← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

وآخر هذه النصوص المؤرخة، هو النص الموسوم بـ CIH ٥٢٥، وتاريخه سنة "٦٦٩" من التأريخ الحميري، وهو يقابل سنة "٥٥٤" للميلاد. ويمكن أن نقول إن هذا النص هو آخر نص مؤرخ عثر عليه لا في المسند وحده، بل في كل اللهجات العربية الأخرى، وهو أقرب تلك الكتابات عهدًا بالإسلام. ويلاحظ أن بعض الكتابات المؤرخة تذكر لفظة "بورخ" أو "ورخسن" "ورخ"، ثم تذكر بعدها اسم الشهر الذي أرخ النص به، ثم عدد السنين بالنسبة للتقويم. ويراد بها معنى "شهر"، وذلك كما في هذه العبارة: "ورخس ذو سحر"، أي: "في شهر ذو سحر"، و"بورخ ذو خرف"، أي: "بشهر ذو الخريف"، أو "بورخ ذ معن"، أي: "بشهر ذي معان" "بشهر ذي معين"، "بشهر ذي معون"، وهناك كتابات مؤرخة استعملت لفظة "ورخهو" بمعنى "وتأريخه". كما في هذه الجملة: "ورخهو ذ لثني وسثي وسث ماثم"١، أي: "وتأريخه لاثني وستين وست مئة"، وبعبارة أوضح: "وتأريخه لسنة اثنين وستين وست مئة". فاستعملت لفظة "ورخهو" إذن، بالمعنى العلمي الذي نستعمله اليوم حين نؤرخ عهودنا ووثائقنا، فتقول: "أرخت بـ" أو "تأريخها". وترد لفظة "خرفن"، أي: سنة، قبل عدد السنين في بعض النصوص، مثل: "خرفن ذ لثلئت وأربعي وخمس ماتم"٢، ومعناها: "السنة الثالثة والأربعين بعد الخمس مائة"، وقد تلحق لفظة "خرفتم"، بعد عدد السنين. كما في هذا المثال: "ورخهو ذ حجتن ذل أربعي وسث ماتم خرفتم"٣. ومعناه: "تأريخه أو شهره ذو الحجة لأربع وستمائة سنة". وتقابل هذه السنة سنة "٤٨٩" أو "٤٩٥" للميلاد. ويلاحظ أن النصوص السبئية المؤرخة قد أرخت بتقويمين: تقويم عرف بـ"خريفتم بن خريف نبط"، "خرفتم بن خرف نبط"٤، أي: بـ "سنين

стр. 5602

من سنة نبط"، ومعناه أن هذه السنين المذكورة، هي وفقًا للتقويم الجاري على سني "نبط"، أو تقويم "نبط"، وتقويم آخر قدرت السنين فيه وفقًا لسني "مبحض بن أبحض"، "ذ بخرفن ذل بن خرف مبحض بن أبحظ"١. ويشير ذلك إلى وجود مبدأين للتأريخ عن السبئيين: التأريخ بتقويم "نبط"، والتأريخ بتقويم "مبحض بن أبحض". وذلك في الكتابات التي تعود إلى القرن الثالث ونهايته لما بعد الميلاد. كالكتابات التي تعود إلى أيام "ياسر يهنعم" و"شمر يهرعش"، أما الكتابات المتأخرة، فقد اختفت منها هاتين التسميتين، ويظن أنهم أخذوا بالتأريخ بتقويم "مبحض" ولذلك أهملوا الإشارة إلى الاسم. لأنه كان معلومًا عندهم. ويرى "بيستن" أن الفرق بين التقويمين هو قرابة نصف قرن أو ثلاثة أرباع قرن٢. وأسلوب التوريخ في النصوص السبئية المتأخرة هو أن تذكر لفظة "ورخن" أولًا، ثم اسم الشهر من بعده، ثم السنة، كأن تقول: "ورخهن ذ مذرن ذل ٣١٦ خرفتم بن خرف نبط"٣، أي "وبشهر ذ مذران لـ٣١٦ سنة من سنة نبط"، أو "وبتأريخ ذ مذران من سنة ٣١٦ من سني نبط"، أو مثل "ورخهو ذ داون ذ لخرفين ذل أربعت وسبعي وخمس ماتم"، أي: "وشهره ذ داوان للسنين التي هي ٥٧٤"٤، أو وتأريخه ذ داوان للسنة ٥٧٤"، ومثل: "خرفن ذل ثلثت وأربعي وخمسمس ماتم"، أي: "سنة ٥٤٣"٥، ومثل: "وخرفهو ذ حجتن ذل أربعي وسث ماتم خرفتم"٦، أي: "وشهره ذو الحجة لأربعين وستمائة سنة"، أو "وتأريخه ذوالحجة الموافق لـ٦٤٠ سنة مضت"، ومثل: "وخرفهو ذل ثني وسثي وسث ماتم"٧، أي: "وتأريخه لاثنين وستين ومائة"٨.

стр. 5603

ومن الغريب أن أهل الأخبار قد أغفلوا الإشارة إلى هذا التقويم فلم يذكروا عنه شيئًا، ولم يشيروا إلى أن العرب الجنوبيين كانوا يؤرخون به، مع أهميته وكونه تقويمًا رسميًّا. هذا، وإن في استطاعتنا القول بأن اليمن لم تسر رسميًّا على التقويم العبراني أو التقويم النصراني، حتى في أيام احتلال الحبش الأخير لليمن، أو في أيام استيلاء الفرس عليها، وذلك بدليل توريخ أبرهة عامل الحبشة على اليمن، وهو نصراني، نصوصه بالتقويم اليماني المستعمل في اليمن الذي تحدثت فيما سلف عن مبدئه، مع أنه حاكم اليمن وممثل الحبش فيها وهو نصراني. وبدليل توريخ عدد من كتابات المسند المتأخرة من عهد لا يبعد كثيرًا عن الإسلام بهذا التقويم. وليس بالتقويمين المذكورين، أو بأي تقويم آخر من التقاويم المستعملة عند الشرقيين. ولكن ما أذكره لا يعني بالطبع عدم احتمال توريخ يهود اليمن أو نصاراها أو غيرهم بتقاويم أخرى، مثل التقويم العبراني أو الميلادي، أو غيرهما. وما أقوله هو عن التقويم الرسمي المدون في المسند، وربما سيعثر في المستقبل على نصوص تعود إلى عهد احتلال الحبش لليمن، يرد فيها التأريخ بأيام الحبش فيها، أو بالتأريخ الرسمي الذي كان يتبعه الأحباش في مملكتهم. أما العرب الشماليون، عرب العراق وبادية الشام وبلاد الشام، فلم يرد إلينا من نصوصهم المؤرخة إلا عدد محدود، منها نص النمارة الذي يعود عهده إلى السنة "٣٢٨" للميلاد. وهو مؤرخ بتقويم بصرى، وبصرى مركز مهم، كان يقصده عرب الحجاز للاتجار وقد وصل إليه النبي. وكان عرب هذه المنطقة يؤرخون به. ويبدأ هذا التقويم بدخول بصرى في حوزة الروم سنة "١٠٥" أو "١٠٦" للميلاد، أي: السنة التي تم فيها القضاء على حكومة النبط وإلحاق "بترا" بـ"الكورة العربية"١. ولهذا فإذا أردنا تحويل سنة من السنين التي أرخ بها وفقًا لتقويم بصرى، فعلينا إضافة الرقم "١٠٥" أو "١٠٦" على سني تقويم بصرى، فيكون حاصل

стр. 5604

الجمع السنة وفقًا للتقويم الميلادي تقريبًا. فتأريخ نص النمارة هو سنة "٢٢٣" من تقويم بصرى، وقد أضفنا إليه الفرق وهو "١٠٥"، فصار الحاصل "٣٢٨"، وهو ما يقابلها من سني الميلاد. وقد أرخت كتابة "حرّان" اليونانية بسنة أربع مئة وثلاث وستين من الأندقطيّة الأولى، وهي تقابل سنة ٥٦٨ للميلاد، والأندقطية هي دائرة ثماني سنين عند الرومانيين، وكانت تستعمل في تصحيح تقويم السنة. أما النص العربي فقد أرخ بسنة "٤٦٣"، بعد مفسد خيبر بعام. ويراد بجملة: "بعد مفسد خيبر بعم"، غزوة قام بها أحد أمراء غسان أو غيره لخيبر، وذلك في رأي الأستاذ "ليتمان"١. وعندي أن السنة "٤٦٣"، التي أرخ بها النص العربي، هي من سني تقويم بصرى، بدليل أننا لو أضفنا إليها الرقم "١٠٥" المذكور، صار الحاصل "٥٦٨"، وهو كناية عن سني الميلاد، المقابلة لسني بصرى. وعلى ذلك يكون تدوين هذا النص قد تم بعد غزو خيبر بعام، أي: أن هذا الغزو قد وقع سنة "٥٦٧" للميلاد. وقد كان "الحارث بن جبلة" يحكم "غسان" آنذاك، فتصدق رواية "ابن قتيبة" حينئذ التي تذكر أنه غزا خيبر، وسبا أهلها ثم أعتقهم بعدما قدم الشام٢. وقد استعمل التقويم الذي يؤرخ بحكم "الإسكندر" تقويمًا عند اليونان وفي بلاد الشأم، وعند عرب بلاد الشأم أيضًا. ومبدأه الأول من شهر نيسان لسنة "٣١١" قبل الميلاد٣، ونجد أثر التأريخ بهذا التقويم في الروايات التي يرويها أهل الأخبار عن عرب بلاد الشأم والعراق. وقد بقي الناس يؤرخون به إلى أن حل التقويم الميلادي محله، فنسي ذلك التقويم. وذكر "المسعودي" أن ما بين الإسكندر إلى المسيح ثلاثمائة سنة وتسع وستون٤. وقد كان الصفويون مثل غيرهم يؤرخون بالحوادث التي يكون لها شأن عندهم،

стр. 5605

مثل حروبهم بعضهم مع بعض، أو حروبهم مع غيرهم مثل النبط أو الروم. وقد أرخ بعضها بحوادث ذات صفة خاصة وعائلية، مثل "سنة قتله خاله"، أو "سنة وفاة والده". وهي حوادث لا يمكننا الاستفادة منها في استنباط تأريخ منها؛ لأننا لا نعرف من أمرها شيئًا. غير أن هنالك نصوصًا مؤرخة أفادتنا بعض الإفادة في الوقوف على التوقيت عند الصفويين. ففي نص لرجل اسمه "أنعم بن فخش"، ما يفيد أنه استولى على غنائم "سنة الحرب مع النبط". ويقصد بسنة الحرب مع النبط، السنة التي قضى فيها الرومان على مملكة النبط، وهي سنة "١٠٥" أو "١٠٦" للميلاد. وقد صارت هذه السنة مبدءًا للتأريخ في "بصرى"، وعند العرب الصفويين١. ولدينا نص صفوي آخر، أرخ بـ"سنت حرب همدي ال روم"، أي: "سنة محاربة الميديين الروم"، أو "سنة حرب الميدين الروم". ويرى "ليمان" أنه قد توصل إلى ضبط تأريخ هذه الحرب. هناك نص أرخ بـ "سنت قتل ال حمد"، ويظن أنه يشير إلى معركة دارت على قبيلة تسمى "آل حمد". وصاحب النص رجل من قبيلة تسمى "الرحبة"٢، ولا زال الأعراب يؤرخون بأيام قتالهم بعضهم مع بعض. ونحن لا نعلم اليوم كيف كان يؤرخ أهل الحيرة أو الغساسنة، لعدم ورود نصوص مدونة عن ذلك سوى ما ذكرته من نص النمارة المؤرخ بموجب تقويم بصرى. ولا أستبعد احتمال استعمال أهل الحيرة التقاويم العراقية أو الفارسية التي كانت شائعة عندهم في ذلك العهد أساسًا للتأريخ. وقد يكون من بينها التقويم النصراني بالنسبة للنصارى، وينطبق ذلك على نصارى الغساسنة أيضًا، كما لا أستبعد استعمال الغساسنة لتقويم الروم. وللتقاويم العربية المألوفة التي تستعمل الأساليب المحلية في تثبيت التواريخ. ويظهر من تأريخ "ابن الكلبي" لحوادث الحيرة وعرب العراق بتقويم الساسانيين لتواريخ ملوكهم، أن أهل الحيرة كانوا قد دونوا تواريخهم بموجبها، ولكن هذا لا يمنع من احتمال أخذ ابن الكلبي أقواله في تواريخهم من تواريخ الفرس ومن رواتهم رأسًا، فلا يكون عندئذ ذكره

стр. 5606

لتواريخهم دليلًا على تأريخ أهل الحيرة بتقويم الفرس. ويروي أهل الأخبار أن العرب كانوا يؤرخون بالحوادث العظام التي تحدث لهم، من ذلك عام الحُنان. وهو عام وقع فيه كما يقولون مرض خطير عضال فتك بالناس وبالإبل، فأرخوا به، ورووا في ذلك شعرًا للنابغة الجعدي١. وقد وقع زمن الخنان في عهد المنذر بن ماء السماء، وماتت الإبل منه. فصار ذلك تأريخًا لهم٢. ويظهر أنه كان وباء فتك بالناس وبالإبل، وانتشر في العراق وفي نجد، فأرخ به لأهميته بالنسبة لهم، والتأريخ بالأوبئة شيء مألوف، وأهل بغداد كانوا يؤرخون بطاعون وقع عندهم في عهد العثمانيين وقبل الحرب العالمية بسنوات ولا زال الشيبة يؤرخون به. وكان أهل مكة يؤرخون بما يقع عندهم من أحداث جسيمة، فإذا أرخوا بحادث ومضى عهد عليه، ووقع له حادث آخر أكثر أهمية وشعبية منه، أرخوا به. فتوالت لهم عدة تواريخ، نسخت بعضها بعضًا، فأرخوا كما يذكر أهل الأخبار بعام رئاسة عمرو بن ربيعة المعروف بعمرو بن لحي، وهو الذي يقال: إنه بدل دين إبراهيم، وحمل من مدينة البلقاء صنم هُبَل، وعمل إسافًا ونائلة، وذلك كما يقال في زمن "سابور ذي الأكتاف". وأرخوا بعام موت كعب بن لؤي إلى عام الغدر، وهو الذي نهب فيه بنو يربوع ما أنفذه بعض ملوك حمير إلى الكعبة من الكسوة، ووثب بعض الناس على بعض في الموسم. ثم أرخوا بعام الغدر إلى عام الفيل الذي أرخوا به٣. قال "الجاحظ": "ومن الخبطاء القدماء كعب بن لؤي، وكان يخطب على العرب عامة، ويحض كنانة على البر، فلما مات أكبروا موته، فلم تزل كنانة تؤرخ بموت كعب بن لؤي إلى عام الفيل"٤.

стр. 5607

وذكر "اليعقوبي". أن قريشًا كانوا يؤرخون بالسنين، يؤرخون بموت "قصي" لجلالة قصي عنده، فسنة وفاته هي مبدأ تاريخهم إلى أن كان عام الفيل، فأرخوا به لاشتهار ذلك العام١. وذكروا أنهم أرخوا بعام وفاة هشام بن المغيرة المخزومي، وهو والد أبي جهل، وكان من رؤساء بني مخزوم، وله صيت عظيم بمكة، كما كان سيد قريش في زمانه٢. وقد مات بالرعاف، ذكر أنه كان آخر من مات به من سادة قريش. وزعموا أن الرعاف من منايا "جرهم" أيام جرهم، وأنه أهلكهم، فأرخوا به قال بشير بن الحجير الإيادي: ونحن إياد عبادُ الإلَه ... ورهط مناجيه في سُلم ونحن ولاة حجاب العتيق ... زمانَ الرعاف على جرهم٣ وورد "زمان النخاع" في موضع "زمان الرعاف"، وهو داء أيضًا، زعم أنه فتك بجرهم، فهلك منهم ثمانون كهلًا في ليلة واحدة سوى الشبان٤. فهو وباء أيضًا زعم أن الناس أرخوا به. وأرخوا بعام الفيل، بقوا يؤرخون به إلى أن أرخ بالهجرة٥. وقد ترك الحادث أثرًا مهمًّا في ذاكرة قريش، ولهذا ذكروا به في القرآن، حتى يتعظوا به. ويجعلون عام الفيل في الثانية والأربعين من ملك كسرى أنوشروان، وقبل ولاية النعمان بن المنذر المعروف بـ"أبي قابوس" بنحو من سبع عشرة سنة،

стр. 5608

وهي إحدى وثمانين وثمانمائة لغلبة الإسكندر على دارا، وهي ستة ألف وثلاثمائة وستة عشر لابتداء ملك بخت نصر١. وهو العام الذي ولد فيه الرسول على أغلب الروايات. وأرخت قريش بيوم الفجار وبحلف الفضول. وكانوا يسمون السنين بالحوادث الخطيرة الجليلة التي تقع فيها. وقد فعل ذلك المسلمون أيضًا في صدر الإسلام، فسموا كل سنة مما بين الهجرة والوفاة باسم مخصوص بها مشتق مما اتفق فيها للنبي. فسموا السنة الأولى للهجرة سنة الأذن، والثانية سنة الأمر بالقتال، والثالثة سنة التمحيص، والرابعة سنة الترفئة، والخامسة سنة الزلزال، والسادسة سنة الاستئناس، والسابعة سنة الاستغلاب، والثامنة سنة الاستواء، والتاسعة سنة البراءة، والعاشرة سنة الوداع، فكانوا يستغنون بذكرها عن عددها من لدن الهجرة٢. وأما الأعراب، فتواريخهم برئاسة ساداتهم، وبالأحداث التي تقع لهم من أفراح وأتراح، ومن غزو أو نكبة، وبالعوارض الطبيعية، مثل سقوط مطر غزير، أو انحباسه مدة طويلة، أو هزة أرضية، أو ظهور جراد، أو وقوع وباء، وما أشبه ذلك من أمور. وهم على هذا النوع من التأريخ حتى اليوم. وليس في الذي رواه أهل الأخبار عن أهل الجاهلية ما يشير إلى وقوف العرب على كتب في التأريخ يونانية أو لاتينية أو سريانية أو عبرانية، أو على معربات لها. وليس في كل الذي ذكروه اسم مؤرخ من المؤرخين الذين نجلتهم الشعوب المذكورة. غير أن هذا لا يمكن أن يكون دليلًا على عدم وقوفهم على تواريخ تلك الأمم وأخبارهم، ففي القصص المنسوب إلى الجاهليين، قصص يدل على أنه مأخوذ عن تلك الأمم مستورد منها. ثم أن أهل الأخبار أنفسهم أشاروا إلى نفر ذكروا عنهم أنهم نظروا في كتب الأساطير ورووا منها أخبار العجم، وإلى نفر ذكروا عنهم أنهم نظروا في الكتب القديمة وحذقوا لغات أهل الكتاب، ورووا في شعرهم أو في كلامهم شيئًا مقتبسًا من قصص أهل الكتاب، يضاف

стр. 5609

إلى ذلك وجود الكنائس والنصرانية في بلاد العرب. والتأريخ، ولا سيما تأريخ الكنيسة موضوع مهم من الموضوعات التي استعان بها المبشرون ورجال الدين في الوعظ والإرشاد. ولا يستبعد أن تكون كتب التأريخ التي كتبها آباء الكنيسة، مثل "أوسبيوس القيصري" وأمثاله، في جملة الكتب التي استعانت بها الكنيسة لإفهام الناس تأريخها وتطورها وتطور العالم على نحو ما دنوه بالاستناد إلى التوراة والإنجيل.

стр. 5610

الفصل الخامس والثلاثون بعد المئة: اللغات السامية اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، وهي التي يقال لها: اللغة العربية الفصحى، وكذلك سائر لهجات العرب الأخرى، هي فروع من مجموعة لغات عرفت عند المستشرقين بـ "اللغات السامية". وقد أولع بعض المستشرقين بدرس هذه اللغات، فألفوا فيها كتبًا وأبحاثًا، وأنشأوا مجلات عدة تفرغت لها، وما زالوا يسعون في توسيعها وتنظيمها وتبويبها، وقد عرفت دراساتهم هذه عندهم بالساميات "Senitistik". وهي تتناول بالدرس كل اللغات التي يحشرها علماء الساميات في مجموعة اللغات السامية: تتناولها بغض النظر عن وجود اللغة أو عدمه في هذا اليوم، فالبحث علم، والعلوم تبتغي المعرفة دون قيد بزمان أو مكان. وينفق علماء الساميات مجهودًا كبيرًا في المقارنة بين اللغات السامية وفي معرفة مميزات كل لغة، وما بينها وبين اللغات الأخرى من فروق أو تطابق أو تشابه، ومجال بحثهم في تقدم وتوسع، خاصة بعد أن أخذ هؤلاء العلماء بأساليب البحث الحديثة التي تعتمد على الفحوص والاختبارات والملاحظات والنقد١. وقد جاءت نظرية "اللغات السامية" من التسمية التي أطلقها "شلوتسر" "Schlo.er" على العبرانيين والفينيقيين، والعرب والشعوب المذكورة في التوراة على أنها من نسل "سام بن نوح"٢. ولم تقم نظرية التوراة في حصر أولاد

стр. 5611

سام على أساس عرقي، بل بنيت على عوامل جغرافية وسياسية، ولهذا أدخلت العيلاميين واللوديين "Lud" في أبناء "سام"، مع أنهما ليسا من الساميين، ولا تشابه لغتهما لغة العبرانيين١. والقرابة بين اللغات السامية واضحة وضوحًا بينًا، وهي أوضح وأمتن وأوثق من الروابط التي تربط بين فروع طائفة اللغات المسماة باللغات الهندوأوروبية "Indoeurpaichen Sprachen" أو الهندوجرانية "Indogermanischen Spraden" على حد تعبير بعض العلماء٢.وقد أدرك مستشرقو القرن السابع عشر بسهولة الوشائج التي تربط بروابط متينة ما بين اللغات السامية، وأشاروا إليها، ونوهوا بصلة القربى التي تجمع شملها. بل لقد سبقهم إلى ذلك علماء عاشوا قبلهم بمئات السنين هداهم ذكاؤهم وعلمهم إلى اكتشاف تلك الوشائج وإلى التنويه بها. فقد تحدث عالم يهودي اسمه: "يهودا بن قريش" "Jehuda ben Koraish"، وهو ممن عاشوا في أوائل القرن العاشر، عن القرابة التي تجمع بين اللغات السامية، وعن الخصائص اللغوية العديدة المشتركة بين تلك الألسن، كما أبدى ملاحظات قيمة عن الأسس اللغوية التي تجمع شمل تلك اللغات٣. والأساس الذي بني عليه رأي العلماء في حشر من يرون حشره في عائلة الساميات، أوإخراج من يرون إخرجه منها، هو قرب لغة من يرون فحصه لترشيحه لعضوية تلك العائلة من اللغات السامية، أو بعد لغته عنها، ثم قرب عقلية من يرون إدخاله في السامية من العقلية العامة التي رسمت حدودها لعقلية الساميين، من دين وأساطير وحياة اجتماعية وأدب ونحو ذلك مما يحدد عقليات الناس. وبهذه الطريقة يبحث العلماء اليوم موضوع الساميات٤.

стр. 5612

وقد حملت الخصائص المشتركة والألفاظ المهمة الضرورية لشئون الحياة التي ترد في كل اللهجات السامية بعض العلماء على تصور وجود لغة أم، في الأيام القديمة، تولدت منها بعوامل مختلفة متعددة مجموعة "اللغات السامية". ويؤدي تخيل وجود هذه الأم إلى تخيل وجود موطن قديم للساميين كان يجمع شملهم، ويوحد بين صفوفهم، إلى أن أدركتهم الفرقة لعوامل عديدة، فاضطروا إلى الهجرة منه إلى مواطن جديدة، وإلى التفرق، فكانت هذه الفرقة إيذانًا بتبليل ألسنة البابلين، وسببًا إلى تفرق ألسنتهم وظهور هذه اللغات. ولا يعني تصور وجود لغة سامية أم "Ursemitish" على رأي بعض العلماء ضرورة وجود لغة واحدة بالمعنى المفهوم من اللغة الواحدة، كانت أمًّا حقيقية لجميع هذه اللغات البنات. بل الفكرة في نظرهم مجرد تعبير قصد به شيء مجازي هو الإفصاح عن فكرة تقارب تلك اللغات وتشابهها، واشتراكها في أصول كثيرة اشتراكًا يكاد يجمعها في أصل واحد، ويرجعها إلى شجرة واحدة هي الشجرة الأم. فالسامية الأولى أو السامية الأم، أو السامية الأصلية، هي بهذا المعنى تعبير مجازي عن أقدم الأصول المشتركة التي جمعت بين اللهجات السامية القديمة في الأيام القديمة، أيام كان المتكلمون بها يعيشون في أمكنة متجاورة وفي اتصال وتقارب عبر عنه بفكرة النسب المذكور في التوراة١. وليس من السهل علينا أن نتصور كيف كانت اللغة السامية الأولى. ولكننا لا نستطيع -بسبب قدم زمان هذه اللغة إن كانت هناك لغة سامية أولى وبسبب الأحوال البدائية التي كانت تحيط بالمتكلمين بها شأن البشرية جمعاء في ذلك العهد ولقلة مستلزمات المعيشة يومئذ وانخفاضها- أن نتصور أن هذه اللغة كانت واسعة جدًّا بمفرادتها غنية بمسمياتها، وفي قواعد صرفها ونحوها وفي أساليب بيانها؛ لأن ما نذكره لا يمكن أن يتوفر إلا في مجتمع متطور متقدم، وإلا بعد تطور استمر أمدًا طويلًا، ولم يكن الساميون الأولون في ذلك العهد على درجة كبيرة من التطور والتقدم حتى تكون لغتهم الأولى على نحو ما نذكره من اتساع وارتقاء. وتسوقنا إشارتنا العابرة هذه إلى السامية الأم إلى الإشارة إلى الوطن السامي الأول الذي عاش فيه الساميون. أيام اجتماعهم وتكتلهم في وطن واحد، وأيام

стр. 5613

تكلمهم بلسان واحد أو بألسنة متقاربة متشابهة، يفهم أحدهم الآخر بيسر وسهولة. ثم عن الأيام التي نزلت فيها المكاره على أولئك الساميين القدماء فأجبرتهم على ترك ذلك الوطن في دفعات وفي هجرات متعددة والارتحال عنه إلى مواطن أخرى جديدة. وقد اختلف العلماء في تعيين الموطن الأصلي للساميين، وذهبوا في ذلك مذاهب، يخرجنا الحديث عنها عن صلب موضوعنا هذا. والمفروض في هذا الوطن أن يكون المهد الأول الذي ضم الشعوب السامية، والمكان الذي اتصلت فيه تلك الشعوب بعضها ببعض، الأثر الذي نراه في اللغة وفي الدين وفي النواحي العقلية وما شاكل ذلك. وبما أن من غير الممكن التعرف على اللغة السامية الأم، لأن الكتابة لم تكن معروفة في ذلك العهد، فكّر المستشرقون في دراسة أقرب اللغات السامية إلى الأصل، فذهب بعضهم إلى أن العبرانية هي أكثر تلك اللغات شبهًا بالسامية الأولى، وهي لذلك أقرب بنات سام إليها. وذهب آخرون إلى تقديم لغة بني إرم على غيرها جاعلين إياها البنت الأولى التي اجتمعت فيها الخصائص السامية الأصلية أكثر من اجتماعها في أية لغة أخرى، ولهذا استحقت في رأيهم هذا التكريم والتقديم. وذهب آخرون إلى تقديم العربية على سائر اللغات الأخرى، لمحافظتها أكثر من بقية اللغات السامية على الخصائص السامية الأولى وعدم تنصلها منها وتركها لها. كالذي نراه من استعمالها للمقاطع القصيرة الصامتة ومن كثرة تعدد قواعدها التي زالت من قواعد بقية اللغات. غير أن هذه الامتيازات والحصانات التي تتمتع بها هذه اللغة، يقابلها من جهة أخرى مميزات في العربية لا نجدها في اللهجات السامية الباقية، مما يبعث على الظن أنها طرأت عليها فيما بعد، وأن اللغة العربية قد مرت بأدوار تطورت فيها كثيرًا، والتطور هذا معناه ابتعاد هذه اللغة عن الأصل. ثم إننا نجد في العبرانية وفي لغة بني إرم قطعات من الكلام قديمًا جدًّا لا نجد له مثيلًا في العربية، وهذا مما يدعو إلى حسبان اللغتين المذكورتين أقدم عهدًا من اللغة العربية. غير أننا لا نستطيع مع كل ذلك أن ننكر أن معرفتنا وإحاطتنا باللغة العربية لا تكاد تدانيها معرفتنا وإحاطتنا ببقية اللغات السامية. ومن هنا صارت اللغة العربية بلهجاتها المتعددة حقلًا مهمًّا لإجراء التجارب والاختبارات في ميدان

стр. 5614

مقارنات اللغات السامية ودراستها، فيه من الإمكانيات والقابليات ما لا نجده في بقية الحقول١. وقد ذهب "نولدكه" إلى أن من الضروري في دراسة مقارنات اللغات السامية البدء باللغة العربية، وذلك بأن نأخذ في تسجيل خصائصها ومميزاتها وقواعدها وكيفية النطق بألفاظها وما إلى ذلك، ثم نقارن ما سجلناه بما يقابله في بقية اللغات السامية، لنقف بذلك على ما بين هذه اللغات من مفارقات ومطابقات. ولا بأس في رأيه من الاستعانة باللهجات الحالية أيضًا، لأنها مادة مساعدة جدًّا ومفيدة كثيرة في الكشف عن خصائص اللغات السامية وعن مميزاتها وتطورها في مختلف العصور. وفي رأيه أن دراسة من هذا النحو ليست بالأمر اليسير، فإنها تتطلب جلدًا وعلمًا وإحطاة باللغات السامية كلها وبآثارها القديمة، وأن يقوم بها علماء لغويون متخصصون، على جانب كبير من العلم والذكاء والإحاطة بالساميات٢. وليس بين اللغات السامية لغة واحدة تستطيع أن تدعي أنها سامية صافية نقية، وأنها لم تتأثر قط باللغات الأخرى التي تنتمي إلى مجموعات لغوية غير سامية وقضية صفاء لغة ما من لغات العالم وخلوها من الألفاظ والكلمات الغريبة، قضية لا يمكن أن يقولها رجل له إلمام بعلوم اللغات ولو يسيرًا جدًّا. وإذا كانت اللغات السامية قد تأثرت باللغات الأخرى بسبب اختلاط الشعوب واتصال ألسنتها بعضها ببعض نتيجة ذلك الاختلاط، فإن من الطبيعي أن تكون اللغات السامية قد أثرت بعضها في بعض، ولهذا نجد في كل لغة من اللغات السامية ألفاظًا أخذتها من لغة ما من لغات أبناء سام. وخير ما يمكن أن نفعلها الآن في موضوع اللغة السامية وأقرب اللغات السامية إليها، هو أن نقوم باستخلاص القديم المشترك من كل اللغات السامية، ثم نكون من هذا المجتمع لغة نعدها أقرب اللغات السامية صورة إلى اللغة السامية الأولى. وتعدّ للضمائر وأسماء العدد وأسماء أعضاء الجسم الأساسية المهمة وجملة ألفاظ تخص الحياة الإنسانية الأساسية، مثل بيت وسماء وأرض وجمل وكلب وحمار وعدد

стр. 5615

من حروف الجرّ، من جملة القديم المشترك في جميع اللغات السامية أو في أكثرها، وهو لذلك يفيدنا من هذه الناحية كثيرًا في تكوين فكرة عن اللغة السامية القديمة وعن أقرب اللغات السامية إلى الأصل. ويقسم علماء الساميات اللغات السامية إلى قسمين: لغات سامية شمالية، ولغات سامية جنوبية. ويقسم بعض العلماء اللغات السامية الشمالية إلى مجموعتين: مجموعة شرقية، ومجموعة غربية. ويقصدون بالمجموعة الشرقية اللغات السامية المتركزة في العراق، ويقصدون بالمجموعة الغربية اللغات السامية المتركزة في بلاد الشأم. وقد تأثرت كل مجموعة من المجموعتين بالمؤثرات اللغوية والحضارية للمكان التي عاشت فيه، ومن هنا حدث بعض الاختلاف بين الجماعتين. ومن أهم الخصائص التي امتازت بها اللغات السامية من غيرها من اللغات: اعتمادها على الحروف الصامتة "Konsonanet" = "Consonant" أكثر من اعتمادها على الأصوات "Vocal" = "Vokale"، فنرى أن أغلب كلماتها تتألف من اجتماع ثلاثة أحرف صامتة. أما الأصوات، فلا نجد لها حروفًا تمثلها في اللغات السامية. وهي بذلك على عكس اللغات الآرية التي اهتمت بالأصوات، فدونتها مع الحروف الصامتة وقد اضطرت اللغات السامية نتيجة لذلك إلى الاستزادة من الحروف، فزادت في عددها عن العدد المألوف في اللغات الآرية، وأوجدت لها حروفًا للتفخيم والترقيق وإبراز الأسنان والضغط على الحلق١ ويتولد في اللغات السامية من تغير حركات الأحرف الثلاثية الصامتة وتبديلها، معان جديدة. ولهذا كان من أهم واجبات الأصوات في اللغات السامية تغيير حركات الحروف لتوليد معان جديدة. فالأحرف الثلاثة الصامتة إذن هي التي تكون مفهوم الكلمة وهيكلها، ولكن مفاهيم هذه الأصول الثلاثية لا تبقى على حالها متى تغيرت حركات هذه الحروف. فكلمة "فعل" المؤلفة من ثلاثة أحرف صامتة، هي حروف الفاء والعين واللام، هي أصل، غير أن هذا الأصل غير ثابت. بل هو عرضة للتغيير، ويكون تغيره بتغيير حركات أحرفه، فإذا تغيرت

стр. 5616

حركات هذه الأحرف تغيرت معانيها حتمًا. فكل تغيير إذن في حركات أحرف الأصل يعقبه تغير في معنى ذلك الأصل. فلفظة "فَعَلَ"، تختلف في المعنى عن لفظة "فِعْلٍ"، واللفظتان "فَعَلَ" و"فِعْل" تختلفان أيضًا في المعنى عن معنى لفظة "فُعِلَ". وقد تولد هذا الاختلاف من تغير حركات حروف الأصل وتبدلها. ومن الممكن إحداث معان جديدة في اللغات السامية، وذلك بإضافة زوائد تتألف من حرف أو أكثر إلى الأصول الثلاثية، فيتبدل بذلك معنى الأصل. فإذا أضفنا حرف الألف بين حرفي الفاء والعين من "فعل"، تغير المعنى، وصارت اللفظة "فاعل"، وإذا وضعنا حرف الواو بين حرفي العين واللام من فعل، تغير المعنى، وصارت اللفظة "فعول"، وهكذا. فنرى مما تقدم أن المعاني المشتقة من الكلمات ذات الأصل الثلاثي مهما تغيرت وتولدت نتيجة لتغير حركات تلك الحروف الثلاثة الصامتة، فإنها لا تتصل من هذه الحروف ولا تتركها، بل تبقى في صلب كل كلمة، مهما صار معناها. فكلمة "قتل" العربية مثلًا المؤلفة من ثلاثة أحرف صامتة، يمكن أن نولد منها معاني جديدة، أي: كلمات جديدة، بتغيير هذه الأحرف الثلاثة، أو بإدخال زوائد عليها، أو بتشديد بعض حروفها كما ذكرت، غير أننا لا نستطيع أن نترك حرفًا من هذه الأحرف الثلاثة التي هي الأصل. فألفاظ مثل قاتل، وقتيل، وقتال، ومقتول، وقَتْل، وقَتَّلَ، وقُتِلَ، وكلها مشتقة من الأحرف الصامتة الثلاثة: القاف والتاء واللام، لم نتمكن من الاستغناء عن حرف من هذه الأحرف الثلاثة، بل اضطررنا إلى إبقائها كلها فيها. إلا أنا أجبرنا على التفريق بينها بسبب دخول الزيادات١. وليس في اللغات السامية إدغام للكلمات، أي: وصل كلمة بأخرى، لتكون من الكلمتين كلمة واحدة يكون لها معنى مركب من معنى الكلمتين المستقلتين كما في اللغات الآرية. وأما ما نراه من عد كلمتين مضافتين كلمة واحدة تؤدي معنى واحدًا، فإن هذا النوع من التركيب بين الكلمتين شيء جديد في اللغات

стр. 5617

السامية، لم يكن معروفًا عند أجدادهم القدماء١. وهو معروف في اللغات الآرية، كما في حالة الـ "Genitive" في اللاتينية حيث تتولد معان جديدة بإضافة لفظة إلى لفظة أخرى، فتتولد من هذا التعاقب دلالة جديدة لمعنى جديد. هذا، ونجد أن بين اللغات السامية وبين اللغات الآرية اختلافات في كثير من الأمور، فاللفظة في اللغات السامية ذات مدلول عام، وقد يكون لها جملة مدلولات تدل على معان عامة مطلقة، أما اللغات الآرية، مثل السنسكريتية، واليونانية، والألمانية، فكل جذر فيها هو كلمة ذات معنى مقيد محدود، أخذت منه المصادر والنعوت. وهناك اختلافات أخرى في موضوع الـ "Conjuctions" والـ "Substansive" والـ "Syntax"، والـ "Interdependence of sentences" وغير ذلك من أمور يعرفها علماء اللغات والنحو والصرف. ويرى العلماء أن الفعل قد تطور في اللغات السامية تطورًا خطيرًا، استغرق قرونًا طويلة، وأن ما نعرفه من تقسيم الأفعال إلى ماض ومضارع وأمر، لم يكن معروفًا على هذا النحو عند قدماء الساميين. ويرى بعضهم أن الصيغة الأصلية للفعل إنما كانت صيغة الأمر، فهذه الصيغة هي أقدم صيغ الأفعال عند الساميين. وقد كانت هذه الصيغة تستعمل للدلالة على جميع صيغ الفعل من الماضي والمضارع والأمر، ثم تخصصت فصارت تشير إلى حدوث الفعل في صيغة الأمر، وذلك بعد ظهور صيغتي المضارع والماضي. ومن صيغة فعل الأمر، اشتق فعل المضارع. وذلك بزيادة حرف على أول لفظة فعل الأمر، لتدل على حالة الإسناد إلى الفاعل أو الضمير مثلًا، وقد سبقت هذه الزيادة الزيادة التي لحقت آخر الفعل، فمن فعل "قم" مثلًا تولد الفعل "أقوم" و"يقوم" و"نقوم" و"تقوم" ثم يقومون وتقومون٢. ومن علماء اللغات من يرى أن صيغة المضارع كانت أمدًا تدل على جميع الأزمنة، وأن هذا الأداء كان مستعملًا عند قدماء الساميين استعمال اللغة الصينية

стр. 5618

واللغة الهندوجرامانية الأصلية له١. ونجد اليونانية تغير معاني الفعل بإدخال حرف الجر عليه، فإذا دخل حرف جر على الفعل تغير معناه. ويظن أن الكلمات المؤلفة من حرفين صامتين، أي: الألفاظ الثنائية الأصل مثل أب وأم وأخ ويد، كانت أقدم من الأفعال المشتقة من ثلاثة أحرف مثل فعل، صنع، أكل، ذهب، وأن الأفعال الثلاثية أقدم من الأفعال الرباعية. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن الأفعال الرباعية المؤلفة من أربعة أحرف كانت مؤلفة في الأصل من حرفين اثنين، ثم تطورت بالاستعمال في خلال العصور الطويلة حتى صارت رباعية الأصل٢. وفي العبرانية صيغتان للفعل الماضي: الصيغة المألوفة للماضي، وصيغة ثانية مشتقة من المضارع مع إضافة واو العطف، وهي صيغة قديمة جدًّا. وهي موجودة في البابلية القديمة وفي الكنعانية العتيقة. ولعلها كانت صلة بين المضارع وبين الماضي. وليس لهذه الصيغة وجود في العربية الشمالية وفي العربية الجنوبية والحبشية وفي لغة بني إرم٣. ويلاحظ أن العبرانية تشارك اللهجات العربية الجنوبية في أمور عديدة غير معروفة في عربية القرآن الكريم، كما توجد أوجه شبه بين ألفاظ حبشية وعبرانية٤. وللدلالة على الجمع استعملت العبرانية حرفا "يم" للمذكر، و"واو وتاء" للمؤنث. أما الآرامية، فاستعملت حرفا "ين" علامة للجمع، وأما العربية فاستعملت "الواو والنون" للجمع المذكر السالم، و"الألف والتاء" في الجمع المؤنث السالم، وهناك جموع تكسير كثيرة كثرة لا نكاد نرى لها مثيلًا في اللغات السامية الأخرى٥. وذلك بسبب أن هذه الجموع هي في الواقع جموع وردت في لهجات عربية متعددة، وردت سماعًا، فلما جمعها علماء العربية ودونوها

стр. 5619

في كتب اللغة والمعاجم، لم يشيروا إلى أسماء من كان ينطق بها، فظن أنها جموع استعملت في هذه العربية التي نزل بها الوحي. ومن أهم الاختلافات التي نراها بين اللغات السامية. اختلافها في التعريف. فبينما نرى بعض اللغات كالآشورية والبابلية والحبشية لا أداة للتعريف فيها، نرى العبرانية وبعض اللهجات العربية مثل الثمودية واللحيانية تستعمل حرف الـ"هـ" أداة له، تضعه في أول الكلمة، وبينما نرى السبئية واللهجات العربية الجنوبية الأخرى تستعمل أداة أخرى للتعريف هي حرف "النون"، تضعها في آخر الكلمة المراد تعريفها، نجد العربية الفصحى تستعمل "ال" أداة للتعريف، تضعها في أول الكلمة. وتشارك السريانية العربيات الجنوبية في مكان أداة التعريف، فمكانها عندها في نهاية الكلمة أيضًا، غير أنها تختلف عنها في استعمالها أداة أخرى هي حرف الـ "هـ" أو الواو. وقد درس بعض المستشرقين أوزان الأسماء في اللغات السامية، كما درسوا اشتقاقها وأصولها التي أخذت منها، وبحثوا في حالات التصغير أي في الأسماء المصغرة وطرق التصغير عن جميع الساميين، والأسماء البسيطة والأسماء المركبة، ليستخرجوا منها قواعد قدماء الساميين في كيفية تكوين الأسماء، ولا سيما تلك الأسماء التي ترد في جميع اللغات السامية. ففي اللغات السامية أسماء مشتركة ترد في كل اللغات، منها ما هو بسيط مؤلف من كلمة واحدة، ومنها ما هو مركب، أي: أسماء مؤلفة من أكثر من كلمة بطريقة الإضافة. ودراسة هذه الأسماء بأنواعها، تفيدنا كثيرًا في الوقوف على العقلية السامية وعلى الخواص المشتركة التي كانت تربط بين الساميين. ونجد الإعراب في اللغة العربية الفصحى، ويذهب العلماء إلى أن الإعراب كان موجودًا في جميع اللغات السامية، ثم خف حتى زال من أكثر من تلك اللغات. ونرى له أثرًا يدل عليه في العبرانية في حالتي المفعول به وفي ضمير التبعية، وفي السريانية والبابلية في ضمير التبعية، فإن هاتين الحالتين تدلان على وجود الإعراب في أصولها القديمة١.

стр. 5620

ونجد العربية ذات حروف يزيد عددها على حروف اللغات السامية الأخرى. ولعلّ اللغات الأخرى كانت تملك حروفًا أخرى، ثم قلّ استعمالها فزالت من أبجديتها، ولم تبق لها حاجة بها. فالعبرانية لا تمتلك الحروف: "ذ"، و"ع"، و"ظ"، و"ض". والبابلية لا تمتلك أيضًا الحروف: العين والحاء والغين والهاء وهي من أحرف الحلق، ولا الأحرف: الطاء والظاء والصاد، وهي من أحرف التضخيم والتفخيم، ولا القاف. ونجد يهود السامرة لا يستعملون حرف السين١. وهناك أمثلة أخرى تثبت حدوث تطور في عدد الحروف في اللغات السامية، مما سبب حدوث اختلاف في عددها، ولهذا حدث هذا الاختلاف الذي نراه ونلاحظه بين أبجديات تلك اللغات. ونجد العربية الجنوبية تمتلك حروفًا لا تمتلكها العربية الفصحى، وذلك بسبب اختلاف طبيعتي اللهجتين. ولا بد أن تكون هنالك عوامل عديدة دعت إلى حدوث تغيير في عدد الحروف في لغات الساميين. وقد عزا بعض الباحثين سقوط الأحرف التي ذكرتها من الكتابة البابلية إلى استعمال البابليين للكتابة المسمارية٢. غير أن هذا رأي يجب أن يدرس بعناية، وأن يكون مبنيًّا على دراسات عديدة أصيلة، ليكون في الإمكان تكوين رأي صحيح في هذا الموضوع. واللغة العربية اليوم، هي من أعظم اللغات السامية الباقية، بكثرة من يتكلم ويكتب بها، وبكثرة ما ألف ودون بها. وهي تستعمل اليوم قلمًا اشتق من قلم سامي شمالي، وكان لها في الماضي قلم قديم كان مستعملًا عند العرب من أيام ما قبل الميلاد إلى ظهور الإسلام، مات بسبب اتخاذ الإسلام القلم الجزم قلمًا للوحي، دون به القرآن الكريم، فصار بذلك القلم الشرعي الرسمي، وأمات بذلك الأقلام الجاهلية الأخرى المشتقة من القلم "المسند". ونجد في المعاجم اللغوية مئات الألوف من الألفاظ المعبرة عن معان، وقد قدر بعض العلماء عدد ألفاظ العربية بنحو من "١٢٣٠٥٠٥٢" كلمة٣. ويعود سبب غناها في الألفاظ إلى

стр. 5621

كثرة وجود المترادفات فيها، التي هي من بقايا لغات قبائل، وإلى خاصية جذور الكلم فيها في توليد الألفاظ الجديدة بتحريك هذه الجذور. وهناك لهجات تستحق الدراسة، فهي من اللهجات السامية المتفرعة عن لهجات قديمة، وهي لهجات منبوذة لم يحفل بها علماء اللغة، مثل اللهجة "الأمهرية" واللهجة "الهررية" لغة أهل "هرر". وهي من بقايا لهجات لم يعتن بها العلماء إلا منذ احتكاك الغربيين بالمتكلمين بها. ومع ذلك فلا تزال البحوث العلمية عنها قليلة.

стр. 5622

الفصل السادس والثلاثون بعد المئة: العربية لسان آدم في الجنة مدخل ... الفصل السادس والثلاثون بعد المئة: العربية لسان آدم في الجنة رأى علماء العربية أن العربية قديمة، وهي في نظرهم أقدم من العرب أنفسهم، فلما كان آدم في الجنة كان لسانه العربية، ولما عصى سلبه الله العربية فتكلم بالسريانية، فلما تاب رد الله عليه وعلى بعض أحفاده العربية. ونظرية أن اللسان الأول الذي نزل به آدم من الجنة كان عربيًّا، فلما بعد العهد وطال، حرف وصار سريانيًّا، وكان يشاكل اللسان العربي، إلا أنه محرف، وهو كان لسان جميع من في سفينة نوح إلا رجلًا واحدًا يقال له: جرهم، فكان لسانه لسان العرب الأول، فلما خرجوا من السفينة تزوج إرم بن سام بعض بناته، فمنهم صار اللسان العربي في ولد عَوْص أبي عاد وعبيل، وجاثر أبي ثمود وجديس، وسميت عاد باسم جرهم؛ لأنه كان جدهم من الأم، وبقي اللسان السرياني في ولد أرفخشذ بن سام، إلى أن وصل إلى يشجب بن قحطان من ذريته وكان باليمن، فنزل هناك بنو إسماعيل، فتعلم منهم بنو قحطان اللسان العربي١. وقد تحدث "المعري" على لسان "آدم" في موضوع لسانه، وما روى من شعر نسب إليه، فجعله يقول: "أبيتم إلا عقوقًا وأذية، إنما كنتُ أتكلم

стр. 5623

بالعربية وأنا في الجنة، فلما هبطت إلى الأرض، نقل لساني إلى السريانية، فم أنطق بغيرها إلى أن هلكت، فلما ردني الله إلى الجنة، عادت على العربية فأي حين نظمت هذا الشعر: في العاجلة أم الآجلة؟ "١. وذلك ردًّا على من زعم أن آدم كان يعرف الشعر العربي، وقد نظم شعره بالعربية، ورووا له شعرًا زعموا أنه قاله لتأييد صحة دعواهم. وقد ذهب قوم من العلماء إلى أن لغة العرب، هي أول اللغات، وكل لغة سواها حدثت بعدها إما توقيفًا أو اصطلاحًا، واستدلوا بأن القرآن كلام الله هو عربيّ، وهو دليل على أن لغة العرب أسبق اللغات٢. ومنهم من قال: لغة العرب نوعان: أحدهما: عربية حمير، وهي التي تكلموا بها من عهد هود ومن قبله، وكانت قبل إسماعيل. والثانية: العربية المحضة التي نزل بها القرآن، وأول من أنطق لسانه بها إسماعيل، على هذا القول يكون توقيف إسماعيل على العربية المحضة يحتمل أمرين: إما أن يكون اصطلاحًا بينه وبين جرهم النازلين عليه بمكة، وإما أن يكون توقيفًا من الله٣. والعربية المحضة هي العربية الخالصة، وهي العربية الأصيلة عربية إسماعيل، وقد نعتت بالعربية المتينة. قالوا: أول من فتق لسانه بالعربية المتينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة٤. روي "أن رسول الله، ﷺ ، تلا: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُون﴾ ، ثم قال: "ألهم إسماعيل هذا اللسان إلهامًا" ٥. والعربية التي تكلم بها "إسماعيل" والتي نزل بها القرآن وما تكلمت به العرب على عهد النبي، تختلف عن عربية حمير وبقايا جرهم٦، وذكر أن "عمر بن الخطاب"،

стр. 5624

قال للرسول: يا رسول الله؛ مالك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ فقال رسول الله: "كانت لغة بني إسماعيل قد درست فجاء بها جبريل ﵇ فحفظنيها، فحفظتها" ١. والعربية بعد، في اصطلاح أئمة العربية: العربية المتينة. أما عربية أهل اليمن: عربية أبناء قحطان فعربية أخرى. وعلى هذا فنحن أمام عربيتين: عربية قحطانية، وعربية عدنانية إسماعيلية. وبالعربية المتينة تكلم عرب الحيرة، كما يظهر ذلك من خبر دونه "الجاحظ" في كتابه "البيان والتبيين"، والطبري في تأريخه، فقد ذكر "الجاحظ" أن "خالد بن الوليد" سأل "عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن بقيلة": "أعرب أنتم أم نبط؟ قال: عرب استنبطنا، ونبط استعربنا. قال: فحرب أنتم أم سلم؟ قال: سلم"٢، أو أنه قال لهم: "ويحكم! ماأنتم! أعرب؟ فما تنقمون من العرب! أو عجم؟ فما تنقمون من الإنصاف والعدل! فقال له عدي: بل عرب عاربة وأخرى متعربة، فقال: لو كنتم كما تقولون لم تحادّونا وتكرهوا أمرنا، فقال له عدي: ليدلك على ما نقول أنه ليس لنا لسان إلا بالعربية"٣. فلسان أهل الحيرة عربي، ليس لهم لسان سواه. بها كانوا ينظمون الشعر وبها كتبوا. فهذه العربية هي عربية الحيرة وعرب العراق. وساير كثير من المستشرقين علماء العربية في تقسيم اللهجات العربية إلى عربيتين: عربية جنوبية، هي العربية القحطانية. وعربية شمالية، هي عربية القبائل العدنانية. ولكل مجموعة لهجات محلية، لم تكن تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا، وتتباين بونًا شاسعًا، وإنما اختلفت في أمور بسيطة من الفروق اللسانية، بحيث لا نستطيع أن نضعها في مجاميع لغوية جديدة٤. ومن الكتابات الجاهلية التي يعود عهد بعض منها إلى ما قبل الميلاد، حصل الباحثون على علمهم بلغة العرب الجنوبيين وبحضارتهم، وقد تبين لهم منها أن تلك الكتابات تمثل لغة متطورة ذات قواعد نحوية وصرفية، وأنها كانت لغة التدوين

стр. 5625

عندهم، وقد استعملت مصطلحات فنية تدل على وجود حضارة لدى الكاتبين بها، وقد دام التدوين بها إلى ظهور الإسلام١. أما علمنا بقواعد نحو وصرف اللغة العربية الشمالية، التي نسميها اللغة الفصحى، فمستمد من الموارد الإسلامية فقط، لعدم ورود نصوص جاهلية مدوّنة بها. ولهذا اقتصر علمنا بها على ما جاء عنها في الموارد الإسلامية ليس غير. أما النصوص المعدودة القصيرة، التي تبدأ بنص النمارة، وتنتهي بكتابة "حران اللجا" التي يعود عهدها إلى سنة "٤٦٣" من سقوط "خبر" "خيبر"، المقابلة لسنة "٥٦٨" للميلاد، فإنها وإن كانت قد كتبت بعربية قريبة من العربية المحضة، إلا أنها تمثل في الواقع لهجة من اللهجات العربية الشمالية، متأثرة بالإرمية "النبطية" ولذلك لا أستطيع اعتبارها نصوصًا من نصوص العربية الفصحى الخالصة، ثم إنها قصيرة أطولها نص النمارة، المدون بخمسة سطور فقط. ويعود عهده إلى سنة "٣٢٨" للميلاد. ولهذا لم نتمكن من استنباط شيء مهم منها، يفيدنا في تعيين صرف ونحو العربية الفصحى، أو هذه العربية التي دونت بها. ولهذه الأسباب علمنا اليوم بقواعد وبنحو كتابات المسند، والكتابات الثمودية واللحيانية والصفوية والنبطية، مستمد من موارد هي أقدم جدًّا من الموارد الإسلامية، يعود تأريخ بعض منها إلى ما قبل الميلاد. ووثائق هذه العربيات جاهلية أصيلة، لا يشك أحد في أصالتها، أما العربية الفصحى فنصها الوحيد، الذي لا يشك أحد في أصالته هو القرآن الكريم، فلا نص بها قبله، وهو أطول نص ورد إلينا بهذه العربية وبسائر العربيات الأخرى بغير استثناء. هذا وقد سبق لي أن تحدثت في الفصل الأول من هذا الكتاب عن تحديد لفظة العرب، وعن معانيها، وعن ورودها في مواضع من القرآن، مثل: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ٢. وفيه ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٣. وفيه: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ

стр. 5626

قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ ١. وفيه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٢. و ﴿كَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ ٣. و ﴿كَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ ٤. و ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ٥. و ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٦. و ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٧. و ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٨. و ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ٩. فاللسان الذي نزل به القرآن، هو اللسان العربي "الفصيح الكامل الشامل ليكون بينًا واضحًا ظاهرًا قاطعًا للعذر مقيمًا للحجة دليلًا إلى المحجة"١٠. وقد نزل "محكمًا معربًا"١١. وذلك تمييزًا لهذا اللسان عن ألسنة الأمم الأخرى التي نسبت إلى العجمة، فصارت ألسنتها ألسنة أعجمية١٢. فاللغة العربية إذن، هي لغة "العرب"، وبهم سميت وعرفت فأخذت تسميتها من اسمهم. وقد عرفنا أن المدلول الأول للفظة "العرب" هو البداوة والأعرابية، ثم توسع في مدلولها، حتى شمل كل سكنة جزيرة العرب من بدو وحضر، فأهل المدر عرب، وأهل الوبر عرب كذلك، وعرف أهل البوادي بالأعراب، تمييزًا لهم عن أهل القرى، أي: الحضر، وصارت اللفظة سمة خاصة بهم. أما لسانهم ولسان الحضر، فهو اللسان العربي وكفى. ووسمت هذه العربية بسمة أخرى، صارت ترادفها حتى اليوم، هي "العربية الفصحى" و"اللغة الفصحى"، يريدون بها هذه اللغة التي نزل بها القرآن الكريم.

стр. 5627

تمييزًا لها عن بقية اللغات واللهجات. والفصح والفصاحة البيان١. وبما أن اللغة العربية بينة بليغة قيل لها ذلك. وهي في معنى ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ، أي: لسان عربي فصيح أو بين. وبذلك لا ينصرف الذهن إلى لغات العوام ولا إلى لهجات القبائل في الجاهلية أو لغات أهل العربية الجنوبية، لأنها لا تتصف بصفة الفصاحة في نظر علماء اللغة. واللغة العربية التي نكتب بها، لغة واسعة، ما في سعتها من شك: ألفاظها كثيرة، حتى لتجد فيها مئات وعشرات من المسميات وضعت كلها لمسمى واحد على ما يذكره أهل اللغة. فللأسد وللفرس وللجمل وللسيف وما يتعلق بها ألفاظ كثيرة، تجدها في كتب اللغة والمعجمات. ونحن لا نريد الشك في ذلك، ولكننا إذا أردنا أن نبحث بأسلوب علمي حديث مستند إلى لهجات القبائل، وإلى ما ورد في النصوص الجاهلية، فإننا سنضطر إلى القول بأن هذه الكثرة من الألفاظ ليست مسميات لشيء واحد في لغة واحدة، هي لغة القرآن الكريم، وإنما هي مسميات لذلك الشيء في لهجات عربية أخرى، جمعها علماء اللغة في الإسلام من أفواه أناس ينتمون إلى قبائل متعددة، أشاروا إلى أسماء القبائل التي تكلمت بها أحيانًا، ولم يشيروا إليها في أغلب الأحيان. فذهبت بين الناس على أنها مسميات لمسمى واحد في لغة واحدة، هي هذه اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، أي: أنهم جعلوها من الألفاظ المترادفة. ولم تعين الموارد الأعجمية شكل اللغة العربية، ولم تنص على لسان واحد من ألسنة العرب، على أنه اللسان العربي الفصيح العام الذي كان يتكلم به كل العرب. ولم يعين القرآن هوية اللسان العربي، ولم يخصصه بلسان معين من ألسنة العرب المتعددة، وإنما جاءت التسمية فيه عامة شاملة، لا تخص لسانًا واحدًا، ولا لغة معينة محددة. قال المفسرون في تفسير الآية: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ، "فأنزلنا هذا القرآن عربيًّا إذ كانوا عربًا"٢، وقالوا في تفسير الآية: ﴿وكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ ، "كذلك أيضًا أنزلنا الحكم والدين حكمًا عربيًا" وجعل ذلك عربيًّا ووصفه به لأنه أنزل على محمد ﷺ ، وهو عربي

стр. 5628

فنسب الدين إليه، إذ كان عليه نزل فكذب به الأحزاب"١، وقالوا في تفسير الآية: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ : "يقول تعالى ذكره وهكذا أوحينا إليك يا محمد، قرآنًا عربيًّا بلسان العرب؛ لأن الذين أرسلتك إليهم قوم عرب فأوحينا إليك هذا القرآن بألسنتهم ليفهموا ما فيه من حجج الله وذكره لأنا لا نرسل رسولًا إلا بلسان قومه ليبين لهم، لتنذر أم القرى وهي مكة وما حولها"٢. وقال "الطبري" في مقدمة تفسيره "فإن كان ذلك كذلك، وكان غير مبين منّا عن نفسه من خاطب غيره مما لا يفهمه عنه المخاطب، كان معلومًا أنه غير جائز أن يخاطب جل ذكره أحدًا من خلقه إلا ما يفهمه المخاطب، ولا يرسل إلى أحد منهم رسولًا برسالة إلا بلسان وبيان يفهمه المرسل إليه، لأن المخاطب والمرسل إليه إن لم يفهم ما خوطب به وأرسل به إليه فحاله قبل الخطاب وقبل مجيء الرسالة إليه وبعده سواء، إذ لم يفده الخطاب والرسالة شيئًا كان به قبل ذلك جاهلًا. والله جل ذكره يتعالى عن أن يخاطب خطابًا أو يرسل رسالة لا توجب فائدة لمن خوطب أو أرسلت إليه، لأن ذلك فينا من فعل أهل النقص والعبث والله تعالى عن ذلك متعال. ولذلك قال جل ثناؤه في محكم تنزيله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ . وقال لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . فغير جائز أن يكون به مهتديًا من كان بما يهدي إليه جاهلًا. فقد تبين إذن بما عليه دللنا من الدلالة أن كل رسول لله جل ثناؤه أرسله إلى قوم، فإنما أرسله بلسان من أرسله إليه، وكل كتاب أنزله على نبي ورسالة أرسلها إلى أمة فإنما أنزله بلسان من أنزله أو أرسله إليه. واتضح بما قلنا ووصفنا أن كتاب الله الذي أنزله على نبينا محمد ﷺ ، بلسان محمد ﷺ ، وإذ كان لسان محمد ﷺ عربيًّا، فبين أن القرآن عربي. وبذلك نطق محكم تنزيل، فقال جل ذكره: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا

стр. 5629

لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١. وقد تعرض علماء العربية لمعنى "العجم" والعرب، فقالوا: "العجم" خلاف العرب، والأعجم من لا يفصح ولا يبين كلامه وإن كان من العرب، ومن في لسانه عجمة وإن أفصح بالعربية، "وفي التنزيل: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ ٢". وكل من لم يفصح بشيء فقد أعجمه، وأعجم الكتاب خلاف أعربه، أي: نقطه بالنقط، وورد في شعر قيل هو لرؤبة ويقال للحطيئة: الشعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه زلت به إلى الحضيض قدمه ومنه: والشعر لا يطيعه من يظلمه ... يريد أن يعربه فيعجمه أي: يأتي به أعجميًّا، يعني: يلحن فيه، وقيل: يريد أن يبينه فيجعله مشكلًا لا بيان له٣. وقالوا: العرب خلاف العجم، ورجل معرب، إذا كان فصيحًا وإن كان عجمي النسب. والإعراب الإبانة والإفصاح عن الشيء. وأن يعرب بن قحطان هو أول من تكلم بالعربية، وأول من انعدل لسانه عن السريانية إلى العربية، وبه سمي العرب عربًا. وقيل: "إن رسول الله، ﷺ ، تلا ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُون﴾ ثم قال: "ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهامًا"، وقيل: إن يعرب أول من نطق بمنطق العربية، وإسماعيل هو أول من نطق بالعربية الخالصة الحجازية التي أنزل عليها القرآن٤. إلى غير ذلك من أقوال تحاول ربط لفظة "العرب" بالإعراب والإفصاح والإبانة، وربط العربية -أي: لسان العرب- بقحطان، وبإسماعيل، ووراء كل هذه الأقوال المصطنعة عصبية تتحزب لقحطانية

стр. 5630

أو لعدنانية، التي هي اصطنعت هذه الأقوال في الإسلام، وحذلقة مصطنعة باردة استغلت المجانسة اللفظية بين عرب ويعرب وأعرب، لإيجاد صلة بين معاني هذه الألفاظ وفي جذورها. وتشمل لفظة "العجم" كل من ليس بعربي، وهي في مقابل لفظة: "Barbarian" في اللغة الانكليزية المأخوذة من أصل يوناني، وهي لا تعني المتوحشين وإنما "أعاجم" و"غرباء" بتعبير أصح، الذين كانوا لا يحسنون التكلم بلغة المهذبين، بل كانوا يرطنون في كلامهم، ويتكلمون بلهجات رديئة، ثم أطلقها الليونان على كل من لا يحسن التكلم باليونانية وعلى كل من يتكلم بلغة غير يونانية. ولما دخل اليونان في حكم الرومان، صارت الكلمة تطلق على كل الشعوب الأخرى التي لا تتكلم باليونانية، أو اللاتينية١. ولا أستبعد احتمال مجيء هذه النظرية عند العرب من اليونان، وإن كان اليونان، لم ينفردوا بها وحدهم، فقد كانت الشعوب القديمة تعرف مثل هذه المصطلحات، ومصطلح: "كوييم" "Goim" العبري، الذي يعني "Gentile" في الانكليزية، وغرباء، وشعوب، ومشركين عبدة أصنام٢، يعبر عن هذه النظرة. فكل الشعوب باستثناء "العبرانيين" هم "كوبيم"، والعبرانيون هم المتكلمون بالعبرانية، وغيرهم هم الذين لا يتكلمون بها. ولفظة "العجم"، وإن كانت لفظة عامة، قصد بها كل من هو ليس بعربي، لكنها أطلقت في الغالب على الفرس واليونان، وهم أرقى الشعوب التي احتك بها العرب في ذلك الوقت. وأطلقت على الفرس بصورة خاصة، لما كان للساسانيين من اتصال خاص بالعرب قبيل الإسلام. أما سكان إفريقية، فلم تطلق عليهم هذه اللفظة إلى قليلًا؛ لأن العرب لم ينظروا إليهم نظرة احترام؛ ولهذا عرفوا عندهم بالعبيد، وبالحبش، وبالسودان. وقد نعتوا بالطمطمانية، فورد "طمطم حبشيون"، بالنظر إلى لغتهم، وعدم تمكنهم من الإفصاح بالعربية. وقد ورد في معلقة "عنترة": "أعظم طمطم"، في هذا البيت: تأوى له قلص النعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم٣

стр. 5631

ومن القرآن واللغة استنبط علماء اللغة قولهم في أن العربية من الإبانة والإفصاح، وأنها إنما دعيت بذلك لأن "يعرب بن قحطان" كان أول من أعرب بلسانه فنسب هذا اللسان إليه. فقد رأينا أن الآيات المتقدمة التي أشرت إليها، ذكت أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وقد جعلته في مقابل اللسان الأعجمي، فاستنتجوا منها أن العربية بمعنى الإفصاح والإبانة، وأن التسمية إنما جاءت من هذا القبيل، مع أن الوصف راجع للغة القرآن، لا للعربية نفسها، ثم وجدوا أن الإعراب في اللغة بمعنى الإفصاح والإبانة، فربطوا بين هذه اللفظة وبين لفظة "العرب"، وقالوا: إن "عرب" بمعنى فصح، وأن "العرب" من هذا الأصل، مع أنهم يذكرون أيضًا أن تعرب معناها أقام بالبادية، وأن تعرب واستعرب، بمعنى رجع إلى البادية بعد ما كان مقيمًا بالحضر فلحق بالأعراب. وأن تعرب بمعنى تشبه بالعرب وتعرب بعد هجرته، أي: صار أعرابيًّا، وأن في الحديث: ثلاث من الكبائر، منها التعرب بعد الهجرة، وهو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب، بعد أن كان مهاجرًا، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد١، ومعنى هذا أن صلتها بالأعرابية وبـ"العرب" بمعنى البدو أهل البادية، أقرب إلى المنطق والمعقول من صلتها بالإبانة والفصاحة، أي: الإعراب. وقد سبق أن ذكرت أن معنى اللفظة في النصوص الأشورية وفي كتب اليونان واللاتين والعبرانيين والسريان، وفي المسند، هو "البداوة" والأعرابية لا غير، ثم أطلقت على جمع سكنة جزيرة العرب، لغلبة الحياة الأعرابية عليها حتى صارت لفظة "العربية" بمعنى بلاد العرب، تدخل فيها مواطن أهل المدر وأهل الوبر، وصارت لفظة "العرب" علمًا على جنس وقوم. وإذا أخذنا بهذا التفسير التأريخي المستمد من النصوص، لزم علينا القول إن العربية من "عرب" "العرب"، أهل العربية، وهم "الأعراب"، وقد أطلقت على ألسنتهم جميعًا من غير تمييز، فكل لهجات العرب: لهجات بدو أو لهجات حضر، هي لهجات عربية، لأنهم عرب ومن سكنة بلاد العرب، ولهذا عرفت "جزيرة العرب" كلها "بالعربية" في كتب اليونان واللاتين على نحو ما تحدثت عن ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب، لا نستثني منها لهجة من اللهجات، مهما كان قربها أو بعدها من العربية التي نزل بها الوحي.

стр. 5632

فما ذكره علماء اللغة من تخريج في وجه تسمية العرب بهذا الاسم، من اشتقاق اللفظة من "عربة" التي قالوا: إنها باحة العرب، أو من "يعرب"، أو من أعراب لسانهم، أي: إيضاحه وبيانه، لأنه أوضح الألسنة وأعربها عن المراد بوجوه من الاختصار، أو بما شاكل ذلك، هو كله تخريج متكلف، يمثل تخبطهم فيه، كتخبطهم في تفسير الأسماء التي لم يعرفوا من أصلها شيئًا، فوضعوا لها تخريجات أوجدوها لإظهار علمهم بها، ووقوفهم عليها، وعلى كل شيء قديم١. وفي العربية الحالية: الإعراب. وهو تغير أواخر الكلمات بتغير العوامل الداخلة عليها بالرفع والنصب والجر والسكون. احتفظت العربية به على حين فقدته معظم اللغات السامية، باستثناء البابلية القديمة٢. ويظهر من القرآن ومن الشعر الجاهلي، أن الإعراب كان من سمة هذه اللغة التي نزل بها الوحي. ويرى بعض المستشرقين أن الإعراب كان موجودًا في جميع اللغات السامية، ثم خف حتى زال من أكثر تلك اللغات. ونرى له أثرًا يدل عليه في العبرانية في حالتي المفعول به وفي ضمير التبعية، وفي السريانية والبابلية في ضمير التبعية، فإن هاتين الحالتين تدلان على وجود الإعراب في أصولها القديمة٣. ولعلماء العربية بحوث مستفيضة في "الإعراب"٤، كما أن للمستشرقين بحوثًا فيه. وقد ذهب بعض منهم إلى أن بعض اللهجات العربية القديمة، مثل لهجة قريش لم تكن معربة، أو أنها لم تكن على هذا النحو من الإعراب الذي ثبته وضبطه علماء العربية في الإسلام، حتى ذهب "كار فولرس" إلى أن القرآن لم يكن معربًا في أول أمر نزوله، لأنه نزل بلسان قريش، وهو لسان غير معرب، وإنما أعرب حين وضع علماء اللغة والنحو قواعد العربية على وفق لغة.

стр. 5633

الأعراب المعربة، التي أخذوها من تتبعهم الشعر الجاهلي وكلام الأعراب١. وقد لمس "كاله" هذا الموضوع كذلك، وتطرق إلى ما ورد في الرواية من أخبار تحث المسلم على وجوب مراعاة قواعد الإعراب عند قراءته القرآن. فاستنتج منها أن كتاب الله لم يكن عند نزوله معربًا، فلما جعل الإعراب من سمات العربية، أعرب وفقًا لقواعده. وساق دليلًا على رأيه من آراء بهذا الموضوع للفراء "٢٠٧هـ". وهو يرى أن علماء العربية استنبطوا قواعد الإعراب من الشعر ومن لغات الأعراب، ثم ضبطوا بها النص القرآني بموجبها، وبذلك سعوا لخدمة القرآن٢. وقد خالف "كابر" "R. Geyer" و"نولدكه" "Th. Noldeke" رأي "فولرس"، وذهبا إلى أن ما ذهب إليه من أن القرآن لم يكن معربًا، ثم أعرب، رأي لا يؤيده دليل، لا من حديث ولا من خبر أو لغة، وذهبا إلى احتمال حدوث اختلاف في القراءات، بسبب كون الحروف صامتة، فلما كان الرسول يتلو القرآن، وكان الصحابة يدونونه بحروف صامة، لا حركات فيها ولا علامات تميز الحروف المتشابهة بعضها من بعض، وقع اختلاف في التلفظ بسبب عدم وجود الحركات، ووقع اللحن من بعضهم في القراءة، ولكن القرآن معرب، وآية ذلك وجود آيات عديدة لا يمكن فهم معانيها إلا بقراءتها معربة٣. ففي القرآن آيات لا تترك مجالًا للشك في أنه نزل معربًا، ففي آية ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٤، وفي آية ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ٥، وآية ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ ٦، وآية ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ ٧، وغيرها، براهين واضحة تفيد أن موقع الكلم فيها كان معربًا، وأن هذا التركيب الذي تختلف معانيه باختلاف تحريك أواخر كلمه، لا بد وأن يكون كلامًا معربًا

стр. 5634

في أصله، وليس من التراكيب التي أصلحت فيما بعد وفقًا لقواعد الإعراب١. وروي أن أعرابيًّا سمع إمامًا يقرأ: "وَلا "تَنْكِحُوا" الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا"، بفتح تنكحوا، فقال: سبحان الله هذا قبل الإسلام قبيح فكيف بعده! فقيل له: إنه لحن والقراءة: ﴿وَلا تُنْكِحُوا﴾ ، فقال: قبحه الله، لا تجعلوه بعدها إمامًا، فإنه يحل ما حرم الله٢. والعربية المحضة، هي عربية معربة، فيها كل خصائص الإعراب، غير أن الإعراب يتباين فيها بعض التباين بحسب تباين اللهجات، نقول ذلك استنادًا إلى ما ضبطه علماء اللغة من وجوه الاختلاف بين لغات العرب. ونرى أثر الأعراب في النص المعروف بنص "حران" لصاحبه "شرحيل بن ظلمو" "شراحيل بن ظالم"، ففي جملة "بنيت ذا المرطول" الواردة فيه، والمكتوبة بصيغة المفعولية بنصب لفظة "ذا" لوقوع الفعل عليها، دلالة على وجوب الإعراب في لغة هذا النص. أما جملة "أنا شرحيل بر ظلمو"، فقد دونت وفقًا لقواعد النبطية لا العربية الفصيحة، مما يدل على تأثير الكاتب باللهجة النبطية. أما بالنسبة إلى عربية المسند، فإننا لا نستطيع أن نتحدث عن وجود من يتكلم بها على نحو ما كانت في الجاهلية من الصفاء والأصالة، ولأن المسند لا يستعمل الحركات في الكتابة ولا أية علامة تدل على تغير أواخر الكلمات، فلا ندري كيف كانوا يحركون أواخر الكلم، وعلى معرفة هذه الحركات يتوقف بالطبع معرفة وجود الإعراب من عدم وجوده في لهجة من اللهجات. وأما بالنسبة إلى النبطية، وهي لهجة عربية شمالية، أقرب إلى العربية الفصحى من العربيات الجنوبية، فقد ذهب الباحثون في قواعدها، إلى أن أواخر الكلمات فيها، تتغير فيها بحسب مواقعها من الإعراب، حتى ذهب بعضهم إلى وجود الحركات فيها، وهي الضمة في حالة الرفع، والفتحة في حالة النصب، والكسرة في حالة الجر، غير أنهم لم يكونوا يعقبون هذه الحركات بالنون. والإعراب وإن سقط اليوم من لغاتنا الدارجة، ومن لهجات الأعراب، غير أن هنالك قبائل في جزيرة العرب، لا تزال تتكلم بلهجة عربية معربة، إعرابها

стр. 5635

موافق لإعراب هذه العربية الفصحى، ونحن نأسف لأن علماء العربية في هذا اليوم، لم يهتموا حتى الآن بدراسة لهجات هذه القبائل، ودراسة أصولها وأنسابها، ولم يعتنوا بوضع خريطة بمواضع القبائل موزعة على حسب لهجاتها وخصائص ألسنتها، في الماضي وفي الحاضر، مع أن في وضع هذه الخرائط أهمية كبيرة في تعيين لغات العرب، وفي كيفية تثبيت المناطق التي انتشرت فيها العربية الفصحى، والمناطق التي لا تزال تتحدث بها بطبيعتها، لا عن دراسة وتمرين. والعربية لغة واسعة، "قال بعض الفقهاء: كلام العرب لا يحيط به إلا نبي"١. و"أن الذي انتهى إلينا من كلام العرب هو الأقل، ولو جاءنا جميع ما قالوه لجاءنا شعر كثير وكلام كثير"٢. وفي كلام علماء اللغة هذا حق، فالألفاظ وهي مادة اللغة وسداها ولحمتها لا يمكن أن يساير عمرها عمر اللغة، فمنها ما يموت، لذهاب الحجة إليه، وقد تتبدل معاني الألفاظ وتتغير، إلى غير ذلك من أمور تطرأ على الألفاظ بحث عنها علماء اللغة، وهي لا تدخل في موضوعنا هذا، في هذا المكان. هذا وليس من السهل على أحد التحدث في هذا الوقت عن مبدأ نشوء العربية الفصحى، وعن الأدوار التي مرت عليها حتى بلغت المرحلة التي وصلت إليها بتثبيتها في القرآن الكريم. وذلك بسبب عدم وجود نصوص جاهلية مدونة بهذه اللهجة؛ فالقرآن الكريم هو الذي ثبتها وعرفنا عليها، وبفضل كونه كتابًا مقدسًا أقبل العلماء على دراسة لغته، واضطروا على جمع قواعدها، فصارت لغتنا الفصحى، أما الشعر الجاهلي، فمع أنه أقدم عهدًا من القرآن، لكنه ثبت ودون بعده، إذ لم يصل إلينا حتى الآن أي أثر منه مدون تدوينًا جاهليًّا، ولهذا فالقرآن والشعر هما أقدم ما عندنا من نصوص بهذه العربية في النثر وفي النظم، ولولاهما لما كان في وسعنا الوقوف عليها. ولعربيتنا بعد، في نظر علماء العربية خصائص ومميزات، ميزتها كما يقولون عن بقية اللغات منها: اتساعها من حيث المفردات، ومنها تخصصها دون غيرها

стр. 5636

على حدّ قولهم بالإعراب، ومنها، تفردها بالمترادفات، وبالأضداد، أضف إلى كل ذلك اتساع حجم قواعد نحوها وصرفها. قال "ابن فارس": "فلما خص –جل ثناؤه- اللسان العربي بالبيان عُلم أن سائر اللغات قاصرة عنه وواقعة دونه. فإن قال قائل: فقد يقع البيان بغير اللسان العربي، لأن كل من أفهم بكلامه على شرط لغته فقد بين، قيل له: إن كنت تريد أن المتكلم بغير اللغة العربية قد يعرب عن نفسه حتى يفهم السامع مراده فهذا أخس مراتب البيان، لأن الأبكم قد يدل بإشارات وحركات له على أكثر مراده، ثم لا يسمى متكلمًا، فضلًا عن أن يسمى بينًا أو بليغًا. وإن أردت أن سائر اللغات تبين إبانة اللغة العربية فهذا غلط، لأنا لو احتجنا إلى أن نعبر عن السيف وأوصافه بالفارسية لما أمكننا ذلك إلا باسم واحد، ونحن نذكر للسيف بالعربية صفات كثيرة، وكذلك الأسد والفرس وغيرهما من الأشياء المسماة بالأسماء المترادفة. فأين هذا من ذاك؟ وأين لسائر اللغات من السعة ما للغة العرب؟ "١.

стр. 5637

المترادفات: وفي العربية ألفاظ عديدة يراد بها معنى واحد، فللعسل "٨٠" اسمًا، وللأسد "٣٥٠"، وقيل: "٥٠٠"، وقيل: "٦٧٠"، وللحية "٢٠٠"، وقيل: "٥٠٠"، وللداهية "٤٠٠"، وقيل: أربعة آلاف، وللحجر "٧٠"، وللكلب "٧٠"، وللسيف "٣٠"، وقيل: "١٠٠٠"، وللناقة "٢٥٥"، وللبعير "١٠٠٠"، وللشمس "٥٢"، وللخمر "١١٠"، وقيل: "٢٠٠"، وللبئر "٨٨"، وللماء "١٧٠" وغير ذلك، وخاصة ما يدخل في باب الصفة، وما يدخل في باب الميل الجنسي، فلا تكاد تتصفح مادة في معجم، حتى تصيب من مترادفاته لفظًا أو أكثر١. ويقال لهذه الألفاظ التي تدل على شيء واحد: "المترادفات". والمترادف.

стр. 5638

أن تكون أسماء لشيء واحد، وهي مولدة ومشتقة من تراكب الأشياء١. وعرف بعض العلماء المترادف، بأنه الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد٢. ولعلماء اللغة كلام في المترادفات. منهم من يقول بالمترادفات، وبأن الألفاظ وإن اختلفت فإنها ترجع إلى معنى واحد، ومنهم من أنكر الترادف، وزعم أن كل ما يظن من المترادفات، فهو من المتباينات التي تتباين بالصفات٣، وإن في كل واحدة معنى منها معنى ليس في الأخرى٤. ومن قال بالترادف، نظر إلى اتحاد دلالتها على الذات، ومن يمنع نظر إلى اختصاص بعضها بمزيد معنى، فهي تشبه المترادفة في الذات والمتباينة في الصفات. وجعل بعضهم هذا قسمًا آخر، سماه المتكافئة٥. والذين ينكرون الترادف، يقولون: إن كثرة الألفاظ للمعنى الواحد إذا لم تكثر بها صفات هذا المعنى كانت نوعًا من العبث تجل عنه هذه اللغة. ويرون أن كل لفظ من المترادفات فيه ما ليس في الآخر من معنى وفائدة، وأن كل حرفين أوقعتهما العرب على معنى واحد ففي كل واحد منهما معنى ليس في صاحبه٦. وهم يعتبرون المترادفات أسماء تزيد معنى الصفة، ويختلفون بذلك عن غيرهم ممن أنكر الترادف، وقالوا: إن الموضوع للمعنى الأصلي اسمًا واحدًا والباقي صفات له لا أسماء، فأسماء السيف كلها أصلها السيف وسائرها صفات له، كالمهند، والصارم والعضب وغيرها٧، ثم تنوسيت هذه الأحوال بالتدريج، وكادت تتجرد هذه الألفاظ من تلك الفروق والأوصاف بالاستعمال، وغلبت عليها الاسمية٨. ومذهب آخر يرى إثبات الترادف، لكنه يخصه بإقامة لفظ مقام لفظ آخر لمعان متقاربة يجمعها معنى واحد. كما يقال أصلح الفاسد، ولمّ الشعث، ورتق

стр. 5639

الفتق، وشَعَب الصدع، ونحوها. أما إطلاق الأسماء على المسمى الواحد، فيسمونه المتوارد: كالخمر، والعقار، والليث، والأسد. ومنهم من أثبت الترادف مطلقًا بدون قيد ولا اعتبار، ولا تقسيم؛ وعليه أكثر اللغويين والنحاة١. ومن أهم أسباب الترادف في العربية، أن العرب كانوا قبائل لها لهجات وألسنة مختلفة، فتباينت بتباين ألسنتها أسماء الأشياء. فالسكين لغة في المدية والمدية لغة في السكين عند دوس. وفي حديث أبي هريرة: "والله لم أكن سمعتها يومئذ"، وذلك حين قدم من دوس ولقي الرسول، وقد وقعت من يده السكين، فقال له: ناولني السكين، فلم يفهم ما المراد باللفظ، فكرر القول ثانية وثالثة، فقال: آلمدية تريد؟ وأشار إليها فقيل له: نعم، فقال: أو تسمى عندكم السكين، والله لم أكن سمعتها إلا يومئذ٢. فقد تكون قبيلة استعملت كلمة لم تستعملها الأخرى، أو استعملت غيرها، خصوصًا وأن بعض البيئات الطبيعية والاجتماعية لقبيلة قد تخالف ما للقبيلة الأخرى، فقبيلة على الساحل وأخرى في جبل، وثالثة في بادية، وقد تأخذ قبيلة اسمًا من الأعاجم لشيء لم يعرف اسمه عندها فتعربه، فيكون اسمًا له، وقد تأخذ قبيلة اسمًا أو أسماء توجد في لسانها من لسان قبيلة أو ألسنة قبائل أخرى، فلما جمع علماء اللغة ألفاظ العربية ودونوها، ولم يفطنوا إلى أصلها ولا إلى القبائل التي استعملتها، ولا إلى تأريخها، لعدم وجود هذا النحو من البحث عندهم في ذلك الوقت، فدونت على أنها مترادفات، وهم في ذلك على صواب، ولكنهم كانوا على خطأ، من حيث أنهم لم يدركوا أنها كانت لغات قبائل، وأن جمعهم للألفاظ، وإهمالهم الإشارة على أسماء القبائل المتكلمة بها، جعلها مترادفات بالمعنى الذي ذهبوا هم إليه. وبذلك اتسعت مادة مفردات المعجم العربي اتساعًا كبيرًا، وهو في حقيقته حاصل جمع لهجات، أخذ من اختلاف الألسنة ومن مختلف اللهجات، فضم كله إلى معجم العربية، وظهر على أنه مفردات هذه العربية، لعدم إفصاح علماء اللغة

стр. 5640

عن أصل كل مترادف وعن اللسان الذي نطق به في الغالب، فعمي الأمر علينا، وصرنا نعتبر هذه الألفاظ التي تقصد مسمى واحد من المترادفات. ويرى بعض علماء اللغة أن من أسباب وقوع الترادف أن الصفات قد تتحول بتفشي الاستعمال وبكثرة ورودها على الألسنة فتنزل هذه الصفات منزلة الحقائق العُرفية١. وقد تضخمت كتب اللغة كثيرًا بكلمات استعملها الشعراء وصفًا لأشياء، فذكرها اللغويون على أنها أسماء لتلك الأشياء، "فمثلا إذا أطلق شاعر كلمة الهَيْصم على الأسد من الهصم وهو الكسر، وأطلق عليه آخر الهرّاس من الهرس، وهو الدق، وضع أصحاب المعاجم الكلمتين على أنهما اسمان مرادفان للأسد"٢. ولا يعد ثراء لغة بكثرة مفردفاتها ومتردافاتها دليلًا على ثراء تلك اللغة، ولا أمارة على تقدمها من الناحية العقلية، فإن اللغة تستمد مادتها من جميع محصولات اللغة الخاصة بالحرف، والمهن، وبالحياة الروحية، كما تستمدها من جميع لهجات القبائل، وما نجده من كثرة مفردات ومترادفات في العربية، لا يعود إلى كون هذه العربية لغة قبيلة واحدة، أو عرب من العرب، وإنما بسبب كونه حاصل جمع لغات، جمعه العلماء من ألسنة متعددة فدونوه، فظهر الشيء الواحد وقد يكون له عشرة أسماء أو أكثر من ذلك أو أقل حسب كثرة أو ندرة استعماله بين العرب، فما كان مألوفًا عندهم، وكانوا في حاجة ماسة إليه، وكان استعمالهم له كثيرًا، وفوائده بالنسبة لهم عديدة، كثرت مسمياته، بل مسميات أجزائه كما كثرت عندهم صفاته، التي تتحول بمرور الزمن إلى أسماء، ولهذا نجد في العربية كثرة من الأسماء والألفاظ، هي في الأصل صفات ونعوت لخصائص أشياء٣. ومن أمثلة المترادفات في العربية: القمح، والبُر، والحنطة، قال علماء اللغة: القمح: البر، لغة شامية، "وأهل الحجاز قد تكلموا بها، وقد تكرر ذكره في الحديث. وقيل: لغة قبطية"٤، والبر بالضم الحنطة، قال المتنخل الهذلي:
следующие страницы →