تقل وتكثر على قدر الجبال التي تنقر فيها. وهي بيوت في غاية الحسن, فيها بيوت وطبقات محكمة الصنعة, وفي وسطها البئر التي كانت تردها الناقة١. وهي قرية لا تزال معروفة مسكونة"٢.
ثم إلى "وادي القرى"، فتمر القوافل في قرى عديدة، ثم إلى "الرحيبة"، ثم إلى "ذي المروة"، وهو قرية بين "ذي خشب" و"وادي القرى"٣، ثم إلى "المر"، ثم إلى "السويداء"٤، ثم إلى "ذي خشب"٥، وهو وادٍ على مسيرة ليلة من المدينة، ذكر في الأحاديث والمغازي ويقال له: "وادي خشب"، فيه عيون٦، ثم إلى المدينة٧.
ولما سار الرسول إلى "تبوك" نزل "ذا خشب"، ثم "ثنية الوداع"، ثم مرَّ بوادي القرى، ثم بالحجر، ثم تبوك٨.
وهناك طريق يمتد من "أيلة" إلى "حقل"، ثم "مدين", ثم إلى الأغواء، ثم إلى "الكلابة"، ثم إلى "شغب"، ثم إلى "بدا". وشغب: موضع ذكر في حديث الزهري، أنه كان له مال بشغب وبدا، وهما موضعان كانا في الشام، وبه كان مقام "علي بن عبد الله بن عباس" وأولاده إلى أن وصلت إليهم الخلافة. وبشغب مات الزهري، وهو "أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري"، المدني, مات سنة "١٢٤هـ" في أمواله بها. وذكر أنه قبر بأداما، وهي خلف شغب وبدا، وهي أول عمل فلسطين وآخر عمل الحجاز، وبها ضيعة "الزهري" التي كان فيها٩.
ومن "بدا" يتجه الطريق إلى "السرحتين"، ثم إلى "البيضاء"، ثم إلى "وادي القرى"، ثم إلى "الرحيبة"، ثم إلى "ذي المروة"، ثم إلى "المر"، ثم إلى "السويداء"، ثم إلى "ذي خشب"، ثم إلى المدينة،
стр. 4762
ومنها إلى مكة. وقد كان حجاج مصر يسلكون هذا الطريق, إذا جاءوا من البر١.
وهناك طريق ساحلي سلكه حجاج مصر أيضًا، يبدأ بشرف البعل، ثم إلى "الصلا"، ثم إلى "النبك"٢، ثم إلى "ظبة"، ثم إلى "عونيد"، ثم إلى "الوجه"، ثم إلى "منخوس"، ثم إلى "الجرة"، ثم إلى "الأحساء"، ثم إلى "ينبع"، ثم إلى "مسئولان"، ثم إلى "الجار"، ثم إلى المدينة٣. و"الجار" على ساحل البحر، وهو فرضة المدينة، ترفأ إليه السفن من أرض الحبشة ومصر وعدن، وبحذائه جزيرة في البحر, ميل في ميل, يسكنها التجار٤. و"ينبع" حصن له عيون فوَّارة، ذكر بعضهم أنها مائة وسبعون عينًا، ونخيل وزروع، بطريق حاج مصر عن يمين الجائي من المدينة إلى "وادي الصفراء"، وقد جفت عيونه فيما بعد، كما ذكر من زارها من الباحثين٥.
وأما طريق المدينة المؤدي إلى مكة، فيمر بـ"الشجرة"، وهو ميقات أهل المدينة، ثم إلى "ملل"، ثم إلى "السيالة". وقد ذكر أنها أول مرحلة لأهل المدينة إذا أرادوا مكة، وأنها بين "ملل" والروحاء٦. ثم إلى "الرويثة", ثم إلى "السقيا", فيها نهر جارٍ بين المدينة ووادي الصفراء٧, ثم إلى "الأبواء"، وهي قرية من أعمال "الفرع" بين المدينة والجحفة٨، ثم إلى "الجحفة" وهي من تهامة، وفيها آبار، وهي ميقات أهل الشام، وكانت تسمى "مهيعة"، فنزل بها "بنو عبيل" وهم إخوة عاد, وكان أخرجهم العماليق من يثرب, فجاءهم سيل جحاف فاجتحفهم فسميت الجحفة. وهكذا فسر
стр. 4763
"ابن الكلبي" سبب تسمية هذه القرية القريبة من البحر بهذه التسمية١.
والأبواء من المنازل التي كان يطرقها المسافرون إلى بلاد الشام، فهي على طريق التجارة القديم. وللرسول غزوة عُرفت بغزوة الأبواء وبغزوة ودان، وصل فيها إلى موضع "ودان"، وكان يريد اعتراض عير لقريش مرت بهذا المكان، وهي أول غزوة غزاها الرسول. وقد وادع فيها "بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة" على ألا يكثروا عليه ولا يعينوا أحدًا عليه٢, مما يدل على أن هذا الموضع كان لبني ضمرة في ذلك العهد. وورد أنه كان لبني ضمرة ولغفار وكنانة٣.
وودان قرب الأبواء والجحفة من نواحي "الفرع"، بينها وبين "هرشى" ستة أميال, وبينها وبين "الأبواء" نحو من ثمانية أميال، وكانت قرية سكنها "الصعب بن جثامة" الليثي من أصحاب الرسول، فنسب إليها٤.
و"هَرْشى" ثنية قرب "الجحفة" في طريق مكة يرى منها البحر، ولها طريقان فكل من سلكهما كان مصيبًا، وهي على طريق الشام وطريق المدينة إلى مكة في أرض مستوية، وأسفل منها "ودَّان" على ميلين مما يلي المغرب. ويتصل بها من الغرب خبت رمل, في وسط هذا الخبت جبل أسود شديد السواد صغير, يقال له: طفيل٥.
ومن الجحفة يتجه المسافر إلى "قُديد"٦، ثم إلى "عسفان"، ثم إلى بطن مر، ثم إلى مكة٧. و"بطن مر": قرية كبيرة، وعلى أربعة أميال منها قبر "ميمونة" زوجة النبي، وعلى مسافة منها مسجد عائشة، ومنها يحرم أهل مكة، وهو حد الحرم٨.
والجحفة من منازل طريق تجارة مكة إلى الشام؛ ولذلك صارت هي والمواضع التي تقع على هذا الطريق من الأهداف التي قصدها المسلمون للتحرش بقوافل
стр. 4764
قريش. ومن نواحي الجحفة "ثنية المرة"، ومنها سار "عبيدة بن الحارث بن المطلب" إلى عير لقريش يحرسها مائتان من المشركين بقيادة "أبي سفيان" أو غيره, وذلك في السنة الأولى من الهجرة، فالتقى بها على ماء يقال له: "أحياء" من بطن "رابغ" على عشرة أميال من الجحفة، وأنت تريد قديدًا عن يسار الطريق١.
و"رابغ": وادٍ عند الجحفة قرب البحر بين "البزواء" و"الجحفة" دون "عزور"، وقرية لا تزال معروفة, بينها وبين "بدر" خمس مراحل؛ الأولى "قاع البزواء"، ثم عقبة وادي السويق، ثم آخر ودان، ثم شقراء، ثم رابغ٢. وهي اليوم قرية، مياهها عذبة ذات مزارع ونخيل.
وأرسل الرسول سرية أخرى إلى "الخرَّار" للتعرض لعير قريش التي كانت تسلك الجحفة، فلما وصلت "الخرار" من الجحفة قريبًا من "خم"، وجدت عير قريش قد سبقتها ونجت٣. و"خم": غدير دون الجحفة وقيل: بالجحفة٤.
وعلى مسيرة يوم من "ينبع"، يقع جبل "رضوى" الذي يبعد سبع مراحل عن المدينة٥, ومن نواحي هذا الجبل ناحية "بواط"، وإليها خرج الرسول غازيًا معترضًا عير قريش التي كانت مارة بهذا المكان. وكانت قافلة كبيرة تتألف من ألفين وخمسمائة بعير، يحرسها مائة رجل من قريش، فيها "أمية بن خلف"، وقد أفلتت ونجت، دون أن يقع أي قتال٦.
وببطن ينبع موضع يقال له: "ذو العشيرة" "ذات العشيرة"، إليه كانت غزوة "العشيرة" "غزوة ذات العشيرة"، حين بلغ الرسول خبر خروج عير لقريش إلى بلاد الشام، وقد جمعت قريش أموالها في تلك العير، ولكن القافلة نجت، فوصلت سالمة إلى بلاد للشام، وهي التي خرج الرسول في طلبها
стр. 4765
لما عادت، وكانت وقعة بدر. فرجع الرسول إلى المدينة، بعد أن صالح "بني مدلج" وحلفاءهم "بني ضمرة"١.
ولما هاجر الرسول من مكة إلى المدينة, سلك به الدليل طريقًا لا تسلكه القوافل، أي: طريقًا لا يسلكه المسافرون عادة إلى المدينة؛ ليتجنب من ملاحقة قريش له. سلك به وبصاحبه "أبي بكر" أسفل مكة، ثم مضى بهما حتى حاذى بهما الساحل، وعارض الطريق أسفل من "عسفان"، ثم سلك بهما إلى أسفل "أمج"، ثم استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعدما جاوز "قديدًا"، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك، فسلك بهما "الخرار"، ثم سلك بهما "ثنية المرة" "ثنية المرأة"، ثم أجاز بهما "مدلجة لفف" "لقف"، ثم استبطن بهما "مدلجة مجاج" "مجاج"، طريقًا يقال له: "المدلجة" بين طريق "عمق" وطريق الروحاء٢. ثم سلك مرجحًا من مجاج، ثم بطن "مرجح ذي العضوين" ثم "بطن ذي كشد" "بطن ذات كشد" "ذي كشد"، ثم أخذ بهما على "الجداجد"، ثم على "الأجرد"، ثم سلك بهما "ذا سلم"٣ "ذا سمر"٤ من بطن أعداء "مدلجة تعهن"، ثم على "العبابيد"، ويقال: "العبايب" ويقال: "الغيثانة"٥ "العتبانة"٦، ثم أجاز بهما "الفاجة"، ويقال: "القاحة"٧, ثم هبط بهما "العرج"، ثم خرج بهما دليلهما من العرج فسلك بهما ثنية "العاثر"٨ "الغابر"٩ "الأعيار"١٠، ويقال "ثنية الغاثر"١١، عن يمين
стр. 4766
"ركوبة"، ثم هبط "بطن رئم"١ "بطن ريم"٢، ثم قدم بهما "قباء"، ثم "يثرب"٣.
ولما سمع الرسول بقدوم "أبي سفيان" مقبلًا من الشام في غير لقريش عظيمة, فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم، خرج لملاقاتها في موضع "بدر", وكان بدر طريق ركبان قريش من أخذ منهم طريق الساحل إلى الشام٤, فخرج من المدينة على نقب المدينة، فنزل بالبقع, ويقال: بئر أبي عتبة، وهي على ميل من المدينة، ثم اتجه نحو "بيوت السقيا"، فضرب عسكره هناك. ثم أمر أصحابه أن يستقوا من "بئر السقيا"، وصلى عند بيوت السقيا، وسلك من السقيا بطن العقيق حتى نزل تحت شجرة بالبطحاء، ثم سلك "ذا الحليفة"، ثم إلى "أولات الجيش" "ذات الجيش"، ثم إلى "تربان"، ثم إلى "ملل"، ثم إلى "غميس الحمام" من "مريين"، ثم إلى صخيرات اليمام، ثم إلى "السيالة"، ثم إلى "فج الروحاء"، ثم إلى "شنوكة"، وهي الطريق المعتدلة، ثم إلى "عرق الظبيَّة" "الظبية"، ثم إلى "سجسج" وهي بئر الروحاء، حتى إذا كان بالمنصرف ترك طريق مكة بيسار, وسلك ذات اليمين إلى "النازية" يريد "بدرا"، فسلك في ناحية منها، حتى جزع واديًا يقال له: "وحقان" بين "النازية" وبين مضيق الصفراء, ثم إلى المضيق ثم انصب منه إلى "الصفراء" وهي قرية بين جبلين، ثم سلك إلى وادٍ يقال له: "ذو فران"، ثم سلك إلى ثنايا يقال لها "الأصافر"، ثم انحط منها إلى بلد يقال له: "الدبة" "الدية"، وترك "الحنان" بيمين وهو كثيب عظيم كالجبل، ثم نزل بدرًا٥.
стр. 4767
و"السقيا": موضع به ماء، بين المدينة ووادي الصفراء١، يعرف اليوم بـ"أم البرك"٢.
و"شنوكة": جبل جمع على "شنائك" في شعر لكثير؛ لأنه ثلاثة أجبل صغار منفردات من الجبال، يمر منها الطريق إلى بدر والصفراء وإلى النازية ورحقان، ويدع المنصرف إلى يساره٣. وتقع بين "المنصرف" وبين الروحاء, ولا تزال معروفة٤.
و"المنصرف": موضع يقال له "المسيجد" في الوقت الحاضر، وهو قرية كبيرة٥, وتقع على طريق المدينة المتجه إلى "الصفراء" فالساحل والذي يتصل بجدة. وهو غير بعيد عن "النازية", و"النازية": عين ثرة على طريق الآخذ من مكة إلى المدينة قرب الصفراء، وهي إلى المدينة أقرب٦.
و"بدر" أسفل وادي الصفراء، وهو إلى المدينة أقرب، يقال: إنه هو منها على ثمانية وعشرين فرسخًا، وبينه وبين "الجار"، وهو على ساحل البحر, ليلة. وبه بئر حفرها رجل من غفار اسمه "بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة", وقيل: بدر بن قريش بن يخلد بن النضر بن كنانة، وقيل: بدر رجل من "بني ضمرة" سكن ذلك الموضع فنسب إليه, ثم غلب اسمه عليه، وقيل: بدر رجل من جهينة كان يملك البئر فسميت به, ولهم تفاسير أخرى من هذا القبيل في تعليل سبب تسمية بدر بدرا٧. وبدر قرية كبيرة في الوقت الحاضر أسفل "وادي الصفراء"، يتجه منها طريق إلى "ينبع"، ومن ينبع إلى مكة٨.
وكان "أبو سفيان" لما بلغ "الزرقاء" من بلاد الشام وهو منحدر إلى مكة، أخبره أحدهم أن محمدًا كان قد عرض لعيرهم في بدأتهم، وأنه تركه
стр. 4768
مقيمًا ينتظر رجعتهم، فخرج خائفًا من الرصد، فلما بلغ الساحل أرسل رسولًا استأجره بعشرين مثقالًا، وأمره أن يخبر قريشًا أن محمدًا قد عرض لعيرهم، فذهب إليهم وأخبرهم، فتجهزوا وأسرعوا لإنقاذ قافلة "أبي سفيان" الذي خاف خوفا شديدا حين دنا من المدينة، فلما أصبح "أبو سفيان" ببدر، ضرب وجه عيره فساحل بها، وترك بدرًا يسارًا وانطلق سريعًا، حتى بلغ مكة. وكان أهل مكة قد خرجوا من مكة على طريق "مر الظهران"، ثم "عسفان", ثم "قديد"، ثم إلى "مناة" من البحر، ثم "الجحفة"، ثم "الأبواء"، ثم "بدر"١، حيث التقوا برسول الله، فوقعت معركة بدر.
وكانت قريش تأخذ الساحل: ساحل البحر, حين تأخذ إلى الشام٢. وهو طريقها إلى متجرها هناك، وقد عرف بالمعرقة، وفيه سلكت عير قريش حين كانت وقعة "بدر". ومن هذا قول "عمر" لسلمان: أين تأخذ إذا صدرت؟ أعلى المعرقة أم على المدينة؟ ٣. ويقع طريق المعرفة بين "عزور" وبين "رضوى" تختصره العرب إلى الشام وإلى مكة وإلى المدينة, وهو بين الجبلين٤.
ومن مواضع هذا الطريق: العيص، وهو عرض من أعراض المدينة، وموضع على مقربة من ساحل البحر٥، ومن "ذي المروة"٦. وهو موضع على طريق تجارة قريش مع الشام، وبه كان يمر طريق الشام ومصر إلى المدينة ومكة٧. وإلى سيف البحر ناحية العيص أرسل الرسول "حمزة"، حين بلغه أن "أبا جهل" قد جاء بعير لقريش من الشام يريد مكة في ثلاثمائة راكب٨, فقد كان هذا الموضع من الساحل مسلك قوافل قريش. ولا يزال اسم العيص معروفا, وفي مقابله "الحوراء"، مرفأ سفن مصر في القديم٩.
стр. 4769
ولم يذكر علماء السير والأخبار أسماء المراحل التي قطعتها قريش عند زحفها على "أُحُد" بتفصيل, وكل ما ذكروه أن قريشًا جاءوا فنزلوا "عينين" بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مما يلي المدينة١, وذكر أنه الجبل الذي أقام عليه الرماة يوم أحد؛ ولذلك قيل ليوم أحد: يوم عينين٢. وكانوا قد قدموا من "ذي طوى" على طريق "الأبواء" حيث همت وهي هناك أن تنبش قبر "آمنة" أم النبي. وسلكوا "العقيق" حتى نزلوا ظاهر المدينة٣, ثم التقوا بالمسلمين عند أحد.
ويظهر من هذه الأسماء، أن قريشًا سلكت في سيرها على المدينة الطريق المألوف الذي يمر بالأبواء. و"ذو طوى": موضع قرب مكة عرف بالزاهر، به بئر حفرها "عبد شمس بن عبد مناف"٤.
ولما سار الرسول للعمرة، سلك طريق "الفرع" "الفروع" نحو "مر الظهران"، ثم "بطن يأجج"، وحبس الهدي بـ"ذي طوى" ودخل مكة من الثنية٥. و"مر الظهران"، وادٍ به عيوان ومياه غير بعيد عن مكة، وبه "مجنة"، ويعرف الآن بوادي فاطمة٦.
وخرج الرسول من المدينة, فسلك حرة بني حارثة، ثم "الشوط" بين المدينة وأحد، ثم "الشيخين" حتى نزل الشعب من "أحد" في عدوة الوادي إلى الجبل٧. ولما عاد الرسول إلى المدينة، بلغه أن "أبا سفيان" كان بموضع "ملل" يقرر الرجوع إلى المسلمين، وأن رجلًا أخبره أنه رأى "أبا سفيان" بالروحاء، وهو مجمع مع قريش على السير إلى المدينة. وسأل الرسول عن موضع قريش فقيل له: إنه بالسيالة، فخرج من المدينة حتى وصل "حمراء الأسد", فبلغه رجوع قريش إلى مكة وذهاب شرها, فرجع إلى يثرب٨.
стр. 4770
ولما عاد "عمرو بن أمية الضمري" من مكة، وكان قد وجهه الرسول لقتل أبي سفيان، خرج إلى "التنعيم"، ثم أخذ طريق "الصفراء"، ثم "غليل ضجنان"، ثم أخذ المحجة، ثم "النقيع" حتى وصل المدينة١. و"التنعيم" على ثلاثة أمثال أو أربعة من مكة، وهو أقرب أطراف الحل إلى البيت، على يمينه جبل نعيم وعلى يساره جبل ناعم، والوادي اسمه "نعمان"٢. و"الصفراء" وادٍ بين مكة والمدينة، وراء بدر مما يلي المدينة٣, و"ضجنان" غليل يظهر من وصف خبر رجوع "عمرو بن أمية" إلى المدينة، أنه بعد الصفراء، ذكر أنه موضع أو جبل بين مكة والمدينة، ويظهر أن العلماء كانوا قد اختلفوا في تعيين مكانه٤. و"النقيع" هو "نقيع الخصمات" الذي حماه "عمر" لنعم الفيء وخيل المجاهدين, فلا يرعاها غيرها. وورد في الحديث: "أول جمعة جمعت في الإسلام بالمدينة في نقيع الخضمات"٥. ويظهر من شعر لمعبد بن أبي معبد الخزاعي، أن ماء "ضجنان" بعد ماء "قديد"٦.
ولما سار الرسول إلى "بني لحيان"، خرج من المدينة فسلك على "غراب" جبل بناحية المدينة على طريقة إلى الشام، ثم على "مخيض"، ثم على "البتراء", ثم صفق ذات اليسار، ثم على "يين"، ثم على "صخيرات اليمام"، ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة، حتى نزل على "غُران" وهي منازل بني لحيان, و"غران": وادٍ بين "أمج" و"عسفان" إلى بلد يقال له "ساية". ثم سار الرسول حتى نزل "عسفان"، ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كُراع "الغميم"، ثم "كرا"، ثم قفل الرسول راجعًا إلى المدينة٧.
стр. 4771
ويظهر من هذا الوصف أن الرسول أراد إعماء خبر غزوته عن "بني لحيان"، فسلك طريق الشام, ثم غير اتجاهه فتوجه نحو "يين" وصخيرات اليمام، فبلغ الجادة، ثم أسرع حتى بلغ "غران"، منازل "بني لحيان" بين "أمج" و"عسفان", فتكون منازل "بني لحيان" في هذه المنطقة.
ولما سار الرسول إلى مكة عام الفتح، سلك طريق "العرج"، و"العرج": جبل بين مكة والمدينة يمضي إلى الشام١، وواد يقع بين أم البرك، الموضع المعروف بالسقيا قديمًا، وبين الجيّ، الوادي الذي يقطعه المسافرون مع طريق السيارات القديم إلى "المسيجد"٢, وذكر أنه على أربعة أميال من المدينة٣. وكان الرسول قد نزل "السقيا"، وهي "أم البرك" الآن٤، وذكر أنه بين المدينة والصفراء، وفي الحديث أنه كان يستعذب من بيوت السقيا٥, و"الصفراء" وراء "بدر" مما يلي المدينة٦. كما مر بثنية العقاب٧, وبالأبواء، وبذي الحليفة، وبالجحفة، وبالكديد، وهو موضع على اثنين وأربعين ميلًا من مكة بين "عسفان" و"رابغ"، وقيل: بين عسفان وقديد بينه وبين مكة ثلاث مراحل، أو بين ثنية غزال وأمج٨, وبـ"قديد"٩، وبمر الظهران١٠.
ولما حج الرسول حجة الوداع، سار من المدينة فصلى الظهر بـ"ذي الحليفة"، ثم استوى بالبيداء، ومر إلى "القاحة"، وهو موضع على ثلاث مراحل من
стр. 4772
المدينة وعلى ميل من "السقيا"، وهو بين "الجحفة" و"قديد"١. ثم سار إلى "ملل" "يلملم"٢، وهو موضع به آبار على مسافة اثني عشر ميلًا من "الشجرة"٣، أو سبعة عشر ميلًا من "المدينة"، وقيل: عشرين ميلًا٤، ثم شرف السيالة وهو موضع بين "ملل" و"الروحاء" في طريق مكة٥، ثم "عرق الظبية" بين "الروحاء" و"السيالة"، وهو دون "الروحاء"، ثم نزل "الروحاء"، ثم راح من "الروحاء" فصلى العصر بالمنصرف٦. و"المنصرف" على أربعة بُرُد من "بدر" مما يلي "مكة"٧، وصلى المغرب بالمُتعشى وتعشى به، وصلى الصبح بالأثاية. و"أثاية" بطريق "الجحفة" إلى مكة، فيه مسجد نبوي، قيل: بينه وبين المدينة خمسة وعشرون فرسخًا، أو بئر دون العرج٨, وأصبح بالعرج يوم الثلاثاء٩.
ونزل "السقيا" يوم الأربعاء، وأصبح بالأبواء، ثم راح إلى "الجحفة"، ثم راح منها إلى "قديد، ثم "عسفان"، ثم "الغميم", ثم "مر الظهران"، ثم نزل موضع "سرف". ولما انتهى إلى "الثنيتين" بات بينهما، بين "كداء" و"كدى"، ودخل مكة من "كداء"١٠.
وأما الطريق من مكة إلى الطائف، فمن مكة إلى بئر ابن المرتفع، ثم إلى قرن المنازل وهي ميقات أهل اليمن والطائف، ثم إلى الطائف. ومن أراد من مكة إلى الطائف على طريق العقبة, يأتي عرفات، ثم بطن نعمان، ثم يصعد عقبة حراء، ثم يشرف على الطائف ويهبط ويصعد عقبة خفيفة، تسمى "تنعم
стр. 4773
الطائف"، ثم يدخل الطائف١.
وبين مكة والطائف موضع يقال له: "بطن نخلة" "نخلة"٢، إليه أرسل الرسول "عبد الله بن جحش" على رأس سرية؛ ليرصد بها عير قريش. فسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له "بحران", سلك طريقه نحو "نخلة" حتى بلغها، فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا وتجارةً من تجارة قريش وخمرًا، فاستولت على العير وأخذت أسيرين ممن كان يحرس العير، ورجعت إلى المدينة. وذكر أن "عبد الله بن جحش" كان يحمل كتابًا من الرسول يعين له الهدف، أمره ألا يفتحه إلا بعد أن يسير ليلتين، فلما سار وصار ببطن "ملل" أو عند "بئر ابن ضميرة" فتح الكتاب، فإذا فيه أن يذهب إلى "بطن نخلة" ليتحسس أخبار قريش٣.
وقد سلك أهل مكة في ذهابهم إلى اليمن وفي إيابهم منها جملة طرق، منها ما تمر بالساحل، ومنها ما تمر شرقًا عنه. ومن هذه الطرق: طريق يبدأ بمكة، ثم إلى "قرن المنازل", قرية كبيرة, وهو ميقات أهل اليمن والطائف، واسم وادٍ٤. ثم إلى "الفتق"٥، وهو قرية، ثم إلى "صفن" "صفر" "صقر"، ثم إلى "تربة"، ثم إلى "كرى" "كرا" "كدا" "كدى"، ثم إلى "رنية"، ثم إلى "تبالة"، ويرد اسمها في تأريخ "الحجاج"، فقد استعمل عبد الملك "الحجاج" عليها، فلما أتاها استحقرها ولم يدخلها، فقيل: "أهون من تبالة على الحجاج"٦. ثم إلى "بيشة بعطان"، ثم إلى "جسداء"، ثم إلى "بنات حرب" "بنات حرم"، ثم إلى "يبمبم"، وهو منزل في صحراء فيه بئر واحدة عذبة، وليس به أهل، وحوله أعراب من خثعم، وبينه وبين
стр. 4774
"جرش" نحو أربعة عشر ميلًا، ومنه إلى "كتنة" "كثبة"، ثم إلى "الثجة"، ثم "سروم راح" "شروم راح"، ثم إلى "المهجرة"، وفيما بين "سروم راح" والمهجرة طلحة الملك، شجرة عظيمة تشبه الغرب غير أنها أعظم منه، وهي الحد ما بين عمل مكة وعمل اليمن١, وكان النبي حجز بها بين اليمن ومكة٢.
ومن "المهجرة" يتجه الطريق إلى "عرقة", وهو أول عمل اليمن، ثم إلى "صعدة"، وهي مدينة يدبغ فيها الأدم، واشتهرت بالنعل٣, ولصعدة مخاليف، وقرى كثيرة. وقد ذكر "قدامة" أن أكثر تجار "صعدة" من أهل البصرة، وطريق منها للبصريين يرجع إلى "ركبة" "الركيبة", مما يدل على أن التجارة كانت متينة بين أهل اليمن وبين أهل البصرة في الإسلام. ومن يدري، فلعل هذه التجارة تعود إلى ما قبل تأسيس البصرة، أي: إلى ما قبل الإسلام.
ومن صعدة، يتجه الطريق إلى "الأعمشية"، ومن الأعمشية إلى خيوان، قرية جبلية الماء من السماء، وفيها كروم، ومن خيوان إلى "أثافت"، وهي قرية عظيمة وفيها زروع وكروم، وماء الشرب من بركة٤. ثم إلى صنعاء٥.
والطريق المذكور، هو الطريق الذي عليه الأميال، وهو طريق العوامل والعمال٦. فهو الطريق المسلوك الذي يمر به البريد.
وذكر العلماء أن أهل "صنعاء" كانوا إذا أرادوا مكة قصدوا "الرحابة"، ثم إلى "رافدة"، ثم إلى "خيوان"، ثم إلى "صعدة"، ثم إلى "النضج"، ثم "القصبة"، ثم "الثجة", ثم كثبة "كتنة"، ثم بنات حرم "بنات حرب", ثم جسداء، ثم بيشة، ثم تبالة، ثم رنية، ثم الزعراء، ثم صفر، ثم الفتق، ثم بستان ابن عامر، ثم مكة٧.
стр. 4775
و"تربة" بناحية "العبلاء"، على أربع ليالٍ من "مكة" طريق صنعاء ونجران, وإليها أرسل الرسول "عمر بن الخطاب" على رأس سرية في شعبان سنة سبع, وأصحابها من "عجز هوازن"١.
وذكر "الهمداني" محجة "صنعاء" إلى مكة على هذا النحو: ريدة، ومنها إلى "أثافت"، ثم خيوان، ثم العمشية، ثم صعدة، ثم إلى "العرقة"، في المحجة اليسرى القديمة، ثم بقعة في المحجة اليمنى المحدثة، ثم إلى مهجرة، ثم إلى أرينب، ثم سروم الفيض، ثم إلى الثجة، ثم إلى كتنة، ثم إلى الهجيرة، ثم إلى يَبَمبم، ثم إلى بنات حرب، ثم إلى الجسداء, ثم إلى بيشة بعطان، ثم تبالة، ومنها إلى كرى، ثم تربة، ثم إلى الصفن، ثم الفتق، ثم إلى رأس المناقب، ثم قرن المنازل، ثم رمة، ثم الزيمة، ثم مكة٢.
وذكر "الهمداني" أن هنالك طريقًا يمر بتهامة، هو محجة صنعاء إلى مكة, فقال: "من صنعاء صليت من البون، ثم المربد، ثم أسفل العرقة وأخرف، ثم الصرجة، ثم رأس الشقيقة، ثم حرض، ثم الخصوف من بلد حكم, ثم الجوينية من قنونا وتسمى القناة، ثم دوقة وهي للعبديين من بقايا جرهم، ثم إلى السرين، ثم المعجر، ثم الخيال، ثم إلى يلملم, ثم ملكان, ثم مكة. هذه طريق الساحل". "والمحجة القديمة ترتفع إلى حلي العليا وتسمى حَلْية، وإليها ينسب أسود حلية ... ثم إلى عشم، ثم على الليث ومركوب إلى يلملم"٣.
وأما محجة "عدن"، فمن عدن إلى المخنق، ومن المخنق الحُجار، ومن الحجار المسيل، ومن المسيل عبرة، ومن عبرة إلى كهالة بئر ذي يزن، ومن كهالة الماجلية، ثم المقعدية، ثم إلى زبيد، ثم إلى المعقر، ثم الكدراء، ثم المهجم، وبالمهجم تفضي محجة صنعاء إلى وادي سهام، ثم بلحة من وادي مور، ثم الحسارة، ثم العباية، ثم الشرجة، ثم العُرش، ثم عثر٤.
وذكر "ابن خرداذبة" طريقا ساحليا ربط "عمان" بمكة، وهو الطريق الذي سلك في الإسلام. وقد كان جاهليًّا ولا شك؛ لأن الجاهليين والروم وغيرهم كانوا يساحلون العربية الغربية والجنوبية والشرقية، ويهبطون بعض المواضع التي
стр. 4776
يذكرها المسلمون كمراحل لهذا الطريق. ويبدأ الطريق بعمان، ثم يمر إلى "فرق"، ثم إلى "عوكلان"، ثم إلى ساحل "هباة" "هماة"، ثم إلى "الشحر"، وهي بلاد "الكندر"١، ثم إلى مخلاف "كندة"، ثم إلى مخلاف "عبد الله بن مذحج"، ثم إلى مخلاف "لحج"٢، ثم إلى "عدن أبين"، ثم إلى "مغاص اللؤلؤ"، ثم إلى "مخلاف بني مجيد"، ثم إلى "المنجلة"، ثم إلى مخلاف الركب، ثم إلى المندب، ثم إلى مخلاف زبيد، ثم إلى غلافقة، ثم إلى مخلاف عك، ثم إلى الحردة، ثم إلى مخلاف حكم، ثم إلى عثر، ثم إلى مرسى ضنكان، ثم إلى مرسى حلي، ثم إلى السرين، ثم إلى أغيار، ثم إلى الهرجاب، ثم إلى الشعيبة، ثم إلى منزل لم يذكر "ابن خرداذبة" اسمه، ثم إلى "جدة" وهي إسلامية لم تكن في الجاهلية، وإنما ذكرت هنا؛ لأن هذا الطريق كان يسلك في الإسلام، ومن جدة إلى مكة٣.
ويوجد طريق بري بين مكة وحضرموت يمر بـ"نجران" و"الضحيان" و"تثليث"، وهو طريق مختصر يكون الجادة إلى حضرموت٤.
وذكر "الهمداني" أن محجة حضرموت من العبر إلى الجوف، ثم صعدة، وتنضم معهم في هذه الطريق أهل مأرب، وبيحان، والمسّروين، ومرخة، وهذه محجة حضرموت العليا. وأما محجتها السفلى، فمن العبر في شئز صيهد إلى نجران، ثم من نجران حبونن، ثم الملحات، ثم لوزة، ثم عبالم, ثم مريع، ثم الهجيرة، ثم تثليث، ثم جاش، ثم المصامة، ثم مجمعة ترج، والتقت بمحجة صنعاء بتبالة٥.
стр. 4777
الفصل الرابع بعد المئة: الأسواق
مدخل
...
الفصل الرابع بعد المائة: الأسواق
والسوق: المحل الذي يتسوق منه, وهي إما ثابتة مع أيام السنة، يبيع فيها الباعة ويقصدها المشترون للشراء، وإما موسمية، تعقد في مواسم معينة، فإذا انتهى الموسم رُفِعَتْ. ويقال للسوق: القسيمة كذلك١.
وتكون الأسواق الثابتة في مواضع السكن، كالقرى والمدن والمستوطنات، أي: بين "الحضر"، حيث القرار والاستقرار والإقامة، فيجلس الناس في السوق يبيعون ما عندهم من سلع يبسطونها على الأرض، أو على "الدكة" المبنية للجلوس عليها، ولعرض البضاعة فوقها، أو على مائدة أو ما شابه ذلك، وهم من صغار الباعة ممن لا تكون عندهم سلع كثيرة. أما الباعة الكبار فيجلسون في "حوانيت"، وهي "الدكاكين"، يبيعون فيها سلعهم التي توضع فيها، ولها أبواب، فإذا انتهوا من البيع، أغلقوها ليعودوا إليها في اليوم الثاني. ويقال للحانوت: "المبيعة" كذلك.
ولم يكن كل الباعة يملكون حوانيتهم، أو ما يعرضونه من سلع للبيع. فبينهم
стр. 4778
من كان يشتغل لغيره، كأن يكون مملوكًا أقامه سيده في "مبيعته"، ليبيع عنه، وليأتي بثمن ما باعه إليه. ومنهم من كان أجيرًا اتفق مع صاحب الحانوت ومالكه على أن يشتغل عنده في مقابل أجر يقدمه إليه، فهو لا ينال من الدكان إلا أجر عمله.
والبيع في العربية من الأضداد، يقال: باع فلان إذا اشترى، وباع من غيره. والبائع هو كل من البائع والمشتري، والبياعة: السلعة، والتبايع: المبايعة، والبيعة: الصفقة على إيجاب البيع وعلى المبايعة، والمبيعة: الدكان، أي: موضع البيع١.
وقد تخصص بعض الجاهليين في عمله، فمنهم من كان حدادًا، حرفته معالجة الحديد، ومنهم من كان نجارًا، ومنهم من كان بزَّازًا، ومنهم من كان عطارًا، ومنهم من كان "جزارًا" حرفته "الجزارة". وقد يجتمع صنف واحد من الباعة في مكان واحد، يكوِّنون سوقًا خاصة بهم، فتسمى سوقهم باسم ذلك الصنف.
وهناك مصطلحات تطلق على السوق من حيث الرواج والكساد. فإذا نشطت السوق وراج عمل أصحابها قيل: نفقت السوق٢، وإذا كسدت قيل: انحمقت٣.
و"الصفقة": البيعة, يقال: صفقة رابحة وصفقة خاسرة، أي: بيعة. وإنما قيل للبيعة صفقة؛ لأنهم إذا تبايعوا تصافقوا بالأيدي، ويقال لمن لا يشتري شيئًا إلا ربح فيه: إنه لمبارك الصفقة, والصفقة تكون للبائع والمشتري, والصفق: التبايع. وفي حديث "ابن مسعود": "صفقتان في صفقة ربا"، أراد بيعتان في بيعة، وهو على وجهين، أحدهما: أن يقول البائع للمشتري: بعتك عبدي هذا بمائة درهم على أن تشتري مني هذا الثوب بعشرة دراهم، والوجه الثاني: أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرين درهمًا على أن تبيعني سلعة بعينها بكذا وكذا درهمًا٤.
و"الصفاق": الكثير الأسفار والتصرف في التجارات٥.
стр. 4779
وقد يشهد الأسواق للتجارة قوم لا رأس مال عندهم ولا نقد لديهم، فإذا اشترى التجار شيئًا دخلوا معهم فيه, ويقال لهؤلاء: "الصعافقة"١.
وقد ترد التجارة من الخارج لبيعها في السوق, ويقال للذين يجلبون الإبل والغنم للبيع: الأجلاب والجلب, وذكر أن الجلب: ما يجلب من إبل وغنم وخيل ومتاع وسبي. وفي المثل: النفاض يقطر الجلب، أي: إذا نفض القوم، بمعنى: نفدت أزوادهم, قطروا إبلهم للبيع، كالجليبة و"الجلوبة"٢. ويقال لموضع بيع النعم: "المربد"٣.
وتمتار القبائل ميرتها من أسواق الحضر، والميرة: الطعام يمتاره الإنسان، وجلب الطعام. فكان رجالها يقصدون الأسواق في المواسم وعند الحاجة لشراء ما فيها من طعام يحتاجون إليه، ومن حاجيات أخرى يحتاجون إليها، ثم يعودون إلى منازلهم. و"الميار": جالب الميرة, ويقال للرفقة التي تنهض من البادية إلى القرى لتمتار: "ميارة"٤.
و"السواقط": الذين يردون اليمامة لامتيار التمر، و"السقاط": ما يحملونه من التمر٥.
ويقال لكل سوق يجلب إليها غير ما يؤكل من حر الطيب والمتاع غير الميرة: "ليمة", والميرة لما يؤكل. وذكر أن اللطيمة سوق فيها أوعية من العطر ونحوه، وربما قيل لسوق العطارين: لطيمة٦.
ويقال للإبل التي تخرج ليجاء عليها بالطعام "ركابًا", حين تخرج وبعدما تجيء, وتسمى عيرًا على هاتين المنزلتين. والتي يسافر عليها إلى مكة أيضا ركاب تحمل عليها المحامل والتي يكثرون ويحملون عليها متاع التجار وطعامهم كلها ركاب، ولا تسمى عيرًا، وإن كان عليها طعام إذا كانت مؤاجرة بكرى, وليس العير التي تأتي أهلها بالطعام ولكنها ركاب. ويقال: زيت ركابي؛ لأنه
стр. 4780
يحمل من الشام على ظهور الإبل١.
ويباع في الأسواق كل شيء: سلع مختلفة الأصناف والألوان ومنها البشر والحيوان. وقد ذكر العبيد والإماء مع الحيوانات في بعض الأوامر والأنظمة التي أصدرها الملوك في تنظيم البيع والشراء، وفي كيفية جباية حصة الحكومة من البيع والشراء، كما في هذه الجملة المقتبسة من أمر ملكي أصدره الملك "شمر يهرعش ملك سبأ وذي ريدان" في تنظيم التجارة والجباية: "بن إنسم وإبلم وثورم وبعرم وشامت بمنمو ذ يشامتم عبدم فعو أمتم وبعرم"٢, ومعناها: "من إنس "بشر" وإبل وثيران وبعر تشتري, ومن يشتري عبدًا أو أمتًا أو بعرًا". فذكر "إنسم" أي: "إنسًا" وذكر بعدهم الإبل والثيران والبعر وغير ذلك. وكيف يميز بين الإنسان والحيوان, والإنسان في ذلك الوقت سلعة مثل سائر السلع تباع وتشترى؛ ليكون عبدا وخادما ومملوكا لمشتريه!.
والبضاعة: القطعة من مال يتجر فيه, وأبضعه البضاعة: أعطاه إياها٣. وهي من الألفاظ التجارية التي لا زالت رائجة جارية على كل لسان في الأسواق.
ويقال لثمن الشيء: "القيمة"، وهو ثمن الشيء بالتقويم, وقومت السلعة: ثمَّنتها. ويقول أهل مكة: "استقمتها"، أي: ثمَّنتها، ويقولون: استقمت المتاع: أي: قوَّمته٤.
و"العينة": خيار المال, وعين التاجر: إذا باع من رجل سلعته بثمن معلوم إلى أجل معلوم, ثم اشتراها منه بأقل من ذلك الثمن الذي باعها به. وقد كره العينة أكثر الفقهاء ورُوِيَ فيها النهي٥.
وقد كانت بالقرى والمدن أسواق محلية، فكان بمكة والمدينة أسواق بها مبيعات, ويظهر أن "ملأ" القرى كانوا يشرفون عليها ويأخذون ضرائب البيع والشراء منها. وقد ورد أن "عمر" استعمل على سوق المدينة "السائب بن يزيد" وسليمان بن أبي خيثمة وعبد الله بن عتبة بن مسعود٦, ولم تشر الرواية إلى الأعمال
стр. 4781
التي أناطها "عمر" بهؤلاء. ولكني لا أستبعد احتمال كون هذا التعيين استمرارًا لعادة قديمة كانت متبعة بيثرب قبل الإسلام؛ لمراقبة السوق، ولمنع التلاعب به وأخذ الحقوق من التعامل بالسوق.
стр. 4782
أسواق العرب الموسمية:
وللعرب أسواق يقيمونها شهور السنة وينتقلون من بعضها إلى بعض ويحضرها سائر العرب بما عندهم من حاجة إلى بيع أو شراء١, وتقع هذه الأسواق في مواضع مختلفة متناثرة من جزيرة العرب, فهي إذن أسواق عربية. وهناك أسواق أخرى قصدها العرب للاتجار في مواسم وفي أوقات مختلفة كانت خارج جزيرة العرب؛ في العراق أو في بلاد الشام أو في الحبشة، وقد كان العرب يقصدونها أيضا للاتجار والامتيار.
وقد ذكر "اليعقوبي"، أن أسواق العرب كانت عشر أسواق يجتمعون بها في تجاراتهم ويجتمع فيها سائر الناس ويأمنون فيها على دمائهم وأموالهم٢, ويظهر من قول "اليعقوبي" هذا من أنهم كانوا يأمنون فيها على دمائهم وأموالهم أثناء التقائهم بها. إن من دين أهل الجاهلية، اعتبار هذه الأسواق أماكن حرمًا، يأمن الإنسان فيها دمه وماله ما داموا في ضيافة السوق وحرمته؛ ولهذا كان لكل سوق "قومة" يقومون بأمر السوق وبالمحافظة على الأرواح والأموال فيه؛ فقد "كان في العرب قوم يستحلون المظالم إذ حضروا هذه الأسواق، فسموا "المحلّون"٣. وهؤلاء "المحلون" هم مثل "المحلين" الذين كانوا لا يقيمون وزنًا لحرمة "الحرم" و"الحرمات" مثل حرم مكة، ولا يقيمون للأشهر الحرم قدرًا، فكانوا يعتدون فيها وفي كل شهر؛ ولذلك قيل لهم: "المحلون".
стр. 4783
ومن المحلين قبائل من أسد وطيء وبني بكر بن عبد مناة بن كنانة, وقوم من بني عامر بن صعصعة١.
ولحماية الأسواق والمجتمع من "المحلّين"، الذين أباحوا لأنفسهم استحلال المظالم، ظهر قوم من أهل المروءة والمعروف، تواصوا فيما بينهم على رد السفيه عن سفهه والغاوي عن غيِّه، ونصبوا أنفسهم حماةً على الأسواق، يحملون سلاحهم فيها في الأشهر الحل وفي الأشهر الحرم للذود عن الحرمات, وقد عرف مثل هؤلاء بـ"الذادة المحرمين". وقد تحدث عنهم "اليعقوبي"، فقال: "وكان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الأسواق، فسموا المحلين، وكان فيهم من ينكر ذلك وينصب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك الدماء وارتكاب المنكر، فيسمون الذادة المحرمين. وأما المحلون، فكانوا قبائل من أسد وطيء وبني بكر بن عبد مناة بن كنانة وقومًا من بني عامر بن صعصعة. وأما الذادة المحرمون، فكانوا من بني عمرو بن تميم, وبني حنظلة بن زيد مناة، وقوم من هذيل، وقوم من بني شيبان, وقوم من بني كلب بن وبرة, فكانوا هؤلاء يلبسون السلاح لدفعهم عن الناس، وكان العرب جميعًا بين هؤلاء تضع أسلحتهم في الأشهر الحرم"٢.
والذود في اللغة: السوق والطرد والدفع, فالذادة هم المدافعون الذابون عن المظلومين، والواقفون أمام الظالمين. وقد ورد "ذادة" بمعنى: يذودون عن الحرم٣.
ولم تكن هذه الأسواق محصورة في موضع معين, إنما كانت تعقد في مواضع مختلفة متعددة من جزيرة العرب, وقد خصصت في الغالب بامتيار الأعراب وبشراء ما عندهم من سلع فائضة عليهم. ولا يستبعد بالطبع ورود التجار الأجانب إليها من غير العرب، فقد كان الروم مثلا يتوغلون إلى مسافات بعيدة في هذه الأرضين الشاسعة للبيع والشراء.
وبحكم ورود أناس إلى هذه الأسواق لا يسهل الاجتماع والاتصال بهم في الأوقات الأخرى، فقد قصدها أناس من أماكن بعيدة بحثًا عن طلب أو ترويجًا لرأي،
стр. 4784
فقصدها المبشرون للاتصال بالقبائل وللتأثير في بعض أفرادها لإدخالهم في دينهم. وفي كتب السير, أن الرسول نفسه كان يخرج في المواسم؛ لعرض نفسه على القبائل، ولهدايتهم إلى الإسلام.
ومن أشهر أسواق العرب عند ظهور الإسلام: "سوق دومة الجندل"، و"سوق هجر"، و"سوق عمان"، و"سوق المشقر"، و"سوق عدن أبين"، و"سوق صنعاء"، و"سوق حضرموت"، و"سوق ذي المجاز"، و"سوق مجنة"، و"سوق عكاظ"، و"سوق حباشة"، و"سوق صحار"، و"سوق بدر"١، و"سوق بني قينقاع"، و"سوق الشحر"، و"سوق عثر"، وأسواق محلية أخرى تأتيها القبائل والعشائر للامتيار. وقد ذكر بعض أهل الأخبار أن أسواق العرب الكبيرة كانت في الجاهلية ثلاث عشرة سوقًا، وأولها قيامًا: دومة الجندل٢.
وذكر "الهمداني"، أن من أسواق العرب القديمة: عدن، ومكة، والجند، ونجران، وذو المجاز، وعكاظ، وبدر، ومجنة، ومنى، وحجر اليمامة، وهجر البحرين٣, وسوق "همل" من الخارف ببلد حاشد٤. وهناك أسواق أخرى عديدة وردت أسماؤها عرضًا في روايات أهل الأخبار.
أما "دومة الجندل"، فكانوا ينزلونها أول يوم من شهر ربيع الأول، يجتمعون في أسواقها للبيع والشراء والتبادل. وكان أكيدر صاحب دومة الجندل يرعى الناس ويقوم بأمرهم أول يوم، وتدوم سوقهم إلى نصف الشهر, وكان "أكيدر" يعشر الناس. وربما يتولاها بنو كلب الذين يأتونهم متأخرين، فيتولونها، وتدوم عندئذ إلى آخر الشهر، ويتولون هم حينئذ تعشير الناس٥. ويعرف البيع فيها بـ"بيع الحصاة"، وهو نوع من أنواع المقامرة أبطله
стр. 4785
الإسلام١. وكانت تقصدها قبائل الشام والحجاز والأقسام الشمالية والغربية من أعالي نجد، وتقيم بالقرب منها كلب وجديلة طيء.
وكان الذي يشرف على هذه السوق سادات العرب من كلب أو من غسان، يتنافسون عليها ويتزايدون، فأي الحيين فاز خضع ودان له الآخر. وكان مكس هذه السوق لمن يتولى الإشراف عليها, وهم جميعًا يأخذون الإذن بالإشراف على السوق من الملك الذي يحكم الموضع في ذلك الوقت٢. وكان الإشراف على هذه السوق عند ظهور الإسلام بين "الأكيدر" وبين "قنافة الكلبي" الذي كان ينافسه على الملك٣.
وذكر "ابن حبيب" أنه "كان لكلب فيها قنّ كثير في بيوت شعر، فكانوا يكرهون فتياتهم على البغاء ويأخذون كسب أولئك البغايا، ولما كان الإسلام حرَّم هذه العادة بالآية: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٤.
ودومة الجندل في غائط من الأرض خمسة فراسخ، ومن مغربه عين تثج فتسقي ما به من النخل والزرع، ودومة ضاحية بين غائطها واسم حصنها مارد٥, وهو حصن قديم، ورد ذكره في الشعر الجاهلي وفي كتب الأدب. وقد اكتسب شهرة كبيرة بين الجاهليين حتى ضربوا به وبـ"الأبلق" حصن السموءل المثل في العز والمنعة، فقالوا: "تمرد مارد وعزّ الأبلق"، قالوا: قصدتهما الزباء فعجزت عن قتالهما، فقالت: "تمرد مارد وعز الأبلق"، وذهب مثلًا لكل عزيز ممتنع٦. ويظهر أن حصن "مارد" كان من الحصون الحصينة القديمة التي
стр. 4786
بنيت بـ"الجندل"، أي: الحجر١.
ولم تكن دومة الجندل سوقًا يقصدها التجار في موسم واحد معين، بل كانت مفرقًا مهمًّا من مفارق الطرق، وموضعًا يقصده أصحاب القوافل الذاهبون من جزيرة العرب إلى العراق وإلى الشام وبالعكس؛ لوجود الماء العذب بها، وما يحتاج المسافر إليه من زاد وماء. وهي اليوم "الجوف" في المملكة العربية السعودية.
ويقصد سوق المشقر الأعراب الساكنون في العربية الشرقية والأعراب القريبون إلى هذا الموضع، ويرد إلى هذه السوق تجار فارس ببياعاتهم يقطعون البحر، فيتاجرون مع من يقصد هذه السوق من القبائل والحضر, وكانت بنو تميم وعبد القيس جيرانها. أما المشرف عليها فرؤساء تميم من بني عبد الله بن زيد رهط المنذر بن ساوى، وكانوا يتلقبون بألقاب الملك, ويسيرون في معاملتهم في هذه السوق سيرة الملوك بدومة الجندل، ويأخذون العشر. وكان من يؤمها من التجار يتخفرون بقريش؛ لأنها لا تؤتي إلا في بلاد مضر, وكان بيعهم فيها الملامسة والهمهمة, وتقوم سوقها أول يوم من جمادى الآخرة إلى آخر الشهر٢.
وقد قصد هذه السوق أحياء من العرب من مختلف أنحاء جزيرة العرب، كما وفدت إليها اللطائم. وطالما أعجبت أرض هجر وموضع المشقر منها، بعض هؤلاء الأعراب فيبقون فيها ولا يرتحلون عنها، فمن هناك صارت بهجر طوائف من كل حي من العرب وغيرهم٣.
ويحمي المشقر حصن قديم قويم، يقال: ورثه "امرؤ القيس"، وقد أشير إليه في الشعر. قال عنه "المخبل":
стр. 4787
فلئن بنيت لي المشقر في ... صعب تقصر دونه الهمم
لتنقبن عني المنيَّة ... إن الله ليس كعلمه علم١
وكان من الحصون التي تحمي قرى ساحل الخليج من الأعراب, به حامية كبيرة، تغلق عليها الأبواب عند دنو الخطر. ويظهر من قصة فتك المكعبر بتميم، أنه كان ذا بابين، وكان قد بُني لحماية المنطقة من الأعراب وللمحافظة على الأمن. وقد كان حصنًا كبيرًا ادخر فيه الفرس الميرة والأرزاق لتوزيعها على الأعراب أيام المجاعة, وبه جنود من الفرس يحكمهم قوَّاد منهم، يقومون بضبط الأمن ومراقبة حركات الأعراب.
وتعقد سوق هجر في شهر ربيع الآخر، وكان الذي يتولى تعشير التجار بها "المنذر بن ساوى" أحد بني عبد الله بن دارم, وهو ملك البحرين٢. وهجر اسم لجميع أرض البحرين، وقصبة بلاد البحرين, وقد عرفت بكثرة تمرها، ومنه المثل: كمبضع تمر إلى هجر. وذكر أن "عمر" تذكرها فقال: عجبت لتاجر هجر وراكب البحر، كأنه أراد لكثرة وبائها، فتاجرها وراكب البحر في الخطر سواء٣, ويظهر أنها كانت موبوءة.
ثم يرتحلون نحو عمان من البحرين أيضًا، فتقوم سوقهم بها. ثم يرتحلون فينزلون "إرم" وقرى الشحر، فتقوم أسواقهم بها أيامًا. ثم يرتحلون فينزلون سوق عدن٤.
أما "سوق عدن"، فكانت تقوم أول يوم من شهر رمضان إلى عشر يمضين منه, وكانت الأبناء هي التي تعشر التجار بها، والأبناء هم أبناء الفرس الذين فتحوا اليمن مع وهرز وقتلوا الحبشة. وكان التجار لا يتخفرون فيها بأحد؛ لأنها أرض مملكة وأمرها محكم٥، أما ما قبل حكم الأبناء، فقد كان يعشر هذه
стр. 4788
السوق ملوك حمير، ثم من ملك اليمن من بعدهم. وأشهر ما يباع فيها الطيب, ولم يكن أحد يحسن صنع الطيب من غير العرب، حتى إن تجار البحر ترجع بالطيب المعمول تفخر به في السند والهند، ويرحل به كذلك تجار البر إلى فارس والروم١.
وأما سوق صنعاء، فكانت تقوم في النصف من شهر رمضان إلى آخره, وكانت الأبناء تعشرهم, وكان بيعهم بها الجس؛ جس الأيدي٢. وقد اشتهرت ببيع الخرز والأدم والبرود, وكانت تجلب إليها من معافر٣, والقطن والكتان والزعفران والأصباغ وأشباهها مما يتفق بها، ويشترون بها ما يريدون من البُرِّ والحديد وحاصلات اليمن وما يأتي إلى اليمن من تجارات البحار٤.
وسوق ذي المجاز قريبة من عكاظ، وتقوم أول يوم من ذي الحجة إلى يوم التروية, ثم يصيرون إلى منى٥. وقد كانت لهذيل, وكانت مبايعة العرب بها بإلقاء الحجارة، وذلك أنهم كانوا يجتمعون حول السلعة يساومون بها صاحبها، فأيهم أراد شراءها ألقى حجرًا، وربما اتفق في السلعة الرهط، فلا يجدون بدًّا من أن يشتركوا وهم كارهون, وربما ألقوا الحجارة جميعًا فيوكسون صاحب السلعة إذا تظاهروا عليه. وكانت قريش تخرج قاصدة إليها من مكة، فإن أخذت على حزن لم تتخفر من القرب حتى ترجع، وذلك أن مضر عامتهم لا تتعرض لتجار قريش ولا يتهجَّمهم حليف لمضري مع تعظيمهم لقريش ومكانتهم في البيت٦.
وأما سوق حُباشة فمن أسواق العرب المشهورة القديمة في الجاهلية, في العربية الغربية, وهي سوق بتهامة، يتاجر فيها أهل الحجاز، وأهل اليمن. وكان
стр. 4789
في جملة من حضرها وتاجر فيها الرسول١, وكانت تقام في شهر رجب٢. وحباشة سوق أخرى كانت لبني قينقاع٣.
وكان الجلندي بن المستكبر، هو الذي يعشر تجار سوق صُحار بعمان، وكذلك تجار سوق "دبا". وكان يقصد سوق "دبا" تجار السند والهند والصين ومواضع أخرى، فهي سوق عظيمة كبيرة, ذات تجارة مع العالم الخارجي. إحدى فرضتي العرب, ويقوم سوقها آخر يوم من رجب, وكان بيعهم فيها المساومة. وتقوم سوق صُحار أول يوم من رجب, تقوم خمس ليالٍ٤. ويذكر بعض أهل الأخبار أن البيع في سوق صحار هو بإلقاء الحجارة٥.
وقد اشتهرت "صحار" بثيابها، فعرفت باسمها، كما كانت سوقًا للتجارات المستوردة من اليمن والصين والبحرين والهند؛ ولذلك كانت سوقا نشطة، وبها أصحاب حرف وصناعة٦.
وأما "بدر"، فكان موضعًا فيه ماء وفيه وقعت معركة بدر الكبرى, وكان موسمًا من مواسم العرب، تجتمع لهم بها سوق كل عام، يجتمعون فيه للتجارة وللتنزه، فكانوا ينحرون ويطعمون ويشربون ويسمعون الغناء٧. وذكر أن موضع "بدر" بئر حفرها رجل من غفار, ثم من "بني النار" اسمه بدر, وذكر أنه "بدر بن قريش بن يخلد"٨، وبه سمي الموضع بدرًا، وقيل: بدر رجل من "بني ضمرة" سكن المكان فنسب إليه٩، وهو بين مكة والمدينة أسفل وادي الصفراء، وهو إلى المدينة أقرب، وبينه وبين "الجار"، وهو ساحل
стр. 4790
البحر ومرفأ ليلة١. ويظهر أنه كان من المواضع المقدسة على شاكلة "سوق عكاظ", به أحجار يتقرب إليها الناس وبه ماء, فصار سوقًا في موسمه المخصص له، يقصده الناس من مكة ومن المواضع القريبة؛ لبيع ما عندهم من ناتجهم فيه، ولشراء ما يحتاجون إليه منه.
وأما سوق بني قينقاع فسوق لليهود, يذهب إليها الناس للاتجار وابتياع ما عند يهود من سلع، ولبيع ما عندهم ليهود.
أما "سوق الشحر" شحر مهرة، فتقوم السوق تحت ظل الجبل الذي عليه قبر هود, ولم تكن بها عشور؛ لأنها ليست بأرض مملكة. وكانت التجار تتخفر فيها ببني محارب بن هرب من مهرة, وكان قيامها للنصف من شعبان, وكان بيعهم بها إلقاء الحجارة٢. وكان غالب ما يعرض فيها الأدم والبز وسائر المرافق, ويشترون بها الكندر، والمرّ، والصبر، ويقصدها تجار من البر والبحر٣.
وأما سوق الرابية بحضرموت، فلم يكن يصل إليها أحد إلا بخفارة؛ لأنها لم تكن أرض مملكة. وكان من عز فيها بزّ صاحبه, فكانت قريش تتخفر فيها ببني آكل المرار، وسائر الناس يتخفرون بآل مسروق بن وائل من كندة٤.
وتقوم سوق نطاة بخيبر, وسوق حجر باليمامة يوم عاشوراء إلى آخر المحرم٥.
وأشهر الأسواق المتقدمة وأعرفها "سوق عكاظ"، وهي سوق تجارة وسوق سياسة وسوق أدب. فيها كان يخطب كل خطيب مصقع، وفيها علقت القصائد السبع الشهيرة افتخارًا بفصاحتها على من يحضر الموسم من شعراء القبائل, على ما يذكره بعض أهل الأخبار. وكان يأتيها قريش وهوازن وسليم والأحابيش وعقيل والمصطلق وطوائف من العرب, وكانت تقوم للنصف من ذي القعدة إلى آخر الشهر. ولم تكن فيها عشور ولا خفارة, وكان بيعهم السرار: إذا وجب البيع
стр. 4791
وعند التاجر فيها إلف ممن يريد الشراء ولا يريده, أشركه في الربح١.
وذكر أن عكاظ: نخل في وادٍ بينه وبين الطائف ليلة، وبينه وبين مكة ثلاث ليالٍ، وبه كانت تقام سوق العرب. وقيل: عكاظ: ماء ما بين نخلة والطائف إلى بلد يقال له: الفنق، كانت موسمًا من مواسم الجاهلية, تقوم هلال ذي القعدة وتستمر عشرين يومًا. وكانت تجتمع فيها قبائل العرب فيتعاكظون، أي: يتفاخرون ويتناشدون ما أحدثوا من الشعر، يقيمون على ذلك شهرا، يتبايعون ثم يتفرقون. فلما جاء الإسلام هدم ذلك٢.
وذهب فريق من أهل الأخبار إلى أن انعقاد سوق عكاظ إنما كان يقوم بهلال شهر ذي القعدة ويستمر لمدة عشرين يومًا٣. وهم يخطئون رأي من يذهب إلى أن انعقاد السوق كان في شهر شوَّال، وحجتهم أن انعقاد السوق كان في الأشهر الحرم؛ ليراعي الناس حرمة تلك الأيام فلا يعتدون على من يقصد السوق, وشهر شوال لا يدخل في جملة الأشهر الحرام؛ لذلك فلا يمكن أن يكون انعقاد السوق فيه. ويستدلون بدليل آخر، هو تقاتل بعض العرب في أيام عكاظ، ونظرًا لوقوع ذلك القتال في شهر حرام، أطلقوا على تلك الأيام أيام الفجار، وهي أربعة أيام: يوم شمطة، ويوم العبلاء، ويوم الحريرة، ويوم شرب، وهذه الأسماء هي أسماء أماكن في عكاظ. وما كان العرب ليطلقوا على تلك الأيام أيام الفجار, لو لم تكن قد وقعت في أيام حرم٤.
стр. 4792
وجاء في بعض الأخبار أن أشراف العرب كانوا يتوافون بتلك الأسواق مع التجار من أجل أن الملوك كانوا يرضخون للأشراف، لكل شريف بسهم من الأرباح؛ فكان شريف كل بلد يحضر سوق بلده، إلا عكاظ، فإنهم كانوا يتوافون بها من كل أوب١. فسوق عكاظ إذن سوق حرة، لا عشور فيها ولا خفارة, وهي تختلف بذلك عن بقية الأسواق التي كان يعشرها الملوك؛ إذ كانت في حكم "ملك"، أو في حكم الأمراء وسادات القبائل، على أن يؤدوا سهمًا من الأرباح المتجمعة من العشور والخفارات إلى أشراف العرب، أي: سادات القبائل الذين تقام تلك الأسواق في أرضهم. فأشراف "تميم" وإن أشرفوا على هذه السوق، وحكموا بها، ونظموا أمورها، إلا أنهم لم يكونوا يجبون شيئًا من التجار, ولعل ذلك كان بتأثير قريش عليهم، فقد كان رجال مكة هم المستأثرون الأثيرون من عكاظ, وكانوا يشجعون العرب على حضورها؛ لما لهم فيها من منافع اقتصادية، وقد كان لهم أنفسهم إشراف على نواحٍ من أمور السوق. ويظهر أنه لأجل تشجيع القبائل على حضور "عكاظ" وجمع أكثر من يمكن جمعه من التجار، اتفقوا مع سادات تميم ولا سيما مع "بني دارم", على أن يتركوا السوق حرة؛ ليقصدها أي تاجر، فلا يكلف أحد منهم بكلفة العشور والخفارة، ولا يهان أو يعتدى عليه، وهو بالطبع في شهر حرام؛ ليضمنوا بذلك حضور أكبر عدد ممكن من الناس، وليضمنوا مجيئهم بعد ذلك إلى مكة. وقد كانوا يسعون جهد طاقتهم لجلب العرب إليها من الأماكن البعيدة؛ ليستفيدوا منهم في موسم الحج، وليكوِّنوا معهم صلات طيبة وعلاقات وثيقة تؤمن لهم ولقوافلهم ولتجارتهم حق المرور بأمن وسلام، وتقديم كل ما يحتاج إليه رجال القوافل من ماء وطعام ومأوى وحماية.
ويعرض للبيع وللشراء في سوق عكاظ وفي الأسواق الأخرى كل أنواع البضاعات، من أدم ومن حبوب وأقمشة إلى بضاعة حية ناطقة هي الحيوان أو الإنسان، حيث يعرض الرقيق في السوق, وقد كان شراء "خديجة" زوجة الرسول لـ"زيد بن حارثة" من سوق عكاظ٢. وقد اشتهرت سوق عكاظ
стр. 4793
بأديمها حتى عُرِفَ بين تجار الأديم بـ"الأديم العكاظي"١ مع أنه لم يكن من حاصل عكاظ، بل كان يورد إلى السوق من مختلف الأنحاء.
وذكر بعض أهل الأخبار أن "سوق عكاظ" موسم عظيم من المواسم، وقد اتخذت سوقًا بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة. وهي من أعظم أسواق العرب على الإطلاق في الجاهلية وفي الإسلام, ثم تضاءل شأنها وخربت بعد سنة "١٢٩" للهجرة، عندما ظهر الخوارج الحرورية مع المختار بن عوف في مكة، فنهبت هذه السوق، وخاف الناس على أنفسهم من الذهاب إليها، فتُرِكَتْ٢.
ولو أخذنا بهذه الرواية، نكون قد جعلنا مبدأ هذه السوق سنة "٥٨٥" أو "٥٨٦" للميلاد تقريبًا, أي: إن تأريخ سوق عكاظ لم يكن بعيد عهد عن الإسلام, فهو قبله بنحو ربع قرن. وقد أقيمت وعمر الرسول آنذاك "١٥" عامًا.
ويذهب الناس بعد سوق عكاظ إلى سوق أخرى هي سوق مجنة، فيقيمون بها عشرة أيام. فإذا رأوا هلال ذي الحجة في نهاية هذه الأيام العشرة قصدوا ذا المجاز، وهي سوق جاهلية، فيقيمون فيها ثمانية أيام يبيعون ويشترون، ثم يخرجون يوم التروية من ذي المجاز إلى عرفة، فيأخذون ذلك اليوم من الماء ما يرويهم من ذي المجاز. وقد سمي هذا اليوم باسم يوم التروية؛ لترويهم من الماء بذي المجاز, حيث كان ينادي بعضهم على البعض الآخر أن يترووا من الماء؛ لأنه لا يوجد ماء بعرفة, كذلك لا يوجد ماء بالمزدلفة يومئذ. ويعتبر يوم التروية نهاية أسواقهم, وكان العرب لا يتبايعون في يوم عرفة ولا في أيام منى. فلما جاء الإسلام أحل لهم ذلك٣.
وذكر أن "ذا المجاز" موضع بمنى، وذكر أنه سوق كانت في الجاهلية على فرسخ من عرفة, بناحية كبكب، سمي به لأن إجازة الحج كانت فيه٤. و"كبكب": جبل بعرفات خلف ظهر الإمام إذا وقف، وقيل: هو ثنية٥.
стр. 4794
ويذكر علماء التفسير أن متجر الناس في الجاهلية كان سوقي عكاظ وذي المجاز، فلما جاء الإسلام تركوا ذلك. وكانوا لا يتجرون في أيام الحج، فكانوا لا يبيعون أو يبتاعون في الجاهلية بعرفة، ويبتاعون ويبيعون قبل وبعد أيام الحج، إذ كانوا يتأثمون من الاتجار في أيام الحج١.
وقد كان الحج من أكبر مواسم الربح لقريش، تبيع قريش ما عندها للأعراب القادمين إليها من البادية ولأهل القرى البعيدة عن مكة، وتشتري منهم ما يحملونه معهم من مواد وسلع، ثم تقوم قوافلهم بنقل الفائض مما اشترته إلى الأسواق الخارجية في بلاد الشام أو العراق، وتشتري في مقابل ذلك ما يحتاج إليه الحجاز وأعراب البادية من سلع ومواد.
ومكة في مواسم الحج وفي المناسبات الأخرى سوق تجارية مهمة، لا تقل شأنًا في الواقع عن الأسواق الأخرى. وقد تمكن أهلها النشطون في جمع المال من اكتناز الأموال ومن استثمار ما يحصلون عليه من أرباح, حتى صاروا من أغنى الناس في الحجاز.
ويظهر من روايات أهل الأخبار أن حظ المفاخرة والمباهاة والتمدح والذم، لم يكن بأقل من حظ البيع والشراء في سوق عكاظ, فقد كان الشعراء يعرضون أجود وأحدث ما عندهم من شعر على الحاضرين٢. وكان كثير من هؤلاء الحاضرين إنما يفدون إليها للوقوف على أحدث ما يقال من صنوف الشعر، وهو صنف رائج أكثر من رواج النثر بالطبع, لما فيه من إيقاع وموسيقى ووزن وسهولة في الحفظ وأثر في النفس؛ لذلك كان للشاعر في هذه السوق مكانة تزيد كثيرًا على مكانة التاجر فيها؛ لما لشعره من أثر في الحياة العامة لمجتمع ذلك اليوم.
ويقال: إن الشاعر الشهير "النابغة الذبياني" كان يحضر سوق عكاظ، فتُضرَب له قبة من أدم، يجلس تحتها، فيفد إليه من الشعراء من يريد أن يفتخر
стр. 4795
بشعره على غيره؛ لينشد أمامه شعره، فيحكم على شعره برأيه؛ لما لرأيه من أثر في الناس. وكان الشاعران الأعشى وحسان بن ثابت ممن احتكما إليه وكذلك الشاعرة الخنساء١.
وممن حضر عكاظ: الخطيب الجاهلي الشهير "قس بن ساعدة الإيادي" "شيشرون" العرب، وعمرو بن كلثوم التغلبي, الشاعر المعروف٢. ويذكر أهل الأخبار أن الرسول رأى "قس بن ساعدة الإيادي" يخطب في هذه السوق, وقد قصد الرسول سوق عكاظ وسوقي مجنة وذي المجاز، يدعو من كان يحضر المواسم إلى دين الله. وقيل: إنه مكث سبع سنين يتبع الناس في مواسمهم في سوق عكاظ، وكان فيمن كلمهم ودعاهم إلى الإسلام "بنو عامر بن صعصعة"٣.
وحال الأسواق الأخرى مثل حال سوق عكاظ, من حيث ورود الشعراء إليها لعرض ما عندهم من شعر جديد، والظاهر أن قرب سوق عكاظ من مكة، وورود الحجاج إليها قبل البدء بالحج، ثم ورود اسمها في أخبار الرسول، ولكونها سوق مكة وتجار قريش، ووقوعها في أرض يتكلم أهلها باللغة التي نزل بها الوحي، هذه الأسباب وغيرها هي التي خلدت اسم هذه السوق، وربطت بينها وبين الشعر والنثر، أكثر من الأسواق الأخرى التي كانت بعيدة عن مكة، وبعيدة لذلك عن ذاكرة أهل الأخبار.
هذا, وإن للباحثين في موضع سوق عكاظ آراء متباينة فيه, ولا زالت هذه الآراء متباينة فيه حتى اليوم٤.
هذا، وقد كان موضع عكاظ في الأصل مكانًا مقدسًا على ما يظهر من أخبار أهل الأخبار؛ فقد ذكروا أن العرب كانت تطوف بصخور كانت هناك ويحجون إليها، وكانوا يذبحون وينحرون إلى تلك الأصنام والأنصاب, حتى تلطخت تلك
стр. 4796
الأنصاب والأرض التي تحيط بها بدماء البدن١. ويظهر أن أهمية ذلك المكان الدينية كانت قد قلَّت بالتدريج؛ إذ غطت قدسية مكة عليه. ولما جاء الإسلام وأزال الأنصاب والأصنام, ذهبت كل أهمية لمحجة عكاظ, واختفت أهمية السوق معه حتى ماتت على نحو ما ذكرت.
ويتقدم سادات الناس في مثل هذه المناسبات إلى آلهتهم بإطعام الفقراء وإضافة الناس. وكان "خويلد بن فضيل بن عمرو بن كلاب" المعروف بـ"الصعق"؛ لأن صاعقة نزلت عليه فأحرقته، ممن يطعم بعكاظ, وكان من سادات قومه٢. ويترك هذا الكرم أثرًا في نفوس من يحضر السوق، ويكون سببًا للحصول على ثناء ومديح الشعراء لأولئك الكرماء.
والظاهر من روايات أهل الأخبار عن هذه الأسواق، أنها كانت كلها في الأصل مواضع مقدسة، لها أصنام تعبدها القبائل، وتأتي للتقرب إليها في مواسم معينة هي مواسم حجها، فتتحول تلك المواسم إلى أسواق للبيع والشراء. فقد ذكروا أن "بني وبرة" كانوا يفدون إلى "دومة الجندل" للتقرب إلى "ودّ"، وكان سدنته من "بني الفرافصة بن كلب"٣، وأن "بني عبد القيس" كانوا يتقربون إلى صنم لهم اسمه "ذو اللب" وكان بالمشقر، وسدنته "بنو عامر"٤.
ويجب ألا ننظر إلى هذه الأسواق نظرتنا إلى السوق بالمعنى المفهوم من اللفظة في الوقت الحاضر, فقد كانت أسواق الجاهلية أوسع مجالًا من ذلك بكثير. كانت مجامع لأهل اللسان من شعراء ومن خطباء، ومن مرموقين معروفين ومن مغمورين طلاب شهرة، قصدوا هذه الأسواق للحصول على اسم وسمعة، كما هو شأن سوق عكاظ. كما كانت مجتمعات تعقد فيها العقود والمعاهدات والاتفاقات القبلية والعائلية، ومواضع يعلن فيها عن التبني وعن الخلع، أي: خلع الأفراد،
стр. 4797
لجرائم يرتكبونها، وهي ساحات محاكم، يجلس فيها المتخاصمون للاستماع إلى قرار حاكم مهاب محترم، اتفقوا على تحكيمه في نزاعهم. وقد كانت الحكومة في هذه السوق إلى "بني تميم"، وكان آخر من حكم منهم فيها: الأقرع بن حابس التميمي١.
ويروي أهل الأخبار أن فرسان العرب كانوا إذا حضروا موسم عكاظ تقنعوا إلا "أبا سليط" "طرفة بن تميم"، فارس عمرو بن تميم في الجاهلية؛ فإنه كان لا يتقنع ولا يبالي أن تقع عيون الفرسان عليه, وذلك اعتمادًا على نفسه وازدراءً لشأن أعدائه ومن يريد إلحاق الأذى به٢. وقد كانت سوق عكاظ وبقية الأسواق، من أهم المواضع التي تجلب أنظار الفرسان إليها، إذ كان الكثير منهم يتصيدون فرص الأخذ بالثأر بعد انفضاض موسم السوق، أو الحصول على غنائم بمهاجمة التجار ومن يحمل تجارة دسمة أو حمولة ثمينة؛ ولهذا كان لا بد للفرسان ومن يريد الحصول على مغنم أو تنفيذ مأرب ما من التحفظ والاحتراز حذر انكشاف أمره، فيكون عرضة للغدر.
وإذا وقعت في هذه الأسواق خصومات في مثل اختلاف في سعر أو اختلاف في تجارة، فهناك حكَّام يلجأ المتخاصمون إليهم للنظر في خصوماتهم وللنظر في كل خصومات أخرى قد تقع على الحاضرين, فيقوم هؤلاء الحكام بفض ذلك النزاع. وقد اشتهر سادات بني تميم بالنظر في الخصومات التي تقع في الأسواق القريبة منهم أو التي تقع في ديارهم، وكان من أواخر حكامهم "الأقرع بن حابس"٣.
стр. 4798
سوق عكاظ في الإسلام:
كانت سوق عكاظ عامرة مقصودة في الجاهلية، "فلما جاء الإسلام هدم
стр. 4799
ذلك"١. وورد في كتب الحديث: "عن ابن عباس ﵄ قال: كانت عكاظ، ومجنة، وذو المجاز، أسواقًا في الجاهلية. فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها، فأنزل الله: "ليس عليكم جناح في مواسم الحج", قرأ ابن عباس كذا"٢. وورد في تفسير الطبري: "قال ابن عباس: كانت ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية, فلما جاء الإسلام تركوا ذلك حتى نزلت: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج""٣. وورد: "كانوا يحجون ولا يتجرون، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ "٤. وتفسير ذلك كما جاء في كتب التفسير والحديث، وكما سبق أن تحدثت عن ذلك في الجزء الخاص بالحياة الدينية عند أهل الجاهلية، أن الجاهليين كانوا يتأثمون من الاتجار في الحج، فلا يحجون ولا يتجرون، وتكون تجارتهم في الأسواق المذكورة قبل الحج أو في مكة بعد الحج، وبقوا على ذلك حتى رفع عنهم الحرج بنزول الوحي: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٥، فرخَّص لهم في المتجر والركوب والزاد، وأحل الله لهم الاتجار في الحج٦، فصاروا يتبايعون بمكة، فأثر ذلك على الأسواق المذكورة.
وكان تحديد مواقيت الحج, وانتشار الإسلام، ومنع التعرض والتحرش بالناس طيلة أيام السنة، في جملة العوامل التي قللت من أهمية تلك الأسواق، فلم يعد الحجاج في حاجة إلى الذهاب قوافلَ إليها؛ استغلالًا لحرمة الأشهر، بل صاروا يتجهون إلى المواقيت المعينة للحج رأسًا، فيتجرون بمكة ويعودون إلى ديارهم، فقلت بذلك أهمية تلك الأسواق حتى ماتت.
وسبب آخر, هو في نظري أهم من كل ما ذكرت, هو أن هجرة الرسول إلى يثرب، وانتصار الإسلام على مكة، ثم وفاته بيثرب، واتخاذ الخلفاء الثلاثة الأول إياها قاعدة لهم ولبيت مال المسلمين، ثم خروج سادات مكة إليها في
стр. 4800
حياة الرسول، وانتقالهم إلى الأمصار المفتوحة لإدارتها سياسيًّا وعسكريًّا، أو للاشتغال بها بالزراعة والتجارة وبالأعمال الأخرى المربحة، كل هذه العوامل وأمثالها جعلت مكة في الدرجة الثانية بعد "يثرب"، حتى إن من بقي بالمدينة من الصحابة ولم يغادرها كما غادرها غيرهم إلى الأمصار المفتوحة، وجدوا أن من أدب الصحبة ملازمة قبر الرسول، والثوى بها في الحياة وفي الممات، ولم يقيموا بمكة إلا فترات؛ لحج أو لزيارة، فأثر ذلك على وضعها المالي، وأزال مكانها القديم في التجارة، فتغير بذلك كل شيء.