جعلت أهل الأخبار يبحثون عن آباء لهم، يكونون أقدم عهدًا من "قحطان" ومن "عدنان"، فنسبوا أولئك العرب إلى "لود" و"أرام" ابني سام، وإلى "عوص" و"جاثر" ابني "أرام"، وهم أقدم عهدًا من جدي القحطانيين والعدنانيين.
أما أثر التوراة على النسابين وأهل الأخبار بالنسبة إلى الطبقة الثانية من العرب، الطبقة التي دعاها العرب العاربة، والعرب القحطانيين، فقد ذكرت في الفصل الخاص بهؤلاء العرب أن "قحطان" جد القحطانيين، هو "يقطان" في التوراة, وقد نسبه أكثر أهل الأخبار إلى "عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح"١. وصيره بعضهم ابنًا من أبناء سام. وقد ذكرت أن النسب الثاني نسب مغلوط، وأن نسبه المذكور في التوراة يجعله الابن الثاني الأصغر لـ"عابر". أما الولد البكر فهو "فالج"، فيكون العبرانيون واليقطانيون أبناء عم وفق هذا النسب.
وقد ذهب بعض الباحثين في التوراة إلى أن "يقطان" لا وجود له، وإنما ابتدع ابتداعًا لإيجاد صلة بين العرب والعبرانيين٢.
وقد ذهب بعض الباحثين في التوراة إلى أن عابرًا جد قبيلة كبيرة, انقسمت على نفسها إلى قسمين: قسم بقي فيما بين النهرين، وهو القسم الذي عرف بذرية "فالج"، ومن هذه الذرية انحدر "العبرانيون"، وقسم ترك "ما بين النهرين" وارتحل إلى جزيرة العرب، وهو القسم الذي عرف بـ"يقطان"، ودليلهم على ذلك: أن معنى "فالج" هو "الانشقاق" و"الانقسام"، وأن في أيامه "قسمت الأرض" على رواية التوراة٣, ومعنى ذلك انقسام ذرية "عابر"، وانشطارهم إلى شطرين.
وقد ذكر "الطبري" أن "بني يقطن" لحقت باليمن، فسُميت اليمن حيث تيامنوا٤، ومصدر خبره هذا "ابن هشام"، وقد أخذ "ابن هشام" خبره هذا من أهل الكتاب ولا شك.
стр. 457
ويشك بعض دراسي التوراة في كون "يقطان" المذكور هو "قحطان" الذي يذكره علماء الأنساب، ويرون أن نظرية من يجعل قحطان هو "يقطان"، نظرية لا تستند إلى أساس، وإنما وضعت على التشابه الموجود بين اللفظين، وهذا التشابه هو الذي دفع علماء الأنساب إلى اعتبار "قحطان" "يقطان"، فمن ثَمَّ صار "يقطان" جدًّا للعرب القحطانيين١. ولكنهم لا ينكرون مع ذلك أن "يقطان" التوراة، هو جد قبائل ذكرت التوراة أسماءها، وبعضها قبائل عربية معروفة، فلا يستبعد أن يكون "يقطان" على رأيهم كناية عن قبائل عربية لم يكن العبرانيون على علم بها تمام العلم٢.
ولم ترد في القرآن الكريم لفظة "قحطان" أو "يقطان", ولم ترد كذلك في الكتابات الجاهلية, أما الشعر الجاهلي، فقد وردت فيه في مواضع الفخر والحماسة. وإذا وافقنا على أنها وردت في الجاهلية القريبة من الإسلام، فإن موافقتنا هذه لا تعني أن قدماء أهل الجاهلية البعيدين عن الإسلام كانوا على علم بـ"قحطان"، أو أن قومًا منهم كانوا ينتمون إليه وينتسبون بنسبه, فحكم مثل هذا لا بد أن يستند إلى كتابات وأدلة مقبولة؛ ولهذا رأى نفر من المستشرقين أن الأخباريين جاءوا بقحطانهم هذا من التوراة، من تأثرهم بأهل الكتاب، ومن مطالعتهم للتوراة، فحولوا النزاع الذي كان بين أهل اليمن وفيهم "سبأ"، والنزاع الذي كان بين أهل مكة وبين أهل مكة ويثرب التي ينتمي أهلها إلى اليمن, إلى نزاع بين جدين، وصار "قحطان" وليد "يقطان" "يقطن" جدًّا حقيقيًّا ليمن ولمن نسب نفسه إليهم من الأفراد والقبائل٣.
وقد ورد في جغرافية "بطلميوس" اسم قريب من "قحطان" هو "كتنيتة" "كتانيتة" ٤Katanitae، قد يكون دليلا على وجود أسماء عند الجاهليين قريبة من "قحطان". أما هذه التسمية، فإننا لا نستطيع أن نقول: إن لها علاقة بقحطان، فالتشابه في التسميات، لا يكون دليلا قاطعا على وحدة تلك
стр. 458
التسميات. وقد ورد في الموارد العربية اسم قبيلة عرفت بـ"قطن" وبـ"بني قطن"، كما ورد اسم مكان عرف بـ"جوّ قطن"، واسم مدينة تدعى "قحطان"، تقع بين "زبيد" و"صنعاء"١. لهذا أرى أن من الخير لنا ألا نتخذ موقفا خاصا لا سلبا ولا إيجابا تجاه هذا الموضوع انتظارًا لاستكمال العدة, والحصول على مواد جديدة تكفي لإصدار حكم فيه.
أما بلاد "اليقطانيين"، على رأي التوراة، فتمتد من "ميشا" "Mesha" إلى "سفار" "٢Sephar, ولم تذكر التوراة حدودًا جغرافية لها غير هذين الحدين. ولا يعرف العلماء عن موضع "ميشا" شيئًا, فذهبوا في تعيينه مذاهب؛ ذهب بعضهم إلى أنه "مسينة" أو "ميسان" "Mesene" على رأس الخليج العربي٣، وذهب آخرون إلى أنه "موزح" أو "موسج" في نجد٤، ورأى آخرون أنه "ماشو" "Meshu" أو "ماش" "Mash"، أي: بادية الشام في الكتابات الآشورية٥.
وذهب "ديلمن" "Dillmann" إلى أن "ميشا"، تحريف "مسا" "Massa"، وهو اسم أحد أبناء إسماعيل، فتكون حدود "اليقطانيين" على رأيه بعد حدود أرض "مسا"، من قبائل الإسماعيليين مباشرة، غير أننا لا نستطيع مع ذلك من تعين الموضع٦؛ لأننا لا نعلم أيضا أين كانت مواطن "مسا" من قبائل الإسماعيليين، فكيف نثبت هذه الحدود؟.
وأما الحد الآخر، وهو "سفار"، فهو الحد الجنوبي للبلاد "اليقطانيين"، وذلك بإجماع آراء علماء التوراة, ولكنهم يختلفون في تعيين الموضع فقط، فمنهم من رأى أنه "ظفار" عاصمة الحميريين، ومنهم من يرى أنه "ظفار" حضرموت التي اشتهرت شهرة واسعة في العالم القديم، وورد ذكرها في الكتب "الكلاسيكية"٧,
стр. 459
ومن المرجح أن تكون هي الموضع المقصود؛ وذلك لشهرتها هذه ولقدمها.
وقد جعلت التوراة لـ"يقطان" أولادًا، عدتهم فيها ثلاثة عشر ولدًا، هم: الموداد، وشالف، وحضرموت، ورياح، وهدورام، وأوزال، ودقلة، وعوبال، وأبيمايل، وشبا، وأوفير، وحويلة، ويوباب١. وهذه الأسماء، هي أسماء قبائل وأمكنة، اعتدَّها كتبة التوراة على عادة ذلك العهد أسماء أعيان، وصيروها أسماء أولاد "يقطان".
ولا يعني هذا العدد، في نظري، أنه جميع القبائل العربية التي كانت تقيم في مواطن "اليقطانيين"، وإنما هو حاصل ما بلغ إليه علم كتبة تلك الأسفار في ذلك اليوم من أمر هذه القبائل، ولم تكن معارف أولئك الكتبة يومئذٍ أكثر من هذا الذي ذكروه ودونوه, على نحو ما وصل إلى علمهم ومسامعهم، فهو لهذا لا يمثل أيضا ترتيبا جغرافية للأماكن المذكورة ولا سردًا على نسق معين مضبوط٢.
ونحن إذا أنعمنا النظر في هذه الأسماء نجد أنها قد كدست في منطقة ضيقة، هي اليمن وحضرموت, أما ما فوقها إلى "ميشا" نهاية الأرض اليقطانية في الشمال، فلم يذكر الكتبة من أسماء قبائلها شيئًا ما. وهو يدل على أنهم لم يكونوا يعرفون عن باطن جزيرة العرب شيئا، أو أن موضع "ميشا" في مكان آخر في غير هذا الموضع الذي تصوره علماء التوراة، كأن يكون في شمال اليمن مثلا، وبذلك يستقيم التحديد كل الاستقامة مع ما هو شائع معروف من أن أرض اليمن وبقية العربية الجنوبية, هي أصل موطن القحطانيين.
ويظهر أن كتبة النسب في التوراة لم يراعوا في عدهم أسماء أبناء يقطان الترتيب الجغرافي، أو قرب اليقطانيين وبعدهم عن العبرانيين, فهذا الترتيب، لا يشير -في الحقيقة- إلى أن الأسماء وضعت على أساس جغرافي. والظاهر أنها جمعت كما وصلت إلى مسامع العبرانيين من غير فحص أو تدقيق، كما أننا لا نستطيع أن نؤكد أنها وصلت صحيحة سالمة من غير تصحيف أو تحريف.
و"الموداد" "مودد" "المودد" "Al-Modad"، هو الابن البكر
стр. 460
ليقطان على ما يفهم من التوراة, وهو رمز عن شعب من الشعوب اليقطانية، يرى نفر من علماء التوراة أن مواطنه في العربية الجنوبية, قد يكون في جنوب غربي جزيرة العرب١. وقد وردت في النصوص العربية الجنوبية وفي نصوص غير عربية كلمات قريبة من هذه الكلمة، مثل: "موددى" في البابلية، و"مودادو" "موددو" في البابلية أيضا وفي "الأمودية"٢, ووردت لفظة "مودد" في كتابات "جبانية" "كبانية" "Gebanitae"، في نصوص تدل على تقرب ملوك "حبان" "جبن" "كبن" "جبان" من ملوك معين، وإلى سيادة "معين" على "الجبأنيين" في ذلك الحين, فورد "مودد ملك معين" بمعنى "المتودد لملك معين" و"المحب لملك معين". ويرى "كلاسر" أن هذه الجملة لا تعني "أحباء ملوك معين" وأصفياءهم، وإنما تحكي وظيفة لها علاقة بالإله "ود"، مثل كهانة الإله "ود" وسدانته, ومسكن هؤلاء "الجبأنيين" في الزاوية الجنوبية الغربية لجزيرة العرب٣. كما ورد اسم "مودد" في الكتابات السبئية٤، وفي كتاب الإكليل للهمداني. وقد ذكره قبل "السلف"، مما يدل على أنه اسم مكان مجاور للسلف٥.
وأورد "بطلميوس" في الجغرافية اسم شعب عربي دعاه "Allumaeotae" يرى "فورستر" أنه شعب "الموداد" الذي نتحدث عنه. ويقع مكان هذا الشعب في جغرافية "بطلميوس" جنوب "الجرعاء" "Gerraea" "Vicus Jerachaeorum"، ويتصور أنه على ساحل الخليج العربي عند "قطن"٦.
وأما "شالف" "Sheleph" الذي ورد في التوراة بعد "الموداد"، فلم يتمكن العلماء من تشخيصه أيضًا٧. ويرى بعضهم أنه شعب "Salepeni" المذكور في جغرافية "بطلميوس"٨, ويرى آخرون أنه "السلف"، وهم بطن من
стр. 461
ذي الكلاع من حمير، وهو "السلف بن يقطن"١، أو "السلاف"، أو "بنو سلفان"٢. و"السلف" أقرب هذه الأسماء إلى "شالف"، وخاصة إذا أخدنا بما قاله النسابون من انتساب هذه القبيلة إلى جد أعلى هو "السلف بن يقطن"، وذكر "نيبور" في رحلته اسم موضع في اليمن يقال له "سلفية"، قد تكون لاسمه علاقة بـ"شالف"٣, وفي منطقة "يريم" ممر يقال له "نجد الأسلاف"٤، وقد رأى "كلاسر" احتمال وجود صلة بينه وبين "شالف"٥.
وأما "حزرماوث"، "Hazarmaveth"، فهو "حضرموت". ومعلوماتنا عن هذا الشعب حسنة بفضل الكتابات الجاهلية التي عثر عليها في العربية الجنوبية، والتي ترجم عددًا منها المستشرقون. وسأتحدث عنهم في الأجزاء الآتية من هذا الكتاب.
وأما "يارح" "Yerah"، فإن معناه "قمر" و"شهر"؛ ولهذا ذهب بعض الباحثين إلى أنه اسم قبيلة عربية, وبين العرب قبيلة تعرف بـ"بني هلال"، فلا يبعد أن يكون "يارح" اسم قبيلة٦. وقد عثر في كتابات تدمر على اسم "يارح"، وقد ورد اسم علم٧، كما أن اسم "شهر" من الأسماء المعروفة عند الجاهليين، وقد سُمِّي به عددٌ من الملوك الذين عاشوا قبل الميلاد وبعده.
ويرى "كلاسر" أن الشعب كان يقيم في "مهرة"، أو في جنوب عمان في موضع قد يكون المكان الذي سماه "بطلميوس" "٨Jerakon kome.
و"يارح" هو "يرخ" و"ورخ" في اللهجات العربية الجنوبية، وتعني "شهرًا" "قمرًا", وهناك مواضع متعددة في العربية الجنوبية تسمى بأسماء قريبة من هذه الكلمة، مثل "وراخ" و"يراخ". وقد ذكر الهمداني
стр. 462
اسم موضع دعاه "وراخ" في مخلاف "العود"١؛ لذلك رأى بعض العلماء وجود صلة بين هذه المواضع و"يارح". كما ورد في جغرافية "بطلميوس" اسم مكان دعاه "Insula Jerachaeorum"، وهو جزيرة تقع في البحر الأحمر جنوب جُدَّة, وورد اسم محل آخر سمي "Vicus Jerachaeorum"، ويقع في مقابل النهر الذي دعاه نهر "الآر" "Lar" الذي يصب على زعم "بطلميوس" في الخليج العربي "الخليج الفارسي" "٢Sinus Persicus.
وأما "هدورام" "Hadoram"، فيرى "ملر" "Muller"، و"كلاسر" احتمال أنه "دورم"، وهو موضع على مقربة من "صنعاء". ويؤيدان رأيهما هذا بما ورد في المؤلفات العربية من أن اسم "صنعاء" القديم هو "أزال", و"أزال" هو شقيق "هدورام"، وقد ذكر بعده في ترتيب أسماء أولاد "يقطان"٣.
وقد ذكرت الكتب العربية اسم موضعين يقال لهما "الهدار", قال الهمداني عن أحدهما: إنه "حصون ونخول وقصور عادية"٤، وقال عن الثاني: إنه "هدار بني الحريض"، وذكر أن فيه "القطنية"٥، وهذا الموضع الأخير قريب من "هدورام"، وللفظة "القطنية" أهمية كبيرة لقربها من لفظة "يقطان".
وقد ذكر "الطبري" في تأريخه أن جرهمًا "اسمه هذرم بن عابر بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح"٦. وهذا النسب الذي ذكره "الطبري" هو النسب الوارد في التوراة بزيادة "عابر" بين "هذرم" وهو "هدورام" وبين "يقطن", وهو خطأ يرد كثيرًا في الأنساب المنقولة من
стр. 463
التوراة إلى الكتب العربية. ومورد "الطبري" هو "ابن الكلبي"١، ومورد "ابن الكلبي" هو من أهل الكتاب، شأنه في ذلك شأن كل الأنساب حيث أخذها من أهل الكتاب.
أما "أزال"، فهو مثل سائر الأسماء المتقدمة، غير معروف, ولم يتفق علماء التوراة على تعيينه حتى الآن. وقد ذكر أهل الأخبار أن "صنعاء" عاصمة اليمن، كانت تعرف في الجاهلية بـ"أزال"٢. وترجع هذه الرواية إلى "وهب بن منبه" الذي زعم "أنه وجد في الكتب القديمة المنزلة التي قرأها: أزال كل عليك، وأنا أتحنن عليك"٣, وزعم أن "أزال" هي "صنعاء" ولم يرد في النصوص الجاهلية ما يفيد أن صنعاء كانت تعرف بـ"أزال"، بل لدينا نص من أيام الملك "يشرح يحضب" "ملك سبأ وذي ريدان" ويعود إلى نهاية القرن الثاني وبداية القرن الأول لما قبل الميلاد، أي: القرن المتصل بالقرن الأول للميلاد, ورد فيه "صنعو" وهو "صنعاء"٤.
ويرى "كلاسر" أن اسم "أزال" إنما وضع لـ"صنعاء" بعد دخول اليهودية إلى اليمن وانتشارها هناك، وضعه اليهود٥. وذكر "البكري" أن صنعاء كلمة حبشية، ومعناها: وثيق وحصين٦.
وهناك مواضع أخرى عرفت بـ"أزال"، منها موضع يعرف بـ"يأزل"، عند جبل "حضور"، وموضع آخر في الحجاز، غير أن من غير الممكن في الزمان الحاضر البتّ في أي مكان من هذه الأمكنة, بأنه هو "أزال" التوراة٧.
ولم يتمكن علماء التوراة من البت في موضع "دقلة" "Diklah" أيضًا. ويرى بعض المستشرقين أن هذا الاسم يشير إلى مكان يجب أن يكون كثير
стр. 464
التمر١, وقد رأى "هومل" أنه موضع "حدّ دقل"٢. وذكر "ياقوت الحموي" موضعًا في اليمامة سماه "دقلة"٣، ولكن الباحثين في هذا الموضوع لم يقطعوا برأي فيه.
ورأى بعض الباحثين أن "عوبال" " Obal" "Ebal"، شعب "عبيل", ورأى آخرون أنهم "عيبال" في تهامة الحجاز، أو "عبال" أو "عبيل"، وهما موضعان في اليمن٤.
ورأى "فورستر" احتمال وجود صلة بين "عوبال" و"Avalitae"، وهو اسم شعب عربي ذكره "بلينيوس"، أو "Abalitae"، وقد ذكره بعض الكتبة "الكلاسيكيين"٥.
وذهب "كلاسر" إلى احتمال كون وادي "أتمة"، هو موضع شعب "أبيمائيل" "Abimael"، غير أن ذلك مجرد ظن، ليس غير٦.
والولد العاشر من ولد "يقطان"، هو "شبا", وقد وردت بعض أخبار "شبا" في أسفار التوراة, وذكرت قصة "ملك شبا" وزيارتها لسليمان٧, فسبأ هنا شعب من شعوب اليقطانيين. ولكننا نرى التوراة تجعل "شبا" في موضع آخر ابنًا لـ"يقشان"، و"يقشان" هو ابن "إبراهيم" من زوجته "قطورة" "Keterah"، وهو شقيق "إسماعيل" من أبيه٨, فسبأ هنا من نسل شعب آخر يختلف عن "سبأ" اليقطانيين, ونراها تذكر "سبأ" بالسين المهملة في جملة أبناء "كوش"٩. والمعروف أن المراد من "كوش" عند العبرانيين، الحاميون، أي الشعوب الإفريقية، فيكون "سبأ" هنا اسم شعب
стр. 465
من الشعوب الإفريقية١.
ومعنى هذا التعدد في النسب انتشار السبئيين وسُكناهم في مواضع متعددة، وهذا ما حمل كتبة التوراة على إدخال نسب السبئيين الساكنين في إفريقيا في نسب "الكوشيين"، وإدخال السبئيين الساكنين عند "ددان" في نسل "رعمة".
ويرد اسم "أوفير" "Ophir" بين "شبا" و"حويلة"، وهو كناية عن أرض اشتهرت عند العبرانيين بكثرة ذهبها وبوجود الفضة وخشب الصندل وبعض الأحجار الكريمة فيها٢. وقد اختلف في تعيين مكانها، فذهب كثير من علماء التوراة إلى أنها في جزيرة العرب، ولكنهم اختلفوا في تعيين المكان، فذهب بعضهم إلى أنها في اليمن، وذهب آخرون إلى أنها في عسير، وآخرون إلى أنها في اليمامة٣ أو موضع "العويفرة" الذي لا يبعد كثيرًا عن حافات جبل طويق٤، ومنهم من رأى أنه "مهد الذهب" في الحجاز، وهو موضع عرف باستخراج الذهب منه قبل الإسلام بزمن طويل، وقد نقبت فيه شركة تعدين حديثة، أغلقت أبوابها من عهد ليس ببعيد، كما ذكرت ذلك في كلامي على معادن جزيرة العرب.
غير أن هنالك جماعة من الباحثين في التوراة ترى أن الوصف الوارد في التوراة لأرض "أوفير" يجعلها أرضًا في الهند؛ وذلك لأن الحاصلات المذكورة فيها هي حاصلات هندية، ومن الصعب تصور وجودها في بلاد العرب في ذلك الزمان٥. وذهب فريق آخر إلى أنها في إفريقيا٦.
والابن الثاني عشر في أبناء "يقطان" هو "حويلة". وقد ذكرته التوراة في موضع آخر من جملة أبناء "كوش" مع "سبأ"، مما يدل على توطن قبيلة
стр. 466
أخرى تسمى بهذا الاسم في "إفريقيا" لعلها فرع من فروع "حويلة" بلاد العرب١. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن "حويلة" بلاد العرب، هي في بادية الشام، أو على مقربة من خليج العقبة، وذهب آخرون إلى أنها في أواسط جزيرة العرب، أو في منطقة "جبل شمر"، ورأى كلاسر أنها في اليمامة٣.
وقد ذكر "الهمداني" جماعة دعاهم "الحوليين"٣، يظهر أنهم سكان موضع "حوالة", وهناك بطن من بطون اليمن يقال له: "بنو حوالة"، كما ورد في اسم "حويل"٤.
وفي التوراة: "وكان نهر يخرج من عدن فيسقي الجنة، ومن ثم يتشعب فيصير أربع رءوس. اسم أحدها فيشون، وهو المحيط بجميع أرض حويلة حيث الذهب. وذهب تلك الأرض جيد. هنالك المقل وحجر الجزع"٥. فيفهم منه أن نهر "فيشون" "Pishon" يحيط بأرض "حويلة" وهو من أنهر الجنة الأربعة. وأحد الأنهار الأربعة على رأي علماء التوراة هو نهر النيل، وأما الثاني فهو الفرات، وأما الثالث فهو نهر دجلة، وأما النهر الأخير الذي نتحدث عنه، فذهبوا إلى أنه نهر "كارون" أو شط العرب، أو أحد الأنهر الأخرى, فتكون أرض حويلة عندئذ في منطقة تقع على رأس الخليج٦.
وآخر أبناء "يقطان" هو "يوباب" "Jobab"، ويرى "كلاسر" أنه اسم قبيلة "يهيبب"، الذي ورد في النصوص السبئية٧. وذهب بعض آخر إلى أنه اسم شعب "وبار"، وأنه تصحيف لاسم "Jobarital" الوارد في جغرافية "بطلميوس"٨.
стр. 467
وقد أضاف "ابن الكلبي" إلى سلسلة أبناء "يقطن" "يقطان" ولدًا آخر لم يرد له ذكر في التوراة، دعاه "توقيرًا"، زعم أنه والد الهند والسند١، فربط بذلك بين نسب "اليقطانيين" والهنود. ولا ندري: أعبر عن ذلك جهلا واعتباطا، أم كنى بذلك عن الروابط القديمة التي ربطت بين العربية الجنوبية والهند، حيث سكن عدد كبير من قدماء الهنود "الدراويديين" "Dravidians" في سواحل عمان وحضرموت؟ وقد عثرت البعثات العلمية التي نقبت في هذه الأماكن على بقايا هياكل عظمية ترجع إلى هؤلاء، كما يتحدث السياح والباحثون في أثر دماء الهند على سكان هذه المناطق.
ولم ينل هؤلاء الأولاد الثلاثة عشر عناية الإخباري "ابن الكلبي"، ولا عناية "محمد بن إسحاق"، أو غيرهما من أهل الأخبار المعروفين بأخذهم عن أهل الكتاب؛ إذ لم يشيروا إليهم في أثناء كلامهم على أولاد "يقطن" "يقطان"، ولم يتحدثوا عنهم, بل نسبوا إليه أولادًا آخرين تراوح عددهم من عشرة ذكور إلى واحد وثلاثين٢، أسماؤهم أسماء عربية، لا وجود لها في التوراة، ما عدا اسمًا أو اسمينِ. وهذا الإهمال يثير في نفوسنا الدهشة والاستغراب: لِمَ أهمل -يا تُرَى- هؤلاء الأخباريون أبناء "قحطان" المذكورين في التوراة، مع أنهم أخذوا "يقطان" من التوراة، وجعلوا نسبه نسبًا لقحطان؟! ولِمَ تكرموا عليه فأعطوه عددا من الأولاد لم يأت لهم ذكر في التوراة؟! ولِمَ لَمْ يضم أهل الأخبار أولاد "يقطان" المذكورين إلى أولاد قحطان؟! ألا يدل ذلك على جهل أهل الأخبار بهم وعدم وقوفهم عليهم؟! إن كان جهلهم بهم هو السبب، فإن ذلك يدل على أن أهل الأخبار لم يكونوا يرجعون إلى التوراة رأسًا، يقرءون أسفارها ويأخذون منها, بل كانوا -وهذا هو ما أذهب إليه- يراجعون أهل الكتاب ويأخذون منهم ما يريدون؛ ولهذا لم يقفوا على أولاد "يقطان"؛ لأنهم لم يسألوا أهل الكتاب عنهم، أو لأن أهل الكتاب لم يتحدثوا إليهم عنهم. على أننا لا نستطيع أن نقبل هذا العذر؛ ذلك لأن أهل الأخبار كانوا قد ذكروا أسماء أبناء "إسماعيل"، نقلوها من التوراة وعلى حسب الترتيب الوارد في
стр. 468
"التكوين", وهذا ما يجعلنا نتساءل: لِمَ ذكر أهل الأخبار أبناء "إسماعيل"، وأهملوا أبناء "يقطان"؟ هل هناك تعمد غرض؟ أن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة ليست سهلة في الواقع؛ لأن أهل الأخبار لم يكونوا يسيرون على قواعد ثابتة وأنظمة معينة في أخذ الأنساب، ولهذا نراهم يقعون في الغلط، وذلك يدل على أن علمهم بالأمور الواردة في التوراة لم يكن علمًا راسخًا، وأن علم محدثيهم من أهل الكتاب لم يكن راسخًا أيضًا ولم يكن مستمدًّا من التوراة رأسًا، بل من السماع والرواية في بعض الأحايين، وإلا لما وقعوا في أغلاط شنيعة، وما احتاجوا إلى الوضع والكذب، كالذي نراه من كعب الأخبار ووهب بن منبه وأمثالهما من مسلمة يهود.
стр. 469
الإسماعيليون:
و"إسماعيل" هو الجد الأكبر للعرب المستعربة، أي: العرب العدنانيين, وهو "يشمئيل" "Ishmael" في التوراة, ومعنى الاسم "إلهي يسمع"، أو "يسمع إلهي", وهو ابن "إبراهيم" من زوجه "هاجر". وتقول التوراة: إنه "ختن" وهو في الثالثة عشرة من عمره، ورحل إلى بَرِّية "فاران" فتزوج فيها من امرأة مصرية، وعاش فيها راميًا بالسهام حيث اشتهر بالرماية. ولم تذكر التوراة بعد ذلك شيئا عنه, إلا ما ورد من أنه حضر دفن أبيه "إبراهيم"، وأنه عاش "١٣٧" سنة١.
هذا مجمل ما ورد في التوراة عنه, أما ما أورده أهل الأخبار عنه، فإنه يستند إلى هذا الوارد في التوراة عنه، إلا ما ذكروه عن امرأته، فقد جعلوها امرأة من "جرهم"، وما أوردوه عنه من أنه هاجر إلى مكة، وأنه عاش هناك، وتعلم العربية فيها، وقبر في "الحجر" عند قبر أمه "هاجر"٢، وأمور أخرى صغيرة تختلف باختلاف الروايات.
стр. 470
وقد جعلت التوراة لـ"إسماعيل" ولدًا، عدتهم اثنا عشر ولدًا، هم: نبايوت بكر إسماعيل، وقيدار، وأدبئيل، ومبسام، ومشماع، ودومة، ومسا، وحدار، وتيما، ويطور، ونافيش، وقدمة. ذكرتهم على حسب مواليدهم، كما نص على ذلك فيها١, وهو عدد يظهر أنه من وضع كتاب الأسفار وترتيبهم٢. أمهم امرأة مصرية٣، وهي كناية عن اتصال الإسماعيليين بالمصريين، وقد أخذ أهل الأخبار هذه الأسماء، وغيروا في نطقها بعض التغيير، فصيَّروها: نابت وقيذر، وأذبل، ومبشا، ومسمعا، وماشي، ودما، وأذر، وطيما، ويطور، ونبش، وقيذما، وما شاكل ذلك. وقد نص الطبري على اختلاف أهل الأخبار في ضبط هذه الأسماء٤, ويعود هذا الاختلاف على ما يظهر إلى اختلاف المورد الذي أخذ منه أهل الأخبار.
وقد زعم أهل الأخبار أن إسماعيل تزوج من جرهم، وأن اسم زوجه "رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي"٥، أو ما شاكل ذلك من أسماء، وأنها ولدت له اثني عشر رجلًا، هم: نابت وكان أكبرهم، وقيذر، وأذبل، ومبشا، ومسمعا، وماشي، ودما، وأذر، وطيما، ويطور، ونبش، وقيذما٦، وأكثر هذه الأسماء ورودًا وتكرارًا في الكتب العربية، نابت وقيذر.
ونرى من عدد هؤلاء الأولاد ومن أسمائهم، أن رواتها أخذوا أولئك الأولاد من التوراة؛ أخذوا العدد وأخذوا الأسماء، ولكنهم حرفوا وصحفوا فيها، ولا ندري أكان هذا التحريف قد وقع من الأخباريين أنفسهم، أجروه تعمدًا ليسهل النطق بها في العربية، أم وقع من الرواة الإسرائيليين أو النصارى الذين
стр. 471
رجع أهل الأخبار إليهم، فأخذوا منهم تلك الأسماء، أم أنه مجرد تحريف وتصحيف، وقع من الجانبين، فظهر على هذا الشكل؟.
أما امرأة "إسماعيل" أم أولاده، فإنها ليست جرهمية عربية في التوراة، وإنما هي امرأة مصرية كما ذكرت, لم تذكر التوراة اسمها. ويذكر أهل الأخبار أن إسماعيل كان قد تزوج بامرأة أخرى من جرهم قبل "رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي"، أو "السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي"، كما تعرف في روايات أخرى، إلا أنه طلقها بأمر أبيه، لما جاء إلى مكة زائرًا، فلما جاء للمرة الثانية ورأى زوجته الثانية رضي عنها، وأمر ابنه إسماعيل بإبقائها، فبقيت، ومنها كان نسله المذكورون١.
وقد نص "الطبري" على أن العرب هم من نابت وقيدر٢، ولم يذكر شيئا عن بقية الأولاد. والظاهر أن إهمالهم هذا الإهمال يعود إلى عدم وقوف الموارد التي أمدت الأخباريين على شيء عنها، وعدم تمكنهم من تعيينها وتثبيت مواضعها، فإن ذلك يحتاح إلى علم وإلى وقوف على ما جاء في كتب التفاسير والشروح والموارد اليهودية الأخرى عن هذه القبائل. والموارد المذكورة نفسها لا تعرف عن تلك القبائل وعن تلك البلاد شيئا كثيرا يزيد على ما جاء في التوراة؛ فإن كتبة الأسفار لم يهتموا إلا بما يتعلق بإسرائيل. أما ما وراء إسرائيل من شعوب وأرضين، ولا سيما الشعوب التي لا تتاخم الأرضين التي وجد فيها العبرانيون، فإنها لم تكن تُعنَى بها إلا بمقدار ما لها من صلة بإسرائيل.
وقد حددت التوراة المنازل التي أقام بها "الإسماعيليون"، فجعلتها من "حويلة" إلى "شور"٣, فكل ما وقع بين المكانين، هو في أرض القبائل الإسماعيلية. وقد ذكرتُ قبل قليل أن آراء العلماء مختلفة في تعيين موقع أرض "حويلة"، وعندي أن هذا الموضع يجب ألا يكون بعيدا عن فلسطين؛ لأن "شاءول" ضرب العماليق من "حويلة" إلى شور٤. ولا يعقل أن تكون هذه
стр. 472
الأرضون بعيدة عن فلسطين؛ لأن "شاءول" لم يكن قويًّا ذا جيوش جرارة حتى تضرب العماليق في منطقة نائية، بعيدة عن فلسطين.
أما "شور"، فموضع يقع على الحدود الشمالية الشرقية لأرض مصر، في البَرِّية المسماة بـ"برية تيه بني إسرائيل" وبـ"برية إيتام"١. ويرى بعض علماء التوراة أن "الطور" الحالية هي أرض "شور"٢.
ويلاحظ أن الأرض التي زعم أن "شاءول" قد ضرب بها العماليق، "وضرب شاءول عماليق من حويلة حتى مجيئك إلى شور التي مقابل مصر"٣، هي الأرض ذاتها التي جعلتها التوراة أرضا لذرية "يشمعئيل" "إسماعيل", فيظهر من ذلك أن العماليق كانوا قد سكونها أيضا. ولما كان العمالقة قد سكنوا أرضًا، تقع بين كنعان ومصر في برية سيناء وتيه بني إسرائيل٤، وجب أن تكون تلك الأرض هي موطن الإسماعيليين.
ويعترف العبرانيون بوجود صلات قربى لهم بالإسماعيليين. ويظهر أن القبائل الإسماعيلية عاشت زمنا طويلا في "طور سيناء" وفي جنوب فلسطين, عاشت عيشة أعرابية٥؛ ولهذا كان الإسماعيليون أهل وبر بالقياس إلى اليقطانيين المستقرين. وقد نظر العبرانيون نظرة عداء إلى الإسماعيليين؛ لأنهم كانوا يتحرشون بهم ويغيرون عليهم ويتعرضون لتجاراتهم, وقد ذكروا في أيام "داوود"٦. وقد ورد في التوراة أن الله أوحى إلى "هاجر" يبشرها بأن نسل ابنها سيكثر وينمو حتى يكون أمة عظيمة٧، وهو كناية عن كثرة عدد أولئك الأعراب في أيام العبرانيين.
هذا, ونحن لا نعرف شيئًا يذكر عن "الإشماعيليين" "الإسماعيليين"، ولا
стр. 473
عن لهجاتهم, ويرى بعض العلماء أن لهجاتهم يجب أن تكون من اللهجات العربية الشمالية المتأثرة بلغة بني إرم١. ولعدم وصول نص مدون بلهجة من لهجات هذه القبائل، لا نستطيع أن نبدي في الزمان الحاضر رأيًا علميًّا في شكل هذه اللهجات.
و"نبايوت" هو بكر إسماعيل وأهم القبائل الإسماعيلية في التوراة، وقد أعطاه هذه المنزلة أهل الأخبار أيضا لأخذهم منها. ونحن لا نعرف الأسباب التي جعلت التوراة تعده أحسن أولاد "إسماعيل" أراعت في ذلك بعد القبيلة، أم راعت قربها من العبرانيين، أم ضخامتها وكثرة عددها بالقياس إلى القبائل الإسماعيلية الأخرى، أم أمورًا أخرى جعلت العبرانيين ينظرون إليهم على أنهم أقدم تلك القبائل؟ فليس في التوراة قواعد ثابتة تمشي عليها كتبة العهد القديم في تدوين الأنساب.
ويعرف "نبايوت" بـ"نابت" و"نبت" عند الأخباريين, ومنه ومن قيدر، نشر الله العرب، على رأي أهل الأخبار٢. وقد جعل بعض الأخباريين نابتًا والدًا لـ"يشجب"٣، مع أن "يشجب" هو ابن "يعرب" عند الأكثرين.
وقد ورد اسم "نبايوت" مع اسم "قيدار" في النصوص الآشورية, ويظهر أنهم كانوا أقوياء كثيري العدد. ويدل ورود اسمهم مع "قيدار" في التوراة في النصوص الآشورية على أنهم كانوا متجاورين, ولم تعين التوراة مواضع سكناهم. ولكن ورود اسمهم في رأس قائمة الإسماعيليين واقترانه بالأدوميين عن طريق المصاهرة ووقوف العبرانيين على أخبارهم، يدل كله على أنهم كانوا يقيمون في المناطق الواقعة في جنوب شرقي فلسطين وفي الأقسام الجنوبية الشرقية من بادية الشام٤.
وقد ذهب "كلاسر" إلى أن "نبايوت" "مشيخة" أو مملكة حكمت في "القصيم"، وقد كانت معاصرة لمملكة "عريبي"، وكانت لا تزال مستقلة في أيام الفرس٥.
стр. 474
وقد ظن بعض العلماء أنهم "النبط"١، ذهبوا إلى ذلك من تشابه "نبايوت" "Nabaiot" ونبط "Nabat"، غير أن هذا رأي يعارضه كثير من علماء التوراة٢.
وقد كان بين الأوس قوم يقال لهم "النبيت"، افتخر بهم الشاعر "قيس بن الخطيم" من شعراء الجاهلية -وقد قتل قبل الهجرة- ومدحهم، ووصفهم بالشدة والبأس٣، كما كان في "إياد" قوم يقال لهم "النبيت"٤.
وكان نبيت الأوس يتألفون من "ظفر" رهط الشاعر قيس بن الخطيم، ومن عبد الأشهل، وحارثة٥. وقد وقعت بينها حروب ومعارك، فانضمت حارثة إلى الخزرج، وتحالفت معها، ودخلت فيها. وأما ظفر وبنو عبد الأشهل، فقد اضطروا أخيرًا إلى ترك ديارهم إلى مكة للتحالف معهم، أو مع اليمن، أو الغساسنة أو المناذرة؛ لمساعدتهم على الخزرج، ولاسترداد ملكهم٦. والظاهر أنهم كانوا قديما من القبائل القوية، وكانت في الحرار الشرقية، ثم أفل نجمها، وتشتت شملها بسبب الحروب التي وقعت بين بطونها. ولعلها من القبائل التي كانت تقيم في الشمال، في العربية الحجرية أو العربية الصحراوية، ثم اضطرت إلى الهجرة إلى الجنوب والاستيطان في مناطق الحرار. والظاهر أنها كانت على اتصال باليهود، وقد تحالف معها يهود خيبر.
وقد ورد اسم "قيدار" في النصوص الآشورية، ورد على هذه الصورة: "قِدرو" "Kidru" و"قَدرو" "٧Kadru، كما ورد في المؤلفات
стр. 475
"الكلاسيكية"، فقال لهم "بلينيوس" "Pliny" "قدراي" "Cedrei"، وذكر أنهم قبيلة عربية تقيم على مقربة من النبط١, وقد حاربهم "آشور بنبال"، وكان ملك "قيدار" في ذلك العهد، ملك عرف باسم "أو أيطع" "U Aite" بن "خزاعيل" "٢Hazael، وقد ذكرهم "آشور بنبال" مع "عريبي" "أريبي"، كما ذكرهم "حزقيال" مع العرب "العرب وكل رؤساء قيدار"٣، مما يدل على أن مواطن "قيدار" كانت تجاور العرب، ويراد بالعرب هنا: الأعراب, وهو ما يتفق مع ما جاء في نص "آشور بنبال" كل الاتفاق. وذكروا بعد "نبايوت" في التوراة، مما يدل على أنهم كانوا يقطنون في جوارهم، كما ذكروا مع "ممالك حاصور" التي ضربها "نبوخذ نصر" "بختنصر"٤. وقد نكل "بختنصر" بالقيداريين كذلك، وخرب بلادهم وأخذ غنائم كثيرة منهم، واستولى على ما وقع في أيدي جيشه من أموالهم وخيامهم وغنمهم وجمالهم, وقد ورد وصف ذلك في سفر "إرمياء"٥.
ويظهر من التوراة أن القيداريين كانوا أعرابًا يعيشون في الخيام عيشة أهل البداوة٦، وقد وصفت خيامهم بأنها خيام سود "أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم، كخيام قيدار، كشقق سليمان"٧, والخيام السود هي بيوت أهل الوبر. وكانوا يعتنون بتربية المواشي، وقد اشتهروا بأن فيهم رعاة يملكون ماشية كثيرة٨, إلا أن منهم من كان متحضرا سكن القرى والمدن٩. ونجد "أشعياء" يتنبأ بإفناء "مجد قيدار, وبقية عدد قسي أبطال بني قيدار"١٠, مما يدل على أن القيداريين كانوا قوة وعددًا ضخمًا، فيهم جماعة مهرت برمي السهام. ويتبين من "المزامير" أنهم غزاة، وحياتهم حياة غزو، لا يعرفون السلام
стр. 476
ولا الاستقرار١.
وقد ذكروا مع العرب في جملة من تاجر مع العبرانيين, تاجروا معهم "بالخرفان والكباش والأعتدة٢". وكانوا مثل قبائل العرب الأخرى على احتكاك بالعبرانيين، يتاجرون معهم تارة، ويخاصمونهم تارة أخرى، ويظهر أنهم كانوا على عداء شديد معهم، وخصومة منكرة في أيام "أشعياء" و"إرمياء"، كما يتبين ذلك من الهجوم العنيف الموجه إليهم في سفريهما ومن فرح العبرانيين من النكبات التي حلت بهم، ولا سيما انتقام "بختنصر" منهم. ويظهر أنه غزاهم؛ لأنهم كانوا يتحرشون بالبابليين أثناء مرورهم بالبادية إلى فلسطين، مما حمل "بختنصر" على الانتقام منهم ومن قبائل أخرى كانت ضاربة في البادية وفي الطرق المؤدية إلى بلاد الشام.
وقد ذكر أهل الأخبار اسم رجل دعوه "قدار بن سالف", زعموا أنه كان يدعى "أحيمر ثمود"٣، وأنه هو الذي عقر الناقة، ناقة النبي صالح٤، وذكروا أن "قيدار بن إسماعيل" هو أبو العرب، وزعم بعضهم أنه كان نبيا، وزعم أن له قبرًا ومشهدًا يزار قريبًا من السلطانية بالعجم، وأعقب من ولده "حمل بن قيذار"، وله ابن يقال له "سواري". وقد ذكر أهل الأخبار أن "كعب الأحبار" قال: "قال الله لرومية: إني أُقسم بعزتي لأهبن سبيك لبني قاذر، أي: بني إسماعيل بن إبراهيم ﵉ يريد العرب"٥. وإذا صح أن هذا الكلام هو من كلام "كعب" حقًّا، فإنه يدل على تحريض "كعب" للمسلمين على اكتساح إمبراطورية الروم، وقد كان اليهود يكرهون الروم، لما أوقعوه بهم من ظلم، وأنه كان يعبر عن الحالة التي كانت بين الروم والعرب في ذلك الزمان. وليس الكلام المذكور، كلام الله في التوراة
стр. 477
وإنما هو كلام "كعب". ولكعب أمور عديدة من هذا القبيل، إذ يضع كلامًا يزعم أنه من كلام الله المذكور في الكتب المنزلة.
وأما "أدبئيل" "Adbeel"، فكناية عن قبيلة عربية أخرى من القبائل الإسماعيلية، يرى بعض علماء التوراة أنها عاشت في جنوب غربي البحر الميت١. ويظن أنها قبيلة "إدب إيلة" "Idibaila" "Dibiila" "إدبئيلة" "إدبعيلة" "دبئيلة" و"بعيلة" المذكورة في كتابة من كتابات الملك "تغلا تبلسر الثالث"٢. وقد ذكر هذا الملك أنه عين نائبا عنه، أو "مندوبا ساميا" "قيبو" "Kepu" على خمسة عشر موضعًا، وكان اسم هذا المندوب "أدب أل" "أدب أبل" "أدبئيل" "Idibiil"، وهو سيد قبيلة عرفت بهذا الاسم. والظاهر أنه فوض إليه أمر حماية الحدود والمحافظة عليها من الغزو, وتقع أرض هذه القبيلة على مقربة من الحدود المصرية وفي الجنوب من غزة٣. وكانت هذه القبيلة لا تزال موجودة في أيام المؤرخ اليهودي "يوسف فلافيوس"٤.
ويلي "أدبئيل" "أدب أل" "أدب أيل" في تسلسل أولاد إسماعيل، مبسام "Mibsam"، وقد سُمي في بعض الكتب العربية "ميشا"، ولا نعرف من أمر هذه القبيلة شيئًا٥.
وأما "مشماع"، وقد سُمي "منسى" و"منشى" و"مسمع" و"مشماعة" في بعض الكتب العربية، فلا نعرف من أمره شيئًا. ويتصور بعض العلماء أن لهذا الاسم علاقة بقبيلة "بني مسماع" أو "جبل مسماع" "جبل مسمع" قرب تيماء٦.
ورأى "فورستر" أن "مشماع" هي قبيلة "Masmaos" التي ذكرها "يوسفوس"، على أنها من القبائل العربية التي كانت تعيش في أيامه٧. ويرى
стр. 478
"فورستر" أيضا أن قبيلة "Masaemanes" التي ذكرها "بطلميوس" هي هذه القبيلة كذلك١. وهذا الاسم قريب من اسم "ماء السماء".
و"دومة" هو "دوما" في بعض الكتب العربية، وهو كناية عن موضع "دومة الجندل"٢، وقد عرف بـ"دوماتا" "Domatha" عند "بلينيوس"٣ وبـ"Doumaetha" "Dumaetha" عند "بطلميوس"٤، وبـ"Adumu" "أدومو" في الكتابات الآشورية٥، وهو كناية عن موضع وعن اسم قبيلة عربية؛ فقد ورد أن شعبًا اسمه "Dumathii" كان يقدم قربانًا "ولدًا" في كل سنة إلى آلهته، ويدفن ذلك القربان في معبد الإله, ويراد به شعب "دومة الجندل"٦.
وقد ورد اسم "مسا" "Massa" في النصوص الآشورية مقرونًا بـ"تيما" "تيماء", ويرى بعض العلماء أنه كناية عن قبيلة كانت منازلها في الشرق والجنوب الشرقي من "موآب"٧. ويرى بعض آخر أن مواطنها في الأرضين الجنوبية من وادي السرحان، وفي غرب منازل "عريبي" "أريبي"٨.
وجاء في رسالة أرسلها أحد "المقيمين" الآشوريين إلى ملك آشوري لم يرد اسمه في الكتابة أن "ملك قمرو" "مالك قمرو"٩ بن "عميطع" سيد قبيلة "مسئا" "Masa" غزا قبيلة "Nabaati"، وقتل عددًا من أتباعها١٠. والظاهر أن هذه القبيلة، هي القبيلة المذكورة في التوراة.
стр. 479
وأما "حدد" أو "حدار"، كما دُوِّن في سفر التكوين١، فإنه "أدد" عند بعض أهل الأخبار٢. وقد تكون لاسمه علاقة باسم الإله "حدد" أو "أدد" المعبود الشهير الذي تعبد له الآراميون وقبائل عربية كثيرة، وكذلك الآشوريون والبابليون٣. ولا نعرف من أمر قبيلة "حدد" هذه شيئًا يذكر في الزمن الحاضر.
وأما "تيما"، فإنه "طما" في الكتب العربية، وهو كناية عن "تيماء"٤، وسوف أتحدث عنها. وأما "يطور"، وهو "وطور" وما أشبه ذلك في الكتب العربية، فقبيلة عرفت بـ"Ituraea" في المؤلفات اليونانية واللاتينية٥, وقد حاربت العبرانيين, وكانت تقيم شرقي نهر الأردن في أيام الملك "شاءول". ويظهر أنها هاجرت نحو الشمال، فسكنت في الأقسام الجنوبية من لبنان وفي الحافات الشرقية من جبال لبنان, وقد أجبر الملك اليهودي "أرسطوبولس الأول" "Aristobulus I" "١٠٧ قبل الميلاد" قسمًا من اليطوريين على التهود, وكان قد استولى على أرضهم, وكان لهم ملوك. وفي أيام ملكهم "سوهومس" "سوحومس" "سوخومس" "Sohumus" أدخلت أرضهم في مقاطعة "سورية" وذلك في سنة "٥٠" ب. م. وقد كابدت دمشق مصائب شديدة من غزوات اليطوريين٦.
وكانت مواطن اليطوريين فيما بين "اللجاة" "Trachonitis" و"الجليل"، وعرفت بـ"جدورا"، وبـ"إيطورية"٧. وقد عرفوا بمهارتهم في الرماية, وقد ذكرهم "سترابو"٨. والظاهر أن مواطنهم الأصلية كانت في البادية، ومنها جاءوا إلى "إيطورية" ثم ذهبوا إلى الأقسام الجنوبية من لبنان وإلى سهل البقاع. وقد ضيق عليهم الرومان في حوالي الميلاد وأجبروا بعضهم على الرجوع إلى البادية
стр. 480
ويظهر أن سبب ذلك هو عدم خضوعهم للسلطات وغاراتهم على الحضر. وقد قتل "مارقوس أنطونيوس" "Marcus Antonius"، ملك اليطوريين في سنة "٣٤" ق. م. وكان يدعى "ليسانياس" "١Lysanias، وتوفي "زنودوروس" "Zenodorus" الذي خلفه في سنة "٢٠" ق. م، واستولى "هيرود الكبير" "Herodes the Great" على قسم من أرض اليطوريين. ولما قسمت مملكة "هيرود"، صارت هذه الأرضون من نصيب "فيليب"٢.
وفي أيام "لوقا"، كانت "Ituraea" منطقة تقع على ما يظهر في شمال شرقي "بحر الجليل"٣, ويخترق الطريق الروماني الذي عمله الرومان من "دمشق" إلى "طبرية" "طبريا"٤ هذه المنطقة.
وقد كوَّن اليطوريون لهم إمارة أو مملكة في "البقاع"، كان حكامها رجال دين أي: كهانًا وملوكًا في آن واحد. وقد عرفنا منهم رجلًا اسمه "Mennaios" وهو اسم قريب من الأسماء العربية، فلعله "معن", أما ابنه فقد سمَّى نفسه باسم يوناني، هو "بطلميوس" "Ptolemaios". وكان لهذا الملك، أي "بطلميوس" ولدان، هما: "Lysanias"، وقد تولى الملك من بعد والده و"فيليب" "Philippion", وأما "زينودور" "Zenodor"، فقد خلف "Lysanias" وأما "Sohaimos" "Sohumus"، فإنه اسم قريب من "سحيم" ومن "سهيم" و"سخيم" و"سهم"، وأمثال ذلك، وهي أسماء عربية معروفة٥.
ويظهر أن ارتحال "اليطوريين" من الأقسام الشرقية من الأردن نحو الشمال، نحو دمشق، ثم سهل البقاع حتى ساحل البحر الأبيض، كان قبل القرن الثاني قبل الميلاد. ولعلهم هم العرب الذين ذكر أن الإسكندر الكبير كان قد حاربهم بعد حصاره لمدينة "صور" "٦Tyros.
стр. 481
وقد كون الرومان فرقًا محاربة من "اليطوريين"، اشتركت معهم في الحروب, وقد امتازت بعض هذه الفرق في حذقها بالرمي. وكون "مارك أنتوني" "Marcus Antonius" حرسًا خاصًّا منهم، أشير إليهم في الموارد اليونانية واللاتينية١.
و"نافش" "Naphish" هو "نفيس" عند الأخباريين٢, ويرى بعض علماء التوراة احتمال كون "بنو نفسيم" "Naphisim" المذكورون في سفر "عزرا" هم "نافش" هؤلاء٣.
وأما "قدمة" فهو "قيدمان" و"قيذما" وما شاكل ذلك في المؤلفات العربية٣، ولا نعرف من أمرهم شيئًا يذكر في الزمان الحاضر, ولعلهم "القدموينين" الذي أدخلت أرضهم في جملة "الأرض الموعودة" المذكورة في التوراة٤, وكانت مواطنهم عند "البحر الميت". ومن العلماء من يظن أن لهم صلة بـ"بني قديم" "Bene Kedem"، أي: "أبناء الشرق"٥. وذهب "فورستر" إلى احتمال كون "قدمة" موضع "رأس كاظمة" على الخليج٦. ولما كانت "قدمة"٧ من القبائل الإسماعيلية، وقد ذكرت مع القبائل الإسماعيلية في التوراة، ومواطنها كلها لا تبعد كثيرًا عن فلسطين، فإني أرى أن مواطن هذه القبيلة يجب أن تكون أيضًا في هذه المواضع، أي في مكان لا يبعد كثيرًا عن فلسطين.
والغالب على أبناء إسماعيل البداوة, أي: حياة التنقل والغزو والرماية؛ لذلك كانت ملاحظة التوراة عن إسماعيل من أنه سينشأ راميًا، ملاحظة حسنة تدل على تبصر بأمور "الإشماعيليين" الذين كانوا يقومون بالغزو ويرمون بالسهام.
أما المجموعة الثالثة من مجموعات أنساب العرب المذكورة في التوراة، فإنها مجموعة قبائل نسبت إلى "قطورة" زوج "إبراهيم". وقد ذكرت التوراة
стр. 482
أنها ولدت له "زمران، ويقشان، ومدان، ومديان، ويشباق، وشوحًا"١, وولد يقشان: شبا، وددان, وكان بنو ددان: أشوريم، ولطوشيم، ولأميم, وبنو مديان: عيقة، وعفر، وحنوك، وأبيداع، والدعة٢. ويبلغ عدد القبائل المنحدرة من "قطورة" ست عشرة قبيلةً٣.
فـ "قطورة" إذًا هي مجموعة قبائل مثل الإسماعيليين واليقطانيين، وهي تتفق مع القبائل الإسماعيلية في أنها تنحدر من صلب إبراهيم، وهي من هذه الناحية أقدم عهدًا من القبائل الإسماعيلية؛ لأن والد هذه القبائل هو إبراهيم, أما والد القبائل الإسماعيلية، فهو إسماعيل وهو ابن إبراهيم.
والأسماء المذكورة كناية عن قبائل عربية ألّفت مجموعة خاصة، كان حلفًا على ما يظهر تألف من قبائل رجعت نسبها إلى أصل واحد هو "قطورة", انتشرت قبائله في الأرضين الواقعة بين القبائل العربية الإشماعيلية وبين القبائل اليقطانية. وتشير قصة زواج "إبراهيم" بقطورة إلى صلة القطوريين بالإشماعيليين، والإشماعيليون من صلب إسماعيل بن إبراهيم، ويؤخذ على أنه كناية عن اختلاط قبائل المجموعتين، أي: الحلفين بتعبير أصح. ووجود أسماء بعض قبائل يقطانية وبعض قبائل كوشية في قائمة أسماء أبناء قطورة، هو أيضا دليل على وجود صلات بين هذه الأحلاف الثلاثة, وعلى تداخل القبائل واختلاطها بعضها ببعض.
أما أولاد "قطورا" عند أهل الأخبار، فهم: يقسان، وزمران، ومديان، ويسبق، وسوح، وبسر على رواية٤، ومدن ومدين ويقسان وزمران ويسبق وسوح على رواية أخرى٥, ومدن ومدين ويقشان، وزمران, وأشبق، وشوخ٦. وقد أخذت هذه الأسماء كما نرى من التوراة، إلا أن من أخذها حرَّف فيها بعض التحريف، وخالف الترتيب الموجود للأسماء في التوراة فقدم وأخر، وأضاف اسما جديدا هو "بسر" على الرواية الأولى، وضعه في مكان "مدان"،
стр. 483
إلا أن الطابع التوراتي ظل بارزًا واضحًا عليها. فلا حاجة بنا إلى إرجاع كل اسم منها إلى الاسم المقابل له في التوراة.
وزوَّج أهل الأخبار "يقشان" "يقسان"، من امرأة سموها "رعوة بنت زمر بن يقطن بن لوذان بن جرهم بن يقطن بن عابر"، وأولدوا لها ولدًا دعوه "البربر"، قالوا عنه: إنه جد "البربر"١. وهو زواج لا تعرف عنه التوراة شيئا، وأما الزوج "رعوة بنت زمر بن يقطن" فليس لها ذكر فيها أيضا، وأما نسبها، فهو نسب اخترعه من اخترعها، وليس له لذلك ذكر في التوراة. وأما "بربر" بن "رعوة" فهو من صنع صانع أخبار أمه, وليس له ذكرٌ ما في التوراة.
ولفظة "بربر" في الكتاب المقدس لفظة تعني "الغريب"، وهي من أصل يوناني، وقد أطلقها اليونان على الغرباء الناطقين بلغة أخرى غير اللغة اليونانية٢. ولم تستعمل علما على جنس معين له جد وأب ونسل؛ ولذلك، فإن ربط نسب "البربر"، وهم سكان المناطق المعروفة من شمال إفريقيا, بـ"رعوة" وبقحطان، هو من صنع "أهل الأخبار"، وقد وقع في الإسلام بالطبع وبعد الفتح الإسلامي لتلك المناطق؛ لغايات سياسية، على نحو ما حدث من ربط نسب الفرس واليونان والأكراد بالعرب.
ولم يشر الأخباريون وأهل الأنساب إلى "القطوريين" كطبقة خاصة من العرب, وقد أشار بعضهم إلى قبيلة عربية عرفت بـ"قطورة"، ذكروا أنها عاشت مع "جرهم" بمكة٣. ولعل لتشتت شمل القبائل القطورية ودخولها في القبائل الأخرى: قحطانية وعدنانية، وفي جهل أهل الكتاب في ذلك العهد، أي: أيام لجوء أهل الأخبار إليهم يسألونهم عن الأنساب، دخلًا في هذا الإهمال.
ويلاحظ أن بين أسماء قبائل "قطورة" أسماء وردت في جدول أنساب قبائل "يقطان"، وفي جدول أسماء أبناء "كوش". ويفسر بعض العلماء ذلك باتصال القبائل القطورية بالقبائل اليقطانية وبالقبائل الكوشية وباختلاطها بها وتلاحمها
стр. 484
معها، ونزولها بينها، فعد كتبة "أسفار التكوين" ذلك نسبًا، فأدخلوا القسم الذي دخل في اليقطانيين من اليقطانيين، والقسم الذي نزل بين الكوشيين من الكوشيين؛ ومن ثم صار ذلك نسبا ورابطة دم١.
وزوج إبراهيم "قطورة" معروفة عند أهل الأخبار, وقد دعوها بـ"قطوراء" وبـ"قطورا" وبـ"قنطوراء"٢, ومعنى اللفظة في اللغة العبرانية: "البخور", وقد تزوجها إبراهيم بعد وفاة "سارة"٣. ولكنهم كعادتهم في معظم الأخبار التي أخذوها من أهل الكتاب، خلطوا في أخبارها وحرفوا فيها، فجعلوا لها نسبًا -ولم يرد له ذكر في التوراة- اختلفوا فيه أيضا، فصار "يقطن" والد "قطورة" في خبر٤, وصار "يكفور" أو "مفطور" هو والدها في خبر آخر، وصار "إفراهم بن أرغو بن فالغ" هو والدها في خبر آخر أيضا٥, وجُعلت عربية من العرب: تتكلم بهذا اللسان العربي المعروف. وقيل: إن اسمها "أنموتا" أو "أنمتلى"٦، وصيرت "قطورا بنت يقطن"، ولكنهم أخرجوها أحيانا من العرب، وأضافوها إلى الكنعانيين٧، كما جعلوها "قطورا بنت مقطور" من العرب العاربة٨.
ولم يفطن أهل الأخبار إلى خلطهم في هذا النسب وإلى سكوت التوراة عن نسبها، ولا أدري من أين جاءوا بـ"يكفور"، أو "مفطور"؟! وكيف يجوز أن تكون "قطوراء" من نسل "إفراهم بن أرغو بن فالخ"؟! فـ"إفراهم" هو "إبراهيم"، وهو زوج "قطورة" لا والدها أو جدها أو جد جدها أو ما شاكل ذلك! ثم إن نسب "إبراهيم" على هذه الصورة هو نسب مغلوط يدل على جهل، فإنه "إبراهيم" وهو "إبرام" في التوراة، هو ابن "تارح"
стр. 485
و"تارح" هو ابن "ناحور" و"ناحور" ابن "سروج" وهذا هو ابن "رعو" الذي صار "أرغو" عند الإسلاميين، و"رعو" هو ابن "فالج" الذي صير "فالغ" عند أهل الأخبار؛ فترى من ذلك كيف خلط أهل الأخبار، وكيف كان علمهم بالقصص المأخوذ من التوراة. وكل هذا الجهل ناشئ من اعتمادهم على الأخذ شفاهًا من أهل الكتاب، ومن عدم رجوعهم إلى نص التوراة١.
ويلاحظ أن أكثر الذين قالوا في "قطورة" "قطوراء" و"قطورا"، ذكروا أولادها على نحو ما ورد في التوراة. أما الذين قالوا "قنطوراء"، فقد نسب أكثرهم إليها الترك والصين، وأضاف بعضهم إليها السودان في بعض الأحيان٢. وهو نسب تكرم به عليها أهل الأنساب والأخبار؛ فليس في التوراة ذكر لهؤلاء الأولاد النجباء, ولعل إلحاق هؤلاء بـ"قنطوراء" إنما كان لغرض سياسي، هو إدماج نسب الترك والصين بالعرب؛ ترضية لهم، كما فعلوا بالنسبة إلى شعوب أعجمية أخرى. ويرد اسم "بنو قنطوراء" في الملاحم والتنبؤات، فرووا أحاديث تدل على شعور الخلافة الإسلامية بالخطر القادم من الترك والصين، وبأن النسب لم ينفع شيئًا معهم، إذ ورد: "يوشك بنو قنطوراء أن يخرجوكم من أرض البصرة"، وورد: "إذا كان آخر الزمان جاء بنو قنطوراء"٣.
وزعم أهل الأخبار أن إبراهيم تزوج من زوج أخرى كانت من العرب أيضًا، أسموها "حجور بنت أرهير"، ولدت له خمسة بنين: "كيسان، وشورخ، وأميم، ولوطان، ونافس٤". وليس في التوراة ذكر لهذه الزوج العربية، فليس لها نسل فيها بالطبع, فالأولاد هم من نسل مخيلة أصحاب الأخبار، جمعوها من أسماء توراتية مرت وتمر علينا في مواضع من هذا الكتاب، وضبطوها بعدد؛ لتظهر بمظهر خبر صحيح مضبوط.
ومن الأخباريين من أحجم عن تعيين هوية زوج إبراهيم، فلم يذكروا شيئًا
стр. 486
عن عروبتها أو عن أبيها وجدها، بل اكتفوا بذكر اسمها وحده، فدعوه "حجوني"، وقالوا: إنها ولدت له سبعة نفر هم: نافس، ومدين، وكيشان، وشروخ، وأميم، ولوط، ويقشان١.
ومعارفنا بالقبائل القطورية لا تختلف عن معارفنا بالقبائل الإسماعيلية واليقطانية من حيث الضآلة والضحالة. فهي قد لا تزيد في بعض الأحيان على الاسم؛ ذلك لأن التوراة لم تذكر شيئا عنها، ولأن المفسرين والأحبار الذين شرحوا التوراة، لم يذكروا شيئًا عن تلك القبائل، إما جهلًا بها، وإما لعدم وجود ميل بين العبرانيين إلى الوقوف على أحوال تلك القبائل التي ذكرت في التوراة لمناسبة من المناسبات؛ ولهذا ضحل علمنا بها أيضا. وليس أمامنا غير انتظار الحظ، فقد يكتشف العلماء موارد جديدة قد تساعدنا في الوقوف على أولئك الأقوام.
فزمران مثلًا، لا نعرف من أمره شيئًا يذكر, وقد ورد لدى "بلينيوس" اسم قبيلة عربية دعاها "Zamareni"، وهذا الاسم قريب من "زمران"؛ لهذا رأى بعض العلماء احتمال وجود صلة باسم هذه القبيلة القطورية٢، كما ورد اسم موضع يقال له "زبرم" "Zabram" يقع غرب مكة، يرى بعض الباحثين احتمال وجود صلة له بتلك القبيلة٣, غير أن من الصعب الحكم أن أحد هذين الموضعين هو "زمران"٤.
وأولد أهل الأخبار لـ"زمران" ولدًا سموه: "المزامير"، وهو في نظرهم جد "المزامير الذين لا يعلمون"٥, وليس في التوراة ولد لـ"زمران" اسمه "المزامير" صفتهم أنهم لا يعلمون, وليس للفظة أية صلة بـ"المزامير" التي هي أغانٍ أو موشحات ترتل على صوت المزمار لتمجيد الله, وتقسم إلى خمسة كتب، يختم كل منها بتسبيحة، وتكرر لفظة "آمين" مرتين، أضافها
стр. 487
جامعو المزامير لا مؤلفوها١. وهي من لفظة "مزمور" "Mizmor" في العبرانية و"Mazmor" في السريانية و"Mazmur" في الأثيوبية، وتقابل "الزبور" و"الزبر" في القرآن الكريم٢.
وقد ذكر "ابن النديم" على لسان "أحمد بن عبد الله بن سلام" من مترجمي التوراة والإنجيل، أن المزامير هي "الزبور"، وهي خمسون ومائة مزمور٣. وهو عدد صحيح مضبوط، يدل على علمه بعدد المزامير؛ لأن ما ذكره هو عددها الصحيح.
والعلماء مختلفون فيما بينهم في المعنى "الأثنولوجي" لكلمة "زمران", ويرى بعضهم أنها من "زمر" ومعناها "تيس جبلي"، ويقولون: إن بني "زمران" اتخذوا ذلك الحيوان "طوطمًا" لهم؛ ولذلك عرفوا به٤.
أما "يقشان" فيرى "كلاسر" أنه موضع "وقشة"، وهو مكان من السراة في عسير٥, ورأى "أوسيندر" أنه "يقش" في اليمن٦. وذكر "الهمداني" اسم قبيلة سماها "بني وقشة" من قبائل "الجنب"٧, وذهب فريق من العلماء إلى أن اللفظة هي تحريف للفظة "يقطان"٨.
وقد ذكر أهل الأخبار أن "بني يقسان" أي: بني "يقشان" لحقوا بمكة فسكنوا بها٩, ولكنهم لم يشيروا إلى بنية على نحو ما جاء في التوراة.
وأما "مديان" "مدان" "Midian" فإنه "مدين" في الموارد العربية,
стр. 488
وقد ورد ذكر "مدين" و"أصحاب مدين" في مواضع من القرآن١, ورد على سبيل العظة والتذكير بمصير يشبه مصير "مدين"، وأشار إلى نبيهم "شعيب": ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ ٢.
وورد اسمهم في سورة "التوبة" مع قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم٣، وورد مثل ذلك في سورة "الحج"٤. ومما جاء في القرآن على لسان شعيب، قوله يخاطب أهل مدين: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥. وورد في سورة هود ما يشير أيضا إلى أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان، فاستحقوا العقاب والعذاب؛ وذلك لترهيب أهل مكة، وكانوا تجارًا، من نقص المكيال والميزان، لئلا يصيبهم ما أصاب قوم شعيب حيث أصابهم الهلاك.
ويظهر من ذكر "الرجفة" أن حدثًا أرضيًّا، هزة أو هياج حَرَّة، أصابهم، فأثر فيهم٦. وهذا ممكن جدا؛ لأن أرض مدين من مناطق الزلازل والحرار.
ولورود اسم "مدين" وقصة "شعيب" في القرآن الكريم، عني المفسرون وأصحاب قصص الأنبياء بجمع ما ورد عن أهل مدين وأخيهم شعيب من أخبار، غير أنهم لم يجدوا في ذاكرة من تقدمهم شيئًا, فاستعانوا بما ورد عند يهود. وقد أضاف الأخباريون إلى ذلك شيئا من القصص الشعبي, وشيئا ابتكروه, فأصبح "شعيب" "شعيب بن نويت بن رعويل بن مر بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم"٧. وقد ذكر الطبري وغيره من المفسرين والمؤرخين أن اسم "شعيب" "يثرون" "يثرو"٨، وقد أخذوا ذلك من أهل
стр. 489
الكتاب ولا شك، ففي التوراة أن "موسى" نزل على أهل "مدين" بعد هربه من "فرعون"، وتزوج ابنة كاهن "مدين" "مديان" "يثرون"، واسمها "صفورة"، فولدت له ولدا دعاه "جرشوم" "كرشوم", فرأى المفسرون والأخباريون أن شعيبًا المذكور في القرآن الكريم, هو "يثرون" التوراة. ويرى "بول" "Buhl" أن ذلك لم يكن معروفًا في صدر الإسلام وإنما حدث هذا بعد هذا العهد١.
وقد وضع بعض أهل الأخبار نسبًا عجيبًا مضحكًا لـ"شعيب"، فجعلوه "يثرون بن ضيعون بن عنقا بن نابت بن إبراهيم"٢. وتعقل آخرون فقالوا: إنه "شعيب بن ميكيل" من ولد مدين٣, وقيل غير ذلك. وكل هذا من وضع أهل الأخبار، وأهل الكتاب الذين أمدوهم بمثل هذه الأنساب والقصص، ولم يتورعوا من ادعاء أنهم وجدوا ذلك في كتب الله.
وقد عرف "يثرو" "Jethro" "Jether" بـ"رعوئيل" "Reuel" أيضا في التوراة٤, كما عرف بـ"حوباب بن رعوئيل" في موضع آخر٥. ويظهر أن خطأً قد وقع في كتابة الاسم الثاني أو الأول؛ ولهذا صار "رعوئيل" في سفر الخروج و"حوباب بن رعوئيل" في سفر العدد. ونرى أن الاسم الذي ذكره "المسعودي" وغيره من أهل الأخبار لـ"شعيب" الذي هو "يثرو" يختلف مع اسمه المذكور في التوراة, ويرى بعض الباحثين أن كلمة "يثرو" ليست اسم علم له، وإنما هي كناية عن وظيفته وهي الكهانة، فقد كان كاهنًا في قومه، والكاهن هو "يثرو" في بعض اللغات العربية الجنوبية، وأما اسمه، فهو "رعوئيل" أو "حوباب بن رعوئيل"٦.
وقد جعل الناس لشعيب قبرًا زعموا أنه على مقربة من "حطين" في موضع سماه "ياقوت" "خيارة"٧. وقال له "بول Buhl" "خربة مدين"٨.
стр. 490
وقد ورد خبر "مدين" في غزوة "زيد بن حارثة" لجذام في "حسمى"١, ويظهر من بعض الموارد الإسلامية أن "مدين" كانت في صدر الإسلام من أرض "جذام"، وأنها كانت إذ ذاك أكبر من "تبوك", وبها بئر زعم أنها البئر التي استقى منها موسى٢.
ويظهر من شعر "كُثَير عزة" أنه كان في أيامه بمدين جماعة من الرهبان, يتعبدون، ويبكون من حذر العقاب٣، وورد اسم بطن يقال له "بنو المدان"، كما ورد ذكر "مدان" في غزوة "زيد بن حارثة" بني جذام، ويقال له: "فيفاء مدان"٤. و"المدان" اسم صنم أيضا، وبه عرف "بنو عبد المدان"٥.
وفي التوراة أن "المديانيين" كانوا برفقة "الإشماعيليين" لما بِيع "يوسف"٦, وأن موسى نزل عندهم وتزوج فيهم: أخذ ابنة "يثرون" كاهن "مديان" "مدين"٧. وفي موضع آخر أن "يثرون" من "بني القيني" "٨Kenite ويظن أن "بني القيني" هم فرع من فروع "مديان"٩.
стр. 491
وقد اتحد "المديانيون" مع "مؤاب" ضد إسرائيل١, وفي أيام "جدعون" "Gideon" كان المديانيون قد ضايقوا العبرانيين مضايقة شديدة، وكانوا قد اتفقوا مع العمالقة و"بني المشرق"، فتمكن "جدعون" من إخراجهم. وقد ورد في سفر "القضاة" اسم أميرين من أمراء المديانيين، هما "غراب" "Oreb"، و"ذئب" ٢Zeeb, وورد في الإصحاح الثامن من القضاة اسم ملكين أو "شيخين" من "مديان" "مدين" هما: "زبح" "Zebah" و"صلمناع" ٣Zalmuna. والظاهر أنه لم يعد للمديانيين شأن منذ هذا العهد، فلم يرد عنهم شيء يذكر، ولعلهم ذابوا في القبائل العربية الأخرى٤.
ويفهم مما جاء في "القضاة" أنهم كانوا فرعًا من "الإشماعيليين"٥, والذي يفهم من مواضع متعددة من أسفار التوراة أن مواطن "المديانيين" كانت تقع شرق العبرانيين٦. والظاهر أنهم توغلوا في المناطق الجنوبية لفلسطين، واتخذوا لهم هناك مواطن جديدة، عاشوا فيها أمدًا طويلًا بعد هذا التأريخ حيث يرد ذكرهم في الأخبار المتأخرة٧. وقد ذكر "بطلميوس" موضعًا يقال له "مودينا" "Modiana" على ساحل البحر الأحمر، يرى العلماء أنه موضع "مدين"، وهو ينطبق على موضع أرض مدين المعروفة في الكتب العربية٨.
وذكر "يوسفوس فلافيوس" المؤرخ اليهودي المعروف مدينة سماها "Madiana" وقال: إن موسى زارها٩, وذكر "بطلميوس" مدينة أخرى سماها "Madiama"١٠. وقد أشار المؤرخ "أويسبيوس" "Eusebius" إلى مدينة دعاها "مديم" "Madiam"، قال: إنها سميت بهذا الاسم نسبةً إلى ولد من أولاد "قطورة" زوج إبراهيم، وهي تقع في بادية الـ"سَرسَين" "Saracens" إلى شرق
стр. 492
البحر الأحمر, ويرى "موسل" أن "Madiama" أو "Madiam" هي "مدين"١.
ويظهر من التوراة أن "المدينيين" قد غيروا مواضعهم مرارًا، بدليل ما يرد فيها من اختلاطهم بـ"بني قديم" والعمالقة والكوشيين والإسماعيليين٢. ويظهر أنهم استقروا بعد ضعفهم في المنطقة التي ذكر "يوسفوس" وجود مدينة "Madiana" فيها، أي: في القرون الأخيرة قبل الميلاد. ويرى "موسل" أنها تقع في جنوب "وادي العربة" وإلى جنوب وجنوب شرقي العقبة٣.
ومن الصعب تعيين "بشاق"٤, فقد رأى بعضهم أنه موضع "يسبق" وهو مكان في شمال سورية، ذكر في كتابات "شلمنصر" الثاني٥. وقد ورد في خبر فتوحات "تغلا تبليزر" الأول اسم مكان يقال له "سوخ" "Sukh" أو "شوح" أو "شوخ" "Schukh"، ويقع شرق "حلب"، وهو لا يبعد كثيرًا عن أرض "يسبق" "Jasbuk". واسم "سوخ" قريب جدًّا من "شوح" الذي يلي اسم "يشباق" في التوراة؛ لذا رأى بعض العلماء أنه هو الموضع المقصود, وأن "يشباق" كناية عن هذا المكان، عن موضع "يسبق" الذي لا يبعد كثيرًا عن "شوح"٦. ورأى بعض الباحثين أنه "الشبك"، وهو موضع يقع على طريق "السكة الرومانية" الموصلة إلى العقبة٧.
وأما "شوحا"، فذهب بعض الباحثين إلى أنه موضع "سوخ" "سوخو" "Sukh" "Suchu" المذكور في نص "أشور بنبال" "٨٦٠ق. م."٨, ويقع على الجانب الأيمن من نهر الفرات٩. وقد ذكرت أن نفرًا من الباحثين رأوا
стр. 493
أنه مكان "سوخ" المذكور في نص "تغلا تبليزر" الأول, وقد نسب أحد أصحاب "أيوب" الثلاثة، وهو "بلدد" إلى "شوح" فعرف بـ"الشوحي"١. ويظن كثير من العلماء أنه من قبيلة أو من أرض عرفت بـ"شوح"، وأن هذه القبيلة أو الأرض هي "شوحا"٢.
وقد نسبت التوراة ولدين إلى يقشان هما: "شبا"، و"ددان", ويجب أن تكون أرض "شبا" هنا في جوار أرض "ددان "؛ وذلك لورود "ددان" مباشرة بعد "شبا"، أي: على مقربة من موضع "ديدان" الذي هو "العلا" في الحجاز٣. وأهل "شبا" المذكورون هنا، هم جالية سبئية من جاليات سبئية عديدة انتشرت بين اليمن وفلسطين، وفي السواحل الإفريقية المقابلة لليمن٤, كما سأتحدث عن ذلك.
ولم تهب التوراة لشبا أولادًا، بل تركته عقيمًا, إنما وهبت شقيقه ددان عددًا من الأولاد ونسلًا، هم "أشوريم" و"لطوشيم" و"لأميم". أما "أشوريم "Ashurim" "Asshurim"، فإنهم قبيلة عربية من قبائل "قطورة" بإجماع علماء التوراة، ولا صلة لهم بـ"آشور"، أي: الآشوريين. وقد ورد في "التركوم" "Targum" أن "أشوريم" بمعنى سكان مستوطنة أو معسكر٥. مما يدل على أن هؤلاء العرب كانوا مستقرين مقيمين في مستوطنات، ولم يكونوا أعرابًا.
وقد ورد اسم "آشور" في نصوص معينة مقرونا باسم موضع "عبر نهران"، وتقع هذه المنطقة من "طور سيناء" إلى "بئر السبع" "Beersheba" و"حبرون"٦ وتحاذي "مصرى" في جزيرة العرب على رأي "ونكلر"٧.
ولا نعرف شيئًا عن "لطوشيم" و"لاميم"، ويظن "كلاسر" أنهم من سكان "طور سيناء"٨.
стр. 494
وأما "مديان" "مدين"، فكان له من الأولاد: عيفة، وعفر، وحنوك، وأبيداع، والدعة١. فهم إذن قبائل من صلب "مديان" أي: مدين.
أما "عيفة"، فقد ورد ذكره في التوراة على أنه اسم قبيلة كانت تحمل الذهب واللبان على الجمال من "شبا" وتبيع تجارتها في فلسطين.
ذكرت مع "مدين"٢, ويظهر أن "بني عيفة" وأهل مدين كانوا وسطاء أو تجارًا يذهبون إلى "شبا"، فيحملون الذهب واللبان؛ لبيع هذه السلع الغالية النفيسة في فلسطين. ولا نعرف من أمر هذه القبيلة في الزمن الحاضر شيئًا يذكر٣.
وأما "عفر"، فاسم قبيلة يظن بعض العلماء أنها "بنو غفار" من "كنانة"٤، أو موضع "يعفر" على مقربة من "الحنكية" بين تهامة وأبان٥. ورأى "كلاسر" أنه موضع "Apparu" الذي ورد في كتابة تعود إلى "آشور بنبال"٦.
وهناك مواضع أخرى اسمها قريب من اسم "عفر"، فعلى مقربة من "مكة" موضع يعرف بـ"عفر" وبـ"عفار"، وفي نواحي "العقيق" مكان يسمى "عفاريات"٧. وذكر "الهمداني" "عفارًا" و"الخنقة"، واسماهما قريبان من "عفر" و"حنوك"٨, غير أن في أعالي الحجاز في منطقة "مدين" وفي الأردن مواضع تسمى بأسماء قريبة من "عفر".
وأما "حنوك"، فلا نعرف من أمره شيئًا يذكر., وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه "الحنكية"، وهو موضع في شمال المدينة٩.
وأما "أبيداع" "Abida,"، فيرى "كلاسر" أنه موضع من هذه المواضع في الحجاز١٠, وقد ورد في النصوص السبئية اسم قريب من هذا الاسم١١. ولا نعرف من أمر "الدعة" شيئًا حتى الآن١٢.
стр. 495
أبناء كوش:
ونجد في التوراة أن أبناء "كوش": "سبا، وحويلة، وسبتة، ورعمة، وسبتكا"، وأن "شبا وددان" هما ابنا "رعمة", و"كوش" هو ابن "حام"، والمراد بأبناء "كوش" الحبش وسكان "نوبيا" وهم سود١.
أما الأسماء المذكورة، فهي أسماء قبائل وأرضين عربية معروفة؛ لذلك حار علماء التوراة في تفسير الأسباب التي حملت كتبة التوراة على جعل تلك الأسماء أسماء أولاد لكوش؛ فرأى بعضهم أنها كناية عن قبائل عربية هاجرت من جزيرة العرب إلى السواحل الإفريقية المقابلة واستقرت في إفريقيا منذ أزمنة قديمة وكوَّنت لها مستوطنات وربما حكومات هناك, واندمج نسبها في أرض إفريقيا, فعُدَّت من شعوبها، فلما دون أهل الأنساب العبرانيون أنساب البشر في أيامهم عدوها من شعوب إفريقيا بحسب إقامتها، وأدخلوها في أبناء "كوش"، أي في أبناء تلك المنطقة التي أقاموا فيها. وذهب بعض آخر إلى أن "الكوشيين" المذكورين لم يكونوا من إفريقيا، بل من جزيرة العرب، ورأوا وجود "كوش" أخرى في جزيرة العرب أصحابها هم القبائل العربية المذكورة٢. واستدلوا على ذلك بما جاء في "أخبار الأيام الثاني": "وأهاج الرب على يهورام روح الفلسطينيين والعرب الذين بجانب "الكوشيين"٣" حيث يفهم من هذه الآية أن العرب المذكورين الذين عادوا "يهورام" كانوا يجاورون "الكوشيين"، ويقتضي ذلك على زعمهم وجود "كوش" أخرى هي "كوش عربية"، , وإياها قصد "سفر التكوين" في هذا المكان٤.