قد كتبت بهذه الطريقة حسب. وسبب عدم وصول هذه الصحف إلينا, أنها من مادة سريعة العطب, لذلك لم تتمكن من المحافظة على حياتها فذهبت مع أهلها, وقد يعثر على شيء منها مدفون تحت الأرض بصورة يمكن أن يستفاد منها كما استفيد من المسند المنقوش على الحجر.
وورد أن رجلًا قال لابن عباس: "معاشر قريش, من أين أخذتم هذا الكتاب العربي قبل أن يبعث محمد ﷺ تجمعون منه ما اجتمع, وتفرقون منه ما افترق مثل الألف واللام؟ قال: أخدناه من حرب بن أمية. قال: فممن أخذه حرب؟ قال: من عبد الله بن جدعان, قال: فممن أخذه ابن جدعان؟ قال: من أهل الأنبار, قال: فممن أخذه أهل الأنبار؟ قال: من أهل الحيرة, قال: فممن أخذه أهل الحيرة؟ قال: من طارئ طرأ عليهم من اليمن من كندة. قال: فممن أخذه ذلك الطارئ؟ قال: الخفلجان بن الوهم كاتب الوحي لهود, ﵇"١.
وذكر بعض العلماء أن أول من وضع الخط العربي وألّف حروفه وأقسامه ستة أشخاص من طسم, كانوا نزولًا عند عدنان بن أدد, وكانت أسماؤهم: أبجد, هوز, حطي, كلمن, سعفص, قرشت, فوضعوا الكتابة والخط على أسمائهم, فلما وجدوا في الألفاظ حروفًا ليست في أسمائهم ألحقوها بها, وسموها الرّوادف, وهي: ثخذ ضظغ٢.
وذكر بعض أهل الأخبار أن "كلمن" كان رئيس ملوك مدين الذين وضعوا الكتابة العربية على عدد حروف أسمائهم, وقد هلكوا يوم الظلة, فقالت ابنة كلمن ترثي أباها:
كلمن هدم ركني ... هلكه وسط المحله
سيد القوم أتاه الـ ... حتف نارًا وسط ظله
جعلت نار عليهم ... دراهم كالمضمحله٣
стр. 5252
ويوم الظلة غيم تحته سموم, أو سحابة أظلتهم, فاجتمعوا تحتها مستجيرين بها مما نالتهم من الحر, فأطبقت عليهم١. وقد أشير إلى عذاب يوم الظلة في القرآن الكريم٢. وذكر أن هذا العذاب أصاب قوم "شعيب" لتكذيبهم رسالته, فرفع الله غمامة فخرجوا إليها ليستظلوا بها فأصابهم عذاب عظيم. التهبت عليهم وأحرقتهم٣. ولما كان أبجد هوز ملوك مدين, وأهل مدين هم قوم شعيب, ربط أهل الأخبار مصيرهم بمصير قوم شعيب, وجعلوا نهايتهم يوم الظلة. فالكتابة على رأي هؤلاء تعود إلى هؤلاء الملوك, الذين هلكوا بذلك اليوم.
ورويت الأبيات على هذه الصورة:
كلمن هدّم ركني ... هُلكهُ وسط المحله
سيد القوم أتاه الـ ... حتف تحت ظله
كونت نارًا, وأضحت ... دار قومي مضمحله٤
ووردت على هذه الصورة:
كلمن هدّم ركني ... هلكه وسط المحله٥
سيد القوم أتاه الـ ... حتف نارًا وسط ظله
جعلت ناراً, عليهم ... دارهم كالمضمحله٦
وقد تعرض "المسعودي" لموضوع الحروف, فقال: "وقد كانوا عدة ملوك تفرقوا في ممالك متصلة ومنفصلة, فمنهم المسمى بأبي جاد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت, وهم ما ذكرنا بنو المحض بن جندل, وأحرف
стр. 5253
الجمل على أسماء هؤلاء الملوك, وهي التسعة والعشرون حرفًا التي يدور عليها حساب الجمل". "وكان أبجد ملك مكة وما يليها من الحجاز, وكان هوز وحطي ملكين ببلاد وج, وهي أرض الطائف, وما اتصل بذلك من أرض نجد, وكلمن وسعفص وقرشت ملوكًا بمدين, وقيل: ببلاد مصر, وكان كلمن على ملك مدين, ومن الناس من رأى أنه كان ملكًا على جميع من سمينا مشاعًا متصلًا على ما ذكرنا, وأن عذاب يوم الظلة كان في ملك كلمن منهم"١.
وأورد "المسعودي" أبياتًا زعم أن "المنتصر بن المنذر المديني" قالها في هؤلاء الملوك, هي:
ألا يا شعيب قد نطقت مقالة ... أتيت بها عمرًا وحيّ بني عمرو
هُمُ ملكوا أرض الحجاز بأوجهٍ ... كمثل شعاع الشمس في صورة البدر
ملوك بني حُطّي وسعفص ذي الندى ... وهوّز أرباب البنيّة والحجر
وهم قطنوا البيت الحرام ورتبوا ... خطورًا وساموا في المكارم والفخر٢
وقد وردت في "تاج العروس" على هذا النحو, وقد نسب قولها إلى رجل من أهل مدين، ذكر أنه قالها يرثيهم:
ألا يا شعيب قد نطقت مقالة ... سبقت بها عمرًا وحيّ بني عمرو
ملوك بني حطي وهوّز منهم ... وسعفص أهل في المكارم والفخر
هم صبحوا أهل الحجاز بغارة ... كمثل شعاع الشمس أو مطلع الفجر٣
وروى أن "عمر بن الخطاب" لقي أعرابيًا فسأله هل تحسن القراءة؟ فقال: نعم. قال: فاقرأ أم القرآن؟ فقال الأعرابي والله ما أحسن البنات فكيف الأم! فضربه عمر بالدرة وأسلمه إلى الكتاب ليتعلم. فمكث حينًا ثم هرب, ولما رجع لأهله أنشدهم:
стр. 5254
أتيت مهاجرين فعلموني ... ثلاثة أسطر متتابعات
كتاب الله في رقٍ صحيح ... وآيات القرآن مفصلات
فخطّوا لي أبا جاد وقالوا ... تعلم سعفصًا وقريشات
وما أنا والكتابة والتهجي ... وما حظ البنين مع البنات١
ويرجع أهل الأخبار "الروادف", أي: الحروف: الثاء, والخاء, والذال, والضاد, والظاء, والغين إلى أيام الملوك المذكورين في بعض الروايات. وهي حروف لم ترد في تركيب الأبجديات السامية القديمة؛ لأنها غير واردة في أكثر لهجاتها, لذلك وضعها أهل الأخبار في آخر الأبجدية, فأكملوا بذلك الأبجدية العربية. وقد ألحقها الكتاب بها بعد أن تبين لهم بالطبع أن في العربية حروفًا غير موجودة في الأبجدية المذكورة, فأوجدوها بوضع علامات على الحروف المذكورة التي لم تكن معلمة, فعبرت عن أسماء الحروف الناقصة واستعملوها في الكتابة دون أن يعملوا على إيجاد حروف جديدة للتعبير عن الحروف الناقصة.
ولعلماء العربية مثل "سيبويه" والمبرد والسيرافي وغيرهم آراء في الأسماء المذكورة يفهم منها أن منهم من جعل بعض تلك الأسماء مثل: "أبا جاد" و"هواز" و"حطيا" أسماء عربية, وبعضًا منها مثل: سعفص وكلمن وقرشنات أعجميات: ومنهم من جعلها أعجميات٢. ويظهر من مراجعة آرائهم هذه أنهم كانوا قد عرفوا ترتيب حروف الأبجدية على النحو المتقدم, فلما قرءوها على أنها كلمات, كما كان يفعل "بني إرم" وغيرهم في تعليمهم الكتابة والقراءة للمبتدئين تولد عندهم هذا القصص, الذي قد يكون مصدره قصص قديم. ثم تولد لديهم قصص كونهم ملوكًا من مدين, أو رجالًا من أهل الأنبار إلى آخر ما رأيناه من قصص عن منشأ الحروف, ليجدوا بذلك مخرجًا في تعليل تلك المسميات.
وذكر بعض أهل الأخبار أن أول من أتى أهل مكة بكتابة العربية "سفيان بن أمية بن عبد شمس", ثم انتشرت٣.
стр. 5255
وترجع أسانيد الروايات المذكورة إلى "عبد الله بن عباس", و"كعب الأحبار", و"الشعبي" و"أبي ذر", و"عوانة", و"ابن الكلبي", و"الشرقي بن القطامي", و"الأصمعي" و"الهيثم بن عدي"١.
ويظهر من هذه الروايات ومن روايات أخرى أن رأي علماء العربية أن الخط العربي لم يكن أصيلًا في الحجاز, وإنما دخله من اليمن, أو من العراق أو أرض مدين. وأن أهل مكة إنما تعلموه من الأماكن المذكورة, في وقت غير بعيد عن الإسلام, لا يمكن أن يرتقي عنه بأكثر من قرن, إن لم يكن أقل من ذلك, وفقًا لرواياتهم هذه. وأن أقدم من كتب به هم أهل مكة. ولذلك قدم أهل الأخبار خط أهل مكة على سائر الخطوط التي عرفت في الإسلام. وجعلوه أول الخطوط العربية وبعده المدني, أي: خط أهل المدينة٢.
أما أن أصله من اليمن فدعوى لا يمكن الأخذ بها؛ لأن أهل اليمن كانوا يكتبون بالمسند, والمسند بعيد عن هذا القلم الذي يسميه أهل الأخبار: القلم العربي أو الكتاب العربي أو الخط العربي بعدًا كبيرًا. وقد بقوا يكتبون بقلمهم هذا زمنًا في صدر الإسلام. ثم إن الروايات التي ترجع علم مكة بالخط إلى اليمن, هي آحاد بالنسبة إلى الروايات الأخرى التي تنسب أخذ الخط من العراق.
وأما دعوى مجيئه من مدين, أي: من أعالي الحجاز إلى مكة, فدعوى أراها غير مستبعدة؛ لأن أهل هذه المنطقة كانوا قبل الميلاد وبعده من النبط. والنبط هم عرب. وقد سبق أن تحدثت عنهم. وكانوا يكتبون بخط أخذ من قلم "بني إرم", حروفه منفصلة ومتصلة, وترتيب أبجديته هو ترتيب "بني إرم", أي: "أبجد هوز". وقد طوّروه بعض التطوير, فصار الكاتب بكتب به بالحبر بسرعة, وهو سريع وسهل أيضًا عند حفره على الحجر أو المعدن أو الخشب, ويناسب التاجر والكاتب ورجل الفكر. وقد وصلتنا كتابات كثيرة كتبت به. وفي ضمنها الكتابات الخمسة التي اعتبرها العلماء النموذج الأول والأقدم للكتابات المدونة بلغة قوم كانوا يتكلمون بالعربية, غير أن عربيتهم كانت متأثرة بالنبطية عند الكتابة. أو أنهم كانوا يكتبون بالنبطية, غير أن نبطيتهم لم تكن صافية
стр. 5256
نقية, بل كانت متأثرة بلغتهم اليومية العربية. وفي ضمنها كتابة "النمارة" التي يعود عهدها إلى سنة "٣٢٨" للميلاد, وكتابة "حرّان اللجا" التي هي أقرب هذه الكتابات إلى عربيتنا. ونظرًا إلى ما نجده من تشابه في رسم الحروف بين أقدم الكتابات العربية وبين الخط النبطي, وفي قواعد الإملاء وترتيب الأبجدية, فلا يستبعد أن يكون أهل مكة قد أخذوا هذا الخط فكتبوا به. باحتكاكهم بأهل أعالي الحجاز وبلاد الشأم حيث كانوا يتاجرون معهم, أو بمجيء النبط إليهم للاتجار تعلمه أهل مكة منهم.
وذهب الدكتور "خليل يحي نامي", إلى أن أصل الكتابة العربية من الحجاز, لما كان للحجاز من مكانة روحية عند العرب ولاشتغالهم بالتجارة. والمكانة الروحية والتجارة تستدعيان القراءة والكتابة, أخذوها من التجار النبط الذين كانوا يتوافدون عليهم للاتجار أو من اختلاطهم بالنبط أثناء ذهابهم إلى بلاد الشأم. فهو يرى أن الخط النبطي هو والد الخط العربي, ودليله أن ترتيب الحروف على طريقة أبجد هوز, وترتيبها من حيث حساب الجمل, أي: جعل كل حرف من حروف أبجد هوز في مقابل رقم حسابي, يردان في عربيتنا على نحو ما ورد عند النبط. مما يدل على أن الخط العربي أخذ من ذلك الخط, أضف إلى ذلك تشابه رسم الحروف المنفصلة والمتصلة في القلمين١.
وأما موضوع أخذ أهل مكة خطهم المذكور من العراق, فرأي لا أستبعده أيضًا, فقد كان عرب العراق يكتبون, ولهم مدارس لتعليم الكتابة ملحقة بالكنائس والأديرة, وقد كان بين أهل مكة وبين عرب العراق ولا سيما الأنبار والحيرة اتصال تجاري وثيق, وكان تجار مكة يأتون بتجارتهم إلى الحيرة ويقيمون بها, فلا يستبعد تعلمهم أو تعلم بعضهم الخط من أهل الحيرة ومن أهل الأنبار. كما كان للتبشير يد في نقل هذا الخط إلى الحجاز وربما إلى مواضع أخرى من جزيرة العرب. وقد كان هؤلاء المبشرون يكتبون بقلم نبطي أو بقلم إرمي متأخر, وهو والد القلم العربي الذي نكتب به. وقد كان المبشرون من أهل العراق نشطون في التبشير في جزيرة العرب, فلا يستبعد أن يكون من بينهم مبشرون حيريون
стр. 5257
نقلوا الكتابة إلى "دومة الجندل" والحجاز ومواضع أخرى من جزيرة العرب.
وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن كتبة الوحي, إنما كتبوا بخط أُخذ من "الجزم", أي: من خط أهل الحيرة. وذلك بحكم اتصال أهل مكة بالحيرة, اتصالًا تجاريًّا, فتعلموه منهم١. فهم يوافقون بذلك بعض الروايات العربية التي ترجع علم أهل مكة بالكتابة إلى الحيرة.
وقد بقي أهل الحيرة يكتبون للولاة, ويقرءون عليهم مايرد إليهم من رسائل أهل العراق وبلاد الشأم, وذلك لحسن خطهم وإتقانهم الكتابة. فكان لأبي موسى الأشعري كاتب, ولما سأله "عمر" عن سبب اتخاذه كاتبًا من النصارى أجابه: "له دينه ولي كتابته". ولما أراد "عمر" اختيار كاتب حاذق حافظ ذكر له غلام نصراني من أهل الحيرة٢.
ومما يلفت النظر ويسترعي الانتباه, هو أن المنطقة التي يذكر أهل الأخبار أنها كانت الأرض التي نبت بها الخط العربي, وهي الأنبار والحيرة, لم تعط الباحثين حتى الآن أي نص مكتوب. كما أن مكة المدينة الآخذة للخط لم تعطنا أيضًا أي نص جاهلي مكتوب. مع أن نصوص هذه الأرضين تهمنا بصورة خاصة, لما لها من علاقة بالخط العربي الذي نتكلم عنه, وباللغة التي نزل بها القرآن الكريم ونظم بها الشعر الجاهلي, وبالأدب الجاهلي. فلم لم تصل نصوص إلينا من العراق ولا من مكة مع أن أهل مكة كانوا يكتبون عند ظهور الإسلام, وكذلك أهل الحيرة كانوا يكتبون, ولهم دواوين في أخبارهم, رجع إليها ابن الكلبي, كما نص على ذلك. هل سبب عدم وصولها, أن الذين كتبوا بهذا القلم إنما كتبوا على مواد سريعة التلف وبالحبر, ولذلك تلفت, ولم تتمكن من العيش طويلًا, كما تلفت مخطوطات أهم منها شأنًا مثل: النسخ الأولى للقرآن الكريم, والنسخ الأصلية من رسائل وكتب الرسول إلى الملوك والأمراء وإلى أصحابه. وكذلك خطوط الخلفاء الراشدين وسجلات دواوينهم وما شاكل ذلك من وثائق. قد يكون ما ذكرته هو السبب في عدم وصول نص من هذه الأرضين إلينا, وقد تكون هنالك أسباب أخرى. على كل, علينا ألاّ نيأس من المستقبل, فلعل
стр. 5258
الباحثين سينقبون في باطن الأرض وينبشون الأماكن الأثرية فيجدون أشياء, هي تحت قشرة الأرض في الوقت الحاضر. فيكون من يأتي بعدنا سعداء بالطبع لوقوفهم على أشياء حرمنا من رؤيتها نحن فصرنا في جهل من أمرها, وصاروا هم في نعيم من العلم.
وقد ذهب "جرجي زيدان" إلى أن المضريين الذين تحضروا وأقاموا في العراق وفي بلاد الشأم, اقتبسوا الكتابة من جيرانهم, فكتب منهم من كتب بالعبرانية وكتب منهم من كتب بالسريانية, ولكن القلمين النبطي والسرياني ظلا عندهم إلى ما بعد الفتوح الإسلامية, فتخلف عن الأول الخط النسخي "الدارج" وعن الثاني الخط الكوفي نسبة إلى مدينة الكوفة. وكان الخط الكوفي يسمى قبل الإسلام الحيري نسبة إلى الحيرة, وهي مدينة عرب العراق قبل الإسلام, وابتنى المسلمون الكوفة بجوارها.
ومعنى ذلك أن السريان في العراق كانوا يكتبون ببضعة أقلام من الخط السرياني, في جملتها قلم يسمونه "السطرنجيلي" كانوا يكتبون به أسفار الكتاب المقدس, فاقتبسه العرب في القرن الأول قبل الإسلام, وكان من أسباب تلك النهضة عندهم وعنه تخلف الخط الكوفي. وهما متشابهان إلى الآن١.
ثم تعرض إلى ناقل الخط إلى مكة, فقال: "واختلفوا فيمن نقله إلى بلاد العرب, والأشهر أن أهل الأنبار نقلوه, وذلك أن رجلا منهم اسمه بشر بن عبد الملك الكندي أخو أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل, تعلم هذا الخط من الأنبار وخرج إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان والد معاوية, فعلم جماعة من أهل مكة, فكثر من يكتب بمكة من قريش عند ظهور الإسلام, ولذلك توهم بعضهم أن أول من نقل الخط إلى العرب سفيان بن أمية٢.
ولما أراد ابداء رأيه في أصل الخط العربي جمع بين الرأيين: الرأي القائل أن أصل الخط العربي من العراق, والرأي القائل أن أصله من حوران, فقال: "والخلاصة على أي حال أن العرب تعلموا الخط النبطي من حوران في أثناء
стр. 5259
تجاراتهم إلى الشأم, وتعلموا الخط الكوفي من العراق قبل الهجرة بقليل, وظل الخطان معروفين عندهم بعد الإسلام. والأرجح أنهم كانوا يستخدمون القلمين معًا: الكوفي لكتابة القرآن ونحوه من النصوص الدينية, كما كان سلفه السطرنجيلي يستخدم عند السريان لكتابة الأسفار المقدسة النصرانية, والنبطي لكتابة المراسلات والمكاتبات الاعتيادية. ومما يدل على تخلف القلم الكوفي عن السطرنجيلي –فضلا عن شكله– أن الألف إذا جاءت حرف مدّ في وسط الكلمة تحذف, وتلك قاعدة مطردة في الكتابة السريانية, وكان ذلك شائعا في الإسلام, وخصوصا في القرآن, فيكتبون "الكتب" بدل "الكتاب", و"الظلمين" بدل "الظالمين"١.
والقلم الكوفي هو من أقدم الأقلام العربية الإسلامية. وهو كما ذكرت قبل صفحات, قريب الشبه بالقلم السطرنجيلي, قلم المصاحف عند نصارى العراق, ومن أجلّ أقلامهم لاستخدامه في كتابة الكتابات الدينية, ومنها الأناجيل. وقد أُخذ من القلم الحيري على ما يظهر؛ لأن أهل الحيرة كانوا يكتبون "الجزم", والجزم وليد السطرنجيلي؛ ذلك لأن الكوفة نشأت في خلافة "عمر", فانتقل إليها في جملة من انتقل إليها أهل الحيرة, الكتاب بالقلم الجزم. ولهذا صار قلم الكوفة ثقيلا في الكتابة ذا زوايا مربعة وحروفًا مستقيمة, والكتابة تميل إلى التربيع٢. وقد أخذ من "الجزم"٣, ونسب إلى الكوفة لظهوره لأول مرة بها في الإسلام.
ولا يستبعد أيضا أخذ أهل مكة خطهم المدور المسمى "النسخ" من "حوران" أو من "البتراء" و "العلا" فبين مكة والمكانين المذكورين اللذين سكن بهما النبط اتصال وثيق. أو من الحيرة والأنبار. فالخط المدور هو قلم النبط المتأخر, وقلم كتبة العراق أيضًا, وهو والد القلم "النسخ". ومن الخطأ اعتبار "النسخ" وليد الخط الكوفي٤؛ لأن الخط الكوفي هو الجزم أو قلم آخر مثله اشتق من القلم المربع الزوايا "السطرنجيلي", بينما النسخ وليد القلم المدور الذي أستطيع تسميته
стр. 5260
بالمشق مجاراة للبطليوسي, الذي شخصه بأنه قلم أهل الأنبار.
ويرى بعض الباحثين أن القلم العربي قد أخذ من قلم بني إرم. وذلك أن السريان الذين هم من "بني إرم" كانوا قد طوروا القلم الإرمي, وكتبوا بقلمين: قلم قديم كتبت به الأناجيل والكتب المقدسة, وهو المربع, ذو الحروف المستقيمة ذات الزوايا المربعة, الذي هو الخط "السطرنجيلي", وقلم سهل ذو جروف مستديرة, أي على شكل أقواس, هو قلم النسخ. وقد عرف العرب القلمين وكتبوا بهما, فسموا السهل النسخ والآخر الكوفي١.
وحجتهم في ذلك أن القلم العربي أخذ بترتيب "أبجد هوز حطي", وهو ترتيب وجد في لغة "بني إرم", كما أخذ بهذا الترتيب بحساب الجمل. وهو ترتيب موجود عند بني إرم أيضًا. كما أخذ بقواعد من قواعد رسم الحروف في الإملاء موجودة في خط "بني إرم", مثل قاعدة ربط أو فصل الحروف عند تدوين الكلمة, وقاعدة حذف الألف عند وقوعه في وسط الكلمة, في رحمان ومساكين ويتامى ومساجد وكتاب وإبراهيم وإسحاق وإسماعيل, فإنها كتبت في خط المصاحف بدون ألف. ومثل حذف ألف فاعل وتفاعل في السريانية وفي العربية أيضًا, كما في بارك حيث كتبت "برك" في خط المصاحف, ومثل حذف الألف من ضمير الجمع المتكلم "نا", كما في "أرسلنك" و"اصطفينه" و"بشرنه", في موضع "أرسلناك" و"اصطفيناه" و"بشرناه", وذلك في خط المصاحف, وحذف ألف جمع المؤنث السالم في السريانية وفي العربية, كما "صدقت" و"طيبت", بدلا من صدقات وطيبات. ومن هذا القبيل أيضًا, تدوين "شهد" و"كفرين", بدلا من شاهد وكافرين. ومثل حذف ياء المتكلم في السريانية وفي القلم العربي القديم, كما في كتابة يرب في موضع يا ربي٢.
ورأيي أن القول الجزم في أصل قلم أهل مكة, هل هو من العراق أو من بلاد الشأم, يجب أن يكون للكتابات. فمتى عثرنا على كتابات مدونة بالعربية
стр. 5261
بالحيرة أو بالأنبار أو بالأماكن الأخرى من العراق تعود إلى الجاهلية وإلى صدر الإسلام وعلى كتابات مثلها من حيث الزمن يعثر عليها في بلاد الشأم وفي الحجاز أو نجد أو أي مكان آخر من جزيرة العرب, وقارناها بعضها ببعض, وطابقنا فيما بين خطوطها ورسم حروفها وما شاكل ذلك, جاز لنا حينئذ القول بأصل قلم مكة والأقلام الأخرى المشابهة له. وبأصل اللغة التي دونت به, ومزاياها والأماكن التي كانت تتكلم بها. وعندئذ نحل مشكلة أصل اللغة العربية الفصحى أيضًا, وهي من أهم مشكلات تأريخ الأدب الجاهلي ولا شك.
وأما جمهرة المستشرقين المعاصرين الذين عنوا بدراسة تطور الخطوط السامية, ومنشأ الخطوط العربية, فقد رأوا أن الخط العربي الذي دوّن به القرآن أخذ من الخط النبطي المتأخر الذي كان يستعمله النبط, وهو خط تولد من القلم الإرمي المتفرع من الفينيقية على رأي المستشرق "هومل"١. وقد استعمل في تيماء وبين النبط الذين كانوا يقيمون في أعالي الحجاز وفي سيناء٢. وقد عثر على كتابات دونت به في مواضع مختلفة من الحجاز واليمن.
وسند القائلين بهذا الرأي ودليلهم هو عدد من الكتابات عثر عليها السياح, كتبت بلهجة غير بعيدة عن اللهجة العربية التي نزل بها القرآن, وبحروف مرتبطة, وبالقلم النبطي المتأخر الشبيه جدّا بأقدم الخطوط العربية ولا سيما الكوفية منها. ومن مميزاته ارتباط بعض حروفه ببعض وكتابة بعض الحروف في نهاية الكلمة بشكل يختلف عن رسم الحروف التي من نوعها المستعملة في أوائل الكلمة أو أواسطها.
ولهذه الكتابات على قلة عددها أهمية كبيرة لدى العلماء, لما لها من خصائص ومميزات لغوية تفيد في دراسة تطور اللهجات العربية, وفي دراسة تطور القلم العربي. وقد تكون مقدمة لعدد آخر من الكتابات المكتوبة بهذا الخط.
стр. 5262
وأقدم هذه الكتابات الكتابة التي يقال لها: كتابة "أم الجمال" الأولى ويعود تأريخها إلى سنة "٢٥٠" أو "٢٧٠" للميلاد. وقد وضعت شاهدا على قبر "فهر برسلي" "فهر بن سلي" مربي "جديمت" "جدمت" "جديمة" جذيمة ملك "تنوح" "تنوخ", وعثر عليها في موضع يقال له: "أم الجمال", في جنوب حوران من أعمال شرق الأردن١. ويعتقد "ليتمان", أن تأريخ هذا النقش لا يبعد كثيرا عن تأريخ كتابة أخرى هي كتابة النمارة "ن م ر ت". ونجد في هذه الكتابة حروفا غير مرتبطة وحروفا مرتبطة مشابهة لبعض حروف الخط الكوفي. وقد كتبت بالإرمية, ومع ذلك فإن لها أهمية لوجود أسماء عربية فيها؛ ولأن القبائل العربية الشمالية كانت تستعمل الإرمية في الكتابة٢.
وقد عثر الباحثون على كتابات معدودة سبقت هذه الكتابة, دُوّنت بالقلم النبطي أيضًا, هي كتابة عثر عليها في "وادي المكتب" في طور سيناء, يعود تأريخها إلى سنة "١٠٦" من سقوط "سلع", المقابلة لسنة "٢١٠" للميلاد, وكتابة ثانية يعود تأريخها إلى سنة "١٢٦" من سقوط "سلع", أي: سنة "٢٣٠" للميلاد. وقد وجدت في وادي فران بطور سيناء كذلك, وكتابة ثالثة هي من كتابات "طور سيناء" أيضًا, وقد أرخت بسنة "١٤٨" من سقوط "سلع", أي: سنة "٢٥٣" للميلاد, وكتابة رابعة عثر عليها في الحجر, وتأريخها سنة "١٦٢" من سقوط "سلع", أي: سنة "٢٦٧" للميلاد.
ولكن هذه الكتابات بعيدة بعض البعد عن القلم العربي, وأما لغتها فنبطية, ونجد نص "الحجر" "مدائن صالح", وقد حوى كلمات كتبت بقلم ثمودي. ولذلك فإن له ميزة من هذه الناحية على الكتابات الأخرى, ومنطقة الحجر من
стр. 5263
المناطق التي عثر فيها على عدد من كتابات قوم ثمود. ونظرا إلى أن خط نص "أم الجمال" أقرب إلى الخط العربي من الكتابات المذكورة التي سبقته, لذلك قدمته عليها.
وتلي كتابة أم الجمال الأولى في الزمن كتابة النمارة, وقد عثر عليها المستشرق الفرنسي "دوسو" "M. René Dussaud" في النمارة في الحرة الشرقية من جبل الدروز, و"النمارة" قصر صغير كان للروم. وجدها على قبر امرئ القيس الأول بن عمر ملك العرب المتوفى في يوم ٧ بكسلول من سنة ٢٢٣, المقابلة لسنة ٣٢٨ للميلاد, وقد دونت سنة الوفاة, وهي سنة تأريخ الكتابة كذلك وفقا لتقويم "بصرى" وهو التقويم الذي كان يستعمله عرب هذه الأطراف ونبطها. وتعدّ هذه الكتابة أول كتابة وأقدم كتابة عثر عليها حتى الآن مدونة باللهجة العربية الشمالية القريبة من لهجة القرآن, وإن كتبت بالقلم النبطي المتأخر وبأسلوب متأثر بالإرمية١.
وعثر على كتابة في خرائب "زبد" بين قنسرين ونهر الفرات جنوب شرقي حلب, كتبت بثلاث لغات: اليونانية والسريانية والعربية, يرجع تأريخها إلى سنة "٦١٢" للميلاد "٨٢٣" للتقويم السلوقي٢. والمهم عندنا هو النص العربي, ولا سيما قلمه العربي. أما من حيث مادته اللغوية, فإن أكثر ما ورد فيه أسماء الرجال الذين سعوا في بناء الكنيسة التي وضعت فيها الكتابة٣. وقد قرأ العالم "ليدزبارسكي" الكلمة الأولى منه "بسم". أما الكلمة الثانية, فهي "الإله" فأصبح مطلع النص: "بسم الإله", فإذا كانت القراءة هذه صحيحة, تكون لكلمة "بسم الإله" أهمية كبيرة في موضوع الفكرة الدينية. أما العالم "ليتمن" فقد قرأ الكلمة الأولى منه "بنصر", فتكون فاتحة النص: "بنصر الإله"٤.
стр. 5264
وقد دوّن النص العربي على هذه الصورة:
١-.. م الإله سرحو بر امت منفو وهنى برمر القيس.
٢- وسرحو بر سعدو وسترو وشريحو بتميمى.
ومعناه: بسم الإله. سرحو بن أمت منفو, وهيء بن امرئ القيس, وسرحو بن سعدو, وستر "ستار" "ساتر" وشريح. أتمّوا.
والنص العربي, ليس ترجمة للنص السرياني أو اليوناني, لذلك ذهب بعض الباحثين إلى احتمال كونه متأخرا بالنسبة إلى النصين المذكورين, أي: إنه كتب بعدهما. وهو يتناول تخليد عمل المذكورين في بناء الكنيسة.
وعثر المستشرقون في حرّان اللجا في المنطقة الشمالية من جبل الدروز على كتابة أخرى مدونة باليونانية والعربية قيل لها: "نقش حَرّان", وقد وضعت فوق باب كنيسة, وصاحبها "شرحيل بر ظلمو" "شراحيل بن ظالم" "شرحيل بن ظالم", ويعود تأريخ الكتابة إلى عام "٤٦٣" من الأندقطية الأولى", وتقابل سنة "٥٦٨" للميلاد١. أما النص العربي, فقد أرخ بسنة "٤٦٣" أيضًا, وأضيف إلى هذا التأريخ عبارة "بعد مفسد خيبر بعم", أي: "بعام". ومعنى هذا أن حدثا تأريخيًّا كان قد وقع قبل هذا التأريخ بسنة صار الناس هنالك يؤرخون به, فأرخ النص به. ويرى "ليتمن" أن ذلك يعني وقوع غزو على خيبر ربما قام به أحد ملوك غسان٢.
وهذا النص هو من أهم النصوص المتقدمة وأكثرها قيمة بالنسبة لمؤرخ اللغة العربية؛ لأنه نص دوّن بلهجة القرآن الكريم, باستثناء أثر سهل للنبطية برز عليه. ولأهميته هذه أدوّنه على نحو ما جاء في النص العربي: "انا شرحيل بر "بن" ظلمو بنيت ذا المرطول "سنت" سنة ٤٦٣ بعد مفسد خيبر "بعم" "بعام". فأنت أمام نص عربي واضح, تفهمه من دون صعوبة ولا مشقة.
стр. 5265
على حين نجد النصوص الأخرى وقد كتبت بنبطية متأثرة بالعربية الشمالية بعض التأثر. ولهذا فإني أفرّق بين هذا النص وبين النصوص السابقة له, وأعدّه أول نص وصل إلينا حتى هذا اليوم كتب بلهجة عربية القرآن الكريم.
وتعد الكتابة التي عثر عليها في موضع "أم الجمال" وقيل لها: كتابة "أم الجمال الثانية" تفريقًًا لها عن كتابة أم الجمال الأولى, أحدث ما عثر عليه من كتابات بهذا القلم الذي نتحدث عنه, وباللهجة النبطية المتأثرة بلهجة القرآن, أو باللهجة العربية الشمالية القريبة من لهجة القرآن. وهي لا تحمل تأريخًا. غير أن من عالج أمرها من المستشرقين يرى أنها تعود إلى القرن السادس للميلاد١. ولغتها قريبة من اللغة العربية المعروفة, كما أنها متحررة من النبطية والإرمية إلى حد كبير.
وعثر في اليمن على بعض كتابات نبطية لعلها من آثار التجار النبط الذين كانوا يذهبون إلى اليمن بقصد التجارة, ولا سيما في القرنين الأولين للميلاد, أو من آثار تجار أهل الحجاز أو من أهل اليمن, كانوا قد تعلموا الكتابة بهذا القلم الذي أخذ ينتشر بعد الميلاد؛ لأنه أسهل في الاستعمال من المسند الذي يحتاج إلى دقة في الرسم, وإلى بطء في الكتابة. ولوحظ أنه إحدى هذه الكتابات كتبت بالقلم النبطي المتأخر الذي يشبه القلم الذي استعمل في نقش "فهر بن سلي"٢.
ولكن العلماء لم يتمكنوا من العثور على عدد كاف من الكتابات المدونة بهذا القلم, تكفي لإصدار حكم علمي عن وقت دخول القلم النبطي المتأخر إلى الحجاز واليمن ومدى انتشاره بين الناس. ولما كان القلم النبطي المتأخر قد ظهر بعد الميلاد على رأي أكثر العلماء, يكون هذا الخط قد وصل الحجاز واليمن بعد الميلاد بالطبع بالاتصال التجاري والقوافل التي كانت تقوم برحلاتها بين اليمن وبلاد الشأم, وبواسطة النصرانية التي وجدت لها سبيلًا إلى اليمن.
ويلاحظ أن الذين كتبوا بالقلم العربي الشمالي, الذي أخذ منه قلم مكة, هم من العرب النصارى في الغالب, فأهل الأنبار, والحيرة, وعين شمس,
стр. 5266
ودومة الجندل, وبلاد الشأم, كانوا من النصارى, فلا أستبعد احتمال استعمال رجال الدين للقلم السرياني المتأخر, الذي كوّن القلم النبطي في كتابة العربية, لحاجتهم إلى الكتابة في تعليم أولاد النصارى الكتابة, وتثقيفهم ثقافة دينية, فكانوا يعلمونها في المدارس الملحقة بالكنائس, وربما نشروها في البحرين, أي: في سواحل الخليج حيث كانت هنالك جاليات نصرانية, وفي الأماكن الأخرى من جزيرة العرب التي كانت النصرانية فيها قد وجدت سبيلًا لها بينها, ولا أستبعد احتمال عثور المنقبين في المستقبل على كتابات مطمورة كتبت بهذا القلم.
وتفيدنا دراسة شكل خط هذه النصوص فائدة كبيرة في الوقوف على تطور الخط العربي, فبين رسم هذه الخطوط وبين رسم أقدم الخطوط العربية الإسلامية تقارب كبير, يشير إلى اشتقاق القلم الذي دوّن به الوحي من هذا القلم, وهو القلم الذي كان يكتب به عرب العراق كذلك على ما أرى. وهو قلم وصل بين حروفه, وفصل في مواضع أخرى. وهو يختلف بذلك عن القلم المسند الذي استعمل حروفًا منفصلة فقط, ولم يعرف الحروف المتصلة, كما أن شكل حروفه بعيد جدًّا عن شكل حروف هذا القلم, وهو أسهل وأسرع في الكتابة على الكاتب من المسند.
ونرى في هذه الصورة التي تضم رسم الحروف في الخط النبطي المتأخر والقلم العربي القديم, تشابهًا كبيرًا في الشكل, ينبئك بوجود نسب بين القلمين, وأن القلم العربي القديم, قد تولد منه. ولا أستبعد أن يكون قلم أهل الحيرة هو هذا القلم نفسه, استعملوه في تدوين العربية. وقد رأينا أن النصوص القليلة المكتوبة بنبطية متأثرة بالعربية, قد كتبت بهذا القلم, وبينها نص "النمارة" الذي هو شاخص قبر "امرئ القيس" أحد ملوك الحيرة.
وإني لا أستبعد احتمال عثور المنقبين والباحثين في المستقبل على كتابات عربية قديمة تعود إلى الجاهلية الملاصقة للإسلام وإلى أيام الرسول بكثرة تمكن العلماء من وضع رأي واضح عن منشأ وتطور الخط العربي القرآني.
وقد استعملتُ جملة "الخط العربي القرآني"؛ لأن القرآن هو في الواقع صاحب الفضل على هذا الخط في تخليده وتثبيته لأمر الرسول بتدوين الوحي به, أي: بهذا القلم العربي القديم الذي أتحدث عنه, الذي أخذه أهل مكة من أهل
стр. 5267
"الحيرة", أو عن "بشر بن عبد الملك" السكوني, من "دومة الجندل" على رواية أهل الأخبار. وإني أرى أن للبحث عن الكتابات العربية القديمة في الحجاز وفي "دومة الجندل" و"الحيرة" و"الأنبار" و"عين التمر", وفي القرى العربية الأخرى التي أقيمت على الفرات وفي بلاد الشأم أهمية كبيرة بالنسبة لبحثنا في تأريخ نشوء وتطور الخط العربي القرآني؛ لأني أكره الطرق التي يأخذ بها بعض الباحثين من اللجوء إلى الحدس والظن في وضع آراء علمية قاطعة ومهمة, مثل الخط ومنشئه وتطوره وما شابه ذلك, لمجرد رأي ورد عند أهل الأخبار, أو ظن مال إليه عالم, وعندي أن آراءًا مثل هذه يجب ألا تقال إلا باستناد على دليل مادي ملموس, مثل أثر, أو مصدر تأريخي قديم محترم.
والصورة التي نراها في الصفحة المقابلة تمثل نماذج من القلمين: القلم النبطي المتأخر, والقلم العربي القديم, مأخوذة من مختلف الصور الأصلية التي عثر عليها العلماء في مختلف الأنحاء من العراق وبلاد الشأم وجزيرة العرب.
ويرى المستشرق "وايل" Weil أن الترتيب الذي يرد للحروف العربية على طريقة: "أبجد هوز حطي.... إلخ", هو ترتيب أخذه العرب من النبط أو اليهود, وقد أخذه النبط والعبرانيون من القلم الإرمي. وتشير هذه الطريقة بكل جلاء إلى اشتقاق القلم العربي من القلم النبطي المتفرع عن الخط الإرمي١. أما الترتيب الذي عند الكنعانيين, فهو هذا الترتيب مع زيادة الأحرف التي اقتضى وجودها في طبيعة لغتهم. ويرى بعض العلماء أن العبرانيين أخذوا ترتيبهم هذا من الكنعانيين٢. ونجد هذا الترتيب عند الفينيقيين أيضًا, ولهذا يرى بعض الباحثين أن العبرانين والآراميين أخذوا الكتابة من الفينيقيين, وأخذوا منهم استعمال الحروف للعدد أيضًا, على نحو ما نجده في العربية من استعمالها في حساب الجمل٣.
وقد وضع علماء العربية بعد "قرشت" التي يمثل حرف "التاء" فيها آخر حروف الأبجدية التي بلغ عدد حروفها اثنان وعشرون حرفًا, الحروف التي لم ترد
стр. 5268
القلم العربي القديم القلم النبطي المتأخر
نماذج من القلمين: النبطي المتأخر والقلم العربي القديم يمثل العمود "١" نماذج من الحروف العربية المستعملة في القرن الأول للهجرة ويمثل العمود "٢" نماذج من حروف كتابتي زبد وحران. وأما العمودان "٣" و"٤" فيمثلان نماذج من كتابة النمارة وبطرا.
стр. 5269
في هذه الأبجدية, ولكنها ترد في العربية, ودعوها بـ"الروادف"١. وضعوها بصورة ينفي عنها كل نشاز قد يظهر بين رسمها ورسم الحروف الأخرى, وذلك باعتمادهم على تكرار الحرف, وبذلك أولدوا الروادف المذكورة٢.
ويظهر من الروايات العربية القديمة أن كتّاب الجاهلية المتصلة بالإسلام وكتّاب صدر الإسلام كانوا يسيرون في تعلم الكتابة على طريقة "أبجد هوز", أي: على طريقة الآراميين والنبط والعبرانيين. وقد ورد في الأخبار أن الناس في أيام "عمر بن الخطاب", كانوا يتعلمون الكتابة على طريقة "أبجد هوز" قال "القلقشندي": "وقد جاء أنها كانت تُعلم في زمن عمر بن الخطاب ﵁ ويشهد لذلك قول الأعرابي في أبياته:
أتيت مهاجرين فَعَلَّمُوني ... ثلاثة أسطر متتابعات
وخطّوا لي أبا جاد وقالوا ... تعلّم سعفصًا وقريشات٣
والترتيب الذي يعمل به الآن في البلاد العربية من الابتداء بالألف ثم بالباء, فالتاء, فالثاء, فالجيم, فالحاء, فالخاء.... هو ترتيب وضع في زمن "عبد الملك بن مروان", عمل به "نصر بن عاصم", و"يحيى بن يعمر" العدواني. وقصد به ضم كل حرف إلى ما يشبهه في الشكل, وقد ساد هذا الترتيب ومشى. وجرى عليه أصحاب الصحاح ولسان العرب والقاموس, وتاج العروس, وأصحاب معاجم اللغة في هذا اليوم٤.
أما ما ورد في بعض الروايات من أن "أبا ذر الغفاري" سأل رسول الله عن الحروف, فقال له: "إنها تسعة وعشرون, وإنها نزلت على ترتيب: "اب ت ث ج", أي: على الترتيب الذي نسير عليه في الوقت الحاضر, وإنه عجب من قول الرسول له إنها تسعة وعشرون؛ لأن حروف العربية هي ثمانية وعشرون,
стр. 5270
ومن تأكيد الرسول له إنها تسعة وعشرون, نزلت كلها على آدم١. فخبر غير صحيح ولا يُعوّل عليه, وهو موضوع, لما ذكرته من أن الترتيب المذكور إنما ظهر في الإسلام.
هذا وإن مما يؤسف له كثيرًا أننا لا نملك اليوم كتابة واحدة من الكتابات المدونة في أيام الرسول, ولا نملك أي نسخة من نسخ القرآن أو من صحفه المدونة في أيامه. فلا نملك اليوم نسخة حفصة للقرآن الكريم, ولا نسخة "عثمان بن عفان"٢ ولا النسخ التي دونت بأمره لتوزع على الأمصار, ولا أية نسخ أخرى من النسخ التي دوّنها الصحابة لأنفسهم. ولا نملك النسخ الأصلية للمراسلات التي كان يأمر الرسول بتدوينها لترسل إلى الملوك أو سادات القبائل والأمراء. نعم يقال: إن هناك نسخًا من المصاحف ترجع إلى أيام الخلفاء, وقد دوّن بعض منها بأقلام أجلّة الصحابة, وأن هناك بقية من رسائل الرسول وأن هناك كتابات يرجع تأريخها إلى أيام الرسول٣, ولكن المتبحرين في العلم العارفين بكيفية تثبيت أعمار الوثائق لم يتمكنوا من البت في صحة هذه الدعاوى, ولم يقطعوا بصحة هذه الوثائق. لذلك فليس لنا أمام هذه الحجج التي أبديت عن هذه الآثار سوى التحفظ والتوقف عن إبداء رأي فيها, فلعل الأيام تهيئ للقادمين من بعدنا وثائق جديدة تعود إلى الأيام التي نبحث فيها.
هذا وإن من الممكن التثبت في الوقت الحاضر من صحة الوثائق المنسوبة إلى أيام الرسول أو أيام من جاء بعده, بعرضها على الفحوص المختبرية الحديثة, التي باستطاعتها تقدير أعمارها, وتثبيت أسنانها, ولكني لا أعلم أن أحدًا عرض هذه الوثائق لمثل هذه الفحوص.
هذا وللمادة التي دونت عليها تلك الكتابات ولندرة الورق إذ ذاك ولغلاء ثمنه, ولعدم إدراك الناس في ذلك الوقت لأهمية حفظ الوثائق, ولتعرض تلك الوثائق إلى عوامل عديدة من عوامل التلف والبلى مثل: الحريق والماء والأرضة وما شاكل
стр. 5271
الفصل الثاني والعشرون بعد المائة: المسند ومشتقاته
مدخل
...
الفصل الثاني والعشرون بعد المائة: المسند ومشتقاته
والمسند من الأقلام العتيقة، وهو أعتق من القلم النبطي المتأخر، وهو أقدم الأقلام التي عرفت في جزيرة العرب حتى الآن. وقد أظهرت الاكتشافات الحديثة أن استعماله لم يكن قاصرًا على اليمن فحسب، بل لقد كان القلم المستعمل في كل أنحاء بلاد العرب. وقد استعمله العرب في خارج بلادهم أيضًا؛ لأنه قلمهم الوطني الذي كانوا به يكتبون فعثر في موضع قصر البنات على طريق "قنا" على كتابات بهذا القلم١، كما عثر على كتابة بهذا القلم كذلك بالجيزة كتبت "في السنة الثانية والعشرين من حكم بطلميوس بن بطلميوس". وهي ليست بعد سنة "٢٦١" قبل الميلاد بأي حال من الأحوال٢. وعثر على كتابات بالمسند في جزيرة "ديلوس" من جزر اليونان٣.
стр. 5272
وذكر السائح الإنكليزي "وليم كنت لوفتس" William Kennett Loftus أنه لاحظ فجوة في "وركاء" Uruk في العراق؛ فبحث فيها فتبين له أنها كانت قبرًا وجد في داخله حجر مكتوب بالمسند، فيه: إن هذا قبر "هنتسر بن عيسو بن هنتسر"١.
ولهذه الكتابة المدونة بالمسند، أهمية كبيرة جدًّا؛ لأنها أول كتابة وجدت بهذا الخط في العراق. وهي تشير إلى الروابط الثقافية التي كانت بين اليمن والعراق، وإلى وجود أشخاص في هذا المكان يستعملون المسند، سواء أكانوا عراقيين أم يمانيين.
وقد عثر على كتابات بالمسند في مواضع من الحجاز، ويظهر أنه كان قلم الحجازيين قبل الميلاد. وقد وصل هذا القلم إلى بلاد الشأم. فقد عثرت بعثة علمية قامت بأعمال الحفر في ميناء "عصيون كبر" عصيون جابر" Ezion Geber على جرار عليها كتابات بحروف المسند, رأى بعض العلماء أنها معينية، تفصح عن الأثر العربي في هذا الميناء المهم الذي حاول سليمان أن يجعله ميناء إسرائيل على البحر الأحمر٢.
ويظهر من روايات أهل الأخبار أن غير أهل اليمن، لم يكونوا يستعملون المسند في كتابتهم، ولا يتعاطونه، كالذي يستفاد من قصة "قيسبة بن كلثوم السكوني"، وكان ملكًا وقع في أسر بني عامر بن عقيل، فذكر أنه كتب بالسكين على مؤخرة رجل أبي الطمحان حنظلة بن الشرقي أحد بني القين بالمسند، يخبر قومه بوقوعه في الأسر. ولم يكن أحد من غير أهل اليمن يكتب بالمسند،
стр. 5273
فلما قرأه القوم، ساروا إلى بني عامر، وفتكوا بهم، وأنقذوا قيسبة منهم١. ورواية أهل الأخبار هذه لا يمكن أن تكون دليلًا على عدم وقوف غير أهل اليمن على المسند في العهود البعيدة عن الإسلام. ولا على عدم استعمالهم لذلك القلم في حياتهم اليومية؛ لأن علم أهل الأخبار بأحوال الجاهليين لا يرتقي كما سبق أن قلت إلى عهود بعيدة عن الإسلام، ولأن في أكثر الذي ذكروه عنهم، قصص ونسج خيال، يستوي في ذلك حتى ما ذكروه عن الجاهلية الملاصقة للإسلام، ثم إن في الذي عثر عليه السيّاح من كتابات مدوّنة بالثمودية أو بأقلام أخرى مشتقة من قلم المسند ما يفند الرواية المذكورة في عدم استعمال غير أهل اليمن للمسند وفي عدم وقوفهم عليه. ويمكن حمل كلامهم في عدم استعمال أهل الحجاز أو غيرهم للمسند على أيام الجاهلية القريبة من الإسلام. حيث ظهر القلم العربي الشمالي.
والرواية لا يمكن أن ترتقي إلى زمن بعيد عن الإسلام. فنحن نعلم أن "حنظلة بن شرقى" المعروف بالطمحان، وهو من "بني القين بن جسر"٢ كان شاعرًا فاسقًا من المخضرمين، وكان نديمًا للزبير بن عبد المطلب في الجاهلية، ثم أدرك الإسلام٣، ولو صدقنا الرواية المذكورة وأخذنا بها، وجب أن تكون الكتابة قد وقعت قبيل الإسلام، ومعنى ذلك أن "قيسبة" وهو من "بني السكون" كان يكتب بها، أي إن المسند كان معروفًا ويكتب به خارج اليمن في هذا العهد، ولهذا يكون قول "الأصبهاني": "وليس يكتب به غير أهل اليمن"، مغلوطًا؛ لأن "قيسبة" لم يكن من أهل اليمن، حتى يصح قوله.
وكشفت العروض ونجد وأماكن أخرى عن سر كان العلماء يبحثون عنه في شوق، فقدّمت للعلماء عددًا من الكتابات المدونة بالمسند، وبذلك ثبت علميًّا أن "المسند" كان معروفًا قبل الإسلام في كل جزيرة العرب، وربما كان القلم العام للعرب قبل المسيح، أي: قبل ظهور أقلام أخرى ولدت على ما يظن بعد الميلاد، ففي سنة ١٩١١ للميلاد عثر "الكابتن شكسبير٤" "Capt. W. H. Shakespear" على
стр. 5274
كتابتين بالمسند في موضع "حنا" "الحنأة"١ وفي خرائب "ثج" "ثأج" التي تبعد خمسين ميلًا تقريبًا عن ساحل الخليج وزهاء مائة ميل من شمال غربي القطيف٢. وقد نشر ترجمة الكتابتين "ماركليوث"٣. وعثر بعد ذلك على كتابة أخرى في موضع "ثج" "ثأج" دخلت في ملك أمير الكويت، وقد نشر ترجمتها "ركمنس"٤. وهي حجر قبر لشخص من قبيلة "شذب". وعثر على كتابة أخرى في هذا الموضع، وقد بلغ عدد ما عثر عليه في هذا المكان أربع كتابات٥.
وعثر عُمال البترول العربية السعودية الأمريكية "أرامكو" في أثناء الحفر على مقبرة من "عين جوان" "جون" "جاوان"٦ عام ١٩٤٥ للميلاد على حجر مكتوب تكسرت بعض أطرافه بالمعاول قبل معرفته، اتضح بعد أنه حجر قبر لامرأة يقال لها "جشم بنت عمرت" "عمرت" بن تحيو من أسرة "عور"
стр. 5275
"آل عور" من قبيلة شذب١.
واستخرج "كورنول" P. B. Cornwall لوحًا مكتوبًا بالمسند كان مدفونًا في أحد بساتين القطيف، دفنه أصحاب البستان، وقد ذكر أنه نقل من جزيرة "ثاروت" أو من موضع لا يبعد كثيرًا عن القطيف، وقد وجد أن هذا اللوح هو مثل الألواح التي عثر عليها قبلاً، شاهد قبر، وضع على قبر رجل يقال له: "إيليا بن عيي بن شصر من أسرة سمم من عشيرة ذال من قبيلة شذب"٢. ويرى بعض الباحثين أن صاحب القبر كان نصرانيًّا، عاش في القرن الخامس أو السادس للميلاد.
وعثر على شاهد قبر آخر مدّون بالمسند، هو شاهد قبر "شبام بنت صحار بن عنهل بن صامت" من قبيلة "يدعب"، وجد على مقربة من القطيف٣. و"يدعب" بطن من بطون قبيلة "شذب". ويظهر أن قبيلة "شذب" كانت من القبائل المعروفة في العروض، وكانت ذات عدد من البطون، ولا تحمل الكتابة تأريخًا، ويرى الذين درسوها أنها تعود إلى القرن السادس للميلاد. وأما الرقم الذي ذكر في نهاية النص وهو رقم "٩٠"، فالظاهر أنه يشير إلى عمر صاحبة القبر٤.
هذا ما عثر عليه من كتابات بالمسند في العروض. وأما في أواسط جزيرة العرب وفي باطنها وفي الأماكن التي لم يكن يتصور العثور فيها على أثر لحضارة، فقد عثر فيها على كتابات بهذا القلم كذلك، ولهذه الكتابات أهمية كبيرة؛ لأنها أول وثيقة تأريخية لا يتطرق إليها الشك، ترد إلينا عن هذه المناطق التي لم يرد لها ذكر مفصل عند المؤرخين السابقين؛ لأنها أول دليل عملي يثبت انتشار هذا الخط في أواسط جزيرة العرب. عثر "فلبي" في هذه المناطق على فخار وآثار
стр. 5276
أرسلها إلى المتحف البريطاني ظهر أنها تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد. ويظن من فحصها أنها من آثار السبئيين١. كما عثر على كتابات وصور، وبقايا مقابر وعظام.
وقد صور "فلبي" بعض الكتابات، وصور بعضًا آخر رجال شركة البترول العربية السعودية الذين وصلوا إلى هذه المواضع للبحث عن البترول. وقد وصلت تصاوير عدد منها إلى العلماء فنشروا نصوصها وترجماتها. مثل كتابات "القرية" أو "قرية الفأو" التي سبق أن تحدثت عنها. وقد وجد اسم الصنم "ودّ" مكتوبًا بحروف كبيرة بين تلك الكتابات٢، وحيث إن هذه الكنوز الثمينة إنما عثر عليها ظاهرة على سطح الأرض، وحيث إن الباحثين لم يفحصوا الكهوف فحصًا دقيقًا، ولم ينظفوها من الأتربة والرمال التي في داخلها، فإننا نأمل العثور على أشياء ثمينة ذات بال بالنسبة للتأريخ الجاهلي إذا اهتمت الحكومة العربية السعودية بهذا الأمر، وقامت بتجهيز بعثة علمية من المتخصصين بالأثريات العربية، أو سهلت للعلماء وللبعثات سبل الوصول إليها، وحافظت على تلك الآثار من التلف وعبث العابثين.
ووجد "فلبي" كهوفًا ومقابر في مواضع أخرى من "وادي الفأو"، وقد وجدت حيطان بعض الكهوف "سردب" "سرداب" مكسوة بالكتابات "والوسم" والتصاوير المحفورة. ويظهر أن أبنية ضخمة كانت في هذه الأماكن٣.
وعثرت شركة "أرامكو" على رأس نحت من الحجر في "القرية" كتب عليه بالمسند أنه "ثار ونفسي علزن بن قلزن غلونين"٤، أي: "أثر وقبر علزان بن قلزان الغلوني". كما وجدت كتابات بهذا القلم عند جبل عبيد وفي حصن ناطق وفي شمال موضع "خشم كمدة" على مسافة "١٠٠" كيلومتر من شمال قرية
стр. 5277
الفاو في وادي الدواسر١، وفي "وادي هبن" "حبن"٢ على "١٢٠" ميلًا شمال شرقي عدن٣. وفي "عين قرية" على "٣٠" ميلًا تقريبًا من شمال "زفر" وفي "منخلى" في جنوب خشم العرض حيث يعتقد البدو أن هذا الموضع هو بئر من آبار عاد٤.
ولم يفسر علماء العربية سبب تسمية "المسند" مسندًا، وقد قرأت لإسرائيل ولفنسون تعليلًا لتسمية هذا القلم مسندًا، فقال: "والخط المسند يميل إلى رسم الحروف رسمًا دقيقًا مستقيمًا على هيئة الأعمدة. فالحروف عندهم على شكل العمارة التي تستند إلى أعمدة. وعلى العموم فإن لحضارة جنوب بلاد العرب عقلية تنحو نحو الأعمدة في عمارة القصور والمعابد والأسوار والسدود وأبواب المدن.
ومن أجل ذلك يوجد عندهم ميل شديد لإيجاد حروف على هيئة الأعمدة، أي إن الحروف كلها عبارة عن خطوط تستند إلى أعمدة.
وقد تنبه علماء المسلمين إلى شكل هذه الكتابات وأطلقوا عليها لفظة المسند؛ لأن حروفها ترسم على هيئة خطوط مستندة إلى أعمدة"٥.
وهو رأي سبقه إليه "ليدزبارسكي" Lidzbarski إذ أشار إلى أثر العمارة والأعمدة في شكل هندسة حروف الخط المسند٦ وهو تفسير يشبه تفاسير الأخباريين واللغويين للأسماء والأعلام التي لا يعرفون من أمرها شيئًا، فيلجئون إلى الخيال ليبتكر لهم سببًا وتعليلًا يناسب الكلمة، ويتصورون عندئذ أنهم قد أوجدوا السبب, وأن من يأتي بعدهم سيكتفي بذلك ويأخذ به.
وكذلك كوّنت كلمة "المسند" في مخيلة "إسرائيل ولفنسون" ولدى "ليدزبارسكي" فكرة استناد خطوط الحروف وقيامها بعضها إلى بعض استناد المباني،
стр. 5278
وقد وجدا من مباني اليمن وقصورها ما قوّى هذا الخيال عندهما، مع أن كلمة "المسند" التي تطلق في المؤلفات العربية الإسلامية على خط أهل اليمن قبل الإسلام لا علاقة لها بالقصور والمباني، واستناد أجزاء الحرف الواحد بعضها إلى بعض. وإنما تعني شيئًا آخر، تعني خط أهل اليمن القديم لا أكثر ولا أقل. وكلمة "مسند" "مزند"١ في العربية الجنوبية تعني "الكتابة" مطلقًا، وقد وردت في مواضع متعددة من الكتابات والنقوش، فورد في نص أبرهة مثلًا "سطرو ذن مزندن"، وترجمتها: "سطروا هذه الكتابة"، وتؤدي كلمة "سطرو" المعنى نفسه الذي يرد في لغتنا، وهو: "سطروا"، أي: كتبوا ودوّنوا، فكلمة "مزندن" التي صارت "المسند" في عربيتنا تعني في العربية الجنوبية ما تعنيه كلمة الخط أو الكتابة في لغة القرآن، ولم تكن مخصصة عند اليمانيين بخط حمير، أو غير حمير، وإنما حدث هذا التخصيص في المؤلفات الإسلامية فصار فيها "المسند" اسم علم لخط حمير وحده. ولا ندري متى حدث ذلك: أحدث في الجاهلية المتصلة بالإسلام أم في الإسلام؟
وإذا كان هذا التخصيص قد وقع في الإسلام، فإننا لا نستطيع أيضًا التكهن عن الوقت الذي ظهر فيه هذا التخصيص؛ لأننا لا نملك مصادر إسلامية تشير إلى هذا ولا مؤلفات من صدر الإسلام يمكن أن نجد فيها ما نبحث عنه.
ويتألف المسند من تسعة وعشرين حرفًا. وأبجديته مثل الأبجديات السامية الأخرى من حيث إنها تتألف من الحروف الصامتة ولا حركة في الكتابة فيها ولا ضبط في أواخر الكلمات ولا علاقة للسكون أو للتشديد. ويفصل بين الكلمة والكلمة التي تليها فاصل هو خط مستقيم عمودي. وقد يكتب الحرف المشدّد مرتين كما في اللغات الأوروبية.
ومما يلاحظ على الكتابات المعينية أنه لم يطرأ عليها تغيير كبير في العهود التي مرت بها. أما الكتابات السبئية، فيمكن التمييز بين القديم منها والمتأخر في الأسلوب، وفي شكل الكتابة٢.
стр. 5279
وللمسند ميزات امتاز بها عن القلم العربي، فحروفه منفصلة، وهي بشكل واحد لا يتغير بتغير مكان الحرف من الكلمة. فإذا جاء الحرف في أول الكلمة أو في وسطها أو في آخرها، كتب بشكل واحد. وقد جعلت هذه الخاصية لهذا القلم ميزة أخرى، هي ميزة الكتابة به من أي جهة شاء الكاتب أن يبدأ بها. فله أن يكتب من اليمين إلى اليسار وله أن يكتب من اليسار إلى اليمن، وله أن يمزج بين الطريقتين، بأن يكتب على الطريقة الحلزونية، من اليمن إلى اليسار، ثم من اليسار إلى اليمن، ثم من اليمين الي اليسار، أو العكس، وله أن يكتب من أعلى إلى أسفل أو العكس وهكذا، ثم إن حروفه غير متشابهة لذلك لم يعرف المسند الإعجام، ولو كتب له أن يكون قلم المسلمين ليسر لنا اليوم وقتًا ومالًا في موضوع الطباعة به. ولكنه أبطأ في الكتابة نوعًا ما من الخط العربي لشكل حروفه الضخمة بالنسبة إلى الحروف العربية المختزلة، فالخط العربي يمتاز عليه بهذه الناحية فقط. أما موضوع الشكل، فالمسند غير مشكول، بل يكتب بحروف صامتة فقط.
وفي القرن التاسع عشر وما بعده كشف المستشرقون النقاب عن أقلام أخرى لم يعرفها علماء العربية، هي: القلم الثمودي، والصفوي، واللحياني. وكتابات أخرى كتبت بلهجات محلية عثر عليها في الجوف، وفي الحجر وفي العلا، وفي مناطق أخرى كجبل شيحان، وكوكبان، وجبل شمر، لها بعض الخصائص والمميزات اللغوية. والظاهر أن خط هذه الكتابات كان مستعملًا بين السواد في الأمور الشخصية١.
أما القلم الثمودي، فقد عثر على كتاباته في العربية الغربية، وفي الجمهورية العربية السورية وفي المملكة الأردنية الهاشمية وفي الحجاز، فقد عثر على كتاباته في مواضع متعددة من الحجاز، فيما بين المدينة ومكة وعلى مقربة من الوجه والطائف، وفي "ريع الزلالة" عند السيل الكبير على طريق الطائف
стр. 5280
مكة١. وعثر على كتابات ثمودية في "حائل" وأماكن أخرى من نجد وفي اليمن. وفي هضبات شبه جزيرة سيناء٢.
هذا وقد عثر على كتابات ثمودية كثيرة في "ريع الزلالة" "سيل الغربان"، إلى الشمال من الطائف على مسافة أربعين كيلومترًا منها٣. وفي وادي "ألاب"٤، وفي مواضع أخرى من الحجاز ونجد، مما يدل على انتشار الثموديين في مواضع واسعة من جزيرة العرب.
وأما القلم الصفوي، فقد عثر عليه في منطقة الصفاة شرقي الشأم، وفي بادية الشأم، ولا يعني هذا أن هنالك قبائل كانت تُسمى قبائل صفوية، بل هو اصطلاح أطلقه المستشرقون على الخطوط التي وجدت في ناحية الصفاة، وهي تشتمل على كتابات قريبة من كتابة لحيان وثمود. كما عثر على كتابات صفوية في مواضع من بادية العراق، ويوجد عدد منها في ملك مديرية الآثار القديمة العامة في العراق٥. كما عثر على عدد كبير منها في المملكة الأردنية الهاشمية. وقد نشرت نصوص بعض منها في جريدة الآثار للمملكة الأردنية الهاشمية٦.
والمواطن الرئيسي للكتابات اللحيانية هو منطقة العلا، ولا سيما موضع "الخريبة" والصخور الواقعة إلى شرقه، حيث عثر فيها على مئات من الكتابات التي تعود
стр. 5281
إلى شعب لحيان١.
والأقلام الصفوية والثمودية واللحيانية، مثل المسند، ليس لها علامات لا للفتح ولا للكسر ولا للضم ولا للإشباع ولا لاتحاد الفتحة والواو والباء "أي الإمالة Diphthong" إلخ ... كما أن حروفها تأخذ صورًا متعددة، فيرد الحرف الواحد في كل قلم من الأقلام المذكورة بصور مختلفة، ولذلك تجابهنا صعوبات كبيرة في محاولتنا قراءة الكلمات والجمل قراءة صحيحة. ويحتاج القارئ إلى مران طويل ودراسات للهجات العربية الأخرى لضبط الكلمات في هذه اللهجات، ومعرفة معانيها.
وقد لاحظ المستشرقون مشابهة كبيرة بين الأقلام المذكورة وبين المسند، كما وجدوا هذه المشابهة بين عدد من الأقلام التي استعملت في غير جزيرة العرب والمسند، وبعد مقابلات بينها ودراسات ذهبوا إلى تفرعها من المسند. وهذه الأقلام المذكورة كلها متأخرة عن المسند، وتعود تواريخ قسم منها إلى ما قبل الميلاد، ومنها ما يعود تأريخه إلى ما بعد الميلاد.
ومما يلاحظ على هذه الأقلام اختلاف صور أكثر الحروف فيها، فقد تكون للحرف صورتان، وأحيانًا ثلاث صور أو أكثر، غير أن هذا الاختلاف ليس كبيرًا في الغالب بحيث يتعذر معه تمييز أشكال الحرف الواحد، ولا نجد فيها الوضوح والبساطة التي نجدها في المسند، كما لا نجد فيها هذه الخطوط المستقيمة المنقوشة بدقة وعناية في الكتابات المعينية أو السبئية أو الحضرمية أو القتبانية أو الحميرية. فكأن كتّابهم كانوا يرون العجلة في الكتابة والإسراع في التسطير لضيق الوقت. لذلك لم تكن حروفهم دقيقة واضحة.
وأما الأقلام التي تشبه حروفها المسند. واستعملت عند أقوام عاشوا في أقطار لم تكن من جزيرة العرب، فمنها القلم الحبشي القديم، وقد عثر على كتابات به في منطقة "يحا" "بها" Jeha، وهي تمثل أقدم نماذج الكتابات الحبشية، وقلمها هو القلم السبئي القديم. وفي "أكسوم" وتعود إلى القرن الرابع للميلاد٢،
стр. 5282
وكتابات نصرانية كتبت باللهجة "الجعزية" وتعود إلى القرن الخامس للميلاد١.
وقد استعملت في هذه الكتابات الجعزية الأصوات مع الحروف، وبذلك اختلفت عن الأبجديات السامية التي استخدمت الحروف الصامتة فحسب, وذلك بإضافة شيء يشبه الحركات في صلب الحروف يقرأ معها ولا تفهم هي بدونها٢. ومع ذلك احتفظت بالأشكال الأصلية للحروف العربية الجنوبية، ولم تبتعد عنها كثيرًا. ويمكن إدراك أثر المسند في الكتابة الحبشية المستعملة في الوقت الحاضر دون كبير عناء.
وذهب كثير من المستشرقين إلى أثر المسند نفسه أو بالواسطة في عدد من الأقلام الأخرى، منها كتابات عثر عليها في إفريقيا Meroitische Schrift في إحدى اللهجات الكوشية أو النوبية٣. والخط البربري القديم الذي يعود إلى أيام قياصرة روما. والقلم البراهمي "Brahma Script –Devanagari Alphbet"، حيث نلاحظ شبهًا كبيرًا بين حروف هذا القلم والمسند ولا يستبعد أثر المسند فيه؛ لأن العلاقات بين العربية الجنوبية والهند كانت قديمة جدًّا٤.
يظهر أن المسند كان القلم الرئيسي في جزيرة العرب قبل الاسلام، وأن جزيرة العرب كانت تكتب به قبل المسيح. وأن أقلامًا تفرعت منه قبل المسيح وبعد المسيح، لأسباب لا تزال غير واضحة، وقد تكون لأشكال الحروف التي تتطلب دقة في الرسم علاقة بذلك، فمال الكتّاب إلى ابتكار أشكال مرنة لا تحتاج إلى عناية في الرسم، فاستخدموها في الكتابة لسهولتها. فتولدت منه الكتابات المذكورة.
стр. 5283
أصل القلم المسند:
ذكرت أن أكثر المشتشرقين رأوا أن القلم العربي الذي دوّن به القرآن الكريم، أخذ من القلم النبطي المتأخر. أما المسند، فقد رأى كثير منهم أنه اشتق من الأبجديات السامية الشمالية كذلك١. وذهب بعضهم أن أنه تفرع من الأبجديات السينائية, ومنهم من قال: إن الأبجدية العربية الجنوبية تفرعت من نفس الأصل الذي أوجد الخط الفينيقي، فهي لذلك من أقدم الأبجديات المعروفة٢. ونحن إذا أمعنا النظر في شكل الأبجدية الطورسينائية والمسند، نجدهما لا تتشابهان إلا في رسم حرفين أو ثلاثة٣. وتتكون الأبجدية الطورسينائية من اثنين وعشرين حرفًا كالفينيقية والعبرانية. أما الأبجدية العربية الجنوبية فتتألف من تسعة وعشرين حرفًا، أي بزيادة سبعة أحرف عن أبجدية طور سيناء.
وحجة القائلين أن المسند قد أخذ من القلم الفينيقي، وأن الأبجدية الفينيقية هي أقدم الأبجديات وأم الأبجديات٤. ولكننا إذا أمعنا النظر في رسم حروف الأبجديتين، نجد التشابه بينهما في هيئة الحروف ورسمها ليس كبيرًا، كما أن الأبجدية العربية الجنوبية تزيد عليها في سبعة أحرف، وهذه الأحرف الزائدة لا تختلف عن الأحرف المشتركة بين الأبجديتين في هندسة الرسم والشكل. فلعل الأبجديتين قد تفرعتا من أصل واحد٥، فلا يعد المسند لذلك فرعًا نبت من الفينيقية.
وزعم نفر من الباحثين في تطور الخط أن المسند مشتق من القلم الكنعاني، ولكن بعض علماء العربية الجنوبية ينكر هذا الرأي. إذ يرى أن المسند أقدم عهدًا من الأبجدية الكنعانية، وأن الكتابات العربية الجنوبية أقدم زمنًا من أقدم الكتابات الكنعانية، فلا يصح إذن القول بأن المسند مشتق من القلم الكنعاني. ومما يلاحظ على الأبجديتين أن الأبجدية الكنعانية يعوزها من الحروف: ذ، ض، ظ، س، "سامخ"، ث، غ. ولكن الأبجديتين تشتركان اشتراكًا تامًّا في الحروف: ج، ط، ل، ن, ع، ش، ق، ت، و. وتختلفان في بعض الحروف
стр. 5284
اختلافًا كبيرًا، وليس بمستبعد أن تكون الأبجديتان قد تفرعتا من أصل واحد.
والرأي عندي أن من الصعب البت في الوقت الحاضر في موضوع أصل المسند؛ لأن صور الأبجديات القديمة الواصلة إلينا لا تزال قليلة، ولا نجد بين صورها وبين صور المسند تشابهًا كبيرًا بحيث يمكن أن نستنبط من هذا التشابه حكمًا يفيدنا في تعيين أصل المسند. والتشابه بين حروف قليلة لا يمكن أن يكون سببًا للحكم باشتقاق خط من خط. وعندي أن الأبجدية العربية الجنوبية تمثل مجموعة خاصة، تفرعت من أصل لا نعرف من أمره اليوم شيئاً؛ لأن شكل حروف المسند لا يشبه شكل حروف الأبجديات المعروفة، فلننتظر فلعل المستقبل يكشف للعلماء النقاب عن أبجديات مجهولة١.
ولا يعقل بالطبع أن يكون أهل العربية الجنوبية قد أوجدوا خطهم من العدم، من غير استعانة بعلم مسبق عن الحروف والأبجديات، بل لا بد أن تكون أبجديتهم قد أخذت من أبجدية أخرى، ومن فرع من فروع الخط الذي أوجدته البشرية، ودليل ذلك أن أسماء الحروف الأساسية التي ترد في كل أبجدية هي واحدة، وفي وحدة الأسماء دلالة على وجود أصل واحد، تفرعت منه الخطوط. والمسند بالنسبة لنا، هو خط قائم بذاته، يشابهه الخط الحبشي، ومن فروعه الأبجدية اللحيانية والثمودية والصفوية. فكل هذه الأبجديات هي من فصيلة واحدة رأسها المسند، أما ما فوق المسند، فلا نعرف من أمره أي شيء.
وفي المسند حرف لا وجود له في أبجديتنا يكون على هذا الشكل:
وهو بين الزاي والسين، ولذلك يجعله البعض سينًا حين ينقلون نص كتابة عربية جنوبية إلى عربيتنا، أو إلى اللغات الأوروبية. كما يقرأ حرف الجيم "٦" "كيما" في المسند على نحو نطق المصريين بهذا الحرف في لسانهم.
ومن القلم المسند أخذ الأحباش قلمهم الذي يكتبون به، نقله إليهم السبئيون
стр. 5285
الذين هاجروا إلى الحبشة قبل الميلاد وأقاموا لهم حكومة هناك وأثروا في الأحباش، فكان من تأثيرهم فيهم هذا القلم الحبشي.
وحروف المسند منفصلة غير متصلة، أعني أنها ليست كحروف الأبجدية التي نكتب بها، بل الحروف فيها مستقل بعضها عن بعض غير متصل به. ولتمييز الكلمات بعضها عن بعض، وضع الكتّاب خطوطًا مستقيمة عمودية تشير إلى انتهاء الكلمة وإلى ابتداء كلمة جديدة. وتبدأ الكتابة عندهم من اليمين في العادة، وتنتهي في اليسار، غير أنهم قد يكتبون من اليسار أيضًا، وينتهون بالسطر في اليمين. وقد يمزجون بين الطريقتين فيبتدئون في اليمين مثلًا وينتهون بالسطر في اليسار، ثم يبدءون في السطر الذي يليه من اليسار، وينتهون في اليمين، ويبدءون بالسطر الذي يليه من اليمين لينتهي باليسار، ويبدءون في الثالث من اليسار وينتهون باليمين، وهكذا حتى تنتهي الكتابة. أما إذا ابتدءوا بالكتابة من اليسار، فينتهون بالسطر في اليمين، ثم يبدءون في السطر الثاني باليمين لينتهوا به في اليسار, وليبدءوا بالسطر الثالث من اليسار ولينتهوا به في اليمين, وهكذا يسيرون على هذا المنوال حتى تنتهي الكتابة. ويلاحظ أن لشكل حروفهم خاصية جعلتها تصلح لأن يكتب بها في أول الكلمة أو في وسطها أو في أواخرها من دون حاجة لإجراء أي تعديل على جسم الحرف العام؛، لأنها حروف منفصلة غير مربوطة. وهي تمتاز من هذه الناحية عن حروف أبجديتنا، التي ترتبط فيها الحروف، فتستعمل حرف العين مثلًا في أول الكلمة بصورة تختلف عن صورة هذا الحرف إذا استعمل في الوسط, وتستعمل هذا الحرف في آخر الكلمة بصورة تختلف عن استعماله في أول اللفظة أو في وسطها، أي إنها تحدث تغييرًا على جسم الحرف. ولهذه الخاصية صار في الإمكان الابتداء بحروف المسند من أية جهة أراد أراد الكاتب أن يكتب بها من ناحية اليمين أو من ناحية اليسار. أو بالجمع بين الطريقتين من غير أي تأثير في قابلية القارئ على القراءة، كما صار من السهل على المبتدئ بالكتابة والقراءة تعلم الخط بالمسند بكل سهولة. لوجود شكل واحد لا يتغير للحروف. فهو لهذا صار أسهل تعلمًا من الخط الذي نكتب به الآن ذي الأشكال المتعددة الحروف، كما أنه خال من التنقيط الموجود في عربيتنا لتمييز الحروف المتشابهة في هذا الشكل بعضها عن بعض، وهو مما سبب لنا مشاكل خطيرة في كيفية ضبط الحروف والألفاظ، عند وقوع التصحيف، بسقوط نقطة من الكتابة سهوًا، أو بوضع
стр. 5286
النقطة في موضع يجب ألا توضع فيه، أو بوقوع سهو في عدد النقط.
وقد راعى الكتاب استعمال الخطوط العمودية للفصل بين الكلمات مراعاة تامة؛ لأنها هي العلامة الوحيدة التي ترشد القارئ إلى انتهاء لفظة وابتداء لفظة جديدة، ولم يخطر ببالهم وضع فراغ بين نهاية كلمة وابتداء كلمة جديدة، أو لأنهم لأمر ما لم يستعملوا هذا الفراغ خشية حصول التباس قد يفسد على القارئ قراءته، وقليلًًا ما خالف كتابهم هذه الطريقة فأغفلوا وضع هذه الأعمدة الفاصلة. ولم يستعمل كتّابهم علامة ما دالة على انتهاء جملة وابتداء جملة أخرى جديدة أو انتهاء فصل وابتداء فصل جديد، كذلك لم يستعملوا ما نستعمله نحن في الزمن الحاضر من علامات فواصل لأداء معاني خاصة يقتضيها الكلام وعلامات استفهام؛ لأن هذه الأشياء من الأمور المتأخرة التي أدخلت على الكتابات الغربية، ولم تكن معروفة عند الأقدمين.
وحروف المسند حروف غير مشكلة، فليس فوقها أو تحتها حركات كما هي الحال في عربيتنا حين نرغب في تحريك الحروف. وهي غير منقطة كذلك فلا نقط فوق بعض الحروف أو تحتها لتمييزها عن غيرها من الحروف المشابهة لها كما هي الحال في أبجديتنا أيضًا، ولم يرمز عن الحركات بحروف أو برموز تستعمل مع الحروف الصامتة داخل الكلمة ليتمكن بها القارئ من النطق بالكلمة النطق الصحيح كما حدث ذلك في الأبجديات اللاتينية، وفي الأبجديات الأخرى التي سارت على نهجها وسبيلها، ولم يرمزوا عن حرف المد بشيء ولا عن السكون أو التشديد. وهذا مما جعلنا في حيرة من النطق بكلماتهم نطقًا صحيحًا مضبوطاً، وجعل القارئ الحديث يذهب مذاهب مختلفة في كيفية ضبط الكلمة وفي كيفية النطق بها. فلفظة مؤلفة من حروف صامتة وحدها، لا يمكن أن ينطق بها النطق الصحيح المضبوط ولا يمكن معرفة معانيها بسهولة، وقد ولدّت هذه الطريقة مشكلات كثيرة لنا من حيث التوصل إلى معرفة نحو تلك اللهجات وصرفها١.
ولا توجد في المسند علامة لتشديد الحرف، وقد يكتب الحرف مرتين كما هي الحال في الأبحديات الأوروبية للدلالة على أن الحرف مشددٌ، ويكون ذلك في الكتابات المعينية٢.
стр. 5287
واقتصار الكتَّاب على استعمال الحروف الصامتة وحدها، جعل من العسير علينا البت في كيفية النطق بالكلمات والتعرف بسهولة على مواضع الكلم من الإعراب.
ولولا الاستعانة باللهجات العربية الباقية المستعملة في اليمن، وبلغة القرآن الكريم، وبالمعجمات، وباللغة الحبشية، لكان من الصعب على القارئين للكتابات العربية الجنوبية التوصل إلى فهم معانيها وإلى قراءتها قراءة مضبوطة أو قريبة من القراءة الصحيحة، والتوصل إلى استخراج القواعد منها. فبفضل هذه المواد المساعدة، تمكنا من الوصول إلى ما توصلنا إليه عن تلك اللهجات المكتوبة بالقلم المسند١.
ومن جملة المسائل التي جعلت فهم النصوص العربية الجنوبية أمرًا صعبًا على الباحث في بعض الأحيان، اشتمالها على اصطلاحات غير موجودة في العربية، وعلى كلمات غير موجودة في اللغات السامية الأخرى, ثم إن بعضها قد كتب كتابة موجزة صيرتها غامضة غير مفهومة، ولهذا اضطر علماء العربيات الجنوبية إلى تلخيص معناها على وجه التقريب٢.
ومما يؤسف عليه كثيرًا أن كتبة المسند لم يتركوا لنا كتابة تشير إلى ترتيب حروف الهجاء عندهم، وأسمائها التي كانت تعرف بها عند قرّائهم وكتّابهم. وعدم وصول كتابة بهذا الموضوع منهم إلينا، خسارة كبيرة، إذ أصبح من الصعب التحدث عن كيفية ظهور الخط بين العرب الجنوبيين وعن صلاته بالخطوط الأخرى، وبنا أشد الحاجة إلى معرفة كيفية توصل الإنسان إلى هذا الاختراع العظيم الذي غيَّر تأريخ البشرية وأحدث فيها انقلابًا لا يدركه المرء إلا إذا تصور البشرية وهي جاهلة لا تحسن قراءة ولا كتابة، فما الذي كان يمكن أن نعرفه لولا وجود هذه العلامات الصغيرة المحدودة التي نسميها حروفًا والتي نكتب بها وندوّن بها كل ما يجول في خواطرنا من آراء دون أن نعرف عظم قيمة هذه العلامات التي ميزت الإنسان عن الحيوان، ورفعته عنه إلى أعلى الدرجات!
ولو قدر للعلماء الحصول على ألواح فيها الأبجديات مرتبة بحسب الطريقة التي تسير عليها الشعوب القديمة في تعلمها. وخاصة إذا كانت مقرونة بأسمائها التي كانت تعرف بها، لصار في وسع العلماء التوصل إلى نتيجة علمية مقبولة
стр. 5288
بشأن نشأة الخط وتطوره. فإن في استطاعتهم عند ذاك الحكم –من نظرهم إلى أقدم هذه الكتابات وإلى أصول كلمات المسميات –عل أقدم مكان ظهرت فيه تلك الكتابة، وعلى تعيين اسم الشعب الذي كان له شرف هذا الاختراع. وهو اختراع لم يظهر بالطبع فجأة إلى العالم، أي: إنه لم يكن من ابتكار رجل واحد فاجأ الناس به، بل هو اختراع مرت عليه قرون حتى بلغ ما بلغه من شكل الحروف. مرّ في مراحل كثيرة بدائية في بادئ الأمر، ثم انتقل من تلك الأشكال إلى أشكال أرقى منها، حتى اهتدى عقل الإنسان إلى معرفة الحروف. ولم يتوصل بالطبع إلى هذه المرحلة بسهولة، إذ يقتضي ذلك وجود علم عند الإنسان عن تكون الكلمات من حروف، وهو لم يتوصل إلى هذا العلم إلا بعد تعب استمر قرونًا، وبتعاون كتّاب مختلف الشعوب لتحليل كلمات الإنسان إلى عناصرها الأولى، وعناصرها الأولى هي هذه الحروف.
وقد كان من الضروري وضع أسماء للحروف، ليميز بها حرف عن حرف آخر. وقد وضع مخترعو الحروف تلك الأسماء، وهي أسماء لا تزال البشرية تعيدها مع شيء من الاختصار والتحريف، وقد يمكن التوصل من تلك الأسماء إلى أسماء تلك الشعوب القديمة التي ساهمت وعملت في ترقية ذلك الاختراع العظيم. فإن لتلك الأسماء علاقة وصلة بمسميات مادية، وبالإمكان تشخيص مواطن تلك المسميات بالرجوع إلى الأماكن التي عرفت واشتهرت بها، ومن ثم نتوصل إلى تعيين تلك الشعوب على وجه التقريب.
وتختلف أشكال حروف المسند اختلافًا كبيرًا عن حروفنا المألوفة التي نكتب بها. ولما كانت هذه الحروف حروفًا منفصلة غير متصلة كما هي الحال في حروفنا، فهي لذلك في أثناء كتابة الكلمات لا تتصل ببعضها ولا يلتقي فيها حرف بحرف آخر. ولهذا السبب كان شكل الحرف في المسند لا يتبدل ولا يتغير بتغير موضعه في الكلمة، بل يحافظ على وضعه في أول الكلمة أو في وسطها أو في آخرها، إلا في بعض الأحيان حين يكتبون من اليسار نحو اليمين، فيغيرون اتجاه الحرف بأن يجعلوه نحو اليمين.
وقد يتحد حرف النون الساكن مع الحرف الذي يليه ويسقط من الكتابة، ففي كلمة "بنت" أسقط الكتّاب حرف النون من الكلمة، واكتفوا بهذا الشكل:
"بت", أي: بالحرفين الباء والتاء١.
стр. 5289
وإلى القارئ أشكال حروف المسند مرتبةً على ترتيب حروف الهجاء التي نسير عليها في زمننا:
стр. 5290
ولا توجد في المسند تاء قصيرة، أي: التاء التي نكتبها تاء قصيرة في أواخر الكلم. فالتاء هي تاء طويلة أبدًا، وردت في أول الكلمة، أو في وسطها، أو في آخرها، فلفظة "سنة" تكتب "سنت"، و"عمرة"، اسم امرأة يكتب "عمرت"، وهكذا.