← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

أنه فارسي معرب١. وعرفوا "الحابية" بالحُب, سمي بالحابية؛ لأنه يستر الشيء ويخفيه٢. وقد عثر المنقبون على قلل وجرار وكئوس من خزف, وجدت على بعضها كتابات, عثر على كثير منها في المقابر, مما يدل على أنها دفنت مع الموتى في القبر. وقد يستنتج من ذلك أن أصحاب الموتى كانوا يتصورون أن موتاهم سيحتاجون إليها في حياتهم الثانية لشرب الماء بها, ولذلك دفنوها معهم, وقد يدل دفنها معهم, على أنهم أرادوا بذلك وضع ما كان يستعمله الميت في حياته لإظهار تقديرهم للميت, وأنهم يتنازلون عنها إليهم, ولذلك دفنوا معه حليِّه وسلاحه وما كان عزيزًا عنده, فقد عثر في المقابر على رءوس حراب, وعلى سيوف وخناجر, وسكاكين, ولا يعقل دفن هذه الأشياء مع الميت وفي قبره عبثًا, بل لا بد وأن يكون لهم رأي فيه. وقد استعملوا القدور المصنوعة من الحجر, كقدور "البُرَم" المصنوعة من حجر صلد قوي يستخرج من موضع يسمى "المعدي" لا يبعد كثيرًا عن الطائف٣. والأعراب أقل من أهل المدر استعمالًا للفخار, وذلك بسبب وضعه وطبيعة حياته. فالفخار ثقيل وهو سهل الكسر, ويجب بذل عناية في حفظه, وحياة الأعرابي حياة تنقل, ولا توجد لدية أوعية لحفظ الفخار من الكسر, ولهذا استخدم الأدوات المصنوعة من الجلود والمعدن والخشب بدلًا من الفخار. ومن أواني الشرب "الراقود", وهو دنّ, يسيع باطنه بالقار. وذكر "الجواليقي" أن اللفظة من الألفاظ الفارسية المعربة٤. و "القافزة", وهي "القاقوزة" و"القازوزة". وهي مشربة أو قدح, أو الصغير من القوارير والطاس٥.

стр. 5147

يوجد صورة يراد سحبها على الاسكانر أدوات مصنوعة باليد, تمثل كفاءة وقدرة العامل اليماني ودقته في الصنعة من كتاب اليمن "Yemen" لمؤلفه: "Günther Pawelke" "ص١٦١". ولا بد أن يكون بين الجاهليين أناس تخصصوا بصنع الزجاج وعمله, فقد عثر على أواني معمولة من الزجاج وعلى قطع زجاج. وقد ذكر علماء اللغة أسماء أدوات من الزجاج, مثل "الباطية", وهو إناء واسع الأعلى ضيق الأسفل١. وذكر بعض العلماء أن الباطية شيء من الزجاج العظيم, يملأ من الشراب ويوضع

стр. 5148

بين الشَّرب يغرفون منها١ وهو "الناجود" على رأي بعض علماء اللغة٢. وتصنع الأقداح والقوارير والقناديل والأسرجة من الزجاج أيضًا, والمصباح, هو السراج يصنع من الزجاج كذلك, وفيه موضع لوضع الفتيلة عليه, لتأخذ وقودها الذي يساعد على إدامة اشتعالها منه. وهذا الوقود هو الزيت٣. وقد ذكر الزجاج في القرآن الكريم: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ٤. وذكر علماء اللغة أن الزجاج: القوارير, وأن الزجاجة القنديل٥. وأن القوارير: أواني من زجاج في بياض الفضة لصفائها٦. والمصباح: السراج, وهو قرطه الذي تراه في القنديل وغيره٧. وعرف السراج, بأنه المصباح الزاهر الذي يسرج بالليل, والمسرجة التي فيها الفتيل٨. و"القنديل", لفظة معربة, عربت عن اللاتينية من لفظة "Candela". وتعني مصباح وسراج ونبراس. وتقابل لفظة "نبراس" لفظة "نبرشتا" "Nebrastha" في لغة بني إرم. ولفظة "منوراه" "منوره" "Manorah" في العبرانية٩. القنديل, لفظة أعجمية تخصصت بالمصابيح المحمولة. وقد يعلق القنديل وقد يتصل برجل تحمله. وتقابله لفظة "نبرشتا" في لغة بني إرم. أي: "النبراس" في عربيتنا. و "منوره" "مينوره" في العبرانية. وقد أشير إلى القناديل في التوراة. وتستعمل في المعابد وفي بيوت الأغنياء. وقد تصنع من الذهب والفضة والبرنز, على أشكال متنوعة١٠.

стр. 5149

ومن مصنوعات الزجاج "المرآة". وهي "مرات" في العبرانية أيضًا. وقد صنعت من المعادن المصقولة كذلك. مثل: النحاس. ووردت في التوراة لفظة "هجلونيم" فسرت بمعنى "مرآة اليد"١, وتعني "المجلاة" في عربيتنا. والكأس, هو إناء الشرب, يشرب به. ويصنع من مواد مختلفة فقد يكون من الزجاج وقد يكون من معدن مثل: الذهب أو الفضة أو الحديد وقد يكون من فخار. ويقال له: "كوس" عند العبرانيين٢. وقد ينقش ويحلى بزخارف وباللؤلؤ والحجارة الكريمة. وقد ذكر "الكأس" في القرآن الكريم. والراووق, المصفاة, وقيل: الباطية والناجود. وذكر بعض علماء اللغة أن الراووق الكأس. وقد وردت اللفظة في شعر لعدي بن زيد العبادي: قدمته على عقار كعين الديك صفى سلافَهُ الراووقُ٣ وقد عرف أهل العربية الجنوبية "البلور" لوجوده في اليمن وفي أماكن أخرى. وهم يستخرجونه من نوع خاص من الحجر ويصقلونه بعناية, والغالب عليه اللون الأبيض غير أن بعضه ذو ألوان أخرى, هو لون الحجر الذي أخذ منه. ولا يزال أهل اليمن يمارسون صقل الحجارة الكريمة التي يستخرجونها من بعض الجبال, مستعملين في ذلك الماء والتراب الناعم على حجارة رملية ويصنعونها بأشكال مختلفة ويستعملونها في صنع الحلي. وهي ذوات ألوان متعددة: بيِض وسُود وخُضر وزرق وصفر وحمر, ومنها ما يجمع عدة ألوان متمازجة. ويعد جبل نقم وجبل الغراس من أهم المواطن التي تستخرج منها مثل هذه الحجارة على مقربة من صنعاء٤. وقد عُني العرب الجنوبيون بشق الطرق وتمهيدها, وبعمل القناطر والجسور وقد بلطوا بعض الطرق بالحجارة وبمادة تشبه "السمنت", وترى اليوم بقايا قناطر عملوها في الأودية للعبور عليها, وقد دمر الكثير منها بسبب الحروب

стр. 5150

والإهمال. ونرى في الصورة بقايا قناطر جاهلية وقد تطرق إليها الخراب من كبر العمر. وقد عملت على واد يفصل بين الجبال. يوجد صورة يراد سحبها على الاسكانر منظر طريق جبلي قديم من كتاب: "jemen" "ص ١٣٦".

стр. 5151

الفصل التاسع عشر بعد المئة: الفنون الجميلة مدخل ... الفصل التاسع عشر بعد المائة: الفنون الجميلة وبين الآثار التي عثر عليها الرحالون, أو نقلت إلى بعض متاحف الغرب, عدد من التماثيل والصور المنحوتة على الحجارة, وهي قليلة في الوقت الحاضر لا تعطينا فكرة واضحة عن الفن العربي الجنوبي, وبعضها يمثل فنًّا عربيًّا جنوبيًّا أصيلًا, فلا يشبه المنحوتات اليونانية أو الرومانية, أو المصرية, أو الإيرانية, أو غيرها, وبعض آخر له شبه بفن بعض هذه الشعوب, مما حمل المستشرقين على أن يذهبوا إلى أن هذا التشابه هو نتيجة تقليد ومحاكاة لذلك الفن١. ونلاحظ على هذا التمثال الذي عثر عليه في مقبرة قديمة عند "تمنع" عاصمة "قتبان", ويعود عهده إلى القرن الأول أو الثاني قبل الميلاد, وأن المثَّال حاول جهد إمكانه إعطاء تمثاله الذي صنعه طابعًا عربيًّا جنوبيًّا, لكنه لم يتمكن من ذلك. وقد دوّن في أسفله اسم صاحبه, وهو "جبا ام هنعمت", "جبأ أوام هنعمت". ومن الصعب إصدار حكم عام على الفن العربي الجنوبي استنادًا إلى هذه التماثيل والصور المنحوتة أو البارزة؛ لأنها قليلة غير مغنية وغير كافية لإصدار حكم

стр. 5152

يوجد صورة يراد سحبها على الاسكانر. تمثال رجل اسمه "جبأ أوم هنعمت" عثر عليه في مقبرة قديمة عند "تمنع" يعود تاريخه إلى القرن الأول أو الثاني قبل الميلاد. من كتاب "Qataban and Sheba" "ص ١٢٤". في هذا الموضوع ثم هي من صنع أيد متعددة, فيها أيدٍ قوية ذات موهبة, وفيها أيدٍ ضعيفة إنتاجها بدائي يشبه فن البدائيين, لا تناسق فيه ولا تناسب بين الأجزاء. وقد نشأ ذلك بالطبع عن تفاوت مواهب المشتغلين بهذه الصناعات وعن وجود أناس اتخذوا احفر في المرمر حرفة يتكسبون بها, وقد يكون لأنهم ورثوا تلك الحرفة, فاشتغلوا بها, مع عدم وجود قابليات فنية لديهم. وقد عبر عن النحات, أي: المثّال الذي يصنع التماثيل بلفظة "هصنع", أي: الصانع في اللغة اللحيانية. ويعبر عن صنع التمثال بلفظة "نحت"١, أي: حسب تعبيرنا عن نحت التماثيل في الوقت الحاضر. وتطلق لفظة "هصنع" على الرسام

стр. 5153

وكذلك وعلى المعمار١. ويلاحظ أن الفن العربي الجنوبي مثل أكثر الفنون الشرقية الأخرى, لا تجاري الفن اليوناني في هيئة الجسم في موضوع إبراز جماله٢. فإذا ما نظرت إلى تمثال أو صورة بارزة أو حفر عربي جنوبي, ترى فرقًا واضحًا بين عمل الفنان في هذه الصور وعمل الفنان الهلليني اليوناني المعاصر له. ففي عمل هذا الأخير نرى عملًا فنيًّا جميلًا راقيًا, يبرز جمال الفن وروحية "الفنان", وهو عمل يقرب القطعة المعمولة إلى قلبك, ويجعلها تؤثر فيك تأثيرًا عميقًا, على حين لا نرى مثل هذا الإبداع في الفنون الشرقية في الغالب. وفي الفن اليوناني تناسق وتناسب بين الأجزاء. راعى الفنان فيه النسب الطبيعية للجسم فمثلها في تماثيله, وأظهرها بمظهر يشعرك بقوة فنه وبتمكنه من التعبير عن أحاسيسه. أما الفن الجاهلي, عمومًا عربي جنوبي أو من موضع آخر, فإنه لم يتمكن من تحقيق هذا التناسق ولا النسب ولا الاتساق والتوازن بين الأعضاء. ولم يتمكن الفنان مع كل ما بذله من جهد من إظهار الجمال الفني على القطع التي صنعها, ولا من إعطائها حياة ودمًا وروحًا أخاذة تجعلك تشعر أنك أمام فنان عبر عن إدراكه الفني وعن الحس الذي يشعر به أحسن تعبير بأية طريقة أو مدرسة من مدارس الفن. وبأية وسيلة من وسائل التعبير عن الذوق الفني الذي تملك الفنان فجعله يعبر عنه بطريقته التعبيرية الخاصة بهذا الإنتاج المجسم لروحه والذي نسميه الفن. ولا تملك المتاحف في الوقت الحاضر تماثيل جاهلية بالحجم الطبيعي للإنسان. ويظهر أن اعتبار كثير من الناس للتماثيل أصنامًا قد أدى بهم إلى إتلافها والقضاء عليها. وهناك أمثلة عديدة تؤيد هذا الرأي ذكرها القدامى والمحدثون. بل إن هذه النظرة لا تزال عند البعض. ثم إن الناس لم يكونوا يدركون قيمة الأثر في حفظ تأريخ أمتهم, ولهذا فلم يكونوا يهتمون بالتماثيل ولا بالأحجار المكتوبة ولا بكل أثر من الآثار. وتوجد اليوم قطع تماثيل يظهر أنها من تماثيل حطمها الإنسان بيده وهشمها بنفسه, إما للقضاء على معالم الوثنية المتجسمة في نظره في هذا

стр. 5154

التمثال, وإما للاستفادة من أحجاره في أغراض البناء أو أغراض أخرى تفيده. ومن بينها رءوس تماثيل أو أقدام تماثيل, أو جسم تمثال بلا رأس ولا أرجل. أما التماثيل الصغيرة, فقد وصل عدد منها دون أن يمسها أي سوء. وقد استخرج عدد منها من باطن الأرض, استخرجه المنقبون والمواطنون الذين أخذوا يحفرون التلول الأثرية للبحث عن أثر يبيعونه لتجار العاديات. ونجد في دور المتاحف وعند جماع العاديات عددًا منها. ومن بين التماثيل الكاملة التي تستحق الدراسة والانتباه ثلاثة تماثيل لملوك من مملكة "أوسان". يبلغ ارتفاع إحداها "٨٩" سنتمتراً. وقد نحتت من المرمر. وهي تمثل مرحلة من مراحل التطور في فن النحت عند العرب الجنوبيين. وقد حاول النحات جهد إمكانه بذل اقصى ما عنده من فن وقابلية وموهبة في إعطاء هؤلاء الملوك ما يليق بهم من جلال ووقار ومظهر, وإبراز ملامحهم وملابسهم, ولكنه فشل في نواح ووفق قدر استطاعته في نواحٍ. وقد نحت شعر الرأس وجعله متدليًا طويلًا مجعدًا. وجعل للتماثيل قواعد استقرت عليها, دوّن عليها أسماء أصحابها. وقد اختلف الباحثون الذين بحثوا في خصائص النحت البارزة على هذه التماثيل في تقدير عمرها, فذهب بعض منهم إلى أنها ترجع إلى القرن السادس أو إلى القرن الخامس قبل الميلاد, وذهب بعض منهم إلى أنها ترجع إلى القرن الأول قبل الميلاد, بينما رأى آخرون أنها من نحت القرن الأول بعد الميلاد١. وهناك تماثيل صغيرة لرجال ونساء وأطفال, بعضها من حجر وبعضها من معدن تكشف لنا عن عادات وتقاليد المجتمع في ذلك العهد. في مثل الكشف عن الحلي التي كانوا يحلون بها جيد المرأة وعنقها, أو التي تحلى بها الأيدي أو الأرجل, كما تكشف بعضها عن ملابس المرأة والرجل والأطفال في تلك الأوقات, ولهذا فإن لهذه التماثيل أهمية كبيرة لا من الناحية الفنية فحسب, بل من الناحية التأريخية أيضًا؛ لأنها تتحدث عن العوائد الاجتماعية كذلك. وتعبر بعض شواخص القبور عن شعور الحزن والأسى في نفس من أمر بحفر

стр. 5155

تلك الشواخص أو نحتها. فقد حرص صانعها على أن تكون معبرة عن المناسبة التي عملت من أجلها على أكمل وجه. وأكملها برموز وإشارات دينية لها صلة وعلاقة بالحياة الثانية, وتزيد في فوائد هذه الشواخص بالنسبة لعمل الباحث, التماثيل التي وضعت مع الميت في قبره, لتعبر عنه. فهي تعبير آخر عن هذا الشعور المؤسف في شكل آخر من أشكال الفن. وقد كانت العادة آنذاك, دفن تماثيل مع الموتى, أو صورًا محفورة على الصخر, فقد عثر في مصر وفي الحجاز وفي بلاد الشأم على مثل هذه التماثيل مدفونة في القبور, على مقربة من الأجداث. بعضها تماثيل رجال وبعضها تماثيل أطفال, ومن النادر تماثيل نساء, ولعل ذلك بسبب النظرة الاجتماعية التي كانت سائدة في ذلك العهد, من إعطاء الأولوية للرجل في المجتمع ثم للأولاد الذكور. ونرى في هذه الصورة رأس رجل عربي جنوبي, حفر النحات عيني الرجل حفرًا, وجعلها واسعة, فبدتا وكأنهما قلعتا, وأوصل اللحية بشعر الرأس, حتى أحاط الشعر بالرأس والوجه, وصار كأنه هالة. أما الفم, فصغير مفتوح, ولم يتمكن النحات من حفره حفرًا يقارب الطبيعة, ولم يتمكن كذلك من إبراز معالم الأنف. أما الجبين فأملس, وأما الوجنتان, فملساوان كذلك, وأما الحجر المنحوت, فمن الرخام. يوجد صورة يراد سحبها على الاسكانر. وإذا قارنت هذا التمثال والتماثيل العربية الجنوبية بالتماثيل اليونانية, أو بالتماثيل اليونانية التي عثر عليها في جزيرة "فيلكا" في الكويت, تجد فرقًا عظيمًا من النواحي الفية, فالفنان اليوناني له إدراك عظيم للقيم الفنية, له قدرة عظيمة على

стр. 5156

إبراز الملامح, وفي تقدير النسب بين الملامح وأعضاء الجسد, ثم هو متمكن تمامًا من كيفية إظهار الحاجبين وحفر الأنف, وإبراز العينين. ومع مرور مئات السنين على الفن اليوناني, فإنك تستطيع أن تجد فيه حتى يومنا هذا الإبداع والجمال والاتساق والانسجام. خذ هذه الصورة, التي هي تمثال من الطين المحروق, عثر عليه في جزيرة فيلكا, ويعود عهده إلى حوالى "٢٠٠" سنة قبل الميلاد, ثم قارنه بصور التماثيل التي عثر عليها في العربية الجنوبية ترى فرقًا كبيرًا جدًّا بين الفنين. تمثال من الطين المحروق من القلعة اليونانية حوالي ٣٠٠ ق. م. من جزيرة فيلكا. ولكننا نجد مع ذلك في الفن العربي الجنوبي, محاولة تستحق التقدير, تظهر في طموح الفنان العربي الجنوبي ورغبته جهد إمكانه في إظهار شخصيته ومواهبه الفنية, وهو لو وجد التقدير الذي كان يظهره اليونان للفن, لأبدع ولا شك إبداعًا كبيرًا في عمله الفني.

стр. 5157

وقد عبر الفنان العربي الجنوبي عن مشاعره بطريقة أخرى, هي طريقة الحفر على الحجر أو المعدن أو الخشب أو أية مادة أخرى يمكن الحفر عليها. وذلك بطريقتين: طريقة الحفر أي: نقش الصورة أو ما يراد تخليد أثره على المادة حفرًا كأن تحفر صورة إنسان أو حيوان حفرًا عليها بأن تجعل معالم الصورة محفورة حفراً عميقًا نازلًا في تلك المادة. فالحفر في هذه الحالة هو رسم محفور. وطريقة الحفر البارز, وذلك بجعل الأثر المراد تخليده بارزًا ظاهرًا فوق سطح المادة التي حفر عليها. وذلك بأن يؤشر معالم ما يراد تخليده ويرسم, ثم يحفر ما حوله من سطح المادة التي رسم عليها, فتبرز الصورة وترتفع بهذا الحفر عن سطح تلك المادة. وعثر على عدد من تماثيل الحيوانات, نحتت من المرمر ومن أحجار أخرى, فعثر على تمثال بقرة, وعثرت بعثة "وندل فيلبس" على تماثيل ثيران في خرائب مأرب. كما عثر بعض الباحثين على تماثيل أسود أو خيل١. وقد تمكن الفنان من التعبير عن موهبته الفنية في بعض المنحوتات, وأجاد في إبراز مظاهر بعض أعضاء جسم تلك الحيوانات التي نحتها. وقد وصلت بعض هذه التماثيل وهي مهشمة, وقد فقدت بعض منها بعض أجزاء جسمها, فأضاع هذا الفقدان على الباحثين إمكانية إعطاء رأي فني علمي عن هذه المنحوتات. ومن الصعاب التي اعترضت "الفنان" العربي الجنوبي مسألة التعبير عن الحركات, ورسم الأشياء المتجاورة, والتمييز بين البعيد والقريب, والتفريق بين المنازل الاجتماعية, كالسيدة المصون صاحبة البيت وبين خادمتها. وهي مشكلات تواجه كل فنان, ولا يتغلب عليها بالطبع إلا من له قدرة وعلم بالتصوير والنحت. ومن جملة النواقص التي نلاحظها على الصور المحفورة أن أكثر القطع المحفورة لم تتمكن من التنسيق بين وضع صاحب الصورة. فبينما نجد الوجة مثلًا وهو متجه إلى الأمام, كأن صاحبها ينظر إليك, نرى الساقين والقدمين جانبيتين, وهذا الوضع لا يتناسب بالطبع مع وضع القسم الأعلى من الجسم. وقد نشأت عن صعوبة التعبير عن الأشياء المتجاورة, مثل رسم ثورين متجاورين يجران محراثاً, أو فرسين مربوطتين معًا في محراث, مشكلة لم يتمكنوا من التغلب عليها, فلجئوا إلى طريقة بدائية في الغالب, يتحدث وضعها عن هذا العجز،

стр. 5158

هو رسم أحد الحيوانين مثلًا, وكأنه تحت الحيوان الثاني المجاور له, وذلك كما نرى في الصورة التي تمثل فلاحًا يحرث ويجر محراثه ثوران, فوضع الفنان الثور الجانبي الأيمن فوق الثور الجانبي الأيسر, ظانًّا أن ذلك قد عبر عن هذا الوضع, فبدا الثوران وكأن أحدهما قد ركب الآخر١. وقد عثر على لوح يمثل وجه إنسان مستدير, رسم كأنه مع الجبين دائرة كاملة. وقد حفر الشعر على صورة قوس يكاد يحيط بالوجه إلا الحنك, وقد برز الشعر متموجًا, وقد فصلت بين الأمواج قواطع جعلت الشعر خصلًا. أما العينان فصغيرتان بالنسبة إلى الأنف. وبدا الفم مقفلًا وقد حلق صاحب الرأس ذقنه, وترك له شاربين طويلين يتصلان بالشعر المتدلي من الرأس. أما الأذنان فقد اختفتا تحت الشعر ولا أثر لهما في الصورة. والرقبة غليظة وقد أحاطت بها حيتان ارتفعتا إلى أعلى على هيئة قوس. ويظهر في هذه الصورة أثر الفن الساساني٢. وقد عبر النحات عن تجعد شعر الرأس بحفره بصورة تشعرك أنه يعبر عن شعر متجعد. وذلك بإحداث ثغرات تظهر الشعر وكأنه عقد, وقد جعله متدليًا إلى الكتفين, أو نازلًا على الجبين حتى الحاجبين, ولأجل أن يريك العينين وكأنهما في صورة طبيعية وضع أحجارًا ملونة أو أصباغًا في بعض الأحيان على باطن العين لتظهر التمثال وكأنه بعينين حقيقيتين تنظران إلى الأشخاص٣. وحال حفر الأزهار وعناقيد العنب ورءوس الحيوانات وبعض الكروم هي خير من حيث الإجادة من تصاوير الإنسان أو الحيوانات كاملًا. وقد عثر على قطع رسمت فيها التيوس وهي من الحيوانات الكثيرة في اليمن, وقد رسمت بصورة تتمثل فيها القوة والحيوية٤. وقد استعمل العرب الجنوبيون الكروم كثيرًا للزخرفة, ولا يستبعد ذلك منهم, فالكروم من النباتات المحبوبة الكثيرة في اليمن. وقد درّت عليهم أرباحًا طائلة, واستعملت للأكل والشرب. وهي تعطي نبيذًا طيبًا وخمرًا مشهوراً. فلا غرابة إذا

стр. 5159

ما استعملوه بكثرة للزينة, يحفرون صوره في إطارات الألواح أو الصور, أو يكبسون صوره في الجبس. وعثر علي قطع فنية نفيسة, من الحجر النفيس الغالي المحفور, أي: من الأحجار الكريمة, حفرت عليها صور ذات صلة بالأساطير الدينية, مثل: القطعة النفيسة المحفوظة في المتحف البريطاني, ويظهر أنها من صنع فنان قتباني, حفر عليها أيلين أو وعلين وقد وقف كل واحد منهما على جانب, وقفا على القدمين الخلفيتين ورفعا القدمين الأماميتين إلى أعلى, وصور النحات القدم المقابل للشخص الذي يقابل القطعة أو ينظر إليها وقد عقف, أي: بوضع منحن. أما القدم المقابل للقدم المعقوف, فلم يتمكن النحات من إعطائها الوضع الصحيح. ونجد رأسي الحيوانين وقد اتجها إلى الداخل, فكأنهما يريدان الكلام مع بعضهما أو الالتقاء, ولإظهار قرني الحيوانين معقوفين, نحت النحات عليها نحوتًا على شكل "الجزر", أو الورق الرفيع. ووضع للحيوانين ذيلين قصيرين, وقد جعل آلة الذكر للحيوانين منتصبتين. وجعل تحت القدم المرتفع لكل حيوان رمزًا, له فم مفتوح متصل برقبة أو بجسم ينتهي بدائرة صغيرة, ثم بما يشبه كرة قائمة على ثلاثة أرجل. ووضع بين الحيوانين "طغراء" قراءته: "اب عم", "ابي عم", أي: "أبى" "عم" إله قتبان١. وبين الأحجار الكريمة المحفورة التي عثر عليها في خرائب اليمن, أحجار أصلها من العراق ومصر ومن أحجار يونانية من أيام القياصرة ومن العصور الهيلينية, وقد نحتت على بعض منها حروف بالمسند المعبرة عن بعض المعاني الدينية أو عن أسماء أصحابها٢. وهي تستعمل خاتمًا في الأصابع, وتختم بها الوثائق والرسائل. وقد وضعوا "الدُّمَى" على ألواح الأبواب, إما للزينة, وإما لدفع الشر والأذى أو للتبرك والتقرب. وقد قيل: إن "الدمية" الصورة المصورة أو الصنم٣. وقد عرفوا "الدُّمية" بالصورة وبالصنم وبالصورة المنقشة بالعاج, ونحوه. وعرّفوها أيضًا بالصورة المصورة؛ لأنها يتأنق في صنعتها ويبالغ في تحسينها٤.

стр. 5160

وقد اتخذ العرب الجنوبيون من الحجر أثاثًا لهم, فنحتوا منه أسرة وعروشًا. وقد عثر على قطع من المرم, هي من بقايا عروش أو كراسي عملت لبعض الأغنياء. وعثر على كراسي مصنوعة من أحجار أخرى. كما عثر على صناديق صنعت من حجر, وقد زوّقت واجهاتها وزخرفت وحفرت عليها بعض الصور التي تمثل الأوراق والنباتات والأزهار والنوافذ أو واجهات البيوت١. واتخذوا من الحجارة مذابح "Altars" وللمذابح مكانة في الطقوس الدينية ورسوم العبادة عند الجاهليين. ويقال لها: "مذبحت" و"مذبح" و"حردن". تذبح عليها حيوانات كبيرة مثل ثيران. وقد عثر على نماذج منها في مختلف المعابد٢. وقد زُين بعض منها وزخرف بصور حيوانات حفرت عليها أو نحتت, كما حفرت عليها رموز لها علاقة بالعبادة والآلهة. وهي تفيدنا من هذه الناحية في الوقوف على فن الزخرف والنقش وعلى كل ما له من علاقة بالحياة الدينية عند الجاهليين. وللمباخر والمجامر والمحارق أهمية أيضًا بالنسبة لمن يريد الوقوف على الفن الجاهلي. وقد عرفت المحارق بـ"مصرب" و"مشود". وهي مواضع لحرق ما يقدم إلى المعبد من ضحايا عليها٣. وعرفت المجامر بـ"مسلم", وأما المبخرة, فهي "مقطر"٤. وقد عثر على نماذج عديدة منها. وقد صنعت من مواد مختلفة من مرمر ومن معادن. مثل: البرنز أو الذهب أو الفضة. وقد تفنن في صنعها, وبعضها مفتوح ليس له غطاء, وبعض آخر له غطاء. وقد نقش على بعض منها اسم الطيب الذي يحرق بالمجمرة, واسم صاحبها والمعبد أو الإله الذي خصصت به. ولم يصل إلينا ويا للأسف من مصوغات الذهب والفضة شيء كثير. والصياغة صناعة اشتهرت بها العرب الجنوبيون, حتى بالغ في ذلك بعض الكتاب اليونان, فأشاروا إلى أوانٍ وأثاث وأدوات منزلية أخرى مصنوعة من الذهب والفضة٥.

стр. 5161

ولكننا لم نر شيئًا مما ذكروا, ولم يروا هم ذلك أيضًا بالطبع, وإنما رووا ذلك عن طريق السماع. ويعرف الذهب بـ"ذهب" في العربيات الجنوبية. وأما الفضة, فيقال لها: "صرف"١. وقد وردت أرض "شبا" في جملة الأماكن التي مونت العبرانيين بالذهب, حمله إليهم تجار "شبا"٢. وترد في الكتابات جمل مثل: "قدم تمثالًا من ذهب", مما يدل على أن العرب الجنوبيين كانوا ينذرون إلى آلهتهم إن منت عليهم وأجابت طلبهم بأن يقدموا لها نذرًا هو تمثال من ذهب. غير أن الباحثين لم يعثروا حتى اليوم إلاّ على عدد محدود من تماثيل صيغت من ذهب, بل عثروا على تماثيل من البرنز. لذا ذهب بعضهم إلى أن العرب الجنوبيين قصدوا بكلمة "ذهبن", أي: "الذهب", معدن البرنز, وذهب بعضهم إلى أنهم قصدوا معادن طليت بماء الذهب٣. وفي جملة ما هو محفوظ من أعمال الصاغة, قلادة جميلة من الذهب عثر عليها في خرائب مدينة "تمنع"٤ سبق أن وضعت صورتها قبل صفحات. وقلائد أخرى وصفائح من الذهب حفرت عليها صور بعض الحيوانات. كما عثر على معادن مطلية بطبقة من ذهب٥. وقد وصلت قطع فنية نفيسة مصنوعة من المعادن, تدل على ذوق عالٍ وعلى مهارة في الصنعة وإتقان. من ذلك مصباح يضيء بالزيت, مصنوع من البرنز يتكئ على قاعدة. أما موضع الزيت, فينساب انسيابًا جميلًا, وقد صنع بشكل متناسق, وارتفع فوق المصباح من الطرف العريض تمثال "أيل" جميل جدًّا ربطه بالمصباح حزمة انفتحت عند اتصالها بالمصباح على هيئة أصابع يد. فلما ارتفعت, اتصل بعضها ببعض على هيئة ضفيرة, إلى موضع اتصالها بالأيل. وقد انكسرت يدا الحيوان وكانت ممتدة. أما الرقبة والرأس والقرنان, فقد صنعت بدقة ومهارة, وعلى الجملة: إن القطعة تدل على تطور كبير في فن الصناعات اليدوية عند العرب الجنوبيين, وذلك كما نراه في الصورة المذكورة.

стр. 5162

ونرى في قطعة أخرى مصنوعة من البرنز فنًّا وخيالًا, نرى رجلًا قد وضع على رأسه غطاء يشبه الخوذة, وأمسك بيديه أسدين, فاليد اليمنى أمسكت بيد أسد, واليد اليسرى أمسكت بيد الأسد الآخر وقد أدار الأسدان رأسيهما إلى الجانبين, وكأنهما يتلويان من شدة القبض عليهما, وإن كانت لا تمثل أجزاء الأجسام تمثيلًا كاملًا, تعطي انطباعًا حسناً, وتعبر عن الفكرة تعبيرًا طيبًا١. وهناك قطعة مصنوعة من البرنز كذلك, تمثل منظرًا رمزيًّا: ففي الوسط راقص يشبه شكله شكل الشيطان في الأساطير, وقد اتصل فوق رأسه, وعلى الغطاء عمود يحمل طيرًا مادًّا جناحيه. ويقابل الطائر أيلان, انتصب كل أيل على جانب من جانبي الطير, وكأنهما يتقاتلان, ويحمل الأيلان جيوانين٢. ونرى في هذه الصورة تمثالًا من البرنز لثور يرمز إلى الإله القمر, وقد عثر عليه في "ظفار". تمثال مصنوع من البرنز يمثل اله القمر عثر عليه في ظفار. من كتاب "Qataban and Sheba" "ص٣٠٥".

стр. 5163

ونرى في هذه الصورة تمثال رجل صنع من النحاس, تظهر على شعر رأسه نتوءات بارزة كأنها الخرز, ربما تمثل زينة, أو تعبر عن شعر صاحبها المتموج. أما الوجه, فلا يمثل وجه أهل اليمن, بل كأنه يمثل وجهًا لـ"بوذا", أي: وجهًا متأثرًا بالفن الهندي الصيني القديم. الأنف فيه ضخم, والفم كبير, وقد غطي الجسم بقميص له رأس يغطي الرقبة ويصل إلى الحنك, وتجد القميص مفتوحًا تحت الخصر, وأما أعلى القميص فمغلق, وقد شد على الخصر "خنجر" مستقيم, على طريقة أهل اليمن في حمل الخناجر إلى هذا اليوم, وقد مدت اليد اليمنى إلى أعلى, وظهرت أصابع الكف واضحة مفصلة. أما اليد اليسرى, فقد مدت إلى أعلى قليلًا, وكفها مقبوض, مكوّنًا ثقبًا, يظهر أنه صنع لوضع عصا في الثقب, أو شيئًا آخر يرمز إلى سيادة ومنزلة اجتماعية. ونجد الجسم لا يتناسب مع ضخامة الرأس والكتفين, فهو ضئيل ضعيف. ونجد الأذن صغيرة بالنسبة إلى الرأس. وقد وضعت في مقدم الشعر. ونرى أن الوجه حليق, مما يدل على أن

стр. 5164

بعض الناس كانوا يحلقون شعر أوجههم في تلك الأيام. وأما الرقبة فغليظة١. وهناك قطع أخرى هي عبارة عن تماثيل بشر أو حيوانات, مثل: حيات أو جمال أو خيل أو جرذان وأمثال ذلك, وقد صنعت من البرنز كذلك, بعضها في غاية الجودة والإتقان. ومن بين هذه القطع المتقنة عصا انتهى طرف منها على هيئة أفعى, نرى فيها الأناقة والرشاقة, وعصا أخرى رأسها على هيئة حيّة وقد تدلى إلى أسفل. والقطعتان من الصناعات المتأخرة ومن أواخر أيام دولة حمير٢. وبين القطع القديمة المصنوعة من البرنز, تمثال رجل ماش يبلغ ارتفاعه "٩٣" سنتمترًا, رجله اليسرى متقدمة على اليمنى, ويرى القسم الأعلى من الجسم عاريًا إلا من جلد أسد أو فهد لف على الظهر, ويتصل طرفاه بالصدر. أما الوركان فقد غطيا بمئزر شد على الجسم بحزام عريض. وقد جعل المثّال الرأس وكأنه قد غطي بخوذة مجعدة, كناية عن الشعر, وقد تدلى على الجبين. ووضع شيئًا أشبه بالريشة للمحافظة على الشعر, وجعل للرجل لحية عبر عن تجاعيد شعرها بعقد. وجعل العينين واسعتين, أما الأنف فكبير ملتحم, وأما الفم فصغير. وأما الجسم عمومًا, فهو نحيف. وقد عثر على هذا التمثال في المدخل المؤدي إلى "حرم بلقيس"٣. ويرى بعض الباحثين أنه يعود إلى القرن السابع أو السادس قبل الميلاد. وأن صاحبه كان من كبار الموظفين في أيامه, وربما كان بدرجة حامل أختام الملك أو كاتم أسراره, وقد قدم التمثال تقربة ونذرًا إلى الإله "المقه". ووجد اسم صاحبه مدوّنًا على الكتف الأيسر منه, وهو "معدكرب" "معديكرب"٤. وبين التماثيل المصنوعة من البرنز تمثال امرأة وهي ترقص, وقد لبست فستانًا طويلًا يمتد على سروال, وكأنه يمثل الزي الفارسي القديم, المعروف في العراق،

стр. 5165

وقد أبدع صانع التمثال في عمله فجعله حيًّا ينبض بالحياة, وقد ضيق خصر المرأة, وجعل الساقين بعضهما فوق بعض, ليأخذ جسمها وضع راقصة وهي في حالة رقص, كما ترى في هذا التمثال. تمثال من البرنز لراقصة, عثر عليه في ظفار. من كتاب "Qataban and Sheba" "ص٣٠٥". ونجد في مصنوعات المعادن مصنوعات تتحدث عن وجود أثر عراقي عليها, ومصنوعات أخرى تشير إلى وجود أثر مصري أو يوناني أو هندي عليها. وقد نسب بعض الباحثين وجود هذا الأثر إلى الصلات التجارية التي كانت تربط بين الأرضين المذكورة وبين العربية الجنوبية, كما نسبوه إلى أثر الرقيق المشترى من تلك البلاد والمستورد إلى العربية الجنوبية, حيث كلف بأداء الحرف اليدوية. وحيث إن هذا الرقيق كان من بلاد مختلفة, لهذا ظهر التنوع في هذه الصناعات١. ومن المصنوعات البرنزية التي يظهر عليها أثر الفن اليوناني مجموعة التماثيل التي

стр. 5166

عثر عليها في بيت "يفش" في خرائب "تمنع"١, وتماثيل أخرى حفظت في متحف "صنعاء". وتمثالين لزنجيين عثر عليهما في موضع "نخلة الحمرا" "نخلة الحمراء" على مسافة خمسين كيلومترًا جنوب شرقي "صنعاء". وتماثيل أخرى لبعض الحيوانات, مثل تمثال حصان وتمثال آخر لأسد. والتماثيل البرنزية التي عثر عليها في بيت "يفش" بمدينة "تمنع", هي من الآثار المهمة التي عثر عليها في أرض قتبان. ونظرًا للأثر "الهليني" البارز على جسم الأسد وعلى وجه راكبه المحافظ على الملامح اليونانية يرى الباحثون أنها من القطع الفنية التي ربما يعود عهدها إلى القرن الأول للميلاد, حيث كان اليونان إذ ذاك يمخرون عباب البحار, وكان تجارهم ينقلون المصنوعات اليونانية إلى مختلف الأنحاء من العالم, لبيعها ولشراء ما يحتاجون إليه من النفائس التي لا توجد في بلاد اليونان وفيما وراءها. والظاهر أن الفنانين العرب, وقفوا على قطع فنية يونانية, فقلدوها وعملوا على صنع مثلها, وقد ضربوا على القاعدة حروف المسند, الدالة على صاحب البيت. ومن هذه التماثيل تمثال أسد, امتطى على ظهره ولد بيده اليمنى لجام, وبيده اليسرى شيء يشبه القفل, وقد صنع الأسد وكأنه يريد الوثوب, وذلك كما تراه في الصورة. وقد قدّر تأريخ صنعه فيما بين السنة ٧٥ و ٥٠ قبل الميلاد. ومنهم من يجعله بعد ذلك, أي: في القرن الأول للميلاد٢. وقد تبين من هذه التماثيل أن العرب الجنوبيين, كانوا ينتعلون نعالًا على نحو أنعلة هذا اليوم، وهي سميكة لتقاوم الأرض فلا تأكلها عند المشي, كما تبين لنا من دراسة هذه التماثيل أن بين ملابس العربية القديمة قبل الإسلام وبين ملابس العرب في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية في الوقت الحاضر تشابه كبير. ومن الممكن في هذا اليوم عمل دراسة عن ملابس العرب الجنوبيين بالاستعانة بهذه التماثيل وبالصور المحفورة على الأحجار, التي تمثل مختلف طبقات المجتمع في ذلك العهد.

стр. 5167

تمثال الأسد وعليه طفل, وقد أخذت الصورة من كتاب: "Qataban and Sheba" لمؤلفه وندل فيلبس "ص١١٢". تمثالان صنعا من البرنز, ويرى على التمثال أثر الفن "الهيليني" واضحًا بارزًا. من كتاب: "Qataban and Sheba" "ص١٨٩".

стр. 5168

أما الخشب المزخرف, فهو وجه آخر من أوجه الفن وأضرابه, وقد استعمل في البناء وفي أثاث البيت وفي صنع التماثيل والألواح المكتوبة وفي أغراض أخرى. وقد عثر المنقبون على نماذج منه. ولما كان الخشب معرضًا للتلف والهلاك أكثر من المعدن والحجر, لذلك فإن يد الطبيعة قد لعبت بالكثير منه, كما استعملته يد الإنسان قبل الإسلام وبعده في أمور أخرى غير الأمور التي خصصها أصحاب تلك الأخشاب لها, لذلك زالت معالم الكثير منها, واستعمل بعض منه في الوقود وفي أعمال البناء. ولا زلنا لا نملك نماذج من الأثاث المعمول من الخشب, مثل: صناديق لحفظ الألبسة والأشياء الأخرى التي تحتاج إلى حفظ, وسرر منامة وكراسي وغير ذلك مما يستعمله الإنسان في حياته من مصنوعات الخشب. إن الفنان العربي الجنوبي حاول جهد طاقته إظهار شخصيته في أعماله الفنية, وهو وإن كان قد حاكى غيره وقلده في بعض الأمور, غير أنه نجح في إعطاء فنه صورة المحيط الذي عاش فيه. فنرى السحنة اليمانية على وجوه بعض التماثيل, ولا سيما في أوجه الرجال. ونجد الطابع العربي الجنوبي يبرز على بعض المصنوعات. وسوف يزداد علمنا -ولا شك في المستقبل- بالفن العربي الجاهلي في المستقبل حين تهدأ الأحوال وتقوم البعثات العلمية بالحفر العلمي المنظم في جزيرة العرب, فربما يعثر على أعمال فنية تغير وجهة نظر العلماء المكتوبة عنه في هذا اليوم. وأما الحديث عن الفن في الحجاز قبل الإسلام, فحديث مقتضب مختصر؛ لأن البحث العلمي لم يبدأ هناك حتى الآن. فاقتصر علمنا عنه على ما ورد في الموارد الإسلامية وحدها. وما ورد في هذه الموارد هو إشارات عارضة ذكرت عرضًا في أحوال لا علاقة لها بالفن بل في البحث عن أمور أخرى, مثل: فتح مكة, حيث أشير إلى وجود تصاوير وأصنام في الكعبة, أمر الرسول بطمسها وإزالة معالمها وبكسر كل ما كان هناك من أصنام, ومثل ما جاء في كتب الحديث والفقه عن "الصور والتماثيل" في باب النهي عنهما في الإسلام. وذلك يدل على أن بعض أهل مكة وسائر مواضع الحجاز الأخرى, كانوا يضعون الصور والتماثيل في بيوتهم, وأن طائفة من الناس كانت تصوّر وتتعيش من بيع الصور, وأن طائفة أخرى كانت تنحت وتعمل التماثيل, وأن طائفة من النساجين والخياطين كانوا يجعلون صور إنسان أو حيوان على الستائر أو الملابس لتزويقها, فنهى عن

стр. 5169

ذلك الإسلام١. ونحن لو أخذنا بروايات أهل مكة عن بناء الكعبة, خرجنا منها على أن الكعبة لم تكن عند ظهور الإسلام وبعد تعميرها الأخير قبل البعثة, شيئًا يذكر من ناحية الفن والهندسة المعمارية, فهي لم تكن سوى بيت مكعب, تحيط بحرمه البيوت, ولم يكن الحرم واسعًا وله سور, وإنما كان ساحة مفتوحة تجاوز عليها أهل مكة, فأدخلوا جزءًا منها في بيوتهم, ولذلك اضطر الخلفاء إلى توسيعها, بشراء البيوت المجاورة وهدمها لإعادة إدخالها في الحرم. ونحن لا نجد اليوم أثرًا باقيًا على وضعه وحاله من آثار الجاهلية سوى "الحجر الأسود", وبئر زمزم, أما الأشياء الأخرى مثل الكعبة, فإنها من بناء الإسلام. أما بيوتها, فلا علم واضح لنا عنها؛ لأن أهل الأخبار لم يتحدثوا عنها حديثًا فيه إفاضة, وقد ورد في خبر إساءة الجوار لرسول الله, أن رسول الله كان يجلس تحت ظلة أمام باب داره, فكان جيرانه يرمونه بالحجارة, مما يدل على أنهم كانوا يبنون ظللًا على أبواب بيوتهم يجلسون تحتها على "دكة" ويستظلون بها من حرارة الشمس حين وقوفهم أمام الباب. ولا بد وأن تكون بيوت تجار مكة من حجارة وكلس, وقد تكون من طابقين أو أكثر, ولكن الأخبار لا تتحدث بحديث مفصل عنها. وفي أعالي الحجاز, آثار من بقايا أبنية ومن تماثيل وكتابات مكتوبة ومن تصاوير نقشت على الصخور, تعبر عن حالة النقّاش الذي نقشها, وهو من الأعراب. وفي جملة الصور مناظر إنسان يصيد غزالًَا, أو يجاهد في قتل أسد أو حيوان مفترس, أو فارسًا قد امتطى ظهر فرسه, أو مناظر قطعان حيوانات وحشية أو أليفة, وما شاكل ذلك من مناظر تمر على عيون الرعاة. وبعض هذه الصور مما يعود عهده إلى ما قبل الميلاد. وهي تستحق الدرس وتوجب على عشاق الفن دراسة النواحي الفنية والتعبيرية في هذه الصورة المرسومة على الأحجار والصخور. وفي المتحف البريطاني حجر, رمز إليه بـ"B. M. ١٢٠٩٢٨" كتب عليه بالحروف الصفوية "هف زبن بن أحرب" أي: "هذا لزبان بن أحرب". وقد حفر صورة جمل تحت الكتابة, جعله لاعبًا بذنبه, وله سنام ضخم لا يتناسب حجمه

стр. 5170

مع جسم الجمل, وله رقبة ورأس, أقرب إلى رقبة الزرافة ورأسها من رأس ورقبة الجمل. ولكن الرسم لا بأس به بصورة عامة, إذا أدركنا أن راسمه من الأعراب الذين عاشوا قبل الإسلام. ونجد في الأحجار الصفوية الأخرى, صور فرسان, وهم يتحاربون, أو يتسابقون, وصور خيل وحيوانات أخرى. وبعض هذه الصور في غاية من الإتقان والإبداع, وبعضها تمثل فنًّا بدائيًّا, لكنه يعبر عن وجود قابلية لدى راسمي هذه الصور الذين كانوا أعرابًا يتّنقلون في البوادي, وهم مع ذلك كتبة؛ لأننا نجد أسماء من رسم هذه الصور مكتوبة تحتها أو حولها لتدل عليهم. وأما العربية الشرقية, فقد عثرت البعثات التي نقبت بها على أعمال فنية عديدة, وقد عثر في "أبو ظبي" وفي أماكن أخرى من الخليج على آثار لم تكن معروفة من قبل. وقد أشرت في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب إلى عثور المنقبين عن الآثار على آثار مهمة في البحرين وفي جزيرة "فيلكا" من جزر الكويت, وهي يوجد صورة يراد سحبها على الاسكانر. منظر المعبد الهيليني بعد تنظيفه, وهو في جزيرة فيلكا وهو من منشورات قسم المتاحف والآثار بدولة الكويت.

стр. 5171

تشير إلى أثر الاختلاط الذي كان بين الهند وفارس والروم والعراق وبين سكان الخليج, قبل الميلاد بعهود طويلة. ولا بد وأن تنبت في هذه الأرضين حضارة مختلطة؛ لأنها على ساحل بحر, وعلى طريق يعتبر من أهم طرق العالم في التجارة وفي المواصلات الدولية في القديم وفي الحديث. وفي جملة ما عثر عليه في جزيرة "فيلكا" بقايا معبد يوناني, بناه جنود الإسكندر حين أقاموا واستقروا بها, وقد تمكنت البعثة "الدانماركية" التي نقبت في هذه الجزيرة من العثور عليه, ونظفت ساحته حتى ظهر على هذه الصورة التي تراها في الصفحة السابقة. وفي جملة ما عثر عليه في جزيرة "فيلكا" نقود تعود إلى أيام "السلوقيين" خلفاء الإسكندر, وآثار اليونانيين الذين أقاموا في هذه الجزيرة منذ جاء جيش الإسكندر لفتح الهند. فاستقر قسم منهم بها وأنشأ معبدًا فيها, عثر في أنقاضه على بقايا أعمدة حجرية استخدمت لرفع سقفه, يظهر عليها الأثر الهليني بكل وضوح, وعلى أحجار منقورة مزخرفة وعلى كتابات. وقد استخدم الحجر في أعمال البناء, كما ترى ذلك في الصورة المأخوذة لموضعه, بعد تنظيفه وإعادة دائرة تمثال أفروديت, ويعود عهده إلى حوالى السنة ٢٠٠ قبل الميلاد وهو من منشورات قسم الآثار والمتاحف بدولة الكويت.

стр. 5172

الآثار والمتاحف في الكويت للأحجار إلى مواضعها. كما عثر في هذه الجزيرة على جرار كثيرة تعود إلى العهد البرنزي, تشبه الجرار الخزفية التي لا زال الناس يستعملونها في مواضع متعددة من جزيرة العرب. ومن أبدع ما عثر عليه في هذه الجزيرة, تمثال صغير من الطين المحروق يمثل "أفروديت", يعود عهده إلى حوالى السنة "٣٠٠" قبل الميلاد, وهو تأريخ إنشاء هذا المعبد, ومخربشة جميلة, تمثل شجرة, يظهر أنها كانت قد وضعت في أعلى واجهة المعبد. وتمثال رأس الإسكندر, تحيط به الهالة, وتمثال آخر, صنع من الطين المحروق, وعدد كبير من الأختام, حفرت عليها مناظر مختلفة, فيها صور حيوانات, يعود عهدها إلى القرن الثالث قبل الميلاد. تمثال رأس الإسكندر تحيط به الهالة, من منشورات قسم الآثار والمتاحف بدولة الكويت. أما عن الفن العربي في العراق, فنحن لا نستطيع أن نتكلم عنه إلا بإيجاز مخل, وسبب ذلك, أن الحيرة التي كانت عاصمة المناذرة, والتي كانت من أكبر المستوطنات العربية, هدمت في الفتح الإسلامي وما بعده لاستخدام طابوقها

стр. 5173

وأخشابها في بناء "الكوفة". فقد بني مسجد الكوفة بأنقاض قصور الحيرة, فزالت بذلك معالم تلك المدينة, ولم يبق منها أي شيء بتوالي الأيام. ويظهر من الأخبار الواردة في كتب أهل الأخبار, أن أهل الحيرة كانوا يتخذون "إيوانًا" في قصورهم. يجعلونه موضعًا يجلسون فيه. عرف بالإيوان الحيري. وقد كانوا يزخرفون الجدر باستعمال "الآجر" المزخرف. كما كانوا يطلون الجدر على الطريقة العراقية القديمة بطبقة من "الجص", ليظهر أملس أبيض, وكانوا يطلون الجدر الخارجية للبيوت بهذه الطبقة, ومن هنا بدت مدينتهم وكأنها بيضاء, فقيل لها: الحيرة البيضاء.

стр. 5174

التصوير: وقد عثر المنقبون والباحثون عن الآثار القديمة على رسوم بشر وحيوان ونبات نقشها الجاهليون على الصخور والحجارة, يرمز بعض منها إلى أمور دينية وأساطير قديمة. ويعبر البعض الآخر عن مواهب فنية عند حافري هذه الصور, وعلى مقدرة تقدر في الرسم, وعلى وجود ميول فطرية عند أصحابها في الفن, وفي محاولة إبراز العواطف النفسية والتعابير بلغة فنية يفهمها كل إنسان, هي لغة الرسم والنقش. وفي أخبار أهل الأخبار أن أهل الجاهلية كانوا يتقربون إلى الصور, كما كانوا يزينون بيوتهم بالصور وبالنسيج المصور, كما كانوا يستعملون ستائر ذات صور, ويلبسون ملابس ذات صور ورسوم. ولما فتح الرسول مكة, أمر بتحطيم ما كان بها من أصنام وأوثان. وقد ذكر أهل الأخبار, أنه كانت في الكعبة حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها, ثم وجد صور الملائكة وغيرهم, فرأى إبراهيم مصورًا في يده الأزلام يستقسم بها, وصورة عيسى بن مريم وأمه, وصورة الملائكة أجمعين. فأمر الرسول بطمس تلك الصور, فغسلت بالماء, ومسحت بثوب بلّ بالماء, فطمست, إلا صورة عيسى بن مريم وأمه, إذ أمر الرسول بإبقائها كما تقول بعض الروايات, فبقيت إلى أيام "عبد الله بن الزبير", فلما

стр. 5175

تهدم البيت, تهدمت الصورة معه١. وفي شعر "امرئ القيس" إشارة إلى التصوير. ففي البيت: بلى ربّ يومٍ قد لهوت وليلة ... بآنسة كأنها خط تمثال إشارة إلى التصوير. فالخط: الكتابة والرسم, والتمثال: الصورة, والصنم, أي التمثال المجسد. والتماثيل: الصور. وقد كانوا يصورون الصورة ويرسمونها قبل الإسلام٢. ولكننا لا نملك اليوم صورًا زيتية أو صورًا أخرى مرسومة بالألوان أو الحبر أو الصبغ الأسود على أدم أو قراطيس, أو ألواح, فإن مثل هذه الصور لا يمكن أن تعمر طويلًا تحت الأتربة لذلك تبلى, ولا أستبعد احتمال عثور المنقبين في المستقبل على مثل هذه الصور, لما ذكرته من وجود الصور والتصوير عند الجاهليين. وقد كان الجاهليون يقتنون الصور يضعونها في بيوتهم للزينة, كما كان هناك مصورون يعيشون من بيع الصور التي يرسمونها, وصناع تماثيل, ينحتونها أو يعملونها بالقوالب بجعل عجين الجبس فيها, فإذا جفّ أخذ شكل التمثال, فيباع. وقد أشير إلى التصوير وصنع التماثيل في الحديث, بمناسبة ما ورد فيه من كره الإسلام للتصوير, أو تحريمه كما ذهب إليه البعض, فقد كره في الإسلام تصوير كل ذي روح, مثل: تصوير إنسان أو حيوان, وكره بيع المصورات, واتخاذ التصوير حرفة يتعيش منها. وقد سأل بعض المصورين "ابن عباس" رأيه في التصوير, وهي حرفته التي كان يتعيش منها, فنهاه عنها, إلا إذا صور شجرًا أو شيئًا لا روح فيه. وكانت معيشة هذا المصور من صنعة يده, يصنع التصاوير ويبيعها للناس٣.

стр. 5176

وقد كانت الوثنية لا تتعارض مع التصوير, بل كانت تشجعه وتشجع الفنون الجميلة. فقد كانت الأصنام عماد سنتهم, وإليها كانوا يتقربون, وكانوا يضعونها في بيوتهم للتقرب إليها والتبرك بها, كما أنهم لم يكرهوا الغناء ولا الموسيقى, لما لهما من صلة بأعيادهما وبالطقوس الدينية. وقد منع من بيع الأصنام, أي: التماثيل في الإسلام, كما حرم بيع الصور المتخذة من جوهر نفيس١, وكان بين أهل مكة وغيرها من القرى أناس يتعيشون من بيعها, ويتفننون في صنعها, فماتت بذلك هذه الحرفة التي هي من الفنون الجميلة, مثل التصوير.

стр. 5177

الفصل العشرون بعد المئة: أمية الجاهليين ... الفصل العشرون بعد المائة: أمية الجاهليين الشائع بين كثير من الناس أن العرب قبل الإسلام كانوا في جهالة عمياء وضلالة, لا يقرءون, ولا يكتبون, وأن الكتابة كانت قليلة بينهم, واستدلوا على رأيهم هذا بإطلاقهم لفظة "الجاهلي" على أيامهم, وبما جاء من أنهم كانوا قومًا "أميين لا يكتبون". واستدلوا على ذلك بحديث ذكر أن الرسول قاله, هو "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"١. وقد تحدثت في الجزء الأول من هذا الكتاب عن معنى "الجاهلية", وعن الآراء التي قيلت فيها, حديثًا فيه إفاضة وإحاطة, وقد قلت فيما قلته: إن تفسير الجاهلية بالجهل, الذي هو ضد العلم, تفسير مغلوط, وأن المراد من الجاهلية السفه والحمق والغلظة والغرور, وقد كانت تلك أبرز صفات المجتمع الجاهلي آنئذ, وتحدثت في كتابي: "تأريخ العرب قبل الإسلام" عن معنى الأمية وذلك في أثناء كلامي على أميّة الرسول وآراء العلماء فيها من مسلمين ومستشرقين٢، وقلت: إن للأمية معنى آخر غير المعنى المتداول المعروف, وهو الجهل بالكتابة والقراءة. فقد ذكر "الفراء" وهو من علماء العربية المعروفين, أن الأميين هم

стр. 5178

العرب الذين لم يكن لهم كتاب١. ويراد بالكتاب، التوراة والإنجيل. ولذلك نعت اليهود والنصارى في القرآن بـ"أهل الكتاب"، وهذا المعنى يناسب كل المناسبة لفظة "الأميين" الواردة في القرآن الكريم، وتعني الوثنيين، أي: جماع قريش وبقية العرب، ممن لم يكن من يهود وليس له كتاب. وللعلماء آراء في الأمية، وذلك لما لها من صلة بالرسول، ولما كان القرآن قد نعت قوم الرسول بالأميين، وجعل الرسول أميًّا مثلهم، فقد ذهبوا إلى أن العرب كانوا قبل الإسلام أميين بمعنى أنهم كانوا لا يقرءون ولا يكتبون إلا من شذّ منهم وندر، وإلا أفرادًا من أهل مكة، زعموا أنهم تعلموا الكتابة من عهد غير بعيد عن الإسلام، ولو أخذنا أقوالهم مأخذ الجد، وجب علينا القول بأنهم: إنما تعلموها في حياة الرسول، أي: قبل الوحي بسنين ليست بكثيرة، وأن مكة كانت المدينة الوحيدة التي عرفت الكتابة في جزيرة العرب، وهو كلام لا يقوم على علم. فقد كان بيثرب كتّاب يكتبون بكتاب مكة، وكان في أماكن أخرى كتّاب يكتبون بكتابهم أيضًا، فضلًا عن انتشار الكتابة بالمسند في العربية الجنوبية وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب. والرسول أمي، لم يقرأ ولم يكتب، فإذا أراد كتابة رسالة أو عهد أو تدوين للوحي، أمر كتابه بالتدوين. على ذلك أجمع المسلمون. وقد وردت في القرآن آيات: مثل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ٢، وآية: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٣. أخذها البعض على أن فيها دلالة على أن النبي كان يقرأ ويكتب، واستدل أيضًا ببعض ما ورد في كتب الحديث والسير، وفيه ما يفيد أنه كان ملمًّا بالقراءة والكتابة، كالذي ورد في صلح "الحديبية" أنه "هو الذي كتب الكتاب بيده الشريفة. وهو ما وقع في البخاري"٤. وما جاء في السيرة لابن هشام: "فبينا رسول الله ﷺ يكتب

стр. 5179

الكتاب هو وسهيل"١. وما جاء في البخاري: "وأخذ رسول الله ﷺ " الكتاب ليكتب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد"٢. وقالوا: إن في هذا المذكور وفي غيره من مثل ما ورد من إن الرسول "لما اشتد وجعه، قال: "ائتوني بالدواة والكتب أكتب لكم كتابًا لا تضلون معه بعدي أبداً" ٣، ومثل ما ورد "في حديث أبي بكر ﵁ أنه دعا في مرضه بدواة ومزبر فكتب اسم الخليفة بعده.٤، دلالة صريحة على قدرته على الكتابة والقراءة٥. وللعلماء كلام في الأدلة المذكورة، ولهم آراء في تفسير الآيات التي تعرضت لموضوع الأمية. في تفسير علماء اللغة من لا يكتب، أو العيي الجلف الجافي القليل الكلام. قيل له: أُمي لأنه على ما ولدته أمه عليه من قلة الكلام وعجمة اللسان٦، أو الجهل التام بالقراءة والكتابة. "لأن أمة العرب لم تكن تكب ولا تقرأ المكتوب"٧؛ أو لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة أو عديمة٨، أو الأمي الذي على خلقة الأمة، لم يتعلم الكتاب، فهو على جبلته. وقد ورد في الحديث: "إنا أمة أمية لا نكتب"٩، أو "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"١٠، أو "بعثت إلى أمة أمية"، فذهبوا إلى أن العرب كانوا على أصل ولادة أمهم، لم يتعلموا الكتابة ولا الحساب، فهم على جبلتهم الأولى. "وكل شيء للعرب، فإنما هو بديهة وارتجال ... ثم لا يقيده على نفسه ولا

стр. 5180

يدرسه أحدًا من ولده. وكانوا أميين لا يكتبون"١. وقد وردت في القرآن الكريم لفظة "الأمي"٢، و"أميون"٣، و"أميين"٤، ونعت الرسول بـ"النبي الأمي"٥، وردت في سور مكية وفي سور مدنية. وردت لفظة "الأمي" في سورة الأعراف، وهي من السور المكية، ووردت لفظة "أميون" و"الأميين" في سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة الجمعة، وهي من السور المدنية. ويلاحظ أن الآيتين المكيتين، خاصتان بالرسول، فنعت فيهما بـ"النبي الأمي"، أما الآيات المدنية، فقد قصد بها "الأميين"، الذين ليس لهم كتاب. بمعنى المشركين. وقد بحث "الراغب الأصبهاني" في معنى "الأمية" فقال: "والأمي: هو الذي لا يكتب ولا يقرأ من كتاب وعليه حمل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: الآية ٢] . قال قطرب: الأمية: الغفلة والجهالة. فالأمي منه، وذلك هو قلة المعرفة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ ، أي: إلا أن يتلى عليهم. قال الفراء: هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب. والنبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، قيل: منسوب إلى الأمة الذين لم يكتبوا لكونهم على عادتهم. كقولك: عامي لكونه على عادة العامة. وقيل: سمي بذلك لأنه لم يكن يكتب ولا يقرأ من كتاب، وذلك فضيلة له لاستغنائه بحفظه واعتماده على ضمان الله منه بقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ . قيل: سمي بذلك لنسبته إلى أم القرى"٦. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الأميين من لا كتاب لهم من الناس، مثل: الوثنيين والمجوس، قال الطبري في تفسير الآية: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ٧: "يعني بذلك جل ثناؤه، وقل

стр. 5181

يا محمد للذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى والأميين، الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب أأسلمتم ... "١. وذهب كثير من المفسرين إلى أن الأميين الذين لا كتاب لهم، أي: الذين ليسوا يهودًا ولا نصارى. وورد: "أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- كان يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم"٢. قال الطبري: "وكان النبي -صلى الله علية وسلم- يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم، ففرح الكفار بمكة وشمتوا، فلقوا أصحاب النبي ﷺ فقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب"٣. فالمسلمون أهل كتاب، والمجوس أميون كمشركي مكة وبقية العرب المشركين، لا لكونهم لا يقرءون ولا يكتبون، بل لأنهم لم يؤمنوا بالتوراة والإنجيل. ويلاحظ أن الآية: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ ٤، والأية: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ٥؛ والآية: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ ٦، وكذلك: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ ٧، لا تؤدي معنى الأمية، بمعنى الأمة الجاهلة بالقراءة والكتابة، لعدم انسجام التفسير مع المعنى، وإنما تؤدي معنى وثنية، أي: أمة لم تؤمن بكتاب من الكتب السماوية، أي: في المعنى المتقدم. "والأمي والأمان –بضمهما –من لا يكتب أو من هو على خلقة الأمة لم يتعلم الكتاب، وهو باقٍ على جبلته. وفي الحديث: "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب". أراد أنه على أصل ولادة أمهم، لم يتعلموا الكتابة والحساب، فهم على جبلتهم الأولى.

стр. 5182

وقيل لسيدنا محمد -صلى الله علية وسلم- الأمي؛ لأن أمة العرب لم تكن تكتب ولا تقرأ المكتوب، وبعثه الله رسولًا، وهو لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وكانت هذه الخلة إحدى آياته المعجزة؛ لأنه ﷺ تلا عليهم كتاب الله منظومًا تارة بعد أخرى، بالنظم الذي أنزل عليه، فلم يغيره ولم يبدل ألفاظه، ففي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ . وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي: إن مما حرم عليه, ﷺ : الخط والشعر، وإنما يتجه التحريم إن قلنا: إنه كان يحسنهما، والأصح أنه كان لا يحسنهما، ولكن يميز بين جيد الشعر ورديئه. وادعى بعضهم أنه صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها؛ لقوله تعالى من قبله في الآية. فإن عدم معرفته بسبب الإعجاز. فلما اشتهر الإسلام وأمن الارتياب عرف حينئذ الكتابة. وقد روي عن ابن أبي شيبة وغيره: ما مات رسول الله -صلي الله عليه وسلم- حتى كتب وقرأ، وذكره مجالد للشعبي. فقال: ليس في الآية ما ينافيه. قال ابن دحية: وإليه ذهب أبو ذر الفتح النيسابوري والباجي وصنف فيه كتابًا، ووافقه عليه بعض علماء إفريقية وصقلية. وقالوا: إن معرفة الكتابة بعد أميته لا تنافي المعجزة، بل هي معجزة أخرى بعد معرفة أميته وتحقق معجزته, وعليه تتنزل الآية السابقة والحديث, فإن معرفته من غير تقدم تعليم معجزة. وصنف أبو محمد بن مفوز كتابًا رد فيه على الباجي وبيّن فيه خطأه، وقال بعضهم: يحتمل أن يراد أنه كتب مع عدم علمه بالكتابة وتمييز الحروف، كما يكتب بعض الملوك علامتهم وهم أميون، وإلى هذا ذهب القاضي أبو جعفر السمناني"١. وقد تعرض "الألوسي" لهذا الموضوع في تفسير الآية: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ، بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ ٢. فقال: "واختلف في أنه ﷺ أكان بعد النبوة يقرأ ويكتب أم لا؟ فقيل: إنه ﵊ لم يكن يحسن الكتابة، واختاره البغوي في التهذيب، وقال: إنه الأصح. وادعى بعضهم أنه ﷺ صار يعلم الكتابة بعد أن كان

стр. 5183

لا يعلمها، وعدم معرفتها بسبب المعجزة لهذه الآية، فلما نزل القرآن واشتهر الإسلام وظهر أمر الارتياب تعرف الكتابة حينئذ. وروى ابن أبي شيبة وغيره: ما مات ﷺ حتى كتب وقرأ. ونقل هذا للشعبي فصدقه، وقال: سمعت أقوامًا يقولونه وليس في الآية ما ينافيه. وروى ابن ماجه عن أنس قال: قال، ﷺ : رأيت ليلة أُسري بي مكتوبًا على الجنة: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر. ثم قال: ويشهد للكتابة أحاديث في صحيح البخاري وغيره، كما ورد في صلح الحديبية: فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب: "هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله" الحديث. وممن ذهب إلى ذلك أبو ذر عبد بن أحمد الهروي، وأبو الفتح النيسابوري، وأبو الوليد الباجي من المغاربة، وحكاه عن السمناني. وصنف فيه كتابًا، وسبقه إليه ابن منية. ولما قال أبو الوليد: ذلك طعن فيه ورمي بالزندقة وسبّ على المنابر، ثم عقد له مجلس فأقام الحجة على مدّعاه، وكتب به إلى علماء الأطراف، فأجابوا بما يوافقه، ومعرفة الكتابة بعد أميته ﷺ لا تنافي المعجزة، بل هي معجزة أخرى لكونها من غير تعليم. وقد رد بعض الأجلة كتاب الباجي لما في الحديث الصحيح: "إنا أمة أمية نكتب ولا نحسب". وقال: كل ما ورد في الحديث من قوله: كتب، فمعناه أمر بالكتابة، كما يقال: كتب السلطان بكذا لفلان. وتقديم قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ على قوله سبحانه: ﴿وَلا تَخُطُّهُ﴾ كالصريح في أنه ﵊ لم يكتب مطلقًا. وكون القيد المتوسط راجعًا لما بعده غير مطرد. وظن بعض الأجلة رجوعه إلى ما قبله وما بعده، فقال: يفهم من ذلك أنه ﵊ كان قادرًا على التلاوة والخط بعد إنزال الكتاب، ولولا هذا الاعتبار، لكان الكلام خُلوًّا من الفائدة. وأنت تعلم أنه لو سُلّم ما ذكره من الرجوع، لا يتم أمر الإفادة إلا إذا قيل بحجية المفهوم، والظانّ ممن لا يقول بحجيته. ثم قال الألوسي في تفنيد هذه الردود ما نصه: ولا يخفى أن قوله، ﵊: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، ليس نصًّا في استمرار نفي الكتابة عنه ﵊ ولعل ذلك باعتبار

стр. 5184

أنه بعث عليه -الصلاة والسلام- وهو وأكثر من بعث إليهم وهو بين ظهرانيهم من العرب أميون، لا يكتبون ولا يحسبون، فلا يضر عدم بقاء وصف الأمية في الأكثر بعد. وأما ما ذكر من تأويل كتب بأمر بالمكاتبة، فخلاف الظاهر. وفي شرح صحيح مسلم للنووي عليه الرحمة نقلًا عن القاضي عياض: أن قوله في الرواية التي ذكرناها: ولا يحسن يكتب فكتب، كالنص في أنه ﷺ كتب بنفسه، فالعدول عنه إلى غيره مجاز لا ضرورة إليه. ثم قال: وقد طال كلام كل فرقة في هذه المسألة وشنعت كل فرقة على الأخرى في هذا"١. وبحث "القرطبي" في هذا الموضوع أيضًا، فقال: " ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ ، الضمير في قبله عائد إلى الكتاب، وهو القرآن المُنزل على محمد ﷺ أي: وما كنت يا محمد تقرأ قبله، ولا تختلف إلى أهل الكتاب، بل أنزلناه إليك في غاية الإعجاز والتضمين للغيوب وغير ذلك، فلو كنت ممن يقرأ كتابًا، ويخط حروفًا لارتاب المبطلون, أي: من أهل الكتاب، وكان لهم في ارتيابهم متعلق، وقالوا: الذي نجده في كتبنا أنه أمي لا يكتب ولا يقرأ وليس به. قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمدًا ﷺ لا يخط ولا يقرأ، فنزلت هذه الآية؛ قال النحاس: دليلًا على نبوته لقريش؛ لأنه لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب ولم يكن بمكة أهل الكتاب فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم، وزالت الريبة والشك. الثانية: ذكر النقاش في تفسير الآية عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي -صلى الله وعليه وسلم- حتى كتب. وأسند أيضًا حديث أبي كبشة السلولي؛ مضمنه: أنه ﷺ قرأ صحيفة لعيينة بن حصن، وأخبر بمعناها. قال ابن عطية: وهذا كله ضعيف، وقول الباجي ﵀ منه. قلت: وقع في صحيح مسلم من حديث البراء في صلح الحديبية أن النبي ﷺ قال لعليّ: "اكتب الشرط بيننا: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله"، فقال له المشركون: لو نعلم أنك رسول الله تابعناك –وفي رواية بايعناك– ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فأمر عليًّا

стр. 5185

أن يمحوها، فقال علي: والله لا أمحاه. فقال رسول الله, ﷺ : أرني مكانها، فأراه فمحاها وكتب ابن عبد الله. قال علماؤنا, ﵃: وظاهر هذا أنه ﵇ محا تلك الكلمة التي هي رسول الله ﷺ بيده، وكتب مكانها ابن عبد الله. وقد رواه البخاري بأظهر من هذا فقال: فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب. وزاد في طريق أخرى: ولا يحسن أن يكتب. فقال جماعة، بجواز هذا الظاهر عليه وأنه كتب بيده، منهم: السمناني وأبو ذر والباجي، ورأوا أن ذلك غير قادح في كونه أميًّا، ولا معارض بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِك﴾ ، ولا بقوله: "إنا أمه أمية لا نكتب ولا نحسب"، بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهارًا على صدقه وصحة رسالته، وذلك أنه كتب عن غير تعلم لكتابة، ولا تعاط لأسبابها، وإنما أجرى الله تعالى على يده وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها: ابن عبد الله لمن قرأها، فكان ذلك خارقًا للعادة، كما أنه ﵇ عَلِمَ عِلْمَ الأولين والآخرين من غير تعلم ولا اكتساب، فكان ذلك أبلغ معجزاته، وأعظم فضائله. ولا يزول عنه اسم الأمي بذلك، ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: ولا يحسن أن يكتب. فبقي عليه اسم الأمي مع كونه قال: كتب. قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر: وقد أنكر هذا كثير من متفقهة الأندلس وغيرهم، وشددوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر، وذلك دليل على عدم العلوم النظرية، وعدم التوقف في تكفير المسلمين، ولم يتفطنوا؛ لأن تكفير المسلم كقتله على ما جاء عنه ﵇ في الصحيح، لا سيما رمي من شهد له أهل العصر بالعلم والفضل والإمامة، على أن المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهر أخبار آحاد صحيحة، غير أن العقل لا يحيلها، وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها. قلت: وقال بعض المتأخرين من قال هي آية خارقة، فيقال له: كانت تكون آية لا تنكر لولا أنها مناقضة لآية أخرى، وهي كونه أميًّا لا يكتب، وبكونه أميًّا في أمة أمية قامت الحجة، وأفحم الجاحدون، وانحسمت الشبهة، فكيف يطلق الله تعالى يده فيكتب وتكون آية. وإنما الآية ألا يكتب، والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضًا. وإنما معنى كتب وأخذ القلم، أي: أمر من يكتب به من كتّابه، وكان من كتبة الوحي بين يديه ﷺ ستة وعشرون كاتبًا.
следующие страницы →