← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

الحديث: "لا يجمعهم ديوان حافظ". وقيل: الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء. وأول من دوّن الدواوين عمر. وذكر بعض العلماء أن الديوان الدفتر ثم قيل لكل كتاب. وقد يخص بشعر شاعر معين وبمجموع الشعر١. و"التأريخ" و"الإراجة"" شيء من كتب أصحاب الدواوين، و"الأوارجة" من كتب أصحاب الدواوين في الخراج ونحوه٢. وقيل: التأريخ لفظة فارسية، معنها النظام؛ لأن التأريخ يعمل للعقد لعدة أبواب يحتاج إلى علم جملها؛ لأن التأريخ يعمل للعقد شبيهًا بالأوراج، فإن ما يثبت تحت كل اسم من دفعات القبض يكون مصفوفًا ليسهل عقده بالحساب, وهكذا يعمل التأريخ٣. والدفتر جماعة الصحف المضمومة، وواحد الدفاتر٤. وهي من الألفاظ المعربة عن الفارسية, ومعناها في الفارسية كتاب وسجل وحساب. ومن هذا الأصل لفظة "دفتر خانة"، أي: البيت الذي تحفظ فيه الدفاتر والوثائق ونحوها، ولفظة "دفتر دار"، بمعنى الخازن، وخازن الدفاتر٥. وهما مصطلحان استعملا في الإسلام. والكراسة واحدة الكراس والكراريس من الكتب٦. فهي مجموعة صحف وجزء من كتاب؛ لأن الكراسة من الكتاب، والكتاب مجموع كراريس. وقد ذكر علماء اللغة أن المجلة، الصحيفة يكتب فيها شيء من الحكمة٧. وقال أبو عبيدة: كل كتاب عند العرب، فهو مجلة٨. وقد وردت هذه اللفظة في شعر للنابغة، هو: مجلتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب٩

стр. 5357

وقد قال النابغة ذلك في مدح الغساسنة. ولما كان الغساسنة نصارى، فالمراد من المجلة إذن في هذا المكان، الكتب المقدسة. وتخصيص علماء اللغة المجلة بالصحيفة التي يكتب فيها الحكمة، هو تفسير نشأ عن عدم فهمهم للكلمة. وذلك أنها من الألفاظ المستعملة عند أهل الكتاب بمعنى كتاب ملفوف على طريقة تلك الأيام في استعمال الكتب الملفوفة، فظنوا أنها نوع خاص من الكتب خصص بالحكمة، لوجود مواعظ وحكم فيها، يستعملها رجال الدين في مواعظهم، ففسروها بهذا التفسير. وقد أشير في كتب السير والأخبار إلى "مجلة لقمان"، وقيل: إنها حكمة لقمان. وأشير إلى أمثال لقمان١. والمجلة هي "مكلوت": و"مكلتو" MagaItho في العبرانية والسريانية٢. ويراد بها كرّاس ملفوف وملف مخطوطات، وكتاب من أصل GoIo بمعنى لف٣. وقد ذكر أن "سويد بن الصامت" كان يملك "مجلة لقمان"، "حكمة لقمان" وأنه لقي الرسول يومًا، فدعاه الرسول إلى الإسلام فقال له سويد: لعل الذي معك مثل الذي معي. وكانت معه "مجلة لقمان" "حكمة لقمان". فقال له الرسول: إن هذا الكلام حسن، والذي معي أحسن منه وأفضل٤. و"سويد بن الصامت" المذكور، رجل مثقف مهذب، ذو علم وفهم في أيامه وبين قومه. وقد عرف عندهم بالكامل، للخلال الحميدة التي كانت فيه. ولا يلقب بـ"الكامل" في الجاهلية إلا من كانت له صفات معينة. وصفه صاحب كتاب الأغاني، فقال: "وكان يقال له الكامل في الجاهلية. وكان الرجل في الجاهلية إذا كان شاعرًا شجاعًا كاتبًا سابحًا راميًا سمّوه الكامل. وكان سويد أحد الكملة"٥. وكان كما يذكر أهل الأخبار حكيمًا كثير الحكم في شعره، حتى قيل: إن قومه إنما سمّوه "الكامل" لحكمة شعره وشرفه فيهم. وقد رووا له شعرًا في ذلك.

стр. 5358

هذا ويشك في إسلام "سويد بن الصامت بن خالد بن عقبة" الأوسي، إذ ذكر أنه لما انصرف من مقابلة الرسول له، عاد إلى قومه بيثرب فقتل١. قتله "المجذر" في الجاهلية٢. وأنا لا أستبعد احتمال قدوم يوم، قد يعثر فيه الباحثون على وثائق تبين أن عرب العراق كانوا قد وضعوا أسسًا لقواعد العربية، وكانوا أصحاب رأي في أساليب الكتابة وصوغ الكلام بنوعيه: من نثر وشعر. إذ لا يعقل في نظري أن يكون ظهور علوم العربية في العراق قبل الأمصار الإسلامية الأخرى، طفرة من غير سابقة ولا أساس. وأن يكون تفوق الكوفة والبصرة على المدن الإسلامية الأخرى, وفي ضمنها مدن جزيرة العرب في علوم العربية صدفة وفجأة ومن غير علم سابق ولا بحث في هذه الموضوعات قبل الإسلام, إنني اعتقد أن علم العروض وعلم النحو وعلم الصرف وسائر علوم العربية الأخرى لم تظهر في العراق إلا لوجود أسس لهذه العلوم فيه تعود إلى أيام ما قبل الإسلام، وهذه الأسس القديمة الجاهلية هي التي صيرت العراق الموطن الأول لهذه العلوم في الإسلام. وإنني لا أستطيع أن أتصور أن في مقدور إنسان مهما أوتي من العلم والذكاء, استنباط أوزان الشعر وبحوره من نقرات مطارق النحاسين أو من التأمل والتبصر، فشخص مثل هذا، لا بد وأن يكون قد وقف على البحور وأوزان الشعر وعلى مقدمات وبحوث في موضوع الشعر، منها استنبط علم العروض، وقلْ هذا الشيء عن علم النحو وعن سائر علوم العربية الأخرى. وقد كان العبرانيون يكتبون التوراة على جلود البقر، ثم يلفونها لفًّا على قضيب أو قضيبين تكوّن لفة واحدة أو لفتين متصلتين بعضها ببعض، ويطلقون عليها "مجلوت" "مكلوت". وتعني لفظة "كلل" لفَّ ودوَّر٣. وقد كانت كتب ذلك العهد تُكتب وتُلف بهذه الطريقة، فلا يستبعد وجود هذه المجلات، أي: الكتب الملفوفة عند الجاهليين. وقد أورد الأخباريون نصوص رسائل نسبوها إلى بعض الملوك الجاهليين وسادات القبائل، وهي رسائل مسجعة في الغالب موجزة. وفي أثناء حديثهم عن رسائل

стр. 5359

الرسول إلى قيصر وكسرى ذكروا أن الصحابة أشاروا على الرسول أن يتخذ خاتمًا يختم به كتبه؛ لأن الروم لا يقرءون كتابًا غير مختوم. ويظهر من كلامهم هذا أن أهل مكة لم يكونوا يختمون رسائلهم بخاتم، وإنما كانوا يكتفون بتدوين الاسم. والذي يتبين له من ملاحظتهم هذه عن الروم أنهم قصدوا بالخاتم الختم، على الكتب، إضافة إلى الاسم، وهو ما يقال له SigiIIum عندهم، كما أشرت إلى ذلك آنفًا. وهو يقابل ختم الدوائر في الزمن الحاضر، وطبع شعار الدائرة على الورق، ليكون ذلك تعبيرًا عن صفة الورقة الحكومية. فالغاية من إشارة الصحابة على الرسول بختم كتابه، هو إكسابه صفة رسمية، ليكون ذلك متفقًا مع طريقة الروم. ولا بد أن يكون رؤساء مكة قد راعوا هذا الأسلوب في مراسلاتهم مع البيزنطيين. وقد استعمل الخاتم في الغالب لتصديق الأوراق الشخصية والمعاملات الحكومية. فإذا أريد تصديق معاملة أو إرسال كتاب أو ختم صندوق، ختم بالخاتم، على الخاتم شيء من الكتابة يأمر صاحب الخاتم بحفرها، كي يظهر أثرها على الورق أو الشمع أو الطين. وكان منح الخاتم لموظف دليلًا على منحه الثقة وتعيينه في وظيفته التي اختير لها١. وقد كان رجال التجارة والأعمال وأصحاب المصالح يثبتون أعمالهم وعقودهم في صحف وكتب. وإذا أرادوا عقد عقد، مثل اتفاق على شيء أو تدوين ميثاق، دوّنوه على صحيفة وأشهدوا على ذلك، ليكون أوثق وأثبت للعقد. وقد عرف كتاب الشراء بالعهدة٢. وأما كتاب العهد، فهو ما يعهد به. وقد وردت في القرآن الكريم إشارة إلى الكاتب بالعدل. أي: الكاتب الذي يتولى كتابة العهود والمواثيق بين الناس. وقد ورد في كتاب "البيان والتبيين" للجاحظ: أن الرسول قال: "إذا كتب أحدكم فليترب كتابه"٣، أي: إن الكاتب إذا انتهى من كتابة كتابه، فليضع التراب عليه، ليجفف حبره.

стр. 5360

الفصل الرابع والعشرون بعد المائة: الدراسة والتدريس الكتاتيب: وفي العربية لفظة "الكتّاب"، ويراد بها في عرف هذا اليوم المدرسة التي يتعلم فيها الأطفال القراءة والكتابة ومبادئ المعرفة. وهي من الألفاظ العربية المستعملة في العهود الأولى من الإسلام. وعندي أنها من الألفاظ العربية التي كانت مستعملة في الجاهلية، وهي في معنى بيت "ها سيفر" Beth Ha- Sepher, أي: "بيت الكتّاب" في العبرانية. وقد كان العبرانيون يطلقونها على المدارس التي تدرس القراءة والكتابة ومبادئ المعرفة، تمييزًا لها عن المدارس التي تعلم الديانة والعبرانية والمعارف التي لها علاقة بالديانة ويطلقون عليها "بيت هامدراش" Beth Ha- Midrash, أي: "بيت المدراش"، و"بيت ها تلمود"، أي: "بيت التلمود" في بعض الأحيان١. وقد ذكر بعض أهل الأخبار أسماء جماعة ذكروا أنهم كانو من المعلمين في الجاهلية وكانوا من أصحاب الوجاهة والمكانة، منهم على سبيل المثال: "بشر بن عبد الملك السكوني"، أخو "أكيدر" صاحب "دومة الجندل، و"سفيان بن أمية بن عبد شمس"، و"أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة"

стр. 5361

و"عمرو بن زرارة بن عدس بن زيد"، وقد كان يُسمى "الكاتب، و"غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي" وهو مخضرم١، مما يدل على وجود المدارس والتعليم عند الجاهليين. وقد ورد أن الرسول أمر "عبد الله" واسمه الحكم بن سعيد بن العاص بن أمية، بأن يعلم في الكتّاب بالمدينة٢. كما ورد أن "جفينة"، وهو من نصارى الحيرة، جاء المدينة فصار يعلم الكتابة بها٣. وورد في رواية أن "علي بن أبي طالب" اختلف إلى الكتّاب، فتعلم الكتابة به وله ذؤابة وهو ابن أربع عشرة سنة٤. وورد أن رجلًا نزل بوادي القرى، وعلّم الخط بها٥. وورد أن غلامًا جاء "يبكي إلى أبيه، فقال: ما شأنك؟ قال: ضربني معلمي، قال: الخبيث!! يطلب بذحل بدر، والله لا تأتيه أبدًا"٦. وإذا صح هذا الخبر، نكون قد عثرنا على كلمة "المعلم" المفهوم منها في الوقت الحاضر في الأيام الأولى من ظهور الإسلام. وورد أن "عبد الله بن سعيد بن العاص بن أمية"، كان ممن أُسر يوم بدر، فأمره الرسول أن يعلم عشرة من غلمان الأنصار الكتابة، ويخليه لسبيله، فيومئذ تعلم الكتابة زيد بن ثابت في جماعة من غلمان الأنصار. وكان كاتبًا محسنًا٧. غير أن الموارد الأخرى، تذكر أنه كان قدم على رسول الله مهاجرًا، فقال له: ما اسمك؟ فقال: الحكم. فقال: أنت عبد الله. فغيّر رسول الله اسمه٨. وتذكر أنه أمره أن يعلم الكتاب بالمدينة وكان كاتبًا. وتذكر أنه قتل يوم بدر شهيدًا. أي: إن إسلامه كان قبل يوم بدر, ولكن أكثر الروايات تذكر أن وفاته تأخرت٩. وذكر بعض أهل الأخبار، أن المدينة كانت متأخرة بالنسبة إلى مكة في الكتابة

стр. 5362

والقراءة. بل ذهب بعضهم إلى أنه لم يكن في الأنصار من يحسن الكتابة١. وكلامهم هذا يصطدم مع ما ذكروه أنفسهم من أن "سويد بن الصامت" الأوسي، وسعد بن زرارة، والمنذر بن عمرو، وأُبي بن كعب، وغيرهم ممن أشرت إليهم في مواضع أخرى من هذا الكتاب، كانوا من الكتّاب. ويفهم من قول "الشّماخ": كما خط عبرانية بيمينه ... بتيماء حَبْرٌ ثم عرض أسطرًا أن هذا الشاعر كان قد زار تيماء، وقد وقف على خط اليهود، ورأى أحدهم وقد عرض أسطر الكتابة ودونها بيمينه٢. وقد وصف غيره كتابة اليهود وتعلمهم الخط في مدراسهم بالمستوطنات اليهودية. وكانوا يستعينون بصبيان الكتّاب في بعض الأحيان لكتابة جملة نسخ مما يراد نشره وإذاعته أو حفظه. فورد أن النجاشي الشاعر، لما هجا "بني النجار" من الأنصار شكوا ذلك إلى حسان، فقال قصيدة في هجائه وفي هجاء قومه، ثم "قال اكتبوها صكوكًا وألقوها إلى صبيان المكاتب، فما مرّ بضع وخمسون ليلة حتى طرقت بنو عبد المدان حسّان بالنجاشي موثقًا معهم"، وذلك للاعتذار إليه واسترضائه٣. وقد كان للديانتين اليهودية والنصرانية فضل كبير على أهلهما في نشر الكتابة والعلوم بينهم إذ صارت معابدهم مدارس يتعلم فيها الناس أصول ديانتهم ومبادئ المعرفة والكتابة والقراءة لمن يرغب من الأطفال، كما أدت حاجة الديانتين إلى رجال دين يقومون بتثقيف الناس وتعليمهم أصول دينهم ونشر ديانتهم بين الوثنيين، أو بين أصحاب الديانات الأخرى، إلى تكوين معاهد خاصة لتخريج هؤلاء الرجال، ألحقت بالمعابد، درسوا فيها الكتب المقدسة وما وضع عليها من تفاسير وشروح، ومما يتعلق بشرحها من دراسة للغات وفلسفة وجدل وأمور أخرى لها علاقة وصلة بالديانات. وقد كان من بين هؤلاء الرجال أناس أذكياء ذوو نظر واسع، فلم

стр. 5363

يكتفوا بحفظ ما ورد إليهم، وبالتعصب لكل ما تلقنوه، بل تتبعوا ثقافات غيرهم وعلومهم، ودرسوا اللغات والفلسفات الأخرى، وكوّنوا لهم آراء خاصة اعتمدت على استعمال العقل والمنطق، فظهر النقد عندهم، والنقد يخلق الرأي. والبيت هو المدرسة عند الجاهليين وعند غيرهم من شعوب ذلك الزمن، فيه يتعلم الطفل، وإليه يرد المعلم لتعليم أولاد الموسرين ما يحتاجون إليه من كتابة وعلم بأجرة تدفع إليه، وفيه قد يتعلم الطفل الكتابة من الرقيق المجلوب الذي كان له حظ من العلم. وفيه تشرف أمه على تربيته وإدارته ما دام صغيرًا، ثم يشرف عليه أبوه فيلقنه شئون الصنعة وأمور الحياة متى تجاوز الخامسة أو السابعة من عمره. وفي البيوت والطرقات والأزقة يلعب الأطفال، أما الشبان، فقد كانوا يتبارون بالألعاب في الساحات العامة خارج المدن، والقرى في الغالب. يتسابقون بركوب الخيل وبالمصارعة وبالجري وبرمي السهام. وقد يخرجون إلى الصيد ولا يزال أطفال جزيرة العرب يلعبون بعض الألعاب التي كان أطفال الجاهلية وشبانهم يلعبونها قبل الإسلام. وقد قامت المعابد بدور فعّال ناشط في نشر القراءة والكتابة. وإذا كنا نجهل اليوم موقف معابد الوثنيين من تعليم القراءة والكتابة بها، فإننا لا نستطيع أن ننكر موقف "الكنيس" و"المدراش" "المدارس" عند اليهود، و"الكنائس" عند النصارى من تنشيط التعليم وتهيئة الأطفال لتعلم القراءة والكتابة، لخدمة الدين، أو للأغراض التثقيفية والشئون الخاصة بالحياة. وقد قام "المدراش" وقامت الكنيسة بدور فعال في تعليم الناس أمور دينهم وشرح ما ورد في التوراة وفي الإنجيل إلى المؤمنين بهما. فقد كان أحبار يهود "يثرب" وقرى "وادي القرى" يجلسون في المعابد ليفسروا للناس أحكام شريعة يهود. والمدراس، لفظة عبرانية الأصل، هي "مدرش" Midrash، وتعني بحث وشرح نص١. وقد أطلقت على المكان الذي تدرس فيه التوراة. فصار بمثابة المدرسة، يقصده اليهود للتفقه فيه والتعلم، وقد قصده الجاهليون أيضًا ليسمعوا ما عند يهود. كما قصده المسلمون. وقد كانت لليهود جملة بيوت عبادة يجلس فيها أحبارهم للإفتاء ولشرح الكتب المقدسة لتلامذتهم وللناس. فكانت بيوت عبادة ومدارس للتعليم.

стр. 5364

وقد كان الجاهليون يسألون اليهود عن تواريخ الماضين وقصص الأولين والأنبياء والمرسلين. وعن بعض المشكلات الدينية مثل الحياة بعد الموت وأمثال ذلك مما تعرضت له اليهودية. وقد لجأ إليهم أهل مكة الوثنيون يسألونهم عن أشياء عويصة لليهود علم بها، ليمتحنوا بها الرسول١. وقد ورد في الأخبار أن "بعض اليهود قد علم كتاب العربية. وكان يعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول، فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون"٢. وقياسًا على ما نعرفه من تخصيص الكنائس مواضع خاصة ملحقة بالكنائس لتعليم الأطفال القراءة والكتابة، فإننا نستطيع أن نقول: إن الكنائس التي كانت في جزيرة العرب في نجران مثلًا أو في صنعاء أو في عدن أو في قطر، لم تكن مستثناة من هذه العادة. وإن كنا لا نملك دليلًا نستند إليه في إثبات قيام الكنائس في جزيرة العرب بتعليم الأطفال القراءة والكتابة. أما بالنسبة لكنائس العرب في العراق، فإن لدينا شواهد بينة تثبت قيام الكنائس بتعليم الأطفال القراءة والكتابة ومبادئ الدين. وتثبت وجود مكان خاص خصص بالأطفال ليتعلموا فيه. فقد جاء في أخبار "عين التمر" أن خالد بن الوليد لما دخل حصن عين التمر وغنم ما فيه وجد في بيعتهم أربعين غلامًا يتعلمون الإنجيل عليهم باب مغلق، فكسره عنهم٣. وذكر أن تلك البيعة كانت في النقيرة من أطراف عين التمر٤. وورد في الأخبار أن من أهل الحيرة من كان يتعلم العربية، يقرأ بها ويكتب ويتفقه ويتأدب، كالذي حدث لزيد والد "عدي بن زيد العبادي"، ولابنه "عدي"، وأن منهم من كان يتعلم الفارسية، إذ فيها جماعة من الفرس، ومنهم من يتعلم الإرمية، لغة "بني إرم"، ومنهم من تعلم العربية والفارسية وأجاد بها كتابة ونطقًا، وتولى الكتابة بهما عند الفرس مثل "عدي بن زيد

стр. 5365

العبادي" وابنه "زيد بن عدي" وغيرهما من آل "زيد" والعباديين نصارى الحيرة١. ولما فتح خالد "الأنبار": "رآهم يكتبون بالعربية ويتعلمونها، فسألهم: ما أنتم؟ فقالوا: قوم من العرب، نزلنا إلى قومٍ من العرب قبلنا، فكانت أوائلهم نزلوها أيام بختنصر حين أباح العرب، ثم لم تزل عنها، فقال: ممن تعلمتم الكتابة؟ فقالوا: تعلمنا الخط من إياد، وأنشده قول الشاعر: قومي إيادٌ لو أنهم أممٌ ... أو لو أقاموا فتهزل النعم قوم لهم باحة العراق إذا ... ساروا جميعًا والخط والقلم٢ وهو شعر نسب قوله إلى الشاعر "أمية بن أبي الصلت"، ذكر أنه مدح به بني إياد٣. ومعنى هذا، أن "بني إياد" كانوا قد عُرفوا بالكتابة في العراق، ولهذا وضعوا هذه القصة في كيفية نشوء الكتابة العربية، وإياد من القبائل العربية القديمة التي نزحت من البحرين إلى العراق. وقد كان العرب في الأنبار، والحيرة، وعين التمر والمواضع الأخرى يحتمون بأبنية محصنة، يقيم بها ساداتهم، وتكون مواضع دفاعهم أيام الخطر، يقولون لها: "القصور". وقد كانت الحيرة مؤلفة من جملة "قصور"، ولا يزال عرب الفرات يطلقون لفظة "القصر" على المواضع الحصينة المقامة في البادية، لصد غارات المهاجمين، مثل "قصر الأخيضر"، و"قصر العين"، في ناحية "عين التمر". وتحتمي الكنائس وبيوت الناس بهذه القصور، ولما فتح "خالد بن الوليد" "عين التمر"، بعث إلى "كنيسة اليهود، فأخذ منهم عشرين غلامًا وصار إلى الأنبار"٤، وهو خطأ؛ لأن الذي نجده في الموارد الأخرى، أن "خالد بن الوليد"، لما فتح حصن "عين التمر" وجد في كنيسة جماعة يتعلمون سباهم، فكان من ذلك السبي: "حمران بن أبان بن خالد" التمري،

стр. 5366

و"سيرين" أبو "محمد بن سيرين" المشهور بتفسير الأحلام، و"أبو عمرة" جدّ "عبد الأعلى" الشاعر، و"يسار" جدّ "محمد بن إسحاق" صاحب "السيرة"، و"نصير" أبو "موسى بن نصير"١، وذكر "الطبري" أن "خالد بن الوليد" وجد "في بيعتهم أربعين غلامًا يتعلمون الإنجيل، عليهم باب مغلق، فكسره عنهم، وقال: ما أنتم؟ قالوا: رهن، فقسمهم في أهل البلاد٢. وقد كان كل هؤلاء من الكتّاب القارئين للإنجيل الدارسين لعلوم الدين، فأسلموا وبرز أبناؤهم في المجتمع الإسلامي. وفي خبر "وفد نجران" الذي قدم على الرسول، إفادة بوجود مواضع لتعليم أمور الدين، وتثقيف الناس بما يلزم من ثقافة، فقد ورد أن أسقف نجران كان حبرهم، وإمامهم، وصاحب مدارسهم "صاحب مدراسهم"٣، أي: الموضع الذي يتدارسون فيه، والغالب أن يكون ذلك المكان في الكنيسة على الطريقة المتبعة في ذلك العهد، كما صار المسجد موضعًا للتعليم. وقد كان يهود الحجاز والمواضع الأخرى من جزيرة العرب يلحقون بكنيسهم كتّابًا يعلمون به أطفالهم أصول القراءة والكتابة، كما كان أحبارهم يتخذون به مجلسًا لتعليم اليهود أمور دينهم وللإفتاء بينهم في أمور الشرع، وفضّ ما قد يقع بينهم من خلاف. وكذلك كان شأن نصارى العرب اتخذوا من كنائسهم مواضع للتدريس ولتعليم القراءة والكتابة كالذي رأيناه بين نصارى العراق. ولا أستبعد احتمال اتخاذهم مدارس في قرى البحرين، التي كانت بها جاليات نصرانية كبيرة وكذلك في اليمامة لتعليم الأطفال القراءة والكتابة وأصول الدين.

стр. 5367

مواد الدراسة: لم نعثر على أي نص جاهلي فيه شيء عن التدريس وعن مواد الدراسة عند الجاهليين لنستنبط منه مادة عن الدراسة عند عرب الجاهلية، غير أننا إذا ما

стр. 5368

أخذنا بما جاء في الموارد النصرانية الشرقية عن التربية والتعليم عند نصارى العراق وعن مواد المعرفة التي كانوا يعلمونها للتلاميذ ولطلاب المدارس العالية، فإننا نستطيع أن نقول إن مدارس الأنبار والحيرة والقرى العربية الأخرى، لا بد وأن تكون قد سارت وفقًا لمنهج أهل العراق في تعليم أبنائهم في ذلك الوقت. من تعليم مبادئ القراءة والكتابة وإجادة الخط وشيء من الحساب والأمثال والحكم ومبادئ الدين. وهي المواد الرئيسية التي كانت تعلم في الكتاتيب في بلاد الشرق الأوسط في ذلك الوقت، والتي لا تزال تدرس في الكتاتيب القديمة حتى اليوم. والعادة في الكتاتيب حتى الآن في تعليم الخط للأطفال، أن يخط المعلم أو "خليفته" أو من يقوم مقامه من التلامذة المتقدمين، سطرًا من الحكم والأمثال أو من الكتب السماوية، لينقش التلميذ سطورًا مثلها على لوح يحاول الإجادة جهد إمكانه في كتابتها لتقوية يده على الخط. وقد كان العبرانيون يعلمون الآية: "رأس الحكمة مخافة الرب"، "رأس الحكمة معرفة الله"، "مخافة الرب رأس الحكمة"١، في أول ما كانوا يعلمونه لتلامذتهم٢. ويعلمونهم أمثال ذلك من الحكم والأمثال الواردة في التوراة. ولا يستبعد أن تكون هذه الأمثال والحكم في مقدمة ما كان يدرسه المعلمون اليهود في مستوطناتهم في بلاد العرب بتيماء ووادي القرى وقرى المدينة. وورد أن نصارى العراق، درسوا في مدارسهم لغة بني إرم، لغة الثقافة والعلم آنذاك، درّسوا مفردات اللغة وقواعدها وأصولها، وعلّموا معها مبادئ العربية وقواعدها وآدابها في الأرضين التي كانت غالبية سكانها من العرب٣. ونجد في الموارد النصرانية إشارات تشير إلى تدريس العربية في الأنبار وفي الحيرة، ولا يعقل أن يكون المراد من العربية، الكتابة والقراءة بها فقط، بل لا بد وأن يُعلم معها شيء من أصول الكتابة من كيفية قط القلم ورسم الحروف، وأنواع الخطوط، ثم الأمثال والحكم، وقواعد اللغة وآدابها، أي: منهج المدارس المقرر في الشرق الأدنى في ذلك العهد. وقد كان رجال الدين يسيرون عليه ويتبعونه في مدارسهم. وكان لهم علم بقواعد وبلغة بني إرم.

стр. 5369

أما عن تعليم الأطفال في جزيرة العرب، فلا نستطيع التحدث عنه بصورة جازمة لعدم ورود شيء عن ذلك في الكتابات الجاهلية أو في روايات أهل الأخبار. ويمكن أن نقول باحتمال تعليم الأطفال في المواضع التي وجدت النصرانية إليها سبيلًا، مثل مدينة "نجران" وبعض مواضع من سواحل الخليج، على النمط الذي كان متبعًا عند نصارى العراق وبلاد الشأم من تعليم مبادئ القراءة والكتابة وتحسين الخط ومبادئ أمور الدين. ثم المعارف العالية مثل اللغة والعلوم اللاهوتية والطب وما شاكل ذلك، للمتفوقين من الطلاب من أصحاب المواهب والقابليات، وذلك لأن الكنيسة كانت تتبع نظامًا واحدًا في التعليم؛ ولأن الذين كانوا يبشرون بالنصرانية بين العرب، كانوا من أهل العراق في الغالب، وقد درّسوا عرب العراق وعرب مواضع أخرى في جزيرة العرب، وقد درسوهم على طريقة تدريس الكنيسة الشرقية، فيحتمل لذلك أن يكون التدريس على نمط واحد في مدارس الكنيسة، ولا أستبعد احتمال تدريس السريانية لهؤلاء الطلاب، باعتبار أنها لغة الدين وتساعد في فهم الأناجيل والكتب النصرانية والعلوم. وقد ورد أن: عمر بن الخطاب، كان يقول في تربية الأولاد وتثقيفهم: "علموا أولادكم العوم والرماية، ومروهم فليثبوا على الخيل وثبًا، وروّوهم ما يجمل من الشعر"١. وذكر أنه كتب إلى الأمصار: "أما بعد، فعلموا أولادكم العوم والفروسية، ورووهم ما سار من المثل وحَسُنَ من الشعر"٢، وأن الرسول دعا لمعاوية، فقال: "اللهم علمه الكتاب والحساب" ٣. ويظهر أن هذا التوجيه في تربية النشء كان معمولًا به عند الجاهليين. ويظهر أن الحث على تعلم السباحة، إنما ظهر في الإسلام، بعد الفتوح، وذلك بعد أن اتصل العرب، بالأنهار الواسعة العميقة وبالبحار، فأجبرهم الواقع على تعلم العوم. ونجد "الحجاج" يقول لمعلم ولده: "علِّم ولدي السباحة قبل الكتابة، فإنهم يصيبون من يكتب عنهم ولا يصيبون من يسبح عنهم"٤.

стр. 5370

وقد كان "عمر" يتهيب البحر، فأوصى قواد جيشه بالتأني في ركوب البحر، خشية غرق المسلمين. والمثل والشعر من أهم المواد التي كان يعتني بها الجاهليون. وكان أهل الكتاب يعتنون بالمثل وبما ورد في الكتب المقدسة من حكم، وبالشعر كذلك في تعليم أطفالهم في الكتاتيب. وذكر "الهمداني"، أن "عمر بن الخطاب"، قال: "تعلّمون من النجوم ما تهتدون به، ومن الأنساب ما تعارفون به وتواصلون عليه، ومن الأشعار ما تكون حِكَمًا، وتدلكم على مكارم الأخلاق"١. ويقوم بالتعليم معلمون، امتهنوا التعليم واتخذوه حرفة لهم. ومنهم من اتخذه حرفة رئيسية له، إذ كان يمارس حرفًا أخرى، ليتمكن بذلك من إعاشة نفسه. ولما كان التعليم الابتدائي الذي يقوم على تعليم الخط والقراءة والكتابة وبعض المبادئ الأخرى شيئًا بسيطًا لا يحتاج إلى علم كبير ومعرفة، لذلك لم يشترط في متعاطيه أن يكون من أصحاب العلم، بل قام به من وجد في نفسه قابلية تعليم الأطفال من رجال الدين ومن غيرهم، على نحو ما نجده في المدارس القديمة التي تقوم بتعليم الأطفال القراءة والكتابة لهذا اليوم. ولم يرد في الكتابات الجاهلية شيء يتعلق بأسماء المعلمين الجاهليين. لذلك لا نستطيع أن نذكر اسم معلم من معلمي الجاهلية بالاستناد إليها. أما أهل الأخبار، فقد تعرض نفر منهم لذكر بعض المعلمين الذين عاشوا قبل الإسلام، والذين أدرك بعض منهم الإسلام. فذكر "محمد بن حبيب" في الفصل الذي سماه: "أشراف المعلمين وفقهاؤهم"، اسم "بشر بن عبد الملك السكوني" أخو "أكيدر بن عبد الملك" صاحب "دومة الجندل"، فذكر أنه كان في جملة المعلمين٢. وإليه ينسب أهل الأخبار نشر الكتابة بمكة على نحو ما بينت ذلك في موضوع تأريخ الخط. وأشار "ابن حبيب" إلى "أبي قيس بن عبد مناف بن زهرة"، وهو جاهلي، على أنه من أشراف المعلمين. كما أشار إلى "عمرو بن زرارة بن عدس

стр. 5371

ابن زيد"، وهو جاهلي كذلك في جملة من أشار إليهم من المعلمين. وذكر أنه كان يُسمى "الكاتب". وأشار أيضًا إلى "غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي"، وهو من المخضرمين. على أنه كان من أشراف المعلمين١. وهو من الشعراء الحكماء، إذ كان أحد حكام "قيس" في الجاهلية. وكان أحد وجوه ثقيف، وقيل إنه أحد من نزل فيه: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ، وإنه كان صاحب تجارة، وقد سافر في قوم من تجار ثقيف وقريش وعلى رأسهم "أبو سفيان" إلى العراق، للتجارة، فوصلوا إلى "كسرى" فتكلم معه باسم التجار، فأعجب به، واشترى منه التجارة بأضعاف ثمنها وبعث معه من بنى له أطمًا بالطائف، فكان أول أطم بني بها. وذكر أن كسرى لما كلمه ووقف على حكمته قال له: "هذا كلام الحكماء، وأنت من قوم جفاة لا حكمة فيهم فما غذاؤك؟ قال: خبز البر، قال: هذا العقل من البر لا من اللبن والتمر"٢. في حديث يقصه أهل الأخبار وكأنهم كانوا شهود عيان. ولا بد وأن يكون في ثقيف قوم كانوا مهرة في الكتابة، لهم خط حسن وإملاء صحيح، وذلك فيما إذا أخذنا بصحة الأخبار الواردة عن تدوين القرآن وجمعه من قولهم إن الخليفة "عمر" أو "عثمان"، قال: "اجعلوا المملي من هذيل والكاتب من ثقيف"، إذ لا يعقل النص على أن يكون الكاتب من ثقيف من غير سبب، اللهم إذا اعتبرنا الخبر من الموضوعات التي صنعت في أيام الحجاج، للتقرب إليه، ولرفع شأن ثقيف، بعد أن ظهرت أخبار في أيامه، رجعت نسب ثقيف إلى قوم ثمود، وصيرت "أبا رغال" خائن العرب إلى غير ذلك من أخبار تحدثت عنها في أثناء حديثي عن ثمود وعن قبيلة ثقيف. وكان "جفينة" العبادي من أهل الحيرة، وكان نصرانيًّا، قدم المدينة، وأخذ يعلم بها الكتابة في أيام الخليفة "عمر". وكان ظئرًا لسعد بن أبي وقاص. فاتهمه "عبد الله بن عمر" بمشايعة "أبي لؤلؤة" على قتل أبيه فقتله٣.

стр. 5372

وورد في كتب الحديث "عن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أنه قال: أتانا معاذ بن جبل ﵁ باليمن معلمًا وأميرًا"١. وقد أرسل الرسول معاذًا إلى اليمن ليعلمهم الفرائض وأحكام الدين. وإذا صح النص، صار دليلًا على شيوع لفظة "معلم" في ذلك العهد. ووردت لفظة "المعلم" في رسائل "عمر" إلى عماله، ففي رسالة له "إلى أهل الكوفة": "إني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا، وعبد الله بن مسعود معلمًا ووزيرًا"٢. وأراد بلفظة المعلم، من يعلم الناس ويرشدهم ويفقههم في أمور الدين. وكانوا يطلقون على من يعلم الكتابة في "الكتّاب": معلم كتّاب. والكتّاب والمكتب، الموضع الذي يتعلم به. ولست أعلم شيئًا عن مدى تقدم علم الحساب عند الجاهليين. وكل ما أستطيع أن أقوله، هو أنهم كانوا يعلّمون أولادهم مع الخط مبادئ الحساب والمعرفة، وهي الجمع والطرح والضرب والتقسيم، وذلك لحاجتهم إليها في حياتهم اليومية، ولا سيما بالنسبة إلى التجار أصحاب المصالح الكبيرة، إذ تدفعهم الحاجة إلى ضبط أعمالهم وحسابهم. وقد ذكر أهل الأخبار أن الجاهليين استعملوا حساب عقود الأصابع في حسابهم، فوضعوا كلًّا منها بإزاء عدد مخصوص، ثم رتبوا لأوضاع الأصابع آحادًا وعشرات ومئات وألوفًا، ووضعوا قواعد يتعرف بها حساب الألوف فما فوقها بيد واحدة. وقد أشير إلى حساب اليد في الحديث، كما استعملوا العدّ بالحصى، وبه يحسبون المعدود٣. والعدّ برسم خطوط، فيدل كل خط على عدد، ومجموع الخطوط هو المعدود. وورد في الأخبار أن الرسول دعا لمعاوية بقول: "اللهم علّمه الكتاب والحساب"٤، وقد نعت بأنه كان من الكتبة الحسبة الفصحاء٥، والحديث المذكور من أحاديث أهل الشأم٦، ولهم أحاديث أخرى في الثناء على "معاوية"، وهي

стр. 5373

من الأحاديث التي أوجدتها العصبية السياسية، على نحو ما نجد من أحاديث في "عبد الله بن عباس" وفي العلويين. وقد روي الحديث المذكور في حق أشخاص آخرين. وقد وضعت أحاديث في مدح معاوية وبني أمية. وأرى أن الحديث المذكور وضع في مقابل حديث "اللهم علمه الحكمة"، الذي روي أن الرسول قاله في "ابن عباس"، وحديث: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" أو "اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب"، و "اللهم بارك فيه وانشر منه"، وأحاديث أخرى ذكر أنها قيلت فيه١. وأما ما نسب إلى الرسول من قوله: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا" فإنه حديث ضعيف، وقد ورد أيضًا أن رجلًا قال: ما كنت أظن أن عددًا يزيد على ألف٢، وهو قول ينطبق على حالات فردية لأعراب، ولا يمكن أن ينطبق بالنسبة للحضر، ولا سيما لأهل مكة الذين كانت لهم تجارة ضخمة وقوافل تذهب إلى مختلف الأنحاء، تحمل تجارة تقدر أثمانها بعشرات الألوف، فهل يعقل صدور مثل هذا الحديث من الرسول؟ وقد كان الجاهليون يتراسلون بينهم، فيكتبون كتبًا إلى من يريدون مراسلته. والكتاب هو صحيفة قد تكون من جلد، أو من مادة أخرى. وقد ذكر أن الرسول كتب كتابًا إلى "بني حارثة بن عمرو بن قريظ"، فأخذوا الكتاب وغسلوه، ثم رقعوا به دلوهم٣. ويدل هذا على أن الكتاب كان صحيفة من جلد. والرسائل من حقول التدوين المهمة عند الجاهليين. وهي رسائل قد تكون في أمور خاصة، كرسائل أب إلى ابنه أو العكس ورسائل أصدقاء وأقارب من ذوي الأرحام، وهي تتناول مسائل شخصية خاصة تهم المتكاتبين. وقد تتناول الأحداث التي يكون لها شأن عند الناس وخطر، فيكتب المتكاتبون عنها، لما فيها من أهمية ولذة بالنسبة لهم. وقد تكون الرسائل إخبارية، كأخبار عن تجارة ومعاملة أو عن حدث وقع أو غزو أو قرب وقوع حرب أو إخبار بهجوم عدو ومقدار قوته وما شاكل ذلك من أمور، ذات أهمية خاصة، بالنسبة للمرسل إليهم.

стр. 5374

ونجد في كتب أهل الأخبار صور رسائل في أمور ذات طابع إخباري. منها رسائل دوّنت بعبارات واضحة صريحة، يظهر أن أصحابها كانوا مطمئنين من عدم إمكان سقوطها في أيدٍ عدوةٍ فتقف على ما جاء فيها، لذلك كتبوها بعبارات مفهومة مكشوفة. ومنها ما كتبت شعرًا كالذي روي من إرسال شعر كتبه "لقيط بن يعمر الإيادي" لقومه يحذرهم فيه من كسرى١. أو نثرًا وقد كتبها أصحابها على شيء لا يلفت النظر، كحدوج الجمال المسافرة إلى جهة معينة، لتقرأ هناك، أو رسائل لا تلفت النظر ولكنها ذات معانٍ مفهومة عندما ترسل إليه، وقد تحمل الرسالة لرسول لينقلها شفاهًا إلى من يراد إخبارهم خبرًا، وذلك في الأمور الهامة بالطبع، التي لا يمكن الإفصاح عنها، لما لها علاقة بحروب أو غزو أو وضع أسير واقع في عذاب أسر آسريه، ويريد إبلاغ أهله بذلك ليخلصوه من وضعه السيئ. ومن رسائل الإخبار، الرسائل التي كتبها المسلمون المتخفون أو المشركون الميالين للمسلمين على قريش، يخبرون فيها الرسول وأصدقاءهم المسلمين بأمر قريش وعورتهم واستعدادهم ليكونوا على حذر منها، والرسائل التي كتبها بعض المسلمين الذين لم يكن الإسلام قد تمكن بعد من قلوبهم، أو كتبوها شفقة لبعض أصدقائهم من المشركين عن الإسلام والمسلمين. ومنها كتاب "حاطب بن أبي بلتعة" إلى صفوان بن أمية وسهل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل. يقول فيه: "إن رسول الله قد أذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد بكتابي إليكم". وأعطى الكتاب إلى امرأة من مزينة، وجعل لها مبلغًا من الدنانير على أن تبلغه قريشًا. وقال: أخفيه ما استطعت، ولا تمري على الطريق فإن عليه حرسًا. فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه قرونها وسلكت على غير نقب، فبلغ الرسول أمرها، فأرسل من قبض على الرسالة. وتوسل حاطب إلى الرسول، بأن يعفو عنه؛ لأنه كان رجلًا ليس له في القوم أصل ولا عشيرة، فصاروا له أهلًا واعتبروه ولدًا فصانعهم فعفا عنه. ونزل الوحي في شأنه في سورة الممتحنة٢.

стр. 5375

وفي كتب السير والتواريخ إشارات إلى مخابرات أرسلها مسلمون إلى ذوي رحمهم، يطلبون إليهم الدخول في الإسلام، وبأن الرسول سيعفو عنهم ويغفر لهم ما بذر منهم من إساءة إليه إن جاءوا إليه مسلمين، من ذلك، ما كتبه "بجير" إلى أخيه "كعب بن زهير بن أبي سلمى"، يطلب منه الدخول في الإسلام، والتوبة، وإلا فمصيره كمصير "ابن خطل" الذي كان يمعن في هجاء الرسول، فقتل١. ومن ذلك كتاب "الوليد بن الوليد" إلى أخيه "خالد بن الوليد"، يدعوه إلى الإسلام، فجاء مسلمًا٢. ويذكر أهل الأخبار أن أهل الجاهلية كانوا يستفتحون كتبهم بجملة: "باسمك اللهم"، ويذكر بعضهم أن أمية بن أبي الصلت كان هو الذي ابتدع هذه البدعة. فمشت بين الناس. وصارت سنة لأهل مكة في تدوين رسائلهم. فجعلوها في أول كتبهم. فكانت قريش تكتب بها. وبها افتتح الرسول كتبه في بادئ أمره، ثم أبدلت باسم الله بعد نزول سورة هود, ثم باسم الرحمن، بعد نزول سورة إسرائيل، ثم بسم الله الرحمن الرحيم، بعد نزول سورة النمل٣. وكان من رسم الجاهليين إذا كتبوا أن يبدءوا بأنفسهم من فلان إلى فلان. ونجد هذا الأسلوب في كتب رسول الله٤. وتختم الرسالة بخاتم كاتبها أو بتدوين اسمه في نهايتها. كأن يقول: "وكتب فلان" أو "كتب فلان". وقد ورد في كتب السير، أن الرسول حين همّ بتوجيه الكتب إلى قيصر وكسرى وغيرهما، قيل له: إن الروم لا يقرءون كتابًا غير مختوم بختم صاحب الرسالة، فأمر بصنع خاتم له، ختم به كتبه، وورد أن قريشًا حين ائتمرت بمقاطعة بني هاشم وبني المطلب، وكتبت بذلك صحيفة، ختمت عليها ثلاثة خواتيم، وعلقوها في سقف الكعبة٥.

стр. 5376

وأشير إلى الخاتم في شعر لامرئ القيس. فورد فيه: ترى أثر القَرْح في جلده ... كنقش الخواتم في الجرجس والجرجس: الشمع، وقيل هو الطين الذي يختم به، وقيل هو الصحيفة. وبكل من ذلك فسر قول الشاعر المذكور١. ومن معاني "الجرجس" البعوض الصغير٢. ويظهر أن اللفظة من المعربات، عُربت عن الإرمية. فهي تعني البعوض الصغير، إذا قيل Gargso، وهي تعني الصلصال والطين الذي يختم به إذا قيل٣ Garguechto. ويذكر بعض أهل الأخبار أن أول من ختم رسائله "عمرو بن هند"٤. وذكر علماء اللغة أن خاتم الملك الذي يكون في يده يُسمى "الحِلق" وأنشدوا في ذلك: وأُعطيَ مِنَّا الحِلْقَ أبيضُ ماجِدٌ ... رديفُ مُلوكٍ ما تَغبُّ نوافِلُهْ كما أنشدوا بيتًا للشاعر جرير، ذكر فيه "الحلق": حلق المنذر بن محرق إذ قال: ففاز بحلق المنذر بن محرق ... فتى منهم رخو النجاد كريم٥ وذكر أيضًا أن الحلق خاتم من فضة بلا فص٦. ويظهر من ذلك أن الملوك كانوا يصطنعون خاتمًا لهم، يكون دليلًا على صدق رسائلهم وأوامرهم، يحملونه معه، أو يودعونه عنه كاتم أسرارهم، وعلى ذلك جرى الأمر في الإسلام. فقد سار الخلفاء على سُنَّة الرسول من اتخاذه خاتمًا يختم به الرسائل، والكتب والأوامر، وبقي الأمر كذلك عند من جاء بعده من الخفاء.

стр. 5377

والخاتم ما يوضع على الطينة وما يختم به. والختام الطين أو الشمع أو الحبر أو أي مادة أخرى تترك أثرًا يختم بها على الشيء١. وختم الأوراق والرسائل من العادات القديمة المستعملة عند الشعوب. ويقوم الخاتم مقام التوقيع في وقتنا الحاضر وختم رسالة معناه المصادقة عليها وتصديقها. واستعمل الخاتم في ختم الأوراق العامة والأوراق الشخصية والعقود والمعاملات. وكان الشخص إذا أراد إرسال رسالة ختمها، ولذلك كانوا يحملون خواتمهم معهم، إما في جيوبهم وإما في أصابعهم وقد يضعونها في سلسلة يعلقونها حول أعناقهم٢. وقد صنع الخاتم من مواد مختلفة. صنع من ذهب ومن فضة ومن معدن آخر ومن الحجر. وقد كتب على بعض الخواتم اسم صاحبه، ونقشت أمثلة وحكم وعبارات دينية أو أسماء الآلهة على بعض الخواتم. كما حفرت على بعض منها صور ترمز إلى رموز مقدسة أو صور حيوانات. وعثر على خواتم في العربية الجنوبية، وبها فصوص من أحجار ثمينة من أحجار اليمن الشهيرة. وقد كان يستعملها الناس إذ ذاك في التوقيع على رسائلهم ومخابراتهم ومعاملاتهم. ولا زال الناس يعثرون على خواتم جاهلية في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية، فيستعملونها لتزيين أصابعهم بها. وبعد أن تختم الرسالة، توضع داخل ظرف، حتى لا يطلع عليها أحد ثم يغلق، ثم يختم على موضع فتحه بالطين أو على المواضع التي يحتمل أن يفتح منها حتى تكون في مأمن تام. فلا يقف عليها إلا من أرسلت له. فإذا وصلته، ووجد أن خاتمها سليم، كسره، ليستخرج الرسالة من ظرفها. وكانت الكتب هلى هيئة لفائف. وكان من عادة الشعوب القديمة أن المكتوب إذا أريد إرساله إلى شخص من طبقة أدنى من طبقة الكاتب، أي: صاحب الرسالة، أرسل المكتوب إليه منشورًا، أما إذا كان المكتوب إلى شخص مكافئ لصاحب الكتاب أو أعلى منزلة منه، أرسل مختومًا وموضوعًا في كيس٣. ولحماية الأشياء من التطاول والتجاوز عليها لجئوا إلى طبعها وختمها، فختموا

стр. 5378

الأكياس التي تملأ بالنقود أو بأي شيء آخر، وختموا زق الخمرة حتى لا يتطاول عليه متطاول. قال الأعشى: وصهباء طاف يهوديها ... وأبرزها وعليها خَتَمْ١ كما ختموا الطعام بالروسم، وهو خشبة مكتوبة بالنقر. أو لويح فيه كتاب منقور، تختم به الأكداس٢. وقيل له "الروشم" أيضًا في لغة السواد٣. وكلمة "رشم"، تعني "كتب" في الإرمية. و"راشوم"؛ بمعنى لوح منقوش تختم به البيادر في لغة بني إرم، Rouchmo، وتعني علامة٤. وكان من عادتهم ختم الأمور المهمة أيضًا خشية ضياعها أو التطاول عليها أو لحفظها. فلما كتب أهل مكة فيما بينهم كتابًا يتعاقدون فيه ألا يناكحوا بني هاشم وبني المطلب ولا يبايعوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم حتى يُسلّموا إليهم محمدًا. كتبوا بذلك صحيفة ختموا عليها ثلاثة خواتيم، وعلقوها في سقف الكعبة٥. ويظهر أنهم بعد أن كتبوا الصحيفة وضعوها في ظرف ثم سدّوه وختموا عليه ثلاثة خواتيم، حتى لا يفتح الظرف. أو أنهم طووها بعد أن كتبوها ثم ختموا عليها حتى لا تفتح، فلما أرادوا فتحها وجدوا أنها قد تهرأت وتلفت من فعل لعب الأرضة بها. ويجوز أنهم ختموا عليها ثلاثة خواتيم. بخواتيم الكتبة الثلاثة الذين نسبت كتابتها إلى كل واحد منهم، بحسب اختلاف الروايات. وهم: منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم، أو النضر بن الحارث، أو بغيض بن عامر بن هاشم.

стр. 5379

الكاتب: والكاتب في اصطلاحنا هو الذي خصص نفسه بالكتابة، أو من يقوم بعمل

стр. 5380

كتابي، أو من اشتهر وعرف بحذقه في فن الكتابة. وذكر علماء اللغة أن الكاتبين، هم الكتبة وحرفتهم الكتابة. وذكروا أن الكاتب في أيام الجاهلية: العالم. "وفي كتابه إلى أهل اليمن: قد بعثت إليكم كاتبًا من أصحابي. أراد عالمًا سُمي به لأن الغالب على من كان يعرف الكتابة أن عنده العلم والمعرفة"١. والواقع أن نسبة العلم للكتاب، لم تكن نظرة أهل الجاهلية وحدهم بالنسبة إلى كتّابهم، بل كانت وجهة نظر شعوب العالم كلها إلى الكتبة في ذلك العهد؛ لأن أكثر كتّاب تلك الأيام كانوا من أبناء العوائل المتمكنة ومن أبناء طبقة رجال الدين, وكانوا يتعلمون إلى جانب الكتابة في الغالب علم اللسان، كالعربية بالنسبة إلى العرب والإرمية بالنسبة إلى بني إرم، وشيئًا من الأدب من منظوم ومنثور وحساب وأمثال وحكم، لذلك يخرج المتعلم، وقد تثقف بثقافة تجعله فوق مستوى أقرانه، فيكون بعلمه هذا أعلم من غيره وأدرك منهم بشئون الحياة. ومن هنا صار أعلم من بقية الناس. ونظر إليه نظرة تقدير وتبجيل. ومن هنا نجد أن الأحناف، وهم الدعاة إلى الإصلاح وإلى رفع مستوى الحياة في الجاهلية، كانوا كلهم من الكتّاب بالعربية. وقد نسب إليهم أنهم كانوا يكتبون ويقرءون بالعبرانية أو بالسريانية أو باللغتين أيضًا، كما عرف عن بعض الخطباء والشعراء أنهم كانوا يقرءون ويكتبون، ومنهم من كان له اطلاع على الثقافات واللغات الأعجمية حتى بان ذلك على كلامه المنظوم أو المنثور، وخير مثال على هؤلاء: عدي بن زيد العبادي، وأمية بن أبي الصلت والأعشى ولبيد. وقد عرفت حرفة احتراف الكتابة بين الجاهليين أيضًا، كالذي كان من أمر "زيد" والد "عدي بن زيد العبادي" مع الفرس، وكالذي كان من أمر ابنه عدي نفسه مع الفرس أيضًا، ثم ما كان من أمر ابن عدي معهم. وكالذي كان من أمر "لقيط بن يعمر الإيادي"، وغيرهم. وقد رأينا أن الناس أطلقوا على "حنظلة بن الربيع"، كاتب الرسول "الكاتب"، حتى عرف بـ"حنظلة الكاتب"، لأنه كان قد قضى معظم وقته في الكتابة للرسول، فكان يكتب له إذا غاب كاتب من كتّابه عنه. فهؤلاء إذن، هم كتّاب، صارت الكتابة حرفتهم، ولا بد وأن نتصور أنهم كانوا قد أتقنوا حرفتهم لطول مرانهم بها

стр. 5381

وخبروها على خير وجه. ومن المؤسف، أننا لا نملك نماذج من رسائلهم ولا من خطوطهم في هذا اليوم. كما لا نملك من خطوط غيرهم شيئًا، وسبب ذلك هو ندرة مواد الكتابة وغلائها بالنسبة لذلك الوقت، فكانوا يغسلون الصحيفة المكتوبة ويمحون ما كتب عليها، ليكتبوا عليها من جديد، ثم عدم إدراك الناس إذ ذاك لأهمية وقيمة الوثائق، حتى بالنسبة إلى الوثائق المهمة كرسائل الرسول وأوامره وأحاديثه وأمثال ذلك، فضاعت الأصول بسبب هذا الإهمال، وهي أصول سريعة التلف؛ لأنها كتبت على الجلود وعلى مواد تبلى بسرعة، وتحتاج إلى عناية وحرص كي تحافظ على حياتها مدة طويلة. وقد سار الكتّاب الجاهليون على الجادة التي سلكها الكتّاب الآخرون الكاتبون بالأقلام السامية من عدم وضع علامات للحروف المتشابهة مثل الباء والتاء والثاء، بحيث إنهم كانوا إذا كتبوها، لم يضعوا عليها نقاطًا لتمييز حرف منها عن حرف مشابه له أو علامة أخرى فارقة، تفرق هذا الحرف عن الحرف الآخر. كما ساروا على الجادة التي سار عليها غيرهم من عدم وضع علامات خاصة بالحركات. فكتبوا ما كتبوا من غير إعجام ولا حركات. تاركين أمر القراءة الصحيحة وفهم المكتوب إلى علم القارئ وفهمه وذكائه وحذقه باللغة وبالمهنة. ولعلهم فعلوا ذلك محاكاة لغيرهم مثل: الكتبة النبط والآراميين والعبرانيين، الذين تمسكوا بهذا الأسلوب، على اعتبار أنه سُنَّة قديمة ورثت عن الآباء، وقد كتبت بها الكتب المقدسة. أو لأن القارئ يجب أن يكون عالمًا بفنه بارعًا به، فلا يكتب له بما يشعره أن مستواه في فهم المكتوب، هو مثل مستوى سائر الكتبة، ممن تعلموا القراءة والكتابة وكفى. فكتبوا من غير إعجام ولا حركات. وقد جعلوا ذلك خاصة في مخاطبة ذوي المكانة والحكم، أما إذا كان الإنسان المكتوب إليه من سواد الكتّاب القرّاء، فكانوا يبيحون لأنفسهم حرية إعجام الكتابة وتحريكها. ومن هنا أيضًا، ظهرت نماذج من الخطوط، خصصت بكتّاب العامة. وكانوا يميزون بين الخطوط، ويرجحون الخط القوي السوي على الخط الضعيف. والخط الجيد هو الخط الذي يجود فيه. ولا يستبعد أن تكون لهم مدارس في كيفية تدوين الخط. فقد أطلقوا على خط أهل الأنبار المشق. وقد عرفوا هذا الخط، بأنه فيه خفة. ولا يعقل بالضبط أن يكون هذا الخط خطًّا رديئًا ولهذا سُمي مشقًّا، بل هو طريقة خاصة من طرق رسوم الخطوط التي امتازت بمدِّ

стр. 5382

الحروف وبخفتها في الكتابة, أي: سهولتها، ولا تزال هذه الطريقة المعروفة بـ"خط المشق" معروفة. وهي تستعمل عند الخطاطين في كتابة بعض الأمور التي يناسبها هذا الخط. ذكر أن الخليفة "عمر" ذكره فقال: "شرّ الكتابة المشق وشر القراءة الهذرمة"١. لما في الاثنين من السرعة والتسرع. فالهذرمة السرعة. وذكر أيضًا أن "ابن سيرين" كره كتابة المصاحف بالمشق٢. والنوع الثاني الذي نعرفه من أنواع الخطوط، هو الجزم، وهو خط أهل الحيرة. وهو خط المصاحف٣. ويجب أن نضيف إلى هذين القلمين قلم أهل مكة، الذي دعاه "ابن النديم" بـ"الخط المكي"، ثم الخط المدني. وقد ذكر أن ما بعدهما الخط البصري ثم الكوفي. وهما خطان إسلاميان، وإن كنت لا أستبعد من كونهما قد أخذا من خط عرب العراق في الجاهلية، ولعلهما قد طعما بشيء من قلم أهل مكة أو المدينة. وقد وصف "ابن النديم" بعض خصائص القلم المكي والقلم المدني، فقال: "فأما المكي والمدني، ففي ألفاته تعويج إلى يمنة اليد وأعلى الأصابع وفي شكله انضجاع يسير٤. ويمكن استخراج بعض خواص رسم خطوط أهل الحجاز في القرن الأول للهجرة من الكتابات التي عثر عليها بعض الباحثين في مواضع متعددة من الحجاز، والتي قد يعثر عليها في المستقبل. والصفة التي يذكرها "ابن النديم" عن ألفات أهل مكة وأهل المدينة، تدل على أن أهل المدينتين قد أخذوا خطهم من أهل العراق والنبط؛ لأن الصورة المذكورة هي صورة كتابة الألف في الخط الشمالي، ولم يعدل الألف، بحيث صير مستقيمًا إلا في الإسلام. وأنا لا أستبعد احتمال تدريس مبادئ اللغات وبينها مبادئ اللغة العربية في الحيرة وفي الأنبار وفي مواضع حضرية أخرى؛ فليس يعقل اقتصار التعليم في هذه المواضع على تعليم الخط والقراءة ثم لا يتجاوزهما إلى مراحل أخرى ومراقي أرفع. خاصة وأن السريانيين كانوا قد اقتبسوا من اليونان أجرومية النحو وأصول

стр. 5383

الشعر وفلسفة قواعد اللغات بترجماتهم الكتب اليونانية إلى اللغة السريانية. وأن جماعة من النصارى العرب كانوا يزورون القسطنطينية وبلاد الشأم ويقرءون الكتب الدينية من آرامية ويونانية للتعلم والتثقف، وهؤلاء هم الذين تولوا تثقيف أبنائهم العرب وتعليمهم. وأناس من هذا الطراز لا بد وأن يكونوا قد تأثروا بما تعلموه من اليونان ومن السريانية فطبقوه على العربية، ووضعوا القواعد لصيانة الألسنة ولتقويمها، وسلكوا سبلًا في البيان ترتفع فوق مستوى تفكير السواد والسوقة بدرجات. وترجموا الموضوعات الدينية ولا سيما الكتب الدينية إلى الناس لتفقيههم بأمور دينهم. ورجل مثل "عدي بن زيد العبادي"، ولِّي ديوان الرسائل والإنشاء عند كسرى وهو ديوان مهم، لم يكن الفرس يسلمون أمره إلا لرجل أديب حاذق، لا يعقل أن يكون مجرد قارئ خطاط ناقش للحروف، لا بد وأن يكون صاحب فن وحذق, له أسلوب في تنميق الكلام والتحبير، قوي البيان، يكتب وفوق قواعد اللغة وأصولها. درس القواعد والأدب وأساليب العرب والعجم في التعبير والبيان، فصار من ثم كاتبًا بالعربية وبالفارسية كما يذكر أهل الأخبار.

стр. 5384

الفصل الخامس والعشرون بعد المائة: الكتاب والعلماء مدخل ... الفصل الخامس والعشرون بعد المائة: الكتاب والعلماء والعلم المعرفة. ورجل عالم وعليم، صاحب معرفة، وأصحاب المعرفة والعلم هم العلماء. ويقال في جمع عالم: علّام، كجهّال في جاهل. قال يزيد بن الحكم: ومسترق القصائد والمضاهي ... سواء عند علام الرجال١ وذكر علماء اللغة أن "الناخع" العالم، وقيل: هو المبيّن للأمور، وقيل: هو الذي قتل الأمر علمًا. قال شقران السلاماني: إن الذي ربّضتما أمره ... سرًّا وقد بين للناخع لكالتي يحسبها أهلها ... عذراء بكرًا وهي في التاسع٢ والعلّامة، والعلّام، والتعلمة، والتعلامة: العالم جدًّا، وذلك للمبالغة في سعة علم العالم. وذكر علماء اللغة أن "العلامة والعلام: النسابة"٣، ويظهر أنهم إنما قالوا ذلك، بسبب أن النسب كان عند الجاهليين من أهم علومهم التي

стр. 5385

برعوا وتخصصوا بها، حتى صار النسب مرادفًا للعلم عندهم. وفي القرآن: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١، و"علماء بني إسرائيل"٢، وألفاظ كثيرة لها صلة بالتعلم والعلم، وفي ورودها فيه دلالة على وقوف الجاهليين على العلم والتعلم وعلى وجود العلماء عندهم. وترد لفظة "الكاتب" بمعنى العالم. قال الله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٣، "وفي كتابه إلى أهل اليمن: قد بعثت إليكم كاتبًا من أصحابي، أراد عالمًا، سُمي به لأن الغالب على من كان يعرف الكتابة أن عنده العلم والمعرفة"، والكاتب عندهم العالم. والإكتاب الإملاء. تقول: أكتبني هذه القصيدة، أي: أملاها علي ٤، و"الكاتب" عند الشعوب الأخرى، بمعنى العالم كذلك، وقد كانت للكتاب منزلة كبيرة في مجتمعهم، إذ كانوا يعدون من الطبقات العالية الممتازة؛ وذلك لأن الكاتب لا يكون كاتبًا إذ ذاك, ولا ينال العلم, إلا إذا كان من الطبقة العالية المتمكنة ومن أسرة عرفت بالعلم. والعلم إذا ذاك محصور في العواثل، وفي رجال الدين وفي الطبقة التي تتولى الكتابة في قصور الملوك. ونجد في القرآن لفظة: "كتب" و"كَتَبَتْ"و"كَتَبْتَ"و"كَتَبْنا"، و"كتبناها"، و"فسأكتبها"، و"تكتبوه"، و"نكتب"، و"يكتب"، و"يكتبون" و"أكتب"، و"فاكتبها"، و"فاكتبوه"، و"كُتِبَ" و"ستكتب"، و"اكتتبها"، و"فكاتبوهم"، و"كاتب"، و"كاتبًا" و"كاتبون"، و"كاتبين"، و"الكتاب"، و"كتابًا"، و"كتابك"، و"بكتابهم"، و"كتابنا"، و"كتابه"، و"كتابها"، و"كتابي"، و"كتابيه"، و"كُتُبٌ"، و"كُتُبِهِ"، و"مكتوبًا". وفي ورود هذه الألفاظ فيه معبرة عن معان مختلفة لها صلة بالكتابة وبالعلم دلالة على أن الجاهليين كانوا على علم، وأنهم كانوا يكتبون في أغراض مختلفة من أغراض الحياة، وأنهم لم يكونوا على نحو ما يقص عنهم أهل الأخبار من الجهل والأمية.

стр. 5386

وذكر علماء اللغة أن "الشهر" وجمعها "شهور" بمعنى العالم، واسشهدوا على هذا المعنى ببيت شعر ينسب إلى أبي طالب، هو: فإني والضوابح كل يوم ... وما يتلو السفاسرة الشهود١ قال الصاغاني: هكذا أنشده الأزهري لأبي طالب، ولم أجده في شعره٢. ولكن الرواة يروونه على هذا النحو: فإني والسوابح كل يوم ... وما تتلو السفاسرة الشهود٣ والسفاسرة أصحاب الأسفار، وهي الكتب، والشهود أنسب في تفسير الشعر من الشهور؛ لأننا لا نعلم أن أحدًا قال إن الشهر: العالم، وأرى أن تصحيفًا قد وقع في البيت حول حرف "الدال" "راء"، ففسرت لفظة الشهور بالعلماء، لعدم تصادم هذا التفسير مع المعنى، وفي العربية مئات الأمثلة على مثل هذا التصحيف. وترد لفظة "الفقه" بمعنى العلم بالشيء والفهم له. ويظهر أن الجاهليين كانوا يستعملون لفظة "فقه" ومشتقاتها في معان لها صلة بالعلم. ودليل ذلك ما ورد في القرآن الكريم من قوله ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ ٤، ومن ورود "تفقهون"، و"تفقه"، و"يفقهوا"، و"يفقهون"، و"يفقهوه" في مواضع منه. وورد في كتب اللغة والأدب والأخبار: "فقيه العرب: عالم العرب"، و"فقهاء من العرب"٥. وورد في الحديث: "أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون" ٦، أي: الثرثارون المدّعون العلم والفقه. ويفهم أيضًا من روايات أهل الأخبار، أنه قد كان للجاهليين أئمة وفقهاء يقضون بينهم، ويفتون في دينهم، ويحافظون على دينهم. فهم عندهم سدنتهم وأمناؤهم. وقد ذكر "ابن حبيب" أسماء نفر من "تميم" تولوا الموسم والقضاء

стр. 5387

بعكاظ. فكانوا يجلسون في مكان من السوق، بين المتخاصمين وللإفتاء فيما يشكل عليهم من أمر دينهم. وكان منهم من تخصص بالإجازة بالموسم. ومنهم من تخصص بالفتيا والقضاء. ومنهم من جمع بين الاثنين١. وأنا لا أستطيع أن أتحدث عن كتب ومؤلفات نقول: إن الجاهليين كتبوها بالعربية على نمط اليونان واللاتين والفرس والسريان في الكتابة والتأليف، ذلك لقصور علمنا في الموضوع، ولعدم وصول أي خبر إلينا عنه حتى الآن. نعم، لقد أشرت إلى وجود ما يُسمى "مجلة لقمان" و"حكمة لقمان" وإلى كتب امتلكها بعض الجاهليين، إلا أن الأخباريين لم يصفوا كيف كانت مجلة لقمان، ولم يتطرقوا إلى ما كان فيها، كما أن الظواهر تشير إلى أن تلك الكتب هي مؤلفات جيء بها من بلاد الشأم والعراق واليمن، أغلبها في موضوعات دينية وتأريخية وقصص. وأما لغتها، فيظهر أن بعضها بعربية القرآن الكريم، كمجلة لقمان، وبعضها بلغة بني إرم. أما ما قيل له "الأساطير" أو "كتب الأساطير"، فهو كتب قصص وسمرٍ وحكايات وتواريخ. وتدل التسمية على أنها من أصل يوناني، هو: Historia و Storia في اللاتينية، وتعني التأريخ، عرّبت فصارت "أسطورة" وجمعت على أساطير، واستعملها الجاهليون استعمال اليونان واللاتين، أي: أرادوا بها تواريخ الماضين وحكاياتهم وقصصهم. وأما ما قيل له "السفاسرة"، فالسفسير الحاذق بالشيء. والسفاسرة أصحاب الأسفار، وهي الكتب. والكلمة من أصل "إرمي" على رأي علماء اللغة. و"سفسير" بمعنى "سمسار" في لغة "بني إرم"، أي: المساوم٢. والظاهر أن "السفاسرة"، من "سفر"، و"سفر" "سيفير" بمعنى كتاب في عدد من اللغات السامية. وتقابل "سفرو" في لغة بني إرم، بمعنى كتاب٣. وقد كان بمكة وبغيرها رجال يتلون الكتب ويقرءون أسفار أهل الكتب من دينية وغيرها قبل الإسلام وفي الإسلام. "وفي الحديث: لا تعلموا أبكار أولادكم كتب

стр. 5388

النصارى: يعني أحداثكم"١. وفي هذا الحديث إن صح دلالة على أن قراءة الكتب كانت منتشرة في ذلك العهد. ولا تعني جملة "كتب النصارى" الكتب الدينية بالضرورة، إذ قد تعني كل ما كان يتداوله النصارى من كتب في ذلك العهد. وقد يكون من بينها مؤلفات في الفلسفة وفي الطب وفي فروع المعرفة الأخرى التي كان الناس يتدارسونها إذ ذاك. وفي الآية: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا, قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٢، دلالة صريحة على وجود الكتب والأساطير عند الجاهليين. فلما نزل القرآن، قال المشركون: "إن هذا إلا إفك افتراه محمد ﷺ هذا الذي جاءنا به محمد أساطير الأولين، يعنون أحاديثهم التي كانوا يسطرونها في كتبهم. اكتتبها محمد ﷺ من يهود، فهي تملى عليه، يعنون بقوله: فهي تملى عليه، فهذه الأساطير، تقرأ عليه، من قولهم أمليت عليك الكتاب، وأمليت بكرة وأصيلًا، يقول وتملى عليه غدوة وعشيًّا. وقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ . يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بآيات الله من مشركي قومك ما الأمر كما تقولون من أن هذا القرآن أساطير الأولين، وأن محمدًا ﷺ افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، بل هو الحق أنزله الرب الذي يعلم سر من في السموات ومن في الأرض ولا يخفى عليه شيء"٣. وزعموا أن الرسول اكتتب القرآن من "أساطير الأولين"، وهي أحاديث سطرها المتقدمون كأخبار الأعاجم، "فهي تقرأ عليه أو كتبت له"٤، وقالوا: "ما هذا الذي جئتنا به إلا كذب الأولين وأحاديثهم"٥. وكانوا يروون الأساطير وأحاديث الخلق، وهي الخرافات من الأحاديث المفتعلة، فرمى المشركون الرسول بهذه القرية٦.

стр. 5389

وقد ذهب "شبرنكر" -وهو من الزاعمين أن الرسول كان يكتب ويقرأ- إلى أن النبي قرأ كتابًا في العقائد والأديان وأخبار الماضين، وقد زعم أن اسم هذا الكتاب هو: "أساطير الأولين"١. وقد أخذ رأيه هذا من الآية: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٢. وهذه السورة هي من السور المكية. فهي تشير إلى زعم قريش في أن القرآن، هو شيء اكتتبه الرسول، وقد أملي عليه من الأساطير. وقد سبق أن قالوا: إنه يتعلمه من أناس عاونوه وساعدوه عليه. قالوا: إن هذا القرآن "إفك افتراه محمد ﷺ هذا الذي جاءنا به محمد أساطير الأولين, يعني أحاديثهم التي كانوا يسطرونها في كتبهم، اكتتبها محمد ﷺ من يهود، فهي تُملى عليه. يعنون بقوله: فهي تُملى عليه، فهذه الأساطير تقرأ عليه، من قولهم أمليت عليك الكتاب وأمليت، بكرة وأصيلًا. يقول وتملى عليه غدوة وعشيًّا"، "وأعانه عليه قوم آخرون. يقول: وأعان محمدًا على هذا الإفك الذي افتراه يهود"٣. وقد رد على هذا الرأي "نولدكه" في كتابه: "تأريخ القرآن"، وعدّه قولًا لا أهمية له٤. وقد ذكر علماء اللغة أن الأساطير هي الأباطيل والأكاذيب والأحاديث لا نظام لها، وهي جمع "أسطار" و"أسطير" و"أسطور"٥. واللفظة من الألفاظ المعربة. وهي Istoriya "استوريا" في اليونانية، و Historia في اللاتينية، وقد أطلقت عندهم على كتب الأساطير والتأريخ. ويظهر أن الجاهليين قد أخذوها من الروم قبل الإسلام، واستعملوها بالشكل المذكور وبالمعنى نفسه، أي: في معنى تأريخ وقصص. ولا أستبعد وجود الكتب التأريخية باليونانية وباللاتينية في مكة، فقد كان في مكة وفي غير مكة رقيق من الروم، كانوا يتكلمون بلغتهم فيما بينهم وينطقون

стр. 5390

بها إذا تلاقوا، كما كانوا يحتفظون بكتبهم المقدسة، وبكتب أخرى مدوّنة بلغتهم. وقد ذكر علماء التفسير اسم رجل زعمت قريش أنه كان هو الذي يعلم الرسول ويلقنه القرآن. وإليه الإشارة في الآية: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ ١. وهي في سورة النحل، وسورة النحل من السور المكية. "كانوا يزعمون أن الذي يعلم محمدًا هذا القرآن عبد رومي"، "وكان صاحب كتب، عبد لابن الحضرمي"، "فكان المشركون يرون رسول الله ﷺ حين يدخل عليه وحين يخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه"٢. وقد ذهب "شبرنكر" إلى وجود "صحف إبراهيم" عند الجاهليين، زعم أن الرسول قرأها وأخذ منها. وقد رد على رأيه هذا "نولدكه"، بقوله: لو فرضنا أن محمدًا أخذ من هذه الصحف، ونسبه لنفسه وادعاه، على أنه وحي أوحى الله به إليه، لو فرضنا ذلك، فإن من غير المعقول عندئذ ذكر محمد لتلك الصحف في القرآن؛ لأن ذكرها فيه معناه إرشاد الناس إلى المورد الذي أخذ منه واتهام نفسه، ولهذا فلا يعقل الأخذ بكلام "شبرنكر"٣. وورد في كتب أهل الأخبار أن "الأحناف" كانوا يقرءون الكتب، وتبحروا في التوراة والإنجيل، ومنهم من وقف على لغة "بني إرم" وعلى العبرانية. ومن هؤلاء "ورقة بن نوفل بن أسد"، "الشاعر صاحب العلم في الجاهلية. وكان قد قرأ الكتب وتبحر في التوراة والإنجيل، وهو الذي لقيته خديجة في أمر النبي"٤. وورد في بعض الأخبار في تفسير الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ ٥ أن هذه الآية إنما نزلت في قوم كانوا يشترون الكتب من أخبار السمر والأحاديث القديمة، ويضاهون بها القرآن، ويقولون: إنها أفضل منه٦. وفي هذا الخبر دلالة على وقوف الجاهليين

стр. 5391

على الكتب واستعمالهم لها، وخاصة كتب السمر والأحاديث القديمة، إذ لا يعقل أن يكون شراؤهم لها حادثًا طارئًا، ظهر عندهم بنزول القرآن. وذكر بعض المفسرين أن الآية المذكورة نزلت في حق "النضر بن الحرث وكان يتجر إلى فارس، فيشتري كتب الأعاجم: رستم واسفنديار فيحدث بها قريشًا. وقيل: كان يشتري المغنيات، فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول أطعميه وأسقيه وغنّيه، ويقول: هذا خير مما يدعوك محمد إليه من الصلاة والصيام، وأن تقاتل بين يديه"١. وإذا صح ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن هذه الآية قد نزلت بحق "النضر" لأنه كان يعاند الرسول ويعارضه وقت يكون مجتمعًا بنفر من الناس يلقي عليهم مبادئ الإسلام، فيقرأ عليهم من كتب الأعاجم ومن قصص: رستم واسفنديار فإن ذلك يدل على أنه كان يتقن الفارسية، وأنه كان يمتلك كتب الفرس ويقرأ بها وهو بمكة، ويترجم ما جاء فيها لمن يتجمع حوله. وأنه اشترى جملة كتب خلال تجاراته مع العراق. فنحن إذن أمام أقدم مترجم يصل إلينا خبره من مترجمي العرب قبل الإسلام بمكة. يقوم بترجمة كتب من الأعجمية إلى العربية. ويكون بذلك قد سبق المسلمين بزمن طويل في ترجمة كتاب رستم واسفنديار إلى العربية. غير أننا يجب أن نتحفظ ونحترز كثيًرا في قولنا هذا. فنحن لا نقصد أنه ترجم كتاب رستم واسفنديار ترجمة تدوين وتحبير، وبالتمام والكمال. فقول مثل هذا يكون قولًا جزافًا، لا يستند إلى علم أو دليل إن قلته. وإنما أقصد ترجمة شفوية على نحو ما ذكره وأورده المفسرون وأصحاب السيرة. وقد ترجم هذا الكتاب في الإسلام. ترجمه جبلة بن سالم٢. ولا أعتقد أن رجلًا مثل الحارث بن كَلَده الثقفي، أو ابنه النَّضر، وهما من العلماء بالطب، لم يرجعا إلى مؤلفات في الطب مدوّنة بلغة من اللغات الأعجمية، للحصول على علمهما في الطب، وكيف يمكن ذلك، وقد درسا في مدرسة لم تكن

стр. 5392

مدرسة عربية، هي مدرسة "جنديسابور"، عرفت واشتهرت في الطب. وقد كان عماد دراستها في الطب ما ألفه اليونان، وما نقله منها علماء السريان. ولا أعتقد أنهما كانا في جهل بمؤلفات أبقراط وجالينوس وغيرهما ممن بنوا صنعة الطب، ووضعوا فيها المؤلفات. بل لا أعتقد أن رجالًا في مكة أو في يثرب أو الطائف كانوا على جهل بأسماء مشاهير حكماء اليونان، وبينهم من كان له اتصال ببلاد الثقافة والعلم وبالأجانب على نحو ما ذكرت، وإن أغفل عن ذكرهم أهل الأخبار. ويظهر من روايات أهل الأخبار-مثل رواية ابن الكلبي عن وجود دواوين فيها ما مدح به آل لخم وما قيل فيهم من شعر ومقدار ما حكم كل واحد منهم، وروايات غيره عن تدوين الشعر قبل الإسلام- أن الجاهليين كانوا قد شرعوا في تدوين الأخبار والشعر وما لفت انتباههم قبل الإسلام، وقد يكون ذلك قبيل الإسلام بعهد غير بعيد، وأن التدوين كان بهذه اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، أن بلهجات قريبة منها. ومعنى هذا أن هذه اللهجة كانت قد اكتسبت قوة في هذا العهد، حملت الناس على التدوين وعلى نظم الشعر بها. ولكن الذي رفعها وجعلها لغة للعرب أجمعين، هو القرآن الكريم من غير شك، فبفضله صارت هذه اللغة لغة للعرب كلهم ولغة المسلمين الدينية. ويظهر من القرآن الكريم أن هذه اللغة كانت قد عرفت ألفاظ الحضارة والفكر في يوم نزوله، لورودها فيه. ولورودها فيه أهمية كبيرة في إعطاء فكرة عن مستوى أهل الحجاز العقلي في ذلك اليوم، ففيه ألفاظ مثل العلم والعلماء والحكمة والأساطير والأمثال إلخ ... وألفاظ ذات صلة بالكتابة والتدوين تحدثت عنها ومصطلحات أخرى، ولا يمكن ورود مثل هذه الكلمات في لغة قوم ما، ما لم يكن لهم أو لجماعة منهم على الأقل، حظ من ثقافة وتفكير وعلم. ولا أقصد أن الجاهليين استعملوا تلك الألفاظ بمدلولها المفهوم في الزمن الحاضر، أو بالمعاني المفهومة منها عند اليونان. فلفظة "علم" مثلًا، لا تعني علمًا بالمصطلح الحديث, أي: في مقابل Science في الإنكليزية، وإنما تعني المعرفة عامة. ولفظة "علماء"، لا تعني المشتغلين بالعلوم خاصة أي ما يقال لهم Scientist في الإنكليزية، وإنما يراد بهم العارفون أصحاب المعرفة والفهم. وقد صار للفظتين مدلولان خاصان في العصر العباسي، ولكن هذا لا يعني أن لفظة "علم" أو "علماء"، لم تكن تعني معنًى خاصًّا عند الجاهليين، وإلا ما استعملت للتعبير

стр. 5393

عن معان معينة في القرآن الكريم، وما يميز القرآن الكريم والحديث النبوي العارفين بلفظة علماء، لتمييزهم عن السواد. وبهذا المعنى وردت لفظة "عالم" وعلم عند العبرانيين١. ولا أستبعد تأثر المثقفين الجاهليين ومن كان على اتصال بالعجم وباليهود والنصارى بالآراء الفلسفية والدينية وبالجدل الذي وقع بين المذاهب النصرانية في أمور عديدة. فقد خالط الجاهليون، ولا سيما في بلاد العراق وبلاد الشأم، أقوامًا عديدة ذات ثقافات متباينة، واحتكوا بها، وأخذوا منها، فلا يعقل ألا يتأثروا ببعض آرائهم في الكون وفي الحياة وفي سائر نواحي التفكير. وقد وردت في شعر للأعشى وفي شعر لبيد، فكرتان متناقضتان عن الجبر والاختيار، فذهب الأعشى في هذا البيت. استأثر الله بالوفاء وبالعد ... ل وولى الملامة الرجلا مذهب القائلين بالاختيار، أي: إن الإنسان مختار قادر على أفعاله. أما الأعشى فذهب مذهب الجبرية القائلين بأن الإنسان مُجْبر، مسير، وذلك في قوله: إن تقوى ربنا خير نقل ... وبإذن الله ريثي وعَجَل من هداه سُبُل الخير اهتدى ... ناعم البال، ومن شاء أضل٢ وقد سبق أن ذكرت في مواضع متعددة من هذا الكتاب أن أكثر من نُسِب إلى التوحيد، أي: من ينعتهم أهل الأخبار بالحنفاء، كانوا يقرءون ويكتبون، وكانت عندهم كتب أهل الكتاب، وأن أكثرهم كانوا أصحاب رأي وفكر في الخلق. وفي هذا العالم. ولكنهم لم يدخلوا في يهودية ولا في نصرانية؛ لأنهم لم يجدوا في الديانتين شيئًا يُفرِّج ويُرفِّه عما كان يجول في رءوسهم من آراء ومقالات عن الخالق والكون. وقد جالس هؤلاء رجال اليهود والنصارى، وتكلموا معهم في أمور عديدة من أمور الفكر والدين في جزيرة العرب وفي بلاد العراق وبلاد الشأم. وينسب لجندب بن عمرو بن حممة، وهو من دوس، أنه كان يقول في الجاهلية:

стр. 5394

إن للخلق خالقًا لا أعلم ما هو. ثم جاء إلى الرسول، فأسلم. وقد ذكر أن ورقة بن نوفل، وهو واحد من المذكورين، كان قد قرأ الكتب وكتب بالعبراني أو السرياني، وأنه كتب بالسريانية "العبرانية" من الإنجيل ما شاء أن يكتب. وكان قد امتنع عن أكل ذبائح الأوثان١. وذكر أيضًا: أن زيد بن عمر بن نفيل، وهو ممن كان على الحنيفية، كان ينتقد قريشًا، ولا يأكل ذبائحها؛ لأنه ذبحت للأصنام والأوثان٢؛ وأن عبد الله بن عبد الملك بن عبد الله بن غفار المعروف بآبي اللحم الغفاري كان يأبى أن يأكل اللحم، ولهذا سُمي: "آبي اللحم". وكان شريفًا شاعرًا. وقد أسلم: وشهد حنينًا٣. وكان لكل هؤلاء وقوف على كتب أهل الكتاب، ولهم علم بأقلامهم. وقد ذكر أهل الأخبار أن وهب بن منبه وأخاه كانا يستوردان الكتب القديمة من بلاد الشأم. ويرد مصطلح "الكتب القديمة" في كتب السير والأخبار٤. ووهب بن منبه وأخوه من الإسلاميين، ولكن استيرادهما للكتب لم يكن بدعًا واكتشافًا منهما، بل لا بد أنه كان قديمًا معروفًا عند الجاهليين. وقد ذكر أهل الأخبار عبد عمرو بن صيفي النعمان المعروف بأبي عامر الراهب في جملة من كان يناظر أهل الكتاب، ويتتبع الرهبان، ويألفهم، ويكثر الشخوص إلى الشأم. ومن هنا قيل له: الراهب٥. وقد علم بذلك علم أهل الكتاب. وورد أن أهل الكتاب، وهم اليهود، كانوا يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام. فقال رسول الله, ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم" ٦، وورد جواز تفسير التوراة والإنجيل باللغة العربية٧. وكان اليهود يجادلون رسول الله في أمور الدين، وقد أشير إلى جدالهم له في القرآن الكريم: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا

стр. 5395

مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١، وكانوا يستعينون في جدلهم بالتوراة، يفسرونها بالعربية للمسلمين٢. وقد فسر بعضهم الآية: "ليقولوا دارست"، "بقوله: قرأت على اليهود وقرءوا عيك"، وفسرها بعضهم بذاكرتهم، أو قرأت كتب أهل الكتاب٣، فنحن إذن أمام أقدم أخبار تشير إلى ترجمة العهد القديم إلى العربية، ليفهمها العرب المشركون. وقد كان جدال اليهود مع النبي على أمور واردة في التوراة، فلا بد وأنهم كانوا يستعينون بالترجمة في هذا الجدال. وفي أخبار أهل الأخبار هذه مواضع تثير التساؤل وتوجه الانتباه إلى قضية وقوف أهل الجاهلية وصدر الإسلام على كتب أهل الكتاب، ونقلهم عنها وشرحهم لبعض ما نقلوه باللغة العربية. فقد وقفنا توًّا على ما ورد عن بعض الأحناف من وقوفهم على كتب أهل الكتاب ومن معرفتهم بالعبرانية والسريانية، وقد وقفنا من أخبارهم على أن "عبد الله بن عمرو بن العاص" كان قد قرأ "الكتاب الأول"٤.وأنه كان يقرأ بالسريانية٥، وأنه استأذن رسول الله في أن يكتب ما سمعه منه، فأذن له، فدوّنه في صحيفة سماها: "الصادقة"٦، وروي أنه كان يقرأ الكتابين: التوراة والإنجيل٧. وأنه "كان فاضلًا عالمًا قرأ الكتاب واستأذن النبي في أن يكتب حديثه، فأذن له، فكتب عنه حديثه وحفظ عنه ألف مثل٨. وروي أنه كان على علم بالمثناة، و"المثناة" "المشنا" في تفسير التوراة، وأنه جمع كتبًا حصل عليها يوم "اليرموك"، وكان له علم بها"٩. وروي أن "عمر" انتسخ كتابًا من كتب أهل الكتاب ووضعه في أديم، وجاء به إلى رسول الله، فقال له: "ما هذا في يدك يا عمر؟ قال: يا رسول الله
следующие страницы →