← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

ويقال للسفينة: "البارجة" أيضًا، والجمع "البوارج". وذكر أنها السفن الكبار، وأنها سفينة من سفن البحر تتخذ للقتال١. و"القرقور": ضرب من السفن، وقيل: هي السفينة العظيمة أو الطويلة والقرقور من أطول السفن. وجمعه قراقير. وفي الحديث: "فإذا دخل أهل الجنة الجنة ركب شهداء البحر في قراقير من در"٢. و"الخلية" العظيمة من السفن، والجمع خلايا. قال طرفة: كأن حدوج المالكية، غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد وقال الأعشى: يكب الخلية ذات القلاع ... وقد كان جؤجؤها ينحطم٣ وقيل: هي التي يتبعها زورق صغير٤. وذكر أن من أسماء السفن الكبيرة "الخلج". وقيل: إنها دون العدولية. وأما "الصلفة" فسفينة كبيرة، و"الزنبرية" نوع من أنواع السفن الكبيرة٥. و"القادس": السفينة العظيمة، وقيل صنف من أصناف المراكب، أو لوح من ألواحها٦. وقد ضرب "لبيد بن ربيعة العامري" مثلًا بسفينة "الهندي" في طولها وعرضها وفي إحكام عملها، عملها صانعها من صفائح مشبوحة ودهنها وسد المسافات التي تكون بين صفائح الخشب حتى لا ينفذ منها ماء البحر٧. مما يدل بالطبع على وقوفه عليها وعلى شهرة تلك السفن في تلك الأيام.

стр. 4657

وقد أشار بعض الكتبة من اليونان واللاتين إلى نوع من السفن دعوه "Madarata"، ذكروا أن ميناء "عمانه" "Omana" كان قد اشتهر ببنائه. وقد صنعت هذه السفن من الألواح المشدودة بالليف. وقد رأى بعض الباحثين أن هذه اللفظة من أصل عربي، هو "مدرعات"، ويراد بها السفن المشدودة بدروع النخل. ورأى آخرون أنها من أصل "Mabarata"، جمع "معبر" من أسماء السفن في لغة بني "إرم"١. وذكر علماء اللغة أن "المعبر" ما عبر به النهر من فلك أو قنطرة أو غيره، والمعبرة سفينة يعبر بها النهر٢. فالمعابر إذن من الوسائل المستعملة في عبور النهر على ما يظهر من شرح أولئك العلماء. وقريب من هذا الوصف وصف نوع من السفن عرف بـ"العمائم". ذكر علماء العربية أنه: عيدان مشدودة تركب في البحر ويعبر عليها٣. وهو نوع بدائي بالطبع لا يمكن أن يقارن بالسفن التي كانت عند الرومان واليونان. و"الطوف" قرب ينفخ فيها ويشد بعضها إلى بعض، فتجعل كهيئة السطح يركب عليها في الماء ويحمل عليها الميرة والناس، ويعبر عليها، وهو الرمث. وربما كان من خشب والجمع أطواف. وذكر بعض العلماء أن الطوف التي يعبر عليها الأنهار الكبار تسوى من القصب والعيدان يشد بعضها فوق بعض، ثم يقمط بالقمط حتى يؤمن انحلالها ثم تركب ويعبر عليها، وربما حمل عليها الحمل على قدر قوته وثخانته، ويسمى: "العامة"٤. والرمث خشب يضم بعضه إلى بعض كالطوف ويركب عليه في البحر، وفي الحديث أن رجلًا أتى النبي، ﷺ ، فقال: إنا نركب أرماثًا لنا في البحر ولا ماء معنا، أفنتوضأ بماء البحر، فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته. قال أبو صخر الهذلي:

стр. 4658

تمنيت من حبي علية أننا ... على رمث في الشرم ليس لنا وفر١ وذكر علماء العربية اسم نوع من السفن قالوا له: "البوصي". وقالوا أنه فارس معرب، وأن الكلمة وردت في شعر للأعشى٢. وذكر أن "البوصي" الملاح، وقيل الزورق، وأن الكلمة معربة "بوزي"٣. وذهب بعض علماء اللغة إلى أن "العدولية" الواردة في قول طرفة بن العبد: عدولية أو من سفين بن يامن ... يجور بها الملاح طورًا ويهتدي سفنًا منسوبة إلى قرية بالبحرين يقال لها "عدولي"، أو إلى قوم كانوا ينزلون هجر، أو إلى عدول، رجل كان يتخذ السفن٤. ولا يستبعد أن يكون مراد الشاعر من السفن "العدولية"، السفن القادمة من ميناء "أدولس"، "عدولي" ميناء تجاري على ساحل الحبشة اشتهر بالتجارة قبل الإسلام. ويظهر من شعر طرفة المذكور، أن رجلًا اسمه "ابن يامين" كان تاجرًا يملك سفنًا، وأن سفنه كانت تمخر العباب. وذكر أيضًا أنه كان بحارًا، وورد "ابن نبتل" بدلًا من "ابن يامين"٥. وذكر علماء اللغة أن من أسماء المراكب المائية الصغيرة: الزورق والقارب والركوة. والزورق، السفينة الصغيرة، وقيل هو القارب الصغير٦. و"الركوة" زورق صغير٧. وقد عرفت السفن المستعملة في القتال بأسماء خاصة، منها البارجة، وهي سفينة من سفن البحر تتخذ للقتال٨.

стр. 4659

والشراع هو "ماكنة" السفينة وقوتها المحركة الدافعة لها. ويقال له "القلع" أيضًا١، وجل كذلك٢. وقد ذكر علماء اللغة، أن الشراع كالملاءة الواسعة فوق خشبة من ثوب أو حصير مربوع وتر على أربع قوى، تصفقه الريح فيمضي بالسفينة٣. ويظهر من هذا الوصف أن أشرعة أهل الجاهلية كانت بسيطة، ولم تكن متداخلة كأشرعة الروم. والشراع البسيط على النحو المذكور، يكون ضعيفًا فاتر الهمة لا يتمكن من دفع السفن الكبيرة، بل وقد لا يتمكن حتى من دفع السفن الصغيرة بسرعة، بسبب صغر حجمه، ثم إنه لا يتمكن من الاستفادة من قوة الريح، ومن استخدام هذه القوة في توجيه السفينة بسرعة نحو هدفها، والسير بها في عرض البحر، بينما يتمكن الشراع المكون من عدة أقلعة، من الاستفادة من الريح، ومن دفع السفينة دفعًا سريعًا، ومن حملها إلى عرض البحر، فيقلص من المسافات ويبعدها عن أخطار لصوص البحر، ولذلك لم تتمكن سفن أهل الجاهلية من مواجهة سفن الروم ومن تحديها، حين دخلت سفنهم البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط. والدقل: سهم السفينة، وهو خشبة طويلة تشد في وسط السفينة، يمد عليها الشراع٤. والجؤجؤ: صدر السفينة٥، و"المرنحة": صدر السفينة كذلك٦. وعرف "الدقل" بـ"الدوقل" كذلك، وتسميه البحرية "الصاري"٧. و"الصاري" الملاح أيضًا، لحفظه السفينة٨. و"القب"، رأس الدقل، و"القرية" خشبة مربعة على رأس القب٩. وأما الذي يعدل اتجاه السفن ويغير من اتجاهها، فهو "السكان"، وهو "الكوثل" أيضًا. وذكر أيضًا أن "السكان" ما تسكن به السفينة تمنع به

стр. 4660

من الحركة والاضطراب١. وذكر بعض علماء العربية أن "الكوثل" مؤخر السفينة، وفيه يكون الملاحون ومتاعهم٢, والأغلب أنه "السكان"، ويعبر عنه بـ"الخيزرانة" كذلك٣. وبلفظة أخرى هي "الدويطرة". وقد عرفت بأنها كوثل السفينة٤. ويعرف سكان السفينة بـ"الخيزرانة" وبـ"الخيزران". قال النابغة يصف الفرات وقت مده: يظل من خوفه الملاح معتصمًا ... بالخيزرانة بعد الأين والنجد٥ ويستعمل الملاحون "المجاديف" "المجاذيف" في تجديف السفينة٦. و"المجداف" خشبة رأسها لوح عريض تدفع بها٧. ويقال له "المقذف" و"المقذاف" أيضًا٨. ولم يتطرق علماء اللغة ولا أهل الأخبار إلى عدد "مجاديف" السفينة الواحدة، أي إلى عدد رجالها الذين كانوا يجدفون بالمجاديف، فالسفن الكبيرة الضخمة تحتاج إلى عدد من المجدفين، قد يبلغون العشرات، وقد كانت سفن الروم، ذات طابقين بالنسبة للمجدفين، فيجلس عدد منهم في الطابق الأسفل، ويجلس فوقهم عدد آخر من المجدفين، لتسير السفينة بسرعة، وقد استخدموا هذه الطريقة في سفنهم الحربية بصورة خاصة؛ لأنها سفن، يجب أن تعتمد على السرعة وعلى خفة الحركة لتتمكن من التغلب على سفن الأعداء. وأما "المردي"، فخشبة يدفع بها الملاح السفينة. وذلك كي يحركها عند

стр. 4661

الشواطئ والسواحل حيث تكون المياه ضحلة١. والقيقلان خشبة يدفع بها السفينة أيضًا٢. ويقال للذي يشتغل في السفينة ويعمل على تسييرها "الملاح"، ويقال له "صار" و"الصاري" أيضًا٣. وحرفته "الملاحة". ويقال للملاح: "السفان" كذلك، وهو الذي يشتغل في السفن، ويعبر عنه بـ"النوتي"٤. والجمع "نوتية" و"نواتين". "وفي حديث علي، كرم الله وجهه: كأنه قلع داري عنجه نوتية". وورد أن "النوتي" البحار، وهو من كلام أهل الشأم٥. واللفظة من أصل يوناني٦. و"الربان"، أو "ربان السفينة"، هو قائدها الذي يجريها. ويرى علماء اللغة أنها دخيلة معربة٧. ويقال للموضع الذي ترفأ إليه السفن "المرفأ". من أصل "رفأ" بمعنى أدنى. وورد في حديث "تميم الداري": "أنهم ركبوا البحر ثم أرفأوا إلى جزيرة"٨. ويعبر عن "المرفأ" بلفظة "الكلاء" و"المكلا" أيضًا؛ لأنه يكلأ السفن من الريح، وذلك بحبس السفن فيه لحمايتها من الريح ولإنزال ما فيها، وأخذ ما فيه من تجارة وناس٩. ويقال للمرفأ "الميناء" كذلك، وعرفوه بأنه الموضع الذي ترفأ فيه السفن١٠. كما يقال له: "فرضة"

стр. 4662

و"فرضة البحر"١ و"المرساة"، البقعة التي ترسو فيها السفينة٢. ومن مصطلحات السفن في العربية، الشحن، فيقال شحنت السفينة شحنًا بمعنى ملئت، ومخرت السفينة، أي جرت٣ وحبت السفينة، أي جرت٤، وجنحت السفينة جنوحًا إذا انتهت إلى الماء القليل فلزقت بالأرض فلم تمض، وجمحت جموحًا إذا تركت قصدها فلم يضبطها الملاحون، ويقال ماهت السفينة إذا دخل فيها الماء، ورست وأرست، إذا بلغ أسفلها القعر فثبتت، وإذا أرسيت وسخرت أطاعت وطاب لها السير، وحدرت السفينة أحدرها، وتقاذفت في البحر جرت، وشجت البحر قطعته٥. وهناك مصطلحات عديدة أخرى يشير ورودها في اللغة إلى معرفة في البحر وفي استخدام السفن في البحار. وعند دنو السفينة من الأماكن التي تريدها، ترسو في مرفأ لتفرغ حمولتها أو لتحميلها أو لتزود بما تحتاج إليه من زاد وطعام، فتلقي بمراسيها في المرفأ تثبيتًا لها فلا تتحرك ولا تأخذها الأمواج ولا الرياح. ويسمى الملاحون المرساة "الأنجر"، ويكون من الخشب الصلب الثقيل أو حديدًا أو حجرًا كبيرًا، وقد يكون على شكل كرة، وقد يكون على شكل مربع أو مستطيل، أو على شكل "خطاف" أو حديد محجن٦. فإذا أرادت السفينة الرسو أنزل إلى الماء ليستقر على القاع فتثبت السفينة٧. وقد وصف "الأنجر"، أنه خشبات يخالف بينها وبين رؤوسها وتشد أوساطها في موضع واحد، ثم يفرغ بينها الرصاص المذاب فتصير كصخرة، ورؤوس الخشب ناتئة تشد بها الحبال وترسل في الماء إذا رست السفينة، تعريب لنكر من أصل فارسي٨. وقد ذكر علماء اللغة أن "السبابجة"، هم قوم من السند يستأجرون ليقاتلوا، وكانوا قومًا جلاوزة وحراس السجن في البصرة أيام الإسلام. وكان رئيس السفينة

стр. 4663

البحرية يستأجرهم ليكونوا معه يبذرقونها، أي يخفرونها ويقاتلون من يتصدى لها بسوء١. وقد كانت بالأبلة التي عاشت قبل البصرة جاليات جاءت إليها من الهند، فقد كان الاتجار بين الهند وجنوبي العراق وسواحل جزيرة العرب اتجارًا قديمًا، وقد أقامت جاليات أخرى منها في مواضع من هذه السواحل، وقد أشرت إلى عثور العلماء على هياكل بشرية بأرض عمان، تمثل "الدرافيديين"، أي سكان الهند القدامى، وإلى وجود أثر لملامح هندية في سكان ساحل عمان تظهر عليهم حتى اليوم. وصناعة السفن الكبيرة تحتاج إلى أخشاب صلدة قوية وإلى مسامير من حديد تستعمل في ربط الألواح والأخشاب بعضها ببعض، وإلى أيدي فنية عاملة، وعلم بهندسة بناء السفن. ولم تتيسر هذه الأشياء في جزيرة العرب. فالخشب الصالح لبناء السفن غير موجود في أكثر أنحائها، ولهذا اقتصرت صناعة السفن على السفن الصغيرة في الغالب، وهي سفن ليس في مقدورها اختراق آفاق البحار الكبيرة والمحيطات، والتجول بحرية في أية ناحية كانت من نواحي البحر الواسعة. ولم يكن لها إلا السير في محاذاة السواحل، وهو سير يكلفها كثيرًا، فعلى السفن أن تقطع مسافات طويلة معرضة نفسها لمخاطر الاصطدام بالصخور الكامنة في المياه ولهجمات لصوص البحر الجائعين وللجوء إلى مراسي كثيرة طلبًا للماء العذب والزاد، ولتمضية وقت طويل، على حين لا تحتاج السفن الكبيرة إلى كل ذلك، فهي قادرة بفضل متانتها وقوة صنعها من اختصار المسافات وتقصير الوقت وحماية نفسها من هجمات لصوص البحر باستخدام الرياح البحرية، وقطع البحر باستقامة وبحرية إلى أي ميناء يريده الربان. وكان على أصحاب معامل السفن العرب استيراد الخشب القوي الصالح لبناء السفن من الخارج، أو شراء السفن جاهزة من الأسواق الخارجية، وفي كلتا الحالتين يتكلف المشتغلون بالتجارة البحرية تكلفًا باهظًا، ويكونون عالة في قوتهم وفي أعمالهم على الخارج. وهذا ما سهل للرومان واليونان والفرس مزاحمة الدول العربية الجنوبية في البحر الأحمر وفي المحيط الهندي، ومن إنزال خسائر فادحة في ثروة العرب، أثرت أثرًا كبيرًا في الأوضاع السياسية والاقتصادية لجزيرة العرب،

стр. 4664

كما أثرت عليها من الناحية العسكرية إذ جعلت السواحل مكشوفة مفتوحة من الوجهة الحربية فأنزلت الدول الكبرى في مواضع منها قواتًا لحماية مصالحها التجارية وقوافلها البحرية وذلك قبل الميلاد وبعد الميلاد إلى ظهور الإسلام. والساج من أثمن الأخشاب وأنفسها في صناعة السفن، فهو خشب مقاوم صلب، وقد استورد من الهند١. ويظهر أنه هو الخشب الذي ذكر "ثيوفراستسوس" "Theophrastus"، أنه كان بجزيرة "تيلوس" "Tylus"، ويقصد بها البحرين، والخشب الذي كان في ميناء "عمانة" عمان الذي أشار إليه صاحب مؤلف "الطواف حول البحر الأريتري"، والذي ذكر أنه خشب مستورد من ميناء "بريجازا" بالهند٢. وقد صنع الجاهليون سفنهم وقواربهم بأيديهم، مستعينين بالخشب المستورد وبالخشب المحلي. صنعوها في مواضع متعددة من سواحل جزيرة العرب، ولا سيما على سواحل الخليج، حيث تيسر لسكانها استيراد الخشب الصالح لبناء السفن من الهند. وهي صناعة لا تزال حية، إلا أن الهرم بدأ يظهر عليها، وأخذت تتقلص، وأوشكت على توديع الدنيا، لتراكم الأمراض عليها، ولعجزها عن مد نفسها بمقومات الحياة الملائمة لعصر السرعة. وتتكون السفن الكبيرة الجدية من سقائف، وهي ألواح السفينة. وكل لوح سقيفة٣. وقيل إن اللوح من ألواح السفينة، هو القادس٤. وأما ما بين كل خشبتين من السفينة، فيقال له الطائق٥. وتخرز السفن بالليف، ويجعل في خللها القار٦. والجلفاظ الذي يجلفظ السفن، وهو أن يدخل بين مسامير الألواح، وخروزها مشاقة الكتان، ويمسحه بالزفت والقار٧. وقد تطلى السفن بالقار، وتدسر. ويراد بالدسر المسامير لغاية التسمير والتدسير٨. ويقال للموضع الذي يجتمع

стр. 4665

فيه الماء الراشح جمة المركب١. ولم ترد في نصوص المسند المصورة صورة سفينة نهتدي بها إلى معرفة أشكال السفن عند العرب الجاهليين. كذلك لم يعثر المنقبون حتى الآن على صورة لها في النصوص التي ظفر بها في أماكن أخرى من جزيرة العرب. ولا يستبعد أن تكون سفن العرب أنواعًا متعددة، بحسب أغراضها ووفرة الخشب الصالح لبناء السفن، وعلى قدر اختلاط سكان سواحل الجزيرة بغيرهم من أصحاب السفن. ولا أستبعد أن يكون أهل العربية الجنوبية والعربية الشرقية قد تأثروا بصناعة السفن اليونانية والساسانية والهندية والإفريقية لاختلاطهم بهم، ومجيء سفن هؤلاء إلى مراسي السواحل العربية، ولتمكنهم من شراء الخشب الصلد الصالح لبناء السفن من إفريقية والهند. ولم تتمكن سفن ذلك اليوم، وحتى أعظمها وأكبرها من مناطحة عواصف البحار ومقاومة أمواجها، فكثرت أمراضها وعللها، وفي جملتها الخروق التي كانت تصيب مواضع اتصال ألواحها، فتفكك أوصالها فتهلك، ويتعرض أصحابها إلى خسائر كبيرة، أضف إلى ذلك تعرضها إلى تحرش لصوص البحر بها، الذين كانوا يترصدون السفن، فإذا وجدوا فرصة مناسبة، هاجموها لأخذ ما قد يقع في أيديهم من حمولتها النفيسة. ولهذا كانت أجور نقل التجارة بالسفن عالية، لتعوض عن خسائر السرقة والغرق، ثم إن أجواف تلك السفن كانت صغيرة، لا تتحمل حملًا كثيرًا، فصار أصحابها لا يحملونها إلا السلع الغالية التي لا تحتاج إلى مكان كبير والتي تتحمل أرباحها دفع الأجور الغالية عن نقلها إلى المواضع التي يراد إيصالها إليها. ولا يتسع هذا المكان لذكر كل الألفاظ والمصطلحات التي لها علاقة بالبحر، فهناك أسماء لمختلف أنواع السفن، وأسماء أدوات كثيرة استعملت في السفن، وأسماء للساحل وللجزر وللنباتات البحرية وغير ذلك وردت في كتب اللغة، وإليها يجب أن يرجع من يريد المزيد من هذه الألفاظ والمصطلحات، غير أن علينا أن ننتبه إلى أن في هذه المصطلحات، مصطلحات عديدة دخلت العربية في الإسلام. وتفيدنا هذه الألفاظ والمصطلحات فائدة كبيرة في الوقوف على مدى تأثر البحرية

стр. 4666

العربية الجاهلية بالبحرية الأجنبية، وذلك بدراسة أصول هذه الألفاظ، والمصطلحات لمعرفة المكان الذي جاءت منه والشعب الذي مون البحارة العرب بها. ونجد في مصطلحات البحر ألفاظًا يونانية، وألفاظًا لاتينية، وألفاظًا فارسية، وألفاظًا حبشية، ودخول هذه الألفاظ اللهجات العربية دليل على تأثر البحرية العربية ببحرية تلك الأمم واتصالها بها وأخذها منها. وقد أشار علماء اللغة إلى أصول بعض هذه الألفاظ، فذكروا أنها أعجمية. ولما كان علمهم باللغات الأعجمية غير الفارسية محدودًا، لم يتمكنوا من تشخيص أصول بعض المصطلحات المعربة عن اليونانية أو اللاتينية أو الحبشية أو الهندية، فرجعوها إلى أصل فارسي في الغالب، وهي ليست من الفارسية في شيء. ولم يرد في الكتابات الجاهلية ما يفيد بدخول أهل العربية الغربية البحار، والأخبار الإسلامية لا تشير إلى ذلك أيضًا، بل الذي يفهم منها أن أهل الحجاز لم يكن لهم نصيب في البحر، وأنهم كانوا يركبون البحر في سفن حبشية توصلهم إلى السواحل الإفريفية للاتجار هناك. ولما خرج المسلمون الأولون مهاجرين إلى الحبشة، انتهوا إلى "الشعيبة"، فوجدوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار١. و"الشعيبة"، مرسى السفن من ساحل بحر الحجاز، وكان مرسى مكة قبل جدة٢. ونجد في خبر عودة المهاجرين من الحبشة، أنهم حملوا في سفينتين، حملهم عليهما النجاشي. أي أن السفينتين كانتا من سفن الحبش٣. ولم يرد في الخبر، اسم الموضع الذي أبحروا فيه منه إلى الحجاز، ولا اسم المرسى الذي رست السفينتان فيه، واتجه المسلمون منه إلى يثرب. ويظهر أن تلك السفن كانت صغيرة مكشوفة الجوانب ولم تكن تتسع لعدد كبير من المسافرين، حتى أن حركات المسافرين كانت تؤثر فيها. روي أن "جعفر بن أبي طالب"، سأل رسول الله كيف نصلي في السفينة إذا ركبنا في البحر، لقال: صل قائمًا إلا أن تخاف الغرق، أو يصلي قائمًا إلا أن يضر بأهلها. وصلى أنس في السفينة جالسًا٤.

стр. 4667

ومما يؤسف له أن أهل الأخبار لم يذكروا أسماء المواضع التي كان يتاجر معها العرب على السواحل الإفريقية المقابلة، ولم يذكروا حتى أسماء المرافئ التي نزل بها المهاجرون المسلمون الأولون من مكة على ساحل الحبشة، ولا اسم الموضع الذي نزل به وفد "قريش" إلى الحبشة، الذي جاء لتحريض الحبش على من هاجر إليهم من المسلمين، ولم يذكروا كذلك اسم الموضع الذي أبحر منه المسلمون للعودة إلى الحجاز، يوم أرسل الرسول "عمرو بن أمية الضمري" ليعود بهم إلى يثرب، ولا اسم الموضع الذي نزلوا به من ساحل الحجاز١.

стр. 4668

الفصل المائة: التجارة البحرية ... الفصل المئة: التجارة البحرية وليس في كتابات المسند التي وصلت إلينا شيء عن التجارة البحرية. ولا يعقل بالطبع ألا يكون لسكان سواحل جزيرة العرب علم بالبحر، وإلا تكون لهم سفن مهما كان حجمها، كانوا يركبونها في اتجارهم مع إفريقية ومع بلاد الهند وإيران. فقد علمنا أن العرب الجنوبيين كانوا قد أقاموا دولة "اكسوم" في الحبشة. وقد رأينا أن من المستشرقين من يرى أن أصل كلمة "حبشت" "حبشة"، من أصل عربي، وأن "الحبشة" أرض في العربية الجنوبية في الأصل، منها هاجر الحبش، سكان تلك الأرض، وهم من العرب فنزلوا بالأرض التي سميت باسمهم في إفريقية، وقد رأينا أيضًا أن العرب امتلكوا السواحل الإفريقية المقابلة للعربية الجنوبية أمدًا طويلاً، كما امتلكوا بعضًا منها في الإسلام إلى عهد غير بعيد، ولا يعقل بالطبع ذهابهم إلى تلك السواحل ونزولهم بها بغير ركوب سفن، ولا يعقل أن يكونوا قد ذهبوا إليها بسفن أجنبية، بل لا بد وأن يكونوا قد عبروا إلى تلك السواحل بسفن كانت تعود لهم، ولا بد وأن لهم أسطول تجاري كانوا يمخرون به عباب البحار للاتجار. وقد رأينا من كتب بعض الكتبة اليونان واللاتين أن الصومال كان يحكمه حكام عرب، وأن التجار العرب كانوا يشاهدون بكثرة في "رهابتا" "Rahapta" على مقربة من "زنجبار". وأن مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري"،

стр. 4669

كان قد ذكر أن رئيس "معافر" كان يحكمها بموجب حق قديم. وأن أهل مدينة "Muza" يحكمونها باسمه، ويبعثون إليها بسفن تجارية يديرها ربابنة ووكلاء عرب ألفوا أهل البلاد، واختلطوا بهم، وصاهروهم، وخبروا الساحل، واطلعوا على لغتهم١. إن خلو كتابات المسند من كل إشارة إلى البحر وإلى السفن وإلى الاتجار مع الأقطار الواقعة على السواحل، لأمر يؤسفنا كثيرًا، فقد حرمنا الكلام على البحرية العربية وعلى علم العرب الجنوبيين بالبحار، وبات علمنا بالتجارة علمًا ضئيلًا محدودًا، وليس لنا إلا التطلع إلى المستقبل، فهو وحده الكفيل بزيادة علمنا في هذا الموضوع. وقد كان أكثر ثراء العربية الجنوبية من التجارة، التجارة البرية والتجارة البحرية، والاتجار بالمواد الناتجة في جزيرة العرب ذاتها، والاتجار بالمواد المستوردة من الخارج ولا سيما السواحل الإفريقية أو الهند. وقد كان الاتجار مع إفريقية سهلًا يسيرًا بالنسبة إلى تجار العربية الجنوبية، ولا سيما تجار اليمن. فإن الشقة بين سواحل إفريقية وسواحل اليمن ليست واسعة كبيرة، ولهذا كان في استطاعة السفن الشراعية أن تقطعها بدون مشقات وصعوبة كبيرة. تذهب إلى أفريقية تحمل إليها حاصلات اليمن، ثم تعود إليها وهي محملة بالبضائع الإفريقية الثمينة، مثل الأخشاب والعاج، وببضاعة ثمينة أخرى: بضاعة حية تتحرك وتنطق، هي الزنوج. يستوردونهم شراء من أسواق النخاسة، أو اقتناصًا من السواحل، لحاجة البلاد إلى استخدامهم في الإنتاج وفي أداء الخدمات التي يأنف العربي عادة من القيام بها. وقد كان هذا الوارد عصبًا حساسًا في الإنتاج في ذلك العهد. ولم ترد في كتابات المسند التي عثر عليها في جزيرة العرب وياللأسف معلومات عن أسفار العرب البحرية، لا إلى سواحل أفريقية ولا إلى سواحل الهند وجنوب إيران. ولكن وجود السبئيين في الساحل الإفريقي وتكوينهم حكومة هناك، ثم احتلال الحبش للعربية الجنوبية الغربية مرارًا، وذهاب المسلمين الأوائل مهاجرين إلى الحبشة، وحث الرسول لهم على الذهاب إلى أرض الحبشة؛ لأن بها ملكًا

стр. 4670

لا يظلم عنده أحد. وهي أرض صدق١. وذهاب المسلمين إلى مرسى "الشعيبة" للسفر منه بسفن التجار إليها، كل ذلك دليل على وجود اتصال بحري بين إفريقية واليمن. وقد أشرت في الجزء الثاني من هذ الكتاب، إلى عثور العلماء على كتابات معينة في جزيرة "ديلوس" Delos من جزر اليونان، وهي نصوص ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى بحثنا هذا، فإنها ترينا وصول المعينيين إلى هذه الجزيرة وإقامتهم فيها، واتجارهم مع اليونان، ومن يدري، فلعلهم كانوا قد توغلوا شمالًا أيضًا، ونزلوا بلاد اليونان، وتاجروا هناك، ومع شعوب أوروبة في ذلك العهد. وقد ورد في نص من هذه النصوص: "هنا" أي "هانئ"، و"زيد ايل" من "ذي خذب"، نصبا مذبح ود وآلهة معين بـ"دلث"، أي بـ"ديلوس" وقد كتب بالمسند، وباليونانية، وقد جاء في النص اليوناني: "يا ود إله معين يا ود". وفي هذا النص والنصوص الأخرى دلالة على وجود جالية معينية في هذه الجزيرة وسكناها فيها، وعلى تعلقها بدينها وبآلهتها وعدم تركها لها حتى في هذه الأرض البعيدة عن وطنها. ومن يدري؟ فلعلها كانت على اتصال ببلادها، وكانت تتجر معها، فترسل إليها حاصلات اليونان ومنتوجات أوروبة، وتستورد منها حاصلات اليمن والعربية الجنوبية وأفريقية والهند. وقد أشرت في ذلك الجزء أيضًا إلى عثور العلماء على كتابة معينية بمصر، كتبت حوالي سنة "٢٦٣"، قبل الميلاد، وذلك بالجيزة. وهي كتابة قصيرة، ولكنها ذات أهمية كبيرة؛ لأنها تشير إلى وجود المعينيين بمصر في ذلك العهد. وعن وجود صلات تجارية ربطت بين مصر وجزيرة العرب من البر والبحر. وهي تتحدث عن رجل اسمه "زيد بن زيد ايل" من "آل ظبرن"، اعترف بوجود دين عليه وواجب هو توريد وتزويد "ابيتت الالت مصر"، أي "بيوت آلهة مصر"، أو "معابد آلهة مصر" بـ"امررن وقلمتن" "قليمتن"، أي بـ"المر والقليمة". ويقصد بلفظة "قليمتن" "قلمتن"، ما يقال له "Calamus" في الانكليزية و"Kalamus" في الألمانية، ويراد به ما يقال له قصب الذريرة أو قصب الطيب. و"امررن"، بمعنى "المر"، وهو معروف مشهور

стр. 4671

عند العرب، ودواء كالصبر مر، استعمل في معالجة أمراض عديدة١. وقد كان ذلك في شهر "كيحك" من السنة الثانية والعشرين من حكم الملك "بطلميوس"٢. وقد ذهب "رودوكناكس" "Rhodokanakis" ناشر النص المذكور ومترجمه إلى احتمال كون "زيد ايل" كان كاهنًا في معابد مصر، ولو كان من أصل غير مصري، فقد كان المصريون قد تساهلوا في هذا العهد –كما يرى- فسمحوا للغرباء بالانخراط في سلك الكهان وخدمة المعابد، وتساهلوا مع "زيد ايل" هذا فأدخلوه في طبقة "اويب" "Ueeb" وانتخبوه كاهنًا ليضمن لهم الحصول على المر والقليمة بأسعار رخيصة لاستيراده إياها باسمه ومن موطنه مباشرة من غير وساطة وسيط٣. وقد ذهب "رودوكناكس" أيضًا إلى أن "زيد ايل"، كان يستورد المر والقليمة لا لحسابه الخاص ومن ماله، بل لحساب المعابد المصرية ومن أموالها. فلم يكن هو إلا وسيطًا وشخصًا ثالثًا يتوسط بين البائع والمشتري، يشتري تلك المادة ويستوردها باسمه، ولكنه يستوردها للمعابد ولفائدتها، وهو لا يستبعد مع ذلك احتمال اشتغاله هو لنفسه وعلى حسابه في التجارة، يستوردها لنفسه ويبيعها في الأسواق، ويتصرف بالأرباح التي تدرها كما يريد. وهو لا يستبعد أيضًا احتمال مساعدة المعابد له بتجهيزه بالمال لتقوية رأس ماله، أو انتشاله من خسارة قد تصيبه. وقد أصيب هذا التاجر كما يظهر من هذا النص بخسارة كبيرة في شهر "حتحر" ربما أتت على كل ما كان يملكه، فهبت المعابد المصرية لإنقاذه، وإعادة اعتباره المالي إليه، بإسناده بتقديم أقمشة الـ"بص" "بوص" إليه. وقد أخذها وصدرها في سفينته التي يستورد بها المر والقليمة إلى الأسواق، فربح منها. واستورد المر والقليمة وأعاد إلى المعابد ثمن ما أخذه منها من تلك السلعة، وأدى ديونه في شهر "كيحك". وقد عاد إليه اعتباره وأنقذ من تلك الضائقة المالية التي حلت

стр. 4672

به بمدة قصيرة لا تتجاوز شهرًا كما يرى ذلك "رودوكناكس"١. ولم يذكر النص اسم الجهة التي ذهبت السفينة إليها، ولا اسم الموضع الذي أرسل "البوص" إليه، ولا اسم المكان الذي استوردت القليمة وكميات المر منه. و"البص" "البوص"، هو "البز" في عربيتنا. والبز: الثياب، وقيل ضرب من الثياب، وبائعه البزاز٢. ويظهر أنه كان من الأصناف الجيدة، التي امتازت مصر به، فاشتهر في الخارج، فكان يصدر إلى الأسواق الخارجية، وهي لفظة معربة، عربت من أصل يوناني هو "Vissas"، ومعناه نسيج كتان، ونسيج من كتان هندي رقيق جدًّا٣. لقد كانت حكومة البطالمة قد احتكرت صناعة نسيج الكتاب وتجارة البز "بوص"، وبيع المر والبخور والعطور والصبر وغير ذلك. وكانت تنتهج في خطتها الاقتصادية نهج احتكار الدولة بين السلع الرائجة المهمة. نعم، سمحت للتجار المستوردين باستيراد ما يشاءون من المر والبخور واللبان والصمغ والصبر وما شاكل ذلك من الخارج، ولكنها لم تسمح لهم ببيعها أو تحويلها أو تغيير شكلها من غير استئذان الحكومة وموافقتها، ذلك؛ لأنها تعدها من المواد الداخلة في دائرة الانحصار والاحتكار "Statesmonopol"، والتابعة لمراقبة الحكومة. أما نسج "البوص" "البص" البز، فقد أودع أمره إلى المعابد، تشرف عليه وتدير صناعته، ورثت ذلك من عهود سبقت أيام البطالمة، وذلك في مقابل السماح لها بأخذ ما يحتاج إلى استعماله في المعابد أو لحاجات رجال الدين الخاصة، وتسليم بقية ما ينسج إلى دوائر الحكومة المختصة لبيعه للناس٤. ويظهر من المؤلفات اليونانية واللاتينية أن العرب كانوا يملكون سفنًا في البحر الأحمر وفي البحر العربي وفي الخليج، إلا أن سفنهم لم تكن ضخمة، ولهذا لم تتمكن من مجابهة السفن الرومانية والسفن اليونانية حين نزلت تلك البحار؛ لأنها كانت أضخم منها، وكانت ذات أربعة صفوف من المجاذيف، كما أنها كانت سريعة الحركة وذات مرونة في الاستدارة وفي الالتفاف وفي الرجوع والانتقال،

стр. 4673

وذلك بفضل أشرعتها التي طورت تطويرًا كبيرًا ليناسب تطورها هذا فعل الرياح بها، ولتتمكن من السير مع الأهوية أو ضدها، وبسبب آخر هو تطوير هندستها بصورة مستمرة، لتجاري التيار ولتقطعه بكل سهولة، دون أن يعيقها أو يلحق أذى بها، وبفضل هذا التطوير تمكنت تلك السفن من التغلب على السفن العربية، ومن ملاحقة لصوص البحر "القرصان" الذين كانوا يتحرشون بالسفن ليأخذوا ما فيها، بسفنهم الصغيرة البدائية، وبذلك صار في مستطاع السفن اليونانية والرومانية دخول الموانئ العربية والموانئ الإفريقية ومن الوصول إلى الهند. وقد أشار "أغاثرشيدس" إلى هذا التفوق، كما أشار إليه "سترابو" في أثناء كلامه على حملة "أوليوس غالوس" وعن خطأه في تقدير موقفه من البحرية العربية. فقد ذكر "سترابو" أن "أوليوس غالوس" ظن أن للعرب سفنًا كبيرة في البحر وأنها ستظهر أمام سفنه وستقاومه، لهذا أمر ببناء سفن طويلة لمجابهة تلك السفن، مع أن العرب قوم تجارة وبيع وشراء، ولم يكونوا أمة حرب، لا في البحر وحده، بل في البر أيضًا. ومع ذلك بنى ما لا يقل عن ثمانين سفينة حربية، منها سفن ذوات صفين من المجاذيف ومنها ذوات ثلاثة، ومنها ذوات صف واحد ... ولما أدرك خطأه ابتنى مئة وثلاثين سفينة للحمل، ركب فيها نحو من عشرة آلاف من المشاة ... وبعد أن خسر كثيرًا من سفنه، غرق عدد منها وغرق من فيها من بحارة، وذلك بسبب صعوبة الملاحة لا بمقاومة من عدوّ١. ولا نجد في كتب أهل الأخبار ما يشير إلى وجود قوى بحرية عربية، بل نجد فيها أن سفن الروم كانت هي التي تمخر عباب البحر الأحمر وكانت هي المهيمنة عليه وأنها كانت تصل إلى سواحل أفريقية وتذهب إلى الهند، ونجد فيها أن سفن الحبشة كانت تأتي "الجار" و"الشعيبة"، وموانئ عربية أخرى لتتاجر معها، وأن سفن الساسانيين كانت تهيمن على مياه الخليج العربي والبحر العربي، ثم نجد في روايات أهل الأخبار عن كيفية احتلال الحبش لليمن واحتلال الفرس لها وعن هجرة المهاجرين الأولين من مكة إلى الحبشة ووصفهم لكيفية بناء الكعبة وأخذهم لخشب سفينة رومية ما يؤيد أن الجاهليين لم يكونوا يملكون سفنًا

стр. 4674

كثيرة كبيرة قوية في ذلك العهد، وأنهم كانوا قد تركوا البحر إلى غيرهم منذ عهد قبل الإسلام. ويعود تفوق سفن اليونان والرومان على السفن العربية في البحار إلى ما قبل الميلاد. لا بل نستطيع أن نرجع هذا التفوق إلى ما قبل أيام اليونان والرومان، نستطيع أن نرجعه إلى أيام المصريين. فقد ورد في أخبارهم أنهم أرسلوا سفنهم إلى البحر الأحمر فوصلت إلى السواحل الإفريقية، وأنهم كانوا قد حفروا قناة لتصل بين نهر النيل والبحر الأحمر، فيكون في وسع السفن القادمة من البحر الأبيض من اليونان أو من إيطاليا أو من أي مكان آخر دخول نهر النيل والمرور من القناة إلى البحر الأحمر ثم إلى المحيط للاتجار مع أسواق البلاد الحارة، والعودة من تلك الأسواق بحاصلات آسيا وإفريقية إلى أوروبة. وهو مشروع يدل على ذكاء وحنكة في السياسة، مهد الدرب لمشروع قناة السويس الحديث. ولما استولى "دارا" "داريوس" على مصر، قرر إعادة ذلك المشروع المصري القديم، الذي كان قد اندثر وأكلته الرمال، بأن أمر بشق قناة تصل النيل بالبحر الأحمر عن طريق الفرع البلوزي أحد فروع النيل القديمة، بالقرب من الزقازيق، مخترقة وادي الطميلات ثم البحيرات إلى السويس. وهو مشروع يدل على ذكاء ذلك الملك وإدراكه لأهمية ربط البحرين بطريق مائي، وإلى ما فيه من فوائد في السياسة وفي الاقتصاد وفي الناحية العسكرية. ووضع "الإسكندر" الأكبر مشروعًا خطيرًا آخر يفوق كل ما وضع من قبله من مشاريع. فقد وضع خطة السيطرة على المياه الدافئة بالسيطرة على سواحل جزيرة العرب، وذلك بالاستيلاء عليها، ويكون بذلك ملك أكبر انبراطورية عرفت حتى ذلك اليوم تمتد من الهند إلى مصر وما وراء مصر من أرضين١. وقد كلف قواده بالالتفاف حول جزيرة العرب، وباشروا بتنفيذ الأمر بالفعل، وقد رأينا قائده "نيرخوس" "Nearchus" على رأس أسطول ضخم، لعله أعظم أسطول شاهده الخليج والبحر العربي حتى ذلك العهد. وقد رأينا كيف قرر الإحاطة بجزيرة العرب من الجنوب والغرب بالسيطرة على سواحلها وإنشاء أسطول يمخر المياه المحيطة بها، بعد أن هيمن على السواحل الشرقية. وقد استعان

стр. 4675

نفسه بخبرة الفينيقيين وعلمهم بالبحر. نقلهم إلى هذه المياه وكلفهم بناء السفن له، وبإدارتها له. ولو قدر للإسكندر أن يعيش طويلًا لتحقق مشروعه الضخم، ولكن القدر قضى عليه مبكرًا، فمات مشروعه معه، ولم يكن لخلفائه ما كان لسيدهم من عزم، فتركوا المشروع، ولم يتحمسوا له١. وقد أدرك البطالمة قيمة القناة القديمة التي كانت تربط النيل فالبحر المتوسط بالبحر الأحمر، فأمر "بطلميوس الثاني" "١٨٥-١٤٦ق. م" بإعادتها، ومكن بذلك تجاره من دخول البحر الأحمر ومن نقل التجارة من أسواقها الأصلية إلى مصر، ومنها إلى أسواق اليونان والرومان وسائر بلاد أوروبة بالطرق المائية، وضبط بذلك الممر المائي العالمي القديم، هذا الممر الذي فتح ذهن "دلسبس" فيما بعد فجعله يفكر في موضع أصلح رآه في المكان الحالي المعروف بـ"قناة السويس"، القناة العالمية التي تلعب اليوم دورًا خطيرًا في الاقتصاد العالمي وفي السياسة الدولية والموقف الحربي للدول. وعين البطالمة موظفين خاصين مهمتهم الإشراف على إدارة التجارة البحرية وسير السفن. فنجد في كتابة تعود إلى سنة "١٣٠" قبل الميلاد إشارة إلى موظف كان مسؤولًا عن سير السفن وعن الطريق الصحراوية الممتدة إلى قفط، ونجد أخبارًا تعود إلى ما بين سنتي ١٢٠ و١١٠ قبل الميلاد تتحدث عن سفن كانت تسير بين مصر والهند، كما نجد فيها وفي نصوص تعود إلى عهود متأخرة عن هذه إشارات إلى وجود موظفين مسؤولين عن البحرين الأحمر والهندي٢. وقد كان لوقوف "هيبالس" "Hippalus"، وهو أحد اليونان أو الرومان على سر الاستفادة من الرياح الموسمية في تسيير السفن وفي تقصير الوقت في قطع المسافات، وفي تمكينها من الابتعاد عن أخطار السير في محاذاة السواحل أهمية كبيرة في تطوير فن الملاحة الأوروبية بالنسبة لذلك العهد٣. ويمكن اعتبار وقوف هذا الملاح على هذا السر من أهم الأحداث البارزة التي حدثت في ذلك العهد والتي مكنت الغربيين من التوفق في البحر بالنسبة لتلك الأيام. أضف إلى

стр. 4676

ذلك أن الذين خبروا البحر وعركوه من بعده أضافوا ما استفادوه من فنه ومن علم من تقدم عليه علمًا آخر مكن البحارة البطالسة ثم الرومان الذين جاؤوا من بعدهم فحكموا مصر، ثم اليونان من السيادة على البحار ومن انتزاع المغانم من التجار العرب ومن غيرهم ومن إلحاق ضرر بالغ بهم، وبذلك وضعوا لمن جاء بعدهم من دول أوروبة خطط السيطرة على البحار وعلى العالم القديم. ويعد القيصر الروماني "أغسطس قيصر" من أهم القياصرة الذين وجهوا أنظارهم نحو الشرق، ونستطيع أن نقول أنه خليفة "الإسكندر الأول" في هذا الباب، ومن أستاتذة "نابليون" في خططه العسكرية الرامية إلى السيطرة على الشرق، لقد نوى الاستيلاء على بلاد العرب، وربما على ما وراء بلاد العرب من أرضين، وكانت غايته من هذه النية –كما قال سترابو- "إما أن يسترضي العرب، وإما أن يخضعهم، كما أنه فعلت في نفسه الروايات الشائعة منذ القدم أن العرب قوم واسعوا الثراء، وأنهم يستبدلون الفضة والذهب بعطرهم وحجارتهم الكريمة، دون أن ينفقوا مع الغرباء ما يحصلون عليه في مقايضاتهم التجارية. فأمل أحد أمرين: إما أن يحصل على أصدقاء موسرين، وإما أن يتغلب على أعداء موسرين"١. وإذا كان "أغسطس" قد أخفق في تحقيق مشروعه في احتلال جزيرة العرب، فإنه لم يهمل ناحية الاستفادة من البحار، فشجع الملاحين وزاد عدد السفن الذاهبة إلى الهند، وقد كان عددها لا يزيد على عشرين سفينة في السنة الواحدة قبل أيامه، فارتفع عدد ما يصل إلى الهند منها إلى ما لا يقل عن "١٢٠"، سفينة في السنة الواحدة٢. وقد أقام اليونان والرومان معبدًا في موضع "Mauziris" على ساحل الـ"مالابار" في أيام "أغسطس"، ووجود هذا المعبد في هذا الموضع دليل على المدى الذي وصل إليه التجار اليونان والرومان في بلاد آسية، وعلى مقدار تشجيع القيصر لأولئك التجار٣. وبدلًا من أن ينتظر التاجر الروماني أو اليوناني البضائع الثمينة، تأتي إليه إلى أسواق مصر أو بلاد الشأم محملة بسفن عربية أو على ظهور جمال القوافل كما كان

стр. 4677

ذلك في الغالب، وهي بأسعار عالية، ارتاد هو البحر الأحمر، ومنه المحيط الهندي إلى سواحل إفريقية أو سواحل العربية الجنوبية أو الهند فما وراءها، يشتري من موانئها وأسواقها ما يريد، بأسعار رخيصة جدًّا بالقياس إلى تلك الأسعار التي كانت يدفعها للتجار الموردين في أسواق مصر أو أسواق بلاد الشأم، فاستفاد هو، واستفادت حكومته منه، وخسر التجار العرب بوصول هؤلاء التجار إلى تلك الأسواق ومنافستهم لهم خسائر فادحة، أوجدت خللًا في الحياة الاقتصادية للدول العربية، وضررًا عامًّا في جميع نواحي الحياة الأخرى. وطالما تشكى الرومان واليونان من فداحة الأرباح والضرائب التي كان يفرضها التجار العرب على البضائع المرسلة إليهم، والتي كانوا يحتاجون إليها ويشترونها بأي ثمن كان. وقد ذكر "سترابون" الجغرافي الشهير في جملة الأسباب التي حملت القيصر "أغسطس" على إرسال حملته الشهيرة، هو ثراء أهل تلك البلاد، وحصولهم على أرباح مفرطة من الغرباء وفي ضمنهم الرومان واليونان من اتجارهم معهم، ومن تحكمهم في وضع الأسعار، دون أن يعطوا أولئك التجار والبلاد التي يحملون تجارتهم إليها شيئًا١. وقد كان للأحداث السياسية، في الامبراطوريتين الرومانية واليونانية أثرًا كبيرًا في حالة الملاحة في البحر الأحمر والمحيط الهندي. ففي أيام الفتن والاضطرابات وحدوث القلاقل، لم يكن في وسع أصحاب السفن الرومان أو اليونان التوغل في البحار البعيدة عن مناطق نفوذ الانبراطوريتين، لضعف وسائل حماية السفن التجارية وحماية التجار والمستعمرات العديدة المقامة على السواحل. ولهذا نجد "سترابو" يذكر أنه قبل أيامه لم تكن هنالك سفن كثيرة تجتاز البحر الأحمر، فقد كان كل ما يرسله الرومان من السفن لا يزيد على العشرين سفينة، تجتاز هذا البحر، فتصل إلى ما وراءه في المحيط٢. وأخذ التجار اليونان والرومان يقصدون سواحل أفريقية وبلاد العرب والهند، ويقيمون في موانئها للاتجار، وقد عثر على نقود يونانية ورومانية في مواضع متعددة من هذه السواحل، كما عثر فيها على آثار معابد ومباني تشير إلى أصل يوناني

стр. 4678

وروماني، كذلك نجد أخبارًا لأشخاص يونانيين ورومانيين ذهبوا إلى أرض سبأ للاتجار. ولم يجد الرومان ولا اليونان مقاومة تذكر حينما ولجوا البحر الأحمر والمحيط الهندي. لقد كانت سفنهم أكبر وأقوى من سفن العرب، وأحدث منها، وأقدر على الحركة والمقاومة. تتحمل صعاب البحر، وتقاوم الأعاصير والظروف القاسية الشديدة، وتتسع لاستيعاب أعداد كبيرة من الرجال، وتحمل حملًا كبيرًا بالقياس إلى السفن العربية. وهذا مما يقلل بالطبع من أجور النقل، ومن أخطار الغرق والاصطدام بصخور السواحل، ومن التعرض للصوص البحر، ويخفض من أثمان البضائع في الأسواق، ويزيد في عدد المستهلكين. وقد رأى البحر الأحمر سفنًا أقوى وأضخم من السفن العربية الصغيرة ومن سفن سكان سواحل أفريقية: رأى سفنًا تسير بقوة أربعة صفوف من المجاذيف Quadriremes"١ أخذت تتعقب لصوص البحر، وتحمي سفن اليونان والرومان، وتحمي المستعمرات التي أنشئت على سواحل البحر الأحمر لإيواء تلك السفن، وتقديم المساعدات إلى أصحابها، وشراء السلع من القبائل الساكنة على مقربة منها، وسرعان ما صارت أسواقًا للبيع وللشراء، يبيع فيها هؤلاء التجار الأجانب ما يأتون به من تجارة من حوض البحر المتوسط، ويشترون منهم ما عندهم من مواد أولية، يقبل عليها أهل مصر واليونان والرومان وسكان البحر المتوسط. وقد أثرت هذه الأسواق بالطبع في مصالح التجار العرب الذين كانوا يقومون بمثل هذه الأعمال، ألحقت بهم ضررًا ولا شك. ولوعورة الساحل العربي على البحر الأحمر ولكثرة صخوره المؤذية للسفن، ولكثرة لصوص البحر فيه، ولأسباب أخرى تجنبت السفن الرومانية واليونانية هذا الساحل قدر إمكانها، فلم ترس به إلا في المواضع الآمنة التي أمنت النزول بها، وسيطرت عليها بوضع حاميات عسكرية بها، أو بعقد محالفات وعهود ومواثيق مع سكانها. وقد كان ميناء "مخا" "Muza" الميناء المفضل لها. قصدته للاتجار

стр. 4679

ولتموين نفسها بالماء والغذاء١. وقد كان في استطاعة سفن تلك الأيام السير على مبعدة من ذلك الساحل ودون توقف حتى تصل إلى الميناء المذكور، أو إلى ميناء عدن "Arabia Eudaemon"، وبذلك تجنبت السفن المخاطر والمهالك التي كانت ستتعرض لها فيما لو سارت في محاذاة الساحل العربي. ويظهر أن موضع "لويكه كومه"، أي "القرية البيضاء" كان ميناءً معروفًا في القرن الأخير قبل الميلاد، ففيه هبط "أوليوس غالوس" سنة "٢٥ أو ٢٤" قبل الميلاد في حملته التي أمر القيصر "أغسطس" بإرسالها على اليمن. ولو لم يكن من المرافئ الحسنة الصالحة لرسو السفن لمن نزل به الجيش الروماني. ويكتنف تأريخه الغموض، فلم يرد اسمه كثيرًا في كتب اليونان والرومان ولا في كتب الإسلاميين. ويقال إنه ظل قائمًا حتى نهاية القرن الثالث بعد الميلاد٢. ولعله "الحوراء"، مرفأ سفن مصر قديمًا، وقد ذكره أصحاب الرحل٣. و"الجار"، فرضة أهل المدينة، ترفأ إليها السفن من أرض الحبشة ومصر وعدن والصين والبحرين، وبحذائها جزيرة في البحر ميل في ميل يسكنها التجار٤. فهي من الموانئ التي كان يقصدها التجار من السواحل المقابلة ومن سواحل إفريقية الشرقية والمحيط الهندي. وذكر أن الناس كانوا لا يعبرون إلى الجزيرة إلا بالسفن، وهي مرسى الحبشة خاصة. وأن بينها وبين المدينة يوم وليلة، وبين أيلة نحو من عشر مراحل، وإلى ساحل "الجحفة" نحو ثلاث مراحل٥، وقد عرفت تلك الجزيرة بـ"قراف"، وسكانها تجار كنحو أهل الجار٦. و"الشعيبة" من المراسي القديمة في الحجاز، وهي أقدم من جدة. وهي خور أمين تقصده السفن لتتزود بما تحتاج إليه من زاد وماء، ولتفرغ فيه ما تأتي

стр. 4680

به من شحن من أفريقية إلى الحجاز. وهو مرفأ مكة ومرسى سفنها قبل جدة. وإليه جنحت سفينة "باقوم"، التي تحطمت بدفع الريح لها، فاستعانت قريش في تجديد عمارة الكعبة بخشب تلك السفينة على نحو ما تحدثت عنه في أثناء كلامي على تجديد بناء الكعبة قبل المبعث بقليل١. ومنه هاجر المسلمون إلى الحبشة في السنة الخامسة من المبعث، حيث وجدوا سفينتين للتجار حملوهم فيها إلى الحبشة٢. ومنه كان يذهب تجار مكة إلى أفريقية للتجارة قبل الإسلام. وميناء "Muza" = "Muza" من موانئ اليمن المهمة على البحر الأحمر٣، وكان مقصودًا، وتصل إليه السفن البيزنطية والسفن الواردة من مصر، ومن هنا كانت تتزود تلك السفن بضائع البلاد العربية، أو تبيع فيه ما استوردته من مصر أو من سواحل حوض البحر المتوسط. وقد تتزود ما تحتاج إليه من ماء وزاد، ثم تتجه إلى أفريقية أو إلى سواحل الهند. وقد كانت به جاليات من اليونان أو من غيرهم مقيمة هناك للاتجار والتعامل مع الوطنيين. وهو ميناء "مخا" المشهور٤. ويذكر أهل الأخبار، أن بين "مخا" وبين "باب المندب"، أي الساحل الأفريقي المقابل للساحل العربي يومين أو أكثر، وأن باب المندب، مرسى ببحر اليمن، وهو اسم ساحل مقابل لزبيد اليمن، وهو جبل مشرف ندب بعض الملوك إليه الرجال حتى قدوه بالمعاول؛ لأنه كان حاجزًا ومانعًا للبحر عن أن ينبسط بأرض اليمن، فأراد بعض الملوك أن يغرق عدوه، فقد هذا الجبل وأنفذه إلى أرض اليمن، فغلب على بلدان كثيرة وقرى أهلك أهلها وصار منه بحر اليمن الحائل بين أرض اليمن والحبشة والآخذ إلى عيذاب وقصير إلى مقابل "قوص"، والملك هو "الإسكندر"٥. وبهذه الطريقة أوجد أهل الأخبار لهم تأريخًا لباب المندب، وحلوا مشكلة كيفية انفصال أفريقية عن اليمن! وميناء "Arabia Eudaemon"، هو ميناء "عدن"، وهو ميناء مهم في ذلك الوقت أيضًا، ولا يزال يحافظ على مركزه وأهميته من الوجهة العسكرية

стр. 4681

والاقتصادية١. وقد ذكره "بطلميوس" باسم "Rabia Emporion". وقد كان مركزًا لتبادل السلع الإفريقة والهندية والمصرية، ومكانًا تبحر منه السفن إلى الهند، كما تلتجئ إليه السفن الواردة من تلك البلاد. وقد استولى عليه الرومان في فترات. ويذكر أنه في حوالي سنة "٣٤٥"، أسس أحد المبشرين واسمه "ثيوفيلوس" "Theophilus" المعروف بالهندي، كنيسة في "عدن٢ "Adane". وجزائر "فرسان"، من الجزر التي كان يتاجر أهلها مع الحبشة، ويذكر "الهمداني" أن سكانها كانوا يعملون في التجارة إلى بلاد الحبش، ولهم في السنة سفرة٣. وميناء "Cana" "قنا"، هو موضع "حصن غراب" "حصن الغراب". وهو سوق اللبان الذي يزرع داخل البلاد، يؤتى به إلى ذلك الميناء على ظهور الجمال، أو في الأرماث المصنوعة من الجلد، وفي القوارب. وهو ميناء تجارة كذلك مع مدن الساحل البعيد، مع بعض مدن الهند، وميناء "عمانه" "Umana" "عمان" والموانئ التي على الخليج٤. وتقع "قنا" على مرتفع، قريب من "ميفع"٥، و"ميفع"، قرية على الساحل، و"ميفعة"، بلدة بين "ميفع" و"أحور"، إلا أنها ليست على الساحل، بل بينهما مرحلة٦. وأما ميناء "Moscha"، فهو "ظفار" من أعمال الشحر، قريب من صحار. وبجبال ظفار "اللبان"، وإليه يحمل، وبه يقسم ويوزع، ولا يسمح بحمله إلى غيره٧. وقد ذكر عدد من المؤلفين اليونان واللاتين. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه "مسقط" وأنه "Mosca Portus".٨ ويذكر أهل الأخبار،

стр. 4682

أن "ظفار" قرب مرباط، وتعرف بـ"ظفار" الساحل، وإليها ينسب القسط، وهو العود الذي يتبخر به؛ لأنه يجلب إليها من الهند، ومنها إلى اليمن، كنسية الرماح إلى "الخلط"، فإنه لا ينبت به، وهي قريبة من "الشحر"١. وكان أهل "جرها" "Gerrha" على ساحل الأحساء من أنشط الناس في التجارة، يتاجرون في البر والبحر، ويتاجرون مع الهند وسواحل إيران الجنوبية، كما كانوا يتاجرون مع العربية الجنوبية وأرض العراق. وكانوا قومًا مسالمين لا يرغبون في الحروب. فلما أراد "أنطيوخس" "Antiochus" الثالث الاستيلاء على المدينة وذلك في حوالي سنة "٢٠٥"، قبل الميلاد، سألوه الصلح والمهادنة، "وألا يقضى على ما أعطتهم الآلهة من سلام وحرية أزليين"٢. وأما مدينة "أبولوكس" "Apologus"، فهي الأبلة في الكتب الإسلامية و"Uubulum" في الكتابات الأكادية. وقد كانت من أهم موانئ أعالي الخليج في أيام فتح المسلمين للعراق. تصدر إلى الهند حاصلات العراق وبلاد الشأم وآسية الصغرى وأوروبة، وتستورد منها أخشاب الصندل والآبنوس ومنتجات الهند وسيلان والصين٣. وقد عرفها أهل الأخبار، فذكروا أنها كانت أقدم من البصرة؛ لأن البصرة، مصرت في أيام "عمر"، وكانت الأبلة حينئذ مسالح من قبل كسرى، وقد كان تجارها يربحون ربحًا عظيمًا، وهي أرض واسعة. قال "خالد بن صفوان": "ما رأينا أرضًا مثل الأبلة مسافة، ولا أغذى نطفة، ولا أوطأ مطية، ولا أربح لتاجر، ولا أحفى بعابد"٤. وهناك مواني عديدة أخرى، ذكر المؤلفون اليونان واللاتين أسماءها، وقد تحدثت عنها في الجزء الثالث من كتابي: "تاريخ العرب في الإسلام"، وشخصت مواقعها قدر الإمكان. وقد كان لا بد من أن يكثر عدد الموانئ في تلك الأيام، فسفن ذلك العهد لم تكن ضخمة كسفن هذا اليوم، ولم يكن في استطاعتها لهذا الابتعاد عن السواحل كثيرًا، ولا السير إلى مسافات شاسعة، إذ كان لا بد لها

стр. 4683

من التزود دومًا بالماء والغذاء، ولا سيما بالنسبة إلى السفن الصغيرة، فأخذت ترسو في مراسي كثيرة لتموين نفسها ولإراحة أصحابها، من عناء البحر، ولم تتخلص السفن من تعدد الرسو في المواني إلا بعد تحسن صناعة بناء السفن، وظهور السفن البخارية، فانتفت حاجتها إليها، وقد قضى هذا التحسن على أكثر المواني، فماتت وذهبت مع العصور التي ولدت فيها. وقد تتجه السفن من ميناء "مخا" إلى السواحل الإفريقية مخترقة مضيق المندب، وقد تتجه إلى "عدن"، ثم تواصل سيرها نحو السواحل الإفريقية، بعد أن تتمون بما تحتاج إليه من ماء وزاد، أو تتجه إلى ميناء "أكيلا" "Acilla"، الواقع على مقربة من "رأس الخيمة" "Massandum"، للإقلاع منه إلى الهند١. وهو أقرب طريق يوصل العرب الجنوبيين وعرب سواحل عمان إلى تلك البلاد. ولما تحسنت هندسة بناء السفن صار في إمكانها قطع مسافات أبعد من دون حاجة إلى الرسو في موانئ عديدة، وصارت السفن القادمة من مصر ترسو في ميناء "عدن" رأسًا، وبعد أن يستريح أصحابها يتجهون إلى سواحل أفريقية أبعد مما كانوا يصلون إليها في السابق، أو يتجهون نحو الهند. وبذلك قصر الوقت وقلت كلفة الأسفار، وصار في وسع اليونان والرومان دخول الأسواق الأصلية رأسًا، يأخذون منها ما يريدون ويبيعون فيها ما عندهم دون حاجة إلى وسيط. وكانت السفن اليونانية والرومانية تتحمل من صعاب البحر، وتقاوم الأعاصير والظروف القاسية الشديدة، وتتسع لاستيعاب أعداد كبيرة من الرجال، وتحمل حملًا كبيرًا بالقياس إلى السفن العربية. وهذا ما قلل بالطبع من أجور النقل، وخفض من أثمان البضائع في الأسواق، وزاد في عدد المستهلكين. ولكن السفن اليونانية والرومانية جوبهت مع ذلك بلصوص البحر الذين كانوا يتعقبون السفن، ويغيرون عليها عند تقربها من السواحل. كان هؤلاء اللصوص قد ابتنوا سفنًا لهم، فإذا رأوا سفنًا يونانية أو رومانية أو غيرها وقد وقعت في قبضة الأعاصير، أو اصطدمت بالصخور البحرية أو كانت على مقربة منهم وفي مناطق يمكن وصولهم إليها، أغاروا عليها وأخذوا منها كل ما تقع أيديهم عليه.

стр. 4684

ولا ينجو منها أحد، حتى أصحابها يؤخذون أسرى، فيباعون في الأسواق خولًا. ولحماية السفن والتجار، أنشأ الرومان واليونان قوة بحرية حربية، تولت حراسة السفن التجارية وحماية المستعمرات التي أقاموها على سواحل هذه الطرق المائية العالمية المهمة. ولم تكن المسافات بين المستعمرات الساحلية قصيرة، ليكون في الإمكان الدفاع عنها والتعاون فيما بينها. وللتغلب على هذا الضعف ولحمايتها حماية قوية زودوها بما تحتاج إليه من مياه عذبة ومن أطعمة ومن جنود لصد غارات المعتدين. وبذلك هيمنوا على البحار: وضبطوا البحر الأحمر بصورة خاصة، ولم يبق للعرب من مجال في التجارة العالمية إلى بسلوك الطرق البرية الموصلة إلى بلاد الشأم والعراق. وقد تكون في إشارة "بليني" "Plinus" إلى وجود جاليات يونانية على سواحل بلاد العرب في مواضع غير بعيدة عن موضع "Attevae" الذي هو "عدن"، إيماءة إلى وجود مستعمرات يونانية على سواحل جزيرة العرب أنشئت قبل أيامه لضبط الأمن في البحار وللاتجار مع العرب وبسط نفوذ. الروم عليهم وفي جملة تلك الأماكن التي ذكرها: "Arethusa" و"Larisa" و"Chalcis"، ذكر أنها كلها كانت قد خربت بسبب الحروب، مما يدل على أنها كانت قد أقيمت قبل أيامه بزمان١. وقد ضمنت تلك القوة البحرية الضخمة للرومان السيطرة على البحر الأحمر وعلى البحر العربي، واستطاعت احتلال "عدن". ففي أيام "كلوديوس" "Claudius" "٤١-٥٤م" كان هذا الميناء في قبضة الرومان٢. وكانت به حامية رومانية. وتمكن هذا القيصر الذي كانت عدن خاضعة له في أيام مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري"، أو أي قيصر آخر، قد يكون "Coligula" وقد يكون "طبريوس" "Tiberius"، من عقد معاهدة مع الملك "كرب ايل" "Charibael" "ملك سبأ وذو ريدان" في ذلك الوقت. ولم يشر مؤلف

стр. 4685

الكتاب المذكور الذي لا نعرف اسمه اليوم إلى اسم القيصر، بل اكتفى بذكر اللقب فقط، وهو "قيصر"، وهو كما نرى لقب عام، يطلق على كل من يحكم انبراطورية الرومان. وقد ذهب بعض الباحثين إلى عدم إمكان التفكير في القيصر "أغسطس"، وإلى احتمال كونه قيصرًا آخر، وقد يكون بالإضافة إلى ما ذكرته "نيرو" أو "تراجان"، أو "سبتيموس سويرس" "سبتيميوس سفيروس" "Septimius Severus"١. واهتم "تراجان" بأمر التجارة البرية والبحرية، جعل أرض النبط ولاية خاصة دعاها: "الكورة العربية" أو "المقاطعة العربية" "Arabia Provincia" وذلك سنة "١٠٦" للميلاد. واهتم بالطرق البرية، فأصلح طريقًا مهمة تمر من دمشق إلى أيلة فبصرى والبتراء، وهي طرق قديمة ومعروفة، بالنسبة للاتجار مع بلاد العرب، وكانت في حاجة إلى عناية وإصلاح ووضع معالم. واعتنى بميناء "أيلة" فعمره ووضع إدارة "كمركية" فيه، وجعله من الفرض المهمة في خليج العقبة، بل والبحر الأحمر، وأصلح القناة القديمة بعد أن تراكمت فيها الأتربة حتى سدت مجراها، وحفر قسمًا جديدًا من طرفها الغربي، أوصلها بالنيل عند "بابلون" "Babylon"، موضع مصر القديمة. وبذلك سهل الاتصال بالفرع الغربي للنيل المؤدي إلى الأسكندرية، وبرز ميناء "القلزم" "Clysma" حيث التقت قناة تراجان بالبحر الأحمر٢. وعثر على كتابة دونها قوم من أهل تدمر، اشتغلوا بالملاحة في البحر الأحمر، أشادوا بفضل القيصر "هدريان" هدريانوس" "١١٧-١٣٨م" عليهم٣. وتدل هذه الكتابة على اشتراك التدمريين في الملاحة، مع أنهم من أهل مدينة صحراوية، عماد حياتها التجارة بالبضائع الواردة إليها بالطرق البرية. وقد توغل الملاحون في أيام أسرة "انطونينوس" "Antonines" "٩٨-١٩٢م". حتى أدركوا موضع "رهابتا" على مقربة من "زنجبار" في السواحل الإفريقية، ووصلوا إلى سواحل الصين في آسية. وهذا هو سر وجود أسماء مواضع في جغرافيا

стр. 4686

"بطلميوس" "في حوالي ١٥٠-١٦٠ للميلاد" لم ترد في كتب المؤلفين السابقين الذين عاشوا قبل هذا الجغرافي اليوناني الشهير. وفي جملة ما ذكره هذا الجغرافي أسماء مواضع عديدة في جزيرة العرب، لم يشر إليها المؤلفون اليونان والرومان السابقون، وأوصاف أدق وأصدق من الأوصاف التي ذكروها، وفي ذلك دلالة على زيادة علم اليونانيين والرومان في هذه الأيام بأحوال الشرق نتيجة زيادة اختلاطهم واتصالهم بالشرقيين. ومعارفنا بأخبار الملاحة في البحر الأحمر وفي المحيط الهندي في العهد البيزنطي، أي العهد الذي أصبحت فيه القسطنطينية فيه عاصمة بدلًا من روما "٣٣٠م"، قليلة ضحلة؛ لأن أكثر المؤرخين الذين عاشوا في هذه الحقبة ثم ما بعدها إلى ظهور الإسلام إنما اهتموا بالأمور الدينية، وكانوا إذا ما تطرقوا إلى النواحي الجغرفاية أو التاريخية المعاصرة للبلاد الخارجة عن نطاق الانبراطورية البيزنطية أو نفوذها السياسي، أوجزوا القول إيجازًا لا يعطي القارئ رأيًا في الأحوال العامة وفي ضمنها التجارة والملاحة في البحر الأحمر والمحيط الهندي. لقد أثرت الأوضاع السياسية القلقة التي حدثت في الدولة البيزنطية، والحروب المتوالية بين الساسانيين والبيزنطيين، أثرًا خطيرًا على البحرية البيزنطية في البحر الأحمر وفي المحيط الهندي، إذ حدت من توسعها، وقلصت من عدد سفنها، ولم تجد بسبب انشغال الحكومة في تلك الحروب عناية ورعاية، ولهذا اقتصر نشاطها على البحر الأحمر وعلى السواحل الإفريقية التي كانت على صلات حسنة بالبيزنطيين. فكانت تصل إلى ميناء "أدولس"، ومنه يصل التجار إلى أسواق الحبشة الداخلية، أو إلى مواني "سقطرى"، وقد كان بها مستوطنون يونانيون، أقاموا فيها منذ أمد طويل، وبنوا بها كنائس ومستوطنات للإقامة فيها، وظل بعضهم بها إلى أيام الإسلام. وكانت السفن اليونانية تمون نفسها بما تجده في "ادولس" وفي "سقطرى" من تجارات، بعضها من نفائس تجارة الهند جاءت بها السفن الساسانية إلى هذه المواضع، فيشتريها التجار اليونان ويأخذونها إلى بلادهم. ويذكر أهم الأخبار أن "سقطرى" كانت مركزًا هامًّا من مراكز التجارة في البحر، وكان بها قوم من اليونان يحفظون أنسابهم محافظة شديدة. وقد كانوا بها

стр. 4687

من أيام ما قبل الميلاد، وربما كانوا بها قبل أيام "الإسكندر". ولما ظهرت النصرانية تنصر من كان بها من اليونانيين. ويذكرون أن قومًا منهم طرحهم "كسرى" في هذه الجزيرة. وكانت بوارج الهند تأوي إليها. وقد اشتهرت بالصبر الجيد الذي لا يوجد مثله في غيرها، وبدم الأخوين، وهو صمغ شجر يسمونه "القاطر"، وهو "الأيدع"، وقد ساكن العرب اليونان١. ويذكر أهل الأخبار أن "أرسطو"، هو الذي أشار على "الإسكندر"، بإجلاء أهل "سقطرى"، وإسكان طائفة من اليونان بها، لحفظ "الصبر" لعظيم منفعته. وذكروا أن بينها وبين "المخا" ثلاثة أيام مع لياليها، وأن من مدنها: "بروه" و"ملتده"، و"منيسة"، وهي مسكن ملك الزنج٢. أما البحرية والتجارة البحرية الساسانية، فإننا لا نعرف عنها في هذا العهد معرفة واسعة، ولا نستطيع أن نتحدث عن وجود قوة بحرية ساسانية، أو نشاط بحري في البحر الأحمر في كل العهود، وإنما كان أقصى ما وصل إليه نفوذ الساسانيين في البحر، هو باب المندب، أي مدخل البحر الأحمر، حيث وقفوا عنده. وقد صار البحر الأحمر، منذ استيلاء اليونان والرومان على مصر، بحرًا يونانيًّا رومانيًّا بيزنطيًّا، حرسوه بأساطيل قوية، ضمنت لهم التفوق فيه، فلم يكن في وسع الفرس ولوجه أو التوغل فيه. وقد ذكر أن "أردشير" الأول "٢٢٥-٢٤١م" بنى جملة مواني بحرية وأن "نرسي" "٢٩٢-٣٠٢م" عقد صلات ودية مع ملك الزنوج في شرق الصومال، وأن "سابور" الثاني حوالي سنة "٣١٠م" هاجم البحرين، وأقام حامية بها، وفتك بقبائل عديدة، وذلك ردًّا على هجوم تلك القبائل على سواحل فارس. وصار للفرس نشاط ملحوظ في الخليج وفي المحيط الهندي. وقد أنشأ الفرس جملة كنائس في سواحل الهند وسقطرى، أنشأها الفرس النساطرة، وكانوا تجارًا، نزلوا في هذه المواضع للاتجار، كما كانت هنالك سفن فارسية في "أدولس". وكان الساسانيون يستغلون الظروف الحرجة، والأوضاع القلقة التي

стр. 4688

تقع في انبراطورية الروم، فيزيدون من نشاطهم في البحر، ويمنعون في مطاردة التجار البيزنطيين في البحر العربي وفي الخليج وفي الهند، حتى قل عدد سفن الروم، في المحيط، واكتفت بالوصول إلى باب المندب والسواحل الإفريقية في بعض الأحيان، عند اشتداد الأزمات، ووقوع قلاقل داخلية، أو نزول كوارث بالروم في الحروب. وقد وجد الساسانيون أن من الأصلح لهم نقل التجارة الآتية التي تجارهم من الصين والهند وسيلان إلى الخليج حيث لا يزاحمهم أحد، ومنه إلى العراق، أو من الهند والصين إلى فارس، ثم العراق ومنه إلى "نصيبين"، أو إلى بلاد الشأم، لبيعها إلى البيزنطيين، وفي جملة مواد هذه التجارة "الحرير" الذي كان مطلوبًا عند البيزنطيين؛ لأنه من الألبسة الفاخرة بالنسبة للطبقة الحاكمة ولرجال الكنيسة وللطبقة المترفة المرفهة، فكان يباع بأغلى الأثمان١. وقد دخل الأحباش البحر، فكانوا يسيرون سفنهم بين السواحل الإفريقية والسواحل العربية الغربية والجنوبية. ولو لم تكن لهم قوة بحرية ما تمكنوا من الاستيلاء على اليمن وعلى مواضع من العربية الجنوبية جملة مرات. آخرها فتحهم اليمن سنة "٥٢٥" للميلاد. وقد تولت سفنهم نقل حاصلات الحبشة والسواحل الإفريقية إلى بلاد العرب، وكان التجار العرب ينقلون هذه السلع إلى بلاد الشأم أو العراق. وقد ذكر أهل الأخبار أن "الجار"، وهي مدينة على ساحل بحر القلزم بينها وبين المدينة يوم وليلة وبينها وبين أيلة نحو من عشر مراحل، وإلى ساحل الجحفة نحو ثلاث مراحل، كانت فرضة، ترفأ إليها السفن من الحبشة ومصر وعدن والصين وسائر بلاد الهند، وبحذاء الجار جزيرة في البحر تكون ميلًا في ميل لا يعبر إليها إلا بالسفن، وهي مرسى الحبشة خاصة٢. ولكن قوة الحبشة البحرية لم تكن قوة قوية ضخمة، ولم تكن مكونة من سفن كبيرة ذات مرونة وقابلية على الحركة، بل كانت سفنًا صغيرة لا تضاهي السفن اليونانية في الضخامة وفي الفن. ولم تكن كثيرة العدد، ولا سيما في الجاهلية القريبة من الإسلام، بدليل ما ورد في بعض الروايات من أن السفن التي حملت

стр. 4689

جيش ملك الحبشة إلى اليمن لاحتلالها سنة "٥٢٥" للميلاد، وذلك في عهد "ذي نواس" كانت سفنًا يونانية أمر القيصر بإرسالها إلى الحبشة لحمل الجيش إلى اليمن١. وبدليل ما ورد في روايات إخراج الحبش وطردهم من اليمن، من أن السفن التي حملت الفرس إلى اليمن كانت ثماني سفن، غرق منها سفينتان، وبقيت ست سفن فقط، وقد تغلب من كان بها مع ذلك على الحبش. فلو كان للحبش أسطول بحري قوي، ولو كانت لهم هيمنة على البحر، لما كان في إمكان هذه السفن الفارسية الست الوصول إلى مياه اليمن، وإنزال ما فيها من جنود، ومن التغلب على الحبش والقضاء على حكمهم هناك. وضعف بحرية الحبشة، هو الذي جعلها لا تستطيع الوفاء بوعدها للقيصر "جستنيان" "Justinian" في شراء الحرير من الهند ومن وراء الهند، وبيعه للروم. فقد كان هذا القيصر قد أرسل في عام "٥٣١م" وفدًا إلى "أكسوم"، ليفاوض الحبش في هذا الموضوع لحرمان الساسانيين من ربح كبير كانوا يجنونه من الاتجار بالحرير المستورد من الهند ومن وراء الهند، فوافقوا على ذلك، لكنهم لم يتمكنوا في النهاية من الوفاء بالوعد، لعدم تمكن سفنهم البحرية من الوصول إلى الهند ومن منافسة التجار الفرس الذين كانوا قد استقروا في سيلان وفي الهند وفي مواضع أخرى منذ عهد طويل٢. ولم يتمكن الأحباش أن يفيدوا فائدة تجارية كبيرة من فتحهم لليمن. ولم يحصل البيزنطيون على ما كانوا يتوقعون الحصول عليه من الاتصال بالحبش من البر، وذلك عن طريق "المقاطعة العربية" في جنوب بلاد الشأم فالحجاز إلى اليمن. فلم يتمكن الحبش من احتلال الحجاز، للاتصال بالروم. وأخفق "أبرهة" في الاستيلاء على مكة على نحو ما تحدثت عنه في موضعه. وتمكن الفرس من طردهم من اليمن بكل سهولة، دون أن يقوم الحبش ولا حلفاؤهم البيزنطيون بإرسال قوات بحرية لمقاتلة السفن الساسانية القليلة التي جاءت بمقاتلين من المساجين المجرمين، لا بجيش نظامي مدرب، وقد تمكنوا من ذلك من التغلب على الحبش، بمساعدة كبيرة بالطبع من اليمانيين أنفسهم الذين كانوا قد أعلنوا

стр. 4690

ثورة عامة على الحبش. ولو كان للحبش أو لحلفائهم البيزنطيين أساطيل من السفن المحاربة القوية، لما تمكن الفرس من الاستيلاء على اليمن بتلك القوة الضعيفة! ولم يكن الساسانيون أقوياء في البحر عند ظهور الإسلام، وآية ذلك وأن عاملهم على اليمن، كان يرسل ألطاف اليمن وما يجمعه منها إلى "كسرى" عن طريق البر، وقد تحدثت عن تعرض "بني تميم" بقافلة كسرى التي كانت قادمة من اليمن في طريقها إلى "المدائن"، ولو كان للفرس أسطول قوي من سفن ضخمة على نمط سفن البيزنطيين، لاستخدموه واسطة للنقل بين اليمن والعراق، ولسمعنا بوجوده في البحر. وقد يقال إن الفرس استخدموا البر؛ لأنه أسهل عليهم من البحر، وأقصر مسافة وأسرع من حيث الوقت، ثم هو يمر بأرضين صديقة للفرس أو موالية لهم، أو تابعة لأمراء موالين لهم، خاضعين لسيادتهم، وليس في ذلك دليل على عدم وجود أسطول قوي لهم في البحر، ولكننا مع موافقتنا على هذا التعليل، فإننا لا نسمع في أخبار أهل الأخبار المنقولة من روايات فارسية أصلية، ما يفيد بوجود فعل وأثر لأسطول ساساني ما وراء عمان إلى السواحل الإفريقية، ثم إن الفرس كانوا قد تحكموا في السواحل العربية الجنوبية قبل فتحهم لليمن، ولكنا لا نجد في هذا العهد أثرًا لحكم فارسي على السواحل العربية الجنوبية، مما يدل على زوال حكمهم عنها وعدم وجود أسطول ساساني في مياه السواحل، فتخلصت منهم، واستقلت بأمرها وإدارتها. وقد استفاد أهل مكة، من الأحداث التي وقعت في اليمن، ولا سيما بعد موت أبرهة وموت مشروعه في الاستيلاء على مكة قبل وفاته. وإني أرى أن حملة "أبرهة" على مكة، لم تكن حملة غايتها هدم الكعبة، ونقض قواعدها، كما يذكر ذلك أهل الأخبار، وإنما كانت لدوافع اقتصادية وسياسية، فقد كانت مكة قد برزت وظهرت إلى الوجود، قبل أبرهة، واستغل أهلها مواهبهم وذكاءهم في كيفية جمع المال، حتى صاروا تجارًا ووسطاء في التجارة، يتاجرون بين بلاد الشأم واليمن، وبين الحبش والعراق، وصاروا أصحاب مال، لهم نقود: دنانير، ودراهم، وذهب، وفضة، وغير ذلك مما يسيل له لعاب التاجر وصاحب المال، أضف إلى ذلك وقوع مكة في موقع مهم، والاستيلاء عليه يمهد للسير نحو بلاد الشأم، للاتصال بالروم، أصحاب مشروع الحملة الأصليون،

стр. 4691

كما تحدثت عن ذلك. فالعوامل إذن اقتصادية سياسية، وليست العوامل التي ذكرها أهل الأخبار. وقد ساهم أهل الهند في تسخير البحر كذلك، فكانت سفنهم تمخره ما بين الهند وساحل الخليج إلى "الأبلة"، كما كانت تتجه نحو "سقطرى" وسواحل إفريقية الشرقية، فقد ذكر أهل الأخبار أن "بوارج الهند" كانت تتاجر مع هذه الجزيرة١. وقد مونت الهند جزيرة العرب بالحديد الجيد، الذي صنعت منه السيوف الهندوانية، نسبة إلى الهند. و"التهنيد"، عمل الهند. كما مونتهم بالعود الطيب، وبالخشب الصلد٢. وبظهور الإسلام، وباستيلاء المسلمين على مصر وعلى شمالي إفريقية، وبفتح بلاد الشأم والعراق وإيران وما وراء إيران تغير الحال بالطبع، فماتت الإنبراطورية الساسانية، ومات أسطولها معها، وانقطعت صلة البحرية البيزنطية بالبحر الأحمر وبالمحيط الهندي، وأبعد الأوروبيون من البحار الدافئة إلى أن تبدلت الدنيا مرة أخرى، فظهر المكتشفون الأوروبيون وفي مقدمتهم البرتغال، فعاد التفوق البحري للغرب، وانتزع البحر من البحرية الإسلامية؛ لأنها ظلت جامدة محافظة لم تحدث تغييرًا في هندسة السفن، ولا في أسلوب القوى المحركة لها وفي قابليتها على الحركة، فصارت عاجزة عن مقاومة العقل الحديث، وغلبت على أمرها نتيجة جمود العقلية وعدم التطور مع عقلية الزمن. هذا ولا بد لي هنا من لفت نظر القارئ إلى ورود شيء في كتب أهل الأخبار عن حملات الروم على بلاد العرب وعلى البحر الأحمر، ولو أن هذا المذكور المدون في كتبهم، هو من نوع القصص المعروف المألوف الذي ألفنا قراءته في كتب أهل الأخبار، فيه مبالغة وغرابة وخيال، وفيه سذاجة تنم عن عقلية سطحية تروي كل ما يقال لها من غير نقد ومناقشة. وقد أخذ من أهل الكتاب وفي الإسلام في الغالب. ولكنه قصص يستند –على كل حال- إلى أصل وسبب وإن كان بعيدًا. ثم إنه قصص طريف يريك مبلغ علم القوم بأحوال الماضين، وكيف يروون قصص الحوادث المتقدمة وينقلونه على أنه تأريخ للماضين ويكاد يكون أكثر تأريخ من تقدم زمن الإسلام من هذا النوع.

стр. 4692

الفصل الواحد بعد المائة: تجارة مكة مدخل ... الفصل الواحد بعد المائة: تجارة مكة وكان أهل مكة من أبرع التجار ومن أنشطهم في العربية الغربية عند ظهور الإسلام. وقد أشير إلى تجارتهم في القرآن الكريم١. وسبق أن تحدثت عن تجارتهم في أثناء كلامي على مجمل الحالة السياسية لجزيرة العرب عند ظهور الإسلام. وقد استفاد أهل مكة، ولا شك، من الوضع السيئ الذي طرأ على اليمن بدخول الحبش إليها، ومن تردي الأوضاع السياسية فيها والاضطرابات المستمرة التي وقعت بتصادم الوطنيين والغزاة الأحباش. فانحسر كل نفوذ سياسي أو عسكري كان لحكومات اليمن في الحجاز أو على بعض القبائل، ووجدت قريش نفسها حرة مستقلة وفي وضع يمكنها من استغلال مواهبها في التجارة، فقامت بمهمة الوسيط، تنقل تجارة أهل اليمن والعربية الجنوبية إلى أسواق فلسطين، وتنقل تجارة بلاد الشأم وحوض البحر المتوسط إلى الحجاز ونجد واليمن، وبذلك حصلت على أرباح طائلة عظيمة، جعلتها من أغنى العرب عند ظهور الإسلام، وصيرت مكة مركزًا خطيرًا من مراكز الثروة والمال في جزيرة العرب في ذلك الحين. وقد وصف أهل الأخبار أهل مكة بترفعهم عن البخل والشح، فقال "الجاحظ" وهو يصفهم: "ومن العجب أن كسبهم لما قل من قبل تركهم الغزو، ومالوا إلى الإيلاف والجهاد، لم يعتريهم من بخل التجار قليل ولا كثير، والبخل خلقة

стр. 4693

في الطباع، فأعطوا الشعراء كما يعطى الملوك، وقروا الأضياف، ووصلوا الأرحام، وقاموا بنوائب زوار البيت. فكان أحدهم يحيس الحيسة في الأنطاع فيأكل منها القائم والقاعد والداخل والراكب، وأطعموا بدل الحيس الفالوذج"١. فمرود الكسب الأول عند العرب في الجاهلية هو الغزو على رأي أهل الأخبار، وقد ترفعت قريش عنه، وصرفت نفسها إلى التجارة. ومن طبع التجار البخل ومسك اليد، أما قريش، فخالفتهم في البخل، ووصلت الشعراء وقرت الأضياف. ونسب "الجاحظ" سبب تركهم الغزو إلى كونهم أهل حمس ديانين، فقال: "وكانوا ديانين، ولذلك تركوا الغزو، لما فيه من الغصب والغشم واستحلال الأموال والفروج من العرب"٢. ويعتقد "الجاحظ"، بأن للدين أثرًا كبيرًا على سلوك الإنسان وعلى كره الحرب، إذ تراه يقول: "ثم جاء ما هو أعجب من هذا وأهم، وذلك أنا قد علمنا أن الروم قبل التدين بالنصرانية كانت تنتصف من ملوك فارس، وكانت الحروب بينهم سجالًا فلما صارت لا تدين بالقتل والقتال والقود والقصاص، اعتراهم مثل ما يعتري الجبناء حتى صاروا يتكلفون القتال تكلفًا، ولما خامرت طبائعهم تلك الديانة وسرت في لحومهم ودمائهم، فصارت تلك الديانة تعترض عليهم، خرجوا من حدود الغالبين إلى أن صاروا مغلوبين"٣. فالنصرانية قد أثرت على الروم حتى جعلتهم يكرهون الحروب، وصاروا مغلوبين بعدما كانوا غالبين، ثم جاء بدليل آخر على إثبات رأيه في أن الدين ينقص من شهوة الحرب، هو أن "التغزغز" من الترك، نقصت عندهم الشجاعة وهبت عنهم الشهامة بعد أن دانوا بالزندقة٤. فالدين إذن مخفف من شهوة الحرب مبرد من التعطش إلى القتال، لكنه على رأيه أيضًا، يحول المتدينين إلى أسود في المعارك، فقريش التي تركت الغزو بتة، كانوا مع طول ترك الغزو، إذا غزوا، غزوا كالأسود مع الرأي الأصيل والبصيرة النافذة، والخوارج

стр. 4694

على اختلافهم من أحرار وعبيد وموالي يقاتلون قتال الباسل المستميت مع اختلاف أنسابهم وبلدانهم، و"في هذا ليل على أن الذي سوى بينهم التدين بالقتال"، وأن استبسال قريش والخوارج وغيرهم من المتدينين "إنما هو بسبب الديانة"١ ووحدة العقيدة وعامل الدفاع عنها والجهاد في سبيلها. وقد نسب "الجاحظ" ميل قريش إلى التجارة واشتغالهم بها إلى تحمسهم في دينهم وتشددهم في الدين، فقال: "وقريش من بين جميع العرب دانوا بالتحمس والتشديد في الدين فتركوا الغزو كراهة للسبي واستحلال الأموال واستحسان الغصوب، فلما تركوا الغزو لم تبق مكسبة سوى التجارة فضربوا في البلاد إلى قيصر بالروم وإلى النجاشي بالحبشة وإلى المقوقس بمصر، وصاروا بأجمعهم تجارًا خلطاء"٢. فتحمس قريش في دينهم، حملهم على ترك الغزو، وترك الغزو حملهم على التكسب بالتجارة، فاتجار قريش في مكة وضربهم في الآفاق، هو بسبب البحث عن رزق يعوضهم عن رزق الغزو، الذي أبعده الدين عن قلوبهم، فكان ما كان من أمر تجارتهم. هذا هو رأي الجاحظ في السبب الذي حمل قريشًا على الانصراف إلى التجارة. وفي القرآن: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ ٣. فمكة بلد بواد قفر غير ذي زرع ولا ماء، ليس لأهلها ما لسكان الأرياف والقرى التي تملك المياه والأنهار من ثمرات النبات والأشجار، فصارت الطائف مصيفًا لهم، وموردًا يمدهم بثمر النبات والأشجار٤، واستغل أهلها فقر واديهم، وموقع مدينتهم الذي تمر به القوافل، وشجعوا من كان يسكن حولهم على الحج إلى معبدهم وعلى قصده أيام السنة وموسم الحج، فاستفادوا من الحجاج. وعلوا الموسم سوقًا يتعاطون فيه البيع والشراء، فربحوا وصار لهم مال استثمروه وشغلوه، في سوق مكة وفي الأسواق الأخرى، وتعاملوا مع الأعراب، وعقدوا الإيلاف مع ساداتهم ومع الفرس والروم والحبش، فصاروا

стр. 4695

يخرجون إلى خارج مكة بأمان بفضل العقود والعهود التي عقدوها مع سادات الأعراب، وهي أهم في نظري من أي عقد آخر عقدوه مع حكام العراق وبلاد الشأم أو اليمن، إذ كان في استطاعة الأعراب نهب قوافل مكة وسلب أموالها، وهي ذاهبة أو آيبة محملة، فلا يستطيع أهل مكة فعل شيء، ولا تبقى أية فائدة عندئذ لعقود الإيلاف المعقودة مع الحكام المذكورين. وقد علم سادة مكة ذلك، فتعاقدوا مع سادات الأعراب، وأدو لهم نصيبًا من الربح، وبذلك أمنوا جانب أعرابهم، فكانوا إذا تحرش بهم متحرش، أدبه سادة قبيلته، واستعادوا منه ما أخذه من نهب وسلب. وقوم هم أهل قرار، لهم بيت مقدس، ولهم تجارة، لا يفكرون في غزو، ولا يرتاحون من وجود أهل شغب وفتن بينهم. فالغزو سواء أكان منهم أو كان عليهم مضر بهم. ولا يعود عليهم بفائدة، بل هو يبعد القاصدين لهم عنهم، وفي ابتعادهم عنهم خسارة ثم هو يعرقل تجارتهم ويحول دون اتجارهم، والتجارة مورد رزقهم وعليها معاشهم. وقريش من المستقرين، ومن التجار، ولهم معبد، فكان من صالحهم إشاعة الأمن والابتعاد عن التشاحن وفض كل خلاف يقع فيما بينهم، أو فيما بينهم وبين غيرهم بالتي هي أحسن، وجر الناس إليهم، والعمل على اكتساب صداقة أهل الحضر وأهل الوبر أيضًا، وعلى إنصاف الغريب الذي قد لا يجد له مجيرًا من بين أهل مكة فيظلم، وعلى تقديم الرفادة للحجاج الضعفاء، وإسقائهم الزبيب المنبوذ بالماء في أيام الحج، وعلى شراء الألسنة، ألسنة الشعراء خاصة، لما كان لها من أثر في النفوس. وللمنافع المادية التي كانوا يحصلون عليها من تآلفهم مع القبائل، حرصوا على ألا يؤذي أحد منهم أحدًا من الغرباء، فيثير قوم الغريب عليهم، لا سيما إذا كان ذلك الغريب من قبيلة تمر تجارة قريش بها، فلما عذب أهل "مكة" "أبا ذر الغفاري"، أقبل "العباس" عليهم، وقال: "ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنه من طريق تجارتكم إلى الشام؟. فأنقذه منهم"١. فزهد قريش وعدم ميلهم إلى الاعتداء على الغرباء، لم يكن كما رأى "الجاحظ" عن "تحمس" وعن دين، وإنما كان عن طمع في المال وفي الكسب وفي الحصول على كسب
следующие страницы →