← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

الحكمة: وأما "الحكمة"، فقد ذكر أهل الأخبار أمثلة عديدة منها زعموا أنها لحكماء جاهليين، أوردوا أسماءهم، ولكنهم لم يفيضوا في بيان سيرهم وتراجم حياتهم،

стр. 5427

الفصل السابع والعشرون بعد المائة: الأمثال و"المثل" لون من ألوان الحكمة. وهو يقابل "مشل" في العبرانية، ومعنى آخر هو الحكمة والأساطير والقصص ذو المغزى. ولا يشترط في المثل أن يكون نثرًا، فقد يكون شعرًا. وفي الموارد الإسلامية أمثلة جاهلية كثيرة من النوعين، لم يصل أي مَثَلٍ منه مدونًا في نص جاهلي١. وللحكماء المذكورين أمثلة كثيرة ترد في كتب الأدب والمواعظ والأمثال. وقد شرح غرضها أصحاب الموارد التي ذكرتها، وتعرض الرواة للقصص المروي عنها. غير أن من الصعب التثبت من صحة نسبة تلك الأمثال إلى أولئك الحكماء والتثبت من صحة هذا القصص المروي عنها. وكلمة المثل من المماثلة. وهو الشيء المثيل لشيء يشابهه، والشيء الذي يضرب لشيء مثلًا، فيجعل مثله٢، والأصل فيه التشبيه، ويقابله "مشل" "مشال" Mashal في العبرانية، و Parabole في اليونانية، ومعناها المماثلة والمشابهة، أي: المعنى الوارد للفظة في العربية. والغاية من الاهتداء بما فيه من حكمة ومن

стр. 5428

حسن توجيه، ومثل أخلاقية للسير على هديها في الحياة١. وقد ضربت التوراة الأمثال للناس للاتعاظ بها والأخذ بما فيها من عبر. ورد في سفر "حزقيال": "هو ذا كل ضارب مثل يضرب مثلًا عليك قائلًا: مثل الأم بنتها"٢، وجاءت الأمثال في الأناجيل فورد: "في هذا يصدق القول: إن واحدًا يزرع وآخر يحصده"٣. وقد لخص الإصحاح الأول من سفر "الأمثال" الغاية من ضرب الأمثال بقوله: "لمعرفة حكمةٍ وأدبٍ، لإدراك أقوال الفهم، لقبول تأديب المعرفة والعدل والحق والاستقامة، لتعطي الجهال ذكاء والشاب معرفة وتدبرًا، لفهم المثل واللغز وأقوال الحكماء وغوامضهم: مخافة الرب رأس المعرفة. أما الجاهلون فيحتقرون الحكمة والأدب"٤. فالأمور المذكورة، تمثل الغاية التي يتوخاها ضراب الأمثال من الأمثال: وقد جعلت أسفار الأمثال المثل: مخافة الرب رأس المعرفة أول أمثالها: وهو في العربية: رأس الحكمة مخافة الله. ونجد في سفر "أمثال" كلامًا للحكماء، هو مزيج من أمثلة وحكم وألغاز، دون أن يشير إلى أسماء أصحابه٥، ونجد مثل ذلك في الأدب العربي. وقد اشتهر أبناء الشرق بالحكمة عند العبرانيين. والمثل بعد، هو عقل ضاربه، وثقافة البيئة التي ظهر فيها. ولهذا نجد الأمثال متباينة مختلفة حسب تنوع القوم الذين ظهر بينهم. ففي البيئة التجارية يكون المثل من هذه البيئة في الأغلب، وفي البيئة الزراعية يكون المثل مشربًا بروح المزارعين، وفي البادية تكون الأمثال ذات طبيعة بدوية. ومن هنا اختلفت أمثال قريش عن أمثال الأعراب، وأمثال عرب العراق عن أمثال أهل العربية الجنوبية، وهكذا. ولهذا فإن للمثل في نظر المؤرخ قيمة كبيرة من حيث إنه يرشده إلى مظاهر تفكير من ضرب بينهم، ويعرفه بمبلغ ثقافة قائليه. ولما كانت الأمثال مرآة لعقلية زمانها ولعقلية من ينسب قول المثل إليه، أو من

стр. 5429

ضرب به المثل. تباينت في البلاغة وفي قوة التعبير وعمق المعنى، وفي الفكرة، فصار بعضها آية في الحكمة وفي قوة البيان وفي عمق المغزى والمعنى، وصار بعض منها بسيطًا تافهًا. ونجد هذه الحالة في أمثال كل الأمم. إذ إن المثل لا يصدر عن طبقة معينة، بل قد يأتي من رجل جاهل بسيط، وقد ينسب إلى غبي بليد أو إلى شخص من سواد الناس اتخذ رمزًا للتعبير عن ناحية من نواحي الحياة، أو نموذجًا يعبر عن طبقة من الطبقات. وإنما المهم في رواج المثل وفي بقائه، أن يكون منبعثًا عن واقع حال، معبرًا عن رأي سديد، قصير قدر الإمكان مركزًا له وقع حسن على السمع، يصلح أن يكون مثلًا لكل زمان ومكان. فيروج ويدوم، وقد يتخذ مثلًا من أمثلة الحكمة، وهو كلما قصر، سهل حفظه وطال عمره. وأفضل المثل السائر: أوجزه، وأحكمه: أصدقه، وقولهم: مثل شرود، وشارد، أي: سائر لا يرد كالجمل الصعب الشارد الذي لا يكاد يعرض له ولا يرد. وقد تأتي الأمثال محكمة إذا تولاها الفصحاء من الناس، وإذا جاءت في الشعر، سهل حفظها١. والأمثال مادة مهمة غنية في الأدب الجاهلي والإسلامي. وفي القرآن الكريم أمثلة كثيرة ضربت للناس للتفكر والتعقل، وهي تدل على ما لها من أهمية تعليمية في العقل العربي. والأمثال المضروبة مرجع لمن يريد الوقوف على بعض الأمثلة التي استعملها الجاهليون. وفي الحديث النبوي مادة مهمة تمدّ هذا الباحث بمادة غزيرة عن المثل عند الجاهليين٢. و"الأمثال من حكمة العرب في الجاهلية والإسلام، وبها كانت تعارض كلامها، فتبلغ بها ما حاولت من حاجاتها في النطق بكناية بغير تصريح، فيجتمع لها بذلك ثلاث خلال: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه"٣. فالأمثال إذن عند الجاهليين نوع من أنواع الحكمة السائرة بين الناس. يقولها السيد والمسود، البارز والخامل، وهي تحفظ بسهولة ولا يحتاج المرء لتعلمها إلى

стр. 5430

مهارة وذكاء. وكان لحفّاظ الأمثال مقام عندهم؛ لأنهم ممن وهبوا بيانًا ناصعًا وقوة في اللسان، تمكن صاحبه من ضرب المثل في موضعه، ومن قوله في مكانه. والعادة أن يكثر الحكيم من الأمثال في كلامه؛ لأنها المادة التي يستعين بها في إظهار حكمته وعقله، يضيف عليها أمثالًا من عنده، هي من وحي تجاربه وقوة ملاحظته. وقد وردت كلمة "مثل" و"أمثال" في مواضع كثيرة من القرآن، وفي ورود الكلمتين بهذه الكثرة دلالة بالطبع على ما كان للمثل من أهمية كبيرة عند الجاهليين. وفيه أمثلة كثيرة ضربت للعبرة والتذكر، لتكون درسًا يتعظ به أولو الألباب. ويلاحظ أن العرب يضعون لفظة "ضرب" قبل كلمة المثل في الغالب، ورد في القرآن الكريم ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ ١، و ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ ٢، وورد ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ ٣، و ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ ٤، و ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ ٥، وفي مواضع أخرى منه. وضرب المثل إيراده ليتمثل به ويتصور ما أراد المتكلم بيانه للمخاطب. يقال: ضرب الشيء مثلًا وضرب به وتمثله وتمثل به. وضرب المثل اعتبار الشيء بغيره وتمثيله به٦. وقد أشاد العلماء بما للأمثال من أهمية في الحث على إصلاح النفس، فقال بعضهم: "إنما ضرب الله الأمثال في القرآن تذكيرًا ووعظًا"، وقال بعض آخر: "ضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور كثيرة: التذكير، والوعظ، والحث، والزجر، والاعتبار، والتقرير، وتقريب المراد من العقل، وتصويره بصورة المحسوس ... إلخ". وروي أن الرسول قال: "إن القرآن نزل على خمسة أوجه: حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال" ٧. وجعل "الماوردي" الأمثال من أعظم علم القرآن٨.

стр. 5431

وللرسول أمثال كثيرة، وذكر عن "عمرو بن العاص"، أنه حفظ عن النبي ألف مثل١. ونجد في كتب الأمثال أمثالًا نسبت إلى الرسول. منها: "إن من البيان لسحرًا"٢، و"إن مما ينبت الربيعُ لما يقتل حبطًا أو يلم"٣. و"إياكم وخضراء الدمن"٤، و"من كثر كلامه كثر سقطه"٥، و"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، ويروى أنه من أمثلة أهل الجاهلية٦. وقد نسبت أمثلة جاهلية أخرى إلى الرسول. والأمثال أقوال مختصرة، يراعى في وضعها الإيجاز والبلاغة والتأثير. وقد يكون المثل كلمتين، وقد يكون أكثر من ذلك. ولكن العادة ألا يكون طويلًا؛ لأن طول المثل يفقده روعته وتأثيره، فلا يكون مثلًا، ولا يمكن حفظه عندئذ فيضيع. ويراعى أن يكون سجعًا أو طباقًا. وأن يرتب في جمل متوازية بسيطة العبارة، أو مزدوجة أو أكثر من ذلك قليلًا. وأن تكون هنالك مناسبة بين الجمل حتى يبدو المثل جميلًَا متناسقًا. والقاعدة في الأمثال ألا تغيّر، بل تجري كما جاءت. وقد جاء الكلام بالمثل وأخذ به وإن كان ملحونًا؛ لأن العرب تجري الأمثال على ما جاءت، ولا تستعمل فيها الإعراب٧. والأمثال قد تخرج عن القياس، فتُحكى كما سُمعت، ولا يطرد فيها القياس، فتخرج عن طريقة الأمثال. "قال المرزوقي: من شرط المثل ألا يغيّر عما يقع في الأصل عليه"٨. وقال المرزوقي "في شرح الفصيح: المثلُ جملة من القول مقتضبة من أصلها أو مرسلة بذاتها، فتتسم بالقبول، وتشتهر بالتداول، فتنقل عما وردت فيه إلى كل ما يصح قصده بها من غير تغيير يلحقها في لفظها، وعما يوجبه الظاهر إلى

стр. 5432

أشباهه من المعاني، فلذلك تُضرب وإن جُهلت أسبابها التي خرجت عليها، واستجيز من الحذف ومُضارع ضرورات الشعر فيها ما لا يستجاز في سائر الكلام"١. ويلاحظ أن العرب قد أجازت لضارب المثل الخروج فيه على قواعد اللغة، كما أجازت ذلك للشاعر بدعوى ضرورات الشعر، ليستقيم الشعر مع القوافي والوزن. أجازته في المثل لأنه قد يصدر شعرًا، وقد يصدر سجعًا، وقد يصدر من أفواه أناس جهلة لا يبالون بالقواعد، أو ليس لهم علم بها، وقد يصدر من قبيلة لا تتبع في لغتها قواعد الإعراب. ونجد في كتب الأمثال وفي كتب الأدب أمثالًا وضعت لأغراض مختلفة، يغلب عليها الطابع التعليمي، أي: تعليم من يقرأها حكمة الحياة، وتجارب الماضين حتى يُستفاد ويُتعظ. بعض منها نابع من محيط البداوة ومن الطبيعة الأعرابية، وبعض منها تجارب عملية عامة تنطبق على كل الناس وتصلح لكل الأوقات٢. والأمثال عند بعض الشعوب صنف من أصناف الشعر، لما فيها من الخصائص المتوفرة في الشعر عندهم. وقد روعي في المثل بصورة عامة أن يكون قصيرًا موجزًا وبليغًا معبرًا عن حكمة، فيه نغمة وترنيم. ليؤثر في النفوس. ويحمل الطبع قائل المثل على مراعاة هذه الأمور من غير تفكير ولا تصنع، وهو إذا كان صادرًا من قلب وسجية، ومعبرًا عن نفس جياشة وعن حس بشري عام، يشعر به كل إنسان تقبله الناس بسرعة، ووجد له مجالًا من الانتشار، وعمر عمرًا طويلًا. والأمثال، هي في صدر المؤلفات التي وضعها المسلمون، فقد روي: أن عبيدًا بن شَرْيَةَ الجُرهُمي، وهو من أهل "صنعاء" باليمن، من أوائل المؤلفين في الأخبار وملوك العرب والعجم، ألّف كتاب "الأمثال" وقد رآه "ابن النديم" في نحو خمسين ورقة. كذلك ألّف صحار بن العباس العبدي، وهو من بني عبد القيس، وممن أدرك الرسول، "كتاب الأمثال"٣. وذكروا

стр. 5433

أن "عِلّاقة الكلابي" جمع الأمثال في عهد يزيد بن معاوية١، وأن "المفضل الضبي" "١٦٨هـ" من مشاهير علماء الكوفة في الشعر واللغة ألّف كتابًا في الأمثال دعاه: كتاب الأمثال٢، وأن أبا عبيد القاسم بن سلام "٢٢٣هـ" "٢٢٤"هـ"، ألّف كتابًا في الأمثال كذلك٣. وألّف "يونس بن حبيب" "١٨٣هـ" كتابًا دعاه "كتاب الأمثال"٤، وألف "أبو المنهال" كتابًا في الأمثال، عرف بـ "كتاب الأمثال السائرة" وقف عليه "ابن النديم"٥، ولأبي عبيدة "٢٠٩هـ" "٢١٠هـ" "٢١١هـ" كتاب في الأمثال، عرف بكتاب الأمثال٦، وللأصمعي "٢١٧هـ" كتاب في الأمثال كذلك٧، وللشورى، وهو ممن أخذ عن الأصمعي كتاب في الأمثال٨. ولأبي إسحاق إبراهيم بن سفيان, من تلامذة الأصمعي, كتاب في الأمثال٩. وألّف غير هؤلاء من العلماء كتبًا في هذا الموضوع طبع بعض منها فنال شهرة, مثل كتاب جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري "٣٩٥هـ", وكتاب مجمع الأمثال للميداني "٥١٨هـ"١٠، وقد أخذ "أبو هلال العسكري" أمثالًا وردت في كتاب لحمزة الأصبهاني في الأمثال، وهو كتاب توجد نسخة خطية منه في القاهرة١١. وبين المؤلفات في الأمثال رسالة لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الرازي

стр. 5434

"٣٩٥ هـ"، طبعت بعنوان: "كتاب أبيات الاستشهاد"١، دوّن فيها بعض الشعر الذي استشهد به الناس في أمثالهم. ورسالة أخرى ألّفها "أبو العباس محمد بن يزيد المبرد" الأزدي "٢٨٥هـ"، بعنوان: "رسالة في أعجاز أبيات تغني في التمثيل عن صدورها"٢. وهنالك مؤلفات عديدة أخرى، وضعت في الأمثال. وفي إقبال المؤلفين على التأليف بها بهذه الكثرة، دلالة على ما كان للمثل من أهمية، وعلى ما كان له من قيمة في نظر أهل الجاهلية. حفظوه حفظهم للشعر، بل أكثر من الشعر؛ لأنه يرد على كل لسان، يرد على لسان الحكيم البليغ كما يرد على لسان الغبي والجاهل، ثم إنه توجيه وتربية وتعليم، فلا نستغرب إذن إذا ما وجدنا كتب الأمثال في صدر الكتب التي ظهرت في الإسلام. وقد رأيت أنها ظهرت في عهد "معاوية" وبأمره، فهي بحق من أوائل المؤلفات التي وصلت إلينا بالعربية. وكان معاوية مولعًا بسماع الأمثال والقصص وأخبار الماضين والشعر. والأمثال، هي أيضًا مادة مهمة لفهم التأريخ الجاهلي. فقد تعرض جامعوها لأصل المثل وللأسباب مضربه، وجاءوا بشروحهم هذه بمادة تأريخية استعنا بها على فهم مواضع من ذلك التأريخ. ولكنا يجب أن نأخذ هذه الأمثال وشروحها بحذر. ففي أكثر الشروح تكلف وضعف، يدلان على عدم إمكان الاعتماد عليها في تكوين حكم علمي. ونجد في الأمثال الجاهلية أمثالًا ضربت بالناس، مثل: أسخى من حاتم، وأشجع من ربيعة بن مكدم، وأدهى من قيس بن زهير، وأعز من كليب وائل، وأوفى من السموأل، وحجام ساباط، وقوس حاجب، وغيرها. ونجد أمثالًا تمثل فيها بالبهائم، وغير ذلك. ولكل مثل قصة تروي منشأ ضرب ذلك المثل وما وراءه من خبر. وهي تعبير عن روح الزمان الذي قيل فيه وعن نفسية المتمثلين به. وكثير من الأمثال الجاهلية ما زالت دائرة على ألسنة الناس. وفي وجودها دلالة على أن الأحوال التي قيلت فيها لا تزال قائمة، ودليل ذلك اعتبار الناس بها والاستشهاد بها في المناسبات.

стр. 5435

وبين أمثال العرب أشعار جاهلية الأصل صارت مثلًا، ولا يزال بعض منها حي يضرب به مثل، لما فيه من حكمة ومن ملاءمة لكل وقت وزمان١. وضرب المثل بعجز البيت أحيانًا أو بجزء منه، كما في المثل: "بعض الشر أهون من بعض". فهو من بيت ينسب لطرفة هو: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض٢ ومن الأمثلة القديمة المشهورة حتى اليوم: "آخر الدواء الكي"، و"آخر الطب الكي"، زعم أنه من أمثلة "لقمان بن عاد". وقد ذكر "الزمخشري" سبب ضرب "لقمان" له، وأورد له كلامًا مع امرأة خانت زوجها، وكلامًا مع زوجها وكيف عرفه فأرشده إلى خيانتها له٣. وأورد مثلًا ضرب بكثرة أكل "لقمان"، هو: آكل من لقمان. وكانوا يزعمون أنه كان يتغدى بجزور، ويتعشى بأخرى، ويتخلل بحوار. وأنه ضاجع امرأته يومًا، وقد أكل جزورًا، وأكلت فصيلًا، فما قدر على الإفضاء إليها، فقال: كيف أفضي إليك وبيني وبينك بعيران٤. ويظهر من القصص المنسوب إليه، أنه قد انتزع من قصص قديم، كان معروفًا عند الجاهليين، مرويًّا بينهم. فإذا أعدنا قصته المذكورة مع المرأة، وقد رواها "ابن الكلبي" عن "عوانة"٥ نجدها وقد غصت بالأمثلة، وبطريقة الجاهليين في التفسير والتعليل، مما يجعل الإنسان يرى أنها من القصص الجاهلي القديم، الذي احتفظ بمعناه ومضمونه، وإن صيغ بلغة حاكيه. ورووا لقس بن ساعدة الإيادي، أمثالًا، منها: إذا خاصمت فاعدل، وإذا قلت فاصدق، ولا تستودعن سرك أحدًا، فإنك إن فعلت لم تزل وجلًا، وكان بالجيار، إن جنى عليك كنت أهلًا لذلك، وإن وفى لك كان الممدوح

стр. 5436

دونك. وكن عف العيلة، مشترك الغنى تسد قومك. إلى غير ذلك من أمثال نسبوها إليه١. وفي "كتاب الجوهرة في الأمثال" من "العقد الفريد"، باب خاص عنوانه: "أمثال أكثم بن صيفي وبزرجمهر الفارسي"٢. وهي تستحق الدرس والنقد، لمعرفة أصولها وعلاقة هذه الأمثال بالأدبين العربي والفارسي. ونجد في كتب الأدب طائفة من الأمثال في الأدب والحكمة، نسبت إلى "أكثم بن صيفي"، منها: ربّ عجلة تهب ريثًا، وادرعوا الليل فإن الليل أخفى للويل، والمرء يعجز لا المحالة، ولا جماعة لمن اختلف، ولكل امرئ سلطان على أخيه حتى يأخذ السلاح فإنه كفى بالمشرفية واعظًا، وأسرع العقوبات عقوبة البغي، وشر النصرة التعدي، ورب قول أنفذ من صول، والحر حر وإن مسه الضر، والعبد عبد وإن ساعده الجد، وإذا فزع الفؤاد ذهب الرقاد، وربّ كلام ليس فيه اكتتام، وحافظ على الصديق ولو في الحريق، وليس من العدل سرعة العذل، وليس بيسير تقويم العسير، وإذا بالغت في النصيحة هجمت بك على الفضيحة، ولو أنصف المظلوم لم يبق فينا ملوم٣. وليس في إمكان أحد إثبات أن هذه الأمثال وغيرها هي لأكثم بن صيفي حقًّا، وبينها أمثال إنسانية عامة نجدها عند مختلف الأمم، وبينها أمثال قيلت في اليونانية وفي بعض اللغات الأخرى قبل أيام "أكثم" بزمان طويل. إلا أن نسبة هذه الأمثال إليه، تشير إلى أنه كان من حكماء الجاهلية البارزين ومن ذوي الرأي والحكمة عند قومه. والأمثال النابعة من صميم الحياة الإنسانية ومن التجارب العملية، والاختبارات الطويلة، تكون ذات طبيعة حكيمة عامة، فتظهر لذلك عند كل الناس، وتخرج على كل لسان، فلا يمكن أن يقال: إنها من مخترعات الأمة الفلانية، ومن مبتكرات العقل الفلاني؛ لأنها كما قلت خواطر إنسانية، تخطر على بال كل

стр. 5437

شخص، له رأي سديد، وفكر صائب. وإن نسبت إلى شخص معين، لذلك يصعب علينا إرجاع الأمثال الإنسانية العامة إلى جماعة معينة. قال "الجاحظ": وقد كان الرجلُ من العرب يقف الموقف فيرسل عدة أمثلة سائرة، ولم يكن الناس جميعًا ليتمثلوا بها إلا لما فيها من المرفق والانتفاع، ومدار العلم على الشاهد والمثل"١. ومن أمثال أهل الجاهلية: إن من البيان لسحرًا، وإن الجواد قد يعثر، وإن البلاء موكل بالمنطق، وإن أخا الهيجاء من يسعى معك ومن يضر نفسه لينفعك. وأنف في السماء وأنف في الماء. وأَجِع كلبك يتبعك، واشتدى أزمة تنفرجي، وربّ رمية من غير رام، وربّ أكلة تمنع أكلات، واستراح من لا عقل له، وسبق السيف العذل، إلى غير ذلك من أمثلة٢. ومن الأمثال الجاهلية الباقية حتى اليوم المثل: مواعيد عرقوب، مثل يضرب لمن يعد ولا يفي. فقد ورد في شعر المتلمس، إذ قال: الغدر والآفات شيمته ... فافهم فعرقوبٌ له مثل وورد في شعر كعب بن زهير: كانت مواعيد عرقوب لها مثلًا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل قيل: عرقوب رجل من خيبر، كان يهوديًّا وكان يعد ولا يفي، فضربت به العرب المثل. وقيل: رجل من العماليق أتاه أخ له يسأله فقال له عرقوب: إذا أطلعت هذه النخلة فلك طلعها. فلما أطلعت أتاه للعدة، فقال: دعها حتى تصير بلحًا، فلما أبلحت قال: دعها حتى تصير زهوًا، فلما أزهت قال: دعها حتى تصير رُطبًا، فلما أرطبت قال: دعها حتى تصير تمرًا، فلما أتمرت عمد إليها عرقوب من الليل فجذّها، ولم يعطِ أخاه منه شيئًا، فصار مثلًا، وفيه يقول الأشجعي: وعدتَ وكان الحلف منك سجيةً ... مواعيد عُرقُوب أخاه بيثرب

стр. 5438

وقال آخر: وأكذب من عرقوب يثرب لهجةً ... وأبين شؤمًا في الحوائج من زُحل١ وذكر أن اسمه "عرقوب بن صخر"، أو "عرقوب بن معبد "معيد" بن أسد"، رجل من العمالقة على القول الأول. قاله ابن الكلبي، وعلى القول الثاني، فهو رجل من "بني عبد شمس بن سعد"، وقيل: إنه كان من الأوس. كان أكذب أهل زمانه، ضربت به العرب المثل في الخلف، فقالوا: مواعيد عرقوب٢. ومن الأمثال القديمة: صحيفة المتلمس، روي أن الرسول كتب كتابًا لعيينة بن حصن، فلما أخذه، قال: "يا محمد أتراني حاملًا إلى قومي كتابًا كصحيفة المتلمس". هي إحدى الصحيفتين اللتين كتبهما "عمرو بن هند" لطرفة والمتلمس، إلى عامله بالبحرين في إهلاكهما، وخيّلهما أنهما كتابا جائزة، فنجّى المتلمس عملُه على الخرم وهربُه إلى الشأم، وسارت صحيفته مثلًا في كل كتاب يحمله صاحبه يرجو منه خيرًا وفيه ما يسوءه٣. ومن الأمثلة القديمة "عنقاء مغرب"، والمثل به، "طارت به عنقاء مُغرِبٌ" زعموا أنه طائر كان على عهد "حنظلة بن صفوان الحميري" نبي أهل الرس عظيم العنق، وقيل: كان في عنقه بياض ولذلك سُمي عنقاء، اختطف غلامًا فأغرب به، ولذلك سُمي المغرب، فدعا عليه حنظلة فرمي بصاعقة. وقد ذكر المثل في الشعر٤. ومن الأمثال الجاهلية الحية التي لا تزال ترزق، المثل: "تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه". يضرب مثلًا لمن خبره خير من مرآه. ذكر "ابن الكلبي" أن هذا المثل ضُرب "للصقعب بن عمرو" النهدي. قاله له النعمان بن المنذر وقال "المفضل": المثل للمنذر بن ماء السماء، قاله لشقة بن ضمرة سمع بذكره، فلما رآه اقتحمته عينه فقال: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فأرسلها مثلًا

стр. 5439

فقال: له شقة: أبيت اللعن! إن الرجال ليسوا بجُزر يراد منهم الأجسام، وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه فذهب مثلًا، وأعجب المنذر بما رأى من عقله وبيانه، ثم سمّاه باسم أبيه فقال: أنت ضمرة بن ضمرة. وقيل: إن المثل للنعمان بن المنذر، قاله لشقة بن ضمرة١. وقد أورد "ابن الكلبي" قصة تأريخ المثل على هذا النحو: قال: وفد "الصقعب بن عمرو" النهدي في عشرة من "بني نهد" على "النعمان بن المنذر" وكان "الصقعب" رجلًا قصيرًا دميمًا تقتحمه العين، شريفًا بعيد الصوت، وكان قد بلغ النعمان حديثه، فلما أخبر النعمان بهم قال للآذن: إئذن للصقعب، فنظر الآذن إلى أعظمهم وأجملهم، فقال: أنت أنت الصقعب؟ قال: لا. فقال: الذي يليه في العظم والهيئة: أأنت هو: فقال: لا. فاستحيا فقال: أيكم الصقعب؟ فقال الصقعب: هأنذا! فأدخله إلى النعمان، فلما رآه قال: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه! فقال الصقعب: أبيت اللعن! إن الرجال ليسوا بالمسوك يستقى فيها، إنما الرجل بأصغريه بلسانه وقلبه، إن قاتل قاتل بجنان، وإن نطق نطق ببيان. فقال له النعمان: فلله أبوك! ثم سأله أسئلة امتحنه بها، ليرى عقله، فكان يجيبه أحسن جواب. فقال له النعمان: أنت أنت! فأحسن صلته وصلة أصحابه٢. وينسب المثل: "ألوى بَعيد المستمر"، إلى "النعمان بن المنذر"، وأخوه "طُفيل الغنوي" فأدخله شعره٣. ومن الأمثلة الشهيرة القديمة قولهم: "على أهلها جنت براقش"، يضرب مثلًا للرجل يهلك قومه بسببه٤. وينسب المثل: "إن الشقي وافد البراجم" لعمرو بن هند، ملك الحيرة، حلف ليقتلن مائة من تميم، فقتل تسعة وتسعين رجلًا منهم إحراقًا بالنار، وبقي واحد، فلما دنا رجل من البراجم من الملك، وسأله عن أهله، فقال: من

стр. 5440

البراجم، قال: إن الشقي وافد البراجم، وأمر به فألقي في النار١. ومن الأمثال المشهورة قولهم: "عند جهينة الخبر اليقين". وقيل: "عند جفينة الخبر اليقين" "حُفينة". وكان من حديثه أن "حصين بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن كلاب" خرج، ومعه رجل من "جهينة" يقال له: "الأخنس" فنزلا منزلًا، فقام الجهني إلى الكلابي فقتله، وأخذ ماله، وكانت أخته "صخرة" بنت "عمرو" تبكيه في المواسم، وتسأل عنه فلا تجد من يُخبرها، فقال الأخنس فيها: كصخرة إذ تسائل في مِراح ... وفي جَرْمٍ وعلمهما ظنونُ تسائل عن حصينٍ كل ركب ... وعند جهينة الخبر اليقين٢ ومن أمثالهم المشهورة قولهم: بمثل جارية فلتزن الزانية، وذلك أن "جارية بنت سليط بن الحرث بن يربوع بن حنظلة" كان أحسن الناس وجهًا وأمدهم قامة، وأتى سوق عُكاظ فأبصرته فتاةٌ من خثعم فأعجبها فتلطفت له، حتى وقع عليها، فعلقت منه، فلما ولدت أقبلت هي وأمها وخالتها تلتمسه بعكاظ، فلما رأته الفتاةُ قالت: هذا جارية! فقالت أمها: بمثل جارية فلتزن الزانية سرًّا أو علانية، فذهب مثلًا٣. ونسب المثل: "أرسل حكيمًا ولا توصه" إلى "الزبير بن عبد المطلب"٤، ونسب المثل "استنوق الجمل" لطرفة بن العبد٥. ومن الأمثلة القديمة: "على أهلها دلت براقش"، و"عش رجبًا تر عجبًا"٦، و"العصا من العصية" و"أعز من كليب وائل"، و"أعزّ من بيض الأنوق" و"أعز من

стр. 5441

الغراب الأعصم"، و"أنصف القارة من راماها". والمثل: "أرسل حكيمًا ولا توصه"، هو في الواقع مَثَل قديم، لا بد وأن يكون قد وضع في العربية، قبل أيام "الزبير"، إذ ينسب إلى الحكيم "أحيقار"، وربما نقل من السريان إلى العرب. وقد ضرب المثل بشخصيات جاهلية، تركت أثرًا في أيامها، فضرب بها المثل. مثل: "أبلغ من قس"، ويراد به قس بن ساعدة الخطيب الشهير، وأعيا من باقل. وهو رجل من إياد، وقيل: من ربيعة. اشترى ظبيًا بأحد عشر درهمًا، فمرّ بقوم فقالوا له: بكم اشتريت الظبي؟ فمدّ يديه وأخرج لسانه يريد أحد عشر، فشرد الظبي حين مد يديه، وكان تحت إبطيه١. وضرب المثل ببخل مادر، فقيل: أبخل من مادر، وبفصاحة سحبان، فقيل: أخطب من سحبان، وهو القائل: لقد علم الحي اليمانون أنني ... إذا قلت أمّا بعد أني خطيبها٢ وضرب الجاهليون الأمثال بكل ما وجدوه حولهم من حيوان ومن نبات وصخور. ولذا نجد على أمثالهم طابع محيطهم، فالحيوان الذي ضربوا به المثل، هو من حيوان جزيرة العرب، ومن النوع المألوف عندهم، مثل الضب والحية والعنز والإبل وما إلى ذلك. ومن هنا اختلفت أمثلة الأعراب أهل البادية عن أمثلة الحضر، أهل المدر، لاختلاف طبيعة البادية عن طبيعة الريف، ولوجود أشياء في أحدهما يندر وجودهما في المحيط الآخر. وفي شعر "عدي بن زيد" العبادي أمثلة كثيرة، تميز شعره عن شعر بقية الشعراء الجاهليين. ولو درسنا شعره، نجد أن فيه ما يشير إلى مواعظ ترد في النصرانية كما ترد على خاطر كل إنسان يصاب بنكبة, فتهز مشاعره فتجعله ينظر إلى الدنيا نظرة زاهد فيها، ولا أستبعد احتمال تأثره بالكتب التي كان قد وقف عليها، فقد كان نصرانيًّا "وقد قرأ كتب العرب والفرس"٣. ولم يذكر أهل

стр. 5442

الأخبار شيئًا عن "كتب العرب"، هل أريد بها كتب دينية وضعت في العربية، أم قصد بها كتب في القصص والأمثال وفي الشعر والأخبار وما شابه ذلك، ولعلهم أرادوا بكتب الفرس، الكتب التي تبحث عن قصص ملوكهم. وقد ترجم قسم منها في الإسلام، وقصص الأساطير. وقد رأينا أنها كانت معروفة عند العرب وأن "النضر" كان يقص منها لأهل مكة، وكانوا يسمونها الأساطير. ونجد في شعر الشعراء الآخرين أمثلة عديدة دخلت شعرهم، أخذوها من المثل السائر، ومن الحكم التي كانت شائعة في أيامهم، أو من القصص، أو من مبتكراتهم ومخترعاتهم، ولا تزال بعض الأمثال الشعرية حية ترزق، يضرب بها الناس المثل فيما يريدون التمثيل به. ومن الموارد التي أمدّت الأدب الجاهلي بالمثل، الكهان، وكلام الكهان قصير مسجع يميل إلى الرمز والألغاز، يتجنب الصراحة، لتكون فيه قابلية التفسير والتأويل وإعطاء كثير من الاحتمالات، وذلك لما تقتضيه طبيعة الكهانة من تأويل التكهن حسب الأحوال والمناسبات. ونجد في كتب الأدب أمثلة عديدة منسوبة إلى هؤلاء الكهان. ولما كان كلامهم مسجوعًا، قيل له: "سجع الكهان". وقد جاء في الحديث النبوي: "هذا من سجع الكهان"١. وفي الكهان جماعة من الكاهنات، عرفن بالتكهن، مثل: الشعثاء الكاهنة، وطريفة، ويذكرون أنها هي التي أنذرت عمرو بن عامر أحد ملوك اليمن بزوال ملكه، وأخبرته بخراب سد مأرب٢، وزبراء الكاهنة٣، وسلمى الهمدانية الحميرية٤، وعفيراء الكاهنة الحميرية٥، وفاطمة بنت مر الخثعمية، وقد ذكروا أنها كانت قد قرأت الكتب٦. ومن الأمثلة الواردة في كتب الأدب: "إن العصا من العُصية"، وهو مثل ينسب إلى "الأفعى الجرهمي"، وهو من الكهّان. قاله لما احتكم إليه أولاد "نزار" بمدينة النجران٧. و"الصيف ضيعت اللبن"، وأول من قاله "عمرو

стр. 5443

ابن عدس"١، والمثل "أوسعتهم سبًّا وأودوا بالإبل" وينسب إلى "كعب بن زهير بن أبي سلمى"٢، والمثل "أن الشقي وافد البراجم"٣. إلى غير ذلك من أمثلة تجدها في كتب الأمثال والأدب. ولا يزال بعضها حيًّا يتمثل الناس به, وبعض منه يرد على لسان كل إنسان. أي: أمثلة تنطبق على كل البشر؛ لأنها صادرة من نفس إنسانية عامة، فلا تعدّ من الأمثلة المحلية أو القومية، أي: أمثلة نبعت من محيط أمة معينة. لذلك نجد لها شبهًا عند أمم أخرى. ولا نستطيع أن نقول: إن الأمة أخذتها من تلك.

стр. 5444

فهرس الجزء الخامس عشر: الفصل السادس عشر بعد المائة الفن الجاهلي ٥ الفصل السابع عشر بعد المائة القصور والمحافد والآطام ٣٤ الفصل الثامن عشر بعد المائة الخزف والزجاج والبلّور ٥٨ الفصل التاسع عشر بعد المائة الفنون الجميلة ٦٦ الفصل العشرون بعد المائة أميّة الجاهليين ٩١

стр. 5445

الفصل الحادي والعشرون بعد المائة الخط العربي ١٤٤ الفصل الثاني والعشرون بعد المائة المسند ومشتقاته ٢٠٢ الفصل الثالث والعشرون بعد المائة الكتابة والتدوين ٢٤٨ الفصل الرابع والعشرون بعد المائة الدراسة والتدريس ٢٩١ الفصل الخامس والعشرون بعد المائة الكتاب والعلماء ٣١٣ الفصل السادس والعشرون بعد المائة الفلسفة والحكمة ٣٣٦

стр. 5446

الفصل السابع والعشرون بعد المائة الأمثال ٣٥٤ الفهرست ٣٧١

стр. 5447

المجلد السادس عشر الفصل الثامن والعشرون بعد المئة: القصص ... الفصل الثامن والعشرون بعد المائة: القصص والقصص، مظهر من مظاهر الفكر الجاهلي، أشير إليه في القرآن الكريم، وكان شائعًا عند الجاهليين. ودراسته تمكن الدارس من تحليل عقلية صاحب القصص، وفهم عقلية الزمن الذي شاع فيه. وقد ورد في المؤلفات الإسلامية شيء منه، وفي بعضه ملامح يمكن إرجاعها إلى عناصر أعجمية: دينية، وغير دينية، تسرب إلى الجاهليين من اتصالهم بالأعاجم، واتصال الأعاجم بهم. والقصص البيان، والقاص من يأتي بالقصة على وجهها، كأنه يتتبع معانيها وألفاظها. وقيل: القاص يقص القصص لأتباعه، خبرًا بعد خبر وسوقه الكلام سوقًا. وقد كان القص شائعًا متفشيًا بين الجاهليين والإسلاميين، وكانوا يقبلون عليه إقبالًا شديدًا، ومن هنا ورد في الحديث "إن بني إسرائيل لما قصوا هلكوا. وفي رواية لما هلكوا قصوا، أي: اتكلوا على القول وتركوا العمل، فكان ذلك سبب هلاكهم، أو بالعكس، لما هلكوا بترك العمل أخلدوا إلى القصص"١. ولما نزل القرآن: "قالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا، قال: فنزلت: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ٢. وذكر أن أصحاب رسول الله سألوه أن يقص عليهم؛ فنزل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ،

стр. 5448

"من الكتب الماضية وأمور الله السالفة في الأمم". وورد أنهم قالوا له: "يا رسول الله، حدثنا فوق الحديث ودون القرآن، يعنون القصص" فأنزل الله الآية المذكورة١. وفي هذا الإلحاح على الرسول بأن يقص عليهم، دلالة على مدى حب الجاهليين وإعجابهم بالقصص. وللجاهليين غايات من الاستماع إلى القصص، منها: العبرة والاتعاظ. وإلى ذلك أشير في القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ٢. وقد كان في مكة وفي غيرها قوم يقصون على الناس ويعظونهم، ولما جاء الإسلام كانوا على عادتهم يقصون لإثارة العقول إلى أنباء الماضين وأخبار السالفين، ولإثارة تفكيرهم في الكون وفي الخلق وفي شئون الحياة، كالذي يظهر من القرآن الكريم: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣ و ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ٤ و ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ ٥. ويدخل في هذا النوع القصص الذي يدخلونه في باب "الحكمة"، ومعناه القصص التعليمي، الذي يتعظ به، ويستفاد منه، إذ يعد دروسًا تعلم الإنسان في حياته وترشده إلى النجاح، ويشمل قصص الماضين، ما قاموا به من خير، وما عملوا في أيامهم من شر، فأصابهم من أجله الهلاك وسوء المصير، وقصص الأشخاص، أما القصص المروي على ألسنة الحيوانات على نمط قصص "كليلة ودمنة"؛ فإننا لا نجد منه مادة غزيرة في القصص المروي عن الجاهليين، وهو قليل المادة أيضًا في الأدب الإسلامي ولا سيما في القصص الطويل. وقد نجد بقايا قصص على ألسنة الحيوانات مرويًّا في كتب الأدب، لكنه من النوع القصير الذي لا يمثل نفسًا طويلًا في القصّ. وأغلب الظن أنه منتزع من قصص قديم، فقد طوله، بسبب قدمه، فبقيت منه هذه البقايا. ومن أبواب القصص، المقال على ألسنة الحيوانات، كالقصص المقال على لسان "النعامة"، من أنها ذهبت تطلب قرنين فرجعت بلا أذنين. والقصص

стр. 5449

الذي وضعوه عن الغراب، وعن الضفدع، والهدهد، والهديل، وغير ذلك مما يميل إليه العامة بصورة خاصة، لما يتركه من أثر في نفوسهم١. ومن القصص، قصص الملوك والأبطال وسادات القبائل والأيام، ويلعب قصص الأيام الدور الأول في هذا القصص، لما له من أثر في العصبية. وكان هذا القصص من أحب القصص إلى نفوسهم، وقد زوّق ونمق، وتولى قصه قصاصون كانت لهم مواهب خاصة وقابلية على القص والتأثير في النفوس، وكان أصحاب الرسول حين يتسامرون يتناشدون الشعر ويتذاكرون الأيام، جريًا على سنتهم في الجاهلية، وقد استمر هذا القصص إلى عهد قريب، ولا زال معروفًا في القرى وفي بعض الأقطار العربية، لا سيما في أيام رمضان، حيث تقرأ قصص أبو زيد الهلالي وقصة عنترة وغيرها في المقاهي، يقرأها قصاصون متخصصون بأسلوب مؤثر جذاب، يتلاعبون به في عقول السامعين، ويثيرون فيهم الحماس، ينصتون بكل خشوع إلى صوت القاص، يريدون منه سماع المزيد من الأخبار. وفي قصص أهل الأخبار المنسوب إلى الجاهلية، قصص عن الأسفار وعن مشقات السفر وعن الأهوال التي كان يلاقيها المسافرون في ذلك العهد من الجن والسعالي والغيلان، وقد رصع بأبيات من الشعر وبقصائد أحيانًا، في وصف تلك المخلوقات الرهيبة المفزعة، ولم ينس بعض هذا القصص من إيراد شعر لها في محاورة الأشخاص الذين تعرضوا لها، تجد فيه الجن والسعالى والغيلان، تنظم الشعر بلسان عربي مبين، وتجيب فيه الشعراء بشعر مثل شعرهم، قد تظهر رقة وأدبًا فيه، مع ما عرف عن هذه القوى من الميل إلى الأذى والشر. دوفي قصصهم قصص لهم أصل تاريخي، لكنه لم يحافظ على نقاوته وأصله، وإنما غلب عليه عنصر الخيال فحوله إلى أسطورة، رصعت بالشعر في الغالب، وبالجنس، لتثير الغرائز، فتقبل الأنفس على سماعها، ومن هذا القبيل قصص طسم وجديس٢. وقصص الزباء، والتبابعة، والأقوام الغابرة، حيث تجد قصصهم في كتب الأخبار والأدب. وفي أبواب القصص، باب للمجون والخلاعة، وأحاديث الهوى والتشبب.

стр. 5450

وهو باب يقدم على سماعه الشبان، طلاب هذا الفن في هذا الدور من أدوار الحياة، أما الشبيبة ومن تقدمت بهم السن، فإن الجنس، يكون قد ابتعد عنهم وتركهم في الغالب، وما تمسكهم به وهم في أرذل العمر، إلا من باب التذكر بأيام الزمان، وذكريات الشباب، لتطرية العمر، والترويح عن كربة التقدم في السن. والقاص من الشخصيات المحببة إلى نفوس الجاهليين، يقص على أبناء حيه القصص المسلية، مستمدًا مادته من الأساطير والخرافات السائرة المتنقلة بين الأمم، ومن الأخبار والحاديث الخرافية والتاريخية المأثورة عن العرب، أو عمن جاورهم. ومن ذلك قصص الأقوام القديمة التي بقيت ذكرياتها في أذهان الجاهليين، وقصص الملوك مثل الزباء، التي كيفت قصتها، وابتعدت عن التاريخ وقصص جذيمة الأبرش، وقصير، وعمرو بن عدي، والتبابعة وغير ذلك من قصص، له أصل تاريخي، لكنه تغير وتبدل حتى صار من الأساطير. وهو يصلح أن يكون اليوم موضع دراسة خاصة للوقوف على مقدار عناصر الابتكار والخيال فيه، ومقدار التحوير الذي ألمَّ به، وسببه ومن أدخله عليه من جاهليين أو مسلمين. وقصص النوادر والنكات من القصص المعروف عند أهل الجاهلية. وقد اتخذ الملوك والأشراف لهم ندماء عرفوا بإغراقهم في قول الملح والنوادر والأمور الغريبة المضحكة، حتى اشتهر أمرهم بين الناس، وحتى بالغ الناس في نسبة النوادر إليهم، وحولوا بعضهم إلى شخصايت أسطورية، من كثرة ما تقولوا عليهم وما نسبوه إليهم. ومنهم من سجلت كتب أهل الأخبار والأدب أسماءهم، لما حصلوا عليه من شهرة بين الناس في أيامهم. منهم "سعد" المعروف بـ"سعد القرقرة" هازل "النعمان بن المنذر" ملك الحيرة، كان يضحك منه١. ذكر أنه كان من أهل "هجر"، فدعا النعمان بفرسه اليحموم، وقال له: اركبه واطلب الوحش، فقال سعد: إذن والله أصرع. فأبى النعمان إلا أن يركبه. فلما ركبه سعد نظر إلى بعض ولده قال: وا بأبى وجوه اليتامى، ثم قال: نحن بغرس الودي أعلمنا ... منا بركض الجياد في السدف٢

стр. 5451

وفيه قال الشاعر "أبو قُردُودة"، وكان "سعد القرقرة" قد أكل عند النعمان بن المنذر مسلوخًا بعظامه: بين النعامِ وبين الكلب منبته ... وفي الذئب له ظئر وأخوال١ ومنهم "النعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحرث" من "بني النجار" من يثرب، المتوفى في أيام "معاوية". كان هازلًا ومازحًا لطيفًا، ذكر أنه كان لا يدخل المدينة طرفة إلا اشترى منها ثم جاء بها إلى النبي، فيقول: ها أهديته لك، فإذا جاء صاحبها يطلب نعيمان بثمنها أحضره إلى النبي، وقال: أعط هذا ثمن متاعه، فيقول: "أولم تهده لي! " فيقول: إنه والله لم يكن عندي ثمنه ولقد أحببت أن تأكله، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه. ودخل أعرابي على النبي، وأناخ ناقته بفنائه، فقال بعض الصحابة للنعيمان لو عقرتها فأكلناها، فإنا قد قرمنا إلى اللحم. ففعل. فخرج الأعرابي وصاح وا عقراه يا محمد! فخرج النبي، فقال: "من فعل هذا؟ " فقالوا: النعيمان فاتبعه يسأل عنه حتى وجده قد دخل دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب واستخفى تحت سرب لها فوقه جريد. فأشار رجل إلى النبي حيث هو فأخرجه، فقال له: "ما حملك على ما صنعت؟ " قال: الذين دلوك علي يا رسول الله، هم الذين أمروني بذلك. فجعل يمسح التراب عن وجهه ويضحك، ثم غرمها للأعرابي. وروي أن "مخرمة بن نوفل". كان قد كبر وقد عمي، فقام في المسجد يريد أن يبول، فصاح به الناس المسجد المسجد! فأخذه نعيمان بيده وتنحى به، ثم أجلسه في ناحية أخرى من المسجد فقال له: بل ههنا. فصاح به الناس. فقال: ويحكم فمن أتى بي إلى هذا الموضع! قالوا: نعيمان. قال: أما إن لله علي إن ظفرت به أن أضربه بعصاي هذه ضربة تبلغ منه ما بلغت. فبلغ ذلك نعيمان. فمكث ما شاء الله، ثم أتاه يومًا وعثمان قائم يصلي في ناحية المسجد. فقال لمخرقه: هل لك في نعيمان. قال: نعم. فأخذه بيده حتى أوقفه على عثمان، وكان إذا صلى لا يلتفت. فقال: دونك هذا نعيمان فجمع يده بعصاه فضرب عثمان فشجه، فصاحوا به ضربت أمير المؤمنين٢.

стр. 5452

وروي أن "أبا بكر" خرج تاجرًا إلى "بصرى" ومعه "نعيمان" و"سويبط بن حرملة"، وكان "سويبط" على الزاد، فجاءه "نعيمان"، فقال: أطعمني. فقال: لا، حتى يجيء "أبو بكر"، فقال: لأغيظنك، فذهب إلى ناس جلبوا ظهرًا. فقال: ابتاعوا مني غلامًا عربيًّا فارهًا، وهو ذو لسان ولعله يقول: أنا حر، فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوه لا تفسدوا عليّ غلامي. فقالوا: بلى نبتاعه منك بعشر قلائص، فأقبل بها يسوقها، وأقبل بالقوم حتى عقلها، ثم قال: دونكم هو هذا. فجاء القوم. فقالوا: قد اشتريناك، فقال سويبط: هو كاذب أنا رجل حر. قالوا: قد أخبرنا خبرك، فطرحوا الحبل في رقبته فذهبوا به. وجاء أبو بكر، فأخبر. فذهب هو وأصحاب له فردوا القلائص وأخذوه. فضحك النبي وأصحابه من ذلك حولًا١. وبعض القصص الشائع المتواتر عن الجاهليين، مثل قصة يومي البؤس والنعيم، وقصة "شريك" مع الملك "المنذر"، وقصة "سنمار" وأمثال ذلك، قصص وإن اقترن بأسماء جاهلية، إلا أن أصوله غير عربية، دخلت العرب من منابع خارجية، من منابع يونانية وفارسية، ونصرانية، وهو أيضًا من القصص الواردة عند شعوب أخرى، بدليل وجود شبه ومثيل له في أساطير الأعاجم، وفي حكايات النصارى٢. وقاص ذلك اليوم، هو أديب الحي، وأديب القوم، وهو لا بد أن يكون من أصحاب المواهب والفطنة، وممن رزق موهبة التأثير على القلوب بفضل ما رزق من حسن عرض الكلام وتخريج القصص، وتنسيقها، وإظهار الأدوار البارزة للأبطال، وعرضها بأسلوب مشوق مرغب، تنسي السامع كل شيء إلا تتبع الحكاية. ولا بد وأن يُملّح القاص قصصه بإدخال شيء من الشعر فيها، لا سيما شعر الفرسان والحروب والمغامرات. ولا نعرف من أسماء قصاص الجاهلية أسماء كثيرة، وأشهر اسم نعرفه هو اسم "النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف"، "النضر بن الحارث

стр. 5453

ابن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي"١، وكان من "شياطين قريش"، أي: أذكيائهم، وممن يؤذون الرسول، وكان يحدث قريشًا بأحاديث رستم واسفنديار وما تعلم في بلاد فارس من أخبارهم٢، ويزعم أنّ في استطاعته أن يأتي بمثل ما أتى به الرسول من أمر القرآن، فأشير إليه في الآية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٣، وذكر أن كل ما ذكر في القرآن من "الأساطير"، فإنما قصد به "النضر"،وقد نزلت في حقه ثماني آيات٤، تدل على أنه كان يتحدى الرسول ويخاصمه ويقول في القرآن: إنه من صنع محمد، وكان يأتي بقصص يزعم أنه يضاهي بها كتاب الله. وقد أرسلته قريش مع "عقبة بن أبي معيط" إلى يهود "يثرب" ليأخذا منهم من أمور التوراة والدين ما يجادلا به الرسول، فعلموهما ما يجب أن يسألا به، فجاءا وسألا الرسول وحاججاه، وقد أشير إلى هذه المحاججة في القرآن٥. وقد أمر الرسول بقتل "النضر"، فقتله "عليّ" وهو بالصفراء، فقالت فيه "ليلى" ابنته، أو "قتيلة" ابنته، وهي ابنته في رواية، أو أخته في رواية أخرى، شعرًا تبكيه وتتوجع فيه على قتله. أوله: يا راكِبًا إنَّ الأُثَيْلَ مَظِنَّةٌ ... مِنْ صُبْحِ خامِسَةٍ وأَنتَ مُوَفَّقُ أبلِغْ بها مَيْتًا بأنَّ قصيدةً ... ما إنْ تَزالُ بها الرّكائِبُ تَخْفُقُ فليَسْمَعَنَّ النَّضْرُ إنْ نادَيْتُه ... إنْ كانَ يَسْمَعُ مَيِّتٌ لا يَنْطِقُ ظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أَبِيه تَنُوشُهُ ... للهِ أَرْحامٌ هُناكَ تشققُ قَسرًا يُقادُ إلى المَنِيّةِ مُتعَبًا ... رَسفُ المقيد وهو عانٍ موثقُ أَمحمّد ها أَنْتَ ضَنُ نَجِيبَةٍ ... في قَوْمِها والفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ

стр. 5454

ما كانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ ورُبَّما ... مَنَّ الفَتَى وهوَ المَغيطُ المُحْنَقُ فالنَّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ تركت قرابة ... أَحَقُّهُمْ إنْ كانَ عتقٌ يُعْتَقُ١ وورد اسم رجل أدخل للمسلمين القصص الديني، هو "تميم بن أوس بن خارجة" الداري٢، ذكر أنه أسلم سنة تسع من الهجرة، وأنه كان نصرانيًّا، وأنه لقي النبي، فقص عليه قصة الجساسة والدجّال. وذكر أنه كان يترهب ويسلك مسلك رجال الرهبانية حتى بعد إسلامه، وأنه استأذن الخليفة "عمر" أو الخليفة "عثمان" في أن يذكر الناس في يوم الجمعة، فأذن له، فكان يقص في مسجد الرسول. وكان بذلك أول من قص في الإسلام. وروي أنه أول من أسرج السراج في المسجد٣. وكان قد قدم مع أخيه "نعيم" الداري في وفد الداريين على الرسول منصرفه من تبوك٤. وكان مقامه في الشام، وربما وضع القصص على اسمه٥. وهذا النوع من التذكير والوعظ والإرشاد، القائم على الترغيب والترهيب، بذكر أساطير الأولين والقصص والحكايات والغرائب والعجائب، والقصص المتعلق بالحيوانات أو المدون على ألسنتها، هو نوع من الوعظ الذي كان يقوم به رجال الدين اليهود والنصارى في تهذيب أبناء دينهم وفي إرشادهم إلى سواء السبيل، على نحو ما كانوا يتخيلونه ويتصورونه. ومن مدرستهم في الوعظ، تعلم صاحبنا تميم علمه هذا على ما يظهر. ويمكن الوقوف على طبيعة قصص "تميم" ونوعيته وعلى درجة ثقافته ومقدار عقليته بالرجوع إلى ما نسب إليه من قصص، وما ورد على لسانه من وعظ. ولكننا لا نجد في الكتب مادة من قصصه تكفي للحكم بموجبها على نوعيته، ولكننا

стр. 5455

لا نستبعد أن يكون قد خلط بين القصص النصراني وبين الأساطير العربية. فقد كان نصرانيًّا، يسمع أقوال وعاظ الكنائس، فتعلم منهم، وطبق ما تعلمه في الإسلام. وذكروا أن "الأسود بن سريع بن حمير "خمير" بن عبادة بن النزال" التميمي السعدي، كان قاصًّا، وكان شاعرًا مشهورًا، وهو من الصحابة، وكان أول من قص في مسجد البصرة. قيل: إنه مات سنة اثنتين وأربعين١. ولعله كان من النصارى كذلك. ويجب أن نشير إلى قاص آخر هو "عبيد بن شرية الجرهمي"، وإن كان من المتأخرين. فقد كان في أيام "معاوية"، وقد كان من الملازمين له. وكان الخليفة يحنّ إليه، ويتلذذ بسماع قصصه عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وسبب تبلبل الألسنة، وأمر افتراق الناس في البلاد. وهو شخص لا نعرف من أمره شيئًا يذكر. وذكر "ابن النديم" أنه عاش إلى أيام "عبد الملك بن مروان"، وأن معاوية أمر غلمانه بتدوين ما كان يقصه وينسب إليه وله من الكتب: كتاب الأمثال، وكتاب الملوك وأخبار الماضين٢.

стр. 5456

الفصل التاسع والعشرون بعد المئة: الطب والبيطرة ... الفصل التاسع والعشرون بعد المائة: الطب والبيطرة والطب من العلوم المطلوبة في كل زمان ومكان، لما له من صلة بحياة الإنسان. ولعلماء اللغة آراء في معنى "الطب" وقد ذكروا أن من المجاز: الطب بمعنى السحر، قال ابن الأسلت: ألا من مبلغ حسان عني ... أطب كان داؤك أم جنون١ فوجدوا أن بين الطب والسحر صلة. وهو تعبير عن مداواة الأمراض في السابق بالسحر، فقد كان الساحر طبيبًا، يداوي المرض ويشفي المريض بسحره، وكذلك كان الكهان يداوون المرضى، ولا زال الناس يعتقدون بأثر السحر في مداواة المرض، فيراجعون من يدعي العلم بالسحر لنيل الشفاء٢. وكان الطب، في ذلك الزمان، شرف، فللطبيب مكانة كبيرة عند الجاهليين. قال "المرتضى" في حديثه عن زهير بن جناب: "كان سيد قومه، وشريفهم، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم. والطب في ذلك الزمان

стр. 5457

شرف، وحازي قومه، والحُزاة الكهان"١. فهو قد جمع خلالًا كثيرة وفي جملتها الطب والكهانة. وقد كان الكهان يداوون المرضى، فكان كهنة مصر يعالجون المرضى ويطببونهم، لاعتقادهم أن الأمراض هي من الآلهة، تصيب الإنسان فلا تشفيه منها إلا التوسلات إليها بإشفائه، وحيث أن المقربين إليها هم الكهنة، لذلك لجأ المرضى إليهم لإشفائهم. ونجد في النصوص العربية الجنوبية توسلات كثيرة وتضرعات إلى الآلهة، لأن تمنّ على المتوسلين إليها بالصحة والعافية، وبالشفاء من الأمراض التي نزلت بهم، وأن تحميهم من الأوبئة التي تفشت بين الناس، فأخذت تميتهم. ولا بد وأن يكون السحرة والحزاة والكهنة في الجاهلية، هم الذين مارسوا الطب، وعالجوا المرضى، بالسحر وبالأدعية، أو بالأدوية التي أخذوها عمن سبقهم ومن تجاربهم الخاصة. ونحن نأسف لأن نقول إن النصوص الجاهلية لم تعطنا حتى الآن نصوصًا طبية، أو نصوصًا فيها وصفات أدوية الشفاء من الأمراض. والطب، هو من فروع العلم المحظوظة بالنسبة إلى فروع العلم الأخرى عند الجاهليين. فقد أشير إليه، وأشير إلى اسم نفر من الأطباء، هم: الحارث بن كلدة الثقفي، والنضر بن الحارث، و"ابن أبي رمثة التميمي" و"ضماد" وكلهم ممن عاصر الرسول وأدرك زمانه، وبفضل هذه المعاصرة، ذكرت أسماؤهم في كتب الحديث والسير والأخبار، ولولاها لكان شأنهم شأن غيرهم ممن لم يصل اسمهم إلى أحد، فصاروا نسيًا منسيًّا. وذكر أن رجلًا جاء إلى النبي، فرأى بين كتفيه خاتم النبوة. فقال: إن أذنت لي عالجتها فإني طبيب. فقال له النبي، طبيبها الذي خلقها، معناه العالم بها خالقها الذي خلقها لا أنت٢. أما الحارث بن كلدة الثقفي، فإنه من ثقيف ومن أهل الطائف. ذكر أنه سافر إلى البلاد، وتعلم الطب بناحية فارس على رجل من أهل جُنْدَيْسابور، وغيرها.

стр. 5458

وتمرن هناك، وطب بأرض فارس، وعالج وحصل له بذلك مال، وعرف الداء والدواء. وكان صاحب حسّ مرهف، وموسيقيًّا يضرب بالعود. تعلم ذلك بفارس واليمن. قيل: إن سعد بن أبي وقاص مرض بمكة، فعاده رسول الله، فقال له: "ادع الحارث، فإنه يتطبب". فعاده الحارث وداواه فشفاه. ونسبوا له كلامًا مع كسرى أنوشروان. وقيل: إنه هو القائل: "الطب: الأزم، والبطنة بيت الدواء، والحِميَةُ رأس الدواء، وعودوا كل بدن ما اعتاد"، وأشياء أخرى تنسب إلى فلاسفة متقدمين، ولحكماء من العرب غير الحارث١. وقيل: إن من حكمه: "خير الدواء الأزم، وشرّ الدواء إدخال الطعام على الطعام". وقيل: إنه وصى ولده بقوله: "يا بني عوّد نفسك الأثرة ومجاهدة الشهوة، ولا تنهش نهش السباع، ولا تخضم خضم البراذين، ولا تدمن الأكل إدمان النعاج، ولا تلقم لقم الجمال. إن الله جعلك إنسانًا فلا تجعل نفسك بهيمة، واحذر سرعة الكظة وسرف البطنة، فقد قال بعض الحكماء: إذا كنت بطينًا فعد نفسك مع الزمنى"٢. ومن حكمه قوله: "لا تنكحوا من النساء إلا الشابة، ولا تأكلوا من الحيوان إلا الفتى، ولا من الفاكهة إلا النضيج"٣. وقد نسبوا إلى الحارث كتابًا، هو كتاب المحاورة في الطب بينه وبين كسرى أنوشروان٤، ولم يشيروا إلى مضمونه ومحتوياته وحجمه. والظاهر أنه هذه المحاورة التي دبجوها في ترجمته، ونسبوها إليه، وزعموا أن كسرى أمر بتدوين ما نطق به٥.

стр. 5459

وقد ذكر أن الحارث بن كلدة كان شاعرًا ذا حكمة في شعره، وقد أورد الآحدي له أبياتًا في أثناء ترجمته له١ وذكره "أبو العلاء المعري" في "رسالة الغفران"، ونسب له قوله: فما عسل ببارد ماء مزنٍ ... على ظمأُ لشاربه يُشاب بأشهى من لقيكم إلينا ... فكيف لنا به ومتى الإياب٢ وذكر الأخباريون، أن "الحارث" هذا، كان قد داوى الملك "أبا جبر" الكندي، وكان ملكًا شديد البأس، فخرج إلى كسرى يستجيشه على قومه فأعطاه جيشًا من الأساورة، فلما بلغوا "كاظمة" سمّوه، ثم تركوه وعادوا، فسار "أبو جبر" إلى "الطائف"، ليداويه "الحارث بن كلدة" ويشفيه، فداواه فبرئ وارتحل يريد اليمن فنكس ومات. فرثته عمته "كبشة"٣. وقد عاصر رسول الله، وفي بعض الروايات أنه أسلم ومات مسلمًا في خلافة "عمر"، وأنه أكل مع "أبي بكر" وأنه شهد أن "أبا بكر" مات مسمومًا٤ وأنه خرج مع النساء حينما حاصر المسلمون الطائف سنة تسع للهجرة. وأنه عاش إلى أيام معاوية في رواية. وأن "آل نافع" و"آل أبي بكرة" كانوا يزعمون أنهم من نسله٥. وأما النضر بن الحارث بن كلدة الثقفي فهو ابن خالة الرسول. وكان النضر قد سافر البلاد أيضًا كأبيه، واجتمع بالأفاضل والعلماء بمكة وغيرها، وعاشر الأخبار والكهنة، واشتغل وحصل من العلوم القديمة، واطلع على علوم الفلسفة وأجزاء الحكمة، وتعلم من أبيه ما كان يعلمه من الطب وغيره وكان يؤاتي أبا سفيان في عداوة النبي، ويحسده، ويكثر الأذى له، ويتكلم فيه بأشياء كثيرة، ويحط من قدره عند أهل مكة. فلما كانت وقعة بدر، كان على رأس

стр. 5460

المشركين، فوقع أسيرًا، ولما كان الرسول بالصفراء أو الأثيل، أمر بقتله، فقتل١. وقد نسب بعض أهل الأخبار "النضر بن الحارث" على هذه الصورة: "النضر بن الحارث بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار"٢، وقالوا: إنه من أشراف قريش وأسيادها، وكان من مطعمي "بني عبد الدار"٣، ونصوا أنه "كان من كفار قريش شديد العداوة لرسول الله"٤، وأنه كان ابن خالة الرسول، ولهذا فلا يمكن أن يكون هذا النضر ابنًا للحارث بن كلدة الثقفي، الذي هو "الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج" على رواية من ضبط نسبه من أهل الأخبار٥. ثم إن "الحارث بن كلدة الثقفي"، لم يخلف إلا ابنة يقال لها: أزدة، على ما ذكره "أبو عبيدة"٦، لذلك فلا يمكن أن يكون "النضر بن الحارث" ابنًا له، كما ذهب إلى ذلك "ابن أبي أصبيعة" وغيره٧، لا سيما وأن "ابن أبي أصبيعة" نفسه قد جعله في عداد المشركين من قريش الذين آذوا الرسول، وذكر أنه ابن خالة النبي، وأنه آذاه وساهم مع المشركين في معركة بدر، فأسر. وأن أخته "قتيلة" قد رثته بشعر دوّنه، كما دوّنه غيره٨. وما دوّنه عنه، دوّنه غيره من ترجمة "النضر بن الحارث بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار" القرشي، وتجده مذكورًا مع شعر الرثاء في كتاب "نسب قريش"

стр. 5461

للزبيري١. وهو من العلماء بنسب قريش ومن المتقدمين على "ابن أبي أصبيعة"٢. وفي رواية يرجع سندها إلى "الكلبي" و"مقاتل"، أن في حق "النضر ابن الحارث"، نزلت الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيث﴾ ٣. فقد قيل: "إنه كان يخرج تاجرًا إلى فارس، فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها ويحدث بها قريشًا، ويقول لهم: إن محمدًا، ﵇، يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن"٤. وقد نزلت في حقه ثماني آيات٥، يفهم من تفسير علماء التفسير لها، أنه كان ذكيًّا لبقًا و"شيطانًا" من شياطين قريش، له علم بالشعر وبأخبار الأمم، يراجع أحبار اليهود وعلماء النصرانية، ليزيد بذلك علمًا على علمه، وكان يعتقد لذكائه وعلمه أنه أحق بالدعوة من النبي، وحسده وصار يعاكسه في كل مكان. ووصف بأنه صاحب أحاديث ونظر في كتب الفرس. كان يحدث، ثم يقول: أينا أحسن حديثًا: أنا أم محمد؟ ويقول: إنما يأتيكم محمد بأساطير الأولين. وقيل: إنه كان يقول: إنما يعينه على ما يأتي به في كتابه هذا جبر، غلام الأسود بن المطلب، وعداس غلام شيبة بن ربيعة، ويقال: غلام عتبة ابن ربيعة، وغيرهما. فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ٦، وكذلك ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٧، وروي أنه كان يحدث قومه أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم واسفنديار٨. وعلى هذا، فلم يكن النضر، في عداد الأطباء، وإنما كان في عداد الواقفين

стр. 5462

على أساطير الفرس ولغتهم، ولا تستبعد مع ذلك عنه مزاولة الطب، لأن المثقفين في ذلك الوقت، كانوا يعالجون ويدرسون مختلف العلوم والمعرفة. وأما ابن أبي رمثة التميمي، فكان طبيبًا على عهد الرسول مُزاولًا لأعمال اليد وصناعة الجراح١. ولم يذكروا عنه شيئًا غير هذا المذكور. وذك من الأطباء طبيب يقال له: ابن حديم، من تيم الرباب. قيل: إنه حاز على شهرة واسعة بين الجاهليين، وأنه ذكر في شعر لأوس بن حجر، هو: فهل لكم فيها إليّ فإنني ... طبيب بما أعيا النطاسي حِذيما٢ وزعم أنه كان أطب العرب، وأنه كان أطب من الحارث بن كلدة، حتى ضرب بطبّه المثل، فقيل: أطب من حذيم. وذكر أنه كان بارعًا في الكي، فقيل: أطب في الكي من ابن حذيم٣. وقيل: هو أنه كان من "تيم الرباب" وكان متطببًا عالمًا، وهو أقدم من الحارث بن كلدة. وقد جعله بعضهم "ابن حذام" "ابن حمام" الشاعر المذكور في شعر "امرئ القيس"، وهو خطأ ورد من باب التصحيف٤. ويظهر من كتب الحديث والأخبار والتراجم، أن هناك نفرًا آخرين مارسوا التطبيب في أيام النبي. فقد أشير إلى نفر من قبيلة أنمار، زاولوا الطب في أيام الرسول٥. وذكر أن النبي بعث إلى أُبي بن كعب طبيبًا، فقطع له عرقًا، وكواه عليه٦. وأشير إلى اسم طبيب آخر، عرف بـ"ضماد بن ثعلبة الأزدي"، ذكر أنه كان يداوي، وأنه جاء إلى رسول الله٧. وأنه كان صديقًا للنبي في الجاهلية،

стр. 5463

وكان من أزد شنوءة. وكان رجلًا يتطبب ويرقي ويطلب العلم، ويداوي من الريح. وقد أسلم. وكان محترمًا مقدرًا. ذكر أن بعثًا بعثه رسول الله أو أبو بكر، مرّ ببلاد ضماد، فلما جاوزوا تلك الأرض. وقف أميرهم، فقال: أعزم على كل رجل أصاب شيئًا من أهل هذه الأرض إلا ردّه، لمكانة هذا الرجل ولشرفه ولصداقته للرسول١. "وروي أنه قدم مكة معتمرًا، فسمع كفار قريش يقولون: محمد مجنون، فقال: لو أتيت هذا الرجل فداويته. فجاءه فقال له: يا محمد إني أداوي من الريح، فإن شئت داويتك لعل الله ينفعك، فتشهد رسول الله، ﷺ ، وحمد الله وتكلم بكلمات فأعجب ذلك ضمادًا، فقال: أعدها علي، فأعادها عليه فقال: لم أسمع مثل هذا الكلام قط، لقد سمعت الكهنة والسحرة والشعراء فما سمعت مثل هذا قط"٢. ولا يستبعد تعلم هؤلاء الأطباء في جنديسابور مركز الطب والعلوم في الامبراطورية الساسانية أو في أماكن من بلاد الشأم، فقد كان الطبيب الحاذق محتاجًا في هذا اليوم إلى تعلم هذا العلم في أماكن متعددة للاستفادة من تجارب الأطباء. وقد كان السفر متصلًا غير منقطع، فلا يستبعد قدوم الأطباء وطلاب الطب من جزيرة العرب إلى هذه الأماكن للتعلم فيها. واشتغلت النساء بالمعالجة والتطبيب أيضًا. فقد قامت "رفيدة" تداوي جرحى المسلمين يوم ذهابهم إلى "بني قريظة"٣. وكانت امرأة تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين. وكانت لها خيمة في المسجد، مسجد الرسول بيثرب تداوي بها الجرحى. ولما جرح "سعد بن معاذ" يوم الخندق، قال رسول الله: "اجعلوه في خيمة رفيدة التي في المسجد حتى أعوده من قريب"، وكان الرسول يزوره في خيمتها في الصباح وفي المساء٤. واشتهرت "زينب"، وهي من "بني أود" بالطب. كانت تطبب وتعالج العين والجراح٥.

стр. 5464

والوجع المرض المؤلم١، والعرب تسمي كل مرض وجعًا٢، ويعبر عنه بالمقام كذلك٣. وذكر أن "الوعك" الحمّى أو ألمها وأذاها ومغثها في البدن، وذكر أن الوعك لا يكون إلا من الحمى دون سائر الأمراض٤. وقد عالج الأطباء الجروح بوضع الخرق بعضها فوق بعض على الجرح، أي: بتضميده بها، ويقال لذلك: "الغميل". وكانوا إذا أرادوا تعريق المريض، غملوه٥، أي: غطوه بالثياب ليعرق، فيشفى من البرد والزكام. والضماد العصابة أوالخرقة تشد فوق الجرح أو الرأس. أو أي موضع من الجسم يشتكى من وجود ألم به، فكانوا يضمدون الرأس للصداع، كما كانوا يضمدون العين، بوضع الدواء في العين، أو على الخرقة ثم تضميد العين بها، ورد أن "طلحة" ضمد عينيه بالصبر، كذلك كانوا يضعون الأدهان على الضماد، لتضميد الجروح، أو الأورام أو موضع الألم٦. ويذكر علماء اللغة أن "النطاسي"، العالم الشديد النظر في الأمور٧، فهي بمعنى الحاذق. ويقال: طبيب نطيس ونطاسي، وورد: نطس الأطباء. وهي أكثر ما ترد مع الأطباء، للدلالة على الحذق والفهم في هذه الصناعة. وذكر علماء اللغة أن اللفظة من المعربات، عربت من أصل "نسطاس"، وهي من لغة الروم. والنُطس الأطباء الحذاق، والعالم بالطب بالرومية٨. ولعدم وصول كتب أو صحف أو أحجار لها علاقة بالطب عند الجاهليين، اضطررنا إلى أخذ معارفنا في الطب من الموارد الإسلامية، مثل كتب التفسير والحديث والأدب، ففيها إشارات إلى بعض الأمراض، وفي بعضها إشارات إلى معالجة بعض منها. هذا، وتفيدنا الموارد الأعجمية في هذا الباب كثيرًا،

стр. 5465

لورود أمراض فيها وطرق معالجة، كانت معروفة وشائعة في الشرق الأوسط قبل الإسلام. ونجد في المعجمات الخاصة بالعهدين القديم والجديد وفي تواريخ الطب القديم معلومات ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلينا، لأنها تعيننا على تكوين رأي في الطب عند الجاهليين. والمذكورون، هم أطباء نشأوا في المدن، وأقاموا في الحضر، وتعلموا من أطباء محترفين. أما الأعراب، فقد كان لهم أطباء، ولكن طبهم، هو طب العرف والعادة. طب موروث، يداوي بالوصفات التي داوى بها الآباء والأجداد، دون تغيير وتبديل وجدل ونقاش. ولهذا، فهو طب بدائي تقليدي موروث، يعتمد في مداواته على قدرة القبيلة، وعلى ما يجده الطبيب حوله من نبات وأعشاب وحيوان ونار فيداوي بها. وما زال الأعراب على طبهم هذا، يداوون به على نحو ما داوى أجدادهم وأجداد أجدادهم في الإسلام وقبل الإسلام. وليس لطب البادية اتصال بالطب الخارجي، إلا ما كان من طب القبائل القاطنة على مقربة من الحواضر، أو القبائل التي كان لها اتصال مباشر منتظم أو غير منتظم بالعالم الخارجي. فقد تسرب إلى علم "العوارف" فيها نفح من الطب الغريب، عالج به "عوارف" القبيلة، واستمروا على المعالجة به، حتى صار سنة لهم وطبًّا قبليًّا. ومن أهم صفات الطب القبلي، أنه طب لا يثق إلا بنفسه، ولا يرى الشفاء إلا من أطبائه وبأدويته المتعارفة عنده والمريض الأعرابي لا يعمل إلا بطب أصحاب الخبرة من الشيبة والعجائز الذين عرفوا بممارستهم معالجة المرضى وللسن عندهم قيمة في نجاح المعالجة والحصول على الشفاء، فالسن تجربة وعلم. ولذلك فللمسن المعالج الذي يرجع إليه عند الشكاية من الألم والمرض، تأثير كبير على المريض من الناحية النفسية، لاعتقاده بأن السنين تزيد في خبرة الإنسان وتضيف إلى علمه القديم علمًا جديدًا. لذلك يثق المرضى به، مع أن طب الأعراب، لا يعرف البحث والمطالعة لزيادة العلم، ولا يركن إلى التجديد بالحصول على معارف طبية جديدة، بدراسة أثر أعشاب البادية بصورة مستمرة في شفاء المرضى واستخلاف النتائج من مراقبة تأثير الدواء على حالة المريض. وقد عرف طب البادية بـ"طب الأعراب" وبطب البادية، وعرف دواء الأعراب بدواء أهل البادية. وهو دواء نابت من محيطهم يستند على المعالجة بالأعشاب وبالرماد وبالألبان وبأبوال الإبل وبالخرز. ومن أدويتهم "النهاء" دواء
следующие страницы →