← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

للزبيري١. وهو من العلماء بنسب قريش ومن المتقدمين على "ابن أبي أصبيعة"٢. وفي رواية يرجع سندها إلى "الكلبي" و"مقاتل"، أن في حق "النضر ابن الحارث"، نزلت الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيث﴾ ٣. فقد قيل: "إنه كان يخرج تاجرًا إلى فارس، فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها ويحدث بها قريشًا، ويقول لهم: إن محمدًا، ﵇، يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن"٤. وقد نزلت في حقه ثماني آيات٥، يفهم من تفسير علماء التفسير لها، أنه كان ذكيًّا لبقًا و"شيطانًا" من شياطين قريش، له علم بالشعر وبأخبار الأمم، يراجع أحبار اليهود وعلماء النصرانية، ليزيد بذلك علمًا على علمه، وكان يعتقد لذكائه وعلمه أنه أحق بالدعوة من النبي، وحسده وصار يعاكسه في كل مكان. ووصف بأنه صاحب أحاديث ونظر في كتب الفرس. كان يحدث، ثم يقول: أينا أحسن حديثًا: أنا أم محمد؟ ويقول: إنما يأتيكم محمد بأساطير الأولين. وقيل: إنه كان يقول: إنما يعينه على ما يأتي به في كتابه هذا جبر، غلام الأسود بن المطلب، وعداس غلام شيبة بن ربيعة، ويقال: غلام عتبة ابن ربيعة، وغيرهما. فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ٦، وكذلك ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٧، وروي أنه كان يحدث قومه أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم واسفنديار٨. وعلى هذا، فلم يكن النضر، في عداد الأطباء، وإنما كان في عداد الواقفين

стр. 5462

على أساطير الفرس ولغتهم، ولا تستبعد مع ذلك عنه مزاولة الطب، لأن المثقفين في ذلك الوقت، كانوا يعالجون ويدرسون مختلف العلوم والمعرفة. وأما ابن أبي رمثة التميمي، فكان طبيبًا على عهد الرسول مُزاولًا لأعمال اليد وصناعة الجراح١. ولم يذكروا عنه شيئًا غير هذا المذكور. وذك من الأطباء طبيب يقال له: ابن حديم، من تيم الرباب. قيل: إنه حاز على شهرة واسعة بين الجاهليين، وأنه ذكر في شعر لأوس بن حجر، هو: فهل لكم فيها إليّ فإنني ... طبيب بما أعيا النطاسي حِذيما٢ وزعم أنه كان أطب العرب، وأنه كان أطب من الحارث بن كلدة، حتى ضرب بطبّه المثل، فقيل: أطب من حذيم. وذكر أنه كان بارعًا في الكي، فقيل: أطب في الكي من ابن حذيم٣. وقيل: هو أنه كان من "تيم الرباب" وكان متطببًا عالمًا، وهو أقدم من الحارث بن كلدة. وقد جعله بعضهم "ابن حذام" "ابن حمام" الشاعر المذكور في شعر "امرئ القيس"، وهو خطأ ورد من باب التصحيف٤. ويظهر من كتب الحديث والأخبار والتراجم، أن هناك نفرًا آخرين مارسوا التطبيب في أيام النبي. فقد أشير إلى نفر من قبيلة أنمار، زاولوا الطب في أيام الرسول٥. وذكر أن النبي بعث إلى أُبي بن كعب طبيبًا، فقطع له عرقًا، وكواه عليه٦. وأشير إلى اسم طبيب آخر، عرف بـ"ضماد بن ثعلبة الأزدي"، ذكر أنه كان يداوي، وأنه جاء إلى رسول الله٧. وأنه كان صديقًا للنبي في الجاهلية،

стр. 5463

وكان من أزد شنوءة. وكان رجلًا يتطبب ويرقي ويطلب العلم، ويداوي من الريح. وقد أسلم. وكان محترمًا مقدرًا. ذكر أن بعثًا بعثه رسول الله أو أبو بكر، مرّ ببلاد ضماد، فلما جاوزوا تلك الأرض. وقف أميرهم، فقال: أعزم على كل رجل أصاب شيئًا من أهل هذه الأرض إلا ردّه، لمكانة هذا الرجل ولشرفه ولصداقته للرسول١. "وروي أنه قدم مكة معتمرًا، فسمع كفار قريش يقولون: محمد مجنون، فقال: لو أتيت هذا الرجل فداويته. فجاءه فقال له: يا محمد إني أداوي من الريح، فإن شئت داويتك لعل الله ينفعك، فتشهد رسول الله، ﷺ ، وحمد الله وتكلم بكلمات فأعجب ذلك ضمادًا، فقال: أعدها علي، فأعادها عليه فقال: لم أسمع مثل هذا الكلام قط، لقد سمعت الكهنة والسحرة والشعراء فما سمعت مثل هذا قط"٢. ولا يستبعد تعلم هؤلاء الأطباء في جنديسابور مركز الطب والعلوم في الامبراطورية الساسانية أو في أماكن من بلاد الشأم، فقد كان الطبيب الحاذق محتاجًا في هذا اليوم إلى تعلم هذا العلم في أماكن متعددة للاستفادة من تجارب الأطباء. وقد كان السفر متصلًا غير منقطع، فلا يستبعد قدوم الأطباء وطلاب الطب من جزيرة العرب إلى هذه الأماكن للتعلم فيها. واشتغلت النساء بالمعالجة والتطبيب أيضًا. فقد قامت "رفيدة" تداوي جرحى المسلمين يوم ذهابهم إلى "بني قريظة"٣. وكانت امرأة تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين. وكانت لها خيمة في المسجد، مسجد الرسول بيثرب تداوي بها الجرحى. ولما جرح "سعد بن معاذ" يوم الخندق، قال رسول الله: "اجعلوه في خيمة رفيدة التي في المسجد حتى أعوده من قريب"، وكان الرسول يزوره في خيمتها في الصباح وفي المساء٤. واشتهرت "زينب"، وهي من "بني أود" بالطب. كانت تطبب وتعالج العين والجراح٥.

стр. 5464

والوجع المرض المؤلم١، والعرب تسمي كل مرض وجعًا٢، ويعبر عنه بالمقام كذلك٣. وذكر أن "الوعك" الحمّى أو ألمها وأذاها ومغثها في البدن، وذكر أن الوعك لا يكون إلا من الحمى دون سائر الأمراض٤. وقد عالج الأطباء الجروح بوضع الخرق بعضها فوق بعض على الجرح، أي: بتضميده بها، ويقال لذلك: "الغميل". وكانوا إذا أرادوا تعريق المريض، غملوه٥، أي: غطوه بالثياب ليعرق، فيشفى من البرد والزكام. والضماد العصابة أوالخرقة تشد فوق الجرح أو الرأس. أو أي موضع من الجسم يشتكى من وجود ألم به، فكانوا يضمدون الرأس للصداع، كما كانوا يضمدون العين، بوضع الدواء في العين، أو على الخرقة ثم تضميد العين بها، ورد أن "طلحة" ضمد عينيه بالصبر، كذلك كانوا يضعون الأدهان على الضماد، لتضميد الجروح، أو الأورام أو موضع الألم٦. ويذكر علماء اللغة أن "النطاسي"، العالم الشديد النظر في الأمور٧، فهي بمعنى الحاذق. ويقال: طبيب نطيس ونطاسي، وورد: نطس الأطباء. وهي أكثر ما ترد مع الأطباء، للدلالة على الحذق والفهم في هذه الصناعة. وذكر علماء اللغة أن اللفظة من المعربات، عربت من أصل "نسطاس"، وهي من لغة الروم. والنُطس الأطباء الحذاق، والعالم بالطب بالرومية٨. ولعدم وصول كتب أو صحف أو أحجار لها علاقة بالطب عند الجاهليين، اضطررنا إلى أخذ معارفنا في الطب من الموارد الإسلامية، مثل كتب التفسير والحديث والأدب، ففيها إشارات إلى بعض الأمراض، وفي بعضها إشارات إلى معالجة بعض منها. هذا، وتفيدنا الموارد الأعجمية في هذا الباب كثيرًا،

стр. 5465

لورود أمراض فيها وطرق معالجة، كانت معروفة وشائعة في الشرق الأوسط قبل الإسلام. ونجد في المعجمات الخاصة بالعهدين القديم والجديد وفي تواريخ الطب القديم معلومات ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلينا، لأنها تعيننا على تكوين رأي في الطب عند الجاهليين. والمذكورون، هم أطباء نشأوا في المدن، وأقاموا في الحضر، وتعلموا من أطباء محترفين. أما الأعراب، فقد كان لهم أطباء، ولكن طبهم، هو طب العرف والعادة. طب موروث، يداوي بالوصفات التي داوى بها الآباء والأجداد، دون تغيير وتبديل وجدل ونقاش. ولهذا، فهو طب بدائي تقليدي موروث، يعتمد في مداواته على قدرة القبيلة، وعلى ما يجده الطبيب حوله من نبات وأعشاب وحيوان ونار فيداوي بها. وما زال الأعراب على طبهم هذا، يداوون به على نحو ما داوى أجدادهم وأجداد أجدادهم في الإسلام وقبل الإسلام. وليس لطب البادية اتصال بالطب الخارجي، إلا ما كان من طب القبائل القاطنة على مقربة من الحواضر، أو القبائل التي كان لها اتصال مباشر منتظم أو غير منتظم بالعالم الخارجي. فقد تسرب إلى علم "العوارف" فيها نفح من الطب الغريب، عالج به "عوارف" القبيلة، واستمروا على المعالجة به، حتى صار سنة لهم وطبًّا قبليًّا. ومن أهم صفات الطب القبلي، أنه طب لا يثق إلا بنفسه، ولا يرى الشفاء إلا من أطبائه وبأدويته المتعارفة عنده والمريض الأعرابي لا يعمل إلا بطب أصحاب الخبرة من الشيبة والعجائز الذين عرفوا بممارستهم معالجة المرضى وللسن عندهم قيمة في نجاح المعالجة والحصول على الشفاء، فالسن تجربة وعلم. ولذلك فللمسن المعالج الذي يرجع إليه عند الشكاية من الألم والمرض، تأثير كبير على المريض من الناحية النفسية، لاعتقاده بأن السنين تزيد في خبرة الإنسان وتضيف إلى علمه القديم علمًا جديدًا. لذلك يثق المرضى به، مع أن طب الأعراب، لا يعرف البحث والمطالعة لزيادة العلم، ولا يركن إلى التجديد بالحصول على معارف طبية جديدة، بدراسة أثر أعشاب البادية بصورة مستمرة في شفاء المرضى واستخلاف النتائج من مراقبة تأثير الدواء على حالة المريض. وقد عرف طب البادية بـ"طب الأعراب" وبطب البادية، وعرف دواء الأعراب بدواء أهل البادية. وهو دواء نابت من محيطهم يستند على المعالجة بالأعشاب وبالرماد وبالألبان وبأبوال الإبل وبالخرز. ومن أدويتهم "النهاء" دواء

стр. 5466

يكون بالبادية يتعالجون به ويشربونه. ويظهر أنه من حجر يقول له "النهاء"، وهو حجر أبيض أرخى من الرخام، يكون بالبادية، ويجاء به من البحر. وضرب من الخرز١. و"العقار" و"العقاقير" الأدوية. وقيل: ما يتداوى به من النبات أو أصولها والشجر٢. و"العُقار" في الآرامية ما يتداوى به من النبات، أي: دواء٣. وطب مثل هذا، لا يمكن أن يأتي بنتائج إيجابية في معالجة الأمراض الصعبة العسيرة، وفي حالات مرضية مهمة جدًّا في نظر بعض الناس، ولا سيما مشايخ القبائل، كالعقم وتقوية الشهوة الجنسية، ولهذا كانوا يلجأون إلى أطباء الحضر. وقد أدرك الرهبان والمبشرون أثر هذه الحالات المرضية، ولا سيما الأمراض النفسية منها في نفوس أولئك الرؤساء، وجلهم ممن درس الطب وقرأ الكتب المؤلفة فيه ومارسه عمليًّا، فذهبوا بأنفسهم إلى القبائل للتبشير، وعالجوا الرؤساء معالجة نفسانية في الغالب، وأثروا فيهم، ونجحوا في مثل هذه الحالات في كسب عطفهم عليهم وتأييدهم لهم، وفي الدخول في جوارهم، للقيام بالتبشير. ونجد في النتف الباقية عن حياة المبشرين الذين بشروا بين العرب قصصًا من هذا النوع روي في معالجة بعض الرؤساء، يذكر أنهم نجحوا في معالجتهم وأن نجاحهم هذا هو كرامة ومعاجز قد تمت بفضل الله ومنّة المسيح. ويكون الشفاء عند العرب في ثلاثة: شربة عسل وشرطة محجم وكية نار. وإذا عجز الطبيب من إشفاء مريضه بما عنده من وسائل لجأ إلى "الكي"، ولذلك جاء: "آخر الدواء الكي". وكان أهل الجاهلية يرون أنه يحسم الداء بطبعه فيبادرون إليه قبل حصول الاضطرار إليه ويعالجون به أكثر الأمراض. وروي في الحديث قوله: "الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي ثمن الكيّ" ٤. والعسل من الأدوية والصفات التي أمر بها الأطباء في معالجة بعض الأمراض، ولا سيما أمراض المعدة، عولج به وحده، وعولج به ممزوجًا بمواد أخرى،

стр. 5467

لتكوين عجائن ولصقات منه١. واستعملت العجائن المكونة من الدقيق والتمر والسمن في معالجة أمراض الجلد وآلام المفاصل، والنزلات. كذلك استعملت لصقات كونت من مواد أخرى في معالجة مثل هذه الأمراض. والمناقيع هي من طرق المعالجة أيضًا، ومنها مناقيع الخل والزيوت. وقد ورد في رواية: أن الرسول أرسل عكّة عسل إلى لبيد الشاعر الشهير حين علم بمرضه، فشرب منها، وبرئ٢، وفي هذا الخبر دلالة على تداويهم بالعسل. وقد أقام أهل مكة والحجاز وزنًا كبيرًا للمداواة بالعسل. ونجد في كتب الحديث وفي كتب الأدب والأخبار إشارات إلى هذه المداواة. وقد استعملوا العسل في مداواة "المبطون" الذي يشتكي بطنه من الإسهال المفرط، ومن سوء الهضم، لإخراج الفضول المجتمعة في المعدة وفي الأمعاء٣. وفي جملة معالجات الأطباء ووصفاتهم للمرضى، استعمال الحجامة، أي: استخراج مقدار من الدم بكأس يسحب هواؤها بالمص، فيخرج الدم من الشروط التي عملت في ظهر الرقبة. وقد استخدموها في معالجة الرأس والشقيقة والصداع٤ والفصد، واستعمال ديدان خاصة لامتصاص الدم٥. والشقيقة: صداع يصيب شقي الرأس، وإن أصاب الصداع قنة الرأس أحدث داء البيضة. وأما الصداع فهو عام٦. والفصد: هو شق العرق لإخراج مقدار من الدم للمعالجة من بعض الأمراض.

стр. 5468

وقد عرف عند العرب كما عرف عند غيرهم١. وقد داووا الصبيان بـ"الفصيدة". تمر يعجن ويُشاب، أي: يخلط بدم٢. والظاهر أن هذا الدم، هو من دم الفصد. وقد كان الجاهليون يأكلون دم الحيوان، يجففونه بعد خلطه مع مادة أخرى، أو وضعه في أمعاء ليجف فيؤكل، أو مع الشعر ثم يأكلونه، ومنهم من كان يشرب الدم، للقوة. و"وفي حديث عكرمة: كان طعام أهل الجاهلية العلهز. قال ابن الأثير: هو طعام من الدم والوبر". وذلك أن يخلط الدم بالوبر، أو الصوف ينفش ويشرب بالدماء ويشوى ويؤكل. وقد نسب أكله إلى الفقراء وإلى أيام المجاعة، وزعم أنهم كانوا يخلطون فيه القردان، أو دم الحلم. ونسب أكله إلى القحطانيين، وذلك في شعر هجاء، هو: وإن قرى قحطان قرف وعلهز ... فأقبح بهذا ويح نفسك من فعل٣ وهو من الشعر المنبعث عن عاطفة العصبية ولا شك. وكان الفصد عند العرب من جملة وسائل القتل التي تستعمل في قتل الملوك والأشراف. تمييزًا لهم عن السوقة وسواد الناس الذين يقتلون بحد السيف. فقد كان الشريف إذا سقط في أيدي عدوه ووجد نفسه أنه مقتول لا محالة، أوصى بإسقائه الخمر، حتى يسكر، فيخف بذلك ألمه ثم يفصد عرق اليد فيخرج منه الدم حتى يموت ميتة الأشراف. واستعمل الكي في معالجة أمراض المفاصل، مثل الرَثْيَة "الروماتزم"، وقد برع في ذلك الأعراب بصورة خاصة وهو معالجة أخذ بها أطباء أهل الوبر أيضًا، وطريقتهم هي كي الجزء المريض بحديدة محماة، أو بحجر محمى. وقد استعمل الكي أيضًا في معالجة الجروح والقروح ووجع الرأس. وفي العربية مثل قديم، له علاقة به، هو: آخر الدواء الكي. فالكي إذن معالجة يلجأ إليها حينما يعيا الدواء عن الشفاء. واستعمل في معالجة الاستسقاء، بالكي على البطن٤. وينسب أهل الأخبار المثل المذكور إلى "لقمان بن عاد"٥، وفي نسبتهم هذه المعالجة إليه

стр. 5469

دلالة على قدمها عند العرب. وهي معالجة لا زال الأعراب يستعملونها في مداواة أمراض عديدة عندهم، لا سيما في معالجة أمراض الروماتزم. وقد ورد أن "خباب بن الأرت" اكتوى في بطنه سبع كيات١. و"الرِثية" وجع المفاصل واليدين والرجلين، وقيل: وجع الركبتين والمفاصل، أو ورم وظلاع في القوائم، أو هو كل ما منعك من الالتفات أو الانبعاث من كبر أو وجع٢. وقد استعملوا "الكي" للشوكة. والشوكة حمرة تظهر في الوجه وغيره من الجسد. وقد كوي "أسعد بن زرارة" من الشوكة٣. وقيل: الشوكة داء كالطاعون، وكانوا يسكنون الشوكة بالرقى كذلك٤. والبصل والثوم والكمون والكرفس والخردل هي من النباتات التي عولج بها، فاستعمل البصل لمعالجة النزلات الصدرية وبعض أنواع الحميات وللقضاء على الديدان في داخل الجسم. واستعمل الثوم لمعالجة أمراض المعدة والديدان أيضًا، وفي معالجة أمراض القلب٥. واستعمل الكمون في معالجة النزلات الصدرية كذلك. وهو من الأدوية المعروفة عند غير العرب أيضًا، فقد كان العبرانيون يستطبون به٦، وكانوا يحصلون عليه بواسطة الفينيقيين والعرب. وأحسنه هو الكمون المستورد من "سيلان"٧. وعالجوا به في الأدرار، وفي مطاردة الريح في المعدة وللهضم٨. وعولج بالسنا بالشبرم وبالزبيب، ويرون أن الزبيب يُذهب النّصب، ويشد العصب، ويطفئ العصب، ويصفي اللون، وبالسفرجل ويرون أنه يشد القلب، ويطيب النفس ويذهب بطخاء الصدر٩. وعالجوا بالتين، استعملوه لمعالجة الإمساك والكبد والطحال١٠، وعالجوا بالرمان١١.

стр. 5470

و "الحُلْبَة" من النبات الذي عولج به في أمراض كثيرة، فعولج به أمراض الصدر مثل الربو والسعال والبلغم، وعولج به الكبد والمثانة والبواسير وآلام الظهر. وذكر أن "الحلبة" طعام أهل اليمن عامة، وبالغوا في فوائدها حتى رووا أن حديثًا ورد فيها: "لو يعلم الناس ما في الحلبة لاشتروها ولو بوزنها ذهبا"١. وتطيب بالسعوط والنشوق. وقد استعملوا لذلك جملة مواد، منها: دهن الخردل، ودهن البان، والقسط الهندي والبحري، وبالعود الهندي والكافور. وقد استخدم العود الهندي في معالجة ذات الجنب٢. ويرى بعض الباحثين أن النشوق من أصل آرامي هو "نسكو Nosko" من Nsk بمعنى أسال في شيء، أي: دواء يسكب في الأنف٣. واستخدم "السُنبل"، وهو نبات طيب الرائحة في التداوي كذلك، ويعرف بـ"سنبل" في السريانية أيضًا٤. وذكر أن "السعوط" اسم الدواء يصب في الأنف. وذلك بأن يوضع الدواء في إناء يجعل فيه السعوط ويصب منه في الأنف، ويقال للإناء: المسعط والسعيط والمُسعط٥. ويستعمل السعوط من مختلف الدهون. وقد استعمل في مداواة "العذرة"، وهو وجع يأخذ الطفل في حلقه، يهيج من الدم أو في "الخرم" الذي هو بين الأنف والحلق، وهو سقوط اللهاة. وقيل: قرحة تخرج بين الأنف والحلق تعرض للصبيان غالبًا عند طلوع العذرة. وهي خمس كواكب تحت الشعرى. أي العبور وتطلع وسط الحر٦. و"القسط" عود يجاء به من الهند، فعرف لذلك بالقسط الهندي، وعود يؤتى به من اليمن، ويعرف بالقسط البحري. وعود عرف بـ"قسط أظفار" وقسط عرف بـ"القسط المر" وهو كثير ببلاد الشأم. ويقال للقسط: "الكست" و"كشط". وذكر أن الرسول أشار إلى "القسط" فقال: "عليكم بهذا العود الهندي، فإن فيه سبعة أشفية: يستعط به من العذرة ويلد به من ذات

стр. 5471

الجنب١. وقد استعمل القسط بخورًا ودواء. وهو من نبات أصله من الهند، يقال له: "قسطس"، وهو معروف عند غير العرب أيضًا ويداوى به٢. وعالجوا بـ"العيد"، شجر جبلي ضمدوا بلحائه الجرح الطري فيلتئم٣. وبـ"السنى"، نبت يتداوى به. وقد جاء ذكره في الحديث. وقد خلطوه بالحناء لتقوية اللون وتسويده٤. وداووا بـ"السعتر" "الصعتر"٥، وبالقرطم، في معالجة أمراض عديدة٦. وقد كانت النساء تعالج الصبيان من العذرة بالغمز، وذلك أن المرأة كانت تأخذ خرقة فتفتلها فتلًا شديدًا وتدخلها في حلق الصبي وتعصر عليه، فينفجر منه دم أسود وربما أقرحته٧. وعرف "الدرياق" "الترياق" في التطبيب به. استعمل لدفع السم من الأدوية والمعاجين، والعرب تسمي الخمر "ترياقًا" و"درياقًا" لأنها تذهب بالهم. و"الترياق"، فارسي معرب ويقال: درياق. بالدال أيضًا وفي الحديث: "إن في عجوة العالية ترياقًا". الترياق ما يستعمل لدفع السُمّ من الأدوية والمعاجين"٨. والبلسم، من المواد المهمة في المعالجات الطبية، وقد اشتهر كثيًرا في الطب القديم، ليس عند العرب فقط، ولكن عند أكثر الأمم الأخرى. اشتهر في معالجة الجروح خاصة، إذ هو مادة صمغية تضمد بها الجراحات. ووطنه بلاد الحبشة، واشتهر من أنواعه الجيدة "بلسم جلعاد" عند العبرانيين، وهو ذو رائحة عطرة. وقد مدحه الأطباء وأثنوا عليه في معالجة الأمراض والجروح٩. وذكر علماء اللغة أن "البلسم"، هو "البلسام" وهو البرسام، والموم.

стр. 5472

والبلنسم: القطران١. و"البلسم" هو "بلسمون"، و"بلسان" Valsamor٢. وقد استعمل لحاء "العقد" لتضميد الجرح الطري، فيلتحم لخاصية فيه٣. وعالجوا بـ"البان"، وهو شجر معروف، ذكر في شعر "امرئ القيس"، ولحب ثمره دهن، وحبه نافع للبرش، والنمش، والكلف، والحصف، والبهق، والسفعة، والجرب، وتقشر الجلد، واستعمل في الإسلام لمداواة أمراض عديدة٤. و"السفوف" كل دواء يؤخذ غير معجون، مثل سفوف حب الرمان وغيره٥. وترد اللفظة في الآرامية بالمعنى نفسه، وهي من المعربات عنها٦. واستعملت الزيوت في معالجة عدد من الأمراض والجروح، فاستعملت في معالجة البطنة مثلًا. وقد تخلط بغيرها، كالخمر أو الخل أو الملح، وقد تغلى ثم توضع على الجرح لقطع النزيف منه ولتعقيمه. والمعالجة بالزيوت، قديمة معروفة عند المصريين والعبرانيين واليونان وغيرهم، أشير إليها في كثير من الموارد القديمة٧ وعولج "الباسور" بدهنه بزيت الزيتون٨. وعالجوا باستعمال "الحبّة السوداء". استعملوها قليلًا، وأكلًا ولطوخًا، كما سحقوها وخلطوها بالزيت لاستعمالها قطرات في معالجة أمراض الأنف. وقد كانوا يبالغون في منافعها، فاستعملوها في معالجة أمراض كثير باطنية وخارجية٩ وذكرو أن الرسول قال: "إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء، إلا السام"، والسام: الموت١٠. وعولج بالألبان، ولا سيما ألبان الإبل. وهم يفضلون لبن الإبل على سائر

стр. 5473

الألبان١. وقد عولج به مختلف الأمراض، ومن ذلك "السقم"٢. وعالجوا بأبوال الإبل أيضًا. وورد في شعر "لبيد بن ربيعة العامري" أنهم عالجوا ببول الإبل وكانوا يغلونها أحيانًا ليشربها المريض٣. وعولج بـ"التلبينة"، حساء من نخالة ولبن وعسل، وقيل: حساء يتخذ من ماء النخالة فيه لبن. وذكر أنها تُجم فؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن وتنظف المعدة٤. وعالجوا بالحساء لغسل البطن وتنظيفها من سوء الهضم٥. وعولج بإهراق الماء على المريض، وذلك في أمراض الحمى، وفي الأمراض التي يشعر المريض بأن في جمسه حرارة والتهابًا، فيجلس على كرسي ويصب الماء عليه، حتى يخفف من شدة حرارة المريض٦. كما عولجت الحمى بنصح المريض بالإكثار من شرب الماء البارد وغسل الأطراف٧. وللمحافظة على الأسنان ولظهورها بيضاء نظيفة، استعملوا السواك وبعض الأعواد لاستخراج الفضلات التي تتخلل الأسنان، وما زال الحجاج يستوردون المساويك من مكة. وقد اشتهرت مكة منذ الجاهلية بالسواك، يستخرج من أغصان أشجار تنبت هناك، لأغصانها رائحة طيبة، وتساعد على تبييض الأسنان. ومن المواد التي عملت منها المساويك: البشام، والضرو، والعثم، والأراك، والعُرجون، والجريد، والإسحل٨. وقد حث الإسلام على تنظيف الأسنان بالمسواك. ورد في الحديث: "السواك مطهرة للفم" أي: يطهر الفم. وأشير إلى المسواك في الشعر، إذ ورد: وكأن طعم الزنجبيل ولذة ... صهباء ساك بها المسحر فاها

стр. 5474

وهو للشاعر "عدي بن الرقاع"، وورد في شعر آخر: إذا أخذت مسواكها ميحت به ... رضابًا كطعم الزنجبيل المعسل١ واستعمل الإثمد والكحل في معالجة الرمد٢، كما استعملوا قطرات من أدوية استحضروها مثل ماء الكمأة في معالجة أمراض العين٣. وذكر أن الإثمد يحدّ البصر، ويقوي النظر٤. والكحل، من جملة مواد تطبيب العيون، ومن جملة وسائل الزينة كذلك. يستعمله الرجال والنساء. وقد كان معروفًا عند الشعوب الأخرى، يصنع من حرق اللبان أو قشور اللوز، ومن السخام المتبقي من حرق بعض الدهون والزيوت٥. وقد عرفت مكة بصنع الكحل قبل الإسلام، ولا تزال مشهورة به. وقد كان الناس يحملون المكاحل في جيوبهم ويحتفظون بها في بيوتهم، يعملونها من القرون أو المعادن، ويبالغ الأغنياء منهم في زخرفتها وفي تزيينها للتبجح بها عند إخراجها أمام الناس٦. ونصحوا بتنقيط نقط من ماء بارد في العين عند النهوض من النوم، لجلائها وإزالة الغشاوة عنها، كما نصحوا بوضع القدمين واليدين في ماء بارد أو حار، وذلك لمعالجة العين، ولمعالجة القدمين واليدين أيضًا. وقد عرف العبرانيون هذه المعالجة كذلك٧. وكانوا يعالجون الماء الأسود الذي يحدث في العين بالنقب، أي: القدح. وقد ورد في حديث "أبي بكر" أنه اشتكى عينه فكره أن ينقبها٨. و"الناقب".

стр. 5475

و"الناقبة" داء يعرض للإنسان من طول الضجعة، وقيل: هي القرحة التي تخرج بالجنب١. وعالجوا الماء الأبيض باستعمال الأشياء الرفيعة الحادة مثل السكين أو العاقول، لرفع الغشاء الرقيق وسحبه عن العين، بعد اكتمال نزول الماء بها. ولقطع نزيف الدم المنبعث من الجروح، استعملوا الرماد٢، والزيوت المغلية تسكب على الجرح، لقطع نزيف الدم. أما النزيف النازل من الأنف، وهو الرعاف، فقد استخدموا الماء البارد لقطعه. وقد عرفوا كذلك ربط الجروح بشدة حتى يقف الدم فينقطع، واستعملوا الضماد والمناديل لمنع الدم من الخروج، ومن ذلك قولهم: ضمد الجرح، أي: شده٣. واستعملوا حرق الحصير والمواد القابلة للاشتعال لاستعمال رمادها لقطع النزيف٤، أو وضع الملح على الجرح لإيقاف نزيف الدم منه. ولمعرفة عمق الجروح ومقدار غورها، استعملوا آلة يسمونها المسبار٥. والسِّبار٦، فتيل يجعل في الجرح٧. ويعبرون عن مداواة الجرح بقولهم: أسَا الجُرحَ، أي: داواه وشفاه٨. وقد عولج الإمساك بالحقن، أي: حقن المريض، وباستعمال المسهلات لتليين المعدة٩. والباسور من الأمراض المعروفة عند الجاهليين، وقد أشير إليه في كتب الحديث١٠. "وفي حديث عمران بن حصين، وكان مبسورًا، أي: به بواسير". واللفظة معربة. والبواسير جمع "باسور"١١. والناسور علة تحدث في حوالي المقعدة، وعلة تحدث في المآفي، وفي اللثة١٢.

стр. 5476

وعولجت الأورام التي تصيب الجلد بالمناقيع واللصقات، ولا سيما اللصقات الحارة، كي تعجل في إخراج الصديد من العضو المتورم. واستعملت هذه اللصقات من سحق بعض الحبوب ذات المادة الدهنية، مثل حب الكتان أو حب البخور، وبعد سحقها توضع على النار ثم تفرغ في قماش لتوضع فوق الورم لإزالته، وتحويله إلى صديد. واستعملت من مواد أخرى مثل التمر مع الزبد وأمثالها، وكلها على أساس أن الدفء الذي يكون فيها يسبب زوال الورم وتحوُّل الدم الفاسد إلى صديد يخرج أو يجف. واستعمل "الزقوم" في معالجة الجروح. وهو مرّ شديد المرارة، وأشير إلى "شجرة الزقوم" و"شجر من زقوم" في القرآن الكريم١، ولما نزلت الآية لم تعرف قريش معنى الكلمة، "فقال أبو جهل: إن هذا الشجر ما ينبت في بلادنا، فمن منكم يعرف الزقوم؟ فقال رجل قدم علهم من أفريقية: الزقوم بلغة أفريقية: الزبد بالتمر. فقال أبو جهل: يا جارية، هاتي لنا زبدًا وتمرًا نزدقمه، فجعلوا يأكلون منه ويقولون: أفبهذا يخوفنا محمد في الآخرة! "٢. والزقوم نبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل. وقيل: شجرة غبراء صغيرة الورق مدورتها لا شوك لها ذفرة مرة لها كعابر في سوقها كثيرة ولها وريد ضعيف جدًّا يجرسه النحل ونورتها بيضاء ورأس ورقها قبيح جدًّا. وفي أريحا شجرة يقال لها: الزقوم لها ثمر كالتمر حلو عفص، ولنواه دهن عظيم المنافع في تحليل الرياح الباردة وأمراض البلغم وأوجاع المفاصل والنقس وعرق النسا، وذكر أن أصلها من الهند، جاءت به بنو أمية من أرض الهند وزرعته بأريحا٣. وعولجت كسور العظام بالجبائر، وبالدلك، ووضع المناقيع فوق العضو المصاب عظمه بالكسر، والجبيرة: العيدان التي تجبر بها العظام، وذلك بعد جبر المجبر لها٤. ومن المصطلحات الطبية المتعارفة عند الجاهليين: "البطنة"، وهي التخمة.

стр. 5477

وتعالج بالحمية وبالمنتقعات والحقن. وقد عرف الجاهليون أثر المعدة في الصحة العامة، فعدت بيت الداء، والحمية رأس كل دواء. والأمراض التي تعرض لها الجاهليون عديدة، منها: العمى، والعَوَر، والتهاب العيون، والرمد، ومنها: ما يصيب الجلد، مثل البرص والوضح، والبهق، والحكة، والدمامل، والبثور، والجرب، والقرح، ومنها أمراض داخلية، مثل أوجاع المعدة والكبد واليَرَقان والصداع والشقيقة، وذات الجنب وأوجاع المفاصل والعظام، والفالج، والسل، والحمى، وأمراض أجهزة البول والحمى والبُرَداء. وأمراض القلب والرعشة والجنون والأمراض العصبية الأخرى وغير ذلك من أمراض لا تزال معروفة. ومن الأمراض المعروفة عند الجاهليين البرص، وهو مرض يصيب الجلد، وهو غير الجذام ويطلقون عليه "الوضح" كذلك، لبياض يظهر في ظاهر البدن١ ومنه قيل لجذيمة الأبرش: جذيمة الوضاح٢. وقد كان معروفًا في الشرق الأدنى، وأشير إليه في التوراة، وهو نوع من "البسورياس" Psoriasis أو "اللبرا"٣ Lepra, Leprosy. ويظهر أنه كان كثير الانتشار، ومن أصيب به "الحرث ابن حلزة اليشكري"٤، وجماعة آخرون من الأشراف والمعروفين ذكرهم أهل الأخبار٥. وقد نعت البرص ببعض النعوت، فقيل لمن به برص: "المحجل"٦، و"الوضاح"، و"الوضح" البرص. وقد كان الناس يكرهون مجالسة البُرْص خشية العدوى، فكان الملك "عمرو بن هند" يتجنب مؤاكلة البُرص، ويأمر بنضح الأمكنة التي يجلسون عليها حذر العدوى٧. وكانت قريش قد أخرجت "أبا عزة، عمرو

стр. 5478

ابن عبد الله بن عمير بن وهيب بن حذافة"، وهو من البُرص، من مكة مخافة العدوى، فكان يكون بالليل في شُعَف الجبال، وبالنهار يستظل بالشجر١. وأما الجذام، فإنه من الأمراض المعدية، وقد كان معروفًا بين الجاهليين، وقد ورد النهي عن الاختلاط بالمجذومين في حديث: "فر من المجذوم فرارك من الأسد" مما يدل على شدة عدواه واختلاط المجذومين بين الناس في ذلك العهد. وذك علماء اللغة أن الجذام علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيأتها، وربما انتهى إلى تقطع الأعضاء وسقوطها عن تقرح٢. و"البهق"، هو مرض جلدي أيضًا، يترك بياضًا في الموضع المصاب من الجسد، وهو "زرعة" في العبرانية. ويدعى٣ Laprosy. وقد كانت أمراض الجلد من الأمراض المتفشية بالنسبة إلى تلك الأزمنة، لقلة العناية الطبية وللفقر وعدم توفر وسائل النظافة والتظيف بين معظم الناس. ولسوء تغذيتهم بسبب فقرهم العام. و"السفعة" من أمراض الجلد، وهي سواد أو حمرة يعلوها سواد أو صفرة، تظهر في الوجه. وقد علل حدوثها بإصابة العين٤. والثؤلول، بثر صغير صلب على صور شتى تصيب الجسد٥. وقد مات "أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب" من ثؤلول كان برأسه، حلقه حلاق فقطعه فمات منه٦. ومن الأمراض الخطيرة التي أشير إليها في كتب الحديث والأخبار: الحمى، وقد كانت شديدة الانتشار في المدينة٧، حتى أضعفت أجسام معظم أهل المدينة والمهاجرين. وهي علة يستحر بها الجسم وقد أهلكت كثيرًا من الناس، ولذلك

стр. 5479

قيل: الحُمى رائد الموت، أو بريد الموت، وقيل: باب الموت١. وقد اشتهرت خيبر بنوع خاص من الحمى عرف باسمها، فقيل: حمى خيبرية وحمى خيبر وحمى خيبري٢. وذكر علماء اللغة أسماء للحمى تحكي صفاتها وكيفية ظهورها وتحكمها في البدن، فقالوا: حمى الغب، وذلك إذا أخذت المريض يومًا وتركته يومًا٣، وحمى الربع، وحمى الصالب، وهي الحمى التي يكون معها صداع، والنافض، والراجف التي تكون معها رعدة ونفضة، وحمى مغبطة ومردمة، أي: دائمة عليه لا تقلع، وتسمى الحمى المطبقة أيضًا، والوعك الحمى، وحمى الروح، وحمى الدِقّ أن يغمى عليه في الحمى، والورد هو يوم الحمى. ويقال للعرق الذي يتصبب من الحمى: الرُحَضاء، ولأول ما يحس بالحمى: المسّى٤. ويقال في السريانية للحمى: "حمتو" Hemto بمعنى حرارة٥. وذكر أن "حمى صالب"، أو "الصالب" حمى معها حرّ شديد وليس معها برد. وقال بعض علماء اللغة: الصالب من الحمى الحارة خلاف النافض. وقيل: هي التي فيها رعدة وقشعريرة٦. و"الحمة" في تعريف العلماء علة يستحر بها الجسم، سميت لما فيها من الحرارة المفرطة، وإما لما يعرض فيها من الحميم، وهو العرق. ورد في الحديث: الحمى من فيح جهنم٧. وقد لاقى الرسول٨ والصحابة شدة من "حمى" المدينة وقد ذكر أن "أبا بكر" كان إذا أصابته الحمى –وكانت تزوره مناوبة- قال: كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله

стр. 5480

وكان بلال، أقلعت عنه الحمى، يقول: ألا ليتَ شعري هل أبيتن ليلة ... بوادٍ وحولي اذخر وجليل وهل أردن يومًا مياه مجنة ... وهل تبدون لي شامة وطفيل وكان عامر بن فهيرة، يقول: قد وجدت الموت قبل ذوقه ... كل امرئ مجاهد بطوقه كالثور يحمي جسمه بروقه١ إلى غير ذلك مما يخبر عن شدة وقع تلك الحمى في أجساد المهاجرين، ولما رأى الرسول ما حل بصحابته من هذه الحمى ومن ضجرهم من الإقامة بيثرب بسببها توسل إلى الله أن يخفف عنهم أذاها وأن يزيل عنها هذا المرض وأن يبرأها منه٢. ويقسم العرب الحمى إلى نوعين: حمى يشعر الإنسان فيها بحرارة شديدة تصيب الجسم، قد تجعله يتصبب عرقًا من شدة وقع الحمى على الجسم، ولا يكون معها برد، وقد يصاب المريض بها بصداع ووجع شديد في الرأس، وحمى يشعر الإنسان فيها بنفضة ورعدة وقشعريرة، يقال لها: "نافض" و"النافض"، و"حمى نافض"٣، وهي: حمى الرعدة، لوجود رعدة وقشعريرة بها تصيب الجسم٤. ويقول العرب لقرة الحمى ومسها في أول، عدتها: "العرواء"، وقيل: أول ما تأخذ من الرعدة٥. ويقال لهذه الحمى: "الراجف"؛ لأنها ذات رعدة ترجف مفاصل من هي به٦. و"القعقاع"، وهي حمى نافض تقعقع الأضراس٧. و"القفة"٨.

стр. 5481

وقد كانت الحمى منتشرة في المواضع التي تكون فيها الينابيع والمستنقعات والمياه الآسنة الواقفة وما شاكل ذلك من أمكنة، ولما كان العرب في حاجة شديدة إلى الماء، كانوا يشربون منها اضطرارًا، فأصيبوا بسبب ذلك بأنواع من الأمراض. وقد كانت وسائل مقاومة البعوض الناقل للحمى غير معروفة، كما أن وسائل العناية بالصحة وتنظيف الجسم لم تكن متوفرة عندهم بسبب فقر أكثرهم، لذلك صارت أجسامهم معرضة لمختلف الأمراض، ولا سيما أهل المدر الذين لم تكن بيوتهم صحية، ولا مياههم نقية، وكانت بيوتهم ضيقة غير صحية، فكانوا يصابون بالسل وبالأمراض الأخرى، أكثر من الأعراب المتباعدين في السكن، والذين لا يعرفون البعوض، ويستنشقون الهواء النقي، وتقيهم الشمس من شر الجراثيم. والذبحة: وهي داء يأخذ بالحلق، وقد كان معروفًا بين الجاهليين، وكانوا يعالجونها بالكي. ذكر أن الرسول كوى "أسعد بن زرارة" في حلقه من "الذبحة"، وقيل: "الشوكة"١. وأنه عاد "البراء بن معرور"، وأخذته الذبحة، فأمر من لعطه بالنار٢. وقد أشير إلى مرض عرف بـ"خبط" في نصوص المسند، وقد فسر أنه برد شديد في الرأس٣. وقد كانت الأوبئة تفتك بالناس فتكًا، فكان الأغنياء والموسرون يفرون من الأماكن المزدحمة إلى أماكن بعيدة، ويلجأون إلى الصحارى ابتعادًا عن المصابين بها. وكانوا يرجعون أسبابها وأسباب الأمراض عمومًا إلى غضب الآلهة على الناس، وإلى أرواح شريرة تصيب الجسم من الأكل والشرب، وإلى أنواع من الهوام والحشرات. ومن أشهر أنواع هذه الأوبئة الطاعون والجدري والهيضة. والطاعون المرض العام والوباء، وقد أشير إليه في كتب الحديث. ويظهر أنه كان منتشرًا معروفًا في الحجاز وفي سائر أنحاء جزيرة العرب آنئذ٤. وقد جعل

стр. 5482

بعض العلماء الطاعون نوعًا من أنواع الوباء، وفرَّق بينهما بعض علماء اللغة، وجعلوا الوباء المرض العام عامة، مهما كان، مثل انتشار الحمى والجدري والطاعون والنزلات والحكة والأورام. وقد ذكرت الأوبئة في كتب الحديث١. و"الدبل" الطاعون٢. ونسب الجاهليون حدوث الطاعون إلى "وخز الجن"، فهو يقع لأن الجن تطعن الشخص وتخزه فيصاب بالطاعون. وقد أشار إلى هذا الرأي "حسان بن ثابت"، أشار إليه في أثناء حديثه عن أعاصير نزلت بـ"بصرى" وبـ"رمح" وعن "دخان نار"، حتى أثرت في كل قصر ومنزل في ذينك المكانين، ثم أعقب ذلك "وخز جن بأرض الروم"٣، أي: بلاد الشأم وفيها المكانان المذكوران إذ كانت تحت حكم الروم، كما أشار إلى هذه الفكرة شاعر آخر اسمه "الغساني"٤. ونجد في كتابات المسند إشارات إلى أوبئة تكتسح البلاد فتفني عددًا كبيرًا من الناس. فنجد فيها أن فلانًا يحمد آلهته لأنها منت عليه بالعافية وأنقذته من الوباء الذي تفشى في أيامه فأهلك الناس. وقد كان القدراء من الناس يهربون من الأرضين الموبوءة إلى أرضين أخرى بعيدة سالمة ليتخلصوا من الوباء. ونجد في الكتابة الموسومة بـ"CIH ٣٤٣" رجلًا اسمه "يحمد" يشكر إلهه "تألب ريام"، لأنه من عليه بالعافية وشفاه من المرض الذي نزل به في وباء انتشر فيما بين "هوزن" "هوزان" "هوازن" و"سهرتن" "سهرت". وقد كانت الأوبئة تكتسح المناطق الواقعة عند قواعد الجبال وفي المناطق الحارة الرطبة، ولا سيما التهائم. وتقع "هوزن" "هوزان" "هوازن" عند مرتفعات "حراز"٥. وقد كانت الحروب من المصادر التي غذت العربية الجنوبية بمادة دسمة من الأوبئة. فقد كانت تأتي على عدد كبير من الناس، فتتركهم جثثًا تتعفن على ظاهر الأرض، كما كانت تأتي على مواطن السكن ومواضع المياه وتأتي على كل

стр. 5483

ما يملكه الناس، وتزيد في مشكلة الفقر مشكلة، وتبعد الناس عن النظافة، فتهيء بذلك للأوبئة أمكنة جيدة، لتلعب بها كيف تشاء. ودليل ذلك ما نجده في كتابات المسند من إشارات إلى أمراض وأوبئة تعم المناطق المنكوبة بالحروب، حيث تكتسح من الأحياء، ما لم يتمكن السيف من اكتساحه منهم. وذكر الأخباريون نوعًا من البثور يخرج بالبدن، دعوه: العدسة، عرفوه أنه: بثرة صغيرة شبيهة بالعدسة، تخرج بالبدن مفرقة، كالطاعون، فتقتل غالبًا، وقلما يسلم منها. وقد رمي بها أبو لهب فمات. والظاهر أن هذا المرض كان منتشرًا بمكة، فقد روي أن قريشًا كانت تتقي العدسة، وتخاف عدواها١. وقد كان الجاهليون يعرفون عدوى بعض الأمراض، فكانوا يتجنبونها ولا يقتربون من المريض المصاب بها، ويطلقون عليها العدوى٢، فكانوا إذا أصيبوا بأوبئة، فروا إلى أماكن بعيدة سليمة تهربًا منها، وحجروا على المريض، لئلا يقرب منهم، فينتقل المرض إليهم. وذلك لما كانت الجاهلية تعتقده في بعض الأمراض من أنها تعدي بطبعها، مثل الجذام٣. والحصبة: من الأمراض المعروفة عند الجاهليين٤. وكذلك الجُدَري. وقد ذكر بعض الأخباريين أن أول جدري ظهر هو ما أصيب به أبرهة٥. وهو قول من هذه الأقوال المعروفة عند الأخباريين، فالجدري من الأمراض القديمة المعروفة عند الجاهليين قبل أبرهة بزمان. وذكر أن العرب عالجت الحصبة والجدري بمرار الشجر، وبالحنظل والحرمل٦. و"السل" من الأمراض المعروفة بين الجاهليين. ذكر بعض أهل الأخبار أنه عرف بـ"داء الياس"، لأن "الياس بن مضر" أول من مات من السل، فسمي بذلك، وسمي بـ"ياس"٧.

стр. 5484

ومن العلل: اليرقان، والصداع، و"الشقيقة"، وهو وجع يكون في شق الرأس، و"السعال" وجع في الصدر، والزكام، والزحير، والحصر وهو انقباض البطن، والأسر وهو احتباس البول والحصى في مجرى البول، والحكة، والحصف، والحمرة، والشرى، والحماق، والقُوَباء، والثؤلول، والعُرّ وهو الجرب الأبيض، وداء الثعلب ويصيب الشعر، وداء الفيل ويعتري الرجلين، والدوار، والهيفة، وتسمى الفضجة، والنملة، وهي بثور صغار مع ورم يسير ثم تتقرح فتسعى وتتسع، وتسمى أيضًا الذباب، والجنون والخدر، والفالج، والحزاز وهي القشرة التي تصيب الرأس، والحدبة، والطرش، والطلق، والجشاء، والباسور، والناسور، والبهق، والكلف، والمغس، والمغص، والاستسقاء، والإغماء، والاختلاج، والبخر، والفواق، والجشاءة، والقلس١. وعرفت القُوبَاء بأنها الحزازة، وذكر أنه كانت بوجه أبيض بن حمال بن مرثد بن ذي لحيان المأربي السَّبئي حزازة، توسعت فالتقمت أنفه٢. والقوباء هوالذي يظهر في الجسد ويخرج عليه، يتقشر ويتسع، يزعمون أنه يعالج بالريق. وقالوا: يا عجبًا لهذه الفليقة ... هل تغلبن القوباء بالريقة٣ ودم الملوك، دواء ينفع ويفيد في معالجة من يعضه كلب كَلِب في نظر الجاهليين. فإذا أصيب إنسان بداء الكلب، فشفاؤه بمعالجته بدم الملوك. وقد عرفه "ابن دريد" بقوله: "والكلب داء يصيب الناس والإبل شبيه بالجنون. وكانت العرب في الجاهلية إذا أصاب الرجل الكلب، قطروا له دم رجل من بني ماء السماء، وهو عامر بن ثعلبة الأزدي، فيسقى، فكان يشفى منه. قال الشاعر: دماؤهم من الكلب الشفاء"٤. وكانوا إذا خافوا على المرأة الحامل، ووجدوا أن ولدها ميت في بطنها،

стр. 5485

استخرجوه منها. وجوزوا قيام الرجل بذلك. وعبروا عن ذلك بـ"السطو"١. ويلعب التطبيب بالسحر والرقي والتعويذ دورًا خطيرًا في حياة الجاهليين، كما يظهر ذلك من الأخبار الواردة في كتب الحديث والأدب، حتى عد السحر نوعًا من الطب٢. وقد منع الإسلام أكثرها وحرمها، ومع ذلك بقية حية مستعملة بين الأعراب والجهلة من أهل القرى الذين لا تساعدهم أحوالهم المعاشية على مراجعة الأطباء. ويقوم هذا التطبيب على التأثير في المريض، واستعمال بعض الحرز أو عظام بعض الحيوانات والسحر، بحجة وجود علاقة بين المرض والأرواح، وأن هذا النوع من التطبيب يطرد الروح الخبيثة التي تدخل الجسم فتصيبه بالمرض من ذلك الجسم. وهذا الرأي في المرض، رأي شرقي قديم، سيطر على كل الشعوب القديمة. فقد كان في رأي الأطباء، أن المرض روح شريرة تستولي على الجسم المريض بدخولها فيه، وأن واجب الطبيب العمل بعلمه وبفنه لإخراج الروح الشريرة من الجسم٣. وفي جملة الوسائل التي استعملت لمكافحة المرض والتغلب على الأرواح الشريرة أو النظر، أي: إصابة الإنسان بالعين من حاسد تصيب عينه إصابة مؤذية، الاستعانة بالرقى والتعاويذ. وقد كان العبرانيون يطلقون على التعاويذ لفظة "حرط"٤، وهي أنواع، بعضها على هيئة قلب يعلق بسلسلة في العنق، ويتهدل القلب إلى الصدر، فيكون من جملة وسائل الزينة، وبعضها يربط بالعضد وفي مواضع أخرى من الجسم. ولم يقتصر الجاهليون في اتخاذ هذه الوسائل على حماية أنفسهم فقط، بل اتخذوها لحماية ما يملكونه أيضًا من حيوان وزرع وملك، فعلقوا العظام أو المعادن أو نعل الحيوان مثل نعل الفرس، ورسموا العين واليد على الجدر وفوق الأبواب، لحمايتها من العيون المؤذية ومن حسد الحاسدين، ولا يزال الناس يستعملونها لحماية أنفسهم ومقتنياتهم من الإصابة بأذى العين وبحسد الحاسدين.

стр. 5486

والجنون وسائر الأمراض العصبية معروفة بين الجاهليين أيضًا، وهم يعدونها من الأمراض التي تحدث للإنسان بسبب دخول الجنون والشياطين في جسد الإنسان فتتملكه، ولا يمكن شفاء من إصابة مس من الجنون أو لوثة في العقل، إلا بإخراج الأرواح المسيطرة على المريض من جسده، ولذلك كان علاج هذه الأمراض من واجب الكهان والسحرة في الغالب، بسبب كونها أمراضًا لم تقع من آفة في الجسد، وإنما وقعت من عارض خارجي، هو دخول الأرواح إلى الأجساد، ومهمة إخراج تلك الأرواح من وظائف المذكورين. وقد عالج العرب الجنون والخيل بشرب دماء من دماء الملوك. ومن أقوالهم: دماء الملوك شفاء من عضة الكَلِب الكلب والجنون والخبل. ومعالجة داء الكلب، بلعق دم الملوك أو الأشراف من الأدوية المشهورة عند الجاهليين في مداواة هذا المرض. ونسب إلى "الخليل بن أحمد" "أنه قال: دواء عضة الكَلْب الكَلِب الذراريح والعدس والشراب العتيق. وقد ذكر كيف صنَعته وكم يُشرب منه وكيف يتعالج به"١. وذكر أهل الأخبار أن "الأسود بن أوس بن الحُمرة" أتى "النجاشي" فعلمه دواء الكَلَب، وقد ورث ولده هذا الدواء. ومن ولده "المحل". وقد داوى "عتيبة بن مرداس" فأخرج منه مثل جراء الكلب٢. و"الأسود بن أوس"، هو من "بني الحمرة"، وهم من "ثعلبة بن يربوع". وقد ذكر "ابن دريد"، أن "الأسود بن أوس" تعلم من "النجاشي"، دواء الكلب، وأن نسله يداوون به العرب إلى اليوم، أي: إلى يومه، وقد صار منهم اليوم إلى "بني المحل"، فهو فيهم أيضًا٣. وقد ظن الجاهليون أن النوم يؤدي إلى امتداد السم في جسد اللديغ، فكانوا يعلقون الجلاجل والحلي على اللديغ ثم تحرك لئلا ينام فيدب السم في جسده٤. ويقولون: إنه إذا علق عليه أفاق، فيلقون عليه الأسورة والرعاث، ويتركونها عليه سبعة أيام ويمنع من النوم. قال النابغة:

стр. 5487

يسهد في وقت العشاء سليمها ... لحلى النساء في يديه قعاقع١ وفي جملة داووا به الخدر الذي يصيب الرجل، أنهم كانوا يذكرون أحب الناس إلى الشخص، فيذهب الخدر عنه٢. وزعموا أنه إذا ظهرت بشفة الغلام بثور، يأخذ منخلًا على رأسه ويمر بين بيوت الحي، وينادي: الحلأ الحلأ، فيلقى في منخله من ههنا ثمرة، ومن ههنا كسرة، ومن ثم بضعة لحم، فإذا امتلأ، نثره بين الكلاب، فيذهب عنه البثر، وذلك البثر يسمى: الحلأ٣. وإذا أراد أحدهم دخول قرية، فخاف وباءها، أو جنها، فله سبيل سهل يحميه ويقيه، هو أن يقف على باب القرية والموضع الذي يريد دخوله، ثم ينهق نهيق الحمار، ثم يعلق عليه كعب أرنب، فيدخل عندئذ الموضع دون خوف. فقد فعل ما يتقي به الأذى والسوء ويسمون ذلك التعشير قال عروة بن الورد. لعمري لئن عشرت من خشية الردى ... نهاق الحمير إنني لجزوع٤ وإذا أرادت المرأة المقلاة أن يعيش ولدها، ففي إمكانها ذلك إذا تخطت القتيل الشريف سبع مرات، وعندئذ يعيش ولدها. وفي ذلك يقول بشر بن أبي خازم: تظل مقاليت النساء يطأنه ... يقلن ألا يُلقى على المرء مئزر٥ والجاهليون، مثل غيرهم من شعوب ذلك الزمن، وفي جملتهم العبرانيون، كانوا يرون أن الأمراض هي غضب يسلطه الآلهة على الإنسان لتنتقم منه، لسبب ما، مثل عدم قيام المريض بواجباته تجاهها، ولهذا كانوا يسرعون بتقديم النذور والقرابين إليها ترضية لها. ويرد المرض إليهم، بتسلط الهوام وبعض الديدان والأرواح الشريرة على الإنسان، فتصيبه بالمرض. ولهذا كان الطب من واجب

стр. 5488

الكهان ورجال الدين بالدرجة الأولى، هم يداوون المريض ويعطونه الوصفات التي يعتقدون أن فيها الشفاء للمريض، كما كانوا يعتقدون بالنظر، أي: بإصابة الإنسان، فيلحقه المرض١. وقد مارس التطبيب بين العرب المبشرون، وذلك بعد الميلاد بالطبع، وأكثرهم من الأعاجم، وكانوا قد درسوا الطب وتعلموه على الطريقة اليونانية في الغالب، فلما أرسلوا إلى بلاد العرب أو جاءوا هم أنفسهم للتبشير، مارسوا تطبيب المرضى، وقد شفوا جماعة من سادات القبائل، وأثر شفاؤهم هذا عليهم فاعتنقوا النصرانية. واشتهر "العباديون" بالتطبيب كذلك٢، ولعل ذلك بعامل تنصرهم، فقد كان أكثر رجال الدين النصارى يدرسون مختلف العلوم، وفي جملة ذلك الطب، ومنهم من ترجم كتب العلوم اليونانية إلى السريانية، فدرس العباديون هذه العلوم. وكان طبهم مبنيًّا على العلوم والتجارب السابقة، ومتقدمًا جدًّا بالنسبة إلى طب أهل البادية، لذلك نجح المبشرون والنصارى في معالجة أمراض الأعراب، ولا سيما سادتهم، الذين صاروا يقصدونهم لنيل الشفاء على أيديهم. ومن ثم اشتهر النصارى بالطب، ولما جاء الإسلام، كان أكثر الأطباء من النصارى، وعلى أيديهم تخرج الأطباء المسلمون. وقد استخدم الجاهليون النساء لتمريض الجرحى في غزوهم وغاراتهم، وقد فعل المسلمون فعلهم. قالت "بنت معوذ بن عفراء": "كنا نغزو مع رسول الله، ﷺ ، نسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة"٣. وقد كان في مسجد الرسول موضع يعالج فيه المرضى والجرحى، وكان الرسول والصحابة يتفقدون المرضى النازلين به٤. وليس في الموارد المتوفرة لدينا ما يدل على إقدام الأطباء الجاهليين على التشريح، للاستفادة منه في زيادة علمهم بالطب. وقد كانت شعوب الشرق الأدنى تنفر من تشريح الإنسان، وتعده مثلة وإهانة للمتوفى. وعملًا مخالفًا لأحكام الدين،

стр. 5489

ولذلك نهت عنه١. والجاهليون لا يختلفون من هذه الناحية عن غيرهم إن لم يزيدوا عليهم في هذه الأمور التي يعدونها حرمة وكرامة للإنسان. وتشريح الميت وتقطيع بعض أجزاء جسمه، اعتداء على حرمة الميت، وإهانة له ولأهله الأحياء، ولهذا لا نطمع في الحصول على موارد قد تفيد بوجود خبرة علمية عند الأطباء الجاهليين ناتجة من تجاربهم وبحوثهم التي حصلوا عليها من التشريح. ولم يرد إلينا أي شيء مفيد في الكتابات الجاهلية عن الطب والأطباء، وإن أملنا الوحيد في الحصول على معارف عن الطب، متوقف على المستقبل يوم يقوم علماء الآثار بالتنقيب تنقيبًا علميًّا عميقًا في باطن الأطلال الأثرية، للكشف عن تاريخ الماضين. وعندئذ يكون من الممكن العثور على نصوص قد تكشف النقاب عن الطب الجاهلي وعن العلوم الأخرى وعن مختلف نواحي الثقافة عند الجاهليين. ويقال للمرض "مرضم" أي: مرض في الكتابات الجاهلية٢. وتؤدي لفظة "حلصم" "حلظم" "حلظ" معنى مرض وباء٣. ويتبين من بعض الكتابات أن أوبئة شديدة وأمراضًا مهلكة كانت تقع في بعض الأحيان، فتفتك بالناس. وقد كانوا يتجنبونها بالتضرع إلى الآلهة للرحمة بهم وتخليصهم من الضر، كما كانوا يتركون المدن والأماكن المزدحمة إلى محلات بعيدة مكشوفة غير موبوءة حتى ينكشف الوباء. وفي جملة هذه الأوبئة الطاعون. ويعبر عن المرض في المسند بلفظة أخرى هي "شين"، وهي في معنى "شعين" sha'en في الأثيوبية و"سيعون" Se'on في العبرانية و"شينو" Shenu في البابلية٤، وذلك كما في هذا النص السبئي: "تشين شين ارجلهو"٥، أي

стр. 5490

المرض الذي مرض أرجله، و"تشين" بمعنى المرض. وكما في هذه الجملة: "بن هوت تشين"١، أي: "في هذا المرض" و "من هذا المرض". وتعني "شين" أذى ومكروه ومعنى سوء كذلك، وهي في عربيتنا العراقية "الزين" أي: الحسن، فنقول: زين وشين، أي: حسن وقبيح، أو جيد ومكروه. ووردت لفظة "عوس" بمعنى وباء أو طاعون. وأما "خوم"، فنؤدي معنى "وخم" و"خامة"، ويراد بها انتشار الأمراض والأوبئة، أي: وباء. جاء في بعض النصوص "عوس ذكون بأرضن"، أي: "الأوبئة التي انتشرت بالأرضين"٢. وورد "خوم وعوس وموت كون بأرضن"٣، أي: "الوخامة" "الوخم" والأوبئة والوَفَيات التي تفشت في الأرض. ورد "كن ضلم وعوسم باشعبن وهكرن"، أي: "وكانت أو وتفشت أمراض وأوبئة بالقبائل والمدن"٤. وورد "خوم ذكين بكل أرضن"، أي: "الوخامة "أوبئة" تفشت في كل أرض"٥. ويفهم من هذه النصوص أن العربية الجنوبية، كانت معرضة لأوبئة عامة، تأتي فتكتسح البلاد اكتساحًا، تميت الأعراب، أبناء القبائل، كما تميت أهل المدن، فتشمل مناطق واسعة من البلاد. وقد كانت تظهر خاصة بعد الحروب التي كانت تفني القرى والمدن، وتدمر مواضع المياه، وتترك الجثث ملقاة على سطح الأرض حتى تنتن وتجيف، فتتفشى منها الأمراض، وتظهر الأوبئة، وتتسرب إلى مواضع نائية لتضيف إلى خسائر الحرب خسائر أخرى فادحة في الأرواح. وقد وردت في نصوص ثمودية إشارات إلى أمراض كانت معروفة في ذلك الوقت٦.

стр. 5491

وفي العربية ألفاظ عديدة تعبر عن الأوجاع والآلام والأمراض والأسقام التي تصيب الإنسان، وتستعمل للتعبير عن منزلة ودرجة من درجات الأمراض التي تصيبه، من نفسية وغير نفسية. وتحديد مدلولاتها وحدودها، يفيدنا كثيرًا في تكوين رأي في مدى تأثر الجاهليين بالنواحي الطبية والنفسية في ذلك العهد. وقد كان الختان شائعًا بين العرب، ويستعمل "الموسى" للختان، ولوقف الدم تستعمل أدوية خاصة من مراهم ومواد، كما يستعمل الضماد أيضًا. ولم يكن الختان من أعمال الطبيب. إنما يقوم به الختّان، والحلاقون والحجامون. وقد عرف الجاهليون طريقة تغطية بعض العيوب أو الإصابات التي تلحق بأعضاء الجسم، بالاستعانة بالوسائل الصناعية. فشدوا الأسنان وقووها بالذهب، وذلك بصنع أسلاك منه تربط الأسنان، أو بوضع لوح منه في محل الأسنان الساقطة١. واتخذوا أنوفًا من ذهب، لتغطية الأنف المقطوع، كالذي روي عن عرفجة بن أسعد من أنه اتخذ أنفًا من ذهب، وكان قد أصيب أنفه "يوم الطلاب" في الجاهلية٢. وتخصص نفر من الجاهليين بمعالجة الحيوان، وهم البياطرة، يعالجون أمراضها فيصفون الأدوية، يقال للواحد منهم: البطير والبيطر والبيطار، وقد أشير إليهم في أشعار الجاهليين٣. ويعالجون الجروح التي تصيبها وفي جملة ما كانوا يعالجون به الكي والمعالجة باستعمال القطران، وذلك بطلي الحيوان المريض به٤. ومن هذه الأمراض الجرب. ويقال للحيوان المطلي بالقطران "المقطور" أما إذا كان أنثى، مثل ناقة، فيقال: "مقطورة"٥. ويقال: إن الجرب، هو العُرّ. والعُرّ بثر في الإبل، ويعالج بالقطران. قال علقمة الفحل: قد أدبر العر عنها وهي شاملها ... من ناصع القطران الصرف تدسيم٦

стр. 5492

وكان بعضهم إذا وقع العُرّ في إبلهم، "اعترضوا بعيرًا صحيحًا من تلك الإبل، فكووا مشفره وعضده وفخذه، يرون أنهم إذا فعلوا ذلك ذهب العُرّ عن إبلهم". ويقال: إنهم كانوا يفعلون ذلك، ويقولون: تؤمن معه العدوى قال النابغة: وكلفني ذنب امرئ وتركته ... كذي العُرّ يكوى غيره وهو راتع١ والهناء: ضرب من القطران تطلى به الإبل، لمعالجة الجرب وغير ذلك. ويقال للجرب عند أول ظهوره: النقب٢. ويقال للبعير المهنوء بالقطران "المشوف"٣. وعالجوا أمراض الجلد التي تصاب بها الإبل بطليها بالنفط. ويقال لذلك: "الكحيل"٤. ومن الأمراض التي تصيب "الإبل" مرض "الدبرة"، يظهر في سنام الإبل؛ فلا يزال يأكل سنامه حتى يُحَبَّ، أي: يقطع، وإلا نزل على السناسن فيصيبها ويموت الحيوان. وإذا كان السنام مكشوفًا، فإن الطيور تنقره فيتأذى الحيوان ويتألم وقد يموت، ولعل ذلك هو الذي حمل الجاهليين على التشاؤم من "الأخيل" وبعض الطيور الأخرى التي كانت تحط على ظهور الإبل فتنقر سنامها. ويقال للجمل الذي يقطع سنامه: "الأجب"٥. ومن الأمراض التي كانت تصيب الإبل "السواف"، وقد عرف بأنه داء يصيب الإبل فتهلك٦. و"الجارود"، وهو مرض معد، إذا فشا أهلك الإبل. وقد ظهر في "بكر بن وائل"، فأهلك إبلها وهم يعلمون أنه من

стр. 5493

الأمراض التي تعدي، وتنتقل بالعدوى١. وذكر أهل الأخبار أن "الجارود العبدي"، وهو رجل من الصحابة من عبد القيس، إنما سمي "جارودًا" لأنه فر بإبله إلى أخواله من "بني شيبان" وبإبله داء، ففشا ذلك الداء في إبل أخواله فأهلكها، وفيه يقول الشاعر: لقد جرّد الجارودُ بكر بن وائل ولذلك سمي المشئوم جارودًا٢ ومن أمراض الدواب مرض يقال له: "العقل"، يصيب رِجل الدابة، إذا مشت ظلعت، وأكثر ما يعتري في الشاء٣. ومرض "الحلمة"، دودة تقع في جلدة الشاة الأعلى وجلدها الأسفل، وقيل: دودة تقع في الجلد فتأكله، فإذا دبغ وهي موضع الأكل وبقي رقيقًا. وقيل: القراد أول ما يكون صغيرًا قمقامة، ثم يصير حمنانة، ثم يصير قرادًا، ثم حلمة٤. وكانوا ينقون رحم الفرس أو الناقة من النطف، ويخرجون الولد من بطن الفرس أو الناقة ويعبر عن ذلك بلفظة "مسى"٥. ويذهب بعض الباحثين إلى أن لفظة "بيطار"، هي من أصل يوناني، هو٦ Ippiyatros. ومن الذين عرفوا بين الجاهليين بمعرفتهم بالبيطرة "العاص بن وائل"، وكان يعالج الخيل والإبل٧. وقد برع البياطرة بمعرفتهم خاصة بالخيل والإبل؛ لأنها أثمن أموال العرب. وعناية العرب بالخيل، هي التي حملت الإسلاميين على وضع مؤلفات خاصة فيها. ومن جملة من ألف في الخيل "أبو عبيدة".

стр. 5494

و"أبو زيد الأنصاري" و"الأصمعي" وآخرون١. وللأصمعي كتاب في الإبل٢، ولأبي عبيدة كتاب في الإبل كذلك٣. ولأبي زيد الأنصاري كتاب في هذا الموضوع أيضًا. ولأحمد بن حاتم مثله، وقد ألف غيرهم في الإبل وفي حيوانات أخرى٤. وقد طبعت بعض هذه الكتب.

стр. 5495

الفصل الثلاثون بعد المئة: الهندسة والنوء مدخل ... الفصل الثلاثون بعد المائة: الهندسة والنوء ولا بد أن يكون للجاهليين علم بطرق السيطرة على المياه، وبطرق استنباطها والاستفادة منها. ففي مواضع من اليمن والحجاز والعربية الجنوبية آثار سدود مثل سد مأرب، لا يمكن أن تكون قد أنشئت بغير علم ودراية وخبرة. ففيها فن في كيفية جمع المياه في خزاناتها، وفن في كيفية تصريفها وتوزيعها وقت الحاجة بقدر، وفيها أبواب تتحكم في سير الماء. كذلك كان لهم علم في حفر الآبار وإنشاء الصهاريج لجر المياه إلى الأماكن التي تحتاج إليها. وقد اشتهرت ثقيف بعلمها بطرق استنباط المياه. واشتهرت قبائل أخرى بهذا العلم أيضًا، وذكر أن بعضها كانت تتفرس وتحدس بوجود الماء من نظرها إلى لون التربة ومن شمها ومن علامات أخرى عرفوها وأدركوها بالتجربة. ونجد اليوم بقايا سدود استخدمت لحبس "السيول" للاستفادة منها في الشرب وفي الزراعة. وتقع أكثر هذه السدود في الأودية التي تكون مسايل تسيل منها الأمطار المتساقطة في موسمي المطر في العربية الجنوبية. فتعمل الأحباس بين طرفي الوادي لتحبس الماء، فلا يندفع إلى المواضع المنخفضة فيذهب عبثًا، وبذلك يرتفع مستواه، فيسقي الزرع على جانبيه، وتعمل سواقي لتسيل منها المياه إلى الأماكن المنخفضة التي تقع تحت هذه الأحباس، وهكذا تسقى بقية المزارع. وتختلف هذه الأحباس من حيث جودة العمل والإتقان، فبعضها أحباس بدائية بسيطة،

стр. 5496

عملت من الأتربة، أو من الأحجار والصخور، على شكل "سكر"، يمنع الماء من المرور، وبعضها عملت بصورة فنية متقنة من الحجر الموضوع بعضه فوق بعض، مع استخدام مواد ماسكة لشد الحجر بعضه إلى بعض، وقد يطلى السد بمادة تمنع الماء من اللعب به. وتعمل به منافذ ذات أبواب، تسد وتفتح حسب الحاجة للتحكم بالماء. وتلاحظ بقايا هذه السدود اليوم في وادي مبلقه، وفي وادي بيحان، وفي وادي حريب، وفي أودية أخرى عديدة. أما أهل المواضع المرتفعة مثل الهضاب والجبال، فقد عمدوا إلى عمل حواجز وحوائط منخفضة، لمنع المطر من الانحدار، إذ تحصره هذه الحواجز، فيسيل إلى المزارع ليسقيها، وقد تعمل له مجار ليسيل الزائد منه والذي لا يحتاج إليه إلى أسفل، فلا يغرق الزرع. وقد يوجّه إلى كهوف وآبار محفورة وكهاريس، لتمتلئ بالماء، للاستفادة منه في مواسم انحباس الأمطار. وتوجد في المعابد فوهات تدفع مياه الأمطار حين سقوطها إلى مجاري بنيت تحت الأرض تؤدي إلى صهاريج تخزن فيها مياه الأمطار. وقد عثرت بعثة "وندل فيلبس" الأميركية على مواضع خزن الماء في معبد مأرب المعروف في الكتابات بمعبد "اوم"، "اوام" المخصص لعبادة "المقه" إله سبأ الرئيس. ونجد مثل هذه المخازن في المعابد الأخرى أيضًا. وخزن الماء على هذه الطريقة، أسلوب متبع في فلسطين وفي المواضع الأخرى ذات الأرض الصلدة الحجرية، حيث تنقر الأرض وتعمل بها كهوف كبيرة تخزن فيها المياه١. وقد تخصص قوم وتفرسوا بمعرفة مواطن المياه واستنباطها وساعدوا في حفر الآبار وفي حفر القني وإنشائها. وفي كتب اللغة ألفاظ أطلقت على الأدلاء الخبراء أصحاب العلم بمواضع وجود الماء في باطن الأرض، مثل جوّاب الفلاة، وذلك لأنه كان لا يحفر صخرة إلا أماهها، والقناقن، هو الدليل الهادي البصير بالماء تحت الأرض في حفر القني، والعيّاف، وقد تحدثت عنها وتطلق أيضًا على الدليل الذي يعرف موضع الماء من الأرض٢. والماء في الأرضين الجافة القاحلة، نعمةكبرى وحياة لأهلها، فكانوا يفرحون

стр. 5497

ويشكرون آلهتهم ويتقربون إليها بالذبائح والنذور عند عثورهم على الماء في الأرضين التي يحفرون فيها الآبار. ولهذا قدسوا الآبار وأسبغوا عليها القدسية، وتقربوا لها بالنذو والهدايا، وعدوُّا مياهها شافية نافعة مقدسة. والبئر ثروة تدر على أصحابها المال. وقد يبارك الكهان والرؤساء تلك الآبار، لتنعم على أصحابها بالماء الغزير. وقد كان "المحققون" "محققيم"، وهم الرؤساء عند العبرانيين، يحضرون الاحتفالات، ويشكرون إله إسرائيل عند ظهور الماء في الآبار، على نحو ما يفعله العرب في مثل هذه الأحوال١. وقد لجأ الجاهليين إلى التحايل في استصلاح الماء الأجاج أو الكدر، للاستفادة منه في الشرب، فذكر إذا كانت بهم حاجة ماسة إلى الماء، ولم يجدوا إلا ماء البحر أو الماء الأجاج الملح، وضعوه في قدر، ووضعوا فوق القدر قصبات وعليها صوف منفوش، ثم يوقد تحت القدر، حتى يرتفع البخار، فيدخل مسامات الصوف، ويمتلئ به. فإذا كثر، عصر في إناء، ولا يزال على هذا الفعل حتى تتجمع كمية من الماء العذب، وتترسب الأملاح في القدر. وذكر أيضا أنهم كانوا يحفرون في الشاطئ حفرة واسعة، ليترشح إليها ماء البحر، ثم إلى جانبها وقريب منها حفرة أخرى يترشح إليها الماء من الثانية، ثم تحفر حفرة ثالثة، وهكذا حتى يعذب الماء. أما الماء الكدر، فقد كانوا يتخلصون من كدرته بإلقاء مواد فيها لتعلق الكدرة بها، فإذا رسبت، رسبت الكدرة معها، وبذلك يتنقى الماء. وفي جملة المواد التي استعملوها الجمر الملتهب، يلقى به في الماء، فإذا انطفأ وتحول إلى فحم، أخذ معه ما يجده من الكدرة، فيصفو بذلك الماء، واستعملوا نوعًا من الطين وسويق الحنطة٢. وقد عرفت هذه الفراسة، فراسة استنباط الماء من الأرض، بالأمارات الدالة على وجوده، على نحو ما ذكرت من شم التربة، أو برائحة بعض النباتات فيه، أو بمراقبة حركات الحيوان، ويقال لها: الريافة٣.

стр. 5498

وتوجد اليوم آبار قديمة في مواضع مختلفة من جزيرة العرب عميقة جدًّا، ولا زال الناس يستقون منها الماء. وهي عادية، أي: قديمة تعود إلى ما قبل الإسلام. وكانت عليها مستوطنات تعيش على ماء هذه الآبار. ولهذا فلا غرابة إذا ما وجدنا القدماء يقدسون الآبار ويعتبرونها من مصادر الحياة بالنسبة لهم؛ لأنها تمدهم وتمد إبلهم، وكل ماشيتهم بعرق الحياة وروحها. ويدل عمقها على مقدار ما بذله الحفارون من جهد حتى توصلوا إلى تلك الأعماق بوسائلهم البدائية التي كانت متوفرة عندهم في ذلك العهد. والآبار هي من مصادر الحضارة والتخضر في جزيرة العرب، فلولا ولولا موارد الماء الأخرى، لما ظهرت المستوطنات، ولما ظهر زرع، ولما عاش ضرع. ولهذا صارت البوادي أرضين قفرًا لا يسكنها ساكن إلا إذا استنبط ماء فيها، أو سقط غيث عليها. ولقيمة الماء في حياة جزيرة العرب نجد نصوص المسند تذكرها وتشير إلى الأرضين التي تسقى منها، وتعتبرها من مصادر النعمة والثراء. ولأهمية الماء، كانوا يتقربون إلى آلهتهم بالقرابين وبالأدعية والتوسلات، لأن تمنحهم المطر، وتسقي أرضهم على أحسن وجه، وقد كان من واجب رجال الدين الاستسقاء، وذلك بأن يتوسلوا إلى آلهتهم بأن تمنَّ على عبيدها بالمطر، يقومون به بإجراء طقوس دينية خاصة، وربما استعانوا بالسحر في هذا الاستسقاء. وقد كانت الشعوب الأخرى تستسقي كذلك، وتستعين بالسحر في إرضاء الآلهة لكي تنزل الغيث على المحتاجين إليه. وقد عرف الاستسقاء بمكة وعند سائر العرب، كما تحدثت عن ذلك في مواضع من هذا الكتاب. والأغلب أن الكهنة كانوا هم الذين يقومون بالاستسقاء؛ لأنه من صميم أعمالهم وواجباتهم١. وقد سبق أن تحدثت عن شق الطرق في الهضاب وفي جبال اليمن، لإيصال القرى والمدن بعضها ببعض. وقد أبدع المهندسون في ذلك الوقت في شق الطريق في المناطق الجبلية، ويسمونها "مسبا"٢، ولا تزال آثار بعض منها موجودة حتى اليوم. ووردت لفظة "مذهب" في نصوص المسند، بمعنى الممر والطريق والمعبر٣.

стр. 5499

وقد قام المهندسون بإصلاح الطرق، ونجد لفظة "درك" Derek في العبرانية بمعنى "الطريق"١. والدرك في العربية أسفل كل شيء، ومراتب الهبوط٢، ولعلها في الأصل الطريق المنحدر إلى أسفل. وأما السبيل، فالطريق. وتقابل هذه اللفظة لفظة "شبيل" في العبرانية٣. و"السراط" "الصراط" الطريق الممهد المعبد، واللفظة من الألفاظ المعربة عن اللاتينية، من أصل Strata، بمعنى طريق مبلط، وطريق كبير واضح٤.

стр. 5500

النوء والتوقيت: ومعارفنا بالأنواء والتوقيت عند الجاهليين قليلة ضحلة. وهي مبعثرة في كتتب اللغة والأدب وفروع المعرفة الأخرى، مثل كتب الجغرافيا والأنواء. ولم يصل إلينا شيء منها في نصوص المسند. غير أن ما نجده في المؤلفات المذكورة على قلته وضآلته يدل على أن الجاهليين كانوا أصحاب عناية ودراية بالأنواء والتوقيت وأنهم كانوا على علم أو شيء من العلم بالأنواء عند غيرهم، مثل أهل العراق أو أهل بلاد الشام. ولعلهم كانوا على اتصال مباشر أو بالواسطة بعلم اليونان واللاتين بالأنواء. وعدم وصول شيء -في كتابات المسند- من علم النجوم والأنواء وما يتعلق بعلم الفلك، لا يمكن أن يكون دليلًا بالطبع على عدم وجود علم لأهل العربية الجنوبية الجاهليين بالفلك، ولا يعقل ألا يكون لهم علم به. فقد كان العرب الجنوبيون أصحاب زراعة وتجارة، وكانوا يركبون البحر. وركوب البحر يحتاج إلى علم بالنجوم وبتقلبات الجو كما كانت ديانتهم تقوم على أساس تقديس النجوم. ولهذه الملاحظات لا بد أن يكون لأهل اليمن وغيرهم من أهل العربية الجنوبية علم بالأنواء. وقد يعثر في يوم ما على نصوص مدونة بلهجاتهم فيها شيء ما من أمر هذا العلم.
следующие страницы →