← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

والثعلب والأرنب من الحيوانات التي استعان بها الزاجر، في الزجر١. والواقع أن أهل الزجر قد توسعوا في علمهم حتى شمل كل المخلوقات، فحركات الإبل والخيل وسكناتها كلها ذات معان ومفاهيم يعرفها المشتغلون بالطيرة، وكانوا يستعينون بغيرها من الحيوانات. وقد ذكر بعض الإخباريين أن العرب تتشاءم من الأفراس بالأشقر٢. وذكروا أيضًا أنها تطيرت من: "المراة، والدار، والفرس". وفي الحديث: "إن كان الشؤم، ففي الدار والمرأة والفرس"٣. وورد: "إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار". وذكر أن "عائشة"، قالت: "وإنما قال: أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك"، أي أن الرسول إنما قال ذلك حكاية عن أهل الجاهلية فقط٤. وكما يتغلب الإنسان على الأمراض بالأدوية والعلاج، كذلك يمكن التغلب على النحس وشؤم ناصية المرأة وعتبة الدار بالذبائح في بعض الأحيان، ولهذا جرت العادة بذبح ذبيحة أو عدة ذبائح عند زفاف العروس إلى بعلها ووصولها عتبة بيته طردا للأرواح الشريرة وإرضاء لها، كما جرت العادة بذبح الذبائح حين الانتقال إلى دار جديدة، أو حين الشعور بوجود أرواح فيها، ويقال لهذه الذبائح "ذبائح الجان"٥. وقد ابتدع الجاهليون طرقا لإبعاد الطيرة من تفكيرهم، من ذلك إنهم تجاهلوا بقدر إمكانهم، المسميات التي تبعث على التشاؤم بتسميتها بضدها من الكلمات التي لا يتشاءم منها، فسموا اللديغ بالسليم، والبرية بالمفازة، وكنوا الأعمى أبا بصير والأعور ممتعا، والأسود أبا البيضاء، وسموا الغرب بحاتم، وذلك لتشاؤمهم من الغراب٦. والتسمية بالأضداد لدفع الطيرة عن الأذاه، ليست عادة جاهلية حسب، إنما هي معروفة في الإسلام كذلك. كما إنها معروفة عند غير العرب من الأمم قديما وحديثا.

стр. 4342

التثاؤب والعطاس: ويدخل في الطيرة بعض ما يصدر من الإنسان والحيوان من حركات، مثل التثاؤب والعطاس، والتثاؤب عمل من أعماله الشيطان. وأما العطاس، فقد كان أثره في إيجاد الشؤم شديدا، وهو من العادات الجاهلية المذكورة في الشعر المنسوب إلى الجاهليين. ذكر أن امرأ القيس قال: وقد اغتدي قبل العطاس بهيكل ... شديد منيع الجنب نعم المنطق وإنه أراد بذلك إنه كان يتنبه للصيد قبل أن ينتبه الناس من نومهم، لئلا يسمع عطاسا فيتشاءم بعطاسه١. وقيل إن العرب كانت تتطير منه، فإذا عطس العاطس، قالوا: قد ألجمه، كأنها قد تلجمه عن حاجته٢. ويقال الكدسة لعطسة البهائم. وقد تقال لعطسة الإنسان. والكادس ما يتطير به من الفال والعطاس وغيرهما. وقيل الكادس: القعيد من الظباء، وهو الذي يجئ من خلفك، ويتشاءم به، كما يتشاءم بالبارح٣. والعطاس فضلا عن ذلك دواء في نظر أهل الجاهلية، لذلك كانوا يتجنبونه بقدر إمكانهم، ويحاولون جهدهم حبسه وكتمه. فإذا عطس أحدهم وكان وضيعا مغمورا أسمعوه كلاما مرا فيه رد للشؤم على صاحب العطاس، كأن يقولوا له: "وريا وقحابا". والوري هو داء يصيب الكبد فيفسدها، والقحاب هو السعال، أو: "بك لا بي: أسأل الله أن يجعل شؤم عطاسك بك لا بي". أما إذا كان العاطس معروفا محبوبا شريفا، قالوا له: "عمرا وشبابا". وكلما كانت العطسة شديدة كان التشاؤم منها أشد٤. ويقال للدعاء على العاطس "التشميت" و"التسميت"٥.

стр. 4343

وقد نهى الإسلام عن التشاؤم بالعطاس، وعكسه، فجعله محبوبا، بحديث: "إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب" ١. وإذا مات رجل قالوا: عطس الرجل، و"عطست به اللجم"، واللجمة ما تطيرت منه، ويقال للموت: لجم عطوس٢.

стр. 4344

بعض من أنكر الطيرة: وكان بين الجاهليين أناس أنكروا الطيرة، ولم يحلفوا بها. منهم المرقش من بني سدوس، حيث قال: إني غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم فكذاك لا خير ولا ... شر على أحد بدائم١ وممن كان ينكر الطيرة ويوصي بذلك، سلامة بن جندل، والحارث بن حلزة. ونجد الشاعر "الخثيم بن عدي" يمدح "مسعود بن بجر الزهري"، بقوله: وليس بهياب إذا شد رحله ... يقول عداني اليوم واق وحاتم ولكنه يمضي على ذاك مقدما ... إذا صد عن تلك الهنات الخثارم فهو يمدحه، ويقول إن ممدوحه لم يكن من الخثارم، أي المتطبرين، بل كان إذا أراد أن يمضي أمرا، صد عن تلك الهنات، فلا يحفل بواق وحاتم٢. وكان النابغة من المتطيرين، خرج مع "زيان بن سيار" يريدان الغزو، فبينما هما يريدان الرحلة، إذ نظر النابغة وإذا على ثوبه جرادة تجرد ذات ألوان، فتطير وقال: غيري الذي خرج في هذا الوجه! فلما رجع زبان من تلك الغزوة سالما. أنشأ يذكر شأن النابغة، فقال:

стр. 4345

تخبر طيره فيها زياد ... لتخبره وما فيها خبير أقام كأن لقمان بن عاد ... أشار له بحكمته مشير تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور بلى شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير١ واسم النابغة زياد٢. وهناك نوع آخر من التنبؤ يقال له في الإنكليزية "Hepatscopy"، ويراد به استخراج الغيب من دراسة كبد الأضاحي التي تقدم إلى الآلهة. وقد اشتهر به الكلدانيون على الأخص، وتوسعوا فيه فشمل أيضًا قراءة الرئة أو بقية الأحشاء. وكان معروفا أيضًا عند العبرانيين واليونان والرومان والمصريين وغيرهم٣. وللكبد أهمية خاصة عند العرب، وهو ف نظرهم معدن العداوة ومقر الحقد، لذلك يقال للأعداء: سود الأكباد، لأن الحقد قد أحرق أكبادهم حتى اسودت٤. وقد تشاءموا من بعض الأيام، مثل "الأيام النحسات". وهي كل أربعاء يوافق أربعاء من الشهر، مثل أربع خلون، وأربع وعشرين، وأربع بقين. كما تشاءموا من بعض الشهور، مثل شهر شوال، ولذلك كرهت التزوج فيه٥. وورد يوم نحس و"أيام نحسات"، وهي المشؤومات. والعرب تسمي الريح الباردة إذا دبرت نحسا. والنحس: الجهد والضر، وخلاف السعد من النجوم وغيرها٦. وقد كان أه لنجد يتيمنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح، ويخالفهم أهل العالية، فيتشاءمون بالسانح، ويتيمنون بالبارح٧. ويدخل في هذه الأيام تشاؤم بعض الجاهليين من يوم معين وتفاؤلهم من يوم آخر. فيكون يوم التشاؤم يوم بؤس، يغضب فيه من يتشاؤم منه على كل من يراه أول مرة أو في ذلك النهار، وقد يلحق به سوءا كالذي روي من قصة

стр. 4346

"يومي البؤس والنعيم" عند "المنذر بن ماء السماء أو "النعمان بن المنذر"١. ويكون يوم التفاؤل "يوم نعيم" يفرح فيه صاحبه ويهش لكل من يراه ولا سيما لأول قادم عليه. وعبر عنهما بـ "يوم بؤس"، "يوم نعم"٢. وكانت العرب تشاءم من كلبة يقال لها "براقش"٣.

стр. 4347

بعض من أنكر الطيرة ...

стр. 4348

الفأل: والفأل ضد التشاؤم والطيرة. ويكون برؤية شيء أو سماع أمر أو قول أو غير ذلك يتفاءل منه، كأن يسمع مريض رجلا يقول يا سالم فيقع في ظنه إنه يبرأ من مرضه، أو يسمع طالب حاجة رجلا يقول يا واجد فيخال إنه يجد ضالته، فيتوقع صحة هذه البشرى، ويقال لذلك في الإنكليزية Omen. ,I, وهو معروف عند العبرانيين وقد ذكر في التوراة١. وأصل كلمة "الفأل" على ما يظهر للتشاؤم والتفاؤل، أي إنها كالطيرة أريد بها الحالتان، ثم تخصصت بالحسن، كما تخصصت الطيرة بالشؤم٢. وقد نهى في الحديث عن الطيرة. أما الفأل، فقد ورد أن الرسول كان يتفاءل ولا يتطير لما في التفاؤل من أثر طيب في أعمال الإنسان٣. وضد "الشؤم" "اليمن"، ومن معاني اليمن "البركة" و"الميامين" على نقيض "المشائيم"، و"الميمون" ضد المشؤوم"٤. وورد "ميمون النقيبة"٥ و"ميمون الناصية". ويلاحظ أن للناصية علاقة متينة بالشؤم والتمين، فكما يقال "ميمون الناصية" قيل "شؤم الناصية" كذلك، وهي كناية عن الإنسان فقد كان في رأيهم أن من الناس من هم شؤم. ويجلبون الشؤم على من يراهم،

стр. 4349

وأن منهم من تجلب رؤيته الخير لمن يراه. ويكون للحسن والقبح ولسيماء الوجه والجسم دخل كبير في تكوين رأي عن الشخص الذي يتشاءم أو يتفاءل منه. وقد قلت إن بعض العاهات التي تكون في بعض الناس، تجعل غيرهم يتشاءمون منهم عند وقوع نظرهم عليهم في الصباح. وهناك كلمات عديدة في التشاؤم و"الشؤم"، مثل "شائم" و"شؤم" و"مشؤوم" و"مشوم" و"مشائيم" و"تشاءموا"، و"الأشأم" وأمثال ذلك١. ولا يقتصر استعمال هذه الألفاظ على جنس معين، بل تقال لكل ما يجلب الشؤم على إنسان. فمن البشر -كما قلت- من هم شؤم على غيرهم، يجلبون الشر لمن يتشاءم منهم، يستوي في ذلك الرجال والنساء والأطفال. ولما كان التشاؤم قضية اعتبارية تتعلق بالنفس والمزاج، كان بعض الأشخاص أو الحيوانات أو الأشياء شؤما عند ناس، بينما هم ليسوا كذلك عند جماعة آخرين. ولكن الغالب أن التشاؤم من الأشياء القبيحة أو الناقصة أو الراعبة وما شابه ذلك، فهذه المزعجات تؤثر على النفس، فتجعلها تتشاءم منه، وتتوقع حدوث النحس من رؤيتها، ولا سيما في الصباح، وعند الهم بالشروع في عمل مهم. وكانوا يحبون أن يأتوا أعداءهم من شق اليمين٢. يتفاءلون بذلك. لأن في اليمين اليمن، وفي اليسار العسر. وللأسماء والكلمات أثرها في الفأل وفي الطيرة، فالأسماء الحسنة الجميلة تبعث على التفاؤل، أما الأسماء الخبيثة والرديئة فإنها تولد التشاؤم. وقد عرف هذا النوع من التفاؤل في الإسلام، ولم ينه عنه. بل قيل إن الرسول كان يتاثر من الأسماء، وكان يقول إذا أعجبته كلمة: "أخذنا فألك من فيك"، وإنه يعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع: يا راشد، يا نجيح، وأنه قال: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل" ٣. وللطيرة سمت العرب المنهوش السليم، والبرية المفازة، وكنوا الأعمى أبا بصير،

стр. 4350

والأسود أبا البيضاء، وسموا الغراب بحاتم، إذ كان يحتم الزجر به على الأمور١ وورد أن العرب إذا تطيروا من الإنسان وغيره قالوا: صباح الله لا صباحك٢. ولإيمان العرب بباب الطيرة والفأل عقدوا الرتائم، وعشروا إذا دخلوا القرى تعشير الحمار، واستعملوا في القداح الآمر، والناهي، والمتربص، وهن غير قداح الأيسار٣. ومن أبواب الفراسة النظر إلى خطوط الكف للاستدلال بها على طبيعة صاحب الكف وعلى ما سيحدث له من أحداث. وقد أشار إلى الكف وإلى أسرارها الأعشى في قوله: انظر إلى كف وأسرارها ... هل أنت إن أوعدتني ضائري٤ ولمراقبة الكلف الذي يظهر على وجه القمر ودراسة النجوم والظواهر الطبيعية التي تحدث للأجرام السماوية كالكسوف والخسوف، أهمية كبيرة في التكهن. وقد كان الجاهليون يعتقدون أن للكسوف والخسوف أثرًا في حياة الإنسان، فإذا وقعا دلا على موت إنسان عظيم أو حياته، أو ولادة مولود صاحب حظ كبير٥. وكذلك كان رأيهم في تساقط النجوم. وقد أشير إليه في أشعار القدماء من الجاهلية، منهم عوف بن الجزع وأوس بن حجر وبشر بن أبي خازم٦. وقد كان في زعم الكهان من صنف المنجمين أن في استطاعتهم التأثير في الأجرام السماوية وفي أحداث الضباب والعواصف والرياح، وقد نهي عن التصديق بها في الإسلام، لتعارضها مع الإيمان بسيطرة الله وهيمنته وحده على الكون. كان للجاهليين اعتقاد بأثر فعل النجو في الإنسان، ولهذا كانوا يراقبون السماء لتفسير ما يرون فيه من تساقط نجوم، ومن أخبار الشياطين عما يستعون إليه من وحي السماء. وذكر أنهم كانوا يفزعون إذا تساقطت الشهب بكثرة غير

стр. 4351

معهودة، وقد حدث أن تساقطت النجوم بكثرة ففزعوا وجزعوا وقالوا: "هلك من في السماء. فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا، وصاحب البقر يذبح كل يوم بقرة، وصاحب الغنم كل يوم شاة حتى أسرعوا في اتلاف أموالهم. فقالت ثقيف بعد سؤال كاهنهم.. امسكوا عن أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء. ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي. والشمس والقمر كذلك"١. فكأنهم تصوروا أن تساقط النجوم هذا بكثرة معناه اختلال نظام السماء وموت من فيه، واحتمال فناء العالم تبعا لذلك. وكانوا إذا خافوا من شيء وأرادوا الاستعاذة، كأن يكون الإنسان مسافرا فرأى من يخافه قال: حجرا محجورا، أي حرام عليك التعرض بي. وقد ترك هذا الاستعمال في الإسلام٢. وقد ورد الحديث في النهي عن التطير. جاء: "الطيرة شرك. ولكن الله يذهبه بالتوكل" ٣.

стр. 4352

الفصل السابع والثمانون: من عادات وأساطير الجاهليين مدخل ... الفصل السابع والثمانون: من عادات الجاهليين ولأهل الجاهلية عادات وأساطير كثيرة، وقد اختص العرب بقسم منها، أما القسم الثاني فهو عام معروف، عرف عند الساميين والعجم، وهي مما يقال له "الشعبيات" أو "الفلولكلوريات" في مصطلح الإفرنج لهذا العهد. فمن ذلك ما كانوا يفعلونه في أسفارهم إذ كان أحدهم إذا خرج إلى سفر عمد إلى شجرة من "الرتم"، فعقد غصنا منها، فإذا عاد من سفره ووجده قد انحل، قال: قد خانتني امرأتي، وإن وجده على حالته قال لم تخني١. ويقال لذلك العقد "الرتم"و "الرتمة". وذكر أن الرجل منهم كان إذا سافر عمد إلى خيط فعقده في غصن شجرة أو في ساقها، فإذا عاد نظر إلى ذلك الخيط، فإن وجده بحاله علم أن زوجته لم تخنه، وإن لم يجده أو وجده محلولا قال: قد خانتني. ويقال: بل كانوا يعقدون طرفا من غصن الشجر بطرف غصن آخر٢. وتستعمل "الرتمة" لتذكير الإنسان بشيء. يستعلمها من يكثر نسيانه. وهي خيط يعقد في الأصبع للتذكير. وقد يعقد على الخاتم٣. ومن اعتقادهم في السفر أن من خرج في سفر والتفت وراءه لم يتم سفره.

стр. 4353

فإن التفت تطير، وفسره بالعودة. فلذلك لا يلتفت إلا العاشق الذي يريد العود١. ومنها التصفيق: كانوا إذا ضل الرجل منهم في الفلاة، قلب ثيابه، وحبس ناقته، وصاح في أذنها كأنه يومئ إلى إنسان، وصفق بيديه: الوحا الوحا، النجا النجا، هيكل، الساعة الساعة، إلي إلي، عجل، ثم يحرك الناقة فيهتدى. قال الشاعر: وأذن بالتصفيق من ساء ظنه ... فلم يدر من أي اليدين جوابها٢ وذكر إنه كان يقلب قميصه ويصفق بيديه كأنه يومئ بهما إلى إنسان فيهتدي٣. وكان أحدهم إذا أراد دخول قرية، فخاف وباءها أو جنها، وقف على بابها قبل أن يدخلها، فنهق نهيق الحمار، ثم علق عليه كعب أرنب، كأن ذلك عوذة له ورقية من الوباء والجن. ويسمون هذا النهيق التعشير. وروي أن "عروة بن الورد" خرج إلى "خيبر" ليمتار، فلما قربوا منها، عشر من معه، وعاف "عروة" أن يفعل فعلهم. فيقال: إن رفقته مرضوا، ومات بعضهم، ونجا "عروة" من الموت والمرض٤. وكان مسافرهم إذا ركب مفازة وخاف على نفسه من طوارق الليل، عمد إلى واد ذي شجر، فأناخ راحلته في قرارته، وهي القاع المستديرة وعقلها، وخط عليها خطا، ثم قال: أعوذ بصاحب هذا الوادي٥. وإلى ذلك أشار القرآن ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ٦. وذكر أنهم كانوا إذا نزلوا الوادي، قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر ما فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضرا ولا نفعا٧. ومن عادات بعض العرب أنهم إذا خافوا شر إنسان وأرادوا عدم عودته إليهم، أوقدوا خلفه نارًا، إذا تحول عنهم، ليتحول ضبعه معه، أي شره. وكانوا يقولون: أبعد الله دار فلان وأوقد نارًا أثره، والمعنى لا رجعه الله ولارده٨.

стр. 4354

وإذا غاب الإنسان، فلم يقفوا على أثره، ففي الوسع الاهتداء إليه، وذلك بأن يذهبوا إلى بئر قديمة أو حفر قديم، ثم ينادوا في البئر أو الحفر اسم الغائب ثلاث مرات، فإن سمعوا صوتا علموا أنه حي معافى، وإن لم يسمعوا شيئًا علموا أنه قد مات١. وإذا أراوا ضمان عدم رجوع الثقلاء ومن لا يرغب في عودتهم، فإن الثقيل إذا غادر المحل، عمد صاحب البيت والمكان إلى كسر شيء من الأواني أو رمى حجرا خلفه، وفي ذلك ضمان بألا يعود٢. ومن خرافاتهم أن أحدهم كان إذا اشترى دارا أو استخرج ماء عين أو بنى بنيانا وما أشبهه، ذبح ذبيحة للطيرة. وقد عرفت عندهم بـ "ذبائح الجن". وكانوا يفعلون ذلك مخافة أن تصيبهم الجن وتؤذيهم. وقد نهي في الإسلام عن ذبائح الجن٣. وأوجدوا لدوام الحب علاجا، هو شق الرداء والبرقع. زعموا أن المرأة إذا أحبت رجلا أو أحبها ثم لم تشق عليه رداءه، ويشق عليها برقعها، فسد حبهما، فإذا فعل ذلك دام حبهما٤. وإذا صعب على المرأة العثور على خاطب لها، فإن في الإمكان تيسير ذلك بنشر جانب من شعرها، وتكحيل إحدى عينيها، وتحجيل إحدى رجليها، ويكون ذلك ليلا، ثم تقول: "يا لكاح، أبغي النكاح، قبل الصباح"، فيسهل أمرها، وتتزوج عن قريب٥. ومن آرائهم أن الرجل منهم إذا عشق ولم يسل وأفرط عليه العشق، حمله رجل على ظهره كما يحمل الصبي، وقام آخر فأحمى حديدة أو ميلا وكوى به بين إليتيه فيذهب عشقه٦. ولدوام الحب بين الرجل والمرأة، يشق الرجل برقع من يحبها وتشق المرأة رداءه، فيصلح حبهما ويدوم، فإن لم يفعلا ذلك فسد حبهما٧.

стр. 4355

وإذا غاب عن النساء من يحببنه أخذن ترابا من موضع قدمه وموضع رجله، ليرجع سريعا١. وإذا أرادت المقلاة أن يعيش ولدها، ففي إمكانها ذلك إذا تخطت القتيل الشريف سبع مرات، وعندئذ يعيش ولدها. وإنما كانوا يفعلون ذلك بالشريف يقتل غدرا. وقد ذكر ذلك في شعر لبشر بن أبي خازم٢. ومن عقائدهم أن صاحب الفرس المهقوع إذا ركبه فعرق حته اغتلمت امرأته، وطمحت إلى غيره. والهقعة: دائرة بالفرس، وربما كانت على الكتف في الأكثر٣. وكان الصبي إذا بترت شفته، حمل منخلا على رأسه ونادى بين بيوت الحي: "الحلاء الحلاء، الطعام الطعام" فتلقي له النساء كسر الخبز والتمر واللحم في المنخل، ثم يلقى ذلك للكلاب، فتأكله فيبرأ من المرض فإن أكل صبي من الصبيان من ذلك الذي ألقاه للكلاب تمرة أو لقمة، بتر شفته٤. وتعالج "الخطفة" و"النظرة" عند الصبيان بتعليق سن ثعلب، أو من هرة على الصبي، فإن تلك الأسنان تهرب الجن. ويهربها كذلك تنقيط شيء من صمغ "السمرة" "حيض السمرة"، وهي شجرة من شجر الطلع، بين عيني النفساء، وخط شيء منه على وجه الصبي خطا، فلا تجرؤ الجنية على التقرب من الصبي، ويقال لذلك "النفرات"، فإذا قال لها صواحباتها في ذلك، قالت: كانت عليه نفره ... ثعالب وهرره والحيض حيض السمره٥ ومن عاداتهم في إبعاد الجن عن الصبيان، تنفير المولود، وذلك أن يسميه باسم غريب منفر، فينفر الجن منه، ولا يتقربون منه٦.

стр. 4356

وعادة أخذ الغلام إذا ثغر، السن الساقط ووضعه إياه بين السبابة والإبهام، واستقبال الشمس، وقذف السن في عينها، لا تزال معروفة حتى الآن، وهم يقولون في ذلك: "ابدليني بسن أحسن منها، ولتجر في ظلمها إياتك"١، أو "أبدليني أحسن منها، أمن على أسنانه العوج، والفلج، والثعل". قال طرفة: بدلته الشمس من منبته ... بردا أبيض مصقول الأشر٢ واعتقد قوم منهم أن من ولد في القمراء، تقلصت غرلته، فكان كالمختون٣. واعتقدوا أن طول الغرلة من تمام الخلقة وأقرب ما يكون إلى السؤدد٤. ومن عقائدهم، أن المولود إذا ولد يتنا، كان ذلك علامة سوء، ودليلا على الفساد، واليتن خروج رجل المولود قبل رأسه٥. ومن عقائدهم أن الرجل كان إذا ظهرت فيه القوباء عالجها بالريق، وإذا أصيب أو أصيبت دابته بالنملة، وخط عليها ابن المجوسي إذا كان من اخته تبرأ وتنصلح وترأب٦. وزعموا أن من أصيب بـ "الهدب"، وهو "العشا" يكون في العين، عمد إلى سنام فقطع منه قطعة، ومن الكبد قطعة، وقلاهما، وقال عند كل لقمة يأكلها بعد أن يمسح جفنه الأعلى بسبابته: فيا سناما وكبد ... ألا اذهبا بالهدبد ليس شفاء الهدبد ... إلا السنام والكبد ويزعمون أن ذلك بالعشا بذلك٧. وقد زعم الجاهليون أن الطاعون الذي كان يقع كثيرًا في الجاهلية فيحصد الناس

стр. 4357

حصدا، هو من وخز الجن، وأنه من فعلهم في الإنسان ودعوه "رماح الجن"، وذكر ذلك في الشعر فقال أحد الشعراء: لعمرك ما خشيت على عدي ... رماح بني مقيدة الحمار ولكني خشيت على عدي ... رماح الجن أو إياك جار١ وكانوا يرون أن أكل لحوم السباع يزيد في الشجاعة والقوة٢. وفي حركات الإنسان دليل ومعان تنبئ عن أشياء. فإذا اختلجت العين دل، ذلك على توقع قدوم شخص غائب محبوب. ولا تزال هذه العادة باقية عند الناس اليوم٣. ومن عاداتهم أن أحدهم إذا خدرت رجله، ذكر أحب الناس إليه، فتنبسط٤. وكانوا يعقدون الرتم للحمى، ويرون أن من حلها انتقلت الحمى إليه. قال أحد الشعراء: حللت رتيمة فمكثت شهرا ... أكابد كل مكروه الدواء٥ وقد زعموا أن في البطن حية، إذا جاع الإنسان، عضت على شرسوفه وكبده. وقيل: هو الجوع بعينه، ليس أنها تعض بعد حصول الجوع٦. وكان من عادة الجاهليين حمل ملوكهم على الأعناق إذا اشتد بهم المرض. وهم يعتقدون أنهم بذلك سيتغلبون على المرض، ويعللون ذلك بأنه أسهل على المريض، وأكثر راحة له من وضعه على الأرض٧. واعتقدت العرب أن دم الملوك والرؤساء يشفي من عضة الكلب٨. وزعموا أن الكلب جنون الكلاب المعتري من أكل لحم الإنسان. وأجمعت العرب أن

стр. 4358

دواءه قطرة من دم ملك يخلط بماء فيسقاه، وقيل إن الرجل الكلب يعض إنسانا فيأتون رجلا شريفا، فيقطر لهم من دم إصبعه، فيسقون الكلب فيبرأ١. ومن عقائدهم إنهم كانوا إذا قتلوا الثعبان خافوا من الجن أن يأخذوا بثأره، فيأخذون روثة، ويفتونها على رأسه، ويقولون: روثة راث ثائرك. وقد يذر على الحية المقتولة يسير رماد، ويقال لها: فتلك العين ثائر لك. وفي أمثالهم لمن ذهب العين دمه هدر: هو قتيل العين٢. واعتقد الجاهليون بـ "السفعة"، و"السفعة" العين تصيب الإنسان: عين إنسية وعين جنية، "والسفعة" النظرة من الجن٣. وإذا طالت علة الواحد منهم، وظنوا أن به مسا من الجن، لأنه قتل حية أو يربوعا أو قنفذا، عملوا جمالا من طين، وجعلوا عليها جوالق وملؤوها حنطة وشعيرا وتمرا، وجعلوا تلك الجمال في باب جحر إلى جهة المغرب وقت غروب الشمس، وباتوا ليلتهم تلك، فإذا أصبحوا، نظروا إلى تلك الجمال الطين، فإذا رأوا إنها بحالها، قالوا: لم تقبل الهدية، فزادوا فيهان وإن رأوها قد تساقطت وتبدد ما عليها من الميرة قالوا: قد قبلت الدية، واستدلوا على شفاء المريض، وفرحوا، وضربوا بالدف٤. ومن أوابدهم تعليق الحلي والجلاجل على اللديغ، يرون أن يفيق بذلك، ويقال إنه إنما يعلق عليه، لأنهم يرون أنه إن نام يسري السم فيه فيهلك، فشغلوه بالحلي والجلاجل وأصواتها عن النوم. وذهب بعضهم إلى إنه إذا علق عليه حلي الذهب برأ، وإن علق الرصاص أو حلي الرصاص مات٥. ومن آرائهم في إطفاء نار الحرب إنهم كانوا بما أخرجوا النساء فبلن بين الصفين، يرون أن ذلك يطفئ نار الحرب ويقودهم إلى السلم٦.

стр. 4359

ومن وسائل إبعاد الجن عن الناس، وإبعاد عيونهم عنهم، تعليق كعب الأرنب. يقولون إن من فعل ذلك لم تصبه عين ولا سحر، وذلك لأن الجن تهرب من الأرنب، لأنها ليست من مطايا الجن، لأنها تحيض. وذكر أيضًا أن من علق على نفسه كعب أرنب، لم يقربه "عمار الحي" "جنان الحي" و"جنان الدار"، و"عمار الدار" ولا "شيطان الحماطة" وجان العشرة "جار العشيرة" وغول العقر "غول القفر"، كل الخوافي وأن الله يطفئ نار السعالي١. و"الحماطة" شجرة شبيهة بالتين تأوي إليها الحيات٢. وكانوا إذا خافوا على الرجل الجنون وتعرض الأرواح الخبيثة له، نجسوه بتعليق الأقذار عليه، كخرقة الحيض وعظام الموتى. وذكروا أن أنفع من ذلك أن تعلق طامث عظام موتى ثم لا يراها يومه ذلك. ويشفي التنجيس من كل شيء. إلا من العشق٣. ومن مذاهبهم قولهم في الدعاء: "لا عشت إلى عيش القراد". يضربونه مثلا في الشدة والصبر على المشقة يزعمون أن القراد يعيش ببطنه عامًا وبظهره عامًا٤. وكانوا يتبركون بأشياء منها المدمى من السهام، الذي ترمى به عدوك ثم يرميك به. وكان الرجل إذا رمى العدو بسهم فأصاب، ثم رماه به العدو وعليه دم، جعله في كنانته تبركًا به. ذكر أن "سعدًا" قال: "رميت يوم أحد رجلا بسهم فقتله، ثم رميت بذلك السهم أعرفه، حتى فعلت ذلك وفعلوه ثلاث مرات، فقلت: هذا سهم مبارك مدمى فجعلته في كنانتي، فكان عنده حتى مات"٥. كان أحدهم يلقي الرجل يخافه في الشهر الحرام، فيقول: حجرًا محجورًا، أي حرام محرم عليك هذا الشهر، فلا يبدؤه بشر٦. وكانوا يقولون ذلك إذا نزلوا مكانا وخافوا فيه من الجن. وكان من عاداتهم أنهم كانوا إذا أرادوا أن تورد البقر الماء، فعافته قدموا ثورا، فضربوه، فورد، فإذا فعلوا ذلك، وردت البقر. وفي ذلك قال الأعشى:

стр. 4360

وما ذنبه إن عافت الماء باقر ... وما أن تعاف الماء إلا لتضربا١ ويقولون إن الجن تصد البقر عن الماء، وأن الشيطان يركب قرني الثور٢. ويظهر أن هذا الاعتقاد من الاعتقادات التي كانت شائعة بين الجاهليين، بدليل وروده في أشعار عدد من الشعراء. وكانوا يزعمون أن الجن هي التي تصد الثيران عن الماء حتى تمسك البقر عن الماء حتى تهلك٣. ومن عاداتهم أيضًا أنهم كانوا إذا وقع العر في إبلهم، اعترضوا بعيرا صحيحا لم يقع ذلك فيه، فكووا مشفره وعضده وفخذه. يرون أنهم إذا فعلوا ذلك ذهب العرب عن إبلهم٤. وذكر أن العر قروح مثل القوباء، تخرج بالإبل متفرقة في مشافرها وقوائمها يسيل منها مثل الماء الأصفر، فتكوى الصحاح لئلا تعديها المراض. تقول منه: عرت الإبل، فهي معرورة. قال النابغة الذبياني: فحملتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكون غيره وهو راتع٥ وفي المعنى المذكور قول الشاعر: فألزمتني ذنبا وغيري جره ... حنانيك لا تك الصحيح بأجربا وقول آخر: كمن يكوي الصحيح يروم برءا ... به من كل جرباء الإهاب٦ وذكر أن الفصيل كان إذا أصابه العر، عمدوا إلى أمه فكووها، فيبرأ فصيلها٧.

стр. 4361

ومن ذلك إنهم كانوا يفقأون عين فحل الإبل، لئلا تصيبها العين. وكانوا إذا كثرت إبلهم فبلغت الألف، فقئوا عين الفحل، فإن زادت الإبل على الألف فقئوا العين الأخرى. وذلك المقفأ والمعمى١. وكانت العرب إذا أجدبت، وأمسكت السماء عنهم، وتضايقوا من انحباس المطر، وأرادوا أن يستمطروا، عمدوا إلى السلع والعشر، فحزموهما، وعقدوهما في أذناب البقر، وأضرموا فيها النيران، وأصعدوها في موضع وعر، واتبعوها، يدعون الله ويستسقون، وإنما يضرمون النار في أذناب البقر تفاؤلا للبرق بالنار. وكانوا يسوقونها نحو المغرب من دون الجهات٢. ويقال لهذا الفعل "التسليع". وذكر أن التسليع في الجاهلية إنهم كانوا إذا أسنتوا، أي أجدبوا، علقوا السلع مع العشر بأذناب البقر وحدروها من الجبال وأشعلوا في ذلك السلع والعشر النار يستمطرون بذلك. ونجد من الرواة من يقول: حدروها من الجبال وأشعلوا في ذلك السلع والعشر النار، ومنهم من يقول: ثم يضرمون فيها النار، وهم يصعدونها في الجبل، فيمطرون٣. وقد أشير إلى هذا الفعل في الشعر، قال أمية بن أبي الصلت: سلع ما ومثله عشر ما ... عائل ما، وعالت البيقورا وقال الورك الطائي "وداك الطائي": لا در در رجال خاب سعيهم ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر أجاعل أنت بيقورا مسلعة ... ذريعة لك بين الله والمطر٤ ومن السلع "المسلعة"، كان العرب في جاهليتها تأخذ حطب السلع والعشر في المجاعات وقحوط القطر، فتوقر ظهر البقر منها، وقيل: يعلقون ذلك في أذنابها، ثم تلعج النار فيها يستمطرون بلهب النار المشبه بسنى البرق. وقيل:

стр. 4362

يضرمون فيها النار، وهم يصعدونها في الجبل، فيمطرون"١. وقد تعرض "أبو الحسين أحمد بن فارس" لموضوع "البيقور"، فقال: "كانت العرب إذا أمسكت السماء قطرها، استمطروا، فعمدوا إلى شجرتين يقال لهما السلع والعشر، فعقدوهما في أذناب البقر فأضرموا فيها النار، وأصعدوها في جبل وعر وتبعوا آثارها، يدعون الله ويستسقونه. قال ابن الكلبي: وإنما يضرمون النار تفاؤلا للبرق"، "كانوا إذا فعلوا ذلك توجهوا نحو المغرب من بين الجهات كلها قصدا إلى العين، والعين قبلة العراق. قال الحجاج: سار سرى من قبل العين فجر ... غر السحاب والمرابيع البكر٢

стр. 4363

عقيدتهم في الحيوان: وللجاهليين عقائد في الحيوان. فمنهم من كان يعتقد أن للجن بهذه الحيوانات تعلقا، ومنهم من يرى أنها نوع من الجن، ومنهم من كان يرى أن لبعضها، مثل الورل والقنفذ والأرنب واليربوع والنعام، صلة بالجن، وأنها مراكب لها، يمتطونها كما يمتطي الإنسان الخيل والبغال والإبل والحمير١. ومن مواكب الجني، "العضرفوط"، قال الشاعر: وكل المطايا قد ركبنا فلم نجد ... ألذ وأشهى من وخيد الثعالب ومن فارة مزمومة شمرية ... وخود برد فيها أمام الركائب ومن عضرفوط حط بي من ثنية ... يبادر سربا من عظاء قوارب٢ والعضر فوط دويبة من دواب الجن٣، ويقال: العضرفوط ذكر العظماء، وقيل: دويبة تسمى العسودة، بيضاء، ناعمة٤. واعتقدوا أن السموم لما فرقت على الحيوانات، احتسبت العظاية "العظاءة"

стр. 4364

عند التفرقة حتى نفد السم، وأخذ كل حيوان قسطا منه على قدر السبق إليه، فلم تنل العظاية نصيبا منه، فخسرته. لذلك صارت تمشي مشيا سريعا ثم يقف، لما يعرض لها من التذكر والأسف على ما فاتها من السم١. و"الظباء" ماشية الجن، في زعم بعضهم وهي تسمع وتكلم، ولهم قصص عنها٢. وتزعم العرب أن "الهديل"، فرخ على عهد "نوح" مات عطشا، وضبعه أو صاده جارح من جوارح الطير، فما من حمامة إلا وهي تبكي عليه٣. وللخرز عند الجاهليين وعند الأعراب حتى اليوم، شأن كبير في السحر وفي دفع أذى الأرواح والعين، وفي النفع والحب، وأمثال ذلك. وسأتحدث عنها في المكان المخصص بالسحر. وضرب المثل ببخل "أبي حباحب". ومن محارب خصفة، وكان بخيلا، فكان لا يوقد ناره إلا بالحطب الشخت لئلا ترى، ,وقيل: "اسمه "حباحب"، فضرب بناره المثل، لأنه كان لا يوقد إلا نارًا ضعيفة، مخافة الضيفان، فقالوا: نار الحباحب٤. وأم حباحب: دويبة، مثل الجندب، تطير، صفراء خضراء، رقطاء برقط صفرة وخضرة، ويقولون إذا رأوها: أخرجي بردي أبي حباحب، فتنشر جناحيها، وهما مزينان بأحمر وأصفر٥. وللعرب أساطير عن الكواكب، من ذلك ما ذكروه من أن "الدبران" خطب "الثريا" وأراد القمر أن يزوجه منها، فامتنعت وأعرضت، وقالت للقمر: ما أصنع بهذا السبروت الذي لا مال له؟ فجمع الدبران قلاصه، ووضعها قدامه، وأخذ يتبعها يريد اقناعها بالزواج منه. ومن ذلك قولهم في "المرزم"، وهو "الشعري"، يطلع بعد الجوزاء، وطلوعه في شدة لحر. تقول العرب: إذا

стр. 4365

طلعت الشعرى جعل صاحب النحل يرى، وهما الشعريان: "العبور" التي في "الجوزاء" و"الشعرى الغميصاء" التي في الذراع. تزعم العرب أنهما أخت "سهيل". وقد عبدت طائفة من العرب "الشعرى العبور". قالوا: إنها عبرت السماء عرضا، ولم يعبرها عرضا غيرها، فأنزل الله: "وإنه هو رب الشعرى"، وسميت الأخرى "الغميصاء"، لأن العرب قالت في حديثها إنها بكت على أثر العبور حتى غمصت١. وزعموا أن "سهيلا" كان عشّارًا على طريق اليمن ظلوما فمسخه الله كوكبا. وعرف بأنه نجم يماني عند طلوعه تنضج الفواكه وينقضي القيظ٢. و"الشمس" إلهة عند كثير من الجاهليين، فتعبدوا لها، وعدت صنما عندهم٣. ومن أساطيرهم ما تحدثوا به عن "برد العجوز". حدثوا أن عجوز دهرية كاهنة من العرب كانت تخبر قومها ببرد يقع في أواخر الشتاء وأوائل الربيع فيسوء أثره على المواشي، فلم يكترثوا بقولها، وجزوا أغنامهم، واثقين بإقبال الربيع، فلم يلبثوا إلا مديدة حتى وقع برد شديد، أهلك الزرع والضرع، فقالوا هذا برد العجوز. يعنون العجوز التي كانت تنذر به. وحدثوا: أن عجوزًا كانت بالجاهلية، ولها ثمانية بنين، فسألتهم أن يزوجوها وألحت عليهم، فتآمروا بينهم، وقالوا: إن قتلناها لم نأمن عشيرتها، ولكن نكلفها البروز للهواء ثماني ليال، لكل واحد منا ليلة. فقالوا لها: إن كنت تزعمين أنك شابة، فابرزي للهواء ثماني ليال، فإننا نزوجك بعدها، فوعدت بذلك، وتعرت تلك الليلة والزمان شتاء كلب، وبرزت للهواء. وفعلت مثل ذلك في الليل الآخر، فلما كانت الليلة السابعة، ماتت. ونسب العرب إليها برد الأيام الثمانية، وأسماؤها: الصن، والصنبر، والوبر، وآمر، ومؤتمر، ومعلل، ومطفئ الجمر، ومكفئ الظعن٤. ومن الأمور التي تداولوها قولهم في "زمن الفطحل". وضربهم المثل به. قالوا: أيام كانت الحجارة رطبة. وإذ كل شيء ينطق٥. وهو دهر لم يخلق

стр. 4366

فيه الناس بعد١. وكانوا يعتقدون بالمسخ. وهو تحويل صورة إلى أخرى أقبح منها، وتحويل إنسان إلى حيوان أو حجر. ولهم اعتقادات في مسخ الأطفال، وتبديل "الجن" لهم بأولادهم من ذوي العاهات. وقد زعموا أن "اللات" صنم ثقيف، كان في الأصل يهوديا يلت السويق في "الطائف" فمسخ حجرا، عبد فصار "اللات". وللعرب قصص وضعوه على ألسنة الحيوانات نجده في كتب الأدب. ولهم أمثلة وراءها قصص في سبب ضربها. ونجد في كتب الأمثال والأدب أشياء كثيرة من ذلك. وقد صوروا بعض الحيوانات ناطقة عاقلة، ونسبوا لها الحكمة والقول الحسن. وصوروا بعضها بليدة غبية. ونجد في كتب الأمثال والأدب أشياء كثيرة من ذلك٢. واتخذوا من بعض الناس مثلا على أمر من أمور الحياة. وضربوا بهم الأمثال. فضربوا المثل ببلاغة "سحبان وائل" وبقدرته على الخطابة٣. وبفصاحة "قس بن ساعدة الإيادي"٤. وجعلوهما المثل الأعلى في البلاغة والفصاحة عند العرب. ووضعوا "باقل" مثلا للعي والبلادة٥. فمما رووه عنه، أنه اشترى ظبيا بأحد عشر درهما، فمر بقوم فقالوا: بكم أخذت الظبي؟ فمد يديه، وأخرج لسانه، يريد بأصابعه عشرة دراهم ,بلسانه درهما فشرد الظبي حين مد يديه، وكان الظبي تحت إبطه، فجرى المثل بعيه، وقيل: أشد عيا من باقل، وأعيا من باقل، كما قيل أبلغ من سحبان وائل٦. وذكر أنه كان من ربيعة٧. واتخذوا "بيهس" الفزاري، الملقب بنعامة، مثلا للحمق، فقالوا: أحمق من بهيس. وهو أحد الأخوة السبعة الذين قتلوا، وترك هو لحمقه٨. زعموا أنه هو القائل: ألبس لكل حالة لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها وإنما لقب بيهس بنعامة لأنه كان شديد الصمم، وإذا دعا الرجل من العرب

стр. 4367

على صاحبه بالصمم، قال: اللهم اصنجه كصنج النعامة. والصنج أشد الصمم١. وضرب المثل بحمق "هبنقة"، واسمه "يزيد بن ثروان" أحد بني قيس بن ثعلبة، الملقب بـ "ذي الودعات". لقب به لأنه جعل من عنقه قلادة من ودع وعظام وخزف مع طول لحيته. فسئل عن ذلك، فقال: لئلا أضل، أعرف بها نفسي، فسرقها أخوه في ليلة وتقلدها، فأصبح هبنقة ورآها في عنقه، فقال: أخي أنت أنا، فمن أنا؟ فضرب بحمقه المثل. فقيل أحمق من هبنقة٢. وضربوا المثل بحمق دغة. وهي بنت منعج، زوجت وهي صغيرة في بني العنبر، فحملت، فلما ضربها المخاض ظنت أنها تحتاج إلى الخلاء، فبرزت إلى بعض الغيطان ووضعت ذا بطنها، فاستهل الوليد، فجاءت منصرفة وهي لا تظن إلا إنها أحدثت، فقالت لأمها: يا أماه، هل يفتح الجعر فاه؟ قالت: نعم ويدعو أباه، فسب بها بنو العنبر، فسموا بني الجعراء٣. وقيل هي امرأة من بني عجل بن لجيم. وقيل هي: دغة بنت معيج بن إياد بن نزار. ولدت لعمرو بن جندب بن العنبر٤. وذكر أن اسمها: مارية بنت ربيعة، من عجل، وكانت عند "جندب بن العنبر" فولدت له "عدي بن جندب"، وكانت حمقاء حسناء٥. وضربوا المثل بـ "جوف حمار". وقالوا: هو أكفر من حمار، وأخلى من جوف حمار. وهو رجل من عاد، يقال له حمار بن مويلع، وجوفه واد له طويل عريض. لم يكن ببللاد العرب أخصب منه، وفيه من كل الثمرات، فخرج بنوه يتصيدون: فأصابتهم صاعقة فهلكوا، فكفر. وقال: لا أعبد من فعل هذا ببني، ودعا قومه إلى الكفر فمن عصاه قتله، فأهلكه الله تعالى وأخرب واديه، فضرب العرب به المثل في الخراب والخلاء. قال الأفوه الأودي: وبشؤم البغي والغشم قديما ... قد خلا جوف ولم يبق حمار٦

стр. 4368

وذكر أن الجوف واد بأرض عاد، فيه ماء وشجر، حماه رجل اسمه حمار وكان له بنون فأصابتهم صاعقة فماتوا، فكفر كفرًا عظيمًا وقتل كل من مر به من الناس. فأقبلت نار من أسفل الجوف فأحرقته ومن فيه وغاض ماؤه فضربت العرب به المثل. فقالوا: أكفر من حمار، وواد كجوف الحمار وكجوف العير وأخرب من جوف حمار١. وورد إنه "حمار بن مالك"، وهو رجل من عاد وقيل من العمالقة. كان مسلمًا أربعين سنة في كرم وجود، فخرج بنوه عشرة للصيد، فأصابتهم صاعقة فهلكوا. فكفر كفرًا عظيمًا. وقال لا أعبد من فعل ببني هذا. وكان لا يمر بأرضه أحد إلا دعاه إلى الكفر، فإن أجابه وإلا قتله. فأهلكه الله وخرب واديه٢. وإذا وعد إنسان وعدًا، فعليه الوفاء به، لأن من شمائل الكريم الوفاء بالوعود والعهود. قالت العرب: "خلاف الوعد من أخلاق الوغد". وكانت العرب تستعيبه وتستقبحه. وضد ضربوا المثل برجل من العرب في مخالفته المواعيد، فقالوا: "مواعيد عرقوب". وعرقوب صاحب المواعيد٣، قيل: إنه من الأوس، كان أكذب أهل زمانه. فضربت به العرب المثل في الخلف، فقالوا: مواعيد عرقوب. وذلك إنه أتاه سائل، وهو أخ له، يسأله شيئًا. فقال له عرقوب: إذا أطلع نخلي، "وفي رواية: إذا أطلعت هذه النخلة"، فلما أطلع، أتاه على العدة، قال: إذا أبلح، فلما أبلح أتاه، قال: إذا أزهى، فلما أزهى أتاه، قال: إذا أرطب، فلما أرطب أتاه، قال: إذا أتمر. فلما أتمر، عمد إليه عرقوب وجده ليلا، ولم يعطه منه شيئًا فصارت مثلا في إخلاف الوعد. وورد: وأكذب من عرقوب يثرب لهجة ... وأبين شؤما في الحوائج من زحل وورد "مواعيد عرقوب أخاه بيترب"، بالتاء وهي اليمامة، ويروى بالمثلثة، وهي مدينة الرسول نفسها. ويقال: هو أرض بني سعد. والأول أصح، وبه فسر قول كعب بن زهير: كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل

стр. 4369

وورد: "هو أكذب من عرقوب يترب"، وتقول: "فلان إذا مطل تعقرب وإذا وعد تعقرب". ومن أمثالهم: "الشر ألجأه إلى مخ عرقوب" "وشر ما أجأك إلى مخة عرقوب"، أي: عرقوب الرجل لأنه لا مخ له. يضرب هذا عند طلبك من اللئيم أعطاك أو منعك. وهو لغة بني تميم. ومن المستعار: ما أكثر عراقيب هذا الجبل. العراقيب خياشيم الجبال وأطرافها وهي أبعد الطرق، لأنك تتبع أسهله أين كان. والعراقيب من الأمور كالعراقيل عظامها وصعابها١. وضربوا المثل في الإقامة على الذل برجل من ضببة، زعموا أنه عرف عندهم بـ "قضيب" فقالوا: أصبر من قضيب. و"قضيب" رجل آخر تمار بالبحرين، كان يأتي تاجرًا فيشتري منه التمر، ولم يكن يعامل غيره٢. وضربوا المثل بـ "حديث خرافة". زعموا أنه كان رجلا من "بني عذرة" أو من "بني جهينة" سبته الجن، فكان يكون معهم، فإذا استرقوا السمع أخبروه فيخبر أهل الأرض، فيجدونه كما قال. وقيل: "استهوته الجن واختطفته ثم رجع إلى قومه، فكان يحدث بما رأى، يعجب منها الناس، فكذبوه، فجرى على ألسن الناس وقالوا: هذه خرافة. ويقال أيضًا للخرافات الموضوعة من حديث الليل: حديث خرافة. وذكر أن "عائشة" قالت: "قال رسول الله ﷺ : "حدثيني": قلت ما أحدثك حديث خرافة. قال: "أما إنه قد كان"٣ وذكر أيضًا أنه قال لها: "إن أصدق الأحاديث حديث خرافة " ٤.

стр. 4370

فهرس الجزء الثاني عشر الفصل الرابع والسبعون الكعبة ٥ الفصل الخامس والسبعون الحنفاء ٢٥ الفصل السادس والسبعون اليهودية بين العرب ٨٧ الفصل السابع والسبعون اليهود والإسلام ١١٩ الفصل الثامن والسبعون شعر اليهود ١٤٥

стр. 4371

الفصل التاسع والسبعون النصرانية بين الجاهليين ١٥٨ الفصل الثمانون المذاهب النصرانية ١٩٩ الفصل الحادي والثمانون التنظيم الديني ٢١٤ الفصل الثاني والثمانون أثر النصرانية في الجاهلية ٢٣٨ الفصل الثالث والثمانون المجوس والصابئة ٢٦٧ الفصل الرابع والثمانون تسخير عالم الأرواح ٢٨١

стр. 4372

الفصل الخامس والثمانون في أوابد العرب ٣٣١ الفصل السادس والثمانون الطيرة ٣٦٢ الفصل السابع والثمانون من عادات وأساطير الجاهليين ٣٨٢ الفهرست ٣٩٩

стр. 4373

المجلد الثالث عشر الفصل الثامن والثمانون: أثر الطبيعة في اقتصاد الجاهليين ... الفصل الثامن والثمانون: أثر الطبيعة في اقتصاد الجاهليين للوقوف على أسس اقتصاد أمة من الأمم، لا بد من الوقوف على طبيعة إقليمها من جو وأرض، فللطبيعة أثر كبير في تحديد خيرات تلك الأمة وفي تكوين سماتها وعاداتها وانتاجها: من ناتج زراعي أو حيواني أو صناعي، ثم في فقرها وغناها. فالجو البارد ذو الأمطار الغزيرة، لا يمكن أن يكون أثره في الأحياء أثر الجو الحار الرطب، أو الجو الحار الجاف، أو الجو المعتدل. الجو البارد يدفع الإنسان إلى العمل ويبعث فيه الحيوية والنشاط، ويجبره على العمل، ويقدم له الماء هدية من السماء، ثم هو يكره الأرض أن تتلقح بماء المزن، لتولد خضرة تكسو الأرض ببساط جميل يخلب الألباب، ولتولد للماشية علفًا طريًّا شهيًّا، وللإنسان أرضًا طيعة لا تحتاج إلى سقي باليد أو بالآلة، ثم هو يوفر له كثيرًا من الجهد الذي يجب على الإنسان أن يبذله في البلاد الحارة الجافة لاستصلاح التربة ولمكافحة الحشرات التي تبارك فيها الحرارة إلى غير ذلك من صعوبات، لا تقاس بها الصعوبات التي تواجه سكان البلاد الباردة الممطرة. أما الجو الحار الرطب، فيغيث الإنسان بمطر، قد ينهمر انهمارًا، وقد ينزل بمواسم، لكن حرارته الشديدة المتشبعة بالرطوبة، تهد الجسم، وتعطيه رخاوة في بدنه وفي عقله، تجعله يميل إلى الخمول والكسل والدعة، وإلى الاسترسال في العواطف، ثم تحرمه من نشاط إنسان الجو البارد، وتجعله دونه في العمل وفي السعي في هذه الحياة والضرب في هذه الأرض وفي استغلال التربة وما فيها وما

стр. 4374

عليها، وأما الجو الحار الجاف، فيحرم سكانه من نعمة "الغيث" في الغالب، ويلبس سطح الأرض أكسية غبراء من رمال تذروها الرياح، ثم هو يجعل من الصعب على الإنسان أو الحيوان أن يجد قوته في هذه القفار الواسعة المغبرة، أو أن يعيش فيها عيشة مستقرة، دائمة، في مجتمعات كثيفة كمجتمعات الأجواء الباردة أو المعتدلة أو الحارة الرطبة، فاضطر إلى التنقل والارتحال بحثًا عن الكلأ والماء، اللهم إلا في مواطن الماء، وهي عزيزة ثمينة؛ لأنها في أرض غلب على طبعها الجفاف، فتصير هذه المواطن القليلة هدفًا لهجمات العطاشى عليها في سني القحط وانحباس المطر، وأيام الضيق والشدة، لسد الرمق وللمحفاظة على ما في الجسم الذابل النحيل من عروق لتعينه على البقاء، حتى يفنى بطعنة، أو بموت حتف أنفه. تبلغ مساحة جزيرة العرب حوالي مليون وربع مليون ميل من الأميال المربعة. إذا ثبتنا مواضع المياه على "خارطتها"، نجد أنها قليلة، لا يتناسب توزيعها ووجودها مع هذه المساحة الشاسعة، ثم أنها مياه ضيقة المعين، لا يتسع صدرها لإرواء بقاع واسعة على نحو ما نجده في مياه الأنهار الكبيرة، وفي هذه المواضع انحصر السكن، فصار من ثم عدد سكانها قليلًا جدًّا في كل وقت. وإذا قسنا مساحة الأرضين الخصبة منها القابلة للزرع والإنبات ذات الماء بالأرضين المجدبة، نجد أنها قلة إلى كثرة، وإن ما لا يصلح منها للزرع أكثر بكثير مما يصلح له. وإن مساحة البراري والبوادي تزيد على مساحة الأرض الطيبة الخصبة، وإن هنالك أرضين ذات طبقات ثخينة من الرمال، أكرهت الناس على الابتعاد عنها، ترفعًا من أن يطأ وجهها خف جمل أو نعل إنسان، أو أن تدوسها الأقدام. وقد نشأ عن هذا الوضع ضيق في مساحة الأرضين المزروعة، لشح الماء وعدم كفايته لإرواء الإنسان ولإرواء ماشيته وإسقاء أرضين واسعة، ضيق أثر في شكل تكوين المجتمع العربي، فلم يسمح بظهور المجتمعات الكثيفة الكبيرة في جزيرة العرب، والمجتمعات الكثيفة الكبيرة، هي المجتمعات الخلاقة، التي تتعقد فيها الحياة، وتظهر فيها الحكومات المنظمة للعمل وللانتاج وللتعامل بين الناس. جعل المجتمعات المذكورة مجتمع مستوطنات، رزقها من زراعتها الصغيرة ومن رعاية الماشية، وصار اقتصادها من ثم اقتصادًا بدائيًّا لا تعقيد فيه ولا تطوير يحول المواد الأولية إلى مواد أخرى أفيد منها وأكثر ربحًا تفيد المجتمع، وتعود عليه بأرباح طائلة من بيع المنتجات في الأسواق.

стр. 4375

وهو ضيق صير العرب قومًا يكرهون الزراعة وينفرون منها، ويرون المزارع موطنًا من الدرجة الدنيا، ولا سيما ذلك المزارع الذي يزرع الخضر والبقول وعلف الحيوان، فهو عندهم "خضار". ولو كانت للعرب مياه فائضة، وأمطار غزيرة لما كرهوا الزراعة، ولما ازدروا شأنها، فحرمانهم من الماء جعلهم يستحقرون شأن الزراعة؛ لأنهم لم يتذوقوا ثمرتها ولم يشعروا بخبراتها، ولهذا اختلف عنهم أهل اليمن وبقية العربية الجنوبية ومن جد عندهم الماء، فغرسوا وزرعوا واعتبروا الزراعة نعمة، وتقدموا إلى آلهتهم لكي تبارك في زرعهم وتنعم في حصادهم وتعطيهم غلاث وافرة كثيرة. وجو جزيرة العرب جو من أجواء البلاد الحارة الجافة. وأمطاره على العموم قليلة، ولا سيما في أواسط جزيرة العرب. وقد تنحبس في بعض السنين انحباسًا تامًّا، فيسبب انحباسها هذا كارثة ومصيبة، يجف في أثنائها العشب، وييبس كل أخضر، فلا تجد الإبل لها طعامًا، ولا يكون في وسع أهلها تقديم طعاما لها لعدم وجوده عندهم، وقد ينفق مالهم من العطش والجوع، فيصاب أصحابها بخسائر كبيرة، وقد يهلك عدد من الناس قبل بلوغهم موضع ماء، إما من شدة الحر والعطش والجوع، وإما من السيف الذي لا بد لهم من استعماله لاجبار أهل الماء على السماح لهم بمشاركتهم لهم إياه، أو بالاستحواذ عليه ونزلهم به، وطردهم أصحابه عنه إلى أماكن أخرى، أو بهروبهم من هذا الموضع لقوة أصحابه ولتمكنهم من رد الطامعين عنه. وتتساقط الأمطار في العربية الغربية والعربية الجنوبية، ولكن سقوطها ليس منتظمًا وعلى طول أيام السنة. وقد تثور السماء فجأة على الأرض، فترسل عليها سيلًا مدرارًا، يكتسح ما يجده أمامه من إنسان وحيوان وكل عائق، ليجد له سبيلًا إلى أرض منخفضة أو إلى أودية، ثم لا يلبث أن يختفي ويزول؛ لأن عمره قصير في الغالب، إذ تبتلعه أرض رملية، فيغور إلى باطنها ليكون مياهًا جوفية، وقد تبتلعه البحار، إذ يسيل بشدة إلى الأودية المنحدرة الشديدة الانحدار فيتوجه مسرعًا نحو البحر، فيذهب فيها هباءً من غير أن يفيد أحدًا من الناس أو أن يغيثهم بشيء. وفي كتب أهل الأخبار قوائم بسيول كثيرة مهلكة مدمرة وقعت قبل الإسلام وبعده. والأمطار في جزيرة العرب هي قليلة على العموم، مقدار ما يتساقط منها

стр. 4376

لا يسد رمق الزرع ولا يغني الزراع ولا يكفي في بعض السنين لانبات الخضرة ولظهور الكلأ، وقد يستمر هذا المعدل سنين، فيتضايق الناس، وقد ترد بعدها سنين ينهمر فيها المطر انهمارًا، فيسقط من السماء وكأنه ماء انهمر من أفواه قرب، فيسبب سيولًا تؤذي الناس ولا تنفعهم، وقد يستمر هطول المطر على هذا المعدل من الشدة عدة سنين، ثم يقف فيشح، وتبخل السماء، فلا تعطي الأرض من غيثها إلا قليلًا، وقد تبخل بخلًا شديدًا فلا تعطيها منه شيئًا يذكر، فيتضايق الناس، ويعيشون عندئذ عيشة صعبة قاسية، قد تضطرهم إلى الارتحال إلى مواضع أخرى بحثًا عن الكلأ والماء. وقد يكون انحباس المطر، ظاهرة موضعية، تصيب موضعًا، ولا تصيب مواضع أخرى، وقد يكون عامًا، يصيب أكثر جزيرة العرب أو كلها. وتكون شدته عندئذ في هذه الحالة أعم وأشد، وضرره في الناس أكثر، فأينما ترحل القبائل لا تجد أمامها إلا القحط والمحنة، وقلة الماء والغذاء، أي "القحط" والجدب والمحل. و"القحط" الجدب من أثر احتباس المطر، فيتأذى الناس، ويقل الطعام وترتفع أسعاره. ويعيشون في شدة١. ويلازم القحط في الغالب، اختفاء الطعام وارتفاع ثمنه. فالقحط ملازم إذن لانحباس المطر، ويلازمه الجوع وارتفاع السعر، وقلة الطعام، واختفاؤه من السوق، بسبب الخزن أملًا في الحصول على ربح ومكسب، أو بسبب قلة حاصل الموسم. ويقال أقحط القوم، أي أصابهم القحط، وكان ذلك في إقحاط الزمان. وقد يعقب انحباس المطر ظهور الملح في طعم مياه الآبار والعيون٢، حتى قد يصير الشرب منها صعبًا، والزرع عليها غير ممكن. فيضطر أصحابها عندئذ إلى تركها والارتحال عنها إلى مواضع أخرى، يحفرون فيها آبارًا جديدة، تكلفهم مالًا وجهدًا، وقد لا يجدون في الأرض الجديدة، ماءً عذبًا سائغًا فراتًا للشاربين، وقد لا يجدون فيها ما يكفيهم لشربهم ولشرب أموالهم، مما يحملهم على الارتحال إلى أرض أخرى، أو على التشتت والتبعثر، بسبب عدم وجود الماء أو عدم سده حاجتهم.

стр. 4377

ويقال للسنة وللأرض التي لم يصبها المطر، "الجماد"، وسنة جامدة لا كلأ فيها ولا خصب ولا مطر. وأرض جماد، يابسة لم يصبها مطر ولا شيء فيها١. وهي من السنين الحرجة في حياة العرب، المؤذية المهلكة للأنفس وللمال. ويقال للمحل "الجدب". والجدب نقيض الحصب٢. و"المحل" الجدب وانقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ، وتعد أيام المحل من شر الأيام، يقال: "زمان ماحل"، و"مكان ماحل"، و"بلد ماحل"، و"أرض محل"، وأرض محلة ومحول، يريدون بالمحل الشدة والجوع الشديد وإن لم يكن جدب، على سبيل المجاز ؛ لأن المحل الجدب ويبس الأرض وانقطاع المطر، فتشتد حالة الناس، ويطهر الجوع ويعيش الناس في ضنك شديد٣. ويقال لمثل هذه السنين الشديدة، التي تجف فيها المراعي، ويصاب الناس فيها بأزمة شديدة، سنة جرداء، وسنة الجمود لجمود الرياح فيها وانقطاع الأمطار وذهاب الماشية وهزالها وثبات الغلاء، ويقال لها الحطمة والأزمة واللزبة والمجاعة والرمد، وكحل والقصر والشدة والحاجر، وما شاكل ذلك من ألفاظ فيها معاني الشدة والفقر والجوع٤. وكان منهم من يتصور أن نجوم الشتاء هي سبب نزول الغيث، ولذلك كانوا إذا لم يمطروا، وانحبست السماء عندهم يقولون: "أحجرت النجوم". قال الراجز: إذا الشتاء أجحرت نجومه ... واشتد في غير ثرى أزومه ومن المجاز أجحر القوم، إذا دخلوا في القحط. والجحرمة الضيق٥. ولبس أشد على العرب وأضيق في انحباس المطر عنهم.

стр. 4378

وإذا أمطرت السماء، واستبشر الناس خيرًا، فالمطر خير وبركة ونعمة. يعقبه ربيع مفرح مبهج، تسمن فيه إبلهم ومواشيهم، ويكثر ولدها، فتنمو أموالهم، وكانوا يقولون إذا ألبنوا وسمنت إبلهم: "كان ربيعنا مملوحًا"١. وقد تهب بعض الرياح فتنكب الناس بأنفسهم وبأموالهم وتؤذيهم، لذلك يسمونها "النكباء"، و"النكباء" ريح انحرفت ووقعت بين ريحين. وهي تهلك المال وتحبس القطر. ذكر أنها تهب بين الصبا والشمال، والجربياء التي بين الجنوب والصبا، وذكر بعضهم أن نكب الرياح أربع: الأزيب، وهي نكباء الصبا والجنوب، مهياف ملواج ميباس للبقل، وهي التي تجيء بين الريحين، وذكر بعض آخر أن الأزيب، هو الجنوب لانكباؤها. والثانية الصابية، وتسمى النكيباء أيضًا، وهي نكباء الصبا والشمال، معجاج مصراد لا مطر فيها ولا خير عندها. والثالثة الجربياء، وهي نكباء الشمال والدبور، وهي قرة وربما كان فيها مطر قليل، وهي نيحة الأزيب. والرابعة الهيف، وهي نكباء الجنوب والدبور، وهي نيحة النكيباء٢. وقد تأتي السماء بسحب كثيفة من جراد، فلا تهبط مكانًا إلا جردته. والجراد من شر الآفات والنوازل التي تنزل بالزرع، يجرده جردًا وينزل الخسائر بأصحابه، أضف إلى ذلك الأوبئة والأمراض التي كانت تهب بين الحين والحين، فتصيب الإنسان أو الحيوان أو الزرع، وهو عاجز إذ ذاك عن مقاومتها وعن التغلب عليها، نضيف إليها الحميات التي كانت قد عششت في مواضع المياه، كالعيون، فكانت تصيب الناس، ولا يكاد يسلم منها إنسان، فقد عرفت "خيبر" بالحمى، حتى قيل لها "حمى خيبرية" أو "خيبرية"، وعرفت يثرب بالحمى أيضًا، وعرفت مواضع من وادي القرى، بالحمى كذلك، كما عرفت "هجر" في العربية الشرقية بهذا الوباء كذلك. ويتضايق الإنسان في التهائم من أثر الحرارة المتشبعة بنسب عالية من الرطوبة. ودرجات الحرارة فيها وإن كانت دون درجتها في الأماكن الأخرى في الأغلب، غير أن اقترانها بالرطوبة العالية جعلتها حرارة تضايق الإنسان إلى حد مزعج، تبعث على الاسترخاء والكسل، حتى صيرت الجسم خاملًا، خال من الحيوية

стр. 4379

والنشاط. غير فعال لا يستطيع أن يعمل بنشاط وهمة أهل الأجواء المعتدلة أو الحارة الجافة، وعلى الرغم من ارتفاع نسبة الرطوبة في هذه التهائم وتشبع هوائها ببخار الماء، فإنها لم تحظ بدرجة عادلة من المطر، يخفف من شدة وطأة الحرارة فيها. ويسقي أرضها سقيًا كافيًا لتنبت لسكانها ما ينبته الجو الاستوائي المشبع بالرطوبة المذابة في الحرارة المشابه لجو هذه التهائم في البلاد الأخرى. فحرمت من الغابات ومن الأشجار الضخمة ذات الخشب الصلد، ومن الأدغال التي تؤوي الوحوش، ومن المياه الفوارة المتدفقة، ومن الحشائش، ومن أمثال ذلك مما يرى في البلاد ذات المناخ المتشابه، مما يكون ثروة لسكانها، قد تعوض عن حرمانهم من الجو المعتدل، أو الجو البارد المنشط. وتخف الرطوبة ويقل شأنها وتذهب حدتها كلما ابتعد الإنسان عن الساحل، فيزداد الجفاف في الجو حتى يبلغ أقصاه في البواطن، فيشعر الإنسان عندئذ بانطلاق في جسمه وبشيء من النشاط في حركته، وبحدة في ذهنه؛ لأنه يجد أمامه مناخًا أصح وأصفى من مناخ السواحل، هواؤه جاف في الشتاء وفي الصيف، البرودة فيه في موسم الشتاء أظهر وأبرز من برودة الأشتية في التهائم، والحر فيه في الصيف أخف على الجسم بكثير من حر صيف السواحل. أما المطر، فنسبة سقوطه في الباطن أقل من نسبة هطوله على التهائم وفي العربية الجنوبية. وقد عوضت الطبيعة أهل البواطن عن شح مطرها هذا، بإرسال ألوان وأشكال من الأهوية والرياح والعواصف عليهم، تحمل بعضها في أمواجها سحرًا عجيبًا ينعش الروح والبدن، إذا مس إنسانًا أنساه شظف عيشه وغلظ الجو الذي يعيش فيه، وصيره يحس وكأنه ملك الملوك، وصاحب خزائن الأرض، وإذا مست عصاه أحدًا من أصحاب الحس المرهف، أثارت فيه قريحته، فصيرته شاعرًا ينظم إحساسه بكلم موزون مقفى، وبشعر غزلي، يتغزل فيه، يتغزل بتلك الأهوية، التي لمست جسمه، وأغرقت فمه ووجهه بقبلاتها الحبيبة المثيرة، التي أنسته أشجانه وما يلاقيه في حياته من ضيق وشح، وهو ما يكاد يفيق من حلم حبه هذا، حتى يفاجأ بأعاصير ورياح الواقع، تعصف به وبخيمته الخفيفة، وبماله، تتلاعب به، وقد ترشق وجهه بموجات متعاقبة من سموم مشبع برمال، تجعله يغمض عينيه ويسد فمه، ويبرقع وجهه يبرقع ليقيه من هذه الرياح العاتية التي تحرشت به من غير سبب، مع أنه إنسان مسكين قنوع، لا دخل له في وجوده في هذا المكان،

стр. 4380

ولد فيه عن غير عمد ولا اختيار، وسيموت فيه وهو لا يدري لم يموت، ولم عاش، وإلى أين ذاهب، فإذا ذهبت وولت، وركد الجو واستقر، جلس تحت خيمته التي لا تقيه من حر ولا من برد، ولا من شمس ولا من مطر: إلا بقدر، ليستجم ويستريح، أو ليستلقي على أرضها، وليتناول أكله، وهو أبسط أكل يأكله إنسان في هذه الحياة من غير شك. والسعيد في جزيرة العرب من ولد في مستوطنة ذات ماء، فهو في عيشة هنيئة راضية، في بيت مهما كان نوعه، فإنه أحسن حالًا على كل حال من بيوت الوبر أو الشعر، يستطيع أن يشرب فيه ماءً يتناوله له من منبعه، لا من قرب خزن الماء فيها أيامًا، وأن يرى نخلًا وشيئًا من شجر وخضرة وزرع، وصوت رجال ونساء وأطفال، وبعض بائعين وبائعات. أي حياة جماعة. وهو أكثر سعادة وحضارة إن كانت مستوطنته على ملتقى طرق، تمر بها القوافل لتمتار منا ميرة الطريق، ولتأخذ منها الماء ولتسقي إبلها وترويها، ولشتري منها ما تجده من حاجات ضرورية ومن منتوجات موضعية، تحتاج إليها، أو يمكن بيعها في مواضع أخرى. وفي هذه المواضع نجد الحضارة الجاهلية ومن آثارها نستنبط التأريخ الجاهلي، وفيها نرى معدن الرقة وموطن اللين والدماثة، لما فيها من ظرف تهدأ النفس وتريح الأعصاب، فصار أصحابها من ثم ألين عريكة وأسهل انقيادًا من الأعراب الذين ولدوا في محيط خشن، ونشأوا من خشونة، فصار طبعهم من ثم غليظًا خشنًا، وهو لا يمكن أن يكون إلا كذلك، وليس له دخل في ظهور هذا الطبع عنده. ومن هنا صار أهل اليمن من ألين العرب عريكة، ومن أكثرهم تعاونًا فيما بينهم. جاء في الحديث: "أن رجلًا من أهل اليمن قال للنبي، ﷺ : إنا أهل قاه، فإذا كان قاه أحدنا دعا من يعينه فعملوا له، فأطعمهم وسقاهم من شراب يقال له المزر، فقال: أله نشوة؟ قال: نعم. قال: فلا تشربوه. قال أبو عبيدة: ألقاه سرعة الإجابة وحسن المعاونة، يعني أن بعضهم يعاون بعضًا، وأصله الطاعة. وقيل المعنى: إنا أهل طاعة لمن يتملك علينا، وهي عادتنا لا نرى خلافها، فإذا أمرنا بأمر أو نهانا عن أمر أطعناه، فإذا كان قاه أحدنا، أي ذوقاه أحدنا دعانا إلى معونته. وقال الدينوري: إذا تناوب أهل الجوخان، فاجتمعوا مرة عند هذا ومرة عند هذا وتعاونوا على
следующие страницы →