← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

وقد اشتهر في الجاهلية عدة كهان ذكر الإخباريون أسماءهم، منهم: شق، وسطيح، وأوس بن ربيعة، والخمس التغلبي، وعزى سلمة الكاهن، ونفيل ابن عبد العزي، وخنافر بن التوأم الحميري، وسواد بن قارب الدوسي، وعمرو بن الجعيد، وابن الصياد، والأبلق الأزدي، والأجلح الدهري، وعروة بن زيد الأزدي، ورباح "رياح" بن عجلة، وهو معروف بعراف اليمامة، والكاهن الخزاعي، ورباح "رياح" بن عجلة، وهو المعروف بعرافة اليمامة، والكاهن الخزاعي، وهو جد "عمرو بن الحمق"، وكان منزله بعسفان، وإليه احتكم هاشم وأمية١، و"كهال"، أحد الكهنة الجاهليين٢. وأشهر الكهان وأعرفهم: شق وسطيح، وللأخباريين عنهما قصص أخرجهما من عالم الواقع، وجعلهما في جملة الأشخاص الخرافيين. فشق في زعمهم إنسان له يد واحدة وعين واحدة، وجعلوه من المتشيطنة صورته صورة نصف آدمي. وذكروا أنه كان معاصرا لمالك بن نصر اللخمي، وأنه استدعاه واستدعى سطيحا مع لتفسير رؤيا رآها أفزعته، وأنهما أخبراه بوقوع غزو الحبشة لليمن وبظهور سيف بن ذي يزن. وقالوا: إنه من بني جليحة، وأنه عمر ثلاثمائة سنة٣. وقالوا أن سطيحا كان كتلة من لحم يدرج كما يدرج الثوب، ولا عظم فيه إلا الجمجمة، وأن وجهه في صدره، ولم يكن له رأس ولا عنق، وكان في عصر من أشهر الكهان، وأن كسى بعث إليه عبد المسيح بن بقيلة الغساني ليسأله في تأويل رؤيا رآها، فأخبره بظهور أمر رسول الله وبقرب زوال ملك العجم، فأخبر "عبد المسيح" كسرى بذلك٤. وزعم أن سطيحا جسد ملقى لا جوارح له، ولا يقدر على الجلوس، إلا إذا غضب انتفخ فجلس. وكان شق شق إنسان، له يد واحدة، ورجل واحدة، وعين واحدة. وولد سطيح وشق في اليوم الذي ماتت فيه طريفة الكاهنة،

стр. 4307

امرأة "عمرو بن عامر"، وهي بنت الخير الحميرية، ودعت بسطيح قبل أن تموت، فأتيت به، فتفلت في فيه، وأخبرت إنه سيخلفها في علمها وكهانتها. وكان وجهه في صدره، ولم يكن له رأس ولا عنق، ودعت بشق ففعلت به ما فعلت لسطيح، ثم ماتت وقبرها بالجحفة١. وقد ذكر "المسعودي"، نسب الكاهن "شق" على هذا النحو: "شق بن مصعب بن شكران بن أترك بن قيس بن عنقر بن أنمار بن ربيعة بن نزار" وذكر نسب "سطيح" على هذه الصورة: "هو ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان"٢. وعاه بـ "سطيح الغساني" في موضع آخر. وأورد سجعا من سجعه، كما أورد أخبارا لشق المعاصر له٣. وقد دعاه "الجاحظ" بـ "سطيح الذئبي"، كما دعاه "ابن إسحاق" بذلك، لأنه ينسب إلى جد اسمه "ذئب"٤. وإذا كانت رواية أهل الأخبار عن وجود الكاهن "سطيح" صحيحة، فيجب أن يكون قد عاش في القرن السادس للميلاد، إذ هم يذكرون أنه كان معاصرا لكسرى أنو شروان، وللنعمان بن المنذر، ويروون أنه أخبر "عبد المسيح بن حسان" الذي جاء إليه ليستفسر منه عن رؤيا رآها كسرى في منامه فأزعجته، فأخبره بمولد الرسول. وذكروا أيضًا أن كسرى كان يستعين في حكمه بالكهان، فيستشرهم، وإنه لديه ثلثمائة وستون كاهنا وسحرة ومنجمين، وكان من بينهم كهنة من العرب، وأشهرهم: السائب٥. وذكر بعض أهل الأخبار "أن خالد بن عبد الله القسري كان من ولد شق هذا. فهو خالد بن عبد الله بن أسد بن كرز. وذكر أن أن كرزا كان دعيا، وإنه كان من اليهود فجنى جناية، فهرب إلى بجيلة، فانتسب فيهم. ويقال كان عبدًا لقيس، وهو ابن عامر ذي الرقعة. وسمي بذي الرقعة، لأنه

стр. 4308

كان أعور يغطي عينه برقعة ابن عبد شمس بن جون بن شق الكاهن بن صب"١. ويظهر أن أعداء "القسري" قد أوجدوا له هذه القصة للحط منه، كما أوجدوا قصصًا شبيهًا بهذه القصة، حكوها عن ثقيف، نكاية بالحجاج المكروه. وإلى هؤلاء تجب إضافة "الأفعى الجرهمي"، وكان منزله بنجران، وإليه، احتكم ولد نزار في إرث والدهم٢. ورووا أن الكاهن "الخزاعي" كان من الكهان المعروفين وإليه تحاكم "أمية بن عبد شمس" و"هاشم بن عبد مناف" في أمر مفاخرتهمان فحكم لهاشم على أمية، فخرج إلى الشام وأقام بها عشر سنين. وإنه قال في حكمه كلامًا مسجعًا ختمه بقوله: "ولأمية أواخر"، فكانت أول عداوة بين بني هاشم وبني أمية٣. وهكذا جعلوه يتنبأ بظهور ملك بني أمية. وربما كان هذا الملك هو الذي أوحى إلى مفتعل القصة بإبداع موضوع اختيار "أمية" الشام لتكون دارًا له أقام بها مدة نزاعة مع هاشم، فحكم أن الملك عليها كان مكتوبا لبني أمية منذ عهد الجاهلية. وتشبه هذه القصة، قصة شك "الفاكه بن المغيرة" في سيرة زوجه "هند بنت عتبة بن ربيعة"، وتكلم الناس فيها، وذهاب والدها وزوجها بها إلى كاهن من كهان اليمن، فلما امتحنه عتبة، وتبين له أن الكاهن حاذق لا يخطئ قال له: قد جئناك "في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يأتي إلى كل واحدة منهن ويضرب بيده على كتفها، ويقول لها: انهضي حتى بلغ هندًا. فقال: انهضي غير رسحاء ولا زانية وستلدين ملكًا اسمه معاوية، فنهض إليها الفاكه، فأخذ بيدها، فجذبت يدها من يده، وقالت إليك عني، فوالله لأحرص أن يكون ذلك من غيرك! فتزوجها أبو سفيان، فولدت له أمير المؤمنين معاوية"٤. وهي قصة تتحدث عن نفسها، ولا حاجة لي إلى إبداء أي تعليق عليها. وكان "صاف بن صياد" يتكهن ويدعي النبوة. وخبأ له النبي خبيئًا فعلمه.

стр. 4309

وكان يدعي أن شيطانه كان يأتيه بما خفي من أخبار الأرض١. ويذكر أن الرسول سأله: كيف يأتيك هذا الأمر؟ قال: يأتيني صادقًا وكاذبًا٢. وأن رسول الله ذهب إليه ليرى أمره وكان "ابن صياد" في نخل، فكلمه رسول الله. وذكر أنه انطلق مرة مع "عمر بن الخطاب" في رهط قبل ابن صياد، فوجده عند "أطم بني مغالة"٣. وكان في بني لهب كاهن لهم يقال له خطر بن مالك، وكان في أيام الرسول. وكان إذ ذاك شيخًا كبيرًا٤. وكان "أبو برزة" الأسلمي من الكهان المعروفين في المدينة أيام الرسول، وقد تحاكم إليه بنو قريظة وبنو النضير في أمر الديات التي كانت بينهما٥. وذكر أن "خطر بن مالك" كان من أعلم كهان "بني لهب"، وأنهم كانوا يأتونه في الملمات، أتت عليه مائتا سنة وثمانون سنة، وقد تنبأ لقومه بانقطاع الكهانة وظهور الرسول بمكة حين سألوه عن سبب تساقط النجوم في السماء٦. وكان في دوس كاهن اسمه سواد بن قارب الدوسي أو السدوسي. وقد وفد مع وفد من قومه على الرسول وأسلم معه أمامه. وكان له رئي يأتي إليه٧. وذكر أهل الأخبار أنه كان حاذقا في الكهانة، مصيبا بها، "خرج خمسة نفر من طيء من جور الحمى، منهم: برج بن مسهر، أحد المعمرين وأنيف بن حارثة، ولأم عبد الله بن سعد والد حاتم، وعارف الشاعر، ومرة بن عبد رضا، يريدون سواد بن قارب، ليمتحنوا علمه، فقالوا: ليخبئ كل منا خبيا ولا يخبر أصحابه، فإن أصاب عرفنا علمه، وإن أخطأ ارتحلنا عنه. ثم وصلوا إليه فأهدوا إليه إبلا وطرفا، فضرب عليهم قبة ونحر لهم، فلما مضت ثلاثة أيام دعاهم، فتكلم برج، وكان أسنهم فذكر القصة بجميع ما خبأوه ثم بمعرفته بأعيانهم وأنسابهم فقال فيه عارف الشاعر:

стр. 4310

الله أعلم لا يجاري ... إلى القالات في حصني سواد كأن خبيئنا لما انتخبنا ... بعينه يصرح أو ينادي١ ومن الكهان المعروفين "الحصين بن نضلة" وقد عرف بـ "الكاهن"، وقيل: إنه سيد أهل تهامة في أيامه٢. و"عمر بن الحمق"، وقد أسلم وصحب النبي، وشهد المشاهد مع علي٣. وكان "ربيعة بن حذار الأسدي" من الكهان المعروفين، وإليه تحاكم "بنو كلاب" و"بنو رباب" لما خاصموا "عبد المطلب" في مال قريب من الطائف فحكم لـ "عبد المطلب"٤. وذكر "المسعودي" اسم كاهنين، دعاهما بـ"سملقة" و"زوبعة"٥. وقد أشار "الجاحظ" إليهما في معرض كلامه على الخرافات٦. وأشار "الجاحظ" إلى كاهن ظهر في "بني جهينة"، عرف بـ "حارثة جهينة"٧، وإلى "عزى سملة". وقد قال الجاحظ" عن "عزى"، أنه كان من أكهن العرب وأشجعهم. ودعاه بـ "سلمة بن أبي حية"٨. وكان "خنافر بن التوأم الحميري" كاهنا، وكان قد أوتي بسطة في الجسم، وسعة في المال، وكان عاتيا، فلما وفدت وفود اليمن على النبي، وظهر الإسلام أغار على إبل لمراد فاكتسحها وخرج بأهله وماله ولحق بالشحر، فحالف "جودان ابن يحيى الفرضمي"، وكان سيدا منيعا، ونزل بواد من أودية الشحر، ثم جاءه "شصار" رئيه، فنصحه بالعودة إلى اليمن، والدخول في الإسلام. فأسلم على يد معاذ بن جبل بصنعاء، فترك الكهانة وتعلم سورا من القرآن٩.

стр. 4311

الإسلام ومن الكهان "المأمور"، وهو "الحارث بن معاوية" الكاهن. وكانت مذحج في أمره تتقدم وتتأخر١. و"قلطف"، وهو من طيء٢. وكان "زهير بن جناب الكلبي"، و"جذيمة" العبسي، كهانا٣. وزهير من الفرسان، فكان من فرسان كلب، وكان شاعرا٤. ويعد "الافكل" من الكهان الفرسان، وله فرس اسمه هبود٥. ولم تحرم النساء الكاهانة، فكان لهن فيها حصة ونصيب. وقد حفظ الإخباريون أسماء عدد من الكهانات اشتهرت كهانتهن في الجاهلية، منهن طريفة الكاهنة، وزبراء وسلمى الهمدانية، وعفيراء الحميرية، وفاطمة بنت مر الخثعمية، وسجاح، وغيرهن. وقد نسبوا إلى طريفة إخبارها عمرو بن عامر أحد ملوك اليمن بزوال ملكه وبخراب سد مأرب، وذكروا إنها سارت مع القبائل حين خافت سيل العرم٦. ونسبوا إلى بقية الكاهنات أمثال هذا القصص عن أمور ستقع قالوا إنها وقعت كما تنبأن به. وذكر "المسعودي"، أن "طريفة" كانت كاهنة لعمرو بن عامر. وقد نعتها بـ "طريفة الخير". وقد تنبأت له بقرب تهدم السد، وظهور سيل العرم. كما تنبأ بذلك أخ للملك اسمه "عمران"، وكان عقيما كاهنا، فوقع ما تنبآ به٧. وكان من شهيرات الكاهنات أيضًا "الغيطلة"، وهي "أم الغياطل"، وهي من "بني مرة بن عبد مناة بن كنانة"٨. وقيل: "الغيطلة بنت مالك بن الحارث بن عمرو بن الصعق بن شنوق مرة. وشنوق أخو مدلج". وقد عرف ولدها بالغياطل، وهم من بني سهم بن عمرو بن هصيص٩.

стр. 4312

ويقال أيضًا أن "سعدي بنت كريز بن ربيعة" كانت قد تكهنت، وهي خالة عثمان بن عفان١. وكان لفاطمة بنت النعمان النجارية تابع من الجن، وكان إذا جاءها اقتحم عليها في بيتها، وقد أدركت مبعث الرسول٢. وكانت سوداء بنت زهرة بن كلاب، كاهنة قريش. ويذكر أعطاها لحافر قبور ليحفر لها قبرا في الحجون، فيدفنها حية فيه. أي يئدها، لأنها ولدت زرقاء شيماء، وكانوا يئدون من البنات من كان على هذه الصفة، غير أن حافر القبر عاد بها إلى والدها، لأنه لم يشأ دفنها في خبر يرويه أهل الأخبار٣. وكان في "خثعم" كاهنة عرفت بفاطمة٤. ولاستشارة الناس هؤلاء الكهان في الأمور وطلبهم منهم الفصل صارت كلمة "حكم" مرادفة لكلمة "كاهن" في بعض الأحايين. وقد روى الإخباريون أمثلة عديدة من حكم هؤلاء الكهان بين الناس وطريقة فصلهم في الأمور، فهم في هذه الحالة حكام يفصلون في القضايا التي يتفق الجانبان المتخاصمان فيها على إحالتها عليهم. ولم تكن لنفوذ أحكامهم مناطق وحدود. لقد كان حدود أحكامهم المدى الذي وصلت شهرة الكاهن إليه، لذلك كان الناس يقصدون الكاهن من مناطق بعيدة في بعض الأحيان لشهرته الواسعة التي يتمتع بها بين الناس. وتتوقف هذه الشهرة بالطبع على مبلغ ذكاء ذلك الكاهن وقدرته في فهم طبيعة المتخاصمين أو السائلين، ليتمكن من إصدار حكم معقول مقبول. وتكون أحكامهم قطعية، على الطرفين اطاعتها المتخاصمين قبل سماعه الشكوى عهدا بوجوب الامتثال لحكمه وعدم رده مهما كان نوع الحكم.

стр. 4313

العراف: ويطلق بعض علماء اللغة على الكاهن "العراف" فهو عندهم مرادف للكاهن. غير أن من العلماء من يفرق بين الكلمتين، ويرى بينهما فرقا، فالكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، والعراف هو الذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما، أو الذي يزعم إنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله١. ومنهم من يذهب إلى أن العراف من اختص بالإنباء عن الأحوال المستقبلة. أما الكاهن فهو الذي اختص بالإخبار عن الأحوال الماضية٢. وقد فرق بين الكاهن والعراف في حديث: "من أتى عرافا أو كاهنا ... " ٣. وأطلق بعضهم العراف على من يدعي الغيب مطلقا وفي ضمنهم المنجم والحازي٤. وذكر أن "العراف" الكاهن أو الطبيب أو المنجم أو الحازي الذي يدعي علم الغيب٥. فللكمة معان عديدة، ولا تختص بمعنى واحد. وقد ذهب "المسعودي" إلى أن العراف دون الكاهن٦. ونجد هذه النظرة عند غيره أيضًا. وخلاصة ما يفهم عن الكهانة والعرافة في روايات الإخباريين أن الكهانة هي التبؤ بواسطة تابع. وأن العرافة تكون بالملاحظات وبالاستنتاجات وبمراقبة الأشياء لاستنتاج أمور منها، يخبربها السائلون على سبيل التنبؤ. وهي على ما يظهر من تلك الروايات، دون الكهانة في المنزلة، ولم يكن للعرافين اتصال ببيوت العبادة والأصنام٧، ولم يكن لهم "رئي" أي "تابع"، وإنما كانوايستنبطون ما يقولونه بذكائهم وعلى القياس. فيأخذون بالمشابهة وبالارتباط بين الحوادث، ويحكمون بما سيحدث بموجب ذلك٨. وقد عد العبرانيون العرافة من الحيل الشيطانية كالسحر والتفاؤل، لأنها من

стр. 4314

رجس المشركي. وتشمل عندهم التنجيم والقرعة والزجر وما شاكل ذلك١. وقد نهي عنها في الإسلام. وقد اعتمد العراف على الخط. فكان يخط خطوطا، ثم ينظر إليها، ليستنبط شيئًا منها، يتنبأ به للناس. ومن مشاهيرهم "حليس الخطاط الأسدي". وقد ذكر أنهم كانوا يخطون خطوطا، ثم ينظر العراف ويقول: "ابنا عيانن اسرعا البيان، ثم يخبر بما يرى"٢. وتعتمد العرافة -كما تعتمد الكهانة- على الذكاء والتفرس في الأمور والتجارب. وقد خصصها أكثر الناس في الإسلام بالتوصل إلى معرفة الأشياء المفقودة. والعراف بما عنده من الملكات والمواهب المذكورة، يقضي ويتنبأ للناس فيما يراه، ومن أشهر العرافين في الجاهلية: عراف اليمامة، وهو "رباح بن كحلة" "رباح بن عجلة" رياح بن كحلة" المذكور في الشعر، وعراف نجد وهو الأبلق الأسدي٣. والأجلح الزهري، وعروة بن زيد الأسدي٤. وفي عراف اليمامة ورد قول الشاعر: فقلت لعراف اليمامة داوني ... فإنك إن داويتني لطبيب والأبلق الأسدي، هو عراف نجد، وفيه يقول عروة بن حزام: جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف نجد إن هما شفياني٥ وقد كان أهل الجاهلية يعرضون صبيانهم على "العرافين" لإخبارهم عن

стр. 4315

مستقبلهم. وكانت الأسواق مثل سوق عكاظ موئلا لهم. فكان العراف فيها يربه الناس صبيانهم، ويقول عنهم ما يجول بخاطره، وذلك بالتفرس في وجه الصبي، ومفارنة ذلك بما حصل عليه من تجارب في هذا الباب١. وفي اللغة العربية كلمة قديمة أخرى لها صلة بموضوعنا هذا، هي "القيافة". ويقصد به التنبؤ والإخبار عن شيء بتتبع الأثر والشبه٢. وتدخل في ذلك قيافة آثار الأقدام والأخفاف والحوافر للاستدلال مها على أصحابها، وتعيين النسب في حالة الشك فيه. وما زالت القيافة معروفة عند العرب حتى الآن. وقد اشتهرت بها "بنو مدلج" خاصة، حتى قيل للقائف "مدلجي" بسبب هذا الاختصاص٣، وبنو لهب٤، وأحياء مضر٥. ويرى "المسعودي" أن القيافة من الأمور التي برع بها العرب واختصوا بها، وصار لهم مران وخبرة بها، وذكر أن ممن عرف واشتهر بها "محرز المدلجي"، وقد تعجب الرسول من قيافته وصدقه٦. وذكر أهل الأخبار أن "الحازر"، هو من يحزر الأشياء، وأن "الحزارة" في معنى القيافة. وأما "الفراسة"، فتكون بالاستدلال بهيأة الإنسان وأشكاله وأقواله على صفاته وطبائعه. وقد ذهب بعض المستشرقين بهيأة الإنسان وأشكاله وأقواله على صفاته وطبائعه. وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أنها من الكلمات المعربة التي أخذت من "بني إرم"، وإنها أحدث عهدا من لفظة "القيافة" التي هي من الكلمات العربية الجاهلية٧. وقد توسع في معناها وألف فيها الكتب في الإسلام وتبحر فيها بعض أئمة الفقهاء مثل الشافعي٨. وأما "العيافة" فهي التنبؤ بملاحظة حركات الطيور والحيوانات ودراسة أصواتها،

стр. 4316

وقراءة بعض أحشائها، ولذلك قيل في العبرانية للعائف "الشاق"، لشقه الحيوانات والطيور لدراسة أحشائها واستخراج الخبر مما يراه على تلك الأحشاء من ألياف يرى أن في أوضاعها معاني يذكرها للسائل على شكل نبوءة١. وكانت معروفة خاصة عند الكلدانيين. وقد اشتهرت "بنو أسد" بالعيافة، فقصدها الناس للأخذ منها، حتى الجن سمعت بعيافتها، وعجبت منها، فجاءت إليها تمتحنها في هذا العلم٢. واشتهرت "بنو لهب" بالعيافة كذلك، ولهب حي من الأرد. ومن هؤلاء "العائف اللهبي"، "لهب بن أحجن بن كعب"، وهو الذي تكهن بموت عمر بن الخطاب قبل وقوعه بعام٣. والزجر العيافة، وهو يزجر الطير يعافها. وأصله أن يرمي الطير بحصاة ويصيح، فإن ولاه في طيرانه ميامنه تفاءل به أو مياسره تطير. وهو ضرب من التكهن. وإنما سمي الكاهن زاجرا، لأنه إذا رأى ما يظن إنه يتشاءم به زجر بالنهي عن المضي في تلك الحاجة برفع صوت وشدة٤. وتطلق لفظة "الحازي" على من يحزر الأشياء ويقدرها بظنه، فهي من الكلمات المستعملة في الكهانة، ويطلق على من يشتغل بالنجوم اسم "حزاء"، لأنه ينظر في النجوم وأحكامها بظنه وتقديره٥. وأطلقت أيضًا على من يزجر الطير، ولا سيما الغراب٦.

стр. 4317

وقد أشير في كتب أهل الأخبار إلى "حازي" عرف واشتهر بين الجاهليين بـ "حازي جهينة"١.

стр. 4318

الراقي: ويقال لمن يعمل الرقية ويرقي: "الراقي". والرقية العوذة التي يرقي بها صاحب الآفة كالحمى والصرع. قال عروة: فما تركا من عوذة يعرفانها ... ولا رقية إلا بها رقياني١ ويقال لأجرة الراقي: "البسلة" و"بسلة الراقي". و"البسل" الحلال، والبسل أيضًا الحرام، فهو من الأضداد. وبسل الدعاء بمعنى آمين، أي الاستجابة. وكان الرجل إذا دعا على صاحبه، يقول: قطع الله مطاك. فيقول الآخر: بسلا بسلا، أي آمين آمين٢.

стр. 4319

الاستقسام بالأزلام: ومن طرق التنبؤ الاستقسام بالأزلام ويقابل ذلك ما يقال له "كسيم" "كسم" "Gasam" في العبرانية. وهي طريقة معروفة عند البابليين كذلك٤. وعند غيرهم من الشعوب. وقد أشير في التوراة إلى أن "نبو ختنصر" "بختنصر" "نبخد نصر" Nebuchadnezzar" أجال السهام حين عزم على فتح "أورشليم "القدس". "فإن ملك بابل قد وقف عند أم الطريق في رأس الطريقين ليباشر عرافة. فأجال السهام وسأل الترافيم ونظر في الكبد"١. وقد خرج السهم الذي كتب عليه "أورشليم"، فعمل به وهاجم القدس وفتحها٢.

стр. 4320

وتعني لفظة "كوسيم "Gosem" و"Gesem" "Kosem" العرافة في العبرانية١. من أصل "كسم" "قيسم" وهو التكهن. وهو أصل "سامي". وإليه تعود كلمة "الاستقسام"، لا إلى "قسم" بمعنى تقسيم الشيء وتجزئته. وهو المعنى الذي ذهب إليه أكثر علماء اللغة. وقريب من معنى "قيسم" "كيسم" ما ذكره علماء اللغة من أن القسم هو الحظ والنصيب. فإن للحظ والنصيب علاقة وثيقة بالتكهن، لما فيه من معرفة المستقبل والوقوف عليه. وقد عرف أهل الأخبار "الأزلام": إنها السهام التي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها. وعرفوا "الزلم"، إنه السهم، وإنه القدح المزلم٢. وعرفوا القدح: إنه السهم قبل أن ينصل ويراش. وأن القدح: قدح السهم، وجمعه قداح، وصانعه قداح٣. وقد فسر بعض العلماء الأزلام بأحجار بيض تشبه أحجار الشطرنج، كما جعل بعض آخر تلك السهام في مقابل "الكعاب" التي يستعلمها الروم والفرس في الاستخارة٤. وذكر بعض آخر أن "الأزلام: سهام كانت لأهل الجاهلية مكتوب على بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نهاني ربي، فإذا أراد الرجل سفرا أو أمرا، ضرب تلك القداح، فإن خرج السهم الذي عليه أمرني ربي مضى لحاجته، وإن خرج الذهي عليه نهاني ربي لم يمض في أمره"٥. وذكر أن الأزلام التي كانوا يستقسمون بها غير قداح الميسر، وإنها قداح الأمر والنهي لا قداح الميسر٦. وذكر أن أهل الجاهلية، كانوا إذا أرادا أن يخرجوا في سفر، جعلوا قداحا للجلوس والخروج، فإن وقع الخروج خرجوا، وإن وقع الجلوس جلسوا٧. وطريقة الضرب بالقداح، أن الرجل منهم إذا اراد أن يخرج مسافرا، كتب في قدح هذا يأمرني بالمكث، وهذا يأمرني بالخروج، وجعل معهما أزلاما مسحة،

стр. 4321

أي لم يكتب فيها شيئًا، وثم استقسم بها حين يريد الخروج، فإن خرج الذي يأمر بالمكث، مكث، وإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج، وإن خرج الآخر أي المسح، أجالها ثانية يخرج أحد القدحين١. وهكذا يفعلون في سائر أمور الاستقسام. وقد جمع المفسرون ما تمكنوا من جمعه عما علق في أذهان الناس من الأزلام، لورود الإشارة إليها ف موضعين من سورة "المائدة"٢. وأورد علماء الحديث والأخبار ما وصل إلى علمهم أيضًا من "الاستقسام" بالأزلام". ويظهر مما ذكروه أن أهل الجاهلية كانوا يقيمون في أيامهم وزنا كبيرًا للاستقسام بالأزلام لاعتقادهم أن يحكي إرادة الأرباب ويتحدث عن مشيئتها. لذلك كانوا لا يفعلون فعلا ولا يعملون عملا إلا بعد أخذ رأيها بالاستقسام. فإن جاء أمر فعلوا، وإن جاء نهي امتنعوا. وجاء في سورة المائدة: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ﴾ ٣، وذلك مع أمور نهى عنها الإسلام. منها تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أخل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكي، وما ذبح على النصب. وجاء ذكر الأزلام في موضع آخر من ذكر الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، حيث جعلت رجسا من عمل الشيطان، لذلك، على المسلم اجتنابها والابتعاد عنا٤. فالاستقسام بالأزلام من الأمور التي نزل الأمر بالنهي عنها في الإسلام. وقد جاء الأمر بالنهي في شريعة يهود كذلك إذ اعتبرت "رجسا"، ومن أعمال الوثنيين٥. ويكون الاستقسام عند الأصنام في الغالب لاعتقادهم أن النتيجة تمثل إرادة الصنم ومشيئته، غي أن ذلك ليس بشرط، فقد كان أصحاب الأزلام يحملون أزلامهم معهم، ويستقسمون حث يطلب ذلك منه. فهم في ذلك مثل أصحاب

стр. 4322

"الفأل" والقارئون للرمل والسحرة في الوقت الحاضر، يتنقلون بين الناس عارضين فنهم عليهم في مقابل حلوان يقدم إليهم. وهذا النوع، من أصحاب الأزلام، هم من الطبقة المرتزقة على شاكلة هذه الجماعة المذكورة في هذه الأيام. وقد كان منهم من يستقسم لنفسه بنفسه، وذلك بأن يستقسم بالأزلام التي عنده في بيته، والتي قد يحملها معه، تمامًا كما يفعل أهل "الاستخارة" في الاستخارة بالمسبحة "السبحة" أو بوسائل الاستخارة الأخرى في الوقت الحاضر. قال أهل الأخبار: "والأزلام كانت لقريش في الجاهلية مكتوب عليها أمر ونهي وافعل ولا تفعل، قد زلمت وسويت ووضعت في الكعبة، يقوم بها سدنة البيت، فإذا أراد رجل سفرا أو نكاحا أتى السادن فقال: اخرج لي زلما، فيخرجه وينظر إليه، فإذا خرج قدح الأمر مضى على ما عزم عليه، وإن خرج قدح النهي قعد عما أراده، وربما كان مع الرجل زلمان وضعهما في قرابه، فإذا أراد الاستقسام أخرج أحدهما"١. و"قالوا": كانوا إذا كانت مداراة أو نكاح أو أمر يريدونه، ولا يدرون ما الأمر فيه ولم يصح لهم أخذوا قداحا لهم فيها: أفعل ولا أفعل لا يفعل، نعم لا خير، شر بطيء سريع، فأما المداراة فإن قداحا لهم فيها بيضا ليس فهم فيها شيء، فكانوا يجيلونها فمن خرج سمهمه فالحق له، وللحضر والسفر سهمان، فيأتون السادن من سدنة الأوثان، فيقول السادن: اللهم أيهما كان خيرًا فأخرجه لفلان، فيرضى بما يخرج له، فإذا شكوا في نسب الرجل أجالوا له القداح وفيها: صريح، وملصق، فإن خرج الصريح ألحقوه بهم، وإن خرج الملصق نفوه، وإن كان صريحا، فهذه قداح الاستقسام"٢. "وإن كان بين اثنين اختلاف في حق سمي كل منهما له سهما وأجالوا القداح، فمن خرج سهمه فالحق له"٣. وذكر أن أقداح "هبل" سبعة، وضعت قدامه. فإن أراد أحدهم سفرا أو عملا أو تجارة أو زواجا أو بتا في نسب مشكوك فيه أو دفع دية أو أن

стр. 4323

يخرجوا ماء، أتوا هبل، ومعهم مائة درهم وبجزور فأعطوها صاحب القداح حتى يجيلها لهم، وكانت أزلامهم سبعة قداح محفوظة عند سادن الكعبة وخادمها، وهي مستوية في المقدار عليها أعلام وكتابة قد كتب على واحد منها "أمرني ربي" وعلى واحد منها "نهاني ربي" وعلى واحد "منكم" وعلى واحد "من شيء، فإذا أرادوا الوقوف على مستقبل الأمر الذي تصدوا له استقسم لهم صاحب القداح بقدحي الأمر والنهي، فإن نجح قدح الأمر ائتمروا وباشروا فيما تصدوا لخ من حرب أو سفر أو زواج أو ختان أو بناء أو نحو ذلك مما يتفق لهم، وإن خرج قدح النهي أخروا ذلك العمل إلى سنة فإذا انقضت أعادوا الاستقسام مرة أخرى. ويروى أن السؤال إن كان يخص أقداما أو احجامان استعمل صاحب القداح قدحي "نعم" أو "لا" فإذا ظهر للمجيل قد "نعم" عمل به، ومضى إلى ما قصد، وإن جاء "لا" أي النهي توقفوا سنة. أما إذا كان نزاعا في نسب أحد منهم، استقسم بالأزلام الموسومة بـ "منكم" و"من غيركم" و"ملصق"، فإن ظهر "منكم"، اعتبر المتنازع على نسبه منهم، وإن خرج "من غيركم" اجتنبوه ونفروا منه، وإن ظهر "ملصق"، بقي أمره على ما كان عليه قبل الاستقسام، وأما إذا كان السؤال نزاعا في "العقل": أي دية القتيل، بأن اشتبه عليهم القاتل، واستقسم بهما، فمن خرج عليه العقل تحمل الدية، وإن خرج "الغفل" أجالوا ثانيا حتى يخرج الكتوب عليه١. ولما أراد "أبو سفيان" الخروج إلى "أحد"، استخار هبلز بأن كتب على سهم نعم، وعلى الآخر لا، وأجالهما عند هبل، فخرج سهم نعم، فخرج بقومه إلى "أحد". وقال يقول: أعل هبل. وقال عمر: الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: أنعمت فعال عنها، أي اترك ذكرها، فقد صدقت في فتواها، وأنعمت، أي أجابت بنعم٢.

стр. 4324

ولصاحب الأزلام وخازنها حق يتقاضه من الطالبين في مقابل علمه. فكان سادن "هبل" يتقاضى مئة درهم أجرا عن الاستقسام، كما سبق أن ذكرت فإ، تكرار ذلك زيد أجره على ما يذكره الرواة. وقد كان غير العرب يدفعون حلوانا إلى صاحب الأزلام ليتبأ لهم. فلما انطلق شيوخ مديان "مدين" و"مؤاب" إلى "بلعام" ليستقسم لهم، حملوا حلوانهم معه، فقدموه إليه مقابل ما قام به من عرافة إليهم١. وقيل للذين يضربون بالقداح "الضرباء"٢. والواحد الضريب والضارب. وهو الموكل بالقداح، وقيل الذي يضرب بالقداح. يقال هو ضريب قداح٣. وقد أشير إلى الاستقسام في شعر الشعراء الجاهليين، وقد ذكرت في قصة الشاعر "امرئ القيس" الكندي حينما جاء إلى الصنم "ذي الخلصة"، ليستقسم عنده بشأن الأخذ بثأر أبيه. فلما خرج النهي عنه ثلاث مرات، غضب على صنمه، وكسر الأزلام ورماها في وجهه، كما يقول الرواة قائلا: "لو كان أبوك المقتول لما نهيتي"، وأنشد: لو كنت يا ذا الخلص الموتورا ... لم تنه عن قتل العداة زورا وأشار الخطيئة إلى ذلك بقوله: لم يزجر الطير، إن مرت به سنحا ... ولا يفيض على قسم بأزلام٤ وقال طرفة: أخذ الأزلام مقتسما ... فأتى أغواهما زلمه٥ وهناك طرق عدة عرفت عند الشعوب القديمة في التكهن بالسهام، ومنها رمي السهام في الهواء لمراقبة حركاتها وكيفية سقوطها، ومنها رمي حزمة من السهام أمام الصنم، فالسهم الذي يقع قبل بقية الأزلام، يكون هو السهم الذي

стр. 4325

أمر به الصنم في زعمهم، فيعمل بموجب ما كتب عليه١. ولخص "الألوسي" الأزلام التي كانت عند العرب على ثلاثة أنحاء: أحدها: قداح الميسر العشرة، وثانيها: لكل أحد، وهي ثلاثة على أحدها مكتوب "افعل"، أي أمر، وعلى الثاني "لا تفعل" وعلى الثالث "غفل". فإذا أراد أحدهم الأمر جعلها في خريطة، وهي "الربابة" وأدخل يده فيها وأخرج واحدا، فإن طلع الآمر فعل أو النهاي ترك أو الغفل أعاد. وثالثها: للأحكام وهي لاتي عند الكعبة. وكانوا يتحاكمون عند "هبل" في جوف الكعبة. وكان عند كل كاهن وحاكم للعرب مثل ذلك. وكانت سبعة مكتوب عليها ما سبق٢. و"القرعة" أي "السهمة"، نوع من أنواع التنبؤ بالغيب التابعة للاستقسام بالأزلام. و"السهمة" هي رضاء بحكم "السهم"، أي بحكم وقوع السهام على الأشياء. وهي جواب فصل يمثل إرادة الآلهة للسائل أو للمختصمين في أمر من الأمور. وقد قيل للسهم: الحظ والنصيب٣، لأنه يتكلم عن حظ الإنسان ونصيبه. والتنبؤ بالتفرس في الأشباح التي تظهر على الماء، أو الزيت المصبوب في الأقداح، أو الحركات التي تظهر على سطح السائل بعد رمي شيء فيه، لمعرفة الأسرار والمغيبات والإجرام كالسرقات والقتل، والزنى، ودراسة سطح المرآة: هذه وأمثالها كانت معروفة عد البابليين والعبرانيين، وعند غيرهم من الشعوب. وعقيدتهم أن الأرواح هي التي ترشد إلى إظهار المخفيات، وأن هناك مأمورين من بينهم واجبهم أخبار العراف والعائف والكاهن بما يطلب منهم معرفته ليقوله للسائل٤. ومن ضرب التنبؤ "الطرق"، وهو الضرب بالحصى للكشف عن المستقبل، يقوم بذلك الرجال والنساء. ويقال للقائمين بذلك الطراق والطوارق٥. وورد أن الطرق: الضرب بالحصى والخط في التراب، وهما ضربان من التكهن. وقيل أيضًا: الطرق: أن يحط الرجل في الأرض بإصبعين ثم بإصبع، ويقول:

стр. 4326

ابني عيان اسرعا البيان، وزعم بعضهم أن الطرق أن يخلط الكاهن القطن بالصوف فيتكهن. وقد نهى عنه في الإسلام. ورد في الحديث: إنه قال: الطرق والعيافة من الجبت١. ويدخل في ضروب التنبؤ "الخط" "وهو الذي يخطه الحازي. يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلوانا، فيقول له: اقعد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي غلام له معه ميل، ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط فيها خطوطا كثيرة بالعجلة لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: "ابني عيان، أسرعا البيان"، فإن بقي خطان فهما علامة النجح، وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة ... وقيل: الخط هو أن يخط ثلاثة خطوط، ثم يضرب عليهن بشعير أو نوى، ويقول: يكون كذا وكذا. وهو ضرب من الكهانة"٢. وكانت العرب تسمي ذلك الخط الذي بقي من خطوط الحازي الأسحم. وكان هذا الخط عندهم مشؤومًا. وقد كان الخط من علوم العرب القديمة٣. وعلم الخط هو علم الرمل. وينسب إلى "ابن عباس" قوله: علم قديم تركه الناس. وخط الزاجر في الأرض، رسم خطا بإصبعه، ثم زجر. وذكر أن "الخطيطة" الرملة التي يخط عليها الزاجر، وأن الأسحم اسم خط من خطوط الزاجر، وهو علامة الخيبة عندهم. وذلك أن يأتي إلى أرض رخوة وله غلام معه ميل، فيخط الأستاذ خطوطًا كثيرة على عجل لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها خطين خطين، فإن بقي من الخطوط خطان، فهما علامة النجح وقضاء الحاجة، ويمحو وغلامه يقول للتفاؤل: ابني عيان أسرعا البيان، وإذا محا الخطوط، فبقي منها خط، فهي علامة الخيبة٤.

стр. 4327

الأحلام: والأحلام "Dreams" و"الرؤيا "Visions" باب من أبواب الكهانة كذلك، فهي تفسير لما سيقع في المستقبل من حوادث. وقد تخصص بذلك أناس تعاطوا تعبير الرؤيا والأحلام. وإذ كان اعتقاد الشعوب القديمة أن الأحلام حقيقة، لا كما نتصورها نحن، كان الاهتمام بها كبيرًا، والاعتناء بها شديدا ولا يزال يخصها كثير من الناس بالعناية. وقد فسرت بعض الشعوب القديمة الأحلام بأنها الآلهة أو الأرواح تتجلى في الإنسان في أثناء منامه، فتطلعه على أشياء كثيرة تتعلق بحياته وبمصيره، وتساعده بذلك على حل مشكلات عديدة عويصة لديه، أو تهديه إلى أمور لم يكن يعرف عنها شيئًا، أو تحذهره بقرب حلول كارثة أو خطر به أو بغيره، أو بحصول خير له أو لغيره. وقد ترجع به إلى أيام ماضية وحوادث قديمة سالفة كان قد نسيها وذهبت من ذاكرته. ونجد في المؤلفات اليونانية واللاتينية والسريانية وفي الكتابات الهيروغليفية والمسمارية أشياء عديدة من القصص المتعلق بالأحلام. وفيها أن كثيرًا من الملك والخاصة كانوا يقيمون وزنا نجح كثير منهم كما خسر كثير منهم أيضًا بسبب تأثير الأحلامفيهم، حتى إن بعضهم اتخذ له مفسرا للأحلام أو جملة مفسرين، ليكونوا في خدمته حتى إذا ما رأى حلما فسروه له. ولما كانت بعض الأحلام مزعجة، رجع الكهان المتخصصون بالأحلام أسبابها إلى فعل الأرواح الشريرة. أما الأحلام المريحة الطيبة، فقد جعلوها من إلهام الآلهة في الإنسان. ولأهمية الاعتقاد بالأحلام، وضعت قواعد وتعاليم للأشخاص الذين يريدون معرفة مستقبلهم بالرؤيا والأحلام. وقد نصح في بعضها باجتناب الأكل الثقيل، وبشرب بعض الأشربة المعينة وبالنوم في المعابد، للحصول على الرؤيا الصادقة، وبشرب بعض الأشربة المعينة وبالنوم في المعابد. للحصول على الرؤيا الصادقة، والابتعاد عن أضغاث الأحلام. وضع تلك القواعد أناس تخصصوا بهذا الفن، يلجأ إليهم من يرى حلما ليجد تفسيره عندهم. فلكل شيء في الرؤيا والحلم معنى خاص، لا يمكن أن يعرفه إلا ذووو الخبرة والعلم١. وقد عثر على كتابة لحيانية في موضع "الخريبة"، تبين منها وجود صنم في معبد هذا الموضع تخصص بتفسير الأحلام٢.

стр. 4328

وفي كتب التفسير والسير والأخبار والأدب أمثلة عديدة من الرؤيا، تشير إلى أن الاعتقاد بالأحلام كان معروفا عند الجاهليين، وأن أثره كان عميقًا في حياتهم. وقد يكون لأهل الكتاب أثر عليهم في كيفية تفسير الأحلام وتوجيه تعبير الرؤيا، غير أن الاعتقاد بالأحلام هو اعتقاد عام، وكان يقوم به متخصصون بتفسير الأحلام. وقد عرف في الإسلام واشتهر به "ابن سيرين"١. وقد عرف بعض العلماء الإسلاميين الحلم بأنه عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء المزعجة، وخصصوا الرؤيا بما يراه الإنسان في منامه من الخير والشيء الحسن٢. وهم بذلك على طريقة القدماء في جعل الأحلام نوعين: أحلام من فعل الشيطان والأرواح الخبيثة، وأحلام من إلهام الآلهة في الإنسان، وهي التي تنكشف من رؤية أشياء جميلة وعن أشياء يرغب صاحب الحلم في الحصول عليها وتحقيقها. ويرجع العلماء الرؤيا إلى النفس، تطلع الرؤيا إلى النفس، تطلع على الواقعات فتتذكرها، وتوحي بها إلى صاحبها. وهم يعتقدون بها. وجعلوها جزءًا من النبوة٣.

стр. 4329

الفصل السادس والثمانون: الطيرة مدخل ... الفصل السادس والثمانون: الطيرة وقد كان للطيرة شأن كبير في حياة الجاهليين. وهي معروفة عند جميع الشعوب، ويقال لها في العبرانية: طير "Tayyar"، فهي من نفس الأصل الذي أخذ العرب منه التسمية١. ويقال لها في الإنكليزية "Augury"، ويرى بعض الباحثين أن الطيرة انتقلت إلى العبرانيين من العرب٢. وهناك نوع آخر من التطير يقال له "Haruspicy" في الإنكليزية، ويقصد به الطيرة من الحيوانات الميتة، أو مراقبة الحيوان في أثناء لمعرفة المستقبل من حركاته وهو يرتجف رجفة الموت٣. ويقول علماء الأخبار، إن الطيرة من زجر الطيور ومراقبة حركاتها، فإن تيامنت دل تيامنها على فأل، وإن تياسرت دل على شؤم٤. فهي إذن تشمل التيمن والتشاؤم، إلا أنها خصصت بالتشاؤم فيما بعد. فصارت تعني هذا المعنى عند الاستعمال. قال "الجاحظ": "وأصل التطير إنما كان من الطير ومن جهة الطير، إذا مر بارحا أو سانحا، أو رآه يتفلى وينتف، حتى صاروا

стр. 4330

إذا عاينوا الأعور من الناس أو البهائم، أو الأعضب أو الأبتر، زجروا عن ذلك وتطيروا، كما تطيروا من الطير إذا رأوها على تلك الحال. فكان زجر الطير هو الأصل، ومنه اشتقوا التطير، ثم استعملوا ذلك في كل شيء"١. قال أحدهم: عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير كأن الذي يرى ما يكره أو يسمع يطير وقد عد العلماء الطيرة والزجر في معنى واحد، لأن أصلهما إنهم كانوا إذا أرادوا فعل أمر أو تركه زجروا الطير حتى يطير، ثم يحكمون من حركاته على ما سيحدث ويقع. فالزجر والطيرة من ثم شيء واحد٢. وقد قيل لمن يزجر الطير "زاجر": "لأنه إذا رأى ما يظن إنه يتشاءم به زجر بالنهي عن المضي في تلك الحاجة برفع صوت وشدة"٣. والطيور هي مادة التطير، وذلك بمراقبة حركاتها وسكناتها. وهو ما يقال له في العبرانية: "نيحوش" "نحوش" "Nihush" من أصل "نيحيش" "نحش". وتقابل لفظة "نحش" كلمة "حنش" في العبرانية وتعني "الثعبان". وقد ذهب بعض علماء التوراة أن لكلمة "نحش"، صلة بالثعبان، ذلك لأن الثعبان كان بعض علماء التوراة أن لكلمة "نحش"، صلة بالثعبان، ذلك لأن الثعبان كان من الآلهة القديمة، بينما يرى بعض آخر عدم وجود صلة ما للثعبان بهذا الموضوع، لأن العبرانيين لم يتعبدوا البتة للثعابين، فلا صلة للثعبان به٤. ويدخل في باب الزجر، زجر الطير والوحش. ويذكر بعض العلماء أن الأصل في الطيرة، هو زجر الطير، ثم صار في الوحش، وقد يجوز أن يغلب أحد الشيئين على الآخر فيذكر دونه ويرادان جميعًا٥. وقد يراد بالطيرة "التشاؤم" الذي هو خلاف التيامن، غير أن "التشاؤم"

стр. 4331

هو في الواقع أوسع مجالا وأكثر ساحة من الطيرة، لأن التشاؤم طيرة وزيادة، وأعني بالزيادة تشاؤم المتشائمين من أمور أخرى كثيرة مثل التشاؤم من ذوي العاهات أو القبح من البشر، والتشاؤم من سماع الكلام السيء أو الأخبار السيئة عند الصباح أو من رؤية ميت أو سماع نياحة أو مشاهدة مخلوق مشوه أو سماع اسم موضع يدعو للتشاؤم أو اسم شخص فيه معنى التشاؤم وأمثال ذلك، فتكون كل هذه الأمور مدعاة للتشاؤم عند المتشائمين. "حتى صاروا إذا عاينوا الأعور من الناس أو البهائم، أو الأعضب أو الأبتر، زجروا عند ذلك وتطيروا عندها كما تطيروا من الطير إذا رأوها على تلك الحال"١. ويقول علماء اللغة: الشؤم: خلاف اليمن. ورجل مشؤوم على قومه٢. وأصل ذلك هو أن العرب تتفاءل بالجهة اليمنى، وتتشاؤم من الجهة اليسرى، ولذلك كانت إذا أرادت أن تعمل عملا عمدت إلى "الزجر" وهو رمي الطير بحصاة، ثم يصيح الرامي، ليفزعها ويزجرها، وعندئذ يراقب حركة طيرانها، فإن تيامنت أي جرت يمنة تفاءل به، وإن تشاءمت أي تياسرت، تشاءم به. فالتيمن هو بالتيامن والتشاؤم هو بالتياسر. ولذلك قيل للكاهن "زاجر" أيضًا، "لأنه إذا رأى ما يظن أنه يتشاءوم به زجر بالنهي عن المضي في تلك الحاجة برفع صوت وشدة"٣. ولاعتماد الزاجر على الطيور في الغالب في هذا النوع من التكهن قيل له: "الطيرة". قال علماء اللغة: "وقيل للشؤم طائر وطير وطيرة، لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزرجها والتطير ببارحها ونعيب غرابها وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها، فسموا الشؤم طيرا وطائرا وطيرة لتشاؤمهم بها"٤. ولا بد أن يكون للتطير صلة بعقيدة استحالة الأرواح طيورا بعد مفارقتها الأجساد، فقد كان من المتعارف عليه عند كثير من الشعوب القديمة أن بعض فصائل الطيور هي أرواح الموتى بعد مفارقتها الأجساد، وإنها لذلك تعي وتفهم، وأن في استطاعة بعض الناس فهم منطقها وتكليمها، ومن هنا ظهرت فكرة

стр. 4332

"منطق الطير". وقد كان "سليمان" يحادث الطير١. فإذا كانت الطير على هذه الصفة، ففي حركاتها وسكناتها منطق لمن لا يحسن منطقها، يشير إلى ما يجب على الإنسان أن يفعله أو يتركه من أعمال. وقد كان للتطير والتفاؤل شأن كبير في حياة الجاهليين. كما كان لهما مثله في حياة شعوب أخرى عديدة: ومن بينهم اليونان والرومان والفرس. والتطير هو نظير التشاؤم في المعنى كما قلت. أما نظير الطيرة وقعت لبعض القبائل عند إقدامها على الحرب، فخسرت لتطيرها، ويحدث من التطير النحس، وأما من التفاؤل فيكون السعد. وفي الأخبار: "كانت العرب إذا خرج أحدهم من بيته غاديا في بعض الحاجة، نظر: هل يرى طائرا يطير، فيزجر سنوحه أو بروحه، فإذا لم ير ذلك، عمد إلى الطير الواقع على الشجر، فحركه ليطير، ثم نظر إلى أي جهة يأخذ، فزجره. فقال لهم النبي ﷺ : "أقروا الطير على مكناتها: لا تطيروها ولا تزجروها"٢. وذكر "إنهم كانوا في الجاهلية إذا خرج أحدهم لحاجة، فإن رأي الطير طار عن يمينه تيمن به واستمر، وإن طار عن يساره تشاءم به ورجع، وربما كانوا يهيجون الطير، ليطير فيعيدون ذلك"٣. وقد أبطل الرسل الطيرة. "وكان النبي، ﷺ ، يتفاءل ولا يتطير. وأصل الفأل الكلمة الحسنة يسمعها عليل، فيتأول منها ما يدل على برئه، كأن سمع مناديا نادى رجلا اسمه سالم، وهو عليل، فأوهمه سلامته من علته، وكذلك المضل يسمع رجلا يقول يا محمد يا واجد، فيجد ضالته. والطيرة مضادة للفأل. وكانت العرب مذهبها في الفأل والطيرة واحد. فأثبت النبي الفأل واستحسنه وأبطل الطيرة ونهى نها"٤. وروي أن أهل الجاهلية كانوا يقولون: "إن الطيرة في المرأة والدار والدابة"٥

стр. 4333

و"الكدس" التطير، و"الكدسة" عطسة البهائم، وقد تستعمل للإنسان: ومنه الحديث: إذا بصق أحدكم في الصلاة، فليبصق عن يساره أو تحت رجله، فإن غلبته كدسة أو سعلة ففي ثوبه. والكادس ما يتطير به من الفال والعطاس وغيرهما. ومنه قيل للظبي وغيره إذا نزل الجبل وغيره كادس١. ومن الألفاظ المستعملة في الى "الزجر" "سنح" و"برح". وللفظة "برح" معان عديدة، وهي من الكلمات السامية الواردة والباقية في عدد من لهجاتها. بين يديك من جهة يسارك إلى يمينك، والعرب تتيمن به، لأنه أمنك للرمي والصيد. والبارح ما مر من يمينك إلى يسارك والعرب تتطير به، لأنه لا يمكنك أن ترميه حتى تنحرف"٢. وقد ذكر بعض اللغويين عكس المعنى، كا ذكر أن أهل نجد كانوا يتشاءومون بالبوارح ويتيمنون بالسانح. أما غيرهم من العرب، فقد كانت تتيمن بالبارح، وأن بعضًا منهم لم يكن له رأي في شيء من هذا٣.وذكر أن أهل "العالية" يتشاءمون بالسانح ويتيمنون بالبارح٤. قال ذو الرمة وهو من نجد: خليلي لا لاقيما ما حييتما ... من الطير إلا السانحات وأسوأ وقال النابغة، وهو نجدي أيضًا، يتشءوم بالبارح: زعم لا لاقيما البوارح أن رحلتنا غدا ... وبذاك تنعاب الغراب الأسود وقد عبر "كثير" عن رأي أهل الحجاز بقوله: أقول إذا ما الطير مرت مخيفة ... سوانحها تجري ولا استثيرها٥ وذكر أن هذيلا كانت تتشاؤم بالسنيح. أما غيرها، فكانت تتشاءم بالبارح٦.

стр. 4334

ويقال للمتطيرين من الرجال "الخثارم"١. وذكر أن "بني لهب"، "هم أعيف العرب وأزجرهم للطير"٢. وهم بطن من العرب يعرفون بالعيافة. ولأهل الأخبار قصص عن عيافتهم وعن زجرهم للطير٣. ومن الطيور التي تطير منها أهل الجاهلية: الغراب وطيور الليل، وهي البومة، والصدى، والهامة، والضوع، والوطواط، والخفاش، وغراب الليل٤. وقاعدتهم في الطيرة، إنهم يشتقون من اسم الشيء الذي يعاينون ويسمعون من ذلك قول سوار بن المضرب: تغنى الطائران ببين ليلى ... على غصنين من غرب وبان فكان البان أن بانت سليمى ... وفي الغرب اغتراب غير دان فاشتق الاغتراب من الغرب، والبينونة من البان. وقال عنترة: ظعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى بينهم الغراب الأبقع حرق الجناح كأن لحيي رأسه ... جلمان بالأخبار هش مولع فزجرته ألا يفرخ بيضه ... أبدا ويصبح خائفا يتفجع إن الذين نعبت لي بفراقهم ... هم أسهروا ليلى التمام فأوجعوا فقال: وجرى بينهم الغراب، لأنه غريب، ولأنه غراب البين، ولأنه أبقع. ثم قال: حرق الجناح تطيرا أيضًا من ذلك. ثم جعل لحيي رأسه جلمين، والجلم يقطع. وجعله بالأخبار هشا مولعا، وجعل نعيبه وشحيجه كالخبر المفهوم٥. وأشأم الطيور عند الجاهليين، "الغراب": "ليس في الأرض شيء يتشاءم

стр. 4335

به إلا والغراب أشأم منه"١، ولذلك قالوا إذا تعب: خيرًا خيرًا، وذلك من باب التفاؤل بالأضداد٢. "والعامة تتطير من الغراب، إذا صاح صيحة واحدة، فإذا ثنى، تفاءلت به"، "وإذا صاح الغراب مرتين، فهو شر، وإذا صاح ثلاث مرات، فهو خير"٣. وورد "غراب البين" و"الغراب الأبقع" و"الغراب الأسود"٤. ويراد بذلك التشاؤم بفراق الأحبة، ويقال للغراب الأسود "حاتم"، والحتمة السواد، وهو مشؤوم، لأنه يحتم بالفراق٥. "والعرب تتشاءم من الغراب، ولذا اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب"٦. "فالغراب أكثر من جميع ما يتطير به في باب الشؤم، ألا تراهم كلما ذكروا ما يتطيرون منه شيئًا كروا الغراب معه؟ وقد يذكرون الغراب ولا يذكرون غيره، ثم إذا ذكروا كل واحد من هذا الباب لم يمكنهم أن يتطيروا منه إلا من وجه واحد، والغراب كثير المعاني في هذا الباب، فهو المقدم في الشؤم"٧. وروي أن "ابن عباس" كان إذا صاح الغراب، قال: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك. قال الجاحظ: "وليس في الأرض بارخ ولا نطيح، ولا قعيد، ولا أعضب ولا شيء مما يتشاءمون به إلا والغراب عندهم أنكد منه، يرون أن صياحه أكثر أخبارا، وأن الزجر أعم قال عنترة:

стр. 4336

حرق الجناح كأن لحيي رأسه ... جلمان، بالأخبار هش مولع١ وفي الغراب وشؤمة يقول الأعشى: ما تعيف اليوم في الطير الروح ... من غراب البين أو تيس برح٢ وقد كنوا عنه بكنى عديدة، دلالة على مقدار اهتمامهم به. فقالوا له: أبو حاتم، وأبو جحادف، وأبو الجراح، وأبو المرقال، وأبو حذر، وأبو زيدان، وأبو زاجر، وأبو الشؤم، وأبو غياث. ووضعوا الأمثلة على لسانه وعنه. وقصوا عنه الحكايات. من ذلك، إنه أراد أن يقلد القطاة في مشيها، فحاكاها، لكنه لم يفلح في المشي مشيها، فلما أراد العود إلى مشيته الأولى، أضل مشيته، إذ نسيها، فنسي المشيتين: فلذلك سموه: أبا المرقال٣. وضربوا المثل بالغراب الأعصم، فقالوا: أعز من الغراب الأعصم، للشيء القليل الوجود٤. وأوردوا له قصصًا مع الديك ومع حيوانات أخرى. ورموه بالفسق والفجور٥. وفي الشعر الجاهلي وشعر المخضرمين إشارات إلى شؤم الغراب. جاء في شعر "حسان بن ثابت". وبين في صوت الغراب اغترابهم ... عشية أو في غصن بان فطربا فصوت الغراب، يشير إلى الغربة والاغتراب، لذلك كره٦. وهو من ألأم الطير وأخبثها، وهو من عبيد الطير، وليس من أحرارها، فهو دنئ النفس، إذا صادفته جيفة، نال منها، وهو لا يتعاطى الصيد. فهو حيوان خبث الفعل وخبيث المطعم، لذلك عد العرب أكله عارا يعبر من يقدم

стр. 4337

عليه. وكانوا يتعايرون بأكل لحمه١. وليس ذلك "لأنه يأكل اللحوم ولأنه سبع"، لو كان ذلك منهم "لكانت الضواري والجوراح أحق بذلك عندهم"٢ إنما امتنعوا عن أكله، لأنه يأكل الجيف والقاذورات، ولذلك عدة العبرانيون من الحيوانات النجسة، والحيوانات هي في الغالب الحيوانات التي لا يجوز أكل لحومها، والظاهر أنه كان على هذه النظرة عند أغلب الساميين. ونعت الغراب بـ "الأعور"، قيل إنه نعت بذلك لحدة نظره٣، وقيل إنما سموه "الأعور" تفاؤلا بالسلامة٤. ووصف بالحذر، فقيل: أحذ من غراب، وقيل إنه نعت بذلك على التشاؤم به، لأن الأعور عندهم مشؤوم، وقيل لخلاف حاله، لأنهم يقولون: أبصر من غراب، ويقال سمي الغراب أعور، لأنه إذا أراد يغمض عينيه٥. ويذكر أهل الأخبار أن غراب البين نوعان: أحدهما صغار معروفة بالضعف واللؤم. أما الآخر، فإنه ينزل في دور الناس، ويقع على مواضع إقامتهم إذا ارتحلوا عنها وبانوا منها، ولذلك سمي بغراب البين٦. وللعرب عادات بالنسبة إلى الغراب، ترى إنه إذا علق منقار الغراب على إنسان، حفظ من العين. اما إذا علق طحاله على إنسان، هيج الشبق. وأن دمه إذا جفف وحشي به البواسير، أبرأها. وإذا أكل مشويا، نفع القولنج. وإذا غمس الغراب الأسود بريشه في الخل، وطلي به الشعر، سوده وإذا طلي بها إنسان مسحور، بطل عنه السحر. وإذا جفف لسان الغراب "الزاغ"، ثم أكله إنسان عطشان، ذهب عشطه٧.

стр. 4338

ونسب إلى المرقش السودسي، ذكر الغراب في شعره، إذ قيل إنه قال: ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم وإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم١ ويبين هذان البيتان رأي هذا الشاعر في التيامن والتشاؤم. وكا العرب إذا أرادوا أن يصفوا أرضا بالخصب والسواد، قالوا: وقعوا في أرض لا يطير غرابها، فهذا يعني أن الأرض كلها خصبة مزروعة سوداء، لا ترى فيها قطعة بيضاء، ولا ترى إلا الزرع والخيرات والثمر. وإذا أرادوا التعبير عن انتقال مرحلة الشباب إلى مرحلة الشيخوخة، وعن التهام الشيب لسواد الرأس: قيل: طار غراب البين٢. وقد يكون في جملة أسباب تشاؤم العرب من الغراب، إنه كان يضر بإبلهم. فهم يذكرون إنه إذا وجد دبرة في ظهر البعير، أو قرحة في عنقه، سقط عليها ونقره وعقره. ولذلك كانوا إذا رأوا دبرة بظهر البعير، غرزو في سنامه إما قوادم ريش أسود، وإما خرقا سودا، لتفزع الغربان فلا تتقرب منه ولا تسقط عليه. وقد يضعون الريش في اسنمتها وتغرز فيها٣. والعرب تسمي الغراب لذلك "ابن دأية"، لأنه ينقر دبرة البعير أو قرحة عنقه، حتى يبلغ إلى دايات العنق وما اتصل بها من خرزات الصلب، وفقار الظهر٤. والغراب من الطيور التي ورد ذكرها في التوراة. والعبرانيون مثل العرب اعتقدوا بالطيرة منه، أي بتأثير حركاته وسكناته في إحداث الفأل والشؤم٥. وقد ذكر "الجاحظ" جريدة بأسماء الجهات التي يقف عليها "الغراب" فينعب، وما سيقع من وقفته تلك ومن نعيبه، وما يجب أن يفعله أو يتجنبه

стр. 4339

الإنسان في هذه الحالات. كما ذكر أمورا أخرى تخص التطير أو التفاؤل من أصوات الحيوانات أو من رؤيتها١. وكان "أمية بن أبي الصلت" ممن يتطير من الغراب، ويذكر أهل الأخبار أنه بينا كان يشرب مع إخوان له في قصر "عيلان" بالطائف، إذ سقط غراب على شرفة القصر، فنعب نعبة، فقال أمية: "بفيك الكثكث"، أي التراب وتشاءم منه، وقد مات فعلا في مكانه بعد نعيبه للمرة الثالثة٢. وفي شعر أمية قوله: بآية قام ينطق كل شيء ... وخان أمانة الديك الغراب وذلك أن من أحاديث العرب، أن الديك كان نديما للغراب، وأنهما شربا الخمر عند خمار ولم يعطياه شيئًا، وذهب الغراب ليأتيه بالثمن حين شرب، ورهن الديك، فخاس به، فبقي محبوسا، وأن نوحا حين بقي في اللجة أياما بعث الغراب، فوقع على جيفة ولم يرجع، ثم بعث الحمامة لتنظر هل ترى في الأرض موضعا يكون للسفينة مرفأ، واستجعلت على نوح الطوق الذي في عنقها، فرشاها بذلك. وفي جميع ذلك وغيره قال "أمية" ذلك البيت وأبياتا أخرى، تطرق فيها إلى قصص إسرائيلي آخر، أخذ علمه به من أهل الكتاب. "فقد كان داهية من دواهي ثقيف، وثقيف من دهاة العرب، وقد بلغ من اقتداره في نفسه أنه قد كان هم بادعاء النبوة، وهو يعلم كيف الخصال التي يكون الرجل بها نبيا أو متنبيا إذا اجتمعت له، نعم وحتى ترشح لذلك بطلب الروايات، ودرس الكتب، وقد بان عند العرب علامة، ومعروفا بالجولان في البلاد، روابة"٣. ومن رأي العرب أن الغراب لا يشيب، وضربوا به المثل في ذلك، فقالوا: "حتى يشيب الغراب ويبيض القار"، ضربوا به مثلا في الاستمرار على العمل

стр. 4340

وعدم الملل من شيء١. ويقولون: ذهب الغراب يتعلم مشي العصفور أو القطاة، فلم يتعلمها، ونسي مشيته. فلذلك صار يحجل ولا يقفز قفزان العصور، أو مشية القطاة٢. والبوم من الطيور التي يتشاءم منها بعض الناس، ولعل ذلك بسبب منظرها الكئيب ولصوتها الحزين وظهورها في الليل، والليل هو رمز الشر. ويدل وصفها بـ "أم الخراب" و"أم الصبيان" على النظرة السيئة التي كان يراها العرب لها٣. ويقال إن من أنواعها الصدى والهامة. ولعل اعتقادهم أن الصدى والهامة أو ذكر البوم منها، هي روح الميت المرفرفة على القبر هو الذي حمل أولئك المتشائمين على التشاؤم منها. والعاطوس، وهي سمكة في البحر أو دابة من الحيوانات التي كان العرب يتشاءمون منها٤. وكذلك "الأخيل" وهو "الشقراق"، "يتطيرون منه ويسمونه مقطع الظهور: يقال إذا وقع على بعير، وإن كان سالما يئسوا منه، وإذا لقي المسافر الأخيل تطير وأيقن بالعقر إن لم يكن موت في الظهر"٥. وهم يتشاءمون من الثور الأعضب أي المكسور القرن٦. ويتشاءمون من "العراقيب"، الشقراق. وتقول العرب: إذا وقع الأخيل على البعير ليكشفن عرقوباه. وقيل: كل طائر يتطير منه الإبل، فهو طير عرقوب لأنه يعرقبها٧. ويتطيرون بالصرد، ومن أسمائه الأخطب، ويقال "الأخيل" كذلك. و"الواق" أيضًا الصرد٨. ويتشاءمون من "الأفكل"، وهو الشقران، فإذا عرض لهم كرهوه وفزعوا منه وارتعدوا٩.

стр. 4341

والثعلب والأرنب من الحيوانات التي استعان بها الزاجر، في الزجر١. والواقع أن أهل الزجر قد توسعوا في علمهم حتى شمل كل المخلوقات، فحركات الإبل والخيل وسكناتها كلها ذات معان ومفاهيم يعرفها المشتغلون بالطيرة، وكانوا يستعينون بغيرها من الحيوانات. وقد ذكر بعض الإخباريين أن العرب تتشاءم من الأفراس بالأشقر٢. وذكروا أيضًا أنها تطيرت من: "المراة، والدار، والفرس". وفي الحديث: "إن كان الشؤم، ففي الدار والمرأة والفرس"٣. وورد: "إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار". وذكر أن "عائشة"، قالت: "وإنما قال: أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك"، أي أن الرسول إنما قال ذلك حكاية عن أهل الجاهلية فقط٤. وكما يتغلب الإنسان على الأمراض بالأدوية والعلاج، كذلك يمكن التغلب على النحس وشؤم ناصية المرأة وعتبة الدار بالذبائح في بعض الأحيان، ولهذا جرت العادة بذبح ذبيحة أو عدة ذبائح عند زفاف العروس إلى بعلها ووصولها عتبة بيته طردا للأرواح الشريرة وإرضاء لها، كما جرت العادة بذبح الذبائح حين الانتقال إلى دار جديدة، أو حين الشعور بوجود أرواح فيها، ويقال لهذه الذبائح "ذبائح الجان"٥. وقد ابتدع الجاهليون طرقا لإبعاد الطيرة من تفكيرهم، من ذلك إنهم تجاهلوا بقدر إمكانهم، المسميات التي تبعث على التشاؤم بتسميتها بضدها من الكلمات التي لا يتشاءم منها، فسموا اللديغ بالسليم، والبرية بالمفازة، وكنوا الأعمى أبا بصير والأعور ممتعا، والأسود أبا البيضاء، وسموا الغرب بحاتم، وذلك لتشاؤمهم من الغراب٦. والتسمية بالأضداد لدفع الطيرة عن الأذاه، ليست عادة جاهلية حسب، إنما هي معروفة في الإسلام كذلك. كما إنها معروفة عند غير العرب من الأمم قديما وحديثا.

стр. 4342

التثاؤب والعطاس: ويدخل في الطيرة بعض ما يصدر من الإنسان والحيوان من حركات، مثل التثاؤب والعطاس، والتثاؤب عمل من أعماله الشيطان. وأما العطاس، فقد كان أثره في إيجاد الشؤم شديدا، وهو من العادات الجاهلية المذكورة في الشعر المنسوب إلى الجاهليين. ذكر أن امرأ القيس قال: وقد اغتدي قبل العطاس بهيكل ... شديد منيع الجنب نعم المنطق وإنه أراد بذلك إنه كان يتنبه للصيد قبل أن ينتبه الناس من نومهم، لئلا يسمع عطاسا فيتشاءم بعطاسه١. وقيل إن العرب كانت تتطير منه، فإذا عطس العاطس، قالوا: قد ألجمه، كأنها قد تلجمه عن حاجته٢. ويقال الكدسة لعطسة البهائم. وقد تقال لعطسة الإنسان. والكادس ما يتطير به من الفال والعطاس وغيرهما. وقيل الكادس: القعيد من الظباء، وهو الذي يجئ من خلفك، ويتشاءم به، كما يتشاءم بالبارح٣. والعطاس فضلا عن ذلك دواء في نظر أهل الجاهلية، لذلك كانوا يتجنبونه بقدر إمكانهم، ويحاولون جهدهم حبسه وكتمه. فإذا عطس أحدهم وكان وضيعا مغمورا أسمعوه كلاما مرا فيه رد للشؤم على صاحب العطاس، كأن يقولوا له: "وريا وقحابا". والوري هو داء يصيب الكبد فيفسدها، والقحاب هو السعال، أو: "بك لا بي: أسأل الله أن يجعل شؤم عطاسك بك لا بي". أما إذا كان العاطس معروفا محبوبا شريفا، قالوا له: "عمرا وشبابا". وكلما كانت العطسة شديدة كان التشاؤم منها أشد٤. ويقال للدعاء على العاطس "التشميت" و"التسميت"٥.

стр. 4343

وقد نهى الإسلام عن التشاؤم بالعطاس، وعكسه، فجعله محبوبا، بحديث: "إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب" ١. وإذا مات رجل قالوا: عطس الرجل، و"عطست به اللجم"، واللجمة ما تطيرت منه، ويقال للموت: لجم عطوس٢.

стр. 4344

بعض من أنكر الطيرة: وكان بين الجاهليين أناس أنكروا الطيرة، ولم يحلفوا بها. منهم المرقش من بني سدوس، حيث قال: إني غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم فكذاك لا خير ولا ... شر على أحد بدائم١ وممن كان ينكر الطيرة ويوصي بذلك، سلامة بن جندل، والحارث بن حلزة. ونجد الشاعر "الخثيم بن عدي" يمدح "مسعود بن بجر الزهري"، بقوله: وليس بهياب إذا شد رحله ... يقول عداني اليوم واق وحاتم ولكنه يمضي على ذاك مقدما ... إذا صد عن تلك الهنات الخثارم فهو يمدحه، ويقول إن ممدوحه لم يكن من الخثارم، أي المتطبرين، بل كان إذا أراد أن يمضي أمرا، صد عن تلك الهنات، فلا يحفل بواق وحاتم٢. وكان النابغة من المتطيرين، خرج مع "زيان بن سيار" يريدان الغزو، فبينما هما يريدان الرحلة، إذ نظر النابغة وإذا على ثوبه جرادة تجرد ذات ألوان، فتطير وقال: غيري الذي خرج في هذا الوجه! فلما رجع زبان من تلك الغزوة سالما. أنشأ يذكر شأن النابغة، فقال:

стр. 4345

تخبر طيره فيها زياد ... لتخبره وما فيها خبير أقام كأن لقمان بن عاد ... أشار له بحكمته مشير تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور بلى شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير١ واسم النابغة زياد٢. وهناك نوع آخر من التنبؤ يقال له في الإنكليزية "Hepatscopy"، ويراد به استخراج الغيب من دراسة كبد الأضاحي التي تقدم إلى الآلهة. وقد اشتهر به الكلدانيون على الأخص، وتوسعوا فيه فشمل أيضًا قراءة الرئة أو بقية الأحشاء. وكان معروفا أيضًا عند العبرانيين واليونان والرومان والمصريين وغيرهم٣. وللكبد أهمية خاصة عند العرب، وهو ف نظرهم معدن العداوة ومقر الحقد، لذلك يقال للأعداء: سود الأكباد، لأن الحقد قد أحرق أكبادهم حتى اسودت٤. وقد تشاءموا من بعض الأيام، مثل "الأيام النحسات". وهي كل أربعاء يوافق أربعاء من الشهر، مثل أربع خلون، وأربع وعشرين، وأربع بقين. كما تشاءموا من بعض الشهور، مثل شهر شوال، ولذلك كرهت التزوج فيه٥. وورد يوم نحس و"أيام نحسات"، وهي المشؤومات. والعرب تسمي الريح الباردة إذا دبرت نحسا. والنحس: الجهد والضر، وخلاف السعد من النجوم وغيرها٦. وقد كان أه لنجد يتيمنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح، ويخالفهم أهل العالية، فيتشاءمون بالسانح، ويتيمنون بالبارح٧. ويدخل في هذه الأيام تشاؤم بعض الجاهليين من يوم معين وتفاؤلهم من يوم آخر. فيكون يوم التشاؤم يوم بؤس، يغضب فيه من يتشاؤم منه على كل من يراه أول مرة أو في ذلك النهار، وقد يلحق به سوءا كالذي روي من قصة
следующие страницы →