← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

وليس في الأخبار عن الجاهلية خبر يفيد أن السدنة أو غيرهم من الساهرين على الأصنام والأوثان وبيوتها، ألفوا كتبًا في الوثنية وفي أحكامها وقواعدها. أما اليهود والنصارى، فقد كان لهم علماء يشرحون للناس في معابدهم أحكام دينهم، ويعلمونهم الكتابة والقراءة وما في كتبهم المقدسة من أوامر ونواه. فكان "أبو الشعثاء، وهو رجل ذو قدر في اليهود، رأس اليهود التي تلي بيت الدراسة للتوراة"١. وهو من يهود بني ماسكة. وكان آخرون بينهم يعلمونهم أحكام دينهم في بيت المدارس. وفي لغة الجاهليين مفردات تستعمل في القراءة والكتابة، مثل: قلم، وقرطاس، ودواة، ومداد، ولوح، وصحف، وكتاب، ومجلة، وغير ذلك لا يشك في استعمال الجاهليين لها، لورودها في القرآن الكريم. وورودها فيه، دليل على استعمالهم لها. وورد بعضها أيضًا في الحديث النبوي وفي الشعر الجاهلي. ويفيدنا حصر هذه الألفاظ وضبطها في تكوين رأي علمي صحيح سديد في الكتابة والقراءة عند الجاهليين، والمؤثرات الخارجية التي أثرت في العرب في هذا الباب، وفي تكوين رأي قاطع في الجهة التي أمدت العرب كثيرًا أو قليلًا بعلمهم في قلمهم العربي الشمالي الذي يكتب به إلى هذا اليوم. وأعتقد أن من واجب علماء العربية في هذا اليوم، العمل على حصر ألفاظ العلوم والحضارة والثقافة التي ثبت لديهم استعمال الجاهليين لها، وتعيين تأريخ استعمالها وأصولها التي وردت منها إن كانت أعجمية دخيلة, والاستشهاد بالأماكن التي وردت فيها، ففي هذا العمل العلمي, مساعدة كبيرة للباحثين على تشعب علومهم وموضوعاتهم في الوقوف على تطور الفكر العربي قبل الإسلام. ولا أقصد الإحاطة بالمفردات الواردة في الشعر الجاهلي أو القرآن الكريم أو الحديث النبوي أو معجمات اللغة وغيرها من الموارد الإسلامية وحدها، بل لا بد من إضافة المفردات الواردة في الكتابات الجاهلية التي عثر والتي سيعثر عليها إلى تلك المادة؛ لأنها مادة العصر الجاهلي وجرثومة اللغة، وبدونها لا تسعنا الإحاطة بلغة أهل الجاهلية وبتطور فكرهم أبدًا. ومن يراجع الموارد العربية وعلى رأسها المعجمات، يدرك الصعوبات التي يلاقيها

стр. 5322

المرء في الحصول على مادة ما، لعدم وجود الفهرسة للألفاظ والمواد في معظم هذه الموارد، فعلى المراجع قراءة صفحات وأجزاء أحيانًا للحصول على شيء زهيد. ولهذا زهد معظم المؤلفين في مراجعة ما هو مطبوع مع أهميته ودسم مادته؛ لأن الصبر قاتل، والإكثار من المراجعة عمل شاق مرهق، والحياة تستلزم السرعة والإنتاج بالجملة. وقد ماتت همم الماضين، وحلت محلها عجلة المستعجلين الذين يريدون الإنتاج السريع الخفيف الجالب للاسم والمال. وبعض الألفاظ الخاصة بالكتابة والقراءة، هي ألفاظ معربة، وإن وردت عند الجاهليين واستعملت قبل الإسلام بزمن طويل، عرّب بعضها عن اليونانية، وعرّب بعض آخر عن الفارسية أو السريانية أو القبطية، وذلك بحسب الجهة التي ورد منها المعرب ووجد سبيله إلى العربية، ويمكن التعرف عليه بمقابلة اللفظ العربي مع اللفظ المقابل له عند الأمم المذكورة، وبضبط الزمن الذي استعمل فيه والظروف المحيطة به، للتأكد من أصله، فقد يكون عربيًّا أصيلًا انتقل من العرب إلى تلك الأقوام، وقد يكون العكس، نتمكن من الحصول على دراسة علمية قيمة في باب المعربات والتبادل الفكري بين الجاهليين والأعاجم. والقلم، هو من أدوات الكتابة المذكورة عند الجاهليين. وقد ذكر في القرآن الكريم. أقسم به في سورة "ن والقلم"، وعظم وفخم شأنه في سورة العلق١. يكتب به على الورق والرق والجلود والقراطيس والصحف ومواد الكتابة الأخرى، وكان يتخذ من القصب في الغالب، فتقطع القصبة قطعًا يساعد على مسكه باليد، ثم يبرى أحد رأسيها، ويشق في وسطه شقًّا لطيفًا خفيفًا يسمح بدخول الحبر فيه، فإذا أريدت الكتابة به، غمس في الحبر، ثم كتب به. ويعرف هذا القلم بقلم القصب، تمييزًا له عن الأقلام المستعملة من مواد أخرى. ولفظة "القلم" من الألفاظ المعربة عن أصل يوناني، فهو "قلاموس" في اليونانية، ومعناها القصب؛ لأن اليونان اتخذوا قلمهم منه٢.

стр. 5323

وينبت القصب في مواضع من جزيرة العرب حيث تتوافر المياه. وقد أشار "بلينيوس" Pliny، في تأريخه إلى قصب KaIamus عربي، وقصب ينمو في الهند، وذكر أنهم يستعملونه في عمل الأنسجة. وهناك نوع من القصب قوي متين، يطول فيستعمل في أغراض متعددة، يقال له: "قنا"، ومنه "القنى" و"القناة" التي يستعملها المحاربون، وتعرف بـ"قنة" في العبرانية. وكانوا يستوردونه من "صور"١. وقد وردت لفظة "القلم" و"قلم" في شعر عدد من الشعراء الجاهليين في شعر لبيد وعديّ بن زيد العبادي والمرقش وأمية بن أبي الصلت وغيرهم ممن وقفوا على الكتابة وكانت لهم صلات بالحضارة وبأصحاب الديانات. وذكر أن الخط يكون بالقلم٢. ويعرف القلم بـ"المِزْبَر" كذلك، من أصل زبر بمعنى كتب. وقد ذكر في الحديث النبوي٣. ويعرف بـ"المِرقَمْ" أيضًا٤، إذ هو أداة للرقم، أي: الكتابة. ويقطّ القلم بمقطة٥، وتستعمل السكين في بريه أيضًا. ويعتنى بذلك حتى يكون القلم جيدًا سهلًا في الكتابة٦. ويقال للسكين: المدية على بعض لهجات العرب٧. والقلم قبل أن تبريه: أنبوبة، فإذا بريته، فهو قلم. وما يسقط منه

стр. 5324

عند البري: البُرايةُ. والمِقطُّ: ما يقط عليه. والقط: القطع عرضًا، والقدّ: أن يقطع الشيء طولًا١. وهناك أنواع أخرى من الأقلام غير قلم القصب، صنعت من الحديد. وقد استعمل العبرانيون وغيرهم أقلامًا من حديد ذات رءوس من الماس، ليكتب بها على صفائح من الحجر أو من المعدن، كما استعملوا القلم الحديد أو القلم الرصاص وأقلامًا من معادن أخرى للكتابة بها على صفائح من الخشب مغطاة بشمع. ولهذا القلم رأسان: رأس محدد للكتابة، ورأس مفلطح لمحو الغلطات وتسوية سطح الشمع ثانية، كما استعملت الفرشاة لرسم الحروف٢. واستعمل أيضًا ريش الطيور. وقد عرف القلم المصنوع من الحديد بـ"عيت" ET عند العبرانيين٣. وذكر أن "زيد بن ثابت" دخل على رسول الله وهو يملي في بعض حوائجه، فقال: "ضع القلم على أذنك فإنه أذكر للمملي به"٤. وقد استعملوا السكين والآلات الحادة في الكتابة على الخشب أو الحجر، كما استخدموا الفحم وكل ما يترك أثرًا على شيء، مادة للكتابة. وذلك حين يعنّ لهم خاطر أو حين يريدون إبلاغ رسالة أو تقييد أمر هام، مثل وقوع اعتداء على شخص، فيكتب ما وقع له، وهو لا زال متمكنًا من الكتابة، على ما قد يكون عنده، حتى يعلم بمصيره من قد يمر به ميتًا٥. وقد حفر "قيسبة بن كلثوم السكوبي" على رحل "أبي الطمحان القيني" رسالة، دونها بسكين٦. ودوّن أحدهم، وهو يحتضر، خبر قتله على راحلة قاتله، بعد أن غافله، ذكر فيها اسم قاتله٧. وهناك أمثلة أخرى من هذا القبيل، توسل فيها كاتبوها بمختلف الوسائل لإيصال رسائلهم إلى من يريدون وصولها لهم. وقد وصلت بعضها وجاءت بالنتائج التي كان يريدها أصحابها منها.

стр. 5325

وأما المادة التي يكتب بها، فهي عديدة، أهمها: الحبر، ويعرف أيضًا بالمداد١. ويصنع من مواد متعددة تترك أثرًا في المادة التي يكتب عليها. من ذلك الزاج وسخام المصابيح، يمزج مع مادة لزجة مثل صمغ العفص أو صمغ آخر، فيكتب به. ولما كان الحبر أسود، قيل له: "ديو" في العبرانية، وقد عرف بهذا المعنى, أي: "سواد" في اليونانية كذلك٢ وعرف بـAtramentum في اللاتينية، وهي في المعنى نفسه٣. وقيل للمداد: "نقس"، وقد وردت اللفظة في بيت شعر للشاعر "حميد بن ثور" حيث قيل إنه قال: لمن الديار بجانب الحبس ... كخط ذي الحاجات بالنقس٤ وأشير إلى "المداد" في شعر لـ"عبد الله بن عنمة"، حيث يقول: فلم يبق إلا دمنة ومنازلٌ ... كما رُدّ في خط الدواة مدادها٥ وقد ذكر "المداد" في القرآن: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ ٦، "يقول عز ذكره لنبيه محمد ﷺ قل يا محمد لو كان ماء البحر مدادًا للقلم الذي يكتب به كلمات ربي لنفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات ربي"٧. فالمداد إذن من الألفاظ التي كانت مستعملة قبل الإسلام. وقد صُنع الحبر من مواد مختلفة، صنعه العبرانيون من سخام المصابيح، أما المصريون فصنعوه من مواد متعددة، فصار أتقن من المداد العبراني، ولذلك حافظ على بريقه ولونه، كما أنه لا يُمحى بسهولة، بينما كان الحبر العبراني

стр. 5326

قابلًا للغسل بل سهولة١. ولا نجد بين العلماء اتفاقًا في أصل معنى "الحبر"، مما يدل على أن اللفظة٢ من المعربات. أما المداد. فذكر علماء اللغة, أنه ما مددت به السراج من زيت ونحوه, ثم خص بالحبر. والظاهر أنها أخذت من سخام الزيت الذي يحترق في السراج، وأنها تعني "سواد"، على نحو ما نجده في لفظة MeIan اللاتينية، التي تعني السواد، سواد السراج، وخصصت بالحبر٣. وليست لدينا أخبار عن كيفية صنع الحبر عند الجاهليين، ولم يصل إلينا نص جاهلي مدوّن بالحبر نتمكن بتحليل مادته من الوقوف على تكوينه. ولكننا نستطيع أن نقول: إن حبر الجاهليين لم يكن يختلف عن أنواع الحبر المستعملة عند الشعوب الأخرى في ذلك العهد وأبسطها الحبر المصنوع من الفحم المسحوق، مضافًا إليه الماء وقليل من الصمغ في بعض الأحيان. والحبر المصنوع من بعض المواد المستخرجة من زيوت بعض الأشجار وعصاراتها، أو من مسحوق عظام الحيوانات المحروقة أو من بعض الأوراق المؤكسدة بالحديد وببعض المعادن. ويراد بالحبر، الحبر الأسود في الغالب، غير أن القدماء كانوا يستعملون أصباغًا مثل: الأحمر والأخضر، في تدوين الشروح والملاحظات والأمور المهمة التي تلفت النظر، كما استعملت في التصوير وفي رسم بعض الرسوم التوضيحية، كما يظهر ذلك من الأوراق القديمة التي عثر عليها في مصر وفي اليونان وغير ذلك من الأماكن. وقد ورد في كتب الحديث النبوي وموارد إسلامية أخرى، أن الجاهليين كانوا يستعملون الصور والنقوش. ويريدون بالنقش تلوين الشيء بلونين أو عدة ألوان. ويقولون له: النمنمة كذلك٤. وكان منهم مصورون يصورون الإنسان والحيوان والأشجار وغير ذلك. وقد نهى الرسول عن تصوير كل ما هو ذو روح٥. وهذا التحريم هو دليل شيوع التصوير واستعمال الصور عند الجاهليين. ويحفظ الحبر في أداة، يقال لها "الدواة" و"المحبرة"٦، يحملها الكاتب

стр. 5327

معه، فيعلقها بحزامه، أو يضعها تحت ثيابه، ويكون لها غطاء يمنع الحبر أن ينساب منها، ويكون بها تجويف تخزن فيه الأقلام والمقطة. وقد تكون المحبرة كأسًا صغيرة ذات غطاء يخزن الحبر فيها. وقد عرفت لذلك بـ"كست هسفر" "كاست هاسيفر", أي: "كأس الكتاب" في العبرانية١. وقد بقي الكتّاب وطلاب العلم والعلماء يستعملون تلك المحابر القديمة إلى عهد قريب، إذ حلت محلها الأقلام الحديثة المحملة بالحبر، وما زال بعض رجال الدين ومن يعنون بجمال الخط وتحسينه يستعملون أقلام القصب والحبر القديم على الطريقة القديمة المذكورة. وقد عرفت المحبرة الكبيرة التي يحفظ فيها الحبر والأقلام والمقطة ومواد الكتابة الأخرى بـ"قلمارين" "قلماريون" "ق ل م ر ي ن" في "المشنا", أي: المقلمة في العربية, تمييزًا لها عن أداة أخرى عرفت بـ"ترنتوق", وهي مقلمة توضع فيها الأقلام والمبراة. وهناك لفظة أخرى، هي "لبلرين" وتقابل LibeIari في اللاتينية يطلقها المتأدبون على المقلمة٢. وقد أشير إلى الدوي، أي: المحابر في بيت شعر ينسب لأبي ذؤيب: عرفت الديار كخط الدويـ ... ي حبّره الكاتبُ الحميري٣ وذكر أن من أسماء المحبرة "ن" وأن "ن والقلم" بمعنى الدواة والقلم٤. وقد كان من عادة الكتّاب ترميل الكتابة لتجف، وكانوا يضعون الرمل في إناء خاص ثم يذرون منه شيئًا على الكتابة. وأما المواد التي يكتب عليها، فعديدة، تتوقف على ظروف المكان ومقدرة أهله المالية، منها الحجر والخشب ومختلف أنواع المعادن والطين وورق الشجر والجلود والقراطيس وأكتاف الإبل واللخاف والعسب والقضم وغير ذلك٥. وإلى الحجر المكتوب، يعود الفضل الأكبر في حصولنا على معارفنا عن عرب اليمن

стр. 5328

قبل الإسلام، وعرب بلاد الشأم وأعالي الحجاز. فلولاه لكان علمنا بهم نزرًا يسيرًا. والعسب، جريد النخل، وهي السعفة مما لا ينبت عليه الخوص. ولوفرته في الحجاز استعمله كتاب الوحي وحفظة القرآن في تدوين الوحي عليه. وقد رجع إليه زيد بن ثابت في جملة ما رجع إليه من مواد يوم كُلِّف جمع القرآن الكريم١. وقد ورد "عسيب يماني" في شعر لامرئ القيس، هو قوله: لم طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبورٍ في عسيب يماني٢ وقد ورد عن "زيد بن ثابت"، أن "أبا بكر" لما أمره بجمع القرآن، أخذ يتتبعه من "الرقاع والعسب واللخاف"، واللخاف: حجارة بيض. وورد في حديث "الزهري": "قبض رسول الله ﷺ والقرآن في العسب والقضيم والكرانيف"٣. وذكر "لبيد" العسب في شعره حيث ورد: متعود لِحنٌ يعيد بكفه ... قلمًا على عسب ذبلن وبان٤ والجريد من مادة التدوين عند أهل الحجاز. والجريدة السعفة، بلغة أهل الحجاز، وفي الحديث: كتب القرآن في جرائد، جمع جريدة٥. واستعمل "الكرناف" "الكرانيف" و"الكرب" مادة للكتابة كذلك. وقد ورد أن كتبة القرآن استعملوا الكرانيف مادة لتدوين الوحي٦. والكرانيف والكرب، أصول السعف الغلاظ العراض التي تلاصق الجذع، وتكون على هيئة الأكتاف٧. قال الطبري قبض رسول الله، ﷺ "ولم يكن

стр. 5329

القرآن جمع، وإنما كان في الكرانيف والعسب"١. واستعمل الجاهليون كتف الحيوان أيضًا، وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان للكتابة عليه، وقد كتب عليه كتبة الوحي. وفي الحديث: "ائتوني بكتف ودواة أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده". أو "ائتوني باللوح والدواة والكتف"٢. ولما كانت العظام مادة مبذولة ميسورة في استطاعة الكاتب الحصول عليها بغير ثمن، وهي صالحة للكتابة بكل سهولة على شكلها الطبيعي أو بعد صقل وتشذيب قليلين، لذلك استعملها الكتّاب بكثرة. فكانت مادة مهمة استعملها كتبة الوحي في تدوين القرآن. وقد ذكر "ابن النديم" أن في جملة العظام التي كتب عليها العرب: أكتاف الإبل٣. وكانوا إذا كتبوا في الأكتاف حفظوا ما كتبوه في جرة أو في صندوق حتى يحفظ، ويكون في الإمكان الرجوع إليه. وقد كانت الأكتاف في جملة المواد المكتوبة التي استنسخ "زيد بن ثابت" منها ما دوّن من القرآن. واستعملوا الجلود مادة من مواد الكتابة: الجلد المدبوغ والجلد الغير المدبوغ. وقد كانوا يدبغون الجلد أحيانًا ويصقلونه ويرققونه حتى يكون صالحًا مناسبًا للكتابة. وقد يدبغونه ويصبغونه، وقد ذكر علماء اللغة أنواعًا من أنواع الجلود التي استعملوها في كتابتهم، منها: القضم، جمع قضيم، الجلد الأبيض يكتب فيه. وقيل: الصحيفة البيضاء، أو أي أديم كان. وقد أشير إليه في شعر للنابغة: كأن مجر الرامسات ذيولها ... عليه قضيم نمقته الصوانع٤ وأشير إلى "القضيم" و"القضيمة" في شعر "زهير بن أبي سلمى"٥، وفي شعر "امرئ القيس"٦.

стр. 5330

ويظهر من تفسير العلماء للكلمة، أن "القضيم" الصحف البيضاء المستعملة من الجلد. وذلك بأن تقطع وتصقل حتى تكون صالحة للكتابة. وقد ورد أن كتبة الوحي استعملوا القضم في جملة ما استعملوه من مواد الكتابة١. وأما الأدم، وهي الجلود المدبوغة، فقد كانت مثل القضم من مواد الكتابة الثمينة. وقد استعان بها كتبة الوحي في تدوين القرآن٢. كما كانت مادة لتدوين المراسلات والعهود والمواثيق٣. وقد أشير إلى "الأديم" في شعر للمرقش الأكبر٤. وذكر أن بعضه كان أديمًا أحمر، أي: مدبوغ بمادة حمراء، ومن أنواعه "الأديم الخولاني". والظاهر أنه كان من أوسع مواد الكتابة استعمالًا في أيام الجاهلية وصدر الإسلام، لوجوده عندهم، ولرخص ثمنه بالنسبة إلى الورق المستورد من مصر أو من بلاد الشأم٥. وقد جاء في بعض الأخبار أن بعض مكاتبات الرسول كانت في الأدم٦. وكان الدباغون يدبغون الأهب ويصلحونها بصقلها، فإذا دبغ الإهاب صار أديمًا. وقد ذكر أن أهل مكة كانوا يشترون قطع الأديم، ويكتبون عليه عهودهم ومواثيقهم وكتبهم. ولما توفي "سعيد بن العاص" جاء فتى من قريش يذكر حقًّا له في كراع من أديم بعشرين ألف درهم على "سعيد"، بخط مولى لسعيد كان يقوم له على بعض نفقاته، وبشهادة "سعيد" على نفسه بخطه. فأعطي حقه على ما كان مدوّنًا في قطعة الأديم٧. وذكر بعض علماء اللغة أن القرطاس: الكاغد، يتخذ من بردي يكون بمصر. وذكر بعض آخر أن القرطاس الصحيفة من أي شيء كانت، يكتب فيها،

стр. 5331

والجمع قراطيس١. وقد وردت لفظة "قرطاس" و"قراطيس" في القرآن الكريم٢. وورود اللفظة في القرآن الكريم دليل على وقوف العرب عليها. وهي من الألفاظ التي دخلت إلى العربية من مصر أو من بلاد الشأم، حيث استورد أهل مكة والعربية الغربية مختلف التجارة منها، ومنها القراطيس، ويعرف القرطاس في اليونانية بـKhartis.٣ ويظهر أن أهل بلاد الشأم كانوا قد استعملوا اللفظة اليونانية، فلما نقل الجاهليون القرطاس منهم وتعلموه عنهم، استعملوا المصطلح اليوناني بشيء من التحريف والتحوير ليناسب النطق العربي، وقد نص بعض علماء اللغة على أن اللفظة من الألفاظ المعربة٤. وتقابل لفظة "قرطاس" لفظة Papyri في اللغة الإنكليزية. وقد كان القدماء في مصر وفي حوض البحر المتوسط يكتبون على القراطيس. وهي على صورة لفّات تلف كالأسطوانة تحفظ في غلاف حذر تلفها وتمزقها. وأسفار اليهود هي على هذه الصورة٥. ولا زالت معابدهم تستعمل توراتهم المكتوبة على هيئة "سفر", أي: مكتوبة على هيئة صفحات متصلة بعضها ببعض على شكل أسطوانة. بسحب أحد طرفيها الذي يوصل بأسطوانة أخرى، ثم يقرأ من السفر. وذكر علماء اللغة أن "الرقاع"، هي القرطاس٦. ووردت لفظة "رق" في القرآن الكريم: ﴿وَالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ، فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ ٧. وقد فسر العلماء الرق بأنه ما يكتب فيه شبه الكاغد، أو جلد رقيق

стр. 5332

يكتب فيه، أو الصحيفة البيضاء١. وقد اشتهرت جملة مواضع في الحجاز وفي اليمن بترقيق الجلد ودباغته، ليصلح للعمل، وفي جملته الرق المستعمل في الكتابة. ويعرف الرق بـ"رقو" Raqo و"رق" Raq في الإرمية. وتؤدي اللفظة في هذه اللغة المعنى نفسه المفهوم منها في عربيتنا، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن اللفظة من أصل إرمي٢. ومن أجود أنواع الرق، الرق المعمول من جلد الغزال. وذكر أن الصحابة أجمعوا على كتابة القرآن في الرق، لتيسره عندهم، ولطول بقاء الكتابة فيه٣. وقد كان الكتّاب يستعملون الرق في المراسلات وفي السجلات وفي الكتب الدينية. فقد استعمل الفرس جلود البقر المدبوغة لكتابة كتبهم الدينية عليها، واستعمل العبرانيون جلود الغنم والمعز والغزال لكتابة التوراة والتلمود عليها. وقد اشترطوا في الجلود أن تكون من جلود الحيوانات الطاهرة. استعملوها صحائف منفصلة، واستعملوها صفائح على هيئة الكتب، كما استعملوها مدورة ملفوفة قطعة واحدة يتصل كل رأس منها بقضيب، فتكون لفتين متصلتين، وذلك بربط قطع الجلود بعضها ببعض وتثبيتها لتكون صحيفة واحدة طويلة مستطيلة، يقال لها: "مجلوت" "م ج ل وت"، أي: المجلة، من أصل "جلل" بمعنى لف وأدار٤. وفي الشعر الجاهلي إشارات إلى استعمالهم "الرق" في كتاباتهم. وقد أشار بعضهم إلى سطور الرق، وكيف رقشها كاتبها ونمق الكتابة مسطرها. وكيف خط مملي الكتاب ما أريد إملاؤه في الرق. وقد عبر عن الخطاط الذي خط السطور على الرق بالمرقش وبالكاتب٥. ومن أنواع الرق الجيد، الرق المصنوع بـ"خولان" والذي عرف بـ"الأديم الخولاني"٦.

стр. 5333

ونجد الشاعر المخضرم "معقل بن خويلد" الهذلي، يشير إلى "مملي كتاب" يملي على كاتب، يخط على رق، وذلك بقوله: فإني كما قال مملي الكتا ... ب في الرق إذ خطه الكاتب يرى الشاهد الحاضر المطمئن ... من الأمر ما لا يرى الغائب١ ومعقل من سادات قومه، ومن شعرائهم المعروفين، وكان أبوه رفيق "عبد المطلب" إلى "أبرهة"٢. وأما "القتب"، فالإكاف الصغير الذي على قدر سنام البعير٣. ويصنع من الخشب. وقد كتب الناس على "القتب". وقد استخدم "الرحل" مادة للكتابة عليها، عند الحاجة والضرورة٤. وقد استعملت الألواح مادة للكتابة، ومن هذه الألواح ما صنع من الحجر، بنشر الحجر وصقله، ومنها ما صنع من الخشب، ومنه من لوح الكتف, أي: العظم الأملس منه. واللوح كل صفيحة عريضة خشبًا أو عظمًا٥. وأشير في القرآن الكريم إلى اللوح. فورد: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ٦. وورد ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً﴾ ٧ وغير ذلك. فيظهر من ذلك أن الألواح كانت تكتب فيحفظ بها ما يراد حفظه من آراء وأفكار. وقد كان بعض الصحابة والتابعين يستعملون الألواح لتقييد ما يريدون حفظه وتقييده من أقوال الرسول ومن سيرته أو غير ذلك. فذكر أن "ابن عباس" كان يأتي "أبا رافع" ويسأله: ما صنع رسول الله يوم كذا؟ ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها. وأن مجاهدًا كان يسأل "ابن عباس" عن تفسير القرآن

стр. 5334

ومعه ألواحه، يكتب فيها ما يمليه عليه١. وعرف اللوح بـ"السبورجه"، وهي لفظة فارسية الأصل٢. وقد ورد في حديث زيد بن ثابت عن جمع القرآن أنه جمعه من الرقاع واللِّخاف والعُسُب. وقصد باللخاف حجارة بيضًا رقاقًا، واحدها لخفة٣. كان يكتب عليها أهل مكة. والحجارة هي المورد الرئيسي الذي استخرجنا منه علمنا بتأريخ العرب الجنوبيين وبتأريخ أعالي الحجاز وأماكن أخرى من جزيرة العرب, ويضاف إلى ذلك الصخور الصغيرة والحصى الكبيرة، فقد نقش عليها الجاهليون أوامرهم وأحكامهم وخواطرهم ورسائلهم وذكرى نزولهم في مكان، فالفضل يعود إلى هذه الكتابات في حصولنا على أخبار الجاهليين المذكورين. وقد كتبوا على الخزف، وبقي الناس يكتبون على الحجارة والخزف إلى الإسلام. فقد كان "أبو الطيب" اللغوي، وهو "عبد الواحد بن علي"، يعلق عن "أبي العباس" ثعلب على خزف، ثم يجلس فيحفظ ما دوّنه عليه٤. ويقال لما يكتب في الحجارة وينقش عليها "الوحي". والوحي الكتابة والخط. وبهذا المعنى ورد في شعر شعراء جاهليين وإسلاميين، مثل شعر "لبيد"، حيث قال: فمدافع الريّان عُرّي رسمها ... خلقًا كما ضمن الوحي سلامها٥ وشعر "زهير" حيث يقول: لمن الديار غشيتها بالفدفد ... كالوحي في حجر المسيل المخلد٦

стр. 5335

وأما الورق، فأريد به جلود رقاق يكتب فيها، ومنها ورق المصحف١.ويظهر أنهم أطلقوا اللفظة على القطع الرقيقة من الجلود أو من المواد الأخرى التي كانوا يكتبون عليها، تشبيهًا بورق الشجر. ولذلك فإنها لا تعني نوعًا معينًا من الورق. كما يجوز أن يكون المراد من الورق المستورد من بلاد الشأم أو من مصر، أو المصنوع من صقل الكتان ونسيج القطن وغير ذلك. ولقلة وجود القصب الصالح لصنع الورق في جزيرة العرب، لا نستطيع أن نذهب إلى وجود صناعة ورق من هذه المادة في هذه البلاد، بل كانوا يستوردونه من مصر مصدر الورق المصنوع من القصب، والمعروف بـ"البابيروس". والصحيفة المبسوط من الشيء، والتي يكتب فيها، والكتاب، وجمعها صحائف وصحف، ومنها ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ٢، و ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً، فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ٣. وقد أشير إلى الصحيفة في كتب السيرة حين اتفقت قريش على مقاطعة بني هاشم، وكتبت بذلك صحيفة، كتبها "بغيض بن عامر بن هاشم"، أو "منصور بن عبد شرحبيل" المعروف بأبي الروم على بعض الروايات٤. والمصحف ما جعل جامعًا للصحف المكتوبة بين الدفتين. والتصحيف قراءة المصحف وروايته على غير ما هو لاشتباه حروفه٥. وقد قيل للقرآن، المصحف، وإنما سُمي المصحف مصحفًا؛ لأنه أصحف, أي: جُعل جامعًا للصحف المكتوبة بين الدفتين٦. ونقرأ في الأخبار أن بعضًا من الصحابة والتابعين كانوا يملكون صحيفة أو صحفًا دوّنوا فيها حديث الرسول أو أمرًا من أمور الشعر وأخبار العرب وأمثال ذلك. فكان "عبد الله بن عمرو بن العاص" قد كتب حديث الرسول في صحيفة؛ وقد أذن الرسول له أن يكتب حديثه فيها٧.

стр. 5336

وقد أشير إلى الصحيفة في شعر "المتلمس"١، ويظهر من الشعر الذي ذكرت اللفظة فيه، أنه قصد بها رسالة، أي: كتابًا أمر ملك الحيرة "عمرو بن هند" بتدوينه، وأعطاه إليه، ليحمله إلى عامله على البحرين على نحو ما ورد في خبره. كما أشير إلى الصحيفة في شعر شعراء آخرين٢. ويقال للصحيفة: طرس، ويجمع على طروس٣. ويقال إن الطرس: الصحيفة المكتوبة٤، وقيل: الكتاب الممحو الذي يستطاع أن تعاد فيه الكتابة. والتطريس: فِعْلك به. وطرّس الباب سوّده، والطلس: كتاب لم ينعم محوه، فيصير طرسًا. والتطريس إعادة الكتابة على المكتوب الممحو٥. ورأى بعض العلماء أن الصحف ما كان من جلود٦. وذهب بعض آخر، إلى أنها من جلد أو قرطاس. وأن القرطاس والصحيفة، هما في معنى واحد، وهو الكاغد٧. وذكرت "الصحيفة" في شعر للقيط بن يعمر الإيادي، هو قوله: سلام في الصحيفة من لقيط ... إلى من بالجزيرة من إياد وذلك في قصيدته التي كتبها إليهم، يخبرهم فيها بمسير "كسرى" عليهم، ويحذرهم من قدومه٨.

стр. 5337

كما ذكرت في شعر لعدي بن زيد العبادي، وصف فيه قصة "الزّباء" و"جذيمة" و"قصير"، حيث يقول: ودست في صحيفتها إليه ... ليملك بُضعها ولأن تدينا١ وكان من عادة أهل الجاهلية تدوين أحلافهم في صحف، توكيدًا للعهد، وتثبيتًا له. وقد أشير إلى ذلك في الشعر وفي الأخبار. ورد في شعر قيس بن الخطيم: لما بدت غُدوة جباههم ... حنت إلينا الأرحام والصحف٢ وأشير إليها في شعر ينسب لدرهم بن زيد الأوسي، يخاطب الخزرج بما كان بينهم من عهود ومواثيق، إذ يقول: وإن ما بيننا وبينكم ... حين يقال الأرحام والصحف٣ ولما قاطعت قريش "بني هاشم وبني المطلب"، كتبت بذلك كتابًا عرف بـ"صحيفة قريش"، وختموا عليها ثلاثة خواتيم، وعلّقوها في سقف الكعبة، وقيل: بل كانت عند أم الجلّاس مخربة الحنظلية، خالة أبي جهل، وقيل: عند هشام بن عبد العزى٤. وترد الصحف بمعنى الوثائق، وكل تسجيل يراد الاحتفاظ به للرجوع إليه عند الحاجة، فالديون تسجل في صحف وكتب، والأمور الهامة تسجل فيها كذلك، هذا "علباء بن أرقم بن عوف" الشاعر اليشكري، يذكر دَيْنًا دوّن في صحيفة، فيقول: أخذت لدين مطمئن صحيفة ... وخالفت فيها كل من جار أو ظلم٥

стр. 5338

وقد ورد ذكر صحف الدين هذه في كتاب الرسول إلى ثقيف، إذ جاء فيه: "وما كان لثقيف من دين في صحفهم اليوم الذي أسلموا عليه في الناس فإنه لهم"١. وذكر أن الناس كانوا يكتبون بالمهارق قبل القراطيس في العراق. وقد ذكر "المهرق" في شعر حسان: كم للمنازل من شهر وأحوال ... كما تقادم عهد المهرق البالي٢ وكانوا يغسلون الصحف المكتوبة للاستفادة منها، بكتابة شيء جديد يراد كتابته عليها، وذلك لغلاء مادة الكتابة وصعوبة الحصول عليها، فيطمسون معالم الكتابة السابقة بغسلها بالماء مثلًا، فإذا جفت كتبوا عليها. وقد تسبب هذا الغسل إلى وقوع خسارة كبيرة بالنسبة لتدوين العلم، إذ غسل هذا الماء مادة علمية ثمينة كانت ستفيدنا كثيرًا بالطبع لو بقيت مدونة على الصحف. فخسرنا نحن خسارة ثمينة ولا شك لا تعوض. واستعمل الجاهليون السبورة في الكتابة. ويريدون بها جريدة من الألواح من ساج أو غيره، يكتب عليها. فإذا استغنوا عنها محوها، وهي معربة. وقد رواها جماعة من أهل الحديث "ستورة". وبهذا المعنى وردت السفورة، وهي معربة كذلك٣. والمهارق من الألفاظ المعربة، ويرى علماء اللغة أنها من الفارسية، وأن أصلها "مهركُرده" "مهركرد"، أي: صُقلت بالخرز، وقد عرفها بعض علماء اللغة بأنها ثياب بيض أو حرير أبيض، تسقى بالصمغ وتصقل، ثم يكتب عليها. وقيل: هي الصحائف، الواحد مهرق. وذكر الجاحظ أن الكتب لا يقال لها: مهارق، حتى تكون كتب دين، أو كتب عهود، أو ميثاق وأمان٤.

стр. 5339

ويظهر من الشعر المنسوب للحارث بن حلزة اليشكري، أن أصل المهارق من الفرس ولهذا عبر عنها بقوله: "كمهارق الفرس". ولعله قصد كتبًا وصحفًا دينية من ديانتهم المجوسية. وقد وردت اللفظة في شعر ينسب للأعشى١ وفي شعر آخر ينسب للحارث بن حلزة اليشكري المذكور٢. قال "الجاحظ": "والمهارق، ليس يراد بها الصحف والكتب، ولا يقال للكتب مهارق حتى تكون كتب دين، أو كتب عهود، وميثاق وأمان" وقال قبل ذلك: "لولا الخطوطُ لبطلت العهود والشروط والسجلات والصُّكاك، وكل إقطاع، وكل إنفاق، وكل أمان، وكل عهد وعقد، وكل حوار وحلف، ولتعظيم ذلك، والثقة به والاستناد إليه، كانوا يدعون في الجاهلية من يكتب لهم ذكر الحلف والهدنة، تعظيمًا للأمر وتبعيدًا من النسيان، ولذلك قال الحارث بن حلزة، في شأن بكر وتغلب: واذكروا حلف ذي المجاز وما ... قدّم فيه، العهود والكفلاء حذر الجور والتعدي وهل ... ينقض ما في المهارق الأهواء٣ وقد أشار "الحارث بن حلزة" اليشكري إلى "مهارق الفرس"، وذلك في قوله: لمن الديار عفون بالحبس ... آياتها كمهارق الفرس٤ ونوع آخر من "المهارق" عمل من الكرابيس، أي: من الثياب المصنوعة من الكرباس وهو القطن الأبيض، وذلك بسقي الكرباس، بصمغ أو بإطلائه بشيء آخر يسد المسامات، ثم يصقله بالخرز٥. فهو إذن من النوع الجيد الغالي بالنسبة

стр. 5340

إلى مواد الكتابة، ولذلك كانوا يستعملونه في الأمور الكتابية الجليلة. وقد أشير في شعر "الأسود بن يعفر" إلى سطور يهوديين في مهرقيهما مجيدين في الكتابة، هما من أهل "تيماء" أو من "أهل مدين"١. ولم يشر إلى نوع القلم الذي كتبا به، وأغلب الظن أنه قلم عبراني. وقد استعمل الجاهليون "الصكوك" في تعاملهم. وذكر علماء اللغة أن "الصك" الذي يكتب للعُهدة، وكانت الأرزاق تُسمى صكاكًا؛ لأنها كانت تخرج مكتوبة. ومنه الحديث في النهي عن شراء الصكاك، وذلك أن الأمراء كانوا يكتبون للناس بأرزاقهم وأعطياتهم كتبًا، فيبيعون ما فيها قبل أن يقبضوها معجلًا، ويعطون المشتري الصك ليمضي ويقبضه، فنهوا عن ذلك لأنه بيع ما لم يقبض. وذكروا أن اللفظة من الألفاظ المعربة، أصلها فارسي٢. واستعملت الصكوك في الدين. فورد "صك دين"٣. وقد أمدتنا جزيرة العرب بحجارة كثيرة مكتوبة، ولكنها لم تمدنا باللبن المكتوب أو الطين المكتوب المشوي بالنار إلى في النادر. مع أن الكتابة على الطين أسهل من الكتابة على الحجر. ولعل وجود الحجر بكثرة في العربية الغربية والجنوبية ومقاومة الحجر للبلى والتلف هما اللذان دفعا أهل هذه البلاد على تفضيل الحجر في الكتابة على الطين. ولا يستبعد عثور الآثاريين والمنقبين في المستقبل على كتابات جاهلية مسجلة على الطين ولا سيما في المناطق الماحلة أو التي يقل فيها وجود الحجر، هي الآن مطمورة في باطن الأرض. وأعطوا للصحف أسماء إذا كانت قد كتبت في أغراض خاصة. فإذا كانت الصحيفة إعطاء أرض لشخص، كإقطاعه أرضًا، يعطي الشخص صحيفة مدونة بذلك، تثبت له تسجيل الأرض المقطعة باسمه, يقال لها: "الوصر" و"الأصر". وقد ذكر علماء اللغة أن الأصر: العهد والعقد. وقيل: العهد الثقيل٤. وأن

стр. 5341

"الوصر" الصك الذي تكتب فيه السجلات. والأصل أصر، سمي به لأن الأصر العهد, ويُسمى كتاب الشروط كتاب العهد والوثائق، ويطلق غالبًا على كتاب الشراء. قال عدي بن زيد: فأيكم لم ينله عرف نائله ... دثرًا سوامًا وفي الأرياف أوصارًا١ أما إذا كانت الصحيفة صحيفة جوائز، كان يعطي الملك جوائز لأصحابه وأتباعه، قيل للصحف التي يدون قدر الجائزة أو نوعها عليها القطوط والمفرد: القط. وقد ذكرها الأعشى في شعره: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بإمته يعطي القطوط ويأفق٢ وورد ذكرها في شعر المتلمس، إذ قال: وألقيتها بالثنى من جنب كافر ... كذلك ألقى كل قط مضلل٣ وقد عرفت "القذ" أنها الصك بالجائزة، وهي الصحيفة للإنسان بصلة يوصل بها. وقيل القط: الصحيفة المكتوبة وكتاب المحاسبة. قيل: سميت قطوط؛ لأنها كانت تخرج مكتوبة في رقاع وصكاك مقطوعة٤. وقد كانت الحاجة تدفع الكتّاب إلى تدوين ما يريدون تقييده وكتابته على ملابسهم وعلى راحة أيديهم، بل على نعالهم أحيانًا. روي عن "سعيد بن جبير" أنه قال: "كان ابن عباس يملي علي في الصحيفة حتى أملأها وأكتب في نعلي حتى أملأها"٥. وقد كانوا يكتبون على الهودج أو على أي شيء يجدونه أمامهم، مثل الرحل، لندرة الورق عندهم ولحاجتهم إلى تسجيل ما يسمعونه، أو إبلاغ قومهم بسر أو برسالة، فيغافل المرسل من يعرف أنه قاصد الجهة التي يريدها

стр. 5342

فيحفي بسكينه على الراحلة ما يريد تبليغه من سر١. وورد عن "سعيد بن جبير" قوله: "كنت أكتب عند ابن عباس في صحيفتي حتى أملأها، ثم أكتب في ظهر نعلي، ثم أكتب في كفي". وروي أنهم كانوا يكتبون على أكفهم بالقصب عند البراء، وأن "الزهري" ربما كتب الحديث في ظهر نعله مخافة أن يفوته٢. ولفظة: "كتب" التي نستعملها اليوم، ومن أصلها اشتقت لفظة "كتابة" و"كتاب" وكاتب وأمثالها، هي من الألفاظ العربية الشمالية المعروفة المتداولة عند الجاهليين. وقد وردت لفظة "كتاب" بمعانٍ متعددة. منها هذا المعنى المعروف، ومنها الصحيفة مع المكتوب فيها. وقد قصد بها التوراة في مواضع من القرآن الكريم. وأريد بـ"أهل الكتاب" اليهود والنصارى، أهل التوراة والإنجيل٣. وقد استعملت اللحيانية لفظة "كتب" أيضًا، فوردت في عدد الكتابات. وعبرت عن "الكتابة" و"الخط" بلفظة "هكتب"٤. والهاء أداة للتعريف عندهم، ويجوز أنهم كانوا ينطقون بها على هذه الصورة: "هكتاب"، أو "هاكتاب"، أي: "الكتاب" و"الكتابة". ومتى فكر الإنسان في الكتابة تذكر "القراءة". فالكتابة التدوين، والقراءة قراءة الشيء المدوّن. ولهذا يقال: القراءة والكتابة، كما يقال: قارئ كاتب، أي يحسن ويجيد الحالتين. فقد كان البعض يقرءون ولا يكتبون. روي أن "عائشة" كانت تقرأ المصحف، ولا تكتب، وأن "أم سلمة" كانت مثلها تقرأ ولا تكتب٥. ونجد لفظة "كتاب" في شعر عدد من الشعراء الجاهليين. وقد استعمل "عدي بن زيد العبادي" "كتاب الله" في شعره٦، ولما كان هذا الشاعر نصرانيًّا،

стр. 5343

يكون قصد بـ"كتاب الله" الإنجيل ولعله قصد التوراة والإنجيل معًا. وجاءت جملة: "آيات الله" في شعر "تميم بن أُبي بن مقبل العامري"١. أما زهير، فقد استعمل لفظة "كتاب" أيضًا في معنى الشيء الذي يكتب ويدوّن عليه ليحفظ لوقت الحساب٢. وتؤدي لفظة "كتاب" معنى رسالة. فقد كانوا يطلقون على الرسالة لفظة "كتاب"، والجمع "كتب". ومن ذلك ما ورد في خبر "كتب رسول الله إلى الملوك"٣ و"خبر كتاب مسيلمة إلى رسول الله والجواب عنه"٤. ولفظة "دفتر"، في معنى جماعة الصحف المضمومة، وهي الكراريس٥. وفي قول عمرة: "ولو انطبق عليكم الدفتر"، يعني ولو أن تكتبوا آخر الناس٦. ولا أظن أن اللفظة قد دخلت العربية في أيام عمر، بل لا بد وأن تكون من الألفاظ المستعملة في الجاهلية. وذكر أن الدفتر جريدة الحساب والكراسة٧. والكراسة الجزء من الصحيفة والكتاب. يقال: "هذا الكتاب عدة كراريس"، و"كرّاس أسفار"٨. وترد اللفظة في لغة بني إرم، بمعنى "كتيب" وجزء من كتاب يحتوي في الغالب ثماني ورقات٩. وكانوا يسجلون عقودهم وأخبارهم في كتب، أي: صحف، من ذلك ما ورد في قصة النعمان مع "الحارث بن ظالم"، فقد ورد أنه كتب إليه كتابًا وكان يومئذ بمكة يؤمنه إن عاد إليه، فلما جاء إلى "النعمان"، وقال له: أنعم صباحًا أبيت اللعن، انتهره الملك بقوله: لا أنعم الله صباحك. فقال الحارث: هذا كتابك! قال النعمان: كتابي والله ما أنكره أنا كتبته١٠. وكان "عبد الرحمن بن عوف"، قد كاتب "أمية بن خلف" في أن يحفظه في صاغيته بمكة.

стр. 5344

وأن يحفظه في صاغيته بالمدينة، وكتبا هذه المكاتبة في كتاب١. وترد لفظة "كتاب" بمعنى إعلان وإحقاق حق، كالذي ورد في خبر "رؤيا" "عاتكة بنت عبد المطلب"، عن مصير معركة "بدر"، وقول قريش للعباس: "يا بني عبد المطلب! أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا من ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقًّا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء، نكتب عليكم كتابًا أنكم أكذب أهل بيت في العرب"٢. ويعبر عن الكتابة بالخط، وتعني لفظة خطَّ، كتب. في القرآن الكريم: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ ٣. وقد عبر عنها بالقلم كذلك، فقيل: القلم العربي، والقلم الحميري. ويراد بالقلم الحميري المسند، ويقولون له: الخط المسند كذلك. وقد بقي ناس من أهل اليمن يكتبون به في الإسلام٤. وقد وردت لفظة "هخطط"، أي: الخط والرسم، في النصوص الصفوية٥. وهذا يدل على أن هذه اللفظة هي من الألفاظ التي كان يستعملها العرب الشماليون. والهاء في "هخطط" أداة التعريف "ال" في عربيتنا. وتعبر كلمة "سطر" عن معنى خط وكتب. و"السطر" الخط والكتابة. ووردت لفظة "يسطرون" في القرآن الكريم في سورة "ن" بمعنى يكتبون٦. ووردت لفظة "سطر" في نص "أبرهة" بهذا المعنى أيضًا. كما نجدها في نصوص عربية جنوبية أخرى، مما يدل على ورودها في اللهجات العربية الجنوبية كذلك. وتقابلها لفظة "سرتو" Serto" و"سورتو" Sourto من الفعل "سرت" Srat في الإرمية. ومن هنا ذهب بعض الباحثين في الإرمية إلى أن "سطر" العربية هي

стр. 5345

"كلمة سريانية الأصل"١. وهو رأي يمثل وجهة نظر طائفة من الباحثين ترجع أصول أكثر المصطلحات الحضارية والثقافية الواردة في العربية إلى أصل سرياني. وفيه تسرع وبعد عن العلم. والسطر، الصف من الشيء. والتسطير، كتابة بسطور، أي: الخط والكتابة٢. وقد كان معظم الجاهليين يجعلون كتابتهم سطورًا سطرًا فوق سطر، ليكون من الممكن تتبع الكتابة إلا بعض الكتابات الصفوية والثمودية واللحيانية التي اتخذت أشكالًا مختلفة، تارة على هيئة هلال، وتارة أخرى على شكل دائرة، وحينًا على شكل غير منسق ولا منظم، إذ كان أصحابها رعاة في الغالب متنقلين، فلم تكن كتابتهم متقنة، كما أنهم لم يكونوا يملكون ورقًا وقرطاسًا، فكتبوا على أية حجارة وجدوها، فاختلف شكل الخط لذلك. والتسطير التخطيط. أي: تدوين السطور وتخطيطها على شكل خطوط. ومن المجاز خططت عليه ذنوبه، أي: سطرت٣. ووردت لفظة "اسطرن "الأسطر" بمعنى الوثيقة والسطور في كتابات المسند٤. ونجد في شعر للشاعر "الشماخ"، وصفًا للخط، كتبه حبر بتيماء من أسطر، عرض فيها وأثبج. إذ يقول: أتعرف رسمًا دارسًا قد تغيرا ... بذروة أقوى بعد ليلى وأقفرا كما خط عبرانية بيمينه ... بتيماء حبر ثم عرض أسطرا "والتعريض أن يثبج الكاتب ولا يبين الحروف ولا يقوم الخط"٥. وترد لفظة" "النقش" بمعنى الكتابة والتدوين والتخطيط. ورد: رجّع النقش، والوشم، والكتابة: ردد خطوطها، وترجيعها أن يعاد عليها السواد مرة بعد أخرى. ومنه رجع الواشمة. قال لبيد:

стр. 5346

أو رجع واشمة أسف تؤورها ... كففًا، تعرض فوقهن وشامها وقول زهير: مراجيع وشمٍ في نواشر معصم١ وفي هذا المعنى أيضًا لفظة "زَبَر". و"الزبر" الكتابة. ويذكر علماء اللغة أنها تعبر عن معنى النقش في الحجارة كذلك. وأما "المزبر"، فهو "القلم" كما ذكرت ذلك قبل قليل. وقد ورد في حديث وفاة الرسول أنه دعا بدواة ومزبر، أي: قلم٢. وذكر أن الزبور الكتاب٣. وقد وردت اللفظة في القرآن الكريم. فلفظة "زبر" بالفتح إذن فعل ماضٍ بمعنى كتب، وفي هذا المعنى أيضًا لفظة "ذَمَرَ". فنقول "ذمرتُ الكتابَ"، أي: زبرته وكتبته٤. وقصد بـ"الزبور" في القرآن الكريم، المزامير، أي: "مزامير داوود". وتقابل لفظة "زمره" "زمراه" في العبرانية٥. ويظهر من البيت المنسوب إلى لبيد: فنعاف صارة فالقنان كأنها ... زبر يرجعها وليد يمان٦ ومن البيت المنسوب إلى "أبي ذؤيب": عرفت الديار كرقم الدوا ... ة يزبرها الكاتب الحميري٧ أن أهل اليمن كانوا قد اشتهروا بالكتابة والقراءة بين الجاهليين, وأن ولدان أهل اليمن كانوا يرجعون, أي: يقرءون ويكررون ما هو مزبور أمامهم لحفظه. وأن "الكاتب الحميري"، أي: كاتب أهل اليمن كان معروفًا مشهورًا، يحمل

стр. 5347

الدواة ويكتب بها على مادة الكتابة. "قال أعرابي حميري: أنا أعرف تزبرتي, أي: كتابتي١. وأشير إلى "خط زبور" في شعر امرئ القيس: أتت حجج بعدي عليها فأصبحت ... كخط زبورٍ في مصاحف رهبان٢ وذكر علماء اللغة أن "الزبور" الكتاب، وفي هذا المعنى ورد قول لبيد: وجلا السيول عن الطلول كأنها ... زبر تحد متونها أقلامها وذكروا أن الزبور قد غلب على كتاب "داود"، أي: "المزامير"، وكل كتاب زبور. وقيل: هو الكتاب المقصور على الحكمة العقلية دون الأحكام الشرعية٣. واستعمل "الهمداني" جملة: "زبر حمير القديمة ومساندها الدهرية"، وقال: إن "أبا نصر" الحنبصي، كان قد قرأها وكان بحاثة عالمًا بها. وقد فرّق بين "الزبر" وبين "المساند"٤، مما يدل على أنه قصد بالزبر شيئًا آخر يختلف عن المساند، ربما أراد بالزبر صحفًا أو مجموعة صحف، أو كتاب، أما المساند، فالكتابات المدوّنة على الحجر. ومن المصطلحات المعبرة عن معنى كتب ونقش وختم لفظة "رقم". و ﴿كِتَابٌ مَرْقُوم﴾ ، بمعنى مكتوب، وأما المِرقم فالقلم؛ لأنه يرقم به٥. وذكر بعض علماء اللغة أن الرقم: الخط الغليظ، وقيل: تعجيم الكتاب. وقد ورد في القرآن الكريم: ﴿كِتَابٌ مَرْقُوم﴾ ٦. وذكر أن: "الرقيم"، الكتاب. والكتابة والختم٧.

стр. 5348

"وفي الحديث أنه كان يسوي الصفوف حتى يدعها مثل القدح أو الرقيم، أي: مثل السهم أو سطر الكتابة". وليس بين الرقوم والخطوط فرق١. يقول علماء العربية: "ورقم الكتاب: أعجمه وبينه، أي: نقطه وبيّن حروفه. وكتاب مرقوم: قد بينت حروفه بعلاماتها من التنقيط"٢. وإن الإعجام التنقيط بالسواد، مثل التاء عليها نقطتان٣. وإن التنقيط بمعنى وضع النقط على الحروف، أي: إعجامها٤. ويحملنا قولهم هذا على الذهاب إلى أن الإعجام كان معروفًا بين الجاهليين. وفي هذا المعنى، أي: الرقم والترقيم والرقيم ترد لفظة "الترقين"، و"الرقن"، و"المرقون"، و"الرقين". و"ترقين الكتاب: المقاربة بين السطور. وقيل نقط الخط وإعجامه ليتبين، وأيضًا تحسين الكتاب وتزيينه"٥. "والترقين تسويد مواضع في الحسبانات لئلا يتوهم أنها بيضت كيلا يقع فيه حساب"٦. وقد وردت لفظة "المنمق" وجملة "الكتاب المنمق" في شعر ينسب لسلامة بن جندل، هو: لمن طللٌ مثل الكتاب المنمق ... خلا عهده بين الصُّليب فمطرق٧ وذكر علماء اللغة أن معنى "نمق" كَتَب. فيقال: نمق الكتاب ينمقه، أي: كتبه وحسّنه وزيّنه بالكتابة وجوده٨. وفي هذا المعنى نبق، فيقال: نبق الكتاب ونمقه إذا سطره٩. أما لفظة، دبج، فتعني النقش والتزيين١٠.

стр. 5349

وذكر علماء العربية أن "الرقش" الخط الحسن، وأن الرقش والترقيش: الكتابة والتنقيط، وأن "رقش"، بمعنى نقط الخطوط والكتاب. وأن الترقيش: التسطير في الصحف١. ويظهر أن للكلمة علاقة بتنميق الخط وتحسينه وتجويده، وأن الخط المرقش، هو الخط المنمنم المزوّق المنقط المعتنى به. قالوا: ومن هنا سُمي الشاعر "المرقش" مرقشًا. وهو المرقش الأكبر عم "المرقش الأصغر". ويدل هذا التفسير لمعنى "الترقيش" على أن التنقيط كان معروفًا عند الجاهليين. ورووا له قوله: الدار قفر والرسوم كما ... رقش في ظهر الأديم قلم٢ وقد وردت لفظة "رقش" في شعر ينسب للأخنس بن شهاب التغلبي، هو: لابنة حطان بن عوف منازل ... كما رقش العنوان في الرق كاتب٣ كما وردت في شعر لطرفة، هو: كسطور الرق رقشه ... بالضحى مرقش يشمه٤ و"اللمق" الكتابة في لغة "بني عقيل"، وسائر "قيس" يقولون: اللمق: المحو، وقال بعضهم: "لمقه بعدما نمقه، أي: محاه بعدما كتبه". فهو ضد. يقال: لمقه إذا كتبه ولمقه إذا محاه٥. و"النبق" الكتابة، مثل النمق. ونبق الكتاب ونمقه إذا سطره٦. و"القرمطة" في الخط دقة الكتابة وتداني الحروف والسطور، وقرمط الكاتب إذا قارب بين كتابته، وكان الإمام "علي"، يقول للكاتب: "فرج ما بين السطور وقرب بين الحروف"٧.

стр. 5350

و"النمنمة"، خطوط متقاربة قصار، وكتاب منمنم، منقش، ومرقش ومزخرف، أي: به زخرفة، ولك وشيٍ نمنمة. فيظهر من ذلك أن بعض صحف وكتب أهل الجاهلية كانت منمنمة ذات رقوش ونقوش ووشي. وقد نعت "الجاحظ" الخط المسند بـ"المنمنم"١. ويعبر عن الكتابة بلفظة "النقر" على سبيل المجاز وقد ورد "نقر في الحجر" بمعنى كتب٢، وذلك لأن الحجر المكتوب، هو حجر منقور، ظهرت الكتابة عليه بطريقة النقر. وكل ما ورد إلينا من الكتابات الجاهلية قد كتب على الحجر أو الخشب بالنقر والحفر. والمشق السرعة في الكتابة. وقيل مشق الخط يمشقه مشقًا: مدَّه. فالمشق الخط الممدود الذي كتب بسرعة وبعجلة. ولذلك عبّر عن القلم السريع الجري في القرطاس بـ"قلم مشاق"٣. وورد أن أهل الأنبار كانوا يكتبون بالمشق. وهو خط فيه خفة٤. ويعبر عن الكتابة الفاسدة المكتوبة بخط رديء فاسد بـ"كتابة مخربشة" وبـ"كتاب مخربش"٥. وبهذا المعنى أيضًا "الخرمشة". فالخربشة والخرمشة في معنى واحد٦. وقد كانوا يستنسخون الكتب والصحف والأسطر كما نفعل. فقد ورد أن منهم من استنسخ كتبًا في الجاهلية والإسلام، أي: ينقلون الكتابة نقلًا بنصها وحروفها حرفًا حرفًا حتى تكون عند الناقل نسخة كاملة تامة للكتابة التي نقل عنها. والكاتب ناسخ ومنتسخ. والاستنساخ اكتتاب كتاب عن كتاب حرفًا حرفًا. وفي هذا المعنى ورد في القرآن: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ , أي: نستنسخ ما تكتب الحفظة٧.

стр. 5351

وترد لفظة "الترقين"، بمعنى ترقين الكتاب وهو تزيينه، وقيل: "رَقَّن الكتاب" قارب بين سطوره، والترقين في كتاب الحسبانات. والمرقن: الكاتب١. وقال بعضهم: "الترقين خط يخط في التأريخ أو العريضة إذا خلا باب من السطر، لكي يكون الترتيب محفوظًا به. وهو بمنزلة الصفر في حساب الهند وحساب الجمل، واشتقاقه من "رقان" وهو بالنبطية الفارغ"٢. وقيل الترقين: نقط الخط وإعجامه ليتبين، وتسويد مواضع في الحسبانات لئلا يتوهم أنها بيضت كيلا يقع فيه حساب٣. ولفظة "قرأ" من الألفاظ الجاهلية المعروفة. وهي أصل لمعان عديدة ذوات صلة بالقراءة. وتعبر جملة "قارأه مقارأة وقراء" عن معنى دراسة. ومن الأصل المتقدم قارئ وقرّاء وقراءة٤. ولفظة "اقرأ"، هي أول لفظة نزل بها الوحي، وأول كلمة من القرآن. كما ذكر ذلك أكثر المفسرين وأصحاب كتب السير والأخبار٥. كما وردت لفظة "قارئ" في حديث أول نزول الوحي على الرسول. وفي تفسير سورة "اقرأ". وأما "المقارئ" فبمعنى الذي قرأ الكتب٦. وتؤدي لفظة "تلا" معنى قرأ، والتلاوة القراءة٧. وترد لفظة مبروز بمعنى منشور، استشهد على ذلك بشعر للبيد، هو: الناطق المبروز والمختوم٨ ومن أصل "درس" المدرس ودارس ومدارس ومدراس، وهي تقابل "درش" في العبرانية والسريانية. وقد ذكر علماء اللغة أن المدارس الموضع الذي يدرس فيه كتاب الله، ومنه مدارس اليهود، وأن المدارسة والدارسة القراءة، وأن المدراس

стр. 5352

صاحب دراسة اليهود، كما ذكروا أن الآية: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْت﴾ في قراءة ابن كثير وأبي عمرو، معناها "قرأت على اليهود وقرءوا عليك"، وتعني دارس النبي اليهود. وقيل: دارست ذاكرتهم١. و"المِدرْاس"، من "مدراش" في العبرانية، وتعني المدارسة بالمعنى العام. وخصصت بالشروح والتفاسير التي وضعها الأحبار على الأسفار٢. وتؤدي لفظة "درس" و"درش" الدراسة العميقة للفهم والتعلم، فهي أعمق غورًا من معنى قرأ. وقد كان العبرانيون يعبرون بها عن دراسة الشريعة والتوراة. وقد كان "عمرو" من "بني ماسكة"، وهو المعروف بـ"أبي الشعثاء" قد رأس اليهود التي تلي بيت الدراسة للتوراة. وكان ذا قدر فيهم٣. وقد أشار علماء اللغة إلى كتب كانت عند الجاهليين ذكروا أنها عرفت عندهم بالرواسيم جمع روسم٤، ولم يذكروا محتوياتها ومضامينها. و"الراشوم" في السريانية لوح منقوش تختم به البيادر من "رشمو" Rouchmo بمعنى العلامة. والآلة "رشمه" Rshme كما أن "رشم" Rshme معناها رسم، ومنها الراسم والمرسوم المستعملتان في النصرانية في رسم الأسقف٥. ولا أستبعد أن يكون مراد تلك الكتب كتبًا دينية مستعملة عند النصارى الجاهليين. وعرفت لفظة "الوضائع" عند الجاهليين، فذكر علماء اللغة أن الوضيعة كتاب فيه الحكمة. وقد ورد في الحديث: إنه نبي وإن اسمه وصورته في الوضائع٦. وقد ذكر علماء اللغة أن "السفر" الكتاب الذي يسفر عن الحقائق. وقيل الكتاب الكبير، والجزء من أجزاء التوراة. وأما "السَّفَرة" فبمعنى الكتبة، وسفر الكتب كتبها. وقد ذكر علماء اللغة أن السِّفر، يقابلها "سافرا" بالنبطية٧.

стр. 5353

وقصد بـ "أسفار" الواردة في القرآن الكريم، التوراة. وبـ"سفرة" كتبة١. وقد قال السيوطي: إن الأسفار الكتب، والكتاب بالنبطية يُسمى سفرًا٢. وقد وردت لفظة "هسفر", أي: "السفر" في اللهجة الصفوية بمعنى الكتابة. فورد في أحد النصوص "وعور لذ يعور هسفر"٣، ومعناها "وعِورٌ للذي يُعَوّرُ الكتابة"، وبعبارة أوضح "وعور للذي يوذي هذه الكتابة". والعور في اللهجة الصفوية بمعنى عوارة, أي: أذية وأذى. ولا بد أن يكون مدلول "سفر" عندهم كمدلول كتب في عربيتنا. وقد وردت لفظة "سفر" بمعنى كتابة وخط في نصوص أخرى، إذ ورد فيه: "ووجد سفر دده"٤، أي: "ووجد كتابة أبيه". و"ووجد خط أبيه". وترد اللفظة في العبرانية أيضًا. فلفظة "س ف ر" "سافور" تعني يخط ويكتب ومن هذا الأصل "سيفير" Sepher ويراد بها كتاب, كتاب يلف فيكون على هيئة شيء ملفّف، أو أوراق تجمع بعضها إلى بعض وتربط٥. ومن العبرانية أخذ السريان لفظة "سفرو" Sefro بمعنى سِفْر. ومن هذا الأصل "سفر" Sfar بمعنى درس وكتب وتفقه وتعلم. وأما Sofro فبمعنى الكُتّاب، أي: المسجلون والفقهاء والأساتذة ورؤساء، والجمع "سوفرة" Sofre. وأما Sofroutho في الكتابة، أي: حرفة الكاتب والفقه والعلم والحذاقة٦. وعرف علماء اليهود حملة الشريعة بـ"سوفيريم Sopherim؛ لأنهم يكتبون الشريعة٧.

стр. 5354

و"السفسير" الكتاب، "السفاسره" أصحاب الأسفار، وهي الكتب: وبه فسر قول "أبي طالب" عم النبي: فإني والسوابح كل يوم ... وما تتلو السفاسرة الشهود١ وقد وردت في القرآن الكريم لفظة "السجل"٢، وذهب بعض المفسرين إلى أنها بمعنى الصحيفة والكتاب٣. وذهب بعض آخر إلى أنها حجر يكتب فيه، أو كل ما يكتب فيه٤. ولكنهم لم يذكروا شكل السجل وهيئته. وقد جعلها بعض العلماء من الألفاظ المعربة. ورجع السيوطي أصلها إلى الحبشية، فقال: إنها عندهم بمعنى الرجل٥. وذهب بعض آخر إلى أنها من أصل فارسي٦. ولا تزال اللفظة حية مستعملة في الدوائر، وتطلق على الأضابير والأوراق المحفوظة بين دفتين في دوائر الحكومات والشركات والأعمال الأخرى، كما تؤدي لفظة "مسجل" و"يسجل" معنى مكتوب ويكتب. فلفظة سجَّل إذن بمعنى كتب ودوّن. واللفظة من الألفاظ المعربة عن اللاتينية، محرفة من SigiIIum بمعنى ختم، أي: ختم العقود والوثائق وأمثال ذلك٧. ولا علاقة لها بالحبشية أو الفارسية. وقد تعني عند العرب كتاب العهد٨. وذكر بعضهم أن "السجيل"، اسم كاتب للنبي٩. وروي أن السجل: الكتاب يكتب للرسول أو المخبّر أو الرحّال أو غيرهم بإطلاق نفقته حيث بلغ, فيقيمها له كل عامل يجتاز به. والسجل أيضًا المحضر يعقده القاضي بفصل القضاء١٠. وهذه المعاني، هي من المعاني المتأخرة التي عرفت وشاعت في الإسلام. والظاهر أن أهل مكة لم يكونوا على علم تام بمعنى اللفظة،

стр. 5355

لذلك اختلفوا في تفسيرها اختلافًا يرد في كتب التفسير في تفسير معنى "السجل". ولا أستبعد استعمال الجاهليين للكتب التي تلف لفًّا، وذلك لسهولة المحافظة عليها ونقلها، كالذي كان يفعله العبرانيون ولا يزالون يفعلونه في كتبهم المقدسة. ولا أستبعد أن يكون السجل المذكور في القرآن الكريم على هذا الشكل إذ يُطوى ويُلف لفًّا، وتوضع الكتب داخل غلاف للمحافظة عليها، وقد زيّن أهل الكتاب أغلفة كتبهم المقدسة مبالغة في احترامها وتقديسها وتعظيمها. وإذا أرادوا فتحها، أخذوها باحترام وتبجيل وقبَّلوها، ثم تلوا منها على المتعبدين ما شاءوا. وإذا ثبت أن لفظة "مصحف"، هي من الألفاظ الجاهلية، فإن ذلك يدل على أن المصاحف، أي: الكتب المؤلفة من صحائف منضدة ومجلدة بين دفتين، كانت معروفة عند الجاهليين. وأنا لا شك لديّ في وجودها بهذا المعنى في أيام الرسول. غير أننا نلاحظ أن المسلمين خصصوا "المصحف" بالقرآن الكريم. و"المصاحف" بالقرائين جمع قرآن. وحين يقولون: "خطوط المصاحف"١، فإنهم يقصدون كتابة القرائين. ولفظة "القرآن"، و"قرأان"، نفسها تدل على وقوف الجاهليين على المعنى المفهوم من اللفظة، وهو القراءة، ولا بد أن يكون منهم من سمع من اليهود لفظة "مقرا" التي تعني القراءة و"قرآن"، أي: تلاوة الكتاب المقدس وقد كانوا يتداولونها فيما بينهم، ومنهم يهود اليمن والحجاز. وترد لفظة "الفهرس" في العربية، وهي من الألفاظ المعربة. ذكر بعضهم أنها الكتاب الذي تجمع فيه الكتب٢. وعرفت كلمة "الفهرست"، بـ"ذكر الأعمال والدفاتر تكون في الديوان، وقد يكون لسائر الأشياء"٣, وهي من الألفاظ المعربة عن الفارسية، بمعنى جدول، ومواد كتاب أو نحوه٤. ولكننا لا نستطيع إثبات أنها من الألفاظ التي عرفت بهذا المعنى عند الجاهليين. وذكر أن "الديوان"، مجتمع الصحف، وأنها لفظة فارسية معربة. وفي

стр. 5356

الحديث: "لا يجمعهم ديوان حافظ". وقيل: الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء. وأول من دوّن الدواوين عمر. وذكر بعض العلماء أن الديوان الدفتر ثم قيل لكل كتاب. وقد يخص بشعر شاعر معين وبمجموع الشعر١. و"التأريخ" و"الإراجة"" شيء من كتب أصحاب الدواوين، و"الأوارجة" من كتب أصحاب الدواوين في الخراج ونحوه٢. وقيل: التأريخ لفظة فارسية، معنها النظام؛ لأن التأريخ يعمل للعقد لعدة أبواب يحتاج إلى علم جملها؛ لأن التأريخ يعمل للعقد شبيهًا بالأوراج، فإن ما يثبت تحت كل اسم من دفعات القبض يكون مصفوفًا ليسهل عقده بالحساب, وهكذا يعمل التأريخ٣. والدفتر جماعة الصحف المضمومة، وواحد الدفاتر٤. وهي من الألفاظ المعربة عن الفارسية, ومعناها في الفارسية كتاب وسجل وحساب. ومن هذا الأصل لفظة "دفتر خانة"، أي: البيت الذي تحفظ فيه الدفاتر والوثائق ونحوها، ولفظة "دفتر دار"، بمعنى الخازن، وخازن الدفاتر٥. وهما مصطلحان استعملا في الإسلام. والكراسة واحدة الكراس والكراريس من الكتب٦. فهي مجموعة صحف وجزء من كتاب؛ لأن الكراسة من الكتاب، والكتاب مجموع كراريس. وقد ذكر علماء اللغة أن المجلة، الصحيفة يكتب فيها شيء من الحكمة٧. وقال أبو عبيدة: كل كتاب عند العرب، فهو مجلة٨. وقد وردت هذه اللفظة في شعر للنابغة، هو: مجلتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب٩

стр. 5357

وقد قال النابغة ذلك في مدح الغساسنة. ولما كان الغساسنة نصارى، فالمراد من المجلة إذن في هذا المكان، الكتب المقدسة. وتخصيص علماء اللغة المجلة بالصحيفة التي يكتب فيها الحكمة، هو تفسير نشأ عن عدم فهمهم للكلمة. وذلك أنها من الألفاظ المستعملة عند أهل الكتاب بمعنى كتاب ملفوف على طريقة تلك الأيام في استعمال الكتب الملفوفة، فظنوا أنها نوع خاص من الكتب خصص بالحكمة، لوجود مواعظ وحكم فيها، يستعملها رجال الدين في مواعظهم، ففسروها بهذا التفسير. وقد أشير في كتب السير والأخبار إلى "مجلة لقمان"، وقيل: إنها حكمة لقمان. وأشير إلى أمثال لقمان١. والمجلة هي "مكلوت": و"مكلتو" MagaItho في العبرانية والسريانية٢. ويراد بها كرّاس ملفوف وملف مخطوطات، وكتاب من أصل GoIo بمعنى لف٣. وقد ذكر أن "سويد بن الصامت" كان يملك "مجلة لقمان"، "حكمة لقمان" وأنه لقي الرسول يومًا، فدعاه الرسول إلى الإسلام فقال له سويد: لعل الذي معك مثل الذي معي. وكانت معه "مجلة لقمان" "حكمة لقمان". فقال له الرسول: إن هذا الكلام حسن، والذي معي أحسن منه وأفضل٤. و"سويد بن الصامت" المذكور، رجل مثقف مهذب، ذو علم وفهم في أيامه وبين قومه. وقد عرف عندهم بالكامل، للخلال الحميدة التي كانت فيه. ولا يلقب بـ"الكامل" في الجاهلية إلا من كانت له صفات معينة. وصفه صاحب كتاب الأغاني، فقال: "وكان يقال له الكامل في الجاهلية. وكان الرجل في الجاهلية إذا كان شاعرًا شجاعًا كاتبًا سابحًا راميًا سمّوه الكامل. وكان سويد أحد الكملة"٥. وكان كما يذكر أهل الأخبار حكيمًا كثير الحكم في شعره، حتى قيل: إن قومه إنما سمّوه "الكامل" لحكمة شعره وشرفه فيهم. وقد رووا له شعرًا في ذلك.

стр. 5358

هذا ويشك في إسلام "سويد بن الصامت بن خالد بن عقبة" الأوسي، إذ ذكر أنه لما انصرف من مقابلة الرسول له، عاد إلى قومه بيثرب فقتل١. قتله "المجذر" في الجاهلية٢. وأنا لا أستبعد احتمال قدوم يوم، قد يعثر فيه الباحثون على وثائق تبين أن عرب العراق كانوا قد وضعوا أسسًا لقواعد العربية، وكانوا أصحاب رأي في أساليب الكتابة وصوغ الكلام بنوعيه: من نثر وشعر. إذ لا يعقل في نظري أن يكون ظهور علوم العربية في العراق قبل الأمصار الإسلامية الأخرى، طفرة من غير سابقة ولا أساس. وأن يكون تفوق الكوفة والبصرة على المدن الإسلامية الأخرى, وفي ضمنها مدن جزيرة العرب في علوم العربية صدفة وفجأة ومن غير علم سابق ولا بحث في هذه الموضوعات قبل الإسلام, إنني اعتقد أن علم العروض وعلم النحو وعلم الصرف وسائر علوم العربية الأخرى لم تظهر في العراق إلا لوجود أسس لهذه العلوم فيه تعود إلى أيام ما قبل الإسلام، وهذه الأسس القديمة الجاهلية هي التي صيرت العراق الموطن الأول لهذه العلوم في الإسلام. وإنني لا أستطيع أن أتصور أن في مقدور إنسان مهما أوتي من العلم والذكاء, استنباط أوزان الشعر وبحوره من نقرات مطارق النحاسين أو من التأمل والتبصر، فشخص مثل هذا، لا بد وأن يكون قد وقف على البحور وأوزان الشعر وعلى مقدمات وبحوث في موضوع الشعر، منها استنبط علم العروض، وقلْ هذا الشيء عن علم النحو وعن سائر علوم العربية الأخرى. وقد كان العبرانيون يكتبون التوراة على جلود البقر، ثم يلفونها لفًّا على قضيب أو قضيبين تكوّن لفة واحدة أو لفتين متصلتين بعضها ببعض، ويطلقون عليها "مجلوت" "مكلوت". وتعني لفظة "كلل" لفَّ ودوَّر٣. وقد كانت كتب ذلك العهد تُكتب وتُلف بهذه الطريقة، فلا يستبعد وجود هذه المجلات، أي: الكتب الملفوفة عند الجاهليين. وقد أورد الأخباريون نصوص رسائل نسبوها إلى بعض الملوك الجاهليين وسادات القبائل، وهي رسائل مسجعة في الغالب موجزة. وفي أثناء حديثهم عن رسائل

стр. 5359

الرسول إلى قيصر وكسرى ذكروا أن الصحابة أشاروا على الرسول أن يتخذ خاتمًا يختم به كتبه؛ لأن الروم لا يقرءون كتابًا غير مختوم. ويظهر من كلامهم هذا أن أهل مكة لم يكونوا يختمون رسائلهم بخاتم، وإنما كانوا يكتفون بتدوين الاسم. والذي يتبين له من ملاحظتهم هذه عن الروم أنهم قصدوا بالخاتم الختم، على الكتب، إضافة إلى الاسم، وهو ما يقال له SigiIIum عندهم، كما أشرت إلى ذلك آنفًا. وهو يقابل ختم الدوائر في الزمن الحاضر، وطبع شعار الدائرة على الورق، ليكون ذلك تعبيرًا عن صفة الورقة الحكومية. فالغاية من إشارة الصحابة على الرسول بختم كتابه، هو إكسابه صفة رسمية، ليكون ذلك متفقًا مع طريقة الروم. ولا بد أن يكون رؤساء مكة قد راعوا هذا الأسلوب في مراسلاتهم مع البيزنطيين. وقد استعمل الخاتم في الغالب لتصديق الأوراق الشخصية والمعاملات الحكومية. فإذا أريد تصديق معاملة أو إرسال كتاب أو ختم صندوق، ختم بالخاتم، على الخاتم شيء من الكتابة يأمر صاحب الخاتم بحفرها، كي يظهر أثرها على الورق أو الشمع أو الطين. وكان منح الخاتم لموظف دليلًا على منحه الثقة وتعيينه في وظيفته التي اختير لها١. وقد كان رجال التجارة والأعمال وأصحاب المصالح يثبتون أعمالهم وعقودهم في صحف وكتب. وإذا أرادوا عقد عقد، مثل اتفاق على شيء أو تدوين ميثاق، دوّنوه على صحيفة وأشهدوا على ذلك، ليكون أوثق وأثبت للعقد. وقد عرف كتاب الشراء بالعهدة٢. وأما كتاب العهد، فهو ما يعهد به. وقد وردت في القرآن الكريم إشارة إلى الكاتب بالعدل. أي: الكاتب الذي يتولى كتابة العهود والمواثيق بين الناس. وقد ورد في كتاب "البيان والتبيين" للجاحظ: أن الرسول قال: "إذا كتب أحدكم فليترب كتابه"٣، أي: إن الكاتب إذا انتهى من كتابة كتابه، فليضع التراب عليه، ليجفف حبره.

стр. 5360

الفصل الرابع والعشرون بعد المائة: الدراسة والتدريس الكتاتيب: وفي العربية لفظة "الكتّاب"، ويراد بها في عرف هذا اليوم المدرسة التي يتعلم فيها الأطفال القراءة والكتابة ومبادئ المعرفة. وهي من الألفاظ العربية المستعملة في العهود الأولى من الإسلام. وعندي أنها من الألفاظ العربية التي كانت مستعملة في الجاهلية، وهي في معنى بيت "ها سيفر" Beth Ha- Sepher, أي: "بيت الكتّاب" في العبرانية. وقد كان العبرانيون يطلقونها على المدارس التي تدرس القراءة والكتابة ومبادئ المعرفة، تمييزًا لها عن المدارس التي تعلم الديانة والعبرانية والمعارف التي لها علاقة بالديانة ويطلقون عليها "بيت هامدراش" Beth Ha- Midrash, أي: "بيت المدراش"، و"بيت ها تلمود"، أي: "بيت التلمود" في بعض الأحيان١. وقد ذكر بعض أهل الأخبار أسماء جماعة ذكروا أنهم كانو من المعلمين في الجاهلية وكانوا من أصحاب الوجاهة والمكانة، منهم على سبيل المثال: "بشر بن عبد الملك السكوني"، أخو "أكيدر" صاحب "دومة الجندل، و"سفيان بن أمية بن عبد شمس"، و"أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة"
следующие страницы →