الأسماء خمسة، وقد رتبت على وفق ما ورد في "سفر التكوين"؛ فـ"عليم" هو "عيلام"، و"أشوذ" هو "أشور"، و"أرفخشذ" هو "أرفكشاد"، و"لاوذ" هو "لود"، و"إرم" هو "أرام".
وليس في التوراة ذكر لأبناء "لود"، أي: "لاوذ" أهل الأخبار والأنساب, وكل ما فيها أن له نسلًا، وقد عرفوا بـ"اللوديين", وقد ذكروا مع "كوش" و"فوط" مما يبعث على الظن أنهم إفريقيون٣. ولورود اسم جدهم "لود" مع "أشور" و"أرام" و"عيلام"، يرى علماء التوراة أن اللوديين الذين هم من نسل "لود بن سام" هم شعب من شعوب الشرق الأدنى, لا تبعد مواطنهم عن البابليين والآشوريين، وأنهم غير "اللوديين" الإفريقيين، اللوديين المنحدرين من صلب "مصرايم" أي: "مصر", المذكورين أيضا في التوراة٤.
ولهذا فإن الأولاد الذين نسبهم أهل الأخبار إلى "لود"، "لاوذ"، وهم: طسم, وعمليق، وجرجان، وفارس على رواية، وجديس، وأميم، وعبد ضخم على رواية أخرى٥، وأمثالهم ممن لم نذكر من الأولاد، هم هبة منحها
стр. 454
أهل الأخبار والأنساب لـ"لاوذ" لا نجد لها ذكرًا في التوراة.
إن "عمليقًا"، الذي هو جد العمالقة على رأي أهل الأخبار، وليس من نسل "لود" في التوراة، بل هو جد "أول الشعوب"١؛ لذلك يبدو تجاسر أهل الأخبار بمنح "لود" أولادًا عملًا غريبًا، والظاهر أن "ابن الكلبي" وإليه ترجع أكثر هذه الروايات، أو أحد من سألهم عنهم، اختاروا "لودًا" من بين أبناء "سام" فمنحوه أولئك الأولاد, وكان لا بد لهم من نسبتهم إلى أحد الأجداد المتقدمين القحطانيين؛ لأنهم أقدم منهم في نظرهم، فاختاروا لهم ذلك الأب.
أما "أرام"، وهو "إرم" عند أهل الأخبار، فقد أولد أولادًا على ما جاء في التوراة، وهم: "عوص" "UZ"، و"جاثر" "كاثر" "غاثر" "Gether"، و"حويل" "حول" "Hul"، و"ماش" ٢Mash. وقد ذكروا في موضع من التوراة أنهم أبناء "سام"٣؛ وذلك جريًا على طريقة العبرانيين في حذف اسم الأب أحيانا، وإلحاق الحفدة بالجد مباشرة٤.
وقد عرف أهل الأخبار هذه الأسماء٥, إلا أنهم قدموا وأخروا فيها كما حرفوا فيها بعض التحريف، وقد اختار أهل الأخبار "عوصًا"، فجعلوا له أولادًا هم: عاد، وعبيل٦، وغاثر بن عوص، واختاروا "جاثرًا" فجعلوا له "ثمودًا"٧ و"جديسًا"٨. وقالوا عنهم: "وكانوا قومًا عربًا يتكلمون بهذا
стр. 455
اللسان المضري"١, ولا نجد في التوراة ولا في اليهوديات ذكرًا لهؤلاء الأولاد الذين منحهم أهل الأخبار "عوصًا" أو "غاثرًا" "جاثرًا". إذن فالنسب المذكور هو من صنع الأخباريين.
و"أرام" هو جد "بني إرم" أي: "الآراميين", وهم قوم معروفون فلا حاجة إلى التحدث عنهم. وأما "عوص" فهو جد "العوصيين"، سكان أرض "عوص" موطن "أيوب" "Job"، إلا أن العلماء لم يتفقوا في تعيين مكانه٢؛ فذهب بعضهم إلى أنه "دمشق" و"اللجاء" "اللجاة" مستندين في ذلك إلى رواية "يوسيفوس"، وذهب آخرون إلى أنه "أورفا" على الفرات٣, ورأى بعض أنه في "نجد"٤، وذهب بعض آخر إلى أنه "أدوم" أو العربية الشمالية٥، ورأى "كلاسر" أنه في شمال غرب "المدينة"٦، ورأى غيره أنه في مكان ما من جزيرة العرب أو من بادية الشام٧.
وقد استدل بعض الباحثين من سفر "أيوب" ومما ورد عنه ومن اسمه, على أنه كان عربيًّا، عاش بين العبرانيين، أو أن بعضهم اختلط به، فدون أخباره وقصصه٨. وقد أمدت كتب "الهكادة" "Haggadah" و"التلمود" و"المدارش" اليهود وأهل الأخبار بقصص عنه وعن أصدقائه الخلص الذين لازموه٩.
نرى مما تقدم أن الأخباريين قد ربطوا نسب العرب البائدة أي: العرب الأولى بالإرميين "الآراميين" وباللوديين "اللاوذيين" وبالعوصيين وبالجاثريين "الغاثريين", ولا نجد في كتبهم الأسباب التي حملتهم على إرجاع أنساب هؤلاء العرب إلى هؤلاء الآباء. ويظهر أن فكرة وجود عرب أولى عاشت قبل القحطانيين والعدنانيين،
стр. 456
جعلت أهل الأخبار يبحثون عن آباء لهم، يكونون أقدم عهدًا من "قحطان" ومن "عدنان"، فنسبوا أولئك العرب إلى "لود" و"أرام" ابني سام، وإلى "عوص" و"جاثر" ابني "أرام"، وهم أقدم عهدًا من جدي القحطانيين والعدنانيين.
أما أثر التوراة على النسابين وأهل الأخبار بالنسبة إلى الطبقة الثانية من العرب، الطبقة التي دعاها العرب العاربة، والعرب القحطانيين، فقد ذكرت في الفصل الخاص بهؤلاء العرب أن "قحطان" جد القحطانيين، هو "يقطان" في التوراة, وقد نسبه أكثر أهل الأخبار إلى "عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح"١. وصيره بعضهم ابنًا من أبناء سام. وقد ذكرت أن النسب الثاني نسب مغلوط، وأن نسبه المذكور في التوراة يجعله الابن الثاني الأصغر لـ"عابر". أما الولد البكر فهو "فالج"، فيكون العبرانيون واليقطانيون أبناء عم وفق هذا النسب.
وقد ذهب بعض الباحثين في التوراة إلى أن "يقطان" لا وجود له، وإنما ابتدع ابتداعًا لإيجاد صلة بين العرب والعبرانيين٢.
وقد ذهب بعض الباحثين في التوراة إلى أن عابرًا جد قبيلة كبيرة, انقسمت على نفسها إلى قسمين: قسم بقي فيما بين النهرين، وهو القسم الذي عرف بذرية "فالج"، ومن هذه الذرية انحدر "العبرانيون"، وقسم ترك "ما بين النهرين" وارتحل إلى جزيرة العرب، وهو القسم الذي عرف بـ"يقطان"، ودليلهم على ذلك: أن معنى "فالج" هو "الانشقاق" و"الانقسام"، وأن في أيامه "قسمت الأرض" على رواية التوراة٣, ومعنى ذلك انقسام ذرية "عابر"، وانشطارهم إلى شطرين.
وقد ذكر "الطبري" أن "بني يقطن" لحقت باليمن، فسُميت اليمن حيث تيامنوا٤، ومصدر خبره هذا "ابن هشام"، وقد أخذ "ابن هشام" خبره هذا من أهل الكتاب ولا شك.
стр. 457
ويشك بعض دراسي التوراة في كون "يقطان" المذكور هو "قحطان" الذي يذكره علماء الأنساب، ويرون أن نظرية من يجعل قحطان هو "يقطان"، نظرية لا تستند إلى أساس، وإنما وضعت على التشابه الموجود بين اللفظين، وهذا التشابه هو الذي دفع علماء الأنساب إلى اعتبار "قحطان" "يقطان"، فمن ثَمَّ صار "يقطان" جدًّا للعرب القحطانيين١. ولكنهم لا ينكرون مع ذلك أن "يقطان" التوراة، هو جد قبائل ذكرت التوراة أسماءها، وبعضها قبائل عربية معروفة، فلا يستبعد أن يكون "يقطان" على رأيهم كناية عن قبائل عربية لم يكن العبرانيون على علم بها تمام العلم٢.
ولم ترد في القرآن الكريم لفظة "قحطان" أو "يقطان", ولم ترد كذلك في الكتابات الجاهلية, أما الشعر الجاهلي، فقد وردت فيه في مواضع الفخر والحماسة. وإذا وافقنا على أنها وردت في الجاهلية القريبة من الإسلام، فإن موافقتنا هذه لا تعني أن قدماء أهل الجاهلية البعيدين عن الإسلام كانوا على علم بـ"قحطان"، أو أن قومًا منهم كانوا ينتمون إليه وينتسبون بنسبه, فحكم مثل هذا لا بد أن يستند إلى كتابات وأدلة مقبولة؛ ولهذا رأى نفر من المستشرقين أن الأخباريين جاءوا بقحطانهم هذا من التوراة، من تأثرهم بأهل الكتاب، ومن مطالعتهم للتوراة، فحولوا النزاع الذي كان بين أهل اليمن وفيهم "سبأ"، والنزاع الذي كان بين أهل مكة وبين أهل مكة ويثرب التي ينتمي أهلها إلى اليمن, إلى نزاع بين جدين، وصار "قحطان" وليد "يقطان" "يقطن" جدًّا حقيقيًّا ليمن ولمن نسب نفسه إليهم من الأفراد والقبائل٣.
وقد ورد في جغرافية "بطلميوس" اسم قريب من "قحطان" هو "كتنيتة" "كتانيتة" ٤Katanitae، قد يكون دليلا على وجود أسماء عند الجاهليين قريبة من "قحطان". أما هذه التسمية، فإننا لا نستطيع أن نقول: إن لها علاقة بقحطان، فالتشابه في التسميات، لا يكون دليلا قاطعا على وحدة تلك
стр. 458
التسميات. وقد ورد في الموارد العربية اسم قبيلة عرفت بـ"قطن" وبـ"بني قطن"، كما ورد اسم مكان عرف بـ"جوّ قطن"، واسم مدينة تدعى "قحطان"، تقع بين "زبيد" و"صنعاء"١. لهذا أرى أن من الخير لنا ألا نتخذ موقفا خاصا لا سلبا ولا إيجابا تجاه هذا الموضوع انتظارًا لاستكمال العدة, والحصول على مواد جديدة تكفي لإصدار حكم فيه.
أما بلاد "اليقطانيين"، على رأي التوراة، فتمتد من "ميشا" "Mesha" إلى "سفار" "٢Sephar, ولم تذكر التوراة حدودًا جغرافية لها غير هذين الحدين. ولا يعرف العلماء عن موضع "ميشا" شيئًا, فذهبوا في تعيينه مذاهب؛ ذهب بعضهم إلى أنه "مسينة" أو "ميسان" "Mesene" على رأس الخليج العربي٣، وذهب آخرون إلى أنه "موزح" أو "موسج" في نجد٤، ورأى آخرون أنه "ماشو" "Meshu" أو "ماش" "Mash"، أي: بادية الشام في الكتابات الآشورية٥.
وذهب "ديلمن" "Dillmann" إلى أن "ميشا"، تحريف "مسا" "Massa"، وهو اسم أحد أبناء إسماعيل، فتكون حدود "اليقطانيين" على رأيه بعد حدود أرض "مسا"، من قبائل الإسماعيليين مباشرة، غير أننا لا نستطيع مع ذلك من تعين الموضع٦؛ لأننا لا نعلم أيضا أين كانت مواطن "مسا" من قبائل الإسماعيليين، فكيف نثبت هذه الحدود؟.
وأما الحد الآخر، وهو "سفار"، فهو الحد الجنوبي للبلاد "اليقطانيين"، وذلك بإجماع آراء علماء التوراة, ولكنهم يختلفون في تعيين الموضع فقط، فمنهم من رأى أنه "ظفار" عاصمة الحميريين، ومنهم من يرى أنه "ظفار" حضرموت التي اشتهرت شهرة واسعة في العالم القديم، وورد ذكرها في الكتب "الكلاسيكية"٧,
стр. 459
ومن المرجح أن تكون هي الموضع المقصود؛ وذلك لشهرتها هذه ولقدمها.
وقد جعلت التوراة لـ"يقطان" أولادًا، عدتهم فيها ثلاثة عشر ولدًا، هم: الموداد، وشالف، وحضرموت، ورياح، وهدورام، وأوزال، ودقلة، وعوبال، وأبيمايل، وشبا، وأوفير، وحويلة، ويوباب١. وهذه الأسماء، هي أسماء قبائل وأمكنة، اعتدَّها كتبة التوراة على عادة ذلك العهد أسماء أعيان، وصيروها أسماء أولاد "يقطان".
ولا يعني هذا العدد، في نظري، أنه جميع القبائل العربية التي كانت تقيم في مواطن "اليقطانيين"، وإنما هو حاصل ما بلغ إليه علم كتبة تلك الأسفار في ذلك اليوم من أمر هذه القبائل، ولم تكن معارف أولئك الكتبة يومئذٍ أكثر من هذا الذي ذكروه ودونوه, على نحو ما وصل إلى علمهم ومسامعهم، فهو لهذا لا يمثل أيضا ترتيبا جغرافية للأماكن المذكورة ولا سردًا على نسق معين مضبوط٢.
ونحن إذا أنعمنا النظر في هذه الأسماء نجد أنها قد كدست في منطقة ضيقة، هي اليمن وحضرموت, أما ما فوقها إلى "ميشا" نهاية الأرض اليقطانية في الشمال، فلم يذكر الكتبة من أسماء قبائلها شيئًا ما. وهو يدل على أنهم لم يكونوا يعرفون عن باطن جزيرة العرب شيئا، أو أن موضع "ميشا" في مكان آخر في غير هذا الموضع الذي تصوره علماء التوراة، كأن يكون في شمال اليمن مثلا، وبذلك يستقيم التحديد كل الاستقامة مع ما هو شائع معروف من أن أرض اليمن وبقية العربية الجنوبية, هي أصل موطن القحطانيين.
ويظهر أن كتبة النسب في التوراة لم يراعوا في عدهم أسماء أبناء يقطان الترتيب الجغرافي، أو قرب اليقطانيين وبعدهم عن العبرانيين, فهذا الترتيب، لا يشير -في الحقيقة- إلى أن الأسماء وضعت على أساس جغرافي. والظاهر أنها جمعت كما وصلت إلى مسامع العبرانيين من غير فحص أو تدقيق، كما أننا لا نستطيع أن نؤكد أنها وصلت صحيحة سالمة من غير تصحيف أو تحريف.
و"الموداد" "مودد" "المودد" "Al-Modad"، هو الابن البكر
стр. 460
ليقطان على ما يفهم من التوراة, وهو رمز عن شعب من الشعوب اليقطانية، يرى نفر من علماء التوراة أن مواطنه في العربية الجنوبية, قد يكون في جنوب غربي جزيرة العرب١. وقد وردت في النصوص العربية الجنوبية وفي نصوص غير عربية كلمات قريبة من هذه الكلمة، مثل: "موددى" في البابلية، و"مودادو" "موددو" في البابلية أيضا وفي "الأمودية"٢, ووردت لفظة "مودد" في كتابات "جبانية" "كبانية" "Gebanitae"، في نصوص تدل على تقرب ملوك "حبان" "جبن" "كبن" "جبان" من ملوك معين، وإلى سيادة "معين" على "الجبأنيين" في ذلك الحين, فورد "مودد ملك معين" بمعنى "المتودد لملك معين" و"المحب لملك معين". ويرى "كلاسر" أن هذه الجملة لا تعني "أحباء ملوك معين" وأصفياءهم، وإنما تحكي وظيفة لها علاقة بالإله "ود"، مثل كهانة الإله "ود" وسدانته, ومسكن هؤلاء "الجبأنيين" في الزاوية الجنوبية الغربية لجزيرة العرب٣. كما ورد اسم "مودد" في الكتابات السبئية٤، وفي كتاب الإكليل للهمداني. وقد ذكره قبل "السلف"، مما يدل على أنه اسم مكان مجاور للسلف٥.
وأورد "بطلميوس" في الجغرافية اسم شعب عربي دعاه "Allumaeotae" يرى "فورستر" أنه شعب "الموداد" الذي نتحدث عنه. ويقع مكان هذا الشعب في جغرافية "بطلميوس" جنوب "الجرعاء" "Gerraea" "Vicus Jerachaeorum"، ويتصور أنه على ساحل الخليج العربي عند "قطن"٦.
وأما "شالف" "Sheleph" الذي ورد في التوراة بعد "الموداد"، فلم يتمكن العلماء من تشخيصه أيضًا٧. ويرى بعضهم أنه شعب "Salepeni" المذكور في جغرافية "بطلميوس"٨, ويرى آخرون أنه "السلف"، وهم بطن من