← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

المساقاة: وكما مارس أصحاب الأملاك والمزارعون الجاهليون طريقة المحاقلة والمزارعة، مارسوا "المساقاة" كذلك. وتكون بالاتفاق بين طرفين على قيام أحدهم بتوجيه الماء إلى صاحب أرض أو ملتزم لها أو غير ذلك، وهو محتاج إلى ماء مقابل تعهد يقدمه الطرف الثاني إلى صاحب الماء بعوض، مثل جزء من حاصل أو عين وما شابه ذلك، مقابل ذلك الماء. وذكر أن المساقاة، أن يستعمل رجلًا في نخيل أو كرم ليقوم بإصلاحها مقابل أن يكون له سهم معلوم مما تغله. وأهل العراق يسمونها معاملة١ وذكر العلماء أن أهل المدينة كانوا يقولون للمساقاة المعاملة،

стр. 4622

وللمزارعة المخابرة، وللإجارة بيع، وللمضاربة مقارضة، وأن لهم لغات اختصوا بها١. وقد يخصص الماء كله بالزرع، أي يكرى كله لمؤجره، وقد يكرى لما يسد حاجة الزرع، أي لإرواء الزرع الذي اتفق على إسقائه بالماء، في كل وقت، في النهار أو في الليل، وفي أي لحظة يشاء المستأجر لذلك الماء. وقد يكون على حظ من الماء، مثل ربع يوم أو ليلة، أو يوم معين، أو وقت يثبت. ويقال لهذا الماء "ربيع"، أي حظ٢. وطالما وقعت الخصومات بين المزارعين بسبب اختلافهم على الماء. فالماء هو رأس مال المزارع، فإذا انقطع عن زرعه، تأثر زرعه، وتعرض للهلاك، وزرعه هو رأس ماله وحياته. ومن هذا القبيل الخصومات التي تقع بسبب اشتراك جملة مزارعين في مورد ماء واحد، ومحاولة كل واحد منهم الحصول على أكبر مقدار من الماء، أو أخذه قبل غيره. والخصومات التي تقع من سيل الماء في الشرائج. والجداول التي تمر في عدة مزارع والينابيع والعيون التي تروي جملة أحواط ومحاقل. وقد أشير إلى جملة أنواع من هذه الخصومات في كتب الحديث٣. ومن عادة أهل "يثرب" أنهم كانوا يكرون الأرض، لأجل قصير أو لأجل طويل. فإذا كان الأجل طويلاً فربما غرسوا شجرًا، على نصيب معلوم من الثمر، وذلك؛ لأن أكثرهم لم يكونوا يملكون كثيرًا من الذهب والفضة، فكانوا يتعاملون على الشطر مما تغله الأرض. ولما جاء المهاجرون زارعوا الأنصار بالشكر على الثلث والربع، حتى ما كان بالمدينة بيت هجرة، إلا وزرع على الشطر٤. أو على التبن أو على أوسق من تمر أو بر أو غير ذلك. وكرى بعضهم أرضه بالدراهم والدنانير وبالفضة وبالذهب. وقد أشير إلى ذلك في كتب الحديث٥.

стр. 4623

إكراء الأرض: وإكراء الأرض، بمعنى إيجار أرض ما لمدة معينة محدودة، أو بدون حد بشروط وفي مقابل بدل. ويقال لهذا البدل الذي يدفع عن ثمرة استغلال الأرض أو أي كراء "اثوبت"، أي "الثواب" "ثواب". ثواب أجر الانتفاع من الشيء الذي أجر. وقد يكون هذا الشيء أرضًا وقد يكون دارًا وقد يكون حيوانًا. فورد في بعض النصوص العربية الجنوبية أن أختين استأجرتا أرضًا على ساحل نهر "عبرت"، وبقرًا لتقوما بإيجارها إلى الفلاحين لاسغلالها بزرعها، وبتنمية البقر بشروط معينة، تنتهي بأجل نص عليه، في مقابل بدل إيجار "اثوبت" يدفع إلى أصحاب المال. وقد أشير في الكتابة إلى أن الإله "المقه"، قد وافق على العقد وباركه١. ومعنى ذلك أن العقد عقد شرعي وقد سجل رسميًّا وصار عقدًا معترفًا به قانونًا من الحكومة ومن المعبد. ويراد بلفظة "عبرت"، لفظة "عبرة" و"العبرة" في لغتنا. والعبرة شاطئ النهر وناحيته، قال النابغة الذبياني يمدح النعمان بن المنذر: وما الفرات إذا جاشت غواربه ... ترمي أواذيه العبرين بالزبد يومًا بأطيب منه سيب نافلة ... ولا يحول عطاء اليوم دون غد٢ وورد في أحد النصوص، أن ناسًا "ادم"، استأجروا أرضًا من الآلهة، على أن يدفعوا أجرها سنة بعد سنة، وحسبما اتفقوا عليه مع الآلهة٣، مما يدل على أن هذه الأرض المؤجرة هي من أوقاف المعبد. وقد أجرها أولئك الناس، من رجال الدين الذين بيدهم أمر حبوس الآلهة. ومن حق المؤجر، أي المالك إبطال العقد، إذا أخل المستأجر بشرط العقد أو أظهر كسلًا وتباطؤًا أو عدم مبالاة في استغلال الشيء المؤجر٤. ويعني هذا أن

стр. 4624

الاتفاق كان على دفع نصيب معين من الغلة أو من ثمرة العمل. وبما أن هذا النصيب متوقف على مقدار الجهد الذي يبذل في استغلال الملك المؤجر، بحيث إذا زاد، زاد نصيب المؤجر عن إيجار ملكه، وإذا قل، قل نصيبه أيضًا، ومن حيث أن من مصلحة المؤجر أن يزداد وارد "اثوبت" ملكه، لذلك صار من حقه إبطال العقد، إذا رأى تهاونًا في تطبيق ما جاء فيه. وقد كان أهل الحجاز، يكرون أرضهم، يكرونها بالثلث والربع والطعام المسمى وبالذهب وبالورق. وكانوا يدفعون الأرض على من يزرعها ببذر من عنده على أن يكون لمالك الأرض ما ينبت على مسايل الماء ورؤوس الجداول أو هذه القطعة والباقي للعامل. وقد نهى رسول الله عن أكثر أنواع هذه الكراء، ذكر أنه قال: " من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها "١.

стр. 4625

بيوع زراعية: وتضطر الظروف الاقتصادية المزارعين إلى بيع الثمار وخضر البقول قبل بدو صلاحها، وقد يفعلون ذلك تخلصًا من معاملات جني الثمر وحراسته من اللصوص، وحمله إلى الأسواق، وأمثال ذلك من معاملات تحتاج إلى مال وجهد. ويقال لذلك "المخاضرة". وقد عرفت بأنها بيع الثمار قبل بدو صلاحها، سميت بذلك؛ لأن المتبايعين تبايعًا شيئًا أخضر بينهما، مأخوذ من الخضرة، ويدخل في ذلك بيع الرطاب والبقول وأشباهها١ فكان صاحب الأشجار والمزرعة يبيع ثمار زرعه لغيره، فيبيع الثمار قبل أن تطعم، ويبيع الزرع قبل أن يشتد ويفرك منه. وقد نشأت عن هذا البيع خصومات ومنازعات بسبب وقوع عاهات في الحاصل، تفسد على المبتاع ربحه، فيطلب عندئذ من البائع استرجاع ما دفعه له كله أو بعضه، وتقع عندئذ الخصومات. وقد بقيت سنتهم على ذلك حتى مجيء الرسول إلى المدينة، فكانوا يأتونه للمقاضاة، فوقع النهي منه على هذا النوع من البيوع،

стр. 4626

ولم يسمح به إلا أن يبدو صلاح الثمر، فيتبين صلاحه ونوعه. وعندئذ لا يحق لمبتاع التذمر من شرائه؛ لأنه شاهد ما ينوي شراءه ورآه، فلا غبن فيه١. ومن بيع المخاضرة شراؤها مغيبة من الأرض، كالفجل، والبصل، واللفت، والثوم وشبهه، وللفقهاء في ذلك جملة آراء٢. وورد أن "المحاقلة" نوع من البيوع. وهي بيع الطعام في سنبله بالبر، وقيل اشتراء الزرع بالحنطة. وقد نهي عنها في الإسلام٣. ومن أنواع البيوع التي تعرض لها الفقهاء "المزابنة". وهي بيع الثمر في رؤوس النخل بالتمر كيلًا، وبيع الزبيب بالكرم كيلًا. وذكر بعض العلماء أن المراد بذلك بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر، وبيع العنب بالزبيب، وبيع التمر في رؤوس النخل بالتمر. وذكر أيضًا أن من المزابنة بيع التمر بكيل جزاف، وكل تمر بيع على شجره بتمر كيلًا، وقد نهي عنه في الحديث؛ لأنه بيع مجازفة من غير كيل ولا وزن. وقد نهي عنه لما يقع فيه من الغبن والجهالة. وذكر أن المزابنة كل جزاف لا يعرف كيله ولا عدده ولا وزنه بيع بمسمى من مكيل وموزون ومعدود. أو هو بيع معلوم بمجهول من جنسه، أو هو بيع مجهول بمجهول من جنسه، أو هو بيع المغابنة في الجنس الذي لا يجوز فيه الغبن؛ لأن البيعين إذا وقفا فيه على الغبن، أراد المغبون أن يفسخ البيع وأراد الغابن أن يمضيه فتزابنا فتدافعا فاختصما٤.

стр. 4627

جمعيات زراعية: ويظهر من بعض الكتابات أن بعض المقاطعات الزراعية كانت في إدارة مجلس يتألف من ثمانية أشخاص عرفوا بـ"ثمنيتن"، أي "الثمانية"، أداروا شؤون المقاطعة من إشراف على العمل، ومن إدارة لأمور الزروع، ومن تهيئة للبذور وما يحتاج إليه الزرع، ومن دفع حصص الحكومة والمعبد، ومن خزن وبيع

стр. 4628

وتصريف١. فهم هيأة مجلس زراعي لمشروع تعاوني يضم أهل تلك المقاطعة، واجبهم تمشية أمور هذه المؤسسة الزراعية والإشراف عليها، وإعطاء كل ذي حق حقه ونصيبه في هذه الجمعية الزراعية التعاونية. ويظهر أن شيئًا من التخصص، كان قد وجد في هذه الجمعيات، فعهدت أمر الإدارة إلى رجل عرف بـ"سمخض"، كان بمثابة مدير للجمعية، واجبه الإشراف على الأرض التي أوكل أمر إدارتها إليه. أما وظيفته، فعرفت بـ"سمخضت" أي إدارة أرض أو إدارة مقاطعة، أو "إدارة" بتعبير أصح. وعرف من تولى أمر جباية الضرائب والإشراف على الموظفين الذين يوكل أعمل الجباية إليهم، بـ"نحل"، ويقال لوظيفته "نحلت"٢. ولا استبعد أن تكون "نحلت"، جماعة جمعت بين أعضائها روابط فكرية واقتصادية. فتعاونت فيما بينها على العمل معًا والاشتراك في استغلال حاصل هذا العمل. ودليل ذلك أننا نجد معاجم اللغة تفسر "النحلة" بالديانة٣، ولهذا التفسير صلة بما ذهبت إليه من معنى للفظة "نحلت"، وعلى ذلك يكون الـ"نحل" رئيسًا للنحلة، يشرف عليها ويدفع بالنيابة عنها حق الحكومة والمعبد. وقد ورد في أحد النصوص أن جمعية من هذه الجمعيات الثماني، كانت تدير أرضين في ضواحي مدينة "هرم". وقد نعت أعضاؤها بـ"ابعل"، أي سادة ورؤساء٤. فهم سادة هذه الجمعية وأصحاب الإرادة فيها.

стр. 4629

الهروب من الأرض: وقد جابهت حكومات العربية الجنوبية المشكلة التي تجابه كل حكومة. مشكلة هرب المزارعين من الأرض والالتجاء إلى المدن. ففي بعض نصوص المسند الخاصة بالزراعة نجد تهديدًا للمزارعين الذين يفرون من المزارع ويجلون عنها، فيلحقون بذلك الأذى بالزراعة وبالحاصل. والواقع أن حياة الفلاح في المزرعة كانت صعبة

стр. 4630

قاسية، فلا يكاد دخل الفلاح يكفيه مؤونته ومؤونة عياله، ولا سيما أيام الشدة حين يقل الزرع أو يتعرض للتلف لعوامل عديدة ليس في طاقة الفلاح مكافحتها، فضلًا عن الضرائب الباهظة التي عليه أن يدفعها إلى صاحب الأرض والحكومة والمعبد. فلاذ بأذيال الهرب من الأرض إلى المدن للاشتغال فيها، بالرغم من تشديد الحكومة في منع الهجرة وترك المزارع من غير موافقة أصحاب الأرض. وقد عرف الهارب من الأرض والمجلي عنها بـ"مهسجلت" في نصوص المسند١. ويقال للأرض التي يهاجر المهاجر إليها، وللمكان الذي يفر إليه المزارع من الحضر ليجد فيه رزقًا يبحث عنه "مهجرت" في لغة المسند. أي "المهجرة"، بمعنى: "المهجر"٢.

стр. 4631

العمري والرقبى: ومن عقود أهل الجاهلية: "العمري" و"الرقبى". والعمري ما يجعل لك طول عمرك أو عمره، أو هو أن يدفع الرجل إلى أخيه دارًا، فيقول له: هذه لك عمرك أو عمري أينا مات دفعت الدار إلى أهله. وقد عمرته إياه وأعمرته جعلته له عمرة أو عمري، أي يسكنها مدة عمره، فإذا مات عادت إلي١. و"الرقبى"٢ أن يعطي الإنسان إنسانًا ملكًا كالدار والأرض ونحوها، فأيهما مات رجع الملك لورثته. أو أن يجعله لفلان يسكنه، فإن مات ففلان يسكنه، فكل واحد منهما يرقب موت صاحبه. وقد أرقبه الرقبى، وأرقبه الدر جعلها له رقبى٣. وللفقهاء كلام في الاثنين٤. ويكون "العمري" و"الرقبى" في الأرض كذلك، كأن يعطي الرجل رجلًا أرضًا يستغلها طول حياة أحدهما، فأيهما مات طبقت بحق الأرض ما اتفق عليها من شروط. وقد كانوا يفعلون ذلك بالنسبة للأقرباء والأصدقاء والمقربين لمساعدتهم.

стр. 4632

العرية: العرية النخلة المعراة. وأعراه النخلة وهب له ثمر عامها١. والعرية أيضًا التي تعزل عن المساومة عند بيع النخل، والتي يعريها صاحبها رجلًا محتاجًا، وأن يشتري الرجل النخل ثم يستثني نخلة أو نخلتين، يقال أعرى فلان فلانًا ثمر نخلة، إذا أعطاه إياها يأكل رطبها، وليس في هذا بيع، وإنما هو فضل ومعروف. فالعرية إذن النخلة عزلتها من المساومة، والإعراء أن تجعل ثمرتها لمحتاج أو لغير محتاج عامها ذلك، وقد رخص الرسول في العرايا، وللفقهاء كلام في ذلك٢.

стр. 4633

الفصل الثامن والتسعون: الحياة الاقتصادية مدخل ... الفصل الثامن والتسعون: الحياة الاقتصادية وأقصد بالحياة الاقتصادية كل ما يتعلق بمفهوم الاقتصاد من معنى، ما يتعلق منه بالحكومة أو ما يتعلق منه بالشعب. وما يتعلق منه بالتجارة والمال، أو ما يتعلق منه بالزراعة أو بالصناعة والحرف. واقتصاد أية أمة، حاصل أمور عديدة: الجو، من حر وبرد، ومن مطر وجفاف، ومن ثروات طبيعية، تستنبط من الماء أو التربة، ومن نشاط وجهد وظروف اجتماعية، هي من حاصل تأثير المحيط في أهله. وأدخل هنا في الحياة الاقتصادية ما يشمل التجارة بنوعيها تجارة البر وتجارة البحر، وما يشمل الزراعة، ثم ما يشمل الحرف والصناعات. وتشمل التجارة: الاتجار داخل جزيرة العرب، أي تعامل أبناء بلاد العرب بعضهم مع بعض، والاتجار مع الخارج، أي مع الحكومة الغربية مثل الهند وحكومات أفريقيا والفرس والروم. لقد كان الجاهليون مثل غيرهم من الشعوب السامية نشطون في عالم التجارة. والتجارة تكاد تكون الحرفة الوحيدة عند العرب التي لم ينظر العربي إليها وإلى المشتغل بها نظرة استهجان وازدراء وانتقاص. بل اعتبرت عندهم من أشرف الحرف قدرًا ومنزلة. ونظر إلى التاجر نظرة تقدير وتجلة، مع أنها حرفة مثل سائر الحرف، فيها من الحيل والخداع واللعب على الناس ما في أية حرفة أخرى

стр. 4634

وفيها عمل وجهد على نحو ما نجد في الزراعة أو في الصناعة, ولكنها نظرة واجتهاد إلى الحياة، وظروف طبيعية، جعلت العرب تجارًا في الغالب، فشرفوا التجارة على غيرها من الحرف، وقدموها عليها في المنازل والدرجات. وقد بقيت على هذه المنزلة والدرجة في الإسلام كذلك. وأشير إلى شرفها وسمو منزلتها في كتب الحديث، مما يدل على ما كان للتجارة من منزلة في نفوس الناس. والتاجر الذي يبيع ويشتري. ومن المجاز التاجر الحاذق بالأمر، لما تحتاجه التجارة من ذكاء وحذق في مساومات البيع والشراء. وذكر علماء اللغة أن العرب تسمي بائع الخمر تاجرًا، وأن أصل التاجر عندهم الخمار، يخصونه من بين التجار١. والتجارة صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح٢. و"التاجر" هو "مكر" في لغة المسند، و"تمكرو" في الآشورية٣. كان الملوك تجارًا يبيعون ويشترون، وكان رؤساء المعبد تجارًا يتاجرون باسم معابدهم، ويكسبون من الضرائب التي تقدم للمعابد كسبًا فاحشًا، وكان أصحاب الأملاك ورؤساء العشائر تجارًا كذلك، يتاجرون بما يقدمه إليهم من هو دونهم في المنزلة من حاصل وغلة، ويتاجرون بما يستوردونه من الخارج، من إفريقية أو من الهند، من حاصلات ثمينة غالية في نظر تجار ذلك اليوم، لبيعه في الداخل أو نقله إلى بلاد الشأم أو العراق لتصريفه في أسواق تلك الجهات. وفي اللهجات العربية ألفاظ ومصطلحات كثيرة لها صلة بالتجارة وبالتعامل، وهي من اللغات العالمية الغنية في هذه المادة، ويلاحظ بصورة عامة أن اللهجات السامية غنية كلها تقريبًا بالألفاظ المستعملة في البيع والشراء والتعامل والتجارة، وفيها مترادفات كثيرة في هذا الباب، وكثرة هذه الألفاظ دليل على حذق الساميين عمومًا بالتجارة وافتتانهم بها، وعلى وجود عقلية تجارية لديهم. والتأريخ يؤيد ذلك، فترى الساميين عمومًا، وهم أنشط من غيرهم، يتنقلون من مكان إلى مكان طمعًا في ربح، وركضًا وراء تجارة، وهم من أحذق الناس يومئذ في التحكم في الأسعار وفي التعامل وفي البيع والشراء.

стр. 4635

وفي القرآن الكريم لفظة "تجارة" و"تجارتهم" ومصطلحات أخرى عديدة ذات صلة بالاتجار والتجارة والمعيشة والكسب. كما أن فيه إشارات كثيرة إلى تجارة قريش وإلى أثر التجارة في حياة الناس في ذلك الوقت. وفيه تحريم للربا وتوبيخ وتقريع و ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ١. وفيه أمور أخرى توحي إلينا بما كان للتجارة من أثر كبير في حياة أولئك الجاهليين. بل نجد القرآن الكريم يحاججهم ويناقشهم ويخاطبهم بلغتهم التي يفهمونها لغة الربح والخسارة والكسب والثواب والعقاب، والتأجيل والتعجيل، وما أشبه ذلك من كلام له أبلغ الوقع والإدراك في نفس التاجر، الذي يعي الناحية المادية من ربح وخسارة وكسب وتوفير، أكثر من وعيه وإدراكه للأمور الروحية التي لا يفهمها كثيرًا؛ لأنها ليست من صميم حياته ومحيطه العملي. والتجارة أنواع كثيرة، تشمل كل أنواع البيع والشراء. والتاجر، هو الذي يتاجر في الأسواق. غير أن منهم من تخصص في نوع خاص من أنواع التجارة مثل بيع الحبوب، وقد يتخصص ببيع نوع خاص من الحبوب، مثل الحنطة، فيقال له: "حنّاط" وحرفته "الحناطة"٢. وقد يتخصص ببيع وشراء "البز"، فيقال له "البزاز" وحرفته "البزازة"٣. وقد يتخصص ببيع "الزيت"، فيقال لبائعه "الزيات" وللذي يعتصره "الزيات" كذلك٤. وتكون التجارة بالمقايضة، وهي المعاوضة، إذا عارض التاجر أو أي شخص متاعًا بمتاع آخر، وبادل سلعة بسلعة أخرى٥. وهي الطريقة القديمة في الاتجار، قبل أن يتعامل بالذهب والفضة وزنًا، في تقييم قيم الأشياء، وقبل أن تعرف النقود، التي ولدت من التعامل بالذهب والفضة. وطريقة المقايضة أو المبادلة أو المعاوضة، لا تزال طريقة قائمة معروفة، تتبعها الدول، في تصريف منتجاتها بمنتوجات أخرى عوضًا عن النقد، لحاجتها إلى النقد وإلى تصريف حاصلاتها

стр. 4636

الفائضة عليها. وقد اتبع الجاهليون هذه الطريقة، فكانوا يبادلون الجلود بسلع أخرى، ويبادلون التمر بالحنطة١. وقد اتبع الجاهليون طريقة التعامل بالذهب والفضة وزنًا كذلك، كما تعاملوا بالنقود. ويتبين لنا من دراسة كتب التفسير والحديث وكتب الأدب والأخبار والسير أنه كان لأهل مكة عرف وضعوه في أصول التجارة يمكن أن نسميه "قانون التجارة" بالنسبة لأهل تلك المدينة، تكون من تجاربهم في الاتجار ومن تعاملهم بعضهم مع بعض، ومن تجاربهم وتعاملهم مع الخارج، مثل تعاملهم مع الفرس والروم والحبش، حيث أخذوا من هؤلاء الأعاجم النظم والقواعد التجارية التي كانوا يسيرون عليها والتي لم تكن معروفة عند أهل مكة، بسبب اختلاف المحيط وطريقة التعامل التجاري بين الدول. فتجار مكة وأصحاب المال، هم الذين وضعوا أصول التعامل في التجارة فيما بينهم، وهم الذين كونوا بأنفسهم قوانينهم، إذ لا حكومة منظمة لهم تضع التشريع وتقوم بالتنفيذ على نحو ما كان في العربية الجنوبية أو عند الفرس أو الروم. ويتبين لنا من دراسة الموارد المذكورة كذلك، أن أهل مكة كانوا خبراء في أصول تنمية الأموال وفي كيفية استثمارها واستغلالها، فكانت لهم مرابحات وكانت لهم شراكات وتعامل ومراسلات مع غيرهم من أصحاب المال في مختلف أنحاء جزيرة العرب، وكان لهم ربا، للحاجة، أي للشدة والعسر والضيق. أو للتعامل بالمال المقترض بالربا لإنمائه في مشاريع اقتصادية تعود بالفائدة على المقترض أكثر من فائدة الربا التي يدفعها للمرابي، حتى ظهر في مكة أناس كانوا يعدون من كبار الأغنياء بالنسبة لأهل تلك المدينة وبالنسبة لجزيرة العرب في ذلك الوقت. وفي المسند ألفاظ كثيرة ذات معاني تجارية تتعلق بالبيع والشراء والامتلاك والعقود وهي دليل على أن العرب الجنوبيين كانوا قومًا تجارًا يجنون من التجارة أرباحًا طائلة، ويعيش الكثير منهم عليها. فكانوا يبيعون ويشترون ويصدرون ويستوردون في الداخل والخارج، يقصدون الأسواق الشهيرة القريبة منهم، كما يقيمون الأسواق في بلادهم في المواسم أو في أيام معينة من الأسبوع للبيع والشراء، ولسد حاجاتهم

стр. 4637

بما يفيص عليهم من حاصل زراعة أو منتوج حيوان يبلدونه مقايضة بما يعوزهم من ضرورات وحاجات. والتجارة هي "ش ت ي ط" "شتيط" في لغة قتبان. وقد وردت هذه اللفظة في عدد من النصوص القتبانية، في أوامر أصدرها ملوك قتبان لتنظيم التجارة وتنظيم الجباية، وفي كيفية جباية "المكس" عن البضائع التي تباع في الأسواق، وفي العقوبات التي تفرض على المخالفين وعلى المتهربين من دفع جباية السوق. وقد حددت القواعد التي يسمح بموجبها للغرباء في الاتجار بأسواق مملكة قتبان، وفي كيفية اتجار القتبانيين في الأسواق الخارجية. وفي جملة هذه النصوص نص أصدره الملك "شهر هلال بن يدع اب" "شهر هلل بن يدع اب" في تنظيم التجارة وفي كيفية الاتجار. وقد نشر على شكل إعلان أو مرسوم ملكي موجه من الملك إلى التجار من أهل قتبان، وإلى الغرباء الوافدين عليها للاتجار، وقد كتب ونشر ليطلع عليه الناس كما تفعل الدول في الوقت الحاضر. وقد وردت في النص جملة مصطلحات وألفاظ، لها معان تجارية، مثل "يشط" أي يتاجر، و"يعرب" من "عرب" بمعنى يقدم عربونًا ويضع عربونًا١. ومن أصل "عرب" العرابة والعربون في العربية الشمالية٢. و"خدر" بمعنى أقام ومقيم ومقيمين ونازلين. وقد ورد في المعجمات اللغوية أن من معاني هذه اللفظة الإقامة بالمكان٣. ويقصد بذلك النازلون في مكان ما. ولما كان هذا النص أمرًا وقانونًا في تنظيم التجارة، فقد حدد ما جاء فيه من أوامر، بالنسبة إلى سكان المدينة "تمنع" وخارجها، وكذلك مملكة قتبان، والمقيمين بها، والوافدين من خارج قتبان للعمل بالأسواق والاتجار. ولذلك وردت هذه الجملة: "ومن يتجر تجارة بتمنع وبخارج تمنع، فعليه أن يقدم عربونًا إلى تمنع، وأن يكون مقيمًا بشمر، وإن آثر قتبان محلًّا لاتجاره، وأراد أن يتجول ليشتري، فعليه أن يشتري من شمر ... "، فحدد بذلك كيفية الاتجار وحق الاتجار والموضع

стр. 4638

الذي يجب أن يشتري منه بالنسبة إلى تجار قتبان وإلى التجار الغرباء عن تمنع. وقد حدد هذا القانون حقوق الـ"خدر"، أي التاجر النازل والمقيم في إمارة "شمر"، والذي يتجول فيذهب إلى قتبان للاتجار فيها والتسوق من أسواقها، ويذهب إلى قبائلها لبيع ما عنده إليها أو لشراء ما يحتاج إليه من تجارة منها، وعليه أن يفعل ذلك، ولكنه ملزم بأخبار "عهر شمر"، وبذلك، وذلك لتسوية المشكلات والحسابات التي تتولد من المعاملات التجارية. وقد تطرق النص إلى الأضرار التي قد تصيب الأجانب أو القتبانيين، وإلى إحقاق الحقوق، ولهذا وضع الملك هذا الأمر. وجاءت في آخر النص هذه الجملة: "وخمسي ورقم" أي "خمسين ورق"، وقد سقطت كلمات قبلها، فلم يعرف المراد من ذكر هذا الرقم، أقصد وضع تأمينات بهذا القدر المذكور، أم قصد جزاءً يفرض على المخالفين، أو غير ذلك. وهذه القوانين القتبانية، هي من أقدم وأشهر القوانين التي وصلت إلينا باللهجات العربية القديمة في كيفية تنظيم الاتجار والتعامل في السوق وفي تعيين حقوق الحكومة ونصيبها من الأرباح المتأتية من التجارة. وهي دليل ناطق على مقدار عناية القتبانيين بأمور التجارة بالنسبة لذلك الوقت.

стр. 4639

التجارة البرية: والتجارة البرية، هي عماد تجارة الجاهليين، ولا سيما الجاهليين القريبين من الإسلام وسندهم الأول في رخائهم وفي كسب ثرواتهم. وعماد هذه التجارة وسندها القوافل. فقد كان الملوك وسادات القبائل والأشراف يرسلون تجارتهم بقوافل إلى مواضع اتجارهم، فتبيع ما تحمل وتشتري ما تحتاج إليه من تجارة، لتبيعها في مكان آخر بثمن غال، ويكسب أصحاب هذه القوافل كسبًا حسنًا من هذا الاتجار. والتجارة البرية: إما تجارة داخلية، أي داخل قطر من أقطار جزيرة العرب وبين أقطارها، وإما تجارة خارجية، كانت تتم مع بلاد الشأم والعراق، أي خارج حدود جزيرة العرب في اصطلاح الجغرافيين المسلمين. وقد أشير في التوراة وفي الكتابات الآشورية والمؤلفات اليونانية واللاتينية إلى

стр. 4640

اتجار العرب مع الخارج، كما أشير إلى اتجار الآشوريين والفرس والرومان والروم مع العرب، وإلى طمع الدول الكبرى لعالم ذلك الوقت في جزيرة العرب، نظرًا لما كانوا يسمعونه عن ثرائها وغناها، ولموقعها الجغرافي المهم الذي يقع بين أفريقية وآسية. ويهيمن على المياه الدافئة ذات المنافع الكبيرة بالنسبة للتجارة العالمية في كل وقت وزمان. والعربية الجنوبية في كتب اليونان والرومان وفي التوراة، بلاد غنية ذات خيرات وثروات وتجارات وأموال، قوافلها تخترق جزيرة العرب إلى بلاد الشأم والعراق، وفي بلادها الذهب والفضة والحجارة الكريمة، تتاجر مع الخارج فتربح بتجارتها هذه كثيرًا، وبذلك اكتنزت المعادن الثمينة المذكورة والأموال النفسية حتى صارت من أغنى شعوب جزيرة العرب. وفي "المزامير" أن "شبا" ستعطي "الذهب" لملك العبرانيين في جملة الشعوب التي ستخضع له، تقدم له الجزية١. وورد في "أرميا" أن "شبا" كانت ترسل "اللبان" إلى إسرائيل٢. وقد ذكروا في سفر "حزقيال" في جملة كبار التجار. كانوا يتاجرون بأفخر أنواع الطيب وبكل حجر كريم وبالذهب٣. وأشير في "أيوب" إلى قوافل "شبا" التي كانت تسير نحو الشمال حتى تبلغ إسرائيل٤. وفي هذه الإشارات دلالة على الصلات المستمرة التي كانت بين العبرانيين والسبئيين، وعلى أن السبئيين كانوا هم الذين يذهبون إلى العبرانيين، يحملون إليهم الذهب والأحجار الكريمة والطيب واللبان. فتبيع قوافلهم ما عندها في أسواق فلسطين، ثم تعود حاملة ما تحتاج إليه من حاصلات بلاد الشأم ومصر وفلسطين. ويظهر من سفر "يوئيل" أن السبئيين كانوا يشترون السبي من فلسطين، من "بني يهوذا"، حيث جاء فيه تهديد لأهل صور وصيدا بأن رب إسرائيل سينتقم منهم جزاء اعتدائهم على الإسرائيليين ونهبهم ذهبهم وفضتهم. وسيجعلهم عبيدًا يباعون في الأسواق إلى السبئيين: "وأبيع بنيكم وبناتكم بيد بني يهوذا

стр. 4641

تبيعونهم للسبئيين، لأمة بعيدة؛ لأن الرب قد تكلم". مما يدل على أنهم كانوا من المشترين للرقيق، ينقلونه إلى بلادهم للاستفادة منهم في مختلف نواحي الحياة، يتخذون النساء الجميلات زوجات لهم، ويتخذون البشعات والقويات للخدمة، ويعهدون للرجال بالأعمال المختلفة التي تحتاج إلى ذكاء ومهارة وفن وإتقان، وبأعمال أخرى صناعية وزراعية، وأمثال ذلك. وقد أشير إلى ثراء السبئيين وامتلاكهم للذهب والفضة في بعض الكتابات الآشورية، فذكر "تغلاتبليزر" الثالث مثلًا أنه أخذ الجزية من السبئيين، أخذها ذهبًا وفضة وإبلًا: جمالًا ونوقًا ولبانًا وبخورًا من جميع الأنواع، كما ذكر "سرجون" أنه أخذ الجزية من "يثع أمر" ملك سبأ، أخذها ذهبًا وخيلًا وجمالًا ومن مصنوعات الجبال١. وقد سبق لي أن تحدثت عن هذا الموضوع في أثناء حديثي عن صلات الآشوريين مع العرب، وعندي أن هذه الجزية التي دفعت إلى الآشوريين، قد تكون جزية بالمعنى المفهوم من اللفظة، أي نتيجة قهر وإكراه وخضوع لحكم الآشوريين وهزيمة لحلقت بالسبئيين في حرب أو حروب وقعت مع الآشوريين، وقد تكون بمعنى ضريبة دفعها السبئيون إلى الآشوريين في مقابل السماح لهم بالاتجار في أسواق الحكومة الآشورية، فهي ضرائب يدفعها التجار أو تدفعها الحكومات إلى الحكومات الأخرى في مقابل السماح لها بالاتجار معها، وفتح أبواب أسواقها لرعاياها، للبيع والشراء. وفي كتب اليونان واللاتين تأييد واتفاق تام على ما جاء في التوراة عن ثراء السبئيين، وعن امتلاكهم الذهب والفضة والأحجار الكريمة. وقد بالغت في ذلك مبالغة أخرجتها من حدود الواقع إلى الخيال. فنسبوا لهم استعمال الأثاث المصنوع من الذهب والأواني المستعملة من الذهب والفضة، وغير ذلك مما أخرج وصفهم من حدود المعقول وأدخله في عالم القصص والأساطير. وقد بالغ "سترابو" في وصف ثراء السبئيين بسبب اتجارهم بنوع من العطور الزكية، دعاها باسم "اللاريم" Larimum وبالمواد الأخرى النفيسة، وذكر أنه كانت "لديهم كميات كبيرة من مصوغات الذهب والفضة، كالأسرة والموائد

стр. 4642

الصغيرة، والآنية والكؤوس، أضف إليها فخامة منازلهم الرائعة، فإن الأبواب والجدران والسقوف مختلفة الألوان بما يرصع فيها من العاج والذهب والفضة والحجارة الكريمة"١. وقد كانت هذه الشهرة من أهم العوامل التي دفعت بالقيصر "أغسطس" إلى إرسال حملته المشهورة المخفقة على اليمن. وهاك ما كتبه المؤرخ "بلينيوس" Pliny عن ثروة العرب وعن تجارتهم، لترى ما كان ماثلًا في مخيلة الرومان واليونان عن العرب. قال: ومن الغرابة أن نقول: إن نصف هذه القبائل التي تفوق الحصر، يشتغل بالتجارة، أو يعيش على النهب وقطع الطرق. والعرب أغنى أمم العالم طرًّا، لتدفق الثروة من روما وبارثيا إليهم، وتكدسها بين أيديهم. فهم يبيعون ما يحصلون عليه من البحر ومن غاباتهم. ولا يشترون شيئًا مقابل ذلك"٢. وقد أشار "بلينيوس" إلى أن المعينيين كانوا يملكون أرضًا غنية خصبة، يكثر فيها النخيل والأشجار، وكان لهم قطعان كثيرة من الماشية، وأن السبئيين كانوا أعظم القبائل ثروة بما تنتجه غاباتهم الغنية بالأشجار من عطور وبما يملكونه من مناجم الذهب والأرضين المزروعة المرواة، وما ينتجونه من العسل وشمع العسل. كما كانوا ينتجون العطور٣. وقد عد "سترابو" العسل في جملة المحصولات التي اشتهرت بها العربية الجنوبية، وذكر أنه كثير جدًّا فيها٤. وقد كان العرب الجنوبيون يتاجرون مع بلاد الشأم، فيرسلون إليها قوافلهم مارة بالحجاز إلى أسواق بلاد الشأم بالطرق البرية التي لا يزال الناس يسلكونها حتى اليوم مع شيء من التحوير والتغيير. وقد عثر على كتابة دونها كبيران شكرا فيها الإله "عثتر"؛ لأنه نجاهما مع قافلتهما من الحرب التي كانت قد وقعت بين "مصر" وبين "مذي"، فوصلا معها سالمين إلى مدينة "قرنو"، أي

стр. 4643

عاصمة "معين". وقد ورد أنهما كانا يتاجران مع "مصر" و"ااشر"، أي "آشور"، و"عبر نهرن" "عبر نهران"١. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن هذه الكتابة تشير إلى حرب وقعت فيما بين السنة "٢٢٠" والسنة "٢٠٥" قبل الميلاد. أي في عهد "البطالمة"، وأن تلك الحرب كانت بين "الميديين" الذين أشير إليهم بـ"مذى" وبين "البطالمة" الذين أشير إليهم بـ"مصر"؛ لأنهم حكام مصر، أو الحرب التي وقعت فيما بين "السلوقيين" وبين "البطالمة"، والتي أدت إلى الاستيلاء على "غزة" سنة "٢١٧" قبل الميلاد. وقد كان العرب الجنوبيون يتاجرون مع هذه المدينة التي تعتبر الميناء الذي يؤدي بالتجار إلى موانئ مصر٢. وقد كانت "البتراء" أي "سلع" Sela، أهم عقدة طرق يمر بها المعينيون والسبئيون. ومنها يتجه طريق نحو البحر الميت، لمن يريد الاتجار مع بلاد الشأم وطريق آخر ينتهي بغزة، لمن يريد الاتجار مع هذا الميناء المهم، الذي بقي العرب يتاجرون معه إلى أيام الرسول. وقد كان "هاشم بن عبد مناف" ممن يتاجر معه، وبه توفي كما تذكر الأخبار. وقد كان الذهب في رأس السلع التي حملها تجار العرب إلى الآشوريين وحكومات العراق وبلاد الشأم، وفي التوراة ذكر للذهب الذي كان يجلبه العرب إلى العبرانيين، وقد أشرت إلى ما ذكره الكتبة اليونان عن الذهب عند العرب، ولعلهم كانوا يحملون الفضة إليهم كذلك. فقد كانت للفضة مناجم في جزيرة العرب. وقد ورد في أخبار أهل الأخبار أن "أبا سفيان" كان قد حمل فضة كثيرة معه لبيعها في أسواق بلاد الشأم، كما سأتحدث عن ذلك فيما بعد، فلا يستبعد تصدير العرب للفضة لبيعها في تلك الأسواق في ذلك العهد. أما منتوجات الحديد أو مصنوعات معادن أخرى، فلا نجد لها ذكرًا في قائمة السلع التي كان يحملها التجار العرب إلى الخارج، بل يظهر أن أهل جزيرة العرب، كانوا هم الذين يستوردون مصنوعات المعادن من الخارج إلى جزيرتهم،

стр. 4644

فنجد في الأخبار أنهم كانوا يفتخرون بالسيوف الهندوانية، أي المصنوعة بالهند، أو المعمولة من حديد هندي، أو المعمولة على طراز سيوف الهند، وقد عثر المنقبون على مصنوعات معدنية، تبين لديهم أنها من مصنوعات الرومان والروم، مما يدل على أنها قد استوردت من الخارج، أو أن العمال والمشتغلين في الصناعات المعدنية، كانوا قد رأوا تلك النماذج فعملوا على محاكاتها وصنع أمثالها. ونظرًا لتأخر الصناعة عند الجاهليين، وإلى نظرتهم الازدرائية إليها واحتقارهم لمن كان يشتغل بها، فلا يعقل أن تجد مصنوعاتهم المعدنية مكانة لها بين المنتوجات المماثلة لها في الأسواق الخارجية. لهذا اقتصرت صادرات جزيرة العرب إلى الخارج على المواد الخام، المتيسرة في بلاد العرب، أو المستوردة من أفريقية أو من الهند ومن وراء بلاد الهند، وأهما العطور والطيب والجلود. وكان "الطيب"، من أهم المواد التي تاجر بها العرب الجنوبيون. تاجروا بتصديره إلى خارج العربية الجنوبية إلى بلاد الشأم ومصر والعراق وتاجروا به في الداخل أي في العربية الجنوبية. وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب. وقد عرف "الطيب" بـ"طب" "طيب" في لغة المسند١. ويستخرج الطيب من أنواع متعددة من الأشجار، ويجلب بعضه من الخارج من الهند وأفريقية، ويصدر إلى مصر وأسواق بلاد الشأم والعراق. والبخور من المواد الثمينة ذات السعر العالي بالنسبة لتجارة ذلك الوقت. والبخور ما يتبخر به، وثياب مبخرة مطيبة٢. وقد كانوا يحرقون البخور في المباخر، ويبخرون به المعابد والأصنام، كما كانوا يبخرون الضيوف، ويطيبون ثيابهم به. ومنه "القسط"، وهو عود هندي يتبخر به، يجاء به من الهند، يجعل في البخور والدواء. ويوجد قسط عربي. وورد "قسط أظفار"، قيل هو ضرب من الطيب، وقيل من العود٣. وعندي أنه "قسط ظفار"، نسبة إلى "ظفار" قرب مرباط بالعربية الجنوبية، وتعرف بـ"ظفار الساحل"، نسب إليه العود الذي يتبخر به؛ لأنه يجلب إليها من الهند، ومنها إلى اليمن، كنسبة الرماح إلى "الخلط"، فإنه لا ينبت به، وإنما تجلب من الهند٤. وقد أشير

стр. 4645

إلى "العود" في الحديث. ورد: عليكم بالعود الهندي. وقيل هو القسط البحري١. و"المسك" من أنواع الطيب التي ورد ذكرها في القرآن الكريم٢، ويحفظ عادة في قوارير، وهو من الطيب الثمين الذي يباع بأثمان غالية. وكانت العرب تسميه "المشموم"، ويذكر علماء اللغة أن اللفظة معربة، عربت من أصل فارسي هو "مشك"٣، ورد في الحديث أطيب الطيب المسك. واستعملوه في الطب، عالجوا به جملة أمراض٤. والعنبر من المواد التي تذكر بعد المسك في العربية، وللأخباريين آراء في أصل العنبر، وأجوده ما يجلب من شحر عمان٥. و"المر"، وهو "امرر" في المسند، من المواد الثمينة الغالية في قائمة المنتجات العربية التي تباع داخل البلاد العربية وخارجها، وقد أقبل العبرانيون والمصريون على استيراده وشرائه لاستعماله في الأغراض الدينية، فاستعمل في المعابد وفي التحنيط، واستعمل في جملة الأجزاء التي تدخل في الدهن المقدس٦. وذكر علماء اللغة أن "المر" كالصبر، دواء سمي به لمرارته. وقد عالجوا به جملة أمراض٧. و"الصبر" عصارة شجر مر، وأجوده "السقطرى"، ويعرف أيضًا بالصبارة٨. وأما "القرفة"، فإنها من المواد الثمينة كذلك، وتنبت في جزيرة "سيلان" بصورة خاصة. وتقشر ويستعمل قشرها، أو يستعمل دهنها الحاصل من ثمرها في بعض الأحيان٩. ويرى علماء اللغة أن "القرفة" ضرب من "الدار الصيني"، وهو أنواع، منه "الدار صيني" الحقيقي، ومنه المعروف بـ"قرفة القرنفل"١٠.

стр. 4646

و"القرنفل" من المواد المستوردة من الهند وما وراءها. وقد استعملوه طيبًا، كما عالجوا به، وطيبوا به الأكل. وقد أشير إليه في شعر لامرئ القيس، حيث أشار إلى رائحته الطيبة، وأشير إليه في شعر لعمرو بن كلثوم١. وقد ذكر "الكافور" في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ ٢. وفي ذلك دلالة على معرفة العرب به ووقوف قريش عليه واستعمالها له. وذكر أن الكافور، طيب، أو أخلاط من الطيب تركب من كافور الطلع، وقيل يكون من شجر بجبال بحر الهند والصين٣. وأما "قصب "الذريرة""، فهو "قليمتن"، أي "القليمة" في المسند، وهو "قصب الطيب"٤. و"الذرور" عطر يجاء به من الهند، كالذريرة، وهو ما انتحت من قصب الطيب، وقيل هو نوع من الطيب مجموع من أخلاط. وبه فسر حديث عائشة: طيبت رسول الله لإحرامه بذريرة٥. و"السليخة" نوع من الـCassia، أي قشرة تؤخذ من شجرة القرفة، أو من أشجارها٦، وذكر علماء اللغة أن السليخة عطر، وكأنه قشر منسلخ، ودهن ثمر البان قبل أن يربب بأفاويه الطيب، فإذا ربب بالمسك والطيب ثم اعتصر، فهو منشوش، أي اختلط الدهن بروائح الطيب٧. و"الكندر" ضرب من العلك، وقيل هو اللبان، وقد عولج به٨. و"اللبان"، مشهور في العربية الجنوبية، وهو من حاصل الهند والعربية الجنوبية وأفريقية، وهو ضرب من الصمغ، وذكر أنه الكندر، وانه يصنع من عصير جملة أنواع من الشجيرات، ويستخرج من عصير يستنبط بشق قشر الشجيرة،

стр. 4647

وتجفيف العصير. وقد استخدم في المعابد. وأشير في سفري "أشعياء"١، و"أرمياء"٢، إلى أن العبرانيين كانوا يستوردونه من "شبا"، أي من أرض "سبأ"، وأشهره من شحر عمان. وأحسنه ما يجمع من موضع تجمعه قبل سقوطه على الأرض، أو تلوثه بمادة غريبة قد تتساقط عليه٣. ولفظة "الكندر" من أصل أعجمي هو Cunduru، وهو من الألفاظ "السنسكريتية"، فيظهر أن الكلمة دخلت العربية من الهند٤. وقد كانت في المعابد مخازن تجمع فيها أصناف الطيب والمر والبخور، وذلك للتصدير والبيع. وقد كانت تقوم بمهمة وسيط في البيع والشراء، تبيع ما تخزنه وتحصل بذلك على عمولة تستفيد منها وتدر عليها أرباحًا طائلة جدًّا، تثري منها وهكذا نجد المعابد وهي تكاد تحتكر تلك المواد وتنفرد ببيعها إلى التجار٥. ويقسم الطيب إلى ذكور الطيب وإلى إناثه. وذكور الطيب ما يصلح للرجال دون النساء نحو المسك والعنبر والعود والكافور والغالية والذريرة. وعرف هذا النوع بـ"ذكارة الطيب". والمؤنث طيب النساء، كالخلوق والزعفران٦. وورد أن "الغالية"، طيب عرف في زمن "معاوية"، وذلك أن "عبد الله بن جعفر" دخل عليه ورائحة الطيب تفوح منه، فقال له ما طيبك يا عبد الله؟ فقال: مسك وعنبر جمع بينهما دهن بان. فقال معاوية: غالية أي ذات ثمن غال، وقيل أول من سماها بذلك "سليمان بن عبد الملك"، وإنما سميت؛ لأنها أخلاط تغلي على النار مع بعضها٧. والخلوق من طيب النساء، يتخذ من الزعفران وغيره، وتغلب عليه الحمرة والصفرة. وقد نهي عنه؛ لأنه من طيب النساء٨.

стр. 4648

قوافل سبأ: وقد أشير في التوراة إلى قوافل سبأ، وهي قوافل كانت تسير من العربية الجنوبية مخترقة العربية الغربية إلى فلسطين، فتبيع ما تحمله من سلع هناك. وقد كان السبئيون يسيطرون على العربية الغربية، حتى بلغت حدود مملكتهم أرض فلسطين. ولم تشر التوراة إلى وجود قوافل بحرية وسفن للسبئيين في البحر الأحمر، تتاجر مع فلسطين ومصر، ولم نعثر على كتابات بالمسند تشير إليها، لذلك، فليس في استطاعتنا التحدث عن التجارة البحرية للسبئيين مع بلاد الشأم. سارت حكومة سبأ على سياسة التوسع التجاري، وهذا التوسع يقتضي السيطرة على الطرق، فبذلت جهدها لبسط سلطانها على الطرق والمسالك وجعلها تحت نفوذها وحكمها. وبعد استيلائها على بقية الحكومات العربية الجنوبية الأخرى وضعت الطرق الجنوبية المؤدية إلى أرض اللبان والمواد الأخرى التي اشتهرت بها العربية الجنوبية، وإلى الموانئ والمرافئ التي تتاجر مع إفريقية والهند وتستورد منها السلع النفيسة الثمينة تحت نفوذها وحكمها، وحسنتها وشقت طرقًا جديدة لأغراض حربية واقتصادية، وبلطت بعض مواضع منها لتقاوم السيول والأمطار، وأحكمت جوانبها وحصنتها بالحجارة الصلدة حتى تقاوم السيول التي تنحدر من المرتفعات على هذه الطرق فلا تلحق الأذى بها. ولا تزال آثار تلك الطرق باقية، وقد كتب عنها السياح. واتجهت نحو السيطرة على الطرق البرية المؤدية إلى بلاد الشأم. ولهذه الطرق أهمية كبيرة بالنسبة إلى اليمن والعربية الجنوبية. وهي طرق موازية للطريق البحرية الممتدة في البحر الأحمر، ولها شأن خطير في التجارة العالمية. وقد أسست مواضع حراسة، لحراسة القوافل من قطاع الطرق ومن تحرش القبائل بها، ولعل أهل يثرب الذين يرجعون نسبهم إلى اليمن، هو من الرجال الذين غرسهم السبئيون في هذا المكان لحماية قوافلهم التي تذهب إلى بلاد الشأم. ووجه السبئيون أنظارهم نحو العراق وموانئ الخليج العربي كذلك، فاستخدموا الطريق الممتدة من نجران إلى "السليل" ومن هناك إلى الخليج والعراق١.

стр. 4649

وتوجد آثار طرق جاهلية مبلطة تبليطًا حسنًا وأخرى ممهدة تمهيدًا فنيًّا. وقد أنشئ بعضها في أرض جبلية وفي أرضين وعرة، وذلك باستعمال الآلات بمهارة فائقة في قطع الصخور لإنشاء هذه الممرات. وقد زفت بعض هذه الطرق وغطي بطبقة من الأسفلت، ووضعت عليها صوى ترشد المارة، ولما كانت الطرق الطويلة المبلطة تبليطًا فنيًّا تحتاج إلى نفقات طائلة وإلى أيد عاملة كثيرة وإلى حكومة كبيرة غنية، لم يكن من الممكن يومئذ فتح طرق طويلة ممهدة تخترق جزيرة العرب، على شكل الطرق التي أنشأها الرومان في انبراطوريتهم، لسير القوات العسكرية عليها والتجارات فاقتصر على إقامة الطرق الضرورية القصيرة التي توصل المدن والقرى بالمواضع المهمة١. وقد كان اعتماد التجار على الحيوانات ولا سيما الجمل في نقل تجارتهم. أما العربات فلم تكن مستخدمة في أغراض تجارية في جزيرة العرب، ولم ترد إشارات إليها في نصوص المسند، ولا في النصوص الجاهلية الأخرى، ولا في أخبار أهل الأخبار. وقد ظل اعتماد التجار وأصحاب القوافل على الحيوانات طوال العهود الإسلامية إلى أواخر القرن التاسع عشر للميلاد، ففيه أخذ في تمهيد الطرق لسير وسائل النقل الحديثة عليها، فأخذت تنافس تلك الوسائل القديمة، وستقضي عليها في المستقبل بالبداهة. والتجارة هي التي نقلت بعض الكتابات الشمالية إلى العربية الجنوبية، وأدخلت الكتابة الثمودية والكتابة النبطية إلى اليمن. وأصحاب الكتابتين من الشعوب المقيمة في العربية الشمالية كما هو معروف فكتاباتهم لم تأت إلى هنا قافزة متخطية المسافة، بل جاءت مع أصحابها التجار الذين قصدوا هذه الأماكن للاتجار، ومن بينهم من سكن فيها واختلط بأهلها ومات فيها. وقد كتبوا فيها الكتابات التي عثر عليها بعض العلماء في أماكن متعددة من خرائب اليمن، وقد يعثر على عدد منها وعلى كتابات أخرى، قد يكون من بينها كتابات بلغات أعجمية في المستقبل بعد قيام بعثات الحفر بالتنقيب هناك.

стр. 4650

الفصل التاسع والتسعون: ركوب البحر والبحر في رأي علماء العربية الماء الكثير، ملحًا كان أو عذبًا. وقد غلب على الملح فقط، حتى قل في العذب، وهو خلاف البر١. وأطلق أهل العربية الجنوبية على البحر اللفظة نفسها التي نطلقها عليه، فيقولون "بحرم" أي بحر. وقد ذكر البحر في معاهدة التآخي والأخوة "تاخين" التي عقدت في القرن الرابع للميلاد بين ملك الحبشة "جدرت" والملك "يدع اب غيلان" ملك حضر موت، لمقاومة ملك سبأ وذي ريدان٢. وذكر في النص المعروف بنص "أبنة"، حيث ورد: "وكل الت ذ بحرم ويبسم ومشرقم ومغربم": ومعناه الحرفي "وكل آلهة البحر واليابسة والمشرق والمغرب". وقد ذهب "رودوكناكس" إلى أن لفظة البحر تعني الجنوب، وأن لفظة "يبسم" "يابس" "يبس" "يابسة" تعني الشمال، وأن معنى الجملة المذكورة: "وكل آلهة الجنوب والشمال والمغرب"٣. وقد وردت اللفظة بمعنى "بحر" في نص "Glaser ٨٣٠"، حيث جاء: "ببحرم ويبسم وكل تشعث وزبد"٤، أي "ببحر ويابسة وكل العطايا والهدايا".

стр. 4651

ووردت لفظة "اليم" في القرآن الكريم١، ويراد بها البحر. وقد ذكر بعض علماء اللغة أنها لغة سريانية٢. وفي اللغة العربية ألفاظ أخرى مرادفة للبحر أيضًا، منها "القلمس"، و"الدأماء"، و"الكافر"، و"الحنبل"، و"الخضم"، و"العيلم"، وغير ذلك من ألفاظ ترد في كتب اللغة٣. ولجزيرة العرب سواحل طويلة تحيط بها من جميع جهاتها الثلاث، أما حدها الشمالي فهو أرض تتصل بالعراق وببلاد الشأم. وقد عرف أهل السواحل البحر وعركوه، وعملوا على استغلال ثرواته قدر طاقتهم، وتعاملوا مع أهل السفن الذين كانوا يقصدونها من مسافات بعيدة، وركب جمع منهم السفن، للاتجار مع السواحل المقابلة لهم. فباعوا في أسواقها واشتروا، وقد أظهر أهل السواحل العربية الجنوبية والشرقية نشاطًا في ركوب البحر، لا نجده عند أهل السواحل الغربية، على ما يتبين من روايات أهل الأخبار. ولتكوين رأي عن مدى وقوف الجاهليين على البحار وعلى مدى توغلهم فيها، وركوبهم أمواجها للتجارة أو للاستيطان في مواطن جديدة غريبة، لا بد لنا من الرجوع إلى مراجع لتستحلب منها مادة نكون منها علمنا عن هذا الموضوع. والآثار هي أول ما يجب الرجوع إليه لاستخلاص هذه المادة، ولكنا ويا للأسف شحيحة، ليس فيها شيء كاف منها. وأما الموارد الأعجمية، مثل الموارد المدونة باليونانية واللاتينية والسرياينة، فلم تتحرش بموضوع العرب والبحار وبتجارتهم في البحر. وأما الموارد الإسلامية، فهي بخيلة، ليس فيها ما يفيدنا عن العرب والبحر غير نزر يسير يفيد، أن أهل الجاهلية، كانوا يكرهون ركوب البحر، ويتهيبون منه، وأنهم لم يكونوا يملكون سفنًا لعبوره، حتى أن المهاجرين الأولين من المسلمين، لما هربوا من مكة إلى الحبشة، ركبوا سفنًا بدائية حبشية، أوصلتهم إلى الحبشة، وأن الخليفة "عمر" كان يتهيب ركوب البحر، وكان يوصي قواده بتجنيب جيوشهم مخاطره، والابتعاد عنه قدر الإمكان. وبضرورة وضع أرض آمنة وراء الجيش ليكون في وسعهم الرجوع إليها عند المهالك والمآزق٤.

стр. 4652

وأنه لما كتب إلى "عمرو بن العاص"، يسأله عن البحر، فقال: خلق عظيم يركبه خلق ضعيف، دود على عود. كتب إليه "عمر" أن لا يركبه أحد طول حياته، فلما كان بعد "عمر" لم يزل يركب حتى كان زمن "عمر بن عبد العزيز"، فاتبع فيه رأي "عمر". وكان منع عمر شفقة على المسلمين١. وقد عرف العربي عند الأعاجم ببغضه للبحر وبخوفه منه وبابتعاده عنه. ورد في حكم "أحيقار": "لا تر العربي البحر، ولا تر الصيدوني "الصيداني" الصحراء"٢. وذلك لاشتهار العربي عندهم بسكنه في البوادي وبابتعاده عن البحر ولاشتهار أهل "صيدا" بركوبه وبقهر أمواجه. وإذا كنا قد فشلنا في الحصول على صورة مفصلة واضحة عن العرب والبحر من الموارد التي أشرت إليها، وهي مادة المؤرخ في حصوله على مادته التأريخية، فليس لنا من سبيل لتكوين صورة ولو باهتة عن الموضوع، سوى الرجوع إلى اللغة نستلهم من ألفاظها المتعلقة بالبحر وبوسائل ركوبه، ما فات وروده في تلك المصادر. فاللغة كما نعلم مظهر من مظاهر الحياة العقلية والعملية لكل أمة، وهي لم تخلق دفعة واحدة، ولم يأخذها الخلف عن السلف كاملة، وإنما خلقت بالتدريج وعلى قدر الحاجة، فإذا ظهرت أشياء جديدة خلق المتكلمون بها لها ألفاظًا جديدة وإذا اندثرت أشياء، فقد تندثر ألفاظها. واللغة مثل الناطقين بها في حياة وموت مستمرين. وإذا حصرنا الألفاظ التي أطلقها الجاهليون على البحر وعلى وسائل ركوبه وعلى ما فيه، نستطيع إذن أن نعرف ماذا كانوا يعرفونه عنه وماذا كانوا يجهلون من أمره. فنأخذ الألفاظ المتعلقة بالبحر إذن سندًا لنا، من لغتنا العربية نستنبط منها علم الجاهليين به، مع العلم بأن هذه اللغة التي نزل بها القرآن الكريم لا يمكن أن تؤدي المهمة على أحسن وجه؛ لأنها لغة أهل بر، وليس لأهل البر علم أهل الساحل به. والأحرى بنا الاستعانة بلغات أهل السواحل في مثل هذه الدراسة، لكننا لا نملك نصوصًا جاهلية مدونة بها، حتى نستنبط منها ما نريد، وليس في لهجات المسند عن البحر سوى نزر يسير، ولكنا ما دمنا لا نملك وسيلة للإحاطة

стр. 4653

بعلم الجاهليين بالبحر سوى دراسة هذه اللغة، فما علينا إلا أن نتتبع ما جاء فيها عنه، وفي هذا الذي سنقف عليه تصوير لرأي المتكلمين بها بالبحر، وهو تصوير يمثل رأي أهل البر عنه. يقال لشاطئ البحر "الساحل" في عربية القرآن الكريم، وهو بمعنى ريف البحر وشاطئه١. وقد وردت اللفظة في كتاب الله٢. وقد خصصت هذه اللفظة بالبحر، أما شط النهر، فقد عرف بـ"الشاطئ"٣. ويقال للساحل أيضًا "السيف" و"سيف البحر"٤. وذكر علماء اللغة أن "العيقة" ساحل البحر وناحيته٥. وأن "العدان"، موضع كل ساحل. وقيل هو الساحل نفسه٦. وذكر أن "السيف ساحل الوادي، أو لكل ساحل سيف، وإنما يقال ذلك لسيف عمان"٧. وورد أن "الطف" و"الطفطاف" ساحل البحر٨. و"القاموس"، بمعنى معظم ماء البحر، أو البحر، أو أبعد موضع فيه غورًا، ووسط البحر٩، ولجة البحر، معظم البحر، ومنه بحر لجي١٠، و"الشرم"، لجة البحر، وقيل موضع، وقيل هو أبعد قعره، أو الخليج منه. وقد ذكر "أمية بن أبي الصلت "الشروم" في وصفه جهنم". فتسمو لا يغيبها ضراء ... ولا تخبو فتبردها الشروم والشرم، مرسى من مراسي خليج السويس، بينهما ستة مراحل١١. و"العوطب"، لجة البحر، أو المطمئن بين الموجتين، أو أعمق موضع

стр. 4654

في البحر١، و"الدردور" موضع في البحر يجيش ماؤه، قلما تسلم منه السفينة، ويخاف منه الغرق٢. و"الخليج"، وهو من البحر، سمي بذلك؛ لأنه يجذب من معظم البحر٣، والحور الخليج من البحر، وقيل مصب الماء في البحر، وقيل مصب المياه الجارية في البحر إذا اتسع وعرض، وقيل: عنق من البحر يدخل في الأرض٤. والغب الضارب من البحر حتى يمعن في البر٥. وذكر علماء اللغة أن الجزيرة إنما سميت جزيرة لانقطاعها عن معظم الأرض أو لما جزر عنه٦. و"البضيع"، الجزيرة في البحر، والبحر نفسه٧. وأما "الدبر"، فقطعه تغلظ في البحر كالجزيرة يعلوها الماء وينضب عنها٨. والسفينة هي واسطة النقل على وجه الماء في الأنهار وفي البحار. وهي من الكلمات المعروفة في عربيتنا، وقد أشير إليها في شعر عمرو بن كلثوم: ملأنا البر حتى ضاق عنا ... وموج البحر نملؤه سفينا٩ وقد وردت لفظة "سفينة" و"السفينة" في القرآن الكريم١٠، ويدل ذلك على أنها من الألفاظ التي كانت معروفة ومستعملة بهذا المعنى في أيام ظهور الإسلام. وعبر عن السفينة بلفظة أخرى هي "الفلك"، وتقع على الواحد والاثنين والجمع. وقد وردت في مواضع متعددة من القرآن الكريم١١. كما يعبر عنها

стр. 4655

بـ"مركب"، والجمع مراكب١. ولو أن المركب كلمة عامة تطلق على كل ما يركب عليه، فالدواب هي مركب أيضًا لمن يركبها، غير أن "المركب" السفينة على سبيل التغليب والاصطلاح, وقد عبر القرآن الكريم عن السفن والمراكب بلفظة "الجاريات" و"الجوار"، و"الجارية" كما في هذه الآية: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ ، وكما في هذه الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ ، وفي مواضع أخرى٢. و"الجارية" المركب أيضًا، صفة غالبة؛ لأنها تجري على الماء٣. وقد وردت لفظة "الفلك" بصورة خاصة تعبيرًا عن سفينة نوح الواردة في الطوفان. ويذكر بعض المفسرين أن السفينة، أي "الفلك"، كانت مصنوعة من خشب الساج، وكانت "ذات أرواح ودسر"، أي أن ألواحها قد التصقت بعضها ببعض بـ"دسر" وهي المسامير٤. وورد في القرآن الكريم: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ ٥. وورد في الشعر: جوافل في السراب كما استقلت ... فلوك البحر زال بها الشرير والفلوك هنا جمع "الفلك"، وأما الشرير، فشجر البحر٦. ويظهر من هنا أن "الفلك" هي سفينة من سفن البحر. وهي من السفن الكبيرة. وقد ورد في القرآن أيضًا ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أي السفينة المشحونة المملوءة كما ورد: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيْحٍ طَيِّبَةٍ﴾ . وفي هذه الآية معنى مهم، يدل على إحاطة الجاهليين بالبحر وركوبهم فيه، وتسييرهم لها بفعل الرياح. وقد وردت في القرآن الكريم إشارات إلى صنع الفلك وإلى سيرها مواخر في البحر.

стр. 4656

ويقال للسفينة: "البارجة" أيضًا، والجمع "البوارج". وذكر أنها السفن الكبار، وأنها سفينة من سفن البحر تتخذ للقتال١. و"القرقور": ضرب من السفن، وقيل: هي السفينة العظيمة أو الطويلة والقرقور من أطول السفن. وجمعه قراقير. وفي الحديث: "فإذا دخل أهل الجنة الجنة ركب شهداء البحر في قراقير من در"٢. و"الخلية" العظيمة من السفن، والجمع خلايا. قال طرفة: كأن حدوج المالكية، غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد وقال الأعشى: يكب الخلية ذات القلاع ... وقد كان جؤجؤها ينحطم٣ وقيل: هي التي يتبعها زورق صغير٤. وذكر أن من أسماء السفن الكبيرة "الخلج". وقيل: إنها دون العدولية. وأما "الصلفة" فسفينة كبيرة، و"الزنبرية" نوع من أنواع السفن الكبيرة٥. و"القادس": السفينة العظيمة، وقيل صنف من أصناف المراكب، أو لوح من ألواحها٦. وقد ضرب "لبيد بن ربيعة العامري" مثلًا بسفينة "الهندي" في طولها وعرضها وفي إحكام عملها، عملها صانعها من صفائح مشبوحة ودهنها وسد المسافات التي تكون بين صفائح الخشب حتى لا ينفذ منها ماء البحر٧. مما يدل بالطبع على وقوفه عليها وعلى شهرة تلك السفن في تلك الأيام.

стр. 4657

وقد أشار بعض الكتبة من اليونان واللاتين إلى نوع من السفن دعوه "Madarata"، ذكروا أن ميناء "عمانه" "Omana" كان قد اشتهر ببنائه. وقد صنعت هذه السفن من الألواح المشدودة بالليف. وقد رأى بعض الباحثين أن هذه اللفظة من أصل عربي، هو "مدرعات"، ويراد بها السفن المشدودة بدروع النخل. ورأى آخرون أنها من أصل "Mabarata"، جمع "معبر" من أسماء السفن في لغة بني "إرم"١. وذكر علماء اللغة أن "المعبر" ما عبر به النهر من فلك أو قنطرة أو غيره، والمعبرة سفينة يعبر بها النهر٢. فالمعابر إذن من الوسائل المستعملة في عبور النهر على ما يظهر من شرح أولئك العلماء. وقريب من هذا الوصف وصف نوع من السفن عرف بـ"العمائم". ذكر علماء العربية أنه: عيدان مشدودة تركب في البحر ويعبر عليها٣. وهو نوع بدائي بالطبع لا يمكن أن يقارن بالسفن التي كانت عند الرومان واليونان. و"الطوف" قرب ينفخ فيها ويشد بعضها إلى بعض، فتجعل كهيئة السطح يركب عليها في الماء ويحمل عليها الميرة والناس، ويعبر عليها، وهو الرمث. وربما كان من خشب والجمع أطواف. وذكر بعض العلماء أن الطوف التي يعبر عليها الأنهار الكبار تسوى من القصب والعيدان يشد بعضها فوق بعض، ثم يقمط بالقمط حتى يؤمن انحلالها ثم تركب ويعبر عليها، وربما حمل عليها الحمل على قدر قوته وثخانته، ويسمى: "العامة"٤. والرمث خشب يضم بعضه إلى بعض كالطوف ويركب عليه في البحر، وفي الحديث أن رجلًا أتى النبي، ﷺ ، فقال: إنا نركب أرماثًا لنا في البحر ولا ماء معنا، أفنتوضأ بماء البحر، فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته. قال أبو صخر الهذلي:

стр. 4658

تمنيت من حبي علية أننا ... على رمث في الشرم ليس لنا وفر١ وذكر علماء العربية اسم نوع من السفن قالوا له: "البوصي". وقالوا أنه فارس معرب، وأن الكلمة وردت في شعر للأعشى٢. وذكر أن "البوصي" الملاح، وقيل الزورق، وأن الكلمة معربة "بوزي"٣. وذهب بعض علماء اللغة إلى أن "العدولية" الواردة في قول طرفة بن العبد: عدولية أو من سفين بن يامن ... يجور بها الملاح طورًا ويهتدي سفنًا منسوبة إلى قرية بالبحرين يقال لها "عدولي"، أو إلى قوم كانوا ينزلون هجر، أو إلى عدول، رجل كان يتخذ السفن٤. ولا يستبعد أن يكون مراد الشاعر من السفن "العدولية"، السفن القادمة من ميناء "أدولس"، "عدولي" ميناء تجاري على ساحل الحبشة اشتهر بالتجارة قبل الإسلام. ويظهر من شعر طرفة المذكور، أن رجلًا اسمه "ابن يامين" كان تاجرًا يملك سفنًا، وأن سفنه كانت تمخر العباب. وذكر أيضًا أنه كان بحارًا، وورد "ابن نبتل" بدلًا من "ابن يامين"٥. وذكر علماء اللغة أن من أسماء المراكب المائية الصغيرة: الزورق والقارب والركوة. والزورق، السفينة الصغيرة، وقيل هو القارب الصغير٦. و"الركوة" زورق صغير٧. وقد عرفت السفن المستعملة في القتال بأسماء خاصة، منها البارجة، وهي سفينة من سفن البحر تتخذ للقتال٨.

стр. 4659

والشراع هو "ماكنة" السفينة وقوتها المحركة الدافعة لها. ويقال له "القلع" أيضًا١، وجل كذلك٢. وقد ذكر علماء اللغة، أن الشراع كالملاءة الواسعة فوق خشبة من ثوب أو حصير مربوع وتر على أربع قوى، تصفقه الريح فيمضي بالسفينة٣. ويظهر من هذا الوصف أن أشرعة أهل الجاهلية كانت بسيطة، ولم تكن متداخلة كأشرعة الروم. والشراع البسيط على النحو المذكور، يكون ضعيفًا فاتر الهمة لا يتمكن من دفع السفن الكبيرة، بل وقد لا يتمكن حتى من دفع السفن الصغيرة بسرعة، بسبب صغر حجمه، ثم إنه لا يتمكن من الاستفادة من قوة الريح، ومن استخدام هذه القوة في توجيه السفينة بسرعة نحو هدفها، والسير بها في عرض البحر، بينما يتمكن الشراع المكون من عدة أقلعة، من الاستفادة من الريح، ومن دفع السفينة دفعًا سريعًا، ومن حملها إلى عرض البحر، فيقلص من المسافات ويبعدها عن أخطار لصوص البحر، ولذلك لم تتمكن سفن أهل الجاهلية من مواجهة سفن الروم ومن تحديها، حين دخلت سفنهم البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط. والدقل: سهم السفينة، وهو خشبة طويلة تشد في وسط السفينة، يمد عليها الشراع٤. والجؤجؤ: صدر السفينة٥، و"المرنحة": صدر السفينة كذلك٦. وعرف "الدقل" بـ"الدوقل" كذلك، وتسميه البحرية "الصاري"٧. و"الصاري" الملاح أيضًا، لحفظه السفينة٨. و"القب"، رأس الدقل، و"القرية" خشبة مربعة على رأس القب٩. وأما الذي يعدل اتجاه السفن ويغير من اتجاهها، فهو "السكان"، وهو "الكوثل" أيضًا. وذكر أيضًا أن "السكان" ما تسكن به السفينة تمنع به

стр. 4660

من الحركة والاضطراب١. وذكر بعض علماء العربية أن "الكوثل" مؤخر السفينة، وفيه يكون الملاحون ومتاعهم٢, والأغلب أنه "السكان"، ويعبر عنه بـ"الخيزرانة" كذلك٣. وبلفظة أخرى هي "الدويطرة". وقد عرفت بأنها كوثل السفينة٤. ويعرف سكان السفينة بـ"الخيزرانة" وبـ"الخيزران". قال النابغة يصف الفرات وقت مده: يظل من خوفه الملاح معتصمًا ... بالخيزرانة بعد الأين والنجد٥ ويستعمل الملاحون "المجاديف" "المجاذيف" في تجديف السفينة٦. و"المجداف" خشبة رأسها لوح عريض تدفع بها٧. ويقال له "المقذف" و"المقذاف" أيضًا٨. ولم يتطرق علماء اللغة ولا أهل الأخبار إلى عدد "مجاديف" السفينة الواحدة، أي إلى عدد رجالها الذين كانوا يجدفون بالمجاديف، فالسفن الكبيرة الضخمة تحتاج إلى عدد من المجدفين، قد يبلغون العشرات، وقد كانت سفن الروم، ذات طابقين بالنسبة للمجدفين، فيجلس عدد منهم في الطابق الأسفل، ويجلس فوقهم عدد آخر من المجدفين، لتسير السفينة بسرعة، وقد استخدموا هذه الطريقة في سفنهم الحربية بصورة خاصة؛ لأنها سفن، يجب أن تعتمد على السرعة وعلى خفة الحركة لتتمكن من التغلب على سفن الأعداء. وأما "المردي"، فخشبة يدفع بها الملاح السفينة. وذلك كي يحركها عند
следующие страницы →