← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

عليه بالإمرة١. وهو الذي كتب كتاب رسول الله إلى أهل نجران٢. وكتابه ليزيد بن المحجل الحارثي. وكتابه لبني قنان بن ثعلبة من بني الحارث٣، وكتابه لبني جُوين الطائيين، وكتابه لعامر بن الأسود بن عامر بن جوين الطائي٤، وكتابه لبني الجُرمز بن ربيعة، وهم من جهينة٥. وذكر أنه والحصين بن نمير كانا يكتبان ما بين الناس٦. و"معيقيب" ابن أبي فاطمة، من "ذي أصبح" وقيل من "بني سدوس". وكان حليفًا لبني عبد شمس. أسلم بمكة. وقد ولاه "عمر" بيت المال، ثم كان على خاتم "عثمان"٧. وورد أنه كان حليف بني أسد، وكان يكتب مغانم رسول الله٨. وكان "عقبة بن عامر بن عبس" الجهني الصحابي المشهور من الكتاب. وصف بأنه "كان قارئًا عالمًا بالفرائض والفقه، فصيح اللسان، شاعرًا كاتبًا، وهو أحد من جمع القرآن". وعثر على مصحفه بمصر على غير تأليف مصحف "عثمان" "وفي آخره: كتبه عقبة بن عامر بيده"٩. ونجد في طبقات "ابن سعد" صورة كتاب أمر الرسول بكتابته لعوسجة بن حرملة الجهني في آخره: "وكتب عقبة وشهد"١٠. وجاء في خبر ضعيف أنه كان للرسول كاتب يقال له "السجل"، وكاتبًا يقال له: "ابن خطل، يكتب قدام النبي ﷺ فكان إذا نزل: غفور رحيم، كتب رحيم غفور، وإذا نزل: سميع عليم، كتب عليم سميع. وفيه: فقال ابن خطل: ما كنت أكتب إلا ما أريد، ثم كفر ولحق بمكة.

стр. 5217

فقال رسول الله ﷺ "من قتل ابن خطل، فهو في الجنة". فقتل يوم الفتح وهو متعلق بأستار الكعبة"١. وهذا وهم، وقد خلط صاحب هذا الخبر بين "عبد الله بن أبي سرح" وبين "ابن خطل" الذي لم يرد في الأخبار أنه كتب للرسول. وذكر "ابن دحية" أن في "بني النجار" كاتبًا كان يكتب الوحي للرسول ثم تنصر٢. وهو خبر لا نجده في الموارد الأخرى، ولم ينص على اسم الكاتب، والأغلب في نظري أنه من الأخبار الموضوعة، وضع على بني النجار للإساءة إليهم، وضعه من كان يتحامل عليهم. ويظهر أن كتّاب الرسول قد وزعوا الأعمال الكتابية فيما بينهم، أو أن الرسول هو الذي وزع تلك الأعمال عليهم، بحيث خصص كل واحد منهم بعمل من الأعمال. فقد روي أن عليًّا وعثمان كانا يكتبان الوحي فإن غابا كتب أُبي بن كعب وزيد بن ثابت. وأن خالد بن سعيد بن العاص ومعاوية يكتبان بين يديه في حوائجه، وأن المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان ما بين الناس. وأن عبد الله بن الأرقم والعلاء بن عقبة يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء. وأن زيد بن ثابت يكتب إلى الملوك مع ما كان يكتبه من الوحي. وأن معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي يكتب مغانم رسول الله. وأن حنظلة بن الربيع "ربيعة" بن المدقع بن أخي أكثم بن صيفي الأسدي "الأسيدي"، خليفة كل كاتب من كتّاب النبي، إذا غاب عن عمله فغلب عليه اسم الكاتب. وكان يضع عنده خاتمه. وقال له: الزمني وأذكرني بكل شيء لثالثة. فكان لا يأتي على مال ولا طعام ثلاثة أيام أذكره، فلا يبيت رسول الله وعنده شيء منه٣. فهو كاتب عام يكتب للرسول في كل أموره، وهو خليفة كل الكتّاب. ولهذا غلبت عليه لفظة "الكاتب". وقد كانت وفاته في خلافة "عمر"، ومات في "الرها" من بلاد مضر٤.

стр. 5218

وذكر أن "المغيرة بن شعبة" و"الحصين بن نمير" يكتبان أيضًا فيما يعرض من حوائجه١. و"حذيفة بن اليمان" "توفي سنة ٣٦هـ" ممن يكتب خرص النخل٢. وخصص "المسعودي" عمله بخرص الحجاز٣. وذكر "عبد الله بن زيد" الضمري في جملة كتّاب رسول الله إلى الملوك٤. ونجد في طبقات "ابن سعد" صورة كتاب أرسله رسول الله "لمن أسلم من حدَسٍ من لحم"، كتبه له "عبد الله بن زيد"٥. وكان "العلاء بن عقبة" فيمن كتب للنبي. وذكر أن الرسول كان يبعثه والأرقم في دور الأنصار. وكانا يكتبان بين الناس المداينات والعهود والمعاملات٦. وفي جملة ما كتبه للرسول كتابه لبني شَنْخ من جهينة٧، وكتابه للعباس بن مرداس السلمي، أنه أعطاه "مدفوًا"٨. وذكر أنهما كانا يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء٩. و"أُبي بن كعب بن قيس" من كتّاب الوحي، وهو من يثرب من "بني النجار" من الخزرج. وقد عرف بـ"سيد القراء"، وكان أقرأ الناس للقرآن. وكان أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب الله. وكان ممن كتب للنبي قبل "زيد بن ثابت" ومعه أيضًا. وذكر أنه كان أول من كتب لرسول الله مقدمه المدينة، وأول من كتب في آخر الكتاب: "وكتب فلان" وكان إذا لم يحضر دعا رسول الله "زيد بن ثابت" فكتب. وكان وزيد يكتبان الوحي

стр. 5219

بين يدي الرسول، ويكتبان كتبه إلى الناس وما يقطع وغير ذلك١. ونجد في طبقات ابن سعد، صور كتب دوّنها أُبي للرسول، منها كتابه لخالد بن ضماد الأزدي، وكتابه لعمرو بن حزم، وهو عهد يعلمه فيه شرائع الإسلام وفرائضه وحدوده، حيث بعثه إلى اليمن٢، ومنها كتابه لجنادة الأزدي٣، وكتابه للمنذر ابن ساوى، وكتابه إلى "العلاء بن الحضرمي"، بشأن إرسال ما تجمع عنده من الصدقة والعشور٤، وكتابه لجمّاع في جبل تهامة, كانوا قد غصبوا المارة من كنانة والحكم والقارة ومن اتبعهم من العبيد٥، وكتابه لبارق من الأزد. وقد شهد على صحته أبو عبيدة بن الجراح وحذيفة بن اليمان٦. وزيد بن ثابت من الأنصار، من "بني النجار". ولما قدم الرسول المدينة استكتبه، فكتب له الوحي، كما تولى له أمر كتابة الرسائل. ذكر أنه تعلم الكتابة على أسرى "بدر" في جماعة من غلمان الأنصار. فقد "كان فداء الأسرى من أهل بدر أربعين أوقية أربعين أوقية، فمن لم يكن عنده علّم عشرة من المسلمين، فكان زيد بن ثابت ممن عُلّم". وذكر أنه جاء إلى أبيه وهو يبكي، فقال: ما شأنك؟ قال: ضربني معلمي، قال: الخبيث يطلب بذحل بدر، والله لا تأتيه أبدًا٧. وروي أنه في السنة الرابعة من الهجرة أمر الرسول زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود، وقال: لا آمن أن يبدّلوا كتابي٨. فتعلم كتابهم، وتولى أمر كتابة رسائل الرسول إليهم، والرد على رسائلهم٩. ونسب إليه إتقانه الكتابة بلغات أخرى. ذكر المسعودي منها: الفارسية والرومية والقبطية والحبشية. وأنه تعلم

стр. 5220

ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن، وكان يكتب إلى الملوك ويجيب بحضرة النبي ويترجم له١ وقيل: إنه كان من أعلم الصحابة بالفرائض٢. وكان هو الذي تولى قسم غنائم اليرموك. وتولى جمع القرآن في أيام أبي بكر، بتكليف من الخليفة. وذكر أنه كان "رأسًا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض"٣. وقد عرض زيد القرآن على رسول الله، "وكان آخر عرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم_ القرآن على مصحفه، وهو أقرب المصاحف إلى مصحفنا"٤. وكان حين قدم رسول الله المدينة ابن إحدى عشرة سنة. وكان يوم "بعاث" ابن ست سنين وفيه قتل أبوه. ويظهر أنه كان قد تعلم الكتابة وهو صغير. ذكر أنه أتي بزيد النبي مقدمه المدينة، فقيل: هذا من بني النجار وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأ عليه فأعجبه ذلك فقال: تعلم كتاب يهود، فإني ما آمنهم على كتابي. فتعلمها، وتولى الكتابة بالعبرانية أو السيريانية بين الرسول واليهود، فضلًا عن كتابة رسائله وما ينزل عليه من الوحي حين يكون عنده. لذلك عدّ من البارزين في قراءة القرآن. وبرز في القضاء والفتوى والفرائض، وعدّ من أصحاب الفتوى، وهم ستة: عمر وعليّ وابن مسعود وأُبي وأبو موسى، وزيد بن ثابت. وهو الذي جمع القرآن٥. وهو الذي جمع القرآن في عهد "أبي بكر"، وقد اختلف في سنة وفاته، فقيل مات سنة اثنتين أو ثلاث أو خمس وأربعين، وقيل سنة إحدى أو اثنتين، أو خمس وخمسين. وفي خمس وأربعين قول الأكثر. وذكر أن حسان رثاه بقوله:

стр. 5221

فمن للقوافي بعد حسان وابنه ... ومن للمعاني بعد زيد بن ثابت١ وعهد رسول الله إلى "زيد" إحصاء الناس والغنائم، وتقسيمها عليهم حسب حصصهم٢. وكان "ثابت بن قيس بن شماس" الأنصاري ممن كتب للرسول. كتب له كتابه لوفد ثُمالة والحدّان. وقد شهد على الكتاب ووقع عليه "سعد بن عبادة"، و"محمد بن مسلمة"٣. وكان خطيب الأنصار. وقد قتل يوم اليمامة٤. وهو الذي أمره الرسول أن يجيب على خطاب خطيب "تميم" ولسانها الناطق "عُطارد بن حاجب". فكان خطيب المسلمين٥. و"محمد بن مسلمة"، هو من الأوس. ولد قبل البعثة، وهو أول من سُمي في الجاهلية محمدًا. أسلم قديمًا على يدي "مصعب بن عمير"، وآخى الرسول بينه وبين "أبي عبيدة". واستخلفه الرسول على المدينة في بعض غزواته. وقد كتب للرسول كتابه لمهري بن الأبيض. توفي سنة "٤٣" أو "٤٦هـ"٦. وكان "أوس بن خولي" من كتّاب يثرب، ولما كان صلح "الحديبية" وأراد الرسول تدوين الصلح "دعا أوس بن خولي يكتب، فقال سهيل: لا يكتب إلا ابن عمك عليّ، أو عثمان بن عفان، فأمر عليًّا فكتب"٧. وهو من الخزرج. ولما آخى الرسول بين الأنصار والمهاجرين آخى بينه وبين شجاع بن وهب٨. وكان من "الكملة"، ولما قبض الرسول وأرادوا غسله، حضرت

стр. 5222

الأنصار، وأبت على المهاجرين إلا أن يحضر منها أحد، فقيل لهم: اجتمعوا على رجل منكم، فاجتمعوا على أوس بن خولي، فحضر غسل رسول الله ودفنه مع أهل بيته. وتوفي في خلافة عثمان١. وكان "عبد الله بن رواحة" الخزرجي من كتّاب الرسول ومن الشعراء المعروفين بيثرب ومن السابقين الأولين من الأنصار وأحد النقباء ليلة العقبة. وكان الرسول يقول له: "عليك بالمشركين"، فينظم الشعر فيهم. وكان يناقض "قيس بن الخطيم" في حروبهم، ولما دخل الرسول مكة في عمرة القضاء كان ابن رواحة بين يديه، وهو يقول: خلّوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تأويله ضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله ومدح الرسول، وكان من جيد مدحه له قوله: لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تنبيك بالخبر٢ وذكر بعض أهل الأخبار أنه لم نزلت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ . قال عبد الله بن رواحة: قد علم الله أني منهم، فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ٣ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٤. وسورة الشعراء التي فيها آية: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ وما بعدها، من السور التي نزلت بمكة إلا هذه الآية وما بعدها، وهي أربع آيات في آخرها، نزلت بالمدينة في شعراء الجاهلية، ثم استثنى منهم شعراء المسلمين منهم: حسان بن ثابت وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، فقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ، فصار الاستثناء ناسخًا له من قوله والشعراء يتبعهم الغاوون٥.

стр. 5223

وهناك كتبة آخرون كتبوا الكتاب والكتابين والثلاثة للرسول، ذكر "المسعودي" أنه لم يثبت أسماءهم في جملة أسماء من كتب للرسول؛ لأنه لم يكتب من أسماء كتاب الرسول إلا من ثبت على كتابته واتصلت أيامه وطالت مدته وصحت الرواية على ذلك من أمره دون من كتب الكتاب والكتابين والثلاثة إذ كان لا يستحق بذلك أن يسمى كاتبًا ويضاف إلى جملة كتابه١. وذكر أن كتّاب النبي كانوا يكتبون بالخط المقور، وهو النسخي. أما الخط "المبسوط" ويُسمى باليابس، فقد استعمل في النقش على الأحجار وأبواب المساجد وجدران المباني، وفي كتابة المصاحف الكبيرة، وما يقصد به الزينة والزخرف، وغلب عليه إطلاق لفظ "الكوفي"٢. وكان بشير بن كعب العدوي ممن قرأ الكتب٣. وذكر أنه كان من التابعين٤. وكان "عبد الله بن عمرو بن العاص" ممن قرأ الكتب، وكان يكتب الحديث بين يدي رسول الله، ويقرأ بالسريانية٥. وذكر أهل الأخبار أن رجلًا من أهل اليمن كان يقرأ الكتب، وأن امرأة اسمها "فاطمة بنت مرّ"، كانت قد قرأت الكتب كذلك٦. وكان من النساء من يحسن القراءة والكتابة. منهن: "الشّفاء بنت عبد الله بن عبد شمس" القرشية العدوية. من رهط "عمر"٧. أسلمت قبل الهجرة، وهي من المهاجرات الأول. وكانت من عقلاء النساء، وكان "عمر" يقدمها في الرأي. وكان رسول الله يزورها ويقيّل عندها في بيتها، وكانت قد اتخذت له فراشًا وإزارًا ينام فيه. وقد أمرها الرسول أن تعلم "حفصة" الكتابة، فعلمتها،

стр. 5224

كما علمتها "رقية" تسمى "رقية النملة"١. وقد تعلمت الكتابة في الجاهلية٢. وكانت "حفصة" زوج النبي وابنة "عمر" تكتب٣. وكانت "أم كلثوم" بنت "عقبة" تكتب٤. وكذلك كانت "عائشة بنت سعد"، و"كريمة بنت المقداد"٥، و"شميلة"٦. وورد أن "عائشة" زوج الرسول، أنها كانت تقرأ المصحف ولا تكتب٧. ولا شك في أنهما تعلمتا القراءة في الإسلام. وورد في بعض الأخبار أن العرب كانت تسمي كل من قرأ الكتب أو كتب: صابئًا. وكانت قريش تسمى النبي أيام كان يدعو الناس بمكة ويتلو القرآن صابئًا٨. وقد اشتهر أهل اليمن بشيوع الكتابة والقراءة فيهم، فكان غلمانهم يتعلمونها ويرددون قراءة ما يكتبون ويقرءون وقد أشير إلى ذلك في شعر "لبيد" فورد: فنعاف صارة فالقنان كأنها ... زبر برجعها وليد يمان متعود لحنٌ يعيد بكفه ... قلمًا على عُسب ذبلن وبان٩ والزبر: الكتب، فقال: كأن تلك المنازل، كتب يرددها وليد يمان، أي: غلام يمانٍ؛ لأن الكتاب فيهم؛ لأنهم أهل ريف. متعود لذلك: فهِمٌ، ولحِنٌ: بمعنى فهم، يعيد بكفه قلمًا، يكتب في العسب والبان. وكانوا يكتبون في العسب والبان والعرعر١٠. فيظهر من ذلك أن أهل اليمن، حتى غلمانهم، كانوا يكتبون، ويردد الأطفال الكتب، لحفظها ولتعلمها، على نحو ما يفعلون في الكتاتيب هذا اليوم.

стр. 5225

ويظهر أن ثقيفًا كانت قد حذقت الكتابة وبرزت بها. فقد ورد أن عمر بن الخطاب قال: "لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف"، وأن عثمان بن عفان قال: "اجعلوا المملي من هذيل والكاتب من ثقيف"١. وذكر أن "غيلان بن سلمة بن معتب"، وهو ممن أسلم يوم الطائف، كان كاتبًا كما كان معلمًا٢. وورد في الأخبار أن الجاهليين كانوا يضعون الكتب التي ترسل إلى الملوك من الآفاق، على لوح ضمت إلية ألواح من جوانبه، فلا تمسها إلا يد الملك، يأخذ ما يشاء ويترك ما يشاء ويجيب على ما فيها. وفي هذا الخبر دلالة على شيوع الكتابة والمراسلات عند الجاهليين، وعلى وجود ديوان خاص لدى الملوك، يتولى النظر في المراسلات. وفي هذا المعنى ورد في شعر لبيد: أو مذهبٌ جدد على ألواحـ ... هن الناطق المبروز والمختوم٣ ويظهر أن قومًا من الشعراء كانوا يكتبون ويقرءون. ومنهم من كان على ثقافة وعلم. ورد في شعر للشاعر "لبيد" قوله: وجلا السيولُ عن الطلول كأنها ... زُبر تجدّ متونها أقلامها٤ ولا يمكن صدور هذا البيت، إلا من رجل كاتب له ذكاء حاد، وربما كان ذلك الشاعر كاتبًا يدوّن شعره ويحفظه عنده، فوصفه مثل هذا للطلول، لا يمكن أن يقال إلا من رجل له علم بالكتابة، وحذق ودراية. وفي البيت الآتي: فمدافع الريّان عُرّي رسمها ... خلقًا كما ضمن الوحي سِلامها إشارة إلى الكتابة كذلك، فالوحي هو الكتابة، والسِّلام الحجارة، أي: كان

стр. 5226

ما بقي من رسمها بعد أن عريت، مثل ما يبقى من الكتابة في الأحجار١. ويؤخذ من ذلك أن الحجارة كانت –كما ذكرت في مواضع من هذا الكتاب– مادة من مواد الكتابة عند الجاهليين. وفي شعر لبيد: فنعاف صارة فالقنان كأنها ... زُبر يرجعها وليد يمان مُتعود لحنٌ يعيد بكفّه ... قلمًا على عُسب، ذبلن وبان٢ دلالة واضحة على إلمامه بالكتابة والقراءة، وعلى وقوفه على خط أهل اليمن، "على دراسة غلمان اليمن للزبر، وهي الكتب. بل ورد: أن لبيدًا كان يدوّن شعره، ويهذبه بعد كتابته، وأنه كان يكتب. روي: "أن عمر بعث إلى المغيرة بن شعبة، وهو على الكوفة، يطلب إليه أن يستنشد من قبله من شعراء الكوفة ما قالوه في الإسلام. فأجابه الأغلب، ورد عليه لبيد قائلًا: إن شئت ما عفى عنه –يعني الجاهلية -فقال: لا، أنشدني ما قلت في الإسلام. فانطلق، فكتب سورة البقرة في صحيفة، ثم أتى بها، وقال: أبدلني اللهُ هذه في الإسلام مكان الشعر. فكتب المغيرة بذلك إلى عمر، فنقص عطاء الأغلب خمس مئة، وجعلها في عطاء لبيد"٣. وكان الشاعر "المرقش"، وهو من شعراء الحيرة، كاتبًا قارئًا، تعلم الكتابة والقراءة في "الحيرة" مع أخيه "حرملة" عند رجل من أهل الحيرة٤. وكذلك كان الشاعر "لقيط بن يعمر الإيادي" كاتبًا قارئًا. وقد عرف بين أهل الأخبار بـ"صحيفته" التي أرسلها إلى قومه "إياد"، ينذرهم فيها بعزم "كسرى" على غزوهم، وهي قصيدة افتتحت بهذا البيت:

стр. 5227

سلام في الصحيفة من لقيط ... إلى من بالجزيرة من إياد١ ويجب ألا ننسى الشاعر: "أمية بن أبي الصلت" الذي لم يكن كاتبًا قارئًا فحسب، بل كان واقفًا على كتب أهل الكتاب كذلك، وكان يقرأها، ويقتبس منها، وقد استخدم في شعره ألفاظًا ذكر أنه أخذها من كتب أهل الكتاب٢. ونضيف إلى من تقدم: "الزبرقان بن بدر"٣، و"النابغة الذبياني"٤ و"الربيع بن زياد العبسي"٥، و"لبيد بن ربيعة العامري"٦، و"كعب بن زهير بن أبي سلمى"٧. ودعوى أن الجاهليين كانوا أميين وعلى الفطرة والبديهة، لا يحسنون كتابة وقراءة خلا نفر بمكة وأشخاص بيثرب، دعوى باردة سخيفة، لا يمكن لمن له إلمام بأحوال الجاهلية أن يصدق بها. فأهل الأخبار الذين يروون هذه الرواية، يعودون فيخطئون أنفسهم، بسرد أسماء رجال من جزيرة العرب ومن العراق وبلاد الشأم، ذكروا أنهم كانوا يقرءون ويكتبون، بل ذكروا أكثر من ذلك، ذكروا أن منهم من كان يقرأ العبرانية أو السريانية، كالأحناف، ثم إنهم يذكرون أخبار مراسلات سادات القبائل في مختلف مواضع جزيرة العرب مع الرسول، ومكاتبة مسيلمة مع النبي وتأليفه كتابًا زعم أنه وحي نزل عليه من السماء مثل ما نزل على الرسول، فهل يعقل بعد ذلك، قول قائل: إن العرب كانوا أميين، خلا نفر. وقد رأينا أنهم تركوا آلاف الكتابات باللهجات العربية

стр. 5228

الجنوبية وبالثمودية واللحيانية والصفوية، بل قد نجد الكتابة في بعض قبائل الجاهلية مثل قبائل الصفاة، أكثر اتساعًا وانتشارًا مما عليه الحال بين قبائل هذا اليوم. وبعد، فالأمية الجماعية التي فرضها أهل الأخبار على الجاهليين، فجعلوهم أميين مائة بالمائة، لم تكن أمية صحيحة، وإنما جاءت من وهم في فهم المراد من المواضع التي أشرت إليها من القرآن، بدليل مناقضة أهل الأخبار أنفسهم، بذكر أسماء من ذكرناهم وممن لم نذكرهم ممن كان يقرأ ويكتب بهذا القلم العربي الذي دوّن به القرآن. وبدليل ما أوردته من أقوال المفسرين في الأمية، من أنها الوثنية، لا الأمية بمعنى الجهل بالكتابة والقراءة حتمًا، لعدم انسجام هذا المعنى مع تفسير الآيات، ثم إن القرآن الكريم حين تعرض للأمية، بمعنى عدم القراءة والكتابة، قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ، وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ١. فعبر بذلك تعبيرًا مبينًا عن معنى عدم القراءة والكتابة، بأفصح عبارة، فقال: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ ، ولو كانت الأمية بهذا المعنى لما أهمل ذكرها في هذا المكان. ومن ذلك الوهم جاءت الأحاديث الضعيفة من أنه كان من أمة أمية لا تحسب ولا تكتب، ولعاطفة دينية، شددوا في أمية العرب، فجعلوها جميعًا أميين، لإظهار معجزة للرسول –هو في غنى عنها –في أنه ظهر بالنبوة في أمة أمية، وجاء من الله بأحسن بيان، وهي حجة له على أهل الكتاب والمشركين. وبعد، فقد فهمنا من روايات أهل الأخبار، أن أهل مكة إنما تعلموا الكتابة في عهد غير بعيد عن الإسلام. فهل يعني هذا أنهم لم يكونوا يحسنون الكتابة والقراءة قبل هذا العهد أبدًا؟ والذي أراه أن ذلك شيء غير معقول، وأن أهل مكة كانوا يكتبون ويقرءون، كانوا يكتبون بالمسند، القلم الذي كتب به أكثر أهل جزيرة العرب قبل الإسلام، بدليل ما نقرأه في كتب أهل الأخبار من زعمهم أن أهل مكة كانوا يجدون بين الحين والحين كتابات مدونة بالمسند في مقبرة

стр. 5229

مكة القديمة وفي مواضع أخرى منها، وفي عثور الناس على هذه الكتابات دلالة على أن سكان مكة كانوا يكتبون بالمسند أو بأقلام مشتقة منه، ولا يعقل عدم استعمال أهل الحجاز لهذا القلم، وقد وجدنا أنه والأقلام المشتقة منه، قد كونت قلم أهل هذه البلاد قبل الإسلام، والظاهر أنهم وجدوا أن القلم الذي كان يكتب به النبط وبقية العرب، مثل عرب الحيرة، كان أسهل استعمالًا ومرونة من القلم المسند البطيء الحركة، وأنه لا يأخذ حجمًا كبيرًا بالقياس إلى الخط العربي الجنوبي، لذلك فضلوه على هذا القلم، واستعملوه عوضًا عنه، دون أن يجروا عليه تحويرًا أو تغييرًا، لإصلاح ما فيه من خلل، فلما جاء الإسلام، أجرى عليه ما أجرى من تحوير وتغيير وتطوير.

стр. 5230

الفصل الحادي والعشرون بعد المئة: الخط العربي مدخل ... الفصل الحادي والعشرون بعد المائة: الخط العربي للعلماء الذين اشتغلوا في موضوع نشوء الخط عند البشر، والقلم الأول الذي تفرعت منه سائر الأقلام، نظريات في تأريخ الكتابة وظهورها، وفي المراحل التي مَرَّت عليها من أول عهد مرّت فيه وهو عهد الكتابة الصورية "Pictography" إلى وصولها إلى مرحلة الحروف. وهذه النظريات مع أنها مرت بمناقشات وبحوث وتحددت حتى أصبحت معروفة عند علماء الخطوط، لم تستقر حتى الآن؛ لأن ما وصل إلينا من نماذج كتابية أثرية، لا يكفي لإبداء رأي مقبول أو رأي قاطع في أصل الخط وفي منشئه وفي الأمة التي أوجدته. ولا أعتقد أن في إمكان أحد القطع في ذلك، مالم يعثر المنقبون في المستقبل على نماذج عادية غير معروفة، تكون كافية لإبداء رأي علمي في هذا الموضوع. واختراع الكتابة من الاختراعات الكبرى التي غيرت مجرى البشر، وهو اختراع لا تقل أهميته عن أعظم الاختراعات والاكتشافات والمغامرات التي قام بها الإنسان منذ يومه الأول حتى هذا اليوم. ومنها هروب الإنسان من أحضان أمه الأرض، وعقوقه بحقها، والتبطر بها، وذهابه إلى القمر ثم إلى ما وراء القمر من عوالم سابحة راقصة في هذا الذي نسميه السماء. ونحن لا نحفل اليوم بموضوع أهمية اختراع الكتابة، بالنسبة إلى تقدم العقل البشري، ولا يعرف معظم الناس عنه أي شيء، ولا يحفلون به؛ لأنه صار من القديم البائد. وكل قديم بائد يكتب عليه النسيان. وسيأتي يوم ولا شك ينسى فيه الجاءون من بعدنا بمئات وبآلاف

стр. 5231

من السنين، يوم هروب الإنسان من الأرض، ولا ينظرون إليه إلا كما ينظر الإنسان الأمي الجاهل إلى مبدأ الكتابة أو إلى اختراع النار أو الطباعة أو غير ذلك من المخترعات التي إذا مضى وقت طويل على اختراعها نسيتها ذاكرة البشر، ونسيت كل أثر تركته في تطور حياة هذا الإنسان المغامر المغرم بالبحث عن المجهول. ولعلي لا أخطئ إذا قلت: إن الإنسان قد فكر في الكتابة منذ أيامه الأولى, أي: منذ شعر بنفسه، وصار يُعبر عما في ذاته، فكر بها لأنه كان في حاجة إلى تسجيل أعماله ومعاملاته وكلامه، ليتمكن من تذكرها عند الحاجة وإلى مراجعتها. كما فكر في تسجيل حوادثه وشعوره وتأثره بالمرئيات الجميلة أو المحزنة، وبالخواطر التي كانت تمر عليه، وبكل إحساسه وعواطفه. وكان كلما تقدم عقله وتوسعت مداركه شعر بحاجته إلى تدوين أعماله وأحاسيسه، فعمد إلى الطرق البدائية في التدوين. ثم طورها تدريجيًّا حتى وصل إلى مرتبة الكتابة الصورية، أي: إنه استخدم الصور في مقام الألفاظ. بأن يرسم صورة، فإذا رآها أحد عرفها وسماها باسمها. وعرفت هذه الطريقة بالكتابة الصورية. غير أن هذه الطريقة وإن عبرت بعض التعبير عن مشاعر الكاتب، إلا أنها كانت عاجزة عن التعبير عن الأمور الروحية وعن الألفاظ المعنوية، وعن الأمور الحسابية وغير ذلك. لذلك لم يقنع بها بل أخذ يشحذ ذهنه لإيجاد طريقة أخرى مختصرة وبسيطة ولها قابلية على رسم المعاني والإحساس، فأوجد من الكتابة الصورية اختزالًا نسميه: الكتابة المقطعية. أي: إنه اختزل الصور، وجزأها إلى مقاطع. وأخذ منها مقاطعها الأولى. فسماها بأسمائها الأصلية. فوصل بذلك إلى مرحلة المقاطع. وتمكن بسليقته وبذكائه من تحليل الأسماء والألفاظ التي يراد تدوينها إلى مقاطع، وتدوين أي كلمة بمقاطعها التي تتألف منها. وقد سهلت هذه المرحلة عليه كتابة الكلمات التي تعبر عن الآراء, ومن تسْجيل جمل وصفحات فيها ألفاظ مادية محسوسة وألفاظ ليست بمسميات لأشياء مادية وإنما هي تعبير عن معان وإحساس. مثل: موت وحياة ورأي وما شاكل ذلك. إلا أنه وجد أن هذه الطريقة لا تزال طريقة صعبة عسيرة، وأن على الإنسان أن يحفظ صور مئات من العلامات التي تعبر عن المقاطع لتدوين رسالة. لذلك فكر في اختزالها أيضًا وفي غربلتها وجزم المقاطع للوصول إلى الجذور الأساسية للألفاظ, وقد نجح في عمله هذا فتوصل إلى إيجاد الحروف. فبلغ بذلك النهاية.

стр. 5232

وهي المرحلة الحقيقية للكتابة. وبذلك استطاع أن يدوّن كل ما يدور بخلده من آراء بحروف, يضعها بعضها إلى بعض ليولد منها الألفاظ التي تدوّن بعضها إلى بعض لتعبر عما يريد الكاتب تدوينه. وما ذكرته يمثل مجمل رأي العلماء في تطور الكتابة من الرموز والعلامات البدائية إلى بلوغها مرحلة الكمال والتمام. وقد أخذوا رأيهم هذا من الصور والنقوش التي عثر عليها في الكهوف وعلى الصخور وفي المقابر في مختلف أنحاء العالم. ولكن رأيهم هذا يتشعب ويتضارب عندما يتعرض للأصل الذي أوجد الحروف, والمكان الذي صار له شرف إيجاد الكتابة, وحل المشكلة المستعصية التي دوخت الإنسان, مشكلة تدوين ما يدور بخلده بيسر وسهولة. فذهب بعض الباحثين إلى أن الكتابة إنما ظهرت في العراق, وذهب بعض آخر إلى أنها ظهرت في لبنان, وذهب بعض إلى أنها من نبت أرض النيل, وذهب آخرون إلى أنها من ثمرات جزيرة "كريت". ولكل رأي دليل وحجة تقوم على دراسة الكتابات والنصوص التي عثر عليها في تلك الأرضين. والذين يرون أن العراق هو وطن الكتابة الأول, يرون أن الخط إنما ظهر بتأثير عبادة النجوم, وذلك في أرض "كلديا", وكان الكهنة قد وضعوا رموزًا للنجوم ومن تلك الرموز أخذت الأبجدية الأولى, وتفرعت الألفباء السامية الغربية التي صارت أمًّا لمجموعة من الأبجديات, ومن قائلي هذه النظرية والمدافعين عنها المستشرق "هومل"١. وهناك طائفة من العلماء رأت أن الأبجدية الأولى هي وليدة أرض النيل. وأن الذين أوجدوا الأبجدية إنما أخذوها منها. وكان المصريون وقد استعملوا في بادئ أمرهم الكتابة الصورية, ثم اختزلوها وأولدوا منها "الكتابة الهيروغليفية". وهي كتابة متطورة متقدمة بالنسبة إلى الكتابة الصورية. وقد صارت هذه الكتابة أمًّا لأقدم الكتابات. إذ تعلمها أهل "سيناء" وأهل بلاد الشأم, ثم اختزلوها وجزموها, حتى أوجدوا من هذا الجزم الحروف الهجائية٢.

стр. 5233

وعثر المنقبون في طور سيناء في "سرابيط الخادم" على كتابة قديمة يعود عهدها إلى سنة "١٨٥٠" قبل الميلاد, دفعت بعض العلماء مثل "مارتن اشبرنكلنك" على القول بأن هذه الكتابة هي وليدة الكتابة الهيروغليفية, وأنها الحلقة المفقودة التي توصل بين الهيروغليفية وبين مرحلة الحروف. وذهب إلى أن العمال الذين كانوا يشتغلون في مناجم طور سيناء إنما اهتدوا إلى التدوين بالحروف من معرفتهم للهيروغليفية. إذ اختزلوا المقاطع, وأخذوا بالجزء الأول من كل مقطع وسموا ذلك الجزء باسم من أسماء الصور بلغتهم, فتكونت عندهم مجموعة من الحروف كونت الأبجدية الطورسينائية, بلغ عددها اثنين وعشرين حرفاً, أصبحت نموذجًا للأبجديات الأخرى التى اعتمدت عليها١. وقد انتشرت هذه الأبجدية من "طور سيناء" إلى الشرق فوصلت إلى الشأم وجزيرة العرب, وصارت أصل الأبجديات في هذه الأماكن غير أنها لم تستعمل في العراق, حيث كانت الكتابة المسمارية, ولا في مصر, حيث كانت الكتابة "الهيروغليفية". وقد تغيرت أشكالها باستعمالها الطويل, وتحرفت بمرور الزمن, وتبدلت الأسماء التي وضعها كتاب طور سيناء لحروفهم, كما تبدلت من حيث الترتيب وبذلك تولدت منها أقلام جديدة٢. ورأى بعض العلماء أن الخط الكنعاني الذي هو من الخطوط القديمة, قد اشتق من الخط الهيروغليفي, لوجود شبه بين الحروف الكنعانية وبعض الصور الهيروغليفية. ورأى بعض آخر أنه مشتق من الكتابة المسمارية. ورأى آخرون أنه اشتق من الأبجدية "الطورسينائية", إذ يصعب تصور اشتقاق الخط الكنعاني من الهيروغليفية رأسًا لبعد ما بين الكتابتين, وإن كان هناك شبه بين بعض الحروف الكنعانية والصور الهيروغليفية. ومن الخط الكنعاني تولدت بعض الأقلام السامية المتأخرة٣. وذهب باحثون إلى أن الفينيقين هم أول من اخترعوا الأبجدية, ومن هذه الأبجدية الفينيقية تولدت الأبجديات الأخرى, وذهب قسم منهم إلى أن الفينيقيين, إنما أخذوا أبجديتهم هذه من الهيروغليفية, بأن شذَّبوها وجزموا مقاطعها, وأورلدوا

стр. 5234

منها الحروف١. ونظرًا إلى وجود هوة كبيرة بين الكتابة الفينيقية وبين الهيروغليفية, رأى بعض الباحثين, أن الفينيقيين, إنما أخذوا خطهم من الخط الطورسينائي, ثم طوره وحسّنوه وأوجدوا منه خطهم الذي أولد جملة خطوط. وطائفة أخرى من العلماء, رأت أن وطن "الألفباء" الأول هو جزيرة قبرص أو جزيرة كريت, حيث عثر فيهما على نماذج قديمة للكتابة اتخذوها حجة يستند إليها في هذا الرأي. وقد زعم أصحاب هذه النظرية أن أهل ساحل البحر الأبيض إنما تعلموا الكتابة من أهل "كريت" أو "قبرص". وذلك باحتكاكهم بهم, وبهجرة الفلسطينيين "Philistines", من جزيرة "كريت" إلى سواحل فلسطين التي عرفت باسمهم "فلسطية" "Philistia", ثم أطلقت على المنطقة التي قيل لها فلسطين كلها. ومن الفلسطينيين أخذ الفينيقيون الأبجدية٢. وقد عثر الباحثون على عدد من الكتابات القديمة في جزيرة "كريت", تَبيّن من دراسة بعض منها أنها مكتوبة على طريقة الكتابة الهيروغليفية, ويرجع عهدها إلى ما بين "٢٠٠٠" إلى "١٦٠٠" قبل الميلاد. كما عثروا على كتابة صورية يعود عهدها إلى حوالي السنة "١٧٠٠" قبل الميلاد. وعثروا على كتابات أخرى حملتهم على القول بأن "كريت" كانت الموطن الأول للكتابة, ومنها انتقلت الكتابة إلى مواضع أخرى من البحر المتوسط٣. كما بينت ذلك في الفقرة السابقة. وقد عثر المستشرق "كلود شيفر" "M. Claude Schaeffer", المعروف بتنقيبه عن النصوص "اليغاريتية" "Ugarit" في شهر نوفمير من عام ١٩٤٩م على آجرة صغيرة من الصلصال المفخور بالنار حجمها "٥" سنتيمترات في ١٥ مليمترًا في موضع "رأس الشمرة" الواقع على مسافة عشرة أميال من شمال اللاذقية, ظهر أنها على صغرها وتفاهتها البادية عليها من أهم ما عثر عليه من نصوص. فهذه الآجرة الصغيرة التي لا تلفت إليها الأنظار هي لوح في

стр. 5235

غاية من الأهمية كتبت عليه الأبجدية "اليغاريتية" المؤلفة من ثلاثين حرفًا, وهي على الرغم من صغر حروفها مكتوبة كتابة واصحة بخط قوي جلي. وقد كان العلماء يبحثون عن هذه الأبجدية بكل شوق, والظاهر أن أحد الطلاب كتبها على هذا اللوح, ويرجع عهده إلى القرن الرابع قبل الميلاد١. وهذه الأبجدية "اليغاريتية" مكتوبة كتابة إسفينية, ولذلك رأى بعض الذين بحثوا في "اليغاريتية" أنها وليدة الكتابة المسمارية. ورأى بعض آخر أنها متأثرة بالهيروغليفية من حيث تكوين الحروف الصامتة. وأما من ناحية الرسم, فإنها متأثرة بالكتابة المسمارية. وتتألف من ثلاثين حرفًا, فهي تتضمن جميع الحروف في الأبجديات السامية الشمالية الغربية المكونة من اثنين وعشرين حرفًا صامتًا. ونجد أنها أوردت هذه الحروف على ترتيب الأجدية الإرمية والعبرانية, خلا أنها وضعت خمسة أحرف أخرى لم ترد في العبرانية بين هذه المجموعة, فتكوّن منها سبعة وعشرون حرفًَا تضاهي الأبجدية الكنعانية, ثم أضاف إليها كتبة "اليغاريتية" أحرفًا أخرى, فأصبح مجموف الحروف ثلاثين حرفًا تألفت منها الأبجدية "اليغاريتية"٢. نرى مما تقدم أن آراء علماء الخط تكاد تتفق على أن مخترعي الأبجديات هم أناس يجب أن يكونوا من أهل الشرق الأدنى أو من حوض البحر الأبيض, من أهل جزيرة "كريت أو "قبرص". وآراؤهم هذه هي بالنسبة إلى الأقلام المشهورة التي لا تزال مستعملة وحية معروفة مثل: الخطوط المستعملة في أوربا, وفي أمريكا, ومثل: الخط العربي والعبراني والسرياني وبالنسبة إلى أقلام أخرى ماتت, غير أن العلماء المتخصصين يعرفون عنها شيئًا ويقرءون نصوصها مثل الكتابات المسمارية وأمثالها. إلا أن هناك أقلامًا هي قديمة أيضًا, ولها أهمية كبيرة

стр. 5236

ونصوص وكتابات, لذلك يجب البحث عنها, لمعرفة تأريخها ودرجة صلتها بالأقلام التي نتحدث عنها. للوقوف على البواعث التي دفعت أصحابها على إيجادها والمراحل التي مرّت بها. فليس من الصواب إهمال تلك الأقلام وغض النظر عنها باعتبار أنها أقلام بعيدة عن أقلامنا, وهي تمثل ثقافة بعيدة عن ثقافتنا. كذلك يجب البحث عن الرسوم والرموز والإشارات التي سجلها الإنسان البدائي للتعبير عن نفسه ولتخليد ما كان يدور بخلده. ومقارنة ذلك مع أمثاله في كل أنحاء العالم. فإذا فعلنا ذلك وجمعنا كل الأقلام القديمة مثل: أقلام الصين والهند وبقية أقلام أقطار آسيا وأقلام إفريقيا وأمريكا, ودرسناها دراسة علمية. فصار في إمكاننا تكوين رأي عام علمي تقريبي عن تأريخ ظهور الخط عند البشر: متى كان ذلك وأقدم من بدأ به, مع بذل الجهد للبحث عن نماذج جديدة من الخطوط في كل مكان من العالم لنزيد بها على علمنا المتجمع من الكتابات التي وصلت إلينا ولا نضيف عليه علمًا جديدًا وليكون حكمًا قريبًا من المنطق والعلم. والرأي عندي أنه لأجل الإحاطة بتأريخ تطور الخط, لا بد من الاستمرار في البحث عن كتابات أخرى جديدة ومن دراسة مظاهر أشكال الحروف وكيفية ترتيبها وكيفية النطق بها, أي: الإحاطة بأسماء الحروف. فإن هذه الأمور تساعدنا كثيرًا على فهم تطور الخط عند البشر وعن صلته بعضه ببعض ومن التوصل إلى نتائج علمية قويمة, لا تقاس بالنتائج التي تبني على مجرد الظن والتخمين والتصور. والذي نلاحظه اليوم أن حروف الخطوط السامية المستعملة عند الغربيين, تكاد تتفق في أسمائها وفي ترتيبها, ويشير هذا التشابه إلى وحدة الأصل, وإلى أن الأبجديات المذكورة قد تفرعت كلها من شجرة واحدة, ونبعت من منبع واحد. فكلها تبتدئ بحرف واحد, هو "الألف" وكلها تجعل الباء حرفًا ثانيًا, ثم إن في وحدة تسمياتها مع اختلاف اللغات التي تدوّن بها دليلًا كافيًا على إثبات أن هذه الأبجديات هي من أصل واحد. وعلى أن لأسماء الحروف علاقة وثيقة بالصور وبالكتابة الصورية للغة الأم التي اخترعت تلك الحروف وأوجدتها من مرحلة المقاطع. وإذا ثبتنا أسماء الحروف, وعرفنا من أين أخذت, وإذا استطعنا العثور على أقدم نص للأبجدية, يكون في إمكاننا إبداء رأي علمي في منشأ الحروف وفي المكان الذي كان له شرف إيجادها, أو الأماكن التي ساهمت بصور مستقلة

стр. 5237

في إيجاد الحروف. وهذا ما أراه؛ لأني أعتقد أن الانسان فكر في أول الأمر ما فكر به في إيجاد وسيلة يسجل بها أعماله وأفكاره, وأن تفكيره هذا لم ينحصر في بقعة واحدة, بل وجد في كل مكان. حتى في البيئات البدائية, إذ نجد الشعوب البدائية تتخذ وسائل للتعبير عن آرائها وعن تدوين أفكارها بطرق تتفق مع مستواها العقلي ودرجتها في الثقافة. والحرف الأول, وهو الألف, يعني "ثورًا", ولذلك مثل في الهيروغليفية وفي كتابة طور سيناء بشكل رأس ثور, وأما الحرف الثاني, وهو الباء أو "Beth", فإنه يعني "بيتًا", وقد صور في الهيروغليفية وفي كتابة طور سيناء بشكل يصور مقدمة بيت. وأما الحرف الثالث, وهو الجيم, فإنه "كمل" "كيمل", أي: الجمل, وصورته لا ترمز إلى الجمل رمزًا تامًّا. وأما حرف الدال, فيقال "دالت", ومعناه باب. وأما حرف الهاء, فإنه من He "هي" بمعنى شباك. وأما الواو, فهو يشير إلى وتد. وأما الزاي, فإنه من زين بمعنى سلاح. وأما الحاء, فإنه من "حيث" بمعنى حائط. وأما الياء, فإنه من "يود" بمعنى يد أو يد مفتوحة. وأخذ حرف الكاف من "كاف" "كف" بمعنى كف اليد, أو يد مقبوضة. وأما حرف اللام, فإنه من "لمد" "لامد", ومعناه عصا لضرب الثور. وأما الميم, فإنه من "ميم" بمعنى ماء. وأما النون, فإنه من نون بمعنى سمكة. وأما حرف السين فهو سامخ, بمعنى آلة يعتمد عليها كالعصا. وقد أخذ حرف العين من عين, عين الإنسان. وأخذ الفاء من فم "بم" "" بمعنى فم, وأخذ حرف الصاد من "صادى", بمعنى صياد. وحرف القاف من قوف kof بمعنى الرأس إلى الخلف, وحرف الراء, من ريش بمعنى رأس, وحرف الشين من "شين" "شن" بمعنى سن. وأما التاء, فمن كلمة "تاو" "تو" بمعنى علامة أو صليب, وهكذا١. ولمسألة ترتيب الحروف أهمية كبيرة لا تقل عن أهمية أسماء الحروف. ويظهر أن ترتيب "أبجد هوز حطي ... إلخ", وهو ترتيب سار عليه العرب أيضًا, هو ترتيب قديم. وقد عرف عند السريان وعند النبط والعبرانيين, وعند "بني إرم" ويظن أنهم أخذوه من الفينيقيين. وقد سار عليه الكنعانيون أيضًا, غير أنهم

стр. 5238

زادوا عليه الأحرف التي اقتضى وجودها في طبيعة لغتهم. وقد وضع علماء العربية بعد "قرشت" التي يمثل حرف التاء فيها آخر حروف الأبجدية الحروف التي لم ترد في ترتيب "أبجد هوز", وهي موجودة في العربية ويقال لها: "الروادف"١. أما الترتيب السائر اليوم في كتابة الحروف العربية مبتدئين بالألف ومنتهين بالياء, فهو ترتيب إسلامي, وقد وضع على ما يخيل إلي لتيسير حفظ أشكال الحروف للطلاب؛ لأنه راعى الجمع بين الحروف المتشابهة, ولم يتجنب مع ذلك الترتيب الأصل المراعى في نظام "أبجد هوز" تجنبًا تامًّا. وضعه "نصر بن عاصم" في أيام الحجاج. ومن الفينيقيين الذين كانوا يقطعون البحار والبراري للاتجار مع مختلف الشعوب, انتشرت الكتابة بالحروف إلى حوض البحر الأبيض. فقد كان تجارهم يسجلون ما يبيعون ويشترون ليضبطوا بذلك أعمالهم, فظن من كان يتعامل معهم من اليونان وغيرهم أنهم كانوا يقومون بأعمال سحرية. ولما عرفوا أنهم إنما يكتبون ذلك لضبط أعمالهم وتجارتهم تعلموا منهم سر الكتابة. ثم سرعان ما أخذوا يكتبون. وبذلك انتشرت الكتابة في أوربا. ويظهر أن انتقال الخط إلى أوربا كان في القرن العاشر قبل الميلاد٢. وقد حافظ اليونان القدامى على أشكال الحروف الفينيقية وعلى طريقتهم في التدوين من اليمين ألى اليسار. وحافظوا على أسماء الحروف كذلك. ثم وجد اليونان أن الحروف الفينيقية هي حروف صامتة ولا توجد فيها حروف تعبر عن الحركات. فأكملوها بإضافة الحركات إليها. ثم طوروها بالتدريج. وكان في جملة التطورات الابتداء بالكتابة من اليسار نحو اليمين. وعن اليونان أخذ الرومان وغيرهم من الشعوب الأوروبية الكتابة, وأخذ كل قوم منهم يوجد منها طرقًا جديدة في الخط حتى صارت على نحو ما هي عليه في هذا اليوم.

стр. 5239

الخط العربي: والعرب من الشعوب التي عرفت الكتابة ومارستها قبل الإسلام بزمان طويل كذلك. بل عرفوا الكتابة قبل الميلاد ببضع مئات من السنين. وقد عثر في مواضع

стр. 5240

من جزيرة العرب على كتابات دونت باليونانية وبلغات أخرى. وتبين من دراسة النصوص الجاهلية, أن العرب كانوا يدونون قبل الإسلام بقلم ظهر في اليمن بصورة خاصة, هو القلم الذي أطلق عليه أهل الأخبار "القلم المسند" أو "قلم حمير". وهو قلم يباين القلم الذي نكتب به الآن. ثم تبين أنهم صاروا يكتبون في الميلاد بقلم آخر, أسهل وألين في الكتابة من القلم المسند, أخذوه من القلم النبطي المتأخر وذلك قبيل الإسلام على ما يظهر. كما تبين أن النبط وعرب العراق وعرب بلاد الشأم كانوا يكتبون أمورهم بالإرمية وبالنبطية, وذلك لشيوع هذين القلمين بين الناس, حتى بين من لم يكن من "بني إرم" ولا من النبط, كالعبرانيين الذين كتبوا بقلم إرمي إلى جانب القلم العبراني, ولاختلاط العرب الشماليين ببني إرم واحتكاكهم بهم, مما جعلهم يتأثرون بهم ثقافيًّا, فبان هذا الأثر في الكتابات القليلة التي وصلت إلينا مدونة بنبطية متأثرة بالعربية. ويظهر من عثور الباحثين على كتابات مدونة بالمسند في مواضع متعددة من جزيرة العرب, ومنها سواحل الخليج العربي, بعض منها قديم وبعض منها قريب من الإسلام, إن قلم المسند, كان هو القلم العربي الأصيل والأول عند العرب. وقد كتب به كل أهل جزيرة العرب, غير أن التبشير بالنصرانية الذي دخل جزيرة العرب, وانتشر في مختلف الأماكن, أدخل معه القلم الإرمي المتأخر, قلم الكنائس الشرقية, وأخذ ينشره بين الناس؛ لأنه قلمه المقدس الذي به كان يكتب رجال الدين. ولما كان هذا القلم أسهل في الكتابة من المسند, وجد له أشياعًا وأتباعًا بين من دخل في النصرانية وبين الوثنيين أيضًا, لسهولته في الكتابة, غير أنه لم يتمكن مع ذلك من القضاء على المسند إذ بقي الناس يكتبون به. فلما جاء الإسلام, وكتب كتبة الوحي بقلم أهل مكة لنزول الوحي بينهم. صار قلم مكة هو القلم الرسمي للمسلمين, وحكم على المسند بالموت عندئذ, فمات ونسيه العرب, إلى أن بعثه المستشرقون, فأعادوه إلى الوجود مرة أخرى, ليترجم لنا الكتابات العادية التي دونت به. وهناك أقلام عثر عليها المستشرقون في أعالي الحجاز, تشبه القلم المسند شبهًا كبيرًا, لذلك رأى الباحثون أنها من صلب ذلك القلم ومن فروعه للشبه المذكور؛ ولأنها متأخرة بالنسبة له, فلا يمكن أن تكون هي الأم. وقد سمي قلم منها بالقلم الثمودي نسبة إلى قوم ثمود, وسمي قلم آخر بالقلم اللحياني, نسبة إلى

стр. 5241

"لحيان". وعرف القلم الثالث بـ"الكتابة الصفوية", نسبة إلى أرض "الصفاة" الأرض التي عثر بها على أول كتابة مكتوبة بهذا القلم. وقد عرف علماء العربية القلم المسند, ومنهم حصل هذا القلم على اسمه. ولكنهم لم يعرفوا من أمرة شيئًا يذكر. وكل ما عرفوه عنه أنه خط أهل اليمن القديم, وأنه خط حمير, وأن قومًا من أهل اليمن بقوا أمدًا يكتبون به في الإسلام ويقرءون نصوصه. كما عرفوا القلم الذي دوّن به القرآن الكريم. ودعوه "القلم العربي" أو "الخط العربي" حينًا و"الكتاب العربي" أو "الكتابة العربية" حينًا آخر تمييزًا له عن المسند١. ولم يشيروا إلى أسماء خطوط جاهلية أخرى. وقد تكلم "الهمداني" ومشايخه من قبله عن المسند, كما أشار إلية "ابن النديم", وذكر أن نماذج منه كانت في خزانة "المأمون". غير أن علمهم به لم يكن متقنًا على ما يظهر من نقولهم عنه. كما تحدثت عن ذلك في أثناء كلامي عن "الهمداني". ولم يكن لهم إدراك عن كيفية تطوره. وقد دعوه بالخط الحميري. وعرّفوه بأنه خط مخالف لخطنا هذا, كانوا يكتبونه أيام ملكهم فيما بينهم. قال "أبو حاتم": هو في أيديهم إلى اليوم باليمن٢. هذا ولم أجد في المؤلفات الإسلامية المعروفة في هذا اليوم ما يفيد بأن أحدًا من العرب الإسلاميين كان على علم متقن بالعربيات الجنوبية, أو كان له علم بتأريخ العربية الجنوبية القديم, وفي الذي ذكروه عن الخط المسند وعن لغات العرب الجنوبيين وتأريخهم تأييد لما أقوله. والعرب تسمي "الكتاب العربي" أي: خطنا: "الجزم", وذكروا أنه إنما سمي جزمًا؛ لأنه جزم من المسند, أي: قطع منه, وهو خط حمير في أيام ملكهم٣ ولا أستبعد احتمال كون كلمة "الجزم" تسمية ذلك القلم في الجاهلية, وأما تفسير

стр. 5242

أهل الأخبار لسبب التسمية, فهو من نوع التفاسير المعروفة المألوفة عن أهل الأخبار, يضعونها حينما يجابههم شخص يريد معرفة سبب تسمية شيء بالاسم الذي عرف به. ودليل ذلك ما ذكره "البطليوسي" من أن أهل الأنبار كانوا يكتبون المشق, وأن أهل الحيرة كانوا يكتبون "خط الجزم" وهو خطهم, وهو الذي صار خط المصاحف١. و "المشق" في تفسير علماء العربية مد حروف الكتابة٢, ومعنى هذا أن خط أهل الأنبار, كان متصل الحروف ممدودها, بينما غلب على القلم الحيري الشكل التربيعي الجاف ذو الزوايا للحروف. وهو شكل تكون الكتابة به أبطأ من الكتابة بالقلم المشق. ونظيره هو القلم الكوفي في الإسلام, الذي اختص بأنواع معينة من أغراض الكتابة, ومنها الكتابة على الأحجار والخشب. ونظرًا لبطء الكتابة به على الغالب لم يستعمل بكثرة في الكتابة. ولعل سبب اختلاف قلم الأنبار عن قلم أهل الحيرة, هو في المنبع الذي استقى كل من أهل المدينتين قلمه منه. فقد استعمل نصارى العراق في كتبهم الطقوسية القلم "السطرنجيلي", المشتق من القلم التدمري. وكتبوا به الأناجيل والكتب المقدسة وأحجار المباني, مثل الأحجار التي توضع فوق أبواب المعابد كالكنائس أو البيوت أو القبور وما شاكل ذلك. وهو خط ثقيل يحتاج إلى بذل وقت في نقشه وإلى جهد في حفره على الخشب أو الحجر, بل وفي الكتابة به أيضًا. واستعملوا قلمًا آخر أسرع منه وأسهل وأطوع في الكتابة به من "السطرنجيلي", كتبت به الأعمال التجارية والمخابرات والرسائل والكتب, كتبوا به بقلم القصب وبالحبر. فكان منه خط النسخ٣. هذا وقد كتب النبط بقلمين كذلك: قلم قديم, ثقيل في الكتابة تكثر فيه الخطوط المستقيمة والزوايا والتربيعات فهو على شاكلة "السطرنجيلي", والخط الكوفي. كتبوا به على الأخشاب والحجارة والمعادن والصخور, حيث حفروا الكتابة حفرًا, كما استعملوه في ضرب نقودهم. وهو ثقيل في الكتابة لذلك لم يستعمل في الأغراض اليومية كتدوين المعاملات التجارية والمراسلات وما شاكل

стр. 5243

ذلك من أمور تستدعي السرعة, بل استخدم الكتاب قلمًا آخر لهذه الأغراض, هو القلم المدوّر الذي يشبه النسخ, والذي نستطيع أن نسميه "المشق", قلم أهل الأنبار. وهو قلم متأخر ظهر عندهم بعد القلم الأول١. ونجد أكثر شعوب الشرق الأدنى على هذه العادة في اتخاذ قلم خاص يكتبون به الكتب المقدسة والأحجار التذكارية, التي توضع فوق أبواب المعابد وفي داخلها أو على القبور للذكرى والتأريخ. لذلك يجتهد فيه أن يكون مزوقًا ذا زوايا وتربيعات وزخرف ونقوش, باعتبار أنه إنما يدوّن للتخليد ولتدوين شيء مقدس ثمين. ومن هذه النظرة تولدت طريقة رسم الحروف الأولى لكلمات الجمل أو عنوان الفصول بحروف بارزة مغايرة للحروف الأخرى التي تدوّن بها الكلمات التالية. واتخذوا أقلامًا أخرى راعوا فيها السهولة والليونة في الكتابة. لتدوين الكتب الأخرى التي لا صلة لها بالدين ولتدوين الأعمال اليومية. جعلوا حروفها مدوّرة أو مقوسة, ليمكن الكتابة بها بسهولة بدون حاجة إلى بذل عناية في رسم خطوطها المستقيمة والمربعة والزوايا التي تكوّن الحروف. وقد تحدث "الجاحظ" عن الخط, فقال: "وليس في الأرض أمة بها طرق أو لها مسكة, ولا جيل لهم قبض وبسط, إلا ولهم خط. فأما أصحاب الملك والملكة والسلطان والجباية, والديانة والعبادة, فهناك الكتاب المتقن, والحساب المحكم, ولا يخرج الخط من الجزم والمسند المنمنم كذا كيف كان, قال ذلك الهيثم بن عدي وابن الكلبي"٢. فالخط العربي الجاهلي, قلمان: جزم ومسند, ولا ثالث لهما. المسند خط العربية الجنوبية وخط من كتب بهذا القلم من بقية أنحاء جزيرة العرب, والجزم, خط أهل مكة والمدينة وعرب العراق وغيرهم من العرب الشماليين. ولما كان عرب العراق قد خالطوا بني إرم وأخذوا من ثقافتهم, ومنهم من اعتنق دينهم, فدخل في النصرانية. فلا أستبعد استعمالهما قلمين, أو أكثر في الكتابة. قلم رُوعي فيه ما رآه نصارى العراق في "السطرنجيلي", والمسمى أيضًا

стр. 5244

بالخط الرهاوي, وقلم آخر استعملوه للكتابات السريعة. ولا أستبعد احتمال كتابة أهل الأنبار أو أهل الحيرة أو غيرهم من عرب العراق بالقلمين معًا. القلم الذي دعاه البطليوسي بالمشق, وهو على حد قوله قلم أهل الأنبار, والقلم الحيري, وهو الجزم على رأيه أيضًا. ويذكر أن القلم السطرنجيلي قد استنبط في مطلع القرن الثالث للميلاد. وقد استنبطه "بولس بن عرقا" أو "عتقا الرهاوي". وشاع استعماله بين الناس١. هذا وللعلماء المسلمين مؤلفات في تأريخ الخط العربي وتطوره, ولهم نظريات وآراء في منشأ الخط, منها آراء تنسب إلى "ابن الكلبي", وهو في مقدمة علماء الأخبار في هذا الباب, وإلية يرجع أكثر من جاء بعده في رواية أخباره عن منشأ الخط, وعن كيفية تطوره حتى بلغ مبلغه هذا في الإسلام. ومنها آراء تنسب إلى غيره كابن عباس٢. ونستطيع تلخيص وجهات نظرهم في منشأ الخط العربي في الملخصات الآتية: ١- كان منشأ الخط في اليمن, ثم انتقل منه إلى العراق حيث تعلمه أهل الحيرة, ومنهم تعلمه أهل الأنبار, ومنهم تعلمه جماعة نقلوه إلى الحجاز. فالأصل, على رأي هؤلاء, هو القلم المسند وكان كما يقولون بالغًا مبلغ الإتقان والجودة في دول التبابعة, لما بلغت من الحضارة والترف٣. ٢- أول من كتب الخط العربي حمير بن سبأ, وكانوا قبل ذلك يكتبون بالمسند, سمي بذلك لأنهم كانوا يسندونه إلى "هود"٤. ٣- أول ما ظهرت الكتابة العربية بمكة من قبل "حرب بن أمية" وقد

стр. 5245

أخذها من طارئ طرأ على مكة من اليمن. وقد أخذ ذلك الطارئ علمه بالكتابة من كاتب الوحي لهود١. ٤- أول من كتب بالعربية إسماعيل٢. كتب على لفظه ومنطقه موصولًا, حتى فرق بينها ولده هميسع وقيذر٣. ٥- أول من وضع الكتاب العربي نفيس, ونضر, وتيماء, ودومة. هؤلاء ولد إسماعيل, وضعوه موصولًا, وفرقه قادور بن هميسع بن قادور٤. ٦- إن نفيس, ونضر, وتيما, ودومة؛ بني إسماعيل, وضعوا كتابًا واحدًا وجعلوه سطرًا واحدًا غير متفرق, موصول الحروف كلها, ثم فرقة نبت, وهميسع, وقيذار, وفرقوا الحروف وجعلوا الأشباه والنظائر٥. ٧- كان قلم "الجزم" في نظر بعض العلماء أساس القلم العربي وقد سمي بالجزم؛ لأن مرامر بن مرة, وأسلم بن سدرة وعامر بن جدرة, وهم من طيء من بولان, سكنوا الأنبار واجتمعوا فوضعوا حروفًا مقطعة وموصولة. فأما مرامر فوضع الصور, وأما أسلم ففصل ووصل, وأما عامر فوضع الإعجام. وقد اقتطع مرامر الخط من المسند فسمي الجزم؛ لأنه جزم, أي: اقتطع, ولذلك قيل له: الجزم قبل وجود الكوفة, فتعلمه منهم أهل الأنبار, وتعلمه منهم أهل الحيرة وسائر عرب العراق, وتعلمه من أهل الحيرة بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل, وكان له صحبة بحرب بن أمية لتجارته عندهم في بلاد العراق, فتعلم حرب منه الكتابة, ثم سافر معه بشر إلى

стр. 5246

مكة فتعلم منه جماعة من أهلها, فلهذا أكثر الكتّاب من قريش١. ٨- أول من وضع الخط العربي "أبجد هوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت", وهم قوم من الجيلة الأخيرة, وقيل: إنهم بنوا المحصن بن جندل بن يصعب بن مدين, وكانوا نزولًا مع عدنان بن أدد, فكان "أبجد" ملك مكة وما يليها من الحجاز, وكلمن وسعفص وقرشت ملوكًا بمدين, وقيل ببلاد مضر, فوضعوا الكتاب على أسمائهم, ثم وحدوا بعد ذلك حروفًا ليست من أسمائهم, وهي الثاء والخاء والذال والظاء والضاد والغين فسموها الروادف٢. ٩- أول من وضع الخط العربي وألف حروفه ستة أشخاص من طسم, كانوا نزولًا على عدنان بن أدد, وكانت أسماؤهم: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت, فوضعوا الكتابة والخط على أسمائهم, فلما وجدوا في الألفاظ حروفًا ليست في أسمائهم ألحقوها بها, وسموها الروادف, وهي ثخذ ضظغ٣. ١٠- أول من خط هو: مرامر بن مرة من أهل الأنبار, وقيل: إنه من بني مرة. ومن الأنبار انتشرت الكتابة في الناس. ذكروا أن قريشًا سُئِلوا: من أين لكم الكتابة؟ فقالوا: من الأنبار٤. ١١- تعلم بشر بن عبد الملك الكتابة من أهل الأنبار وخرج إلى مكة وتزوج "الصهباء بنت حرب بن أمية". وتعلم منه حرب, ومنه ابنه سفيان, ومنه ابن أخيه معاوية بن أبي سفيان, ثم انتشر في قريش, وهو الخط الكوفي الذي استنبطت منه الأقلام٥.

стр. 5247

١٢- كان الكتاب العربي قليلًا في الأوس والخزرج, وكان يهودي من يهود ماسكة قد علمها, فكان يعلّمها الصبيان, فجاء الإسلام وفيهم بضعة عشر يكتبون, منهم سعد بن زرارة, والمنذر بن عمرو, وأُبي بن كعب, وزيد بن ثابت, يكتب الكتابين جميعًا العربية والعبرانية, ورافع بن مالك, وأسيد بن حضير, ومعن بن عدي. وأبو عبس بن كثيم, وأوس بن خولي, وبشير بن سعد١. ١٣- أول من وضع الحروف العربية ثلاثة رجال من بولان, وبولان قبيلة من طيء, نزلوا مدينة الأنبار, وهم: مرامر بن مرة, وأسلم بن سدرة, وعامر بن جدرة, اجتمعوا فوضعوا حروفًا مقطعة وموصولة, ثم قاسوها على هجاء السريانية. فأما مرامر, فوضع الصور, وأما أسلم ففصل ووصل, وأما عامر فوضع الإعجام, ثم نقل هذا العلم إلى مكة وتعلمه من تعلمه وكثر في الناس وتداولوه٢. ١٤- أول من كتب الكتاب العربي, رجل من بني النضر بن كنانة, فكتبته العرب حينئذ٣. ١٥- رأى نفر من العلماء أن أهل مكة إنما تعلموا الكتابة من إياد أهل العراق وكانوا يكتبون, ورووا في ذلك شعرًا زعموا أن "أمية بن أبي الصلت" قائله, منه: قوم لهم ساحة العراق إذا ... ساروا جميعًا والخط والقلم٤ ١٦- أول من وضع حروف أب ت ث نفر من أهل الأنبار من إياد القديمة, وعنهم أخذت العرب٥.

стр. 5248

١٧- الذي حمل الكتابة إلى قريش بمكة, أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة" وقيل حرب بن أمية١. ١٨- من حمير تعلمت مضر الكتابة العربية٢. ١٩- أصل الخط العربي من الأنبار, وإنما سكن الأنبار والحيرة بقايا العرب العاربة وكثير من المستعربة فنقلوا ذلك٣. ٢٠- وضع الكتاب العربي عبد ضخم وبيض ولد أميم بالحجاز, ولهم يقول حاجز الأزدي: عبد بن ضخم إذا نسبتهم ... وبيض أهل العلو في النسب ابتدعوا منطقًا لخطّهم ... فبين الخط لهجة العرب٤ ٢١- أول من كتب الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها, آدم –﵇ – قبل موته بثلاثمائة سنة, كتبها في طين وطبخه, فلما أصاب الأرض الغرق وجد كل قوم كتابًا فكتبوه, فأصاب إسماعيل –﵇ – الكتاب العربي٥. ٢٢- أول من كتب بالعربية مرامر بن مرة, رجل من أهل الأنبار. ومن الأنبار انتشرت في الناس. ٢٣- تعلمت قريش الكتابة من الحيرة, وتعلم أهل الحيرة الكتابة من الأنبار٦, وذكر بعض علماء العربية أن العرب العاربة لم تعرف هذه الحروف بأسمائها, وأنهم لم يعرفوا نحوًا ولا إعرابًا ولا رفعًا ولا نصبًا ولا همزًا٧. وهذه هي آراء علماء العربية في أصل الخط عند العرب, وفي كيفية منشئه وظهوره.

стр. 5249

وقد ذكر "ابن النديم" مختلف الروايات التي كانت شائعة في أيامه عند القلم العربي. وذكر منابعها أحيانًا وأهمل ذكرها أحيانًا أخرى. وفي جملة من أشار إليهم "ابن عباس", فنسب إلية قوله: إن أول من كتب بالعربية ثلاثة رجال من بولان على نحو ما ذكرت قبل قليل١. و"محمد بن إسحق" و"ابن الكلبي", و"ابن الكوفي" و"كعب الأحبار" و"مكحول" و"عمر بن شبة" في كتاب مكة, و"ابن أبي سعد"٢. وذكر أنه كان في خزانة المأمون كتاب بخط عبد المطلب بن هاشم في جلد أدم. فيه حق عبد المطلب على رجل من حمير, عليه ألف درهم فضة كيلًا بالحديدة. وكان خطّه شبه خط النساء. وذكر أن من كتاب العرب أسيد بن أبي العيص. وأن الناس عثروا على حجر كان على قبره كتب عليه اسمه٣. ولدينا رأي آخر يقول: "كانت الكتّاب في العرب من أهل الطائف, تعلموها من رجل من أهل الحيرة, وأخذها أهل الحيرة عن أهل الأنبار"٤. وهو رأي نبع من المنابع المتقدمة. وقد جزم قوم من العلماء أن أول من كتب بالعربية "مُرامر بن مرّ", "مُرامر بن مُرّة", وذهب قوم أن أول من كتب بخطنا "عامر بن جدرة", وتوقف قوم هل هو خلاف أو يمكن التوفيق. وذهب آخرون إلى أن أول من كتب بالخط العربي عامر بن جدرة ومرامر بن مرة الطائيان, ثم "سعد بن سبل"٥. وقال "شرقي بن القطامي": إن أول من وضع خطنا هذا رجال من طيء منهم مرامر بن مرة. قال الشاعر: تعلمت باجاد وآل مرامر ... وسودت أثوابي ولست بكاتب وإنما قال وآل مرامر؛ لأنه كان قد سمى كل واحد من أولاده بكلمة من أبجد, وهي ثمانية. وأول من كتب بالعربية مرامر بن مرة من أهل الأنبار,

стр. 5250

ويقال من أهل الحيرة. ويقال: إنه سئل المهاجرون من أين تعلمتم الخط؟ فقالوا: من الحيرة. وسئل أهل الحيرة من أين تعلمتم الخط؟ فقالوا: من الأنبار١. والذين يذكرون أن "بشر بن عبد الملك" أخو "أكيدر بن عبد الملك" الكندي صاحب "دومة الجندل", الذي تعلم الكتابة من أهل الأنبار, وخرج إلى مكة, فتزوج "الصهباء بنت حرب بن أمية" أخت "أبي سفيان", وعلّم جماعة من أهل مكة الكتابة, فلذلك كثر من يكتب بمكة من قريش, يروون شعرًا لرجل من أهل دومة الجندل, زعموا أنه قاله إظهارًا لمنة قومه على قريش, هو: لا تجحدوا نعماء بشر عليكمو ... فقد كان ميمون النقيبة أزهرا أتاكم بخط الجزم حتى حفظتمو ... من المال ما قد كان شتى مبعثرا وأتقنتمو ما كان بالمال مهملاً ... وطامنتمو ما كان منه منفرا فأجريتم الأقلام عودًا وبدأة ... وضاهيتمو كتّاب كسرى وقيصرا وأغنيتمو عن مسند الحي حمير ... وما زبرت في الصحف أقيال حميرا٢ فبشر بن عبد الملك, هو الذي نقل "الجزم" إلى "مكة". والجزم هو الخط الذي دوّن به القرآن, أي: القلم الذي نكتب به اليوم. فأغنى به أهل مكة عن الكتابة بقلم المسند قلم حمير الثقيل, وصاروا يكتبون بالقلم وبالحبر, على طريقة الفرس والروم يدوّنون به أموالهم. ويظهر من ذلك أن القلم المسند, كان ثقيلًا في الكتابة, ولهذا وجد أهل مكة صعوبة في تدوين أمورهم به, فعدلوا عنه إلى القلم الجزم. ولو صح هذا الشعر, فإن البيت الأخير منه يدل على أن أقيال حمير وغيرهم كانوا يكتبون بخطهم: المسند على الصحف, وأنه قد كانت عندهم كتابات دوّنوها به بالحبر والقلم على الصحف والأدم ومواد الكتابة الأخرى, ولم يكونوا يكتفون بالكتابة به على الأحجار فقط؛ لأننا نجد أن كتاباتهم الواصلة إلينا إنما

стр. 5251

قد كتبت بهذه الطريقة حسب. وسبب عدم وصول هذه الصحف إلينا, أنها من مادة سريعة العطب, لذلك لم تتمكن من المحافظة على حياتها فذهبت مع أهلها, وقد يعثر على شيء منها مدفون تحت الأرض بصورة يمكن أن يستفاد منها كما استفيد من المسند المنقوش على الحجر. وورد أن رجلًا قال لابن عباس: "معاشر قريش, من أين أخذتم هذا الكتاب العربي قبل أن يبعث محمد ﷺ تجمعون منه ما اجتمع, وتفرقون منه ما افترق مثل الألف واللام؟ قال: أخدناه من حرب بن أمية. قال: فممن أخذه حرب؟ قال: من عبد الله بن جدعان, قال: فممن أخذه ابن جدعان؟ قال: من أهل الأنبار, قال: فممن أخذه أهل الأنبار؟ قال: من أهل الحيرة, قال: فممن أخذه أهل الحيرة؟ قال: من طارئ طرأ عليهم من اليمن من كندة. قال: فممن أخذه ذلك الطارئ؟ قال: الخفلجان بن الوهم كاتب الوحي لهود, ﵇"١. وذكر بعض العلماء أن أول من وضع الخط العربي وألّف حروفه وأقسامه ستة أشخاص من طسم, كانوا نزولًا عند عدنان بن أدد, وكانت أسماؤهم: أبجد, هوز, حطي, كلمن, سعفص, قرشت, فوضعوا الكتابة والخط على أسمائهم, فلما وجدوا في الألفاظ حروفًا ليست في أسمائهم ألحقوها بها, وسموها الرّوادف, وهي: ثخذ ضظغ٢. وذكر بعض أهل الأخبار أن "كلمن" كان رئيس ملوك مدين الذين وضعوا الكتابة العربية على عدد حروف أسمائهم, وقد هلكوا يوم الظلة, فقالت ابنة كلمن ترثي أباها: كلمن هدم ركني ... هلكه وسط المحله سيد القوم أتاه الـ ... حتف نارًا وسط ظله جعلت نار عليهم ... دراهم كالمضمحله٣

стр. 5252

ويوم الظلة غيم تحته سموم, أو سحابة أظلتهم, فاجتمعوا تحتها مستجيرين بها مما نالتهم من الحر, فأطبقت عليهم١. وقد أشير إلى عذاب يوم الظلة في القرآن الكريم٢. وذكر أن هذا العذاب أصاب قوم "شعيب" لتكذيبهم رسالته, فرفع الله غمامة فخرجوا إليها ليستظلوا بها فأصابهم عذاب عظيم. التهبت عليهم وأحرقتهم٣. ولما كان أبجد هوز ملوك مدين, وأهل مدين هم قوم شعيب, ربط أهل الأخبار مصيرهم بمصير قوم شعيب, وجعلوا نهايتهم يوم الظلة. فالكتابة على رأي هؤلاء تعود إلى هؤلاء الملوك, الذين هلكوا بذلك اليوم. ورويت الأبيات على هذه الصورة: كلمن هدّم ركني ... هُلكهُ وسط المحله سيد القوم أتاه الـ ... حتف تحت ظله كونت نارًا, وأضحت ... دار قومي مضمحله٤ ووردت على هذه الصورة: كلمن هدّم ركني ... هلكه وسط المحله٥ سيد القوم أتاه الـ ... حتف نارًا وسط ظله جعلت ناراً, عليهم ... دارهم كالمضمحله٦ وقد تعرض "المسعودي" لموضوع الحروف, فقال: "وقد كانوا عدة ملوك تفرقوا في ممالك متصلة ومنفصلة, فمنهم المسمى بأبي جاد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت, وهم ما ذكرنا بنو المحض بن جندل, وأحرف

стр. 5253

الجمل على أسماء هؤلاء الملوك, وهي التسعة والعشرون حرفًا التي يدور عليها حساب الجمل". "وكان أبجد ملك مكة وما يليها من الحجاز, وكان هوز وحطي ملكين ببلاد وج, وهي أرض الطائف, وما اتصل بذلك من أرض نجد, وكلمن وسعفص وقرشت ملوكًا بمدين, وقيل: ببلاد مصر, وكان كلمن على ملك مدين, ومن الناس من رأى أنه كان ملكًا على جميع من سمينا مشاعًا متصلًا على ما ذكرنا, وأن عذاب يوم الظلة كان في ملك كلمن منهم"١. وأورد "المسعودي" أبياتًا زعم أن "المنتصر بن المنذر المديني" قالها في هؤلاء الملوك, هي: ألا يا شعيب قد نطقت مقالة ... أتيت بها عمرًا وحيّ بني عمرو هُمُ ملكوا أرض الحجاز بأوجهٍ ... كمثل شعاع الشمس في صورة البدر ملوك بني حُطّي وسعفص ذي الندى ... وهوّز أرباب البنيّة والحجر وهم قطنوا البيت الحرام ورتبوا ... خطورًا وساموا في المكارم والفخر٢ وقد وردت في "تاج العروس" على هذا النحو, وقد نسب قولها إلى رجل من أهل مدين، ذكر أنه قالها يرثيهم: ألا يا شعيب قد نطقت مقالة ... سبقت بها عمرًا وحيّ بني عمرو ملوك بني حطي وهوّز منهم ... وسعفص أهل في المكارم والفخر هم صبحوا أهل الحجاز بغارة ... كمثل شعاع الشمس أو مطلع الفجر٣ وروى أن "عمر بن الخطاب" لقي أعرابيًا فسأله هل تحسن القراءة؟ فقال: نعم. قال: فاقرأ أم القرآن؟ فقال الأعرابي والله ما أحسن البنات فكيف الأم! فضربه عمر بالدرة وأسلمه إلى الكتاب ليتعلم. فمكث حينًا ثم هرب, ولما رجع لأهله أنشدهم:

стр. 5254

أتيت مهاجرين فعلموني ... ثلاثة أسطر متتابعات كتاب الله في رقٍ صحيح ... وآيات القرآن مفصلات فخطّوا لي أبا جاد وقالوا ... تعلم سعفصًا وقريشات وما أنا والكتابة والتهجي ... وما حظ البنين مع البنات١ ويرجع أهل الأخبار "الروادف", أي: الحروف: الثاء, والخاء, والذال, والضاد, والظاء, والغين إلى أيام الملوك المذكورين في بعض الروايات. وهي حروف لم ترد في تركيب الأبجديات السامية القديمة؛ لأنها غير واردة في أكثر لهجاتها, لذلك وضعها أهل الأخبار في آخر الأبجدية, فأكملوا بذلك الأبجدية العربية. وقد ألحقها الكتاب بها بعد أن تبين لهم بالطبع أن في العربية حروفًا غير موجودة في الأبجدية المذكورة, فأوجدوها بوضع علامات على الحروف المذكورة التي لم تكن معلمة, فعبرت عن أسماء الحروف الناقصة واستعملوها في الكتابة دون أن يعملوا على إيجاد حروف جديدة للتعبير عن الحروف الناقصة. ولعلماء العربية مثل "سيبويه" والمبرد والسيرافي وغيرهم آراء في الأسماء المذكورة يفهم منها أن منهم من جعل بعض تلك الأسماء مثل: "أبا جاد" و"هواز" و"حطيا" أسماء عربية, وبعضًا منها مثل: سعفص وكلمن وقرشنات أعجميات: ومنهم من جعلها أعجميات٢. ويظهر من مراجعة آرائهم هذه أنهم كانوا قد عرفوا ترتيب حروف الأبجدية على النحو المتقدم, فلما قرءوها على أنها كلمات, كما كان يفعل "بني إرم" وغيرهم في تعليمهم الكتابة والقراءة للمبتدئين تولد عندهم هذا القصص, الذي قد يكون مصدره قصص قديم. ثم تولد لديهم قصص كونهم ملوكًا من مدين, أو رجالًا من أهل الأنبار إلى آخر ما رأيناه من قصص عن منشأ الحروف, ليجدوا بذلك مخرجًا في تعليل تلك المسميات. وذكر بعض أهل الأخبار أن أول من أتى أهل مكة بكتابة العربية "سفيان بن أمية بن عبد شمس", ثم انتشرت٣.

стр. 5255

وترجع أسانيد الروايات المذكورة إلى "عبد الله بن عباس", و"كعب الأحبار", و"الشعبي" و"أبي ذر", و"عوانة", و"ابن الكلبي", و"الشرقي بن القطامي", و"الأصمعي" و"الهيثم بن عدي"١. ويظهر من هذه الروايات ومن روايات أخرى أن رأي علماء العربية أن الخط العربي لم يكن أصيلًا في الحجاز, وإنما دخله من اليمن, أو من العراق أو أرض مدين. وأن أهل مكة إنما تعلموه من الأماكن المذكورة, في وقت غير بعيد عن الإسلام, لا يمكن أن يرتقي عنه بأكثر من قرن, إن لم يكن أقل من ذلك, وفقًا لرواياتهم هذه. وأن أقدم من كتب به هم أهل مكة. ولذلك قدم أهل الأخبار خط أهل مكة على سائر الخطوط التي عرفت في الإسلام. وجعلوه أول الخطوط العربية وبعده المدني, أي: خط أهل المدينة٢. أما أن أصله من اليمن فدعوى لا يمكن الأخذ بها؛ لأن أهل اليمن كانوا يكتبون بالمسند, والمسند بعيد عن هذا القلم الذي يسميه أهل الأخبار: القلم العربي أو الكتاب العربي أو الخط العربي بعدًا كبيرًا. وقد بقوا يكتبون بقلمهم هذا زمنًا في صدر الإسلام. ثم إن الروايات التي ترجع علم مكة بالخط إلى اليمن, هي آحاد بالنسبة إلى الروايات الأخرى التي تنسب أخذ الخط من العراق. وأما دعوى مجيئه من مدين, أي: من أعالي الحجاز إلى مكة, فدعوى أراها غير مستبعدة؛ لأن أهل هذه المنطقة كانوا قبل الميلاد وبعده من النبط. والنبط هم عرب. وقد سبق أن تحدثت عنهم. وكانوا يكتبون بخط أخذ من قلم "بني إرم", حروفه منفصلة ومتصلة, وترتيب أبجديته هو ترتيب "بني إرم", أي: "أبجد هوز". وقد طوّروه بعض التطوير, فصار الكاتب بكتب به بالحبر بسرعة, وهو سريع وسهل أيضًا عند حفره على الحجر أو المعدن أو الخشب, ويناسب التاجر والكاتب ورجل الفكر. وقد وصلتنا كتابات كثيرة كتبت به. وفي ضمنها الكتابات الخمسة التي اعتبرها العلماء النموذج الأول والأقدم للكتابات المدونة بلغة قوم كانوا يتكلمون بالعربية, غير أن عربيتهم كانت متأثرة بالنبطية عند الكتابة. أو أنهم كانوا يكتبون بالنبطية, غير أن نبطيتهم لم تكن صافية
следующие страницы →