← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

فهرس الجزء الثالث عشر: الفصل الثامن والثمانون. أثر الطبيعة في اقتصاد الجاهليين ٥ الفصل التاسع والثمانون. الزرع والمزروعات ٢٤ الفصل التسعون الزرع ٤٥ الفصل الحادي والتسعون. المحاصيل الزراعية ٥٧ الفصل الثاني والتسعون. الشجر ٦٦

стр. 4727

الفصل الثالث والتسعون المراعي ٩٧ الفصل الرابع والتسعون. الثروة الحيوانية ١١١ الفصل الخامس والتسعون. الأرض ١٣٠ الفصل السادس والتسعون. الإرواء ١٥٧ الفصل السابع والتسعون. معاملات زراعية ٢١٦ الفصل الثامن والتسعون. الحياة الاقتصادية ٢٢٧

стр. 4728

الفصل التاسع والتسعون. ركوب البحر ٢٤٣ الفصل المائة. التجارة البحرية ٢٦١ الفصل الواحد بعد المائة. تجارة مكة ٢٨٥ الفهرست ٣١٧

стр. 4729

المجلد الرابع عشر الفصل الثاني بعد المئة: القوافل مدخل ... الفصل الثاني بعد المائة: القوافل وتنقل التجارة البرية بطرق القوافل؛ وذلك لضمان حماية الأموال والتجارة والأرواح. و"القافلة": الرفقة القفال والمبتدأة في السفر١, وذكر علماء اللغة أن "القافلة": العير كذلك. وذكر بعض منهم أن "العير": الإبل التي تحمل الميرة، أو كل ما امتِيرَ عليه إبلًا كانت أو حميرًا أو بغالًا٢. وقد أطلق أهل السير والتأريخ ومن تحدث عن وقعة بدر: لفظة "العير" على قافلة قريش التي كان يرأسها "أبو سفيان"، كما أطلق بعضهم "ركبان قريش" على من كان مع "أبي سفيان" من تجار قريش، معهم أموالهم وتجارتهم من بلاد الشام٣. ونجد كتب السير والتواريخ تطلق لفظة العير على قوافل قريش بغير حصر، مهما كان حملها, فلما تحدثوا عن سرية "حمزة" إلى العيص استعملوا لفظة "عير" لقريش، واستعملوا هذه اللفظة في مناسبات أخرى، مما يدل على أنهم أرادوا بها قافلة، أي: جماعة من جماعات السفر، مهما كان حملها. والركبان والركب: ركاب الإبل. وقال بعض علماء اللغة: الركب: ركبان

стр. 4730

الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فصاعدًا، وذكر أن من الجائز استعمال "الركب" للخيل وللجيش١. و"القيروان": الجماعة من الخيل, والقفل: جمع قافلة, وهو معرب "كاروان". وقد تكلمت به العرب, قال امرؤ القيس: وغارة ذات قيروان ... كأن أسرابها الرعال٢ وورد في الحديث أنهم كانوا يترصدون عيرات قريش، أي: إبلهم ودوابهم التي كانوا يتاجرون عليها٣. ويقال للعير التي تحمل الطيب: "اللطيمة", وذكر أن اللطيمة: العير التي تحمل الطيب وبز التجارة٤, فاللطيمة: قافلة تحمل تجارة نفيسة إلى الأسواق. وقد كان ملوك الحيرة يرسلون لطائمهم إلى الأسواق؛ لتتاجر بالطيب، ومنهم "النعمان بن المنذر"، وكان يبعث إلى "سوق عكاظ" في وقتها بلطيمة يجيزها له سيد مضر، فتبتاع وتشتري له بثمنها الأدم والحرير والوكاء والمغراء والبرود من العصب والوشي والمسير والعدني٥. ويقال لقافلة الإبل التي تخرج ليُجاء عليها بالطعام، "ركابًا" حين تخرج، وبعدما تجيء, وتسمى عيرًا على هاتين المنزلتين. والتي يسافر عليها إلى مكة أيضا ركاب تحمل عليها المحامل، والتي يكترون ويحملون عليها متاع التجار وطعامهم كلها ركاب، ولا تسمى عيرًا، وإن كان عليها طعام، إذا كانت مؤاجرة بكرى. وليس العير التي تأتي أهلها بالطعام، ولكنها ركاب. يقال: هذه ركاب بني فلان, ويقال: زيت ركابي؛ لأنه يحمل من الشام على ظهور الإبل٦. وذكر أن العسجدية: ركاب الملوك التي تحمل الدق من المتاع٧. فهي عير

стр. 4731

إذن تحمل متاعًا ثمينًا، كالذهب والجوهر. وذكر أن العسجدية: الإبل تحمل الذهب، وهي ركاب الملوك التي تحمل الدق الكثير الثمن، والسوق يكون فيها العسجد وهو الذهب، وركاب الملوك، وهي إبل كانت تزين للنعمان بن المنذر١. و"السابلة" "الواطئة"، وهم المارة. سموا بذلك لوطئهم الطريق٢, وهم الذين يسلكون الطرق. والسابلة من الطرق: المسبولة، المسلوكة، وابن السبيل هو ابن الطريق، والذي قطع عليه الطريق، والمنقطع٣. ويسمى كل طريق يكثر الاختلاف عليه محجة، ويسمى الطريق المدروس "الأيتار المليكي"، ويسمى الطريق الضيق الحبل شركًا، وحبال الطريق: أيتاره. وطريق جادة، أي: مجدودة بالوطء، وقارعة الطريق في معنى مقروعة، والريع: الطريق٤. وكلما كانت الأموال ثمينة وكثيرة، كانت القافلة كبيرة, يحرسها عدد كبير من الحراس؛ لحمايتها من لصوص الطرق وقطاع السبل الذين كانوا يعيشون على السلب والنهب. ونقل التجارة بالقوافل طريقة عالمية قديمة، أشير إليها في الكتابات وفي الكتب المقدسة. ولم يكن من السهل على التجار في ذلك الزمن التوسع في تجارتهم والمجازفة بالمتاجرة مع أماكن أخرى بعيدة؛ فالتاجر محتاج إلى حماية حياته وأمواله، ولم تكن الحماية ممكنة إلا في ظل حكومة مدنية قوية، تحمي أبناءها وكل من يفد على أرضها وعلى الأرض الخاضعة لها من اعتداء المعتدين. لهذا صار لزامًا على التجار الالتجاء إلى نظام القوافل، ولا سيما القوافل القوية الكبيرة معتمدة على حماية نفسها بنفسها أولًا، ثم على حماية الحكومة ثانيًا. وقد عمدت في الدرجة الأولى إلى استرضاء سادات القبائل؛ وذلك لتأمين حمايتهم في المناطق التي تمر بها القافلة ولبذل العون والمساعدة لها, بتقديم حق مرور للرؤساء وهدايا وعطايا مناسبة وعقد عقود ومواثيق، وإلا تعرضت أموال القافلة للأخطار.

стр. 4732

ولطول الطرق وبُعد المسافات، كان على القوافل استرضاء كبار سادات القبائل للحصول على حمايتهم، ومعنى هذا دفع إتاوات لهم، وتحميل المشترين تلك الإتاوات. وهذا مما زاد في الأسعار وجعل الأثمان عالية، وقد أضر ذلك بالتجارة العربية ولا شك، كما أضر بالمنتجين الذين كانوا يبيعون إنتاجهم اليسير, وأكثره مواد خام يتعيشون عليها, بأسعار بخسة لسد رمقهم في هذه الحياة. وقد عمد تجار مكة -كما ذكرت ذلك في مواضع من هذا الكتاب- إلى أساليب مختلفة في استرضاء سادة القبائل الذين تمر بأرضهم قوافلهم، منها استرضاؤهم بالمال، وإشراكهم معهم في رأس المال، بتقديم ما عندهم من سلع يتوسطون لهم ببيعها في الأسواق، أو بشراء ما يريدون شراءه من تلك الأسواق وتقديمه لهم، ومنها التصاهر معهم، ودعوتهم لزيارة مكة وتقديم الهدايا لهم، ثم ضبط كل ذلك بعقود "الإيلاف"، التي وضعت قواعد وأصول وحقوق مرور قوافل مكة وقوافل تجارها الخاصة في كل الأيام والمواسم بأمن وسلام، في مقابل تعهدات وعقود عينت بعقود الإيلاف. وكان كل تاجر يخرج من اليمن والحجاز يتخفر بقريش ما داموا في بلاد مضر؛ "لأن مضر لم تكن تعرض لتجار مضر، ولا يهيجهم حليف لمضري, وكان ذلك بينهم. فكانت كلب لا تهيجهم لحلفهم بني تميم، وطيء أيضا لا تهيجهم لحلفهم بني أسد. وكانت مضر تقول: قضت عنا قريش مذمة ما أورثنا إسماعيل من الدين, فإذا أخذوا طريق العراق، تخفروا ببني عمرو بن مرثد، من بني قيس بن ثعلبة، فتجيز ذلك لهم ربيعة كلها"١. وهكذا تمكنت قريش من تأمين مصالحها التجارية بعقد الأحلاف مع سادات القبائل، وصار تجارها يتنقلون في مختلف أنحاء جزيرة العرب بحرية وأمان. والجمال هي واسطة النقل في جزيرة العرب، هي قطار القوم وسياراتهم في ذلك العهد. وليس في استطاعة حيوان آخر القيام بمثل تلك المشاق من قطع المسافات البعيدة في أماكن لا ماء فيها إلا في مواضع متباعدة, وفي أماكن يتغلب عليها الجدب والشظف. كان على ذلك الحيوان أن يتحمل ثقل ما يوضع على ظهره، وأن يسير به مسافات طويلة، ثم عليه أن يتحمل العطش والجوع. ولولا الخواص الجسمية

стр. 4733

التي امتاز بها عما عداه من الحيوانات، لما كان في إمكانه احتمال هذه المشقات ولعجز عنها حتمًا. وقد أشير في التوراة إلى قوافل الإبل الضخمة التي كانت تأتي من جزيرة العرب إلى بلاد الشام، وهي محملة بالبضائع الثمينة النفيسة لتبيعها هناك١. ولا تحتاج الإبل إلى شرب الماء كل يوم؛ لذلك غدت الحيوان المثالي الملائم لحياة الأعرابي وللبادية. والجمل صبور على الجوع وفي استطاعته مكافحة جوعه بأكل العوسج والنباتات التي تنبتها البادية. وللعرب أسماء في أظماء الإبل؛ ومنها "الخمس": أن ترد الإبل الماء يومًا فتشربه، ثم ترعى ثلاثة أيام، ثم ترد الماء اليوم الخامس، فيحسبون اليوم الأول والآخر اليومين اللذين شربت فيهما. وقيل: أن ترعى ثلاثة أيام وترد اليوم الرابع٢. ومن الأظماء "الغب"، وذلك أن ترد الإبل يومًا وتصدر، فتكون في المرعى يومًا، وترد اليوم الثالث, وما بين شربتيهما ظمأ طال أو قصر٣, وعرف "الغب" أنه ورد يوم وظمأ آخر. وقيل: هو ليوم وليلتين، وقيل: هو أن ترعى يوما وترد من الغد٤. ومن أمثال العرب المتعلقة بهذا الموضوع: يضرب أخماسًا لأسداس، أي: يسعى في المكر والخديعة. وأصله من إظماء الإبل، فقد كان الرجل إذا أراد سفرا بعيدا عوَّد إبله أن تشرب خمسا سدسا، حتى إذا دفعت في السير صبرت، ثم ضرب مثلا للذي يراوغ صاحبه ويريه أنه يطيعه، وقيل: يضرب لمن يظهر شيئا ويريد غيره، أو الذي يقدم الأمر يريد به غيره، فيأتيه من أوله، فيعمل رويدًا رويدًا٥. وإذ كانت هذه القوافل في حياة القوم على جانب من الخطورة، كما كانت المصدر المهم من مصادر الثروة، وضعها أصحابها في حماية آلهتهم، واتخذ بعضهم إلها خاصا واجبه حماية القافلة وإيصالها سالمة إلى المحل المقصود. وقد عرف الإله "شيع هـ - قوم" "شيع القوم"، بأنه إله القوافل، الساهر على حمايتها

стр. 4734

وحماية أصحابها التجار. وعرف الإله "أبو إيلاف" "إيلف" "إيلاف"، بأنه إله القوافل والتجار وأرباب القوافل كذلك. وكان أصحاب القوافل يقدمون إلى آلهتهم النذور والقرابين بعد انتهاء رحلة القافلة، برًّا بنذرهم لها، وتقربًا إليها؛ كي تستمر في بذل حمايتها لهذه القوافل ورعايتها لها، كما كانوا يأتون إلى المعابد والمحجات فيطوفون بها، ويقصدون أصنامهم فينحرون عندها شكرًا وتقربًا إليها؛ لما أنعمت عليهم من نعم الحماية والربح الوافر الذي كسبوه في رحلاتهم هذه. وفي الذي يذكره أهل الأخبار عن طواف رؤساء قوافل مكة بالكعبة قبل بدئهم الرحلة وبعد انتهائهم منها، الكفاية للدلالة على أهمية هذه الرحلات التجارية في نفوس القوم. والغالب أن تعهد حراسة القوافل منذ يوم مغادرتها مكانها, إلى حراس أشداء أقوياء يحملون سلاحهم معهم، لمقاومة المعتدين. أما رئاسة القافلة، فلا تعطى إلا للمعروفين بشجاعتهم وبقوتهم وببأسهم وبالحيل وبمعرفتهم للطرق، ولأهل البيوتات والجاه العريض والسمعة بين القبائل. فرئيس القافلة وكبيرها، هو دماغها المفكر وقلبها النابض، وعلى حركاته وأعماله يتوقف مصير القافلة ومصير الأموال الثمينة التي توضع تحت يديه، فإذا أظهر الرئيس جبنًا أو عدم مقدرة في قيادة القافلة وفي الدفاع عنها، حين تعرضها للخطر، فقد تقع فريسة سهلة بأيدي لصوص الطرق، وتنتهب أموالها، فتكون هذه النتيجة طامة كبرى للمساهمين في أموال القافلة. ولأهمية قادة القوافل المذكورة، عملت لهم تماثيل لتخليد ذكراهم، وكرّموا في الكتابات. وقد عثر على عدد من هذه التماثيل والكتابات في مدينة "تدمر", وحمل الكثير منهم ألقاب الشرف التي كانت لا تُمنَح إلا لمن يؤدي خدمات ممتازة للمدينة في ذلك العهد، ووصل بعضهم إلى درجة عضو في مجلس المدينة الحاكم. وقد نال بقية قادة القوافل مثل هذا الاحترام من أصحابها, ولقب قائد القافلة في الكتابات الجاهلية بـ"زعيم القافلة" وبـ"زعيم السوق"١. حتى رؤساء الحكومات مثل كسرى وملوك الحيرة، كانوا لا يسلمون زمام قوافلهم إلا للأشداء المعروفين من الرجال. كانوا يتاجرون في الأسواق, يشترون

стр. 4735

ويبيعون، فإذا أقبل الموسم أرسلوا قافلتهم إلى السوق برئاسة رجل مشهور معروف بالشجاعة لا يهاب الموت ليوصلها إلى السوق المقصود, أو المكان المراد وصول البضاعة إليه؛ ذلك لأن مجال حكمهم أو نفوذهم لا يصل إلى الأنحاء البعيدة، فاضطروا إلى استئجار الشجعان المعروفين بقيادتهم للقوافل؛ لحماية تجارتهم وأموالهم من اعتداءات المعتدين. وتعتمد القوافل على الأدلاء الخبراء بطرق البوادي؛ لإيصالها إلى أهدافها بأمن وسلام وبأقصر الطرق، ولتجنيبها أخطار الأعداء وشر قطاع الطرق، عند شعورها بوجود خطر عليها إذا ما سلكت الطريق العام، أو طريقها الذي قررت السير به نحو المكان الذي تريده. فلما أبلغ جواسيس "أبي سفيان" أن النبي قد خرج يترصده نحو "بدر"، أسرع فاستعان بالأدلاء فانحاز عن بدر، وساحل, وتخلص بعلم أدلائه وعلمه بالطرق من وقوعه ووقوع قافلته بأيدي المسلمين. وإلى الدليل والأدلاء أُشير في قول الشاعر: شدوا المطيَّ على دليل دائب ... من أهل كاظمة بسيف الأبحُر١ وقد استعان قادة الجيش وأمراء السريا والغارات بالأدلاء أيضا؛ لإرشادهم إلى المواضع التي كانوا يقصدونها. وكان الرسول يستعين بالأدلاء، ويسأل الخبراء أصحاب العلم بطرق البادية حين يغزو، أو حين يرسل سراياه على قوم, وفي غزوة "بئر معونة" كان "المطلب السلمي" دليلها على الطريق٢. ويذكر أهل الأخبار, أن "قريش بن بدر بن يخلد بن النضر" كان دليل "بني كنانة" في تجارتهم، فكان يقال: "قدمت عير قريش"، فسميت قريش بذلك, وأبوه "بدر" صاحب "بدر" الموضع الذي لقي فيه رسول الله قريشًا٣. فقريش بن بدر, إذن هو على هذه الرواية، هو أول دليل يصل إلينا خبره من أدلاء قوافل قريش، وهو مؤسس تجارتها. ولا بد للقوافل من منازل تنزل بها لتستريح ولتريح دوابها من التعب ولتتموَّن

стр. 4736

بالماء وبالزاد إن احتاجت إليه. ونظرًا إلى بطء الحيوان في سيره وعدم تمكنه من السير مسافات طويلة دون توقف وراحة، كانت "منازل" ذلك الوقت غير متباعدة. ويقال للمكان الذي تنزل به القوافل: "المنزل", والمنزل: المنهل والدار١، وهو في معنى "الخان"، و"الخان" لفظة معربة معناها: المنزل والحانوت٢. وقد اشتهرت اللفظة في الإسلام، وأطلقت على منازل المسافرين في الطرق وفي القرى والمدن, وتعني المنزل المخصص لنزول المسافر. وهو منزل يكون كبيرًا في الغالب، يستريح فيه المسافر، تاجرًا كان أو غير تاجر، ويضع فيه مطاياه. وأما "الفندق"، فبمعنى المنزل الذي ينزل به التجار والمسافرون، وهي من الألفاظ المعربة عن اليونانية من أصل Pandhokiyon٣. وقد استعملها عرب بلاد الشام, ويظهر أنها من الألفاظ التي شاع استعمالها في الإسلام. وقد ذكر بعض علماء العربية، إن الفندق بلغة أهل الشام: الخان والسبيل من هذه الخانات التي ينزلها الناس مما يكون في الطرق والمدائن، وهو فارسي٤. ولم تكن منازل أهل الجاهلية منازل مبنية بالضرورة، فقد كان المسافرون يضربون لهم خياما يأوون إليها، أو يلجئون إلى ظل مثل شجرة, يحتمون به من أشعة الشمس، وقد يفترشون الأرض وينامون جنب إبلهم، وكل ما يلزم في المنزل أن يوجد به ماء. فالماء هو إكسير الحياة بالنسبة للمسافر، وهو أهم لهم من الطعام، فطعامهم في ذلك الوقت طعام قليل بسيط؛ تمرات مع لبن، أو سويق، وما شاكل ذلك. ثم هم لا يأكلون كثيرًا ولا يقيمون لوجبات الطعام وزنًا، وقد يكتفي أحدهم بأكلة واحدة من هذه الأكلات الجافة التي يحملها، وقد يقتاتون بما يجدونه من نابت في طريقهم, من ثمر شجر بري أو بقل أو أعشاب؛ ولهذا صارت المنازل على مواضع الماء. ولم تكن الأبعاد بين هذه المنازل متساوية، بل كانت مختلفة، تتوقف أبعادها على الماء. فإذا وجد الماء في مواضع متقاربة، قامت على مستوطنات متقاربة،

стр. 4737

وصارت المسافات فيما بينها غير بعيدة، وإذا كان الماء بعيدًا، صارت المنازل متباعدة، وقد لا يهم الماء القوافل إذا كانت مزودة به. وكل ما تلاحظه في سفرها هو تعب الإنسان ومقدار تحمل دابته مشقة السفر والبعد؛ ولهذا كانوا يقطعون طرقهم بمراحل، و"المرحلة": المنزل بين المنزلين، يقال: بيني وبين كذا مرحلة أو مرحلتان١, فهم يقطعون طرقهم على قدر طاقتهم ومقدار تحمل إبلهم على السير. وقد علمتهم تجاربهم مقدار ما يقطعون، فإذا شعروا بالتعب وبتعب دوابهم، نزلوا منزلًا قد يكون مأهولًا به ماء، وقد يكون خاليًا في عراء؛ للاستراحة به، فإذا ارتاحوا استمروا في سيرهم نحو جهتهم المقصودة. و"الفرسخ" في تفسير علماء العربية: الراحة، و"فرسخ" الطريق هو ثلاثة أميال هاشمية، أو ستة، أو اثنا عشر ألف ذراع، أو عشرة آلاف ذراع. سمي بذلك؛ لأن صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك, كأنه سكن, واللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية. وقيل: الفرسخ: الساعة من النهار٢. و"الميل": مقياس تقاس به الأبعاد، يقال: قطع كذا ميلًا. وهو منار يبنى للمسافر في أنشاز الأرض، ومنه الأميال التي في طريق مكة، وهي الأعلام المبنية لهداية المسافرين٣. ونظرًا إلى وجود إمارات وعشائر وقبائل عديدة تمر بأرضها القوافل، فقد كان على أصحاب القوافل وأرباب المال إرضاء هؤلاء المتنفذين, بإعطاء إتاوات مرور لهم، وهدايا لحمايتهم وللسماح لهم بالمرور، على نحو ما تفعله حكومات هذا اليوم من استيفاء حق المرور "ترانزيت" "ترانست" عن التجارة والسيارات. فإذا تحرش بهم متحرش، وحاول قطاع الطرق الاعتداء عليهم، كان من واجب سيد القبيلة والرئيس المتنفذ في تلك الأرض تعقب المعتدين وتأديبهم وإعادة ما استولوا عليه إلى أصحابه. وبهذه الطريقة أمنت القوافل على أموالها، وأخذت تقطع البوادي والطرق البعيدة الطويلة، وهي في حمى هؤلاء المتنفذين.

стр. 4738

وقد كان الملوك وسادات القبائل والمتنفذون الذين تمر قوافل التجارة بمناطق نفوذهم، أو الذين تقع الأسواق في أرضهم أو في مناطق نفوذهم، يشتطون في الإتاوة، ويشتدون في جباية المكس، ويبالغون في رفع حق المرور والحقوق الأخرى المكتسبة بالعرف والعادة, أو بقانون القوة والكيف، فيؤذون بذلك التجار والتجارة ويضطرون التجار إلى رفع أسعار البيع؛ للحصول على أرباح لهم، فتضررت التجارة بذلك ضررًا كبيرًا, وقلَّ الإقبال على شراء السلع المستوردة من جزيرة العرب إلا ما كان ضروريا ولا مناص من شرائها، وارتفع على المشتري سعر المواد المستوردة، واضطر التجار إلى التحكم في أسعار الشراء من الأسواق المحلية في جزيرة العرب, بشرائها بأسعار متهاودة لضمان تصريفها في الأسواق الخارجية. وفي كل هذه الأحوال ضرر عام للبائع وللمشتري وللمستهلك وللاقتصاد العربي بوجه عام. وقد كانت القوافل تقصد الأماكن التي تريد البيع والشراء فيها, في مواسم معينة في الغالب؛ وذلك لاجتماع التجار فيها, وهذا مما يهيئ للتاجر أكبر عدد ممكن من التجار. كما كان التجار يقصدون الأسواق المؤقتة التي تقام في الأعياد وفي المناسبات الدينية لبيع ما عندهم من بضاعة ولشراء ما يأتي به الناس من أموال، ولم يكن ذلك خاصًّا بجزيرة العرب، فقد كان العبرانيون وغيرهم من بقية الشعوب السامية يفعلونه أيضًا. ونرى أن الأسواق التي كانت تقام في جزيرة العرب، كانت تقام في مواسم معينة تقع في الأشهر الحرم؛ وذلك لضمان مرور التجار بأمان، فلا يتحرش بهم إلا مستهتر طريد. والغالب أن سادات القبائل, التي تحرش المستهترون بالقافلة التي مرت بأرضهم, ينتقمون بأنفسهم منهم. وقد كان الجاهليون يضعون أعلامًا على الطريق ليُهتدَى بها، يقال لها: "الصُّوى" و"الثوة". ويقول علماء اللغة: إن الصوى: الأعلام المنصوبة من الحجارة في المفازة المجهولة يستدل بها على الطرق. والثوة كالصوة، وربما نصبت فوقها الحجارة ليهتدى بها، وإن العوة كالصوة التي هي العلم. وفي الحديث: "إن للإسلام صُوى ومنارًا كمنار الطريق"١. وذكر أن "الصوة": حجر يكون علامة في الطريق٢.

стр. 4739

وذكر أن "الثوة": حجارة ترفع فتكون علمًا بالليل للراعي إذا رجع، وأخفض علم يكون بقدر قعدتك، وارتفاع وغلظ, وربما نصبت فوقها الحجارة ليهتدى بها١. والمنار: العلم يجعل للطريق أو الحدّ للأرضين والعلامة التي توضع على الحدود لتوضح معالمها٢. وقد كان أهل العربية الجنوبية يضعون علامات على الطرق لتشير إلى معالمها، فلا يضل عنها من يسلكها من الرجال والقوافل. وقيل في الإسلام للأعلام المبنية في طريق مكة: أميال؛ لأنها بنيت على مقادير مدى البصر من الميل إلى الميل، وكل ثلاثة أميال منها: فرسخ٣. والمنار: محجة الطريق، قال الشاعر: لعك في مناسمها منار ... إلى عدنان واضحة السبيل٤ والعلامة: شيء منصوب في الطريق يهتدى به. ويقال لما يبنى في جواد الطريق من المنازل يستدل بها على الأرض: أعلام, والأعلام: الحدود, والمعلم: ما يستدل به على الطريق من الأثر٥, فقد كان من الصعب حتى على خبراء البادية الاهتداء إلى الطرق بدون وضع علامات تشير إليها. والنعامة: المفازة، وقيل: علم من أعلام المفاوز يهتدى به٦. و"المنقل": الثنية في الجبل وكل طريق في الجبل: نقيل، في لغة أهل اليمن٧. والآجام: علامات وأبنية يهتدى بها في الصحاري. و"الوجم": حجارة مركومة بعضها فوق بعض على رءوس القور والآكام، وهي أغلظ وأطول في السماء من الأروم. وحجارتها عظام، لا يحركها الإنسان ولو اجتمع جمع منهم بصعوبة، ينسبها الناس إلى صنعة عاد٨. و"الآرام": الأعلام تنصب في المفاوز

стр. 4740

يهتدى بها، أو خاص بعاد، أي: بأعلامهم، و"الأروم": الأعلام في المفاوز. وكان من عادة الجاهلية، أنهم إذا وجدوا شيئًا في طريقهم لا يمكنهم استصحابه, تركوا عليه حجارة يعرفونه بها, حتى إذا عادوا أخذوه. وقيل: قبور عاد١. وقد كان الجاهليون قد مهدوا الطرق وكسوا بعضها بمادة قوية مثل "الأسمنت" ووضعوا عليها العلامات. وقد أطلق العرب لفظة "العود" على الطريق القديم العادي٢. وسن الطريق سنًّا: إذا ساره، ويقال: ترك سنن الطريق، أي: جهته٣. وقد كان القادة يتنكبون عن سنن الطريق؛ ليباغتوا العدو، أو ليتجنبوا تعقبهم لهم. وقد كان لرؤساء القوافل علم بالأبعاد والمسافات, وبالأماكن التي يجب النزول بها والتمون منها بالماء والطعام. ونجد في كتب أهل الأخبار أخبارًا بأسماء منازل القوافل وبأبعادها, وقد استقيت من أفواه رجال القوافل في الجاهلية. كما نجد أن للأعراب دراية مدهشة بمواضع الماء وبالطرق مع مرورها في بوادٍ يصعب السير فيها، وقد ورثوا علمهم هذا عن أسلافهم ومن تجاربهم الخاصة التي تعلموها من كثرة أسفارهم وتنقلاتهم. وقد كان التجار وأصحاب القوافل يقطعون أسفارهم بمراحل، ينزلون في كل مرحلة بمنزل يستريحون فيه ويمونون أنفسهم بما يحتاجون إليه من ماء وزاد. ويعبرون عن المسافات التي تقطعها القافلة بين منزل ومنزل آخر بـ"مسيرة"، فيقولون: "مسيرة يوم" أو "مسيرة نهار" وما شابه ذلك, كما عرفوا الأبعاد بالفرسخ والميل٤. و"النزل": المنزل، وما هيئ للضيف أن ينزل عليه, ومنه: منازل الطريق٥. وتراعي القوافل في سيرها إلى أهدافها الأخذ بأقصر الطرق الآمنة المطمئنة, التي تتوفر فيها المياه، وقد تعدل من سيرها فتسلك طرقًا بعيدة أو وعرة إذا أحست بعدو يتربص لها في الطريق المسلوك، أو بلصوص ظهروا فيها، أو بقوم يريدون الاستيلاء على قافلتهم، كالذي فعله "أبو سفيان" مقفله من الشام يريد مكة، حيث بدل طريقه، فحوَّله عن "بدر"، وساحل، فأضاع بذلك الفرصة على المسلمين ووصل سالمًا بقافلته إلى مكة.

стр. 4741

قوافل الميرة: وقد يجتمع نفر للذهاب إلى سوق للامتيار منه، وقد يذهب أصحاب البيوت إلى الأسواق ليمير أهله بما يحتاجون إليه من طعام ولباس، وكان "الأعشى" المازني الشاعر, في جملة من يمتار من سوق "هجر". وقد خرج مرة يمتار في شهر "رجب" من "هجر", فهربت امرأته بعده ناشزةً عليه، فعاذت برجل منهم يقال له: "مطرف بن نهصل". فلما قدم الأعشى أخبر أنها نشزت، وأنها عاذت بـ"مطرف" فأتاه، فقال له: يابن عم, عندك امرأتي معاذة فادفعها إليَّ, فامتنع مطرف وكان أعز منه، فخرج حتى أتى النبي فعاذ به وأنشده شعرًا، فكتب الرسول إلى "مطرف" أن يدفع زوجة الأعشى إليه، فدفعها إليه١. وقد استغل بعض الناس هذه الطرق للتعيش منها، فعمل على حفر آبار بها، وعلى تهيئة ما يمكن تهيئته من وسائل الراحة للمسافرين؛ لينزلوا بها وليخففوا بذلك عنهم عناء السفر, وليتزودوا بالماء الطيب العذب. فنشأت عشرات المنازل، التي أراحت المسافرين وأصحاب القوافل، وجعلتهم في مأمن من الجوع والعطش وإمكانية التيه في البوادي والقفار. كما حفظت لهم حياتهم وأموالهم بضمان أصحاب تلك المنازل للمسافرين حياتهم وأموالهم من تحرش أحد بهم, ما داموا في جوارهم وفي حماهم، وضمان قبائلهم لهم حق الحماية والجوار، والقيام معهم بمعاقبة من يتطاول على المسافرين وينتهك حرمة الجوار. وقد صارت الطرق موردًا من موارد العيش لمن لا عيش له ولا رزق من الصعاليك والذؤبان. فتجمعوا، وكونوا عصابات أخذت تتربص بالقوافل، حتى إذا جاءت قافلة انقضت عليها وسلبتها، ثم فرت بما غنمته إلى مواضع نائية قصية

стр. 4742

بعيدة عن أي حكم؛ لتعيش على ما غنمته, وقد عرف هؤلاء بـ"لصوص الطرق". وكان المطرود من قبيلته ومن غضب أهله عليه فنفوه عنهم وتبرءوا منه، والعبيد الآبقون، يتجمعون في المواضع الحصينة وفي المراقي الصعبة التي تشرف على الطرق، ويهاجمون منها المارة والسابلة والقوافل. ولما ظهر الإسلام, كان قوم من هؤلاء, جماعهم من: كنانة، ومزينة، والحكم، والقارة، ومن اتبعهم من العبيد، قد اعتصموا في "جبل تهامة"، وآذوا الناس، فكتب لهم رسول الله، أنهم إن آمنوا وأسلموا، فعبدهم حر، ومن كان منهم من قبيلة لم يرد إليها، وما كان فيهم من دم أصابوه أو مال أخذوه، فهو لهم، وما كان لهم من دين في الناس رُدَّ إليهم, ولا ظلم عليهم ولا عدوان١.

стр. 4743

الفصل الثالث بعد المئة: طرق الجاهليين ... الفصل الثالث بعد المائة: طرق الجاهليين لا أملك نصًّا جاهليًّا فيه أخبار عن الطرق التي كان يسلكها الجاهليون في تنقلاتهم من مكان إلى مكان؛ لأغراض خاصة، أو للرعي, أو للاتجار، وما سأذكره عن الطرق مأخوذ من الموارد الإسلامية فقط. وهي موارد تعرضت لموضوع "المسالك" والطرق التي كان يسلكها الحجاج والمسافرون والتجار في أيام الخلافة، داخل أرض الخلافة وخارجها. وعلى رأس هذه الموارد كتب "المسالك والممالك"، وبقية كتب "الجغرافيا" والسياحات ووصف جزيرة العرب. ففي هذه الموارد وصف للمسالك والطرق ولسكك البريد التي كانت في بلاد العرب, وهي وإن كانت طرقا إسلامية، إلا أنها بنيت على الطرق الجاهلية القديمة في الأغلب، وما فعله المسلمون هو أنهم اختصروا بعضًا منها، أو أقاموا مستوطنات جديدة عليها، أو حفروا آبارًا بين منازلها التي كانت متباعدة، بدليل أن المنازل والمواضع الجاهلية التي ترد أسماؤها في الشعر الجاهلي ترد كذلك في وصف الإسلاميين لطرق جزيرة العرب على النحو الوارد في ذلك الشعر، أو في أخبار أيام العرب, أو في كتب السير والتواريخ. ولهذا فسيكون اعتمادي في وصف طرق القوافل عند أهل الجاهلية، على هذه الموارد الإسلامية، مع العلم بأن بعض المسالك الجاهلية قد ماتت وذهب أثرها، وأن بعضًا منها بقي على حاله، وأن بعضًا من الطرق المسلوكة في الوقت الحاضر، والتي مهدت وعمرت تعميرًا حديثًا بالوسائل الفنية المعروفة في هذا اليوم، هي طرق

стр. 4744

جاهلية قديمة، كانت مسلوكة قبل الإسلام. وهي طرق طبيعية كانت مسلوكة لوجود الماء فيها في مواضع متقاربة، وقد أُقيمت عندها مستوطنات، وبقيت على حالها لم تذهب فائدتها، ولم تتغير مواضع الاستيطان فيها؛ لذلك صارت السبل التي تسلك بين أجزاء جزيرة العرب إلى هذا اليوم. ومما يؤسف له كثيرًا، هو أن الموارد الإسلامية التي تحدثت عن غزوات الرسول وسراياه وعن الوفود التي قصدته من مختلف أنحاء جزيرة العرب، والعمال والرسل الذين أرسلهم الرسول إلى سادات القبائل أو لجمع الصدقات، ثم عن حروب الردة وعن عمال الخلفاء على أقاليم جزيرة العرب -سكتت عن ذكر الطرق التي سلكت والمنازل التي نزلت، ولم تفصل في ذكر المنازل والمراحل؛ فأضاعت علينا بذلك معرفة الطرق الجاهلية التي كان يسلكها الجاهليون في تجاراتهم وفي أسفارهم. ثم إن الذين بحثوا في الإسلام عن المسالك والطرق, وذكروا المنازل مع أبعادها بالأميال, أو بالفراسخ، أو بالمراحل -لم يهتموا بالإشارة إلى ذكر تواريخ هذه الطرق أو المنازل وإلى أصلها؛ هل هي جاهلية, أم هي إسلامية، أم معدلة، ولمثل هذه الملاحظات التي أهملوها أهمية كبيرة بالنسبة للبحث بالطبع. وسأبدأ بالطرق التي سلكها أهل الجاهلية فيما بين العراق وبلاد الشام, وقد كان منهم من يحاذي الفرات؛ حتى لا يبتعد عن الماء والغذاء وأهل الحضر, ثم يسلك الطرق الشمالية التي مهدها الروم؛ لدخول بلاد الشام، وهي في أيدي الروم في الغالب, غير أن الفرس استولوا عليها في بعض الأحايين. ونظرا إلى ما لهذه الطرق من الأهمية من الناحية الاقتصادية والعسكرية، فقد تشدد الروم في مراقبة القوافل التي تقصد بلاد الشام، أو تخرج منها للذهاب إلى العراق، وتصعبوا في السماح لها وللتجار بالمرور. ومن التجار من كان يخرج من الحيرة إلى بلاد الشام، فيسلك طريق "القطقطانة". وهو موضع سبق أن تحدثت عنه في أثناء كلامي على نهاية الملك "النعمان بن المنذر"، إذ جاء في رواية أن "كسرى" أمر به فسجن به. وهو موضع غير بعيد عن الكوفة من جهة البرية بالطف١, ثم يسلك الطريق إلى "البقعة"،

стр. 4745

ثم إلى "الأبيض"، ثم إلى "الحوشي"، ثم إلى "الجمع"، ثم إلى "الخطى"، ثم إلى "الجبة"، ثم إلى "القلوفي"، ثم إلى "الأعناك"، ثم إلى "أذرعات"، ثم إلى "دمشق"١. وطريق آخر سلكه الناس من العراق إلى بلاد الشام يبدأ من "عين التمر"، وهو موضع تحدثت عنه في مواضع من هذا الكتاب، ويتجه نحو "الأخدمية"، ثم إلى "الخفية"، ثم إلى "الخلط"، ثم إلى "سوى"، ثم إلى "الأجيفر"، ثم إلى "الغربة"، ثم إلى "بصرى"٢. وقد سبق لي أن تحدثت عن بصرى في مواضع من هذا الكتاب. وهي المدينة التي وصل إليها الرسول مع عمه "أبي طالب"، وبها كان "بحيرا" الراهب على ما جاء في كتب السير، وإليها كان يقصد تجار مكة، حيث يتاجرون بأسواقها. وبها قبر "بحيرا"، وهو يزار٣. وأما طرق العربية الشرقية مع العراق، فقد كان من الجاهليين من يسلك الطرق المائية, فيتجه نحو سواحل الخليج عن طريق الأبلة، فيحاذي الساحل. ومنهم من كان يتجه إلى الشرق نحو جزر الخليج، ثم يتجه منها إلى ساحل "عمان"، ومنهم من كان يسلك طرق البر. وقد ذكر "ابن خرداذبة"، أن الطريق من البصرة إلى عمان على الساحل، يمر إلى "عبادان"، ثم إلى "الحدوثة"، ثم إلى "عرفجا"، ثم إلى "الزابوقة"، ثم إلى "المقر"، ثم إلى "عصى"، ثم إلى "المعرس"، ثم إلى "خليجة"، ثم إلى "حسان"، ثم إلى "القرى" "القرنتين"، ثم إلى "مسيلحة" "مسلحة"، ثم إلى "حمض"، ثم إلى ساحل "هجر"، ثم إلى "العقير"، ثم إلى "قطر"، ثم إلى "السبخة"، ثم إلى "عمان"٤. ومن الطرق المهمة التي تربط اليمامة بجنوب العراق، طريق يأخذ من الأبلة "البصرة"، ثم يتجه نحو "كاظمة"، ثم إلى منازل ثلاثة لم يذكر أسماءها "ابن خرداذبة"، ثم إلى "القرعاء"، ثم إلى "طخفة"، ثم إلى "الصمَّان"،

стр. 4746

ثم منازل ثلاثة لم يشر إلى اسمها "ابن خرداذبة"، ومنها إلى "جب التراب"، ثم إلى منزلين آخرين، ومنهما إلى "سليمة"، ثم إلى "النباك"، ومنه إلى "اليمامة"١. ويتفق وصف هذا الطريق، وأسماء المواضع مع ما ذكره "قدامة بن جعفر" في كتابه "الخراج", سوى أن "ابن خرداذبة" يبدأ بالبصرة، ثم ينتهي باليمامة، أما "قدامة" فيبدأ باليمامة وينتهي بالبصرة. ونجد في كتاب بلاد العرب، للحسن بن عبد الله الأصفهاني, وصفًا لطريق آخر يتجه من "حجر" اليمامة حتى ينتهي بالبصرة, ذكر فيه أسماء المواضع ووصف الأرض والمياه، وينتهي طريقه بـ"سفوان"، "صفوان"، المعروف اليوم في العراق. وقد ذكر "كاظمة"، وذكر أنها على ساحل البحر، وبها حصن وتجار ودور مبنية، ثم ذكر أسماء مواضع تقع بينها وبين "سفوان"٢. ولما كانت البصرة إسلامية بُنيت في زمن "عمر"، فإن الجاهليين كانوا يسافرون من "الأبلة" التي حلت البصرة محلها, إلى جزيرة العرب. ويبدأ هذا الطريق بالحرمليَّة، وهو ماءة في قف في شُعبة عليه نخلات، ثم تركب القف، فنأخذ على وادٍ يقال له: "ذو جراف"، فتجزعه عرضا، ثم تنتهي إلى "المديدان"، ثم تجزع "الحرملية" ثم وادي "بنبان" حتى تصل "سويسًا"، ثم "البديع"، ثم "الطنب"، ثم "الجرداء"، وهي روضة تشرب من وادي جراف, ثم "الراح". فإذا جزته وقعت في العرمة، ثم تخترق وادي حرج حتى تنتهي إلى "الجرباء", وعلى يسار الجرباء في العرمة ماء يقال له: "الرداع"، فإذا فصلت من العرمة من حيال الجرباء صرت إلى وادٍ يقال له: "مجمع الأودية", ثم تصير إلى "ذات الرّئال"، ثم تنتهي إلى "الحفر" حفر سعد، ثم تفوز إلى "الدهناء"، فتصل "خشاخِش" فتقع في معبر، فتعبر جبال الدهناء, فتصل إلى أبرق يقال له: "القنفذ", ثم تستقبل "الصمان", فتمضي فيه حتى تنتهي إلى "المعا"، ثم ترد "طويلعا" وهو وسط الطريق بين حجر وبين البصرة, وهو موضع فيه ماء وفيه تجار، وحصن يتحصنون به من اللصوص٣.

стр. 4747

ثم تجوز "طويلعا" إلى وادٍ يقال له: "الشيط"، فإذا انحدرت من عقبة الشيط تأتي "الوريعة"، فإذا جزته تأتي "الدو". فإذا فصلت في "الدو" صرت إلى "كفة العرفج"، وفي منقطع "الدو" حين تجوزه وادٍ يقال له: "وادي السيّدان"، وعلى الطريق ماء "النحيحة"، تخرج منه إلى "تياس"، وقريب منه ثمد يقال له: "الفارسي"، ثم تجوز ثمادًا أخرى حتى تصل "المخارم"، فتهبط "كاظمة". ثم تخرج من "كاظمة" إلى "النجفة"، ثم تمضي إلى "الصليف" "الصليب"، ثم تهبط إلى "أيرمى" "أيرمى الركبان"، وهو علم مبني من حجارة للطريق، وهو شبه شخص إنسان. ثم تصل "الحزيز"، ثم تهبط "سفوان"، تم تخرج حتى تهبط "الأحواض"، وهو ماء للسانية، ثم تصل البصرة١. وهناك طريق يوصل "حجرًا" بالكوفة، يبدأ بالحبل، وهو ماء في ناحية القف لراعية اليمامة، ثم تخرج منه فترد القف، ثم تمضي حتى ترد "البالدية"، فإذا خرجت منها وردت ماء يقال له: "الغميم", ثم ترد واديًا يقال له: "العتك"، ثم "مبايض"، ثم تجوزه إلى "تعشار"، فـ"مويهة"، ثم "تلعة"، ثم "السقيا"، ثم تجوز الدهناء، فتعلو قفا يوصلك إلى "المجازة", وهي من طريق مكة الذي يأخذ عليه البصريون، عليه المنار من بطن فلج. وهي منهل، ثم تجوزها فتقع في "اللوى" ثم تصير إلى "لينة"، وهي ماءة كبيرة، ثم تسير فترد "زبالة"، وهي سوق من أسواق طريق الكوفة المؤدي إلى مكة. فإذا خرجت من "زبالة" وردت "القاع"، ثم تخرج منه إلى "العقبة", ثم ترد "الشقوق"، ثم "واقصة"، ثم "العذيب"٢. ويذكر علماء اللغة أن العرب أطلقت "القعقاع" على الطريق من اليمامة إلى الكوفة، وذكر بعضهم إلى مكة٣. وكان بين أهل "الحيرة" وبين أهل مكة اتصال تجاري وثيق، بل واتصال ثقافي أيضا، فمنها حُمِلَ الخط العربي إلى مكة على رواية أهل الأخبار. وكان

стр. 4748

التجار يرحلون منها إلى "القادسية"، وهو موضع معروف سبق أن تحدثت عنه، وبه كانت وقعة القادسية١. ومنه إلى "العذيب"، وهو مسلحة بين العرب وفارس في حد البرية، وبها حائطان متصلان من القادسية إلى العذيب ومن الجانبين كليهما نخل٢. وبالعذيب أحساء غزيرة الماء، يخرج الماء خريرًا من قوة اندفاعه على ما يفهم من شعر ورد على لسان بعض الضبيين٣. ويخرج الإنسان من العذيب فيدخل المفازة، ويكون بنجد حتى يبلغ موضع "ذات عرق"٤. والعذيب بين القادسية ومغيثة، وفي الحديث ذكر العذيب, وهو ماء لبني تميم, وهو طرف أرض العرب٥. ويتجه الطريق من "العذيب" إلى المغيثة، وفيها برك٦, وماؤها ماء السماء. ثم يتجه إلى "وادي السباع"، ثم إلى "القرعاء"٧ وفيه آبار، ثم إلى "واقصة"٨، ثم إلى "العقبة" وبها آبار٩، ثم إلى "القاع"، ومن "القاع" إلى "زبالة"، ومن "زبالة" إلى "الشقوق"، ومن "الشقوق" إلى "البطان"، وهو قبر العبادي١٠, ثم إلى "الثعلبية"، وهو ثلث الطريق

стр. 4749

فيها برك١، ثم إلى "الخزيمية"، وهي مدينة سميت "خزيمة"؛ لأن خزيمة صير فيها سواني، وكانت تسمى "زرود"٢، ثم إلى "الأجفر"٣، ثم إلى "فيد"، وهي نصف الطريق، وبها منزل العامل في الإسلام, وبها أسواق وقناة وزروع، وبرك وآبار وعيون جارية, وقد عظم شأنها في الإسلام. ذكر أن بها حصنًا عليه باب حديد وعليها سور دائر، وكان الحجاج يودعون فيها فواضل أزوادهم إلى حين رجوعهم وما ثقل من أمتعتهم، وهي قرب "أجأ" و"سلمى" جبلي طيء. وقد ذكرت في شعر "زهير بن أبي سلمى"، إذ قال: ثم استمروا وقالوا: إن مشربكم ... ماء بشرقيّ سلمى فيد أو ركك٤ وتقع في فلاة الأرض بين أسد وطيء، أقطعها الرسول إلى "زيد الخيل"٥. ثم إلى "توز"، فيها برك وآبار وحصن بناه "أبو دلف"٦, ثم إلى "سميراء"٧، ثم الحاجز٨، فمعدن القرشي، وهو "معدن النقرة"٩, وعنده تفترق الطريق؛ فمن أراد مكة نزل "المغيثة"، ومن أراد "المدينة" أخذ نحو العسيلة فهبطها. وهو منزل حاج العراق بين "أضاخ" و"ماوان", وفيه بركة وثلاثة آبار: بئر تعرف بالمهدي، وبئران تعرفان بالرشيد, وآبار صغار للأعراب تنزح عند كثرة الناس, وماؤها عذب١٠. فمن أخذ على المدينة، فمن المعدن إلى العسيلة، ثم إلى بطن نخل، ثم إلى

стр. 4750

الطرق، ثم إلى المدينة١, وهي "يثرب". وذكر بعض أهل الأخبار أن "مرزبان البادية" كان قد عيَّن على المدينة في الجاهلية عاملًا يجبي خراجها، وكانت قريظة والنضير ملوكًا ملكوها على المدينة, على الأوس والخزرج. وفي ذلك يقول شاعر الأنصار: تؤدي الخرج بعد خراج كسرى ... وخرج من قريظة والنضير٢ ومن المدينة إلى "السيالة"، ومنها إلى "الروحاء"، ثم إلى "الرويثة"، ومنها إلى "العرج"، ثم إلى "السقيا"، ثم إلى "الأبواء"، ثم "الجحفة"، ثم إلى "قديد"، ثم إلى "عسفان"، ثم إلى "مر الظهران"، ثم إلى مكة٣. ومن أراد "مكة" قصد "مغيثة الماوان"٤، ومن "مغيثة" إلى "الربذة", وماؤها كثير, وإليها هاجر "أبو ذر" الغفاري، وبها مدفنه. وقد خربت سنة "٣١٩" للهجرة بالقرامطة٥. ومن الربذة إلى معدن بني سليم، ومن معدن بني سليم إلى العمق، ومنه إلى "أُفاعية"٦ "الأفيعية" إلى "المسلح"، ثم إلى "الغمرة"، ومنه يعدل إلى اليمن، ومن الغمرة إلى "ذات عرق"، ومنه يقع الإحرام٧، ثم إلى "أوطاس"، ثم إلى بستان بني عامر "بستان ابن عامر"، ثم غمر ذي كندة، ثم مشاش، ثم مكة٨. ويلاحظ أن هذا الطريق هو من أقصر الطرق المؤدية من "الحيرة" إلى "المدينة"، وهو يمر بجبلي "طيء"، أي: "جبل شمر" في الوقت الحاضر. ويمر على "حائل" بجبلي طيء، وهو مدينة في الوقت الحاضر ورد ذكرها في شعر "امرئ القيس", إذ يقول:

стр. 4751

يا دار ماوية بالحائل ... فالفرد فالجبتين من عاقل١ وبجبل "سلمى" مدينة اسمها "أُرك", عرفت بمدينة "سلمى"، وأصحابها من "طيء", وقد انحاز إليها "خالد بن الوليد"، لما أرسله "أبو بكر" من "ذي القصة" لمحاربة المرتدين٢. وقد نزل "خالد" بأجأ، ثم تعبأ لملاقاة "طليحة الأسدي"، فالتقى به على "بزاخة"٣. ويسلك هذا الطريق في الوقت الحاضر, الحجاج الذين يقصدون الحج عن طريق النجف بالسيارات. و"الربذة" من القرى القديمة في الجاهلية، وهي عن المدينة من جهة الشرق على طريق حاج العراق على نحو ثلاثة أيام, سميت بـ"خرقة الصائغ"، بها مدفن "أبي ذر"٤. ومعدن بني سليم، هو لبني سليم الذين غزاهم الرسول غزوة "قرارة الكدر"، ويقال: "قرقرة بني سليم وغطفان", لما بلغه أن بقرارة الكدر جمعًا من غطفان وسليم يريد الكيد للمسلمين٥, و"الكدر": ماءة لبني سليم في ديار غطفان ناحية المعدن٦. وإلى هذا الموضع أيضًا وصل الرسول في غزوته المعروفة بغزوة السويق، وسببها أن "أبا سفيان" نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدًا؛ انتقامًا لبدر، فسلك النجدية حتى نزل بصدور قناة إلى جبل يقال له: "تيت"، من المدينة على بريد أو نحوه، ثم خرج إلى "بني النضير"، ثم خرج فأرسل رجالًا من قريش إلى ناحية من المدينة يقال لها: "العُريض"، فحرقوا في أصوار من نخل لها، وقتلوا رجلين، ثم انصرفوا راجعين، فخرج رسول الله في طلبهم حتى بلغ "قرقرة الكدر"، فوجد أن "أبا سفيان" قد فاته وأصحابه، وكان أبو سفيان وأصحابه يلقون جرب الدقيق ويتخفون، وكان

стр. 4752

ذلك عامة زادهم؛ فلذلك سميت غزوة السويق١. وقد غزا الرسول "بني سليم" مرة أخرى, فسار إليهم حتى بلغ موضع "بحران" معدنًا بالحجاز من ناحية الفرع، فلما لم يجد أحدًا منهم، وكانوا قد تفرقوا, رجع عنهم. ويظهر أن قريشًا كانوا قد جاءوا إليهم، واتفقوا معهم على مهاجمة المدينة، بدليل ما ورد في خبر هذه الحملة من أنه "غزا يريد قريشًا وبني سليم"٢. و"بحران": موضع بناحية الفرع من الحجاز، به معدن للحجاج بن علاط البهري٣. و"الفرع" بالحجاز من أضخم أعراض المدينة٤. وهذا الطريق هو الطريق الذي كان أهل مكة في الجاهلية يسلكونه إلى العراق. ولما خافت قريش طريقها الذي كانت تسلكه إلى الشام حين كان من وقعة "بدر" ما كان، قررت سلوك طريق العراق، أي: هذا الطريق، واستأجرت لها دليلا خريتا بالطرق عالما بها، هو "فرات بن حيان"، وخرجت القافلة تحمل مالًا كثيرًا، فيه فضة كثيرة وهي معظم تجارتهم، سلكت طريق "ذات عرق"، ثم خرج الدليل بهم إلى "غمرة"، وانتهى إلى النبي خبر العير وفيها المال الكثير، فأرسل "زيد بن حارثة" على سرية، التقت بالقافلة بموضع "القردة"، فظفر بالعير, وأفلت أعيان القوم, وأتى بدليلها أسيرًا، وخمست الغنائم، فبلغ الخمس عشرين ألف درهم٥. وقد ذكر "الهمداني" أسماء منازل طريق الكوفة -يثرب، والكوفة- مكة على هذا النحو: الكوفة، فالقادسية، فالمغيثة، ثم القرعاء، ثم واقصة، ثم العقبة, ثم القاع، ثم زبالة، ثم الشقوق, ثم البطان، ثم الخزيمية، ثم الأجفر، ثم فيد، ثم توز، ثم سميراء، ثم الحاجر، ثم معدن النقرة، ثم العسيلة، ثم بطن نخل، ثم الطرف، ومنه إلى المدينة.

стр. 4753

ومن الطرف يؤدي الطريق إلى مكة، فيمر بالسيالة، ثم الروحاء، ثم الرويثة، ثم العرج، ثم السقيا، ثم الأبواء، ثم الجحفة، ثم قديد، ثم عسفان، ثم مرّ الظهران، ثم مكة١. ومن أخذ الجادة من مكة إلى معدن النقرة، فمن مكة إلى البستان، ثم ذات عرق، ثم الغمرة، ثم المسلح، ثم الأفيعية، ثم حرة بني سليم، ثم العمق، ثم السليلة، ثم الربذة، ثم ماوان، ثم معدن النقرة, وهو ملتقى الطريقين٢. وقد عرف طريق العراق من الكوفة إلى مكة بـ"المثقب", يقال: سلكوا المثقب, أي: مضوا إلى مكة, وقيل: إنه طريق ما بين اليمامة والكوفة. وذكر بعض العلماء أنه طريق كان بين الشام والكوفة, وكان يسلك في أيام بني أمية. ويظهر أن الاسم من الأسماء القديمة، بدليل اختلاف العلماء في تعليل التسمية؛ فقال بعضهم: سمي لمرور رجل به يقال له: مثقب، وقال بعض آخر: سمي بذلك؛ لأن بعض ملوك حمير بعث رجلًا يقال له: مثقب, على جيش كثير إلى الصين, فأخذ ذلك الطريق فسمي به٣. وكان حاج البصرة إذا أرادوا الحج، اتجهوا إلى "المنجشانية" على ستة أميال من البصرة، تنسب إلى "منجش" مولى "قيس بن مسعود"٤، ثم إلى "الحفير"، وهو ركايا ما بين "ماوية" و"المنجشانيات"٥، ثم إلى "الشجى"، ثم إلى "الخرجاء"، وهو ماءة احترفها "جعفر بن سليمان" على طريق حاج البصرة٦، ثم إلى "الحفر"٧، ثم إلى "ماوية"، ثم إلى ذات العشر، ثم إلى "الينسوعة" ينسوعة القف، منهل من مناهل طريق مكة على جادة البصرة، بها ركايا كثيرة عذبة الماء عند منقطع رمال الدهناء بين ماوية النباج٨. ثم إلى

стр. 4754

"السُّمَيْنة": أول منزل من النباج لقاصد البصرة١، ثم إلى "النباج"، ويقال له: نباج بني عامر بن كريز، وهو بحذاء "فيد", وبه يوم من أيام العرب مشهور لتميم على بكر بن وائل. وقد استنبط ماءه "عبد الله بن عامر بن كريز"، شقق فيه عيونًا وغرس نخلًا، وسكن به رهطه بنو كريز٢, و"عامر بن كريز بن ربيعة" القرشي العبشمي, والد "عبد الله"، وهو من المحمقين في قريش، ذكر أنه أسلم يوم الفتح، وكان ابنه "عبد الله" أميرًا على البصرة زمن عثمان٣، كما كان صهرًا لمعاوية ومن أغنياء المسلمين٤. ومن النباج إلى "العوسجة"، ثم إلى "القريتين"، ثم إلى "رامة"، ثم إلى "إمرة"، ثم إلى "طخفة"، ثم إلى "ضرية"، ثم إلى "جديلة"، ثم إلى "فلجة"، ثم إلى "الدثينة" "الدفينة", ثم إلى "قبا", ثم إلى "مران", ثم إلى "وجرة"، ثم إلى "أوطاس"، ثم إلى "ذات عرق"، ثم إلى بستان ابن عامر، ثم إلى مكة٥. ويلاحظ أن مبدأ هذا الطريق قد عمر في الإسلام؛ وذلك بسبب تأسيس البصرة، ولكنه يسلك أيضا الطريق الجاهلي القديم في مواضع كثيرة منه. و"بستان ابن عامر" عند مكة، ويرى بعض العلماء أن هذه التسمية مغلوطة وأنها من أقوال سواد الناس وأن الصحيح بستان ابن معمر، وهو مجتمع النخلتين اليمانية والشامية٦. بينما يرى بعضهم العكس، إذ قال: "وبستان ابن عامر بنخلة, هو عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة. ولا تقل: بستان ابن معمر؛ فإنه قول العامة"٧. وورد أيضا "بستان ابن عامر لعمر بن عبد الله بن معمر بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة بن كعب بن لؤي، ولكن الناس غلطوا فيه، فقالوا: بستان ابن عامر، وبستان بني عامر، وإنما

стр. 4755

هو بستان ابن معمر، وقوم يقولون: نسب إلى ابن عامر الحضرمي، وآخرون يقولون: نسب إلى ابن عامر بن كريز"١. وذكر أنه على مقربة من هذا البستان موضع يقال له: "المسدّ"، وهو مأسدة٢. ويقع موضع "السّيّ"، وهو ماء من ذات عرق إلى "وجرة", على ثلاث مراحل من مكة إلى البصرة وخمس من المدينة. فهو من منازل طريق البصرة - مكة, وإليه أرسل الرسول "شجاع بن وهب" الأسدي، على "بني عامر" بناحية "ركبة"٣, ووجرة في طريق البصرة. وأما "ذات عرق" فحد يفصل في عرف علماء جزيرة العرب بين الحجاز ونجد, فمن ذات عرق إلى الغرب الحجاز، ومن ذات عرق مشرقًا فهو نجد٤. وإذا جزت "وغرة" ووجرة فأنت في نجد إلى أن تبلغ "العذيب"، و"غمرة" في طريق الكوفة٥, وهي تفصل ما بين تهامة ونجد٦. وعلى مقربة من "ذات عرق"، يقع قبر أبي رغال في موضع يقال له: "الغُمَيْر"٧، بين ذات عرق وبين البستان٨. وقد ذكر "القلقشندي" طريقًا يبدأ بالبصرة ويتجه نحو "اليمامة"، على هذا النحو: "البصرة"، ثم "المنجشانية"، ثم إلى "الكفير" "الحُفير"، ثم إلى "الرحيل"، ثم إلى "الشجى"، ثم إلى "الحفر"، ثم إلى "ماوية"، ثم إلى "ذات العشر"، ثم إلى "الينسوعة"، ثم إلى "السمينة"، ثم إلى "النباج"، ثم إلى "العمومية" "العوسجة"، ثم إلى "القريتين"، ثم إلى "سويقة"، ثم إلى "صداة"، ثم إلى "السد"، ثم إلى "السقي"،

стр. 4756

ثم إلى "المنبية"، ثم إلى "السفح"، ثم إلى "المريقة"، ثم إلى "اليمامة"١. وذكر "الهمداني" أسماء بعض المواضع التي كان يسكنها المسافرون من الكوفة إلى العراق، وهي الطرق السالكة التي عرفت بـ"المحجة"؛ لأنها طرق الحج٢. وقد ذكر "الهمداني" أسماء مواضع يمر بها الطريق من "نجران" إلى البصرة, وهي: نجران, ثم كوكب، ثم الحفر، ثم العقيق وهو معدن ذهب، ثم "الفلج"، ثم "الخرج"، ثم "الخضرمة"، ثم "الفقى"، ثم البصرة٣. وإذا أراد أهل اليمامة السفر إلى مكة، سافروا إلى العرض وهو بطن العرض، عرض بني حنيفة، الوادي المعروف اليوم باسم الباطن، وفيه مياه وقرى٤، ثم "الحديقة"، ثم إلى "السيح"، وهو سيح "آل إبراهيم بن عربي" والي اليمامة في عهد "عبد الملك" و"هشام"٥، ثم إلى "الثنية"، ثم إلى "سقيراء"، ثم إلى "السد"، ثم إلى صداة، ثم إلى "شريفة"، ثم إلى "القريتين" من طريق البصرة، فيتصل الطريق بطريق البصرة، ويسلكها على نحو ما مر٦. وقد ذكر "قدامة" منازل هذا الطريق على هذا النحو: "العرض"، ثم "حديقة"، ثم "السيح"، ثم "الثنية العقاء"، ثم "سقيراء"، ثم "السد"، ثم "مرارة"، ثم "سويقة"، ثم "القريتين"، ثم طريق البصرة٧. ونجد في "بلاد العرب" وصف طريق يبدأ بـ"حجر" اليمامة وينتهي بمكة, ويبدأ بـ"بطن العرض"، ثم "السيح"، ثم "ثنية الأحيسى"، ثم ناحية من "قرقرى" اليمامة، ثم "المنفطرة"، ثم "الغُزيز"، ثم "الوركة"، ثم "أهوى"، و"أضيمر"، ثم "العفافة"، ثم "عكاش"، ثم "المروت"، ومنه إلى "السحامة" وعليها طريق المنار، وإذا جزت "أهوى"، فمن ورائها مويهة

стр. 4757

يقال لها: "الأسودة"، ثم تعبر رملة يقال لها: "جراد"، ثم تصل "الهلباء" بحايل، فإذا جزت "الهلباء" وقعت في وادٍ تجوزه فترد "عكاشا"، ثم ترد "العيصان" وهو معدن، ثم ترد معدن الأحسن وهو من أول عمل المدينة، ثم تجوزه إلى "العلكومة"، ثم ترد "الدثينة" "الدفينة": قرية على طريق البصرة إلى مكة١, ثم يسلك هذا الطريق المواضع التي ذكرتها عند حديثي على طريق البصرة - مكة. وكان لأهل اليمامة طرق توصلهم إلى اليمن، منها طريق يؤدي إلى "الخرج"٢، ثم إلى "نبعة"، ثم إلى "المجازة"، و"المعدن"، و"الشفق" "الشقق"، ثم "الثور"، ثم "الفلج"، وهو قرية كبيرة بها نخيل ومزارع وعين يقال لها: "الذّبا", يخرج منها سبعة عشر نهرًا، وهي من الأفلاج٣. ثم "الصفا"، وبئر الآبار, ونجران، ثم الحمى, وبرانس، ومريع، والمهجرة٤. ثم يسلك طريق المهجرة المؤدي إلى صنعاء٥. وذكر "الهمداني" طريقًا يصل نجران باليمامة ثم ينتهي بالبصرة, ومعنى ذلك طريق يوصل البصرة باليمن، فنجران من أهم عقد الطرق المؤدية إلى اليمن. ويبدأ الطريق بنجران، ومنها إلى "كوكب"، ثم إلى "الحفر"، ثم "العقيق" وهو معدن يعق عن الذهب، وهو لجرم وكندة، ثم "المقترب"، ثم "الفلج"، ثم "الخرج"، ثم "الخضرمة"، ثم "الفقى" وهو طرف اليمامة، ثم البصرة٦. وذكر "الهمداني" أن من يريد التوجه من "الفلج" إلى اليمامة، سلك طريق "العقيمة" أو "مخمسة"، ومن أخذ "الثفن" من الفلج إلى اليمامة أخذ أسافل أودية جعدة، فيأخذ الغادي على أسفل الغيل من الثفن، ثم يقطع "غلغل" و"الثجة" و"النضج"، فإن أحب شرب بدلاميس, ثم نسلة

стр. 4758

إلى الخرج، وإن أحب شرب بالمرَّاء، ثم برك ثم بريك١. وإذا أراد أهل البحرين التوجه إلى اليمامة صعدوا الطريق، فيكون عن يمينهم "خرشيم"، وهي هضاب وصحراء مطرحة إلى "الحفرين" وإلى "السلحين"، ثم "الحابسية"، ثم "مُزَلَّقَة"، ثم "الموارد", ثم الفروق الأدنى, ثم الفروق الثاني، ثم الخوار، خوَّار الثلع، ثم الصليب, وعن يمينك الصلب: صلب المِعَى والبرقة: برقة الثور. ثم الصمان، ثم ترجع إلى طريق "زَرْي"، فعن يسارك "الدُّبيب", وعن يمينك "الدحرض", ثم تقطع بطن "قو", ثم السمراء، ثم تأخذ في الدهناء وتأخذ على الشجرة، ثم إلى "الخل" خل الرمل، ثم قَلْت هبل، ثم "النظيم" نظيم الجفنة، ثم شباك العرمة والغرابات، ثم تقطع العرمة و"شيعًا"، ثم تسير في "السهباء"، ثم تقطع جبيلًا يقال له: "أنقد"، ثم الروضة، ثم ترد "الخضرمة" جو الخضارم, وهي أول اليمامة قبل البحرين٢. وكان لأهل نجد جملة طرق يسلكونها في اتجاههم نحو "مكة" أو المدينة أو اليمن, وقد عرف طريق نجد إلى مكة بـ"الجلال" وبـ"مثقب" وبـ"القعقاع"٣. وذكر أن "المثقب": طريق العراق من الكوفة إلى "مكة"، وكان فيما مضى طريقًا بين اليمامة والكوفة يسمى "مثقبا"، وذكر أنه طريق العراق إلى مكة. وقد أوجدوا لذلك جملة تعاليل لحل مشكلة التسمية, فقالوا: إنه سمي مثقبًا؛ لمرور رجل به يقال له: مثقب. وقالوا: بل لأن بعض ملوك حمير بعث رجلًا يقال له: مثقب, على جيش كثير إلى الصين, فأخذ ذلك الطريق فسمي به. وذكر بعض آخر, أنه طريق كان بين الشام والكوفة، وكان يسلك في أيام بني أمية٤. وذكر أن "القعقاع": الطريق لا يسلك إلا بمشقة, وهو طريق من اليمامة إلى الكوفة، وقيل: إلى مكة٥.

стр. 4759

ويكون طريق نجد إلى المدينة ومكة جزءًا من طريق العراق إلى المدينتين، وقد ذكرت أسماء بعض المواضع التي يسلكها القادمون من الكوفة أو الحيرة ثم من البصرة إلى المدينة أو مكة، وهي تمرّ بعد اجتيازهم حد العراق بنجد. ومن هذه المواضع: "القَرْدة" "الفَردة"، الذي كانت إليه سرية "زيد بن حارثة" للتعرض بقافلة لقريش, تنكبت طريق الشام خوفًا من تحرش المسلمين بها وسلكت طريق العراق في الشتاء، فالتقى بها "زيد بن حارثة" بهذا الموضع فظفر بالعير١. ومن مواضع طرق نجد "قطن"، وهو جبل بناحية "فيد"، به ماء لبني أسد ابن خزيمة بنجد. وإليه أرسل الرسول "أبا سلمة بن عبد الأسد"، لما بلغه أن "طليحة" و"سلمة" ابن خويلد، قد استعدا لحرب رسول الله. وقد نكب بالسرية عن الطريق وسار بها ليلا ونهارا حتى يعجل بها إلى ملاقاتهما، فنذر بهم القوم وتفرقوا، ثم عاد بعد أن وجد سرحًا ومعه ثلاثة رعاء مماليك٢. و"قطن": جبل في غرب "القصيم" من نجد لا زال معروفًا بقرب بلدة "الفوارة"٣. ونجد في اصطلاح بعض العلماء, ما بين "العذيب" إلى "ذات عرق" وإلى اليمامة وإلى اليمن وإلى جبلي طيء، ومن المربد إلى "وجرة", وذات عرق أول تهامة إلى البحر. وذكر أن الأعراب يقولون: إذا خلفت "عجلز" مصعدًا، فقد أنجدت, و"عجلز" فوق "القريتين"، فإذا أنجدت عن ثنايا ذات عرق فقد أتهمت، فإذا عرضت لك الحرار بنجد قيل: ذلك الحجاز. وذكر أن نجدًا: الأريضة التي تقع جنوب العراق والشام، وشمال تهامة واليمن. وذكر أن كل ما وراء الخندق على سواد العراق، فهو نجد, والغور كل ما انحدر سيله مغربيا وما أسفل منها مشرقيا فهو نجد. وتهامة ما بين ذات عرق إلى مرحلتين من وراء مكة، وما وراء ذلك من المغرب فهو غور، وما وراء ذلك من مهب الجنوب فهو السراة إلى تخوم اليمن٤. وأما طرق العربية الغربية، فأهمها الطرق الممتدة من بلاد الشام إلى اليمن، وتتصل بها الطرق الآتية من مصر. وقد كان الجاهليون يقصدون دمشق للاتجار

стр. 4760

بها وللاصطياف، ولزيارة أمراء الغساسنة الذين كانوا قد امتلكوا قصورًا بها، غير أن بعضًا منهم كان يقف عند "بصرى"، يتاجر في أسواقها ثم يعود. ومنهم من كان يتوجه إلى "غزة"؛ للاتجار بها لوجود تجار بها قصدوها من سواحل البحر الأبيض، معهم تجارة ساحل البحر. وقد كان "هاشم" ممن قصد هذه المدينة. ويبدأ طريق دمشق بـ"الكسوة" ومن "الكسوة" إلى "جاسم"، وهو موضع ورد ذكره في شعر لحسان بن ثابت، إذ قال: قد عفا جاسم إلى بيت رأس ... فالجوابي فحارث الجولان١ ومن "جاسم" إلى أفيق"، وأفيق من أعمال حوران، وهو عقبة طويلة، وأفيق في أول العقبة ينحدر منها إلى غور الأردن ومنها يشرف على طبرية٢, ومن "أفيق" إلى "طبرية". وتعد "سرغ"، في آخر الشام وأول الحجاز، بين "المغيثة" و"تبوك"، وفيها لقي "عمر" أمراء الأجناد٣، ثم "تبوك" وهي قرية مهمة يرد خبرها في أخبار غزوات الرسول، إذ عرفت بغزوة "تبوك". وبها صالح رسول الله "يحنة بن رؤبة", صاحب أيلة، وأهل جرباء وأذرح٤. ومن "تبوك" يتجه الطريق إلى "المحدثة" ثم إلى "الأقرع"، ثم إلى "الجنينة"٥، ثم إلى "الحجر"، وهي في نظر أهل الأخبار ديار ثمود وبلادهم، وقد أشير إليها في القرآن: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٦، وقد مر بها رسول الله في غزوته لتبوك، ونهى عن دخول مساكنها وعن الشرب من مائها، واستحث راحلته، وأسرع حتى خلفها٧. وذكر "أن بيوتها منحوتة في الجبال مثل المغاور، كل جبل منقطع عن الآخر، يطاف حولها، وقد نقر فيها بيوت

стр. 4761

تقل وتكثر على قدر الجبال التي تنقر فيها. وهي بيوت في غاية الحسن, فيها بيوت وطبقات محكمة الصنعة, وفي وسطها البئر التي كانت تردها الناقة١. وهي قرية لا تزال معروفة مسكونة"٢. ثم إلى "وادي القرى"، فتمر القوافل في قرى عديدة، ثم إلى "الرحيبة"، ثم إلى "ذي المروة"، وهو قرية بين "ذي خشب" و"وادي القرى"٣، ثم إلى "المر"، ثم إلى "السويداء"٤، ثم إلى "ذي خشب"٥، وهو وادٍ على مسيرة ليلة من المدينة، ذكر في الأحاديث والمغازي ويقال له: "وادي خشب"، فيه عيون٦، ثم إلى المدينة٧. ولما سار الرسول إلى "تبوك" نزل "ذا خشب"، ثم "ثنية الوداع"، ثم مرَّ بوادي القرى، ثم بالحجر، ثم تبوك٨. وهناك طريق يمتد من "أيلة" إلى "حقل"، ثم "مدين", ثم إلى الأغواء، ثم إلى "الكلابة"، ثم إلى "شغب"، ثم إلى "بدا". وشغب: موضع ذكر في حديث الزهري، أنه كان له مال بشغب وبدا، وهما موضعان كانا في الشام، وبه كان مقام "علي بن عبد الله بن عباس" وأولاده إلى أن وصلت إليهم الخلافة. وبشغب مات الزهري، وهو "أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري"، المدني, مات سنة "١٢٤هـ" في أمواله بها. وذكر أنه قبر بأداما، وهي خلف شغب وبدا، وهي أول عمل فلسطين وآخر عمل الحجاز، وبها ضيعة "الزهري" التي كان فيها٩. ومن "بدا" يتجه الطريق إلى "السرحتين"، ثم إلى "البيضاء"، ثم إلى "وادي القرى"، ثم إلى "الرحيبة"، ثم إلى "ذي المروة"، ثم إلى "المر"، ثم إلى "السويداء"، ثم إلى "ذي خشب"، ثم إلى المدينة،

стр. 4762

ومنها إلى مكة. وقد كان حجاج مصر يسلكون هذا الطريق, إذا جاءوا من البر١. وهناك طريق ساحلي سلكه حجاج مصر أيضًا، يبدأ بشرف البعل، ثم إلى "الصلا"، ثم إلى "النبك"٢، ثم إلى "ظبة"، ثم إلى "عونيد"، ثم إلى "الوجه"، ثم إلى "منخوس"، ثم إلى "الجرة"، ثم إلى "الأحساء"، ثم إلى "ينبع"، ثم إلى "مسئولان"، ثم إلى "الجار"، ثم إلى المدينة٣. و"الجار" على ساحل البحر، وهو فرضة المدينة، ترفأ إليه السفن من أرض الحبشة ومصر وعدن، وبحذائه جزيرة في البحر, ميل في ميل, يسكنها التجار٤. و"ينبع" حصن له عيون فوَّارة، ذكر بعضهم أنها مائة وسبعون عينًا، ونخيل وزروع، بطريق حاج مصر عن يمين الجائي من المدينة إلى "وادي الصفراء"، وقد جفت عيونه فيما بعد، كما ذكر من زارها من الباحثين٥. وأما طريق المدينة المؤدي إلى مكة، فيمر بـ"الشجرة"، وهو ميقات أهل المدينة، ثم إلى "ملل"، ثم إلى "السيالة". وقد ذكر أنها أول مرحلة لأهل المدينة إذا أرادوا مكة، وأنها بين "ملل" والروحاء٦. ثم إلى "الرويثة", ثم إلى "السقيا", فيها نهر جارٍ بين المدينة ووادي الصفراء٧, ثم إلى "الأبواء"، وهي قرية من أعمال "الفرع" بين المدينة والجحفة٨، ثم إلى "الجحفة" وهي من تهامة، وفيها آبار، وهي ميقات أهل الشام، وكانت تسمى "مهيعة"، فنزل بها "بنو عبيل" وهم إخوة عاد, وكان أخرجهم العماليق من يثرب, فجاءهم سيل جحاف فاجتحفهم فسميت الجحفة. وهكذا فسر

стр. 4763

"ابن الكلبي" سبب تسمية هذه القرية القريبة من البحر بهذه التسمية١. والأبواء من المنازل التي كان يطرقها المسافرون إلى بلاد الشام، فهي على طريق التجارة القديم. وللرسول غزوة عُرفت بغزوة الأبواء وبغزوة ودان، وصل فيها إلى موضع "ودان"، وكان يريد اعتراض عير لقريش مرت بهذا المكان، وهي أول غزوة غزاها الرسول. وقد وادع فيها "بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة" على ألا يكثروا عليه ولا يعينوا أحدًا عليه٢, مما يدل على أن هذا الموضع كان لبني ضمرة في ذلك العهد. وورد أنه كان لبني ضمرة ولغفار وكنانة٣. وودان قرب الأبواء والجحفة من نواحي "الفرع"، بينها وبين "هرشى" ستة أميال, وبينها وبين "الأبواء" نحو من ثمانية أميال، وكانت قرية سكنها "الصعب بن جثامة" الليثي من أصحاب الرسول، فنسب إليها٤. و"هَرْشى" ثنية قرب "الجحفة" في طريق مكة يرى منها البحر، ولها طريقان فكل من سلكهما كان مصيبًا، وهي على طريق الشام وطريق المدينة إلى مكة في أرض مستوية، وأسفل منها "ودَّان" على ميلين مما يلي المغرب. ويتصل بها من الغرب خبت رمل, في وسط هذا الخبت جبل أسود شديد السواد صغير, يقال له: طفيل٥. ومن الجحفة يتجه المسافر إلى "قُديد"٦، ثم إلى "عسفان"، ثم إلى بطن مر، ثم إلى مكة٧. و"بطن مر": قرية كبيرة، وعلى أربعة أميال منها قبر "ميمونة" زوجة النبي، وعلى مسافة منها مسجد عائشة، ومنها يحرم أهل مكة، وهو حد الحرم٨. والجحفة من منازل طريق تجارة مكة إلى الشام؛ ولذلك صارت هي والمواضع التي تقع على هذا الطريق من الأهداف التي قصدها المسلمون للتحرش بقوافل

стр. 4764

قريش. ومن نواحي الجحفة "ثنية المرة"، ومنها سار "عبيدة بن الحارث بن المطلب" إلى عير لقريش يحرسها مائتان من المشركين بقيادة "أبي سفيان" أو غيره, وذلك في السنة الأولى من الهجرة، فالتقى بها على ماء يقال له: "أحياء" من بطن "رابغ" على عشرة أميال من الجحفة، وأنت تريد قديدًا عن يسار الطريق١. و"رابغ": وادٍ عند الجحفة قرب البحر بين "البزواء" و"الجحفة" دون "عزور"، وقرية لا تزال معروفة, بينها وبين "بدر" خمس مراحل؛ الأولى "قاع البزواء"، ثم عقبة وادي السويق، ثم آخر ودان، ثم شقراء، ثم رابغ٢. وهي اليوم قرية، مياهها عذبة ذات مزارع ونخيل. وأرسل الرسول سرية أخرى إلى "الخرَّار" للتعرض لعير قريش التي كانت تسلك الجحفة، فلما وصلت "الخرار" من الجحفة قريبًا من "خم"، وجدت عير قريش قد سبقتها ونجت٣. و"خم": غدير دون الجحفة وقيل: بالجحفة٤. وعلى مسيرة يوم من "ينبع"، يقع جبل "رضوى" الذي يبعد سبع مراحل عن المدينة٥, ومن نواحي هذا الجبل ناحية "بواط"، وإليها خرج الرسول غازيًا معترضًا عير قريش التي كانت مارة بهذا المكان. وكانت قافلة كبيرة تتألف من ألفين وخمسمائة بعير، يحرسها مائة رجل من قريش، فيها "أمية بن خلف"، وقد أفلتت ونجت، دون أن يقع أي قتال٦. وببطن ينبع موضع يقال له: "ذو العشيرة" "ذات العشيرة"، إليه كانت غزوة "العشيرة" "غزوة ذات العشيرة"، حين بلغ الرسول خبر خروج عير لقريش إلى بلاد الشام، وقد جمعت قريش أموالها في تلك العير، ولكن القافلة نجت، فوصلت سالمة إلى بلاد للشام، وهي التي خرج الرسول في طلبها

стр. 4765

لما عادت، وكانت وقعة بدر. فرجع الرسول إلى المدينة، بعد أن صالح "بني مدلج" وحلفاءهم "بني ضمرة"١. ولما هاجر الرسول من مكة إلى المدينة, سلك به الدليل طريقًا لا تسلكه القوافل، أي: طريقًا لا يسلكه المسافرون عادة إلى المدينة؛ ليتجنب من ملاحقة قريش له. سلك به وبصاحبه "أبي بكر" أسفل مكة، ثم مضى بهما حتى حاذى بهما الساحل، وعارض الطريق أسفل من "عسفان"، ثم سلك بهما إلى أسفل "أمج"، ثم استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعدما جاوز "قديدًا"، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك، فسلك بهما "الخرار"، ثم سلك بهما "ثنية المرة" "ثنية المرأة"، ثم أجاز بهما "مدلجة لفف" "لقف"، ثم استبطن بهما "مدلجة مجاج" "مجاج"، طريقًا يقال له: "المدلجة" بين طريق "عمق" وطريق الروحاء٢. ثم سلك مرجحًا من مجاج، ثم بطن "مرجح ذي العضوين" ثم "بطن ذي كشد" "بطن ذات كشد" "ذي كشد"، ثم أخذ بهما على "الجداجد"، ثم على "الأجرد"، ثم سلك بهما "ذا سلم"٣ "ذا سمر"٤ من بطن أعداء "مدلجة تعهن"، ثم على "العبابيد"، ويقال: "العبايب" ويقال: "الغيثانة"٥ "العتبانة"٦، ثم أجاز بهما "الفاجة"، ويقال: "القاحة"٧, ثم هبط بهما "العرج"، ثم خرج بهما دليلهما من العرج فسلك بهما ثنية "العاثر"٨ "الغابر"٩ "الأعيار"١٠، ويقال "ثنية الغاثر"١١، عن يمين
следующие страницы →